٤ - "لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما الموتى فلا يعلمون شيئًا وليس لهم أجر بعد لأن ذكرهم قد نسي" (١) فهذا إنكار صريح للآخرة، بأن الميت لا جزاء له ولا عقاب، ولا حساب! (٢).
أما عن الأمر الثاني:
ها هو العالم الجليل الشيخ رحمة الله الهندي يقول عن عقيدة الآخرة في التوراة والتي كُتبت بعد سبعة قرون من وفاة موسى سيدنا ﵇: (فلا ذكر للآخرة فيها, ولكن الأسفار الخمسة فيها مواعيد دنيوية للمطيعين وتهديدات دنيوية للعاصيين وهكذا توجد في مواضع كثيرة) (٣).
ويؤكد أن خلو التوراة من ذكر عقيدة اليوم الآخر دليل من الأدلة القاطعة على التحريف الذي طرأ على التوراة ذلك أن الله تعالى جعل عقيدة اليوم الآخر جزءًا أساسًا في الدين الحق الذي أنزله على الناس من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤).
وذكر الهاشمي أن هناك نصوصًا يُفهم منها الإشارة إلى يوم القيامة من هذه النصوص:
١ - "قريب يوم الرب العظيم ... ذلك اليوم يوم سخط، يوم ضيق وشدة يوم خراب ودمار يوم ظلام وقتام ... لأنه يصنع فناءً باغتًا لكل سكان الأرض" (٥).
٢ - فلنسمع ختام الأمر كله: اتق الله واحفظ وصاياه ... لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفى إن كان خيرًا أو شرًا" (٦). وهذا النص ربما كان أوضح النصوص التي تشير إلى يوم القيامة لأن الدينونة تعني الحساب حيث يدين الله كل إنسان على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر (٧).
وفي نظرة د/ الهاشمي التقويمية لما سبق من عرض نقدي لإغفال الإيمان بالآخرة في التوراة يقول: (إن ما ذكر من نصوص يبين عدم تأكيد التوراة لعقيدة الآخرة وإن هذا الإغفال أمر يعرفه كل من درس التوراة دراسة دقيقة وعرف حياة اليهود عبر تاريخهم (٨).
стр. 212
والباحثة / سميرة عبد الله عرضت ما يتعلق بتصور اليوم الآخر في التوراة وباقى أسفار العهد القديم في نقاط مجملة ثم فصلت ذلك الإجمال وناقشته وأضافت إلى ما ذكره د/ الهاشمي من أدلة - نصوصًا أخرى بينت سيطرة المادة على قلوب اليهود ولذلك فلا مكان للروحانيات عندهم واقتصرت التوراة على ذكر الموت في هذه الدنيا بصورة مادية بحتة، تاركة ذكر مصير الإنسان بعد الموت بدون بيان جلي صريح فنهاية آدم ﵇ تختم بالموت ولا شىء بعد الموت ونص ذلك: "لأنك تراب وإلى التراب تعود" (١) ... أما الحديث عن الحياة الأخرى والجنة والنار بعد البعث فالتوراة خالية من ذلك تمامًا وجعلت مناط الطاعة والمعصية هو الإثابة والعقوبة في الدنيا المتمثل في البركات واللعنات المادية التي تصيب الإنسان (٢).
٣. الأسباب وراء خلو العهد القديم من ذكر اليوم الآخر:
ولقد أَرْجع بعض العلماء خلو العهد القديم من ذكر اليوم الآخر (٣) للأسباب التالية:
١ - (لعل السبب في ذلك وجودهم بين المصريين مدة ٤٣٠ سنة كما جاء في سفر الخروج "وأما إقامة بنى إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مائة وثلاثين سنة" (٤) واقتباسهم منهم هذه العقيدة التى كانت عالقة كثيرًا بأذهان المصريين فانتقلت منهم إلى بنى إسرائيل وأصبحت عندهم من الأمور التي لا يترددون في قبولها فلذا لم يحتاجوا للتذكير بها كثيرًا فاكتفت كتبهم بالإشارة إليها أحيانًا) (٥).
٢ - أو كان السبب في قلة ذكر كتبهم لها أن الناس كانوا في تلك الأزمنة قصيري الإدراك متبلدي الشعور وخصوصًا اليهود ذوي الرقاب الصلبة كما جاء في سفر الخروج "وقال الرب لموسى رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صُلْبُ الرقبة (٦) " فلذا ما كانوا يتأثرون ولا تنفعل نفوسهم بالمواعيد الآجلة انفعالها بالمواعيد العاجلة التي أكثرت كتبهم من ذكرها لهم لغلظ قلوبهم وقسوتها فلما كثر بين الناس الشك في هذه العقيدة وارتقى إدراكهم ورق شعورهم عن ذي قبل جاء سيدنا عيسى ﵇ لتبيين هذه العقيدة العظمى واشتهر بالتصريح بها أكثر من جميع من سبقه من أنبياء بنى إسرائيل) (٧).
стр. 213
ويضيف د/ كامل سعفان أكثر من بُعد توضيحي لهذه القضية فيقول:
١ - من خلال دراسة العهد القديم نجد أنه لم يمس العالم الآخر من قريب أو بعيد وكأنه اكتفى بالعقوبات الشديدة التي تنزل بالمجرمين أو لعله تأسي بديانة أخناتون دون ما سبقها من الديانات المصرية التي كانت تؤمن بالحياة بعد الموت، حيث يحتل إلى الأبدية (أوزوريس) مكانًا رئيسًا بين الآلهة ... فإذا كان موسى (العهد القديم) من رجال أخناتون أو أحد دعاته، وإذا كان (الخروج) تم فى عهد أعداء أخناتون فقد كان على كتَّاب العهد القديم أن يراعوا هذه العلاقات السياسية (١).
٢ - ويقول أيضًا: ولكنا نجد في سفر الجامعة - الإصحاح الثالث: "إن ما يحدث لبنى البشر يحدث للبهيمة ... كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما من يعلم روح بنى البشر هل هى تصعد إلى فوق وروح البهيمة هل هي تنزل إلى أسفل، إلى الأرض ... إنه لا شىء خير من أن يفرح الإنسان بأعماله, لأن ذلك نصيبه" (٢) وهذا قول لا يفيد شيئًا عن البعث والحساب.
٣ - أما أول إشارة إلى البعث فلا نكاد نجدها قبل (سفر دانيال ١٢) (٣) مما يفيد تحولًا في العلاقات السياسية والثقافية، أو هو دليل على ما أصاب (التوراة) من تحريف وتزييف، إذ أنه أثر الاتصال بالديانة الزرادشتية زمن الأسر الطويل، وإبّان الاتصال بدولة الفرس في عهد قورش (المخلّص) ... وجاء عصر السيد المسيح وما يزال الخلاف بين الطوائف الإسرائيلية حول الحياة الآخرة وفقًا للإيمان ببعض الأسفار دون الآخرى) (٤).
٤. بدايه ظهور عقيدة اليوم الآخر وتطورها فى الفكر اليهودي:
وضع علماء المسلمين أيديهم على سبب ظهور عقيدة اليوم الآخر عند بنى إسرائيل وأرجعوا ذلك إلى ما حدث لهم في فترة التيه والتشريد التي عاشوها وكذلك إلى فترة السبي البابلى وما ذاقوه من ويلات في هذه الفترة التاريخية كل ذلك كان له أكبر الأثر في وقوف اليهود مع أنفسهم مما جعلهم يعيدوا التفكير فيما وراء هذه الحياة الدنيا من أمور غيبية.
стр. 214
ولذلك يري "حسن ظاظا فى كتابه: "الفكر اليهودي":
(أن اليهود لم يفكروا في الغيبيات إلا بعد أن تعرضوا للسبي البابلى ثم التشتت في الأرض على أيدي الرومان) (١).
ويحدد في موضع آخر من كتابه مفهوم الغيبيات الذي اتجه تفكير اليهود إليه فيذكر: (أن التفكير في الغيبيات كان يتخذ اتجاهين محددين هما: نهاية العالم والخلاص على يد المسيح المنتظر) (٢).
ويؤكد د/ صفوت مبارك على ذلك بقوله:
(بعد الأسر البابلي، وحلول الكوارث ببنى إسرائيل - بدأ بنو إسرائيل يتذكرون الحياة الآخرة؛ لأن الحياة الدنيا لم تعد تسير على هواهم، فظهرت أسفار تتحدث عن الجزاء الأخروي منها "سفر دانيال" الذي يتحدث عن البعث والحياة الأبدية فيقول: "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي والفاهمون يضيئون، والذين ردوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور، أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح وتقوم لقرعتك في نهاية الأيام (٣) ") (٤).
ويقول د/ أحمد شلبي من خلال اطلاعه الواسع على تاريخ اليهود وتفحص طباعهم ونوعياتهم - يقول: إن يهود الماضي ليسوا كيهود الحاضر ولذلك يري أن اليهود يرون أنفسهم قسمين: قسم تمتع بحياته الدنيا وطيباتها ولم يتعرض للأسر والتشرد، وهؤلاء قد استوفوا حظهم من الثواب الإلهي د/ يعد هناك داع لأن يحيوا حياة أخرى وهذا هو القسم الذي تناولته التوراة التي لم تتحدث عن الجزاء الأخروي حيث اعتبرت بنى إسرائيل الذين عاشوا مع سيدنا موسى ﵇ قد استوفوا ثوابهم في هذه الحياة الدنيا) (٥).
(أما القسم الثاني: فهم الذين عاشوا تحت سلطان الشعوب الأخرى أسرى أو مشردين، فهؤلاء يرى اليهود أنهم لم يستوفوا جزاءهم، ولم يثابوا على أعمالهم الصالحة، ولذا فإنهم يبعثون بعد موتهم ليوفوا جزاءهم وينالوا حظهم من النعيم) (٦).
стр. 215
ولعل هذه الفكرة كانت وراء الدعوة إلى الإيمان بالبعث والدار الآخرة التي ظهرت بعد الأسر البابلي وتناولتها أسفار العهد القديم التي ظهرت آنذاك ومما يؤكد هذه الفكرة أن العبارة التي وردت في سفر "دانيال" والتي تقول "كثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون" ولم يقل: "إن جميع الراقدين يستيقظون" ولكن بقى أن هذا النص لا يتحدث فقط عن ثواب أخروي بل يتحدث أيضًا عن عقاب أبدى في الدار الآخرة في حين أن رأى هؤلاء ينحصر في الحديث عن الثواب الأخروي (١).
وأيا ما كان الأمر فقد ظهرت "فرقة الفريسيين" (٢) وهي إحدى الفرق اليهودية التي ظهرت بعد الأسر البابلي ومن مبادئها الإيمان بالبعث والدار الآخرة ورغم جهاد هذه الفرقة في محاولة نشر هذه الفكرة بين اليهود منتهزة فرصة الصدمة التي أصابتهم بعد زوال ملكهم من فلسطين غير أن هذه الفكرة لم تجد أي صدىً لها عند اليهود وأنكرتها الفرق الأخرى (٣).
ويضيف د/ صفوت بُعدًا توضيحيًا لمبادئ الفريسيين فيقول:
(إنهم يعتقدون أن الصالحين من الأموات فقط هم الذين سيبعثون وأن بعثهم يكون على هذه الأرض وثوابهم يتحقق بالحياة في مملكة "المسيح المنتظر" وهو من نسل داود ويأتي في آخر الزمان ليدخل الناس في دين موسى ﵇ ويملأ الأرض سلامًا وعدلًا كما يدعون فالجزاء الأخروي عندهم يكون على هذه الأرض وهو للصالحين فقط أما - الكفار والعصاة فلا يبعثون بل يموتون موتًا أبديًا - وهذا عقابهم على كفرهم وفسقهم وتمردهم) (٤).
إضافة إلى ما سبق ومن خلال استقراء وتتبع الباحثة / سميرة عبد الله لهذا الموضوع رصدت نصوصًا من باقي أسفار العهد القديم تدل دلالة واضحة - على الاعتراف باليوم الآخر، ووصفه وما يتم فيه من حساب الخلائق والقضاء بينهم ومجازاتهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ولكنها لم تذكر التوقيت الذي ظهرت فيه هذه النصوص مثلما حددها أغلب النقاد .. ومن القضايا التي ذكرتها وعضدتها بالأدلة قضية البعث (٥) والحشر (٦) والعرض (٧) والحساب والقضاء بين الناس والجزاء (٨) والجنة (٩) والنار (١٠).
стр. 216
وبناءً على ما سبق من آراء علماء المسلمين حول عقيدة اليوم الآخر في العهد القديم يلاحظ الباحث ما يلي:
١ - يكاد يتفق العلماء على أنه لم يكن هناك تصور واضح عن اليوم الآخر في العهد القديم لخلو أسفاره من ذكر البعث والجزاء خاصة أسفار موسى الخمسة باستثناء بعض الآيات التى تحتوى على إشارات طفيفة له.
٢ - تحول اليهودية بعد الأسر البابلى تحولًا عقائديًا وسياسيًا خطيرًا ترتب عليه التفكير في الغيبيات وما بعد هذه الحياة الدنيا.
٣ - سيطرة الروح المادية على نصوص العهد القديم.
٤ - يعتقد اليهودي أن جزاءه على أعماله يستوفيه في الدنيا ومن ثم يفني حياته في التمتع بالملذات والشهوات ويحرص على ذلك حرصًا شديدًا.
стр. 217
المبحث السادس نقد عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر فى العهد القديم
اهتم بعض المعاصرين من علماء المسلمين بالحديث عن القضاء والقدر في العهد القديم، وفى دراستهم لهذا الموضوع بينوا حقيقة القضاء والقدر في أسفار العهد القديم وألقوا الضوء على النصوص التي تثبت مراتب القضاء والقدر ثم أردفوهها بذكر النصوص التي تقدح فى كمال هذه المراتب، وبالتالي أثبتوا مدى التناقض والتعارض في عقيدة اليهود في هذا الموضوع.
وقد اتبعوا في نقدهم أسلوب الإثبات والنفى بعرض النص الذي يثبت هذه العقيدة ثم يذكروا بعد ذلك النص الذي ينفيها أو يقدح فيها وهو ما يسمى في اللغة بأسلوب التضاد، وبذلك تظهر المخالفة جيدًا ويتضح التناقض في النصوص التوراتية التي تتحدث عن القضاء والقدر ويتبين الاضطراب العقائدي في قضية هى من أخطر القضايا العقائدية إذ هي من الأركان الأساسية للإيمان.
ويمكن إجمال ما يتعلق بالقضاء والقدر تحت العناصر التالية:
١ - إثبات مراتب عقيدة القضاء والقدر بنصوص من العهد القديم.
٣ - انحراف اليهود في عقيدة القضاء والقدر ونقد العلماء لها.
أولاً: مراتب القضاء والقدر في العهد القديم (١):
أ - العلم الأزلي المسبق:
توجد نصوص في العهد القديم تنص على أن الله وسع كل شىء علمًا، من هذه النصوص: "مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يفعل قائلًا رأي يقوم وأفعل كل مسرتي .... وقد تكلمت فأجريه قضيب فأفعله (٢) ".
ب - كتابة الأشياء قبل كونها:
ينص العهد القديم على أن الله تعالى كتب كل شىء قبل الخلق من بدء الخلق حتى تقوم الساعة من ذلك: "رأت عيناك أعضائي وفي سِفْرك كلها كتبت يوم تصورت إذ لم يكن واحد منها" (٣). وقول التوراة: "لكل شيء زمان ولكل أمر تحت السموات وقعت: للولادة وقت ... ، وللموت وقت، قد عرفت أن كل ما يعمله الله أنه يكون إلى الأبد لا شيء يُزاد عليه ولا شيء يُنقص منه ... ما كان فمن القدم هو، وما يكون فمن القدم قد كان" (٤).
стр. 218
ج - مشيئه الأشياء قبل كونها:
جاء في التوراة أن الله تعالى فعال لما يريد، ومشيئته نافذة لا يردها شىء ... ولا شىء خارج عما أراد من هذه النصوص: "من ذا الذي يقول فيكون والرب لم يأمر" (١)، "كما قصدت يصير وكما نويت يثبت" (٢).
د- خلق الأشياء بأمره:
أشارت بعض النصوص إلى خلق الله وإيجاده لكل المخلوقات بمجرد إرادته وبكلمة منه من هذه النصوص: "بكلمة الرب صُنعت الأرض وبنسمة فيه كل جنودها ... لتخش الرب كل الأرض ومنه ليخف كل سكان المسكونة, لأنه قال فكان، هو أَمْرٌ فصار" (٣).
فما سبق يثبت مراتب القضاء والقدر في العهد القديم ويبدو أن هذه النصوص من بقايا الحق التي مازالت موجودة فيه وهي دليل إدانة لليهود حينما ينكرون عقيدة القضاء والقدر.
ثانيًا: انحراف اليهود عن الإيمان بمراتب القضاء والقدر وجهود العلماء فما نقدها والرد عليها:
ذكرت الباحثة / سميرة عبد الله ما يعارض إثبات المراتب السابقة للقضاء والقدر حيث ذكرت النصوص التي تصف الإله بصفات لا تليق بذاته المقدسة وقد أشرت إلى بعض هذه الصفات في المبحث الأول من هذا الفصل (٤). من هذه الصفات التي ألصقوها بالإله:
نفى العلم الإلهي "الجهل" ... والذي يدل على ذلك من التوراة: قصة آدم وحواء وأكلهما من شجرة معرفة الخير والشر إذ اختبأ آدم من أمام وجه الإله حين سمع صوت مشيه داخل الجنة فلم يره الإله ولم يعرف مكان اختبائه حتى عرفه آدم وأخبره بذلك (٥).
والجدير بالذكر أن المسلم (يؤمن أن قدر الله كله خير، وأن الشر لا يُنسب إلى الله تعالى مباشرة تأدبًا مع مقام الربوبيه؛ لأن علم الله تعالى ومشيئته وكتابته وخلقه للأشياء عدل كله ورحمة وخير وحكمة بالغة) (٦).
стр. 219
ويبين د/ أحمد شلبي أن اليهود يخالفون هذه العقيدة المستقيمة في القضاء والقدر فيقول:
إنهم ينسبون الشر لله وأن الإنسان مجبر في أفعاله وبالتالي فإن صدور الشر عنه أمر طبيعي؛ لأنه خلقه وقد ركبت فيه هذه الطبيعة الشريرة وأن المنحرف من البشر لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن ينصلح حاله أبدًا ولا يمكن له أن يُقوّم ويؤكد ذلك ما تعتقده الطوائف اليهودية: فطائفة "الفريسيون" لها رأى في القضاء والقدر فهم يرون أن الأفعال يمكن أن تتأثر بالقضاء والقدر ولكنها غير واقعة بها (١).
وطائفة "الصدوقيون" لا يقولون بالقضاء والقدر ويؤمنون بحرية الاختيار ويرون أن الأفعال مخلوقة للإنسان لا لله (٢).
وطائفة "القراؤون" ذهبت إلى القول بالجبر المطلق ونفي الاختيار أو تأثير أفعال العبد (٣).
ويؤكد د/ الهاشمي، هذه النظرة - من أن الإنسان مجبر في أفعاله لا مخير- فيقول:
إن عقيدة الجبر هي المهيمنة على أهل التوراة يهودًا أو نصارى، وهذه العقيدة تؤمن أن الله ليس فقط خالق الخير والشر؛ بل تزعم أنه الذي أجبر الإنسان على السلوك الذي يتجاوب مع ما أودع فيه من شر، فلا يقدر الإنسان أن يسلك سلوكًا خيرًا فتقول التوراة: "لماذا أضللتنا يا رب عن طريقك؟، قسيت قلوبنا عن مخافتك (٤).
يضاف إلى ذلك نسبة الشر صراحة إلى الله في عقيدة التوراة: "أنا الرب وليس آخر: مصور النور وخالق الظلمة صانع السلام وخالق الشر أنا الرب صانع كل هذه" (٥). ولقد غالت التوراة في عقيدة الجبر للحد الذي زعمت فيه أن الله ينزل الروح الرديء ليقتحم النبي فيؤدي به إلى الجنون" وكان في الغد أن الروح الرديء من قبل الله اقتحم شاؤل وجن في وسط البيت (٦) " (٧).
стр. 220
وأن اعتقادًا كهذا في الجبر يشل الحياة فلا تطور ولا تحسن حتى إن النبي سليمان ﵇ ينسب له ذلك: "ما كان فهو ما يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع فليس تحت الشمس جديد" (١) ولا إرادة للإنسان في أي تغيير، إذ هو سليب الإرادة "الأعوج لا يمكن أن يقوم، والنقص لا يمكن أن يجبر (٢) " (٣).
التقويم:
تتلخص طبيعة النفس البشرية في التوراة المحرفة فيما يلي:
١ - أن الله خلق الإنسان نفسه وقلبه مليئًا بالشر والخداع منذ حداثته حتى مماته.
٢ - النفس الإنسانية في عقيدة التوراة في ظلام دامس ... فهي الشر بأوسع مداه ولا تقدم للحياة ولا خير ولا حضارة ولا إرادة في تغيير الأعوج وإكمال الناقص.
٣ - أما مقام الإيمان في هذه العقيدة، فهو مجرد شعور بوجود الله، لا يدفع إلى العمل, لأن باب العمل مسدود بطبيعة هذه النفس ومغلق بعقيدة الجبر التي تشل العقل والجسد (٤).
وبعد بيان التضارب الذي أثبته العلماء في هذه العقيدة التي تتأرجح بين الإثبات تارة والنفي تارة أخرى يتضح لدى الباحث بُطلان عقيدة اليهود في القضاء والقدر.
стр. 221
المبحث السابع نقد عقيدة أرض الميعاد في العهد القديم
عقيدة أرض الميعاد من الثوابت الرئيسة في العقيدة اليهودية المحرفة، تلك الأرض التي تنتج لبنًا وعسلًا (١) كما يصفونها في بعض نصوص التوراة، وأصبح الذهاب إليها والعيش فيها حُلم يراود كل يهودي في شتي بقاع الأرض، وصار هذا الحلم أملًا يداعب خيالهم، متى يذهبون إلى أرض فلسطين ومتى يتحقق الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم ﵇ فى زعمهم - ولذلك هم يعملون بخطط مرسومة بدقة على تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات التي يتجمع فيها اليهود بعد شتاتهم وتفرقهم.
وحتى يسوغ اليهود لأنفسهم سندًا قانونيًا يرتكزون عليه في التهجير إلى أرض فلسطين وتملكها وطرد أهلها منها فإن أبوا فالإبادة الشاملة لهم حتى تكون وطنًا بلا سكان ينازعونهم ويزاحمونهم فيها لشعب بلا أرض قد عاني كثيرًا من التشرد. من أجل ذلك كله وضعوا في توراتهم نصوصًا تخدم هذا الغرض وتضفي عليه الشرعية والقداسة وهي بلا شك شرعية مزعومة ومفتراة لإثبات هذا الحق.
ولقد اجتهد علماؤنا الأجلاء - فترة البحث - في إبطال هذه العهود المفتراة التي تثبت لبنى إسرائيل الحق في تملك أرض فلسطين، وقد يتميز جهد د/ عابد توفيق الهاشمي في تفنيد هذه المزاعم في كتابه "فلسطين في الميزان" وكذلك قام د/ سعد الدين صاع في كتابه "العقيدة اليهودية" بمعالجة عصرية رائعة تتحلى بالمنهج العلمى المبني على أسس ومعايير واضحة فقام بعرض السند القانوني المختلق الذي يستندون عليه من نصوص العهد القديم المحرفة وناقشه مناقشة علمية منهجية وأيضًا د/ محمد أبو زيد في بحثه "أرض الميعاد نظرة قرآنية في العهود التوراتية (٢) " ناقش هذه العهود وأتبع المناقشة بنظرة تقويمية من منظور إسلامي لهذه العهود.
وأيضًا يبرز من بين هذه الجهود ما قام به د/ عبد الوهاب المسيري فى موسوعته. وبقراءة متأنية لهذا الموضوع في الموسوعة يتبين أنه قد ربط بين الأصول اليهودية والفكر الصهيوني الحديث من خلال التحليل السياسى للنصوص التوراتية.
وتفنيد هذه العقيدة يقوم على ما يلي:
١ - الاستدلال والمناقشة واستخلاص الحكم في نهاية المناقشة.
٢ - رد الفهم الخاطئ للنصوص إلى الفهم الصحيح وتأكيد ذلك بالأدلة.
٣ - الاعتماد على الجانب التاريخي الصحيح لسيرة أنبياء بنى إسرائيل.
стр. 222
٤ - بيان الأخطاء التاريخية التي حرفها اليهود (إبطال نظرية الحق التاريخي).
٥ - الموضوعية في المعالجة النقدية لهذه العقيدة.
٦ - التسليم الجدلي للخصم فيما يدعى ثم التدرج إلى إبطال ما يدعو إليه.
٧ - إثبات التناقض والتعارض بين النصوص.
وفي بيان زيف هذه الدعوى المزعومة "أرض الميعاد" يمكن حصر ما قام به العلماء في دراستهم النقدية لها تحت العناصر التالية:
١ - عرض مقولتهم الباطلة في أحقيتهم لتملك أرض اليعاد.
٢ - الأدلة والعهود المفتراة التي تقضي لليهود بتملك أرض فلسطين وجهود العلماء في نقدها والرد عليها.
٣ - التقويم.
مقولتهم الباطلة في أحقيتهم لتملك أرض الميعاد:
ارتبطت فكرة أرض الميعاد في أذهان اليهود بفكرة المسيح المنتظر الذي ينتظره اليهود ولذلك يجمع العلماء على أن عقيدة أرض الميعاد قضية سياسية في المقام الأول ولقد حاول اليهود أن يصبغوها بالصبغة الدينية حتى تتمكن من نفوس الشعب اليهودي (١) فيحاول تحقيقها.
ولقد نادي هذه الفكرة السياسيون منهم قبل المتدينين:
١ - يقول ابن غوريون رئيس الوزراء اليهودي الأسبق عام ١٩٤٨ م بعد أن وقف ممثلًا لليهود في الأمم المتحدة: "قد لا تكون فلسطين لنا عن طريق الحق السياسي أو القانوني، ولكنها حق لنا على أساس ديني فهي الأرض التى وعدنا الله وأعطانا إياها من الفرات إلى النيل ولذلك وجب على كل يهودي أن يهاجر إلى فلسطين وأن كل يهودي يبقى خارج إسرائيل بعد إنشائها، يعتبر مخالفًا لتعاليم التوراة، بل إن هذا اليهودي يكفر يوميًا بالدين اليهودي (٢).
٢ - ويصرح مناحم بيحين في خطابه ٧/ ٤/ ١٩٥٠ م: "لن يكون سلام لشعب إسرائيل ولا لأرض إسرائيل حتى ولا للعرب مادمنا لم نحرر وطننا بأجمعه بعد ... ولو وقعنا معاهدة صلح" (٣).
٣ - ويؤكد موشي ديان لصحيفة صنداي تايمز في ١٠/ ٩/ ١٩٦٧ م: "إن هناك مليون يهودي جاءوا محل العرب، سواء اعتبر هذا العمل أخلاقيًا أم لا، فالحقيقة أنه لا يوجد مكان في إسرائيل للعرب" (٤).
٤ - ويقول ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل فى خطاب له أمام أعضاء جمعية "نباي بريث" الأمريكية الصهيونية في مدينة القدس يوم ٢٨/ ١٠/ ١٩٦٧ م حث فيه يهود العالم على القيام بهجرة جماعية من البلدان الغربية لزيادة عدد سكان ما أسماه بـ "إسرائيل الكبرى" =
стр. 223
= التي تشمل الأراضي العربية المحتلة بعد ٥ يونيو ١٩٦٧ م (١). وغير ذلك من أقوال الساسة الغربيين.
٥ - وحول اختلاف اليهود على حدود ملكية الأرض يحاول بعض الحاخامات أن يزيل التعارض والتناقض بين النصوص التي حددت أرض الميعاد فيقولون: "إن النصوص التي حددت ملك إسرائيل بفلسطين فقط تعد منحة مخفضة عن الله لبنى إسرائيل، لكن هذا لا يعني أن هذه الأرض فقط هي حق إسرائيل، فحقهم في الأرض هو أوسع من ذلك بكثير، فالله قد وعد اليهود وعدًا مشروطًا ووعود الله المشروطة لا تلغى أبدًا؛ بل يحتفظ بها لكي تتحقق فى المستقبل" (٢).
وحين ينادي السياسيون هذه العقيدة فهم يرتكزون على خلفية دينية ويتحركون في تنفيذ مخططاتهم لتحقيق هذا الوعد من منطلق عقائدي وعندما يتضح أن هذه الخلفية الدينية مزيفة ومفتراة فإن هذه اللافتات التي يرفعها الساسة والحاخامات ما هى إلا أقنعة سوداء تحجب وراءها نفوسًا استمرأت التحريف واعتادت عليه في شيء المجالات خدمة لأغراضها التي تتعارض مع العقل والنقل والواقع. ولقد ذكر علماء المسلمين الأدلة التي يستند عليها اليهود في تأصيل هذه العقيدة - أرض الميعاد - على النحو التالي:
أولًا: أدلة اليهود على عقيدة أرض الميعاد وحدودها -فى زعمهم -
يقول د/ سعد الدين صالح إن اليهود اختلفوا فيما بينهم اختلافًا بينًا حول هذه العقيدة وبالتحديد حول حدود الأرض الموعودة على النحو التالي:
الفريق الأول: يرى أن حدود أرض الميعاد هي أرض كنعان فقط - أرض فلسطين (٣) - واستدل هذا الفريق بمجموعة من النصوص التى وردت في التوراة منها:
أ - ما جاء في سفر التكوين من خطاب الله وإبراهيم: "أنا الله القدير ... أجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرًا جدًا لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم ... وأجعلك أممًا، وملوك منك يخرجون وأقيم عهدي بين وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديًا لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكًا أبديًا (٤) ".
ب - ومنها: "وكلم الرب موسى قائلًا: أوصى بني إسرائيل وقل لهم: إنكم داخلون إلى أرض كنعان، هذه هى الأرض التي تقع لكم نصيبًا أرض كنعان بتخومها (٥) ".
ويلاحظ أن هذا النص يضيف أرض كنعان إلى أرض الميعاد (٦).
الفريق الثاني: يري أن حدود أرض الميعاد من النيل إلى الفرات: واستدل هذا الفريق أيضًا بنصوص من التوراة المحرفة منها:
стр. 224
أ. ما جاء فى سفر الملوك: "وكان سليمان متسلطًا على جميع الممالك من النهر "الفرات" إلى أرض فلسطين إلى تخوم مصر (١) ".
ب. وما جاء في سفر أخبار الأيام: "وكان لسليمان أربعة آلاف مزود خيل ومركبات واثنا عشر ألف فارس ... وكان متسلطًا على جميع الملوك من النهر إلى أرض فلسطين إلى تخوم مصر (٢) ".
ج. وما ورد في سفر التثنية: "يطرد الرب جميع الشعوب من أمامكم فترثون شعوبًا أكبر وأعظم منكم، كل مكان تدوسه بطون أقدامكم لكم من البرية ولبنان من النهر نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم (٣) ".
جهود العلماء - فترة البحث - في نقد هذه الأدلة والرد عليها:
لقد أثبت د/ سعد الدين صالح - التناقض والتعارض بين الأدلة التي استدل بها كل من الفريقين فيقول:
١ - إن أدلة هذه العقيدة محرفة وموضوعة بأيدي اليهود أنفسهم والدليل على ذلك هذا التناقض الظاهر بين النصوص، فهناك نصوص حددت الأرض الموعودة بفلسطين، وهناك نصوص أخرى ضاعفت هذه الأرض أضعافًا مضاعفة، فوصلت بها إلى كل أرض لمستها أقدام اليهود وخصوصًا شبة جزيرة سيناء، بحجة أن تعاليم التوراة قد نزلت فيها على موسى، والوجه البحري من مصر حتى نهر النيل بزعم أن بني إسرائيل قد عاشوا في دلتا النيل بمصر فترة طويلة وأن موسى نشأ في مصر، ويبالغ بعضهم فيضيف إلى الأرض الموعودة أجزاءً من سوريا والعراق بحجة أن هذه الأجزاء كانت تقع تحت حدود مملكة داود وسليمان وأن إبراهيم ﵇ كان يقيم بأرض العراق فالتناقض ليس من سمات النصوص الإلهية فالله لا يتناقض مع نفسه ولا يكذب نفسه وإنما هذا هو شأن الفكر البشري (٤).
٢ - ولو سلمنا جدلًا بصحة النصوص التي استدل بها اليهود فإذا لا تعطيهم مدعاهم في أحقيتهم هذه الأرض، ذلك أن الوعد من الله كان لنسل إبراهيم، فمن هم نسل إبراهيم؟ المعروف أن إبراهيم أنجب إسماعيل ثم إسحاق وإسماعيل هو جد العرب وإسحاق هو جد بني إسرائيل ومن هنا يكون لبني إسماعيل نفس الحق في أن يرثوا هذه الأرض مثلهم في ذلك مثل أبناء إسحاق ويعقوب، ولكن من الأحق منهم بوراثة الأرض؟ لقد بينت التوراة أن الوعد بهذه الأرض إنما يكون لقوم مؤمنين محافظين على وصايا الله وتعاليمه ... وهذا ما تحقق بالفعل حين آمن بنو إسرائيل واتقوا الله أورثهم الأرض فقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (٥)﴾ (٦).
стр. 225
(ولكن حين انحرف اليهود عن الوحي الإلهى وحرفوا كتبهم انتزع الله منهم هذه الأرض وشردهم وأعطاها لمن يستحقها من الأمم الملتزمة بعبادة الله وتوحيده التي لم تنحرف عن ملة إبراهيم وهي الأمة الإسلامية، فمن نسل إبراهيم ﵇ جاء إسماعيل جد العرب الذين حملوا لواء التوحيد والالتزام بملة إبراهيم، ففتحوا أرض الرومان واستعادوا فلسطين وما حولها محققين بذلك وعد الله لإبراهيم أن يجعل هذه الأرض لنسله من فر مصر إلى فر الفرات) (١).
(وهذا ما يتمشى مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ومن هنا استحق العرب أبناء إسماعيل - أرض فلسطين - لأسباب كثيرة منها:
(١) أنهم هم الذين اتبعوا ملة إبراهيم وساروا على نهجه.
(٢) أنهم أبناء إبراهيم من سلالة إسماعيل.
(٣) أنهم أول من دخل هذه الأرض وعمروها قبل أن يراها بنو إسرائيل.
(٤) أنهم هم الذين أقاموا فيها طيلة حياتهم ولم يفارقوها بينما كان اليهود على النقيض من ذلك كله) (٣).
ثانيًا: العهود الفتراة التي تقضي لليهود بتملك أرض فلسطين وجهود العلماء في تفنيدها:
(إن العهود التوراتية الموجودة في التوراة الحالية التي بأيدي اليهود تنص على أن هناك أرضًا أعطاها الله لبنى إسرائيل أيام رسلهم، ويدعى اليهود اليوم أن هذه العهود تنطبق عليهم وأن هذه الأرض عطاء إلهى لهم يعتبر فوق القانون مهما كان نوع هذا القانون وفوق إرادة الشعوب مهما كانت هذه الشعوب حتى لو كانت صاحبة الأرض التي يطالب بها اليهود) (٤).
ولذلك (يخادع اليهود أنفسهم، كما يخادعون العالم المسيحى وغيره بأحقيتهم في تملك فلسطين من العرب ويغمطون حقهم فيها، وذلك من خلال العهود والمواثيق المفتراة في توراتهم المحرفة على أنبيائهم) (٥).
ولقد رصد كل من د/ عابد الهاشمي, د/ محمد أبو زيد هذه العهود في كتابيهما وأتبعاها بالنقد والتحليل الممزوج بالتفسير الصحيح للتاريخ خاصة سيرة أنبياء بني إسرائيل ولقد أبطلوا من خلال نقدهم نظرية الحق التاريخى المزعومة بتمليك أرض فلسطين لليهود، من هذه العهود ما يلي:
(١) عهد الله لإبراهيم ﵇ -:
تقول التوراة: "فلا يدعي اسمك بعد إبرام بل يكون اسمك إبراهيم لأنني أجعلك أبًا لجمهور من الأمم ... وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا ... وأعطي لنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكًا أبديًا" (٦).
стр. 226
والرؤية النقدية لهذا العهد تدور حول موطن الشاهد منه وهو قول التوراة: "وأقيم عهدي بينى وبينك وبين نسلك من بعدك ... أرض كنعان".
وفي نقد د/ محمد أبو زيد وهو يفند هذا العهد تاريخيًا بمنظور الإسلام يقول: (الواقع يشهد بأن الإله الذي وعد إبراهيم هذا العهد لم يف بعهده لأن إبراهيم لم يملك شيئًا من أرض كنعان (وهي فلسطين) وكان فيها غريبًا، وكما تذكر التوراة نفسها أن إبراهيم عندما ماتت سارة في فلسطين لم يكن يملك مكانًا في فلسطين ليدفنها فيه حتى استعطف بنى حثّ هناك فباعوه قبرًا لها (١).
وطلب إبراهيم ﵇ شراء مغارة في طرف الحقل فكافؤه بالحقل والمغارة كرمًا فاشتراهما بأربعمائة شاقل من الفضة ولم يكن يملك إبراهيم غير ذلك الحقل والمغارة في جميع أرض فلسطين وسوريا ولم تشر التوراة ولو إشارة واحدة إلى تملك إبراهيم في تلك البلاد غير ذلك! بل كان غريب الأهل والعشير وهو وحيد في فلسطين بشهادة التوراة، وحين مات إبراهيم ﵇ عن عمر (١٧٥) سنة دفن في نفس المغارة التي دفن فيها زوجته، وما كان يملك من فلسطين حين موته إلا تلك المغارة والحقل معها، اللذين اشتراهما بنقد فضي كما تذكر التوراة (٢)، ولم يكن هبة من الله كما وعد افتراءً عليه (٣).
وفي جملة نقد د/ الهاشمي لعهد إبراهيم ﵇ تاريخيًا يؤكد إبطال هذا العهد المزعوم بالتحليل التالي الذي صدَّره بقوله: ليس وإبراهيم نصيب من حكم أو ملك أو أرض أو أهل في فلسطين.
أما نسبته إلى فلسطين فنسبة باطلة لأنها ليست وطنه، لا ولادة ولا ملكا ولا حكمًا، ذلك أن ولادته في مدينة "أور" على نهر الفرات فى جنوب العراق وكانت مدينة كلدانية عريقة عمرها أكثر من ٣٠٠٠ سنة ق. م. ... وهو من العبرانيين - والعبرانيون مشتقة من "عبر" أي اجتاز من مكان إلى آخر، فهم العابرون إلى أرض فلسطين، عبروا نهرا الفرات حتى وصلوا الشام ففلسطين - أما الكنعانيون - فمشتقة من "كنع" أي استقر ومكث وهدأ (٤) ...
فهم السكان الثابتون المستقرون في فلسطين منذ ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح أي منذ خمسة آلاف سنة حتى اليوم ... ثم استقر فى حاران الواقعة على الحدود السورية التركية حيث توفي والده عن عمر (٢٠٥) سنة ... وتعترف التوراة أن إبراهيم حين غادر حاران على الحدود التركية متجهًا إلى بلاد الشام، كان الكنعانيون - العرب- هم سكان البلاد مستوطنين فيها "وكان الكنعانيون حينئذ فى الأرض" (٥). (٦).
стр. 227
تقويم هذا العهد بمنظور الإسلام:
يقول د/ محمد أبو زيد في بحثه المشار إليه قبل ذلك وكذلك يوافقه في هذا التقويم د/ الهاشمي هذا العهد يصطدم عقديًا مع الإسلام صدامًا مباشرًا, لأن الوعد لم يتحقق ولم يملك إبراهيم أرض الميعاد ملكًا أبديًا, ولأن خلفى الوعد لا يليق أن يكون من صفات الإله الحق فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٢).
لذلك فإن هذا العهد من تحريفات اليهود إلى أضافوها إلى التوراة لتوافق هوي في نفوسهم وسياستهم ... وعلاقته ببلاد الشام أنها كانت ملجأ له عندما نجاه الله من النمروذ في العراق قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) والمقصود فيها بالاجماع بلاد الشام (٤)، ولا يوجد دليل قطعى على تخصيص مكان معين فى بلاد الشام، ومن المعلوم أن فلسطين من بلاد الشام، بل نجد فى القرآن نهيًا لليهود والنصارى عن إقحام إبراهيم فيما يخصهم بغير دليل واضح (٥).
والشىء الغريب في عهد إبراهيم أن الأصل أن يكون لإسماعيل من بعده باعتباره الابن الأكبر وإبراهيم بل كان وحيده وقت هذا العهد وكان عمره ١٣ سنة ولم يكن إسحاق قد ولد بعد ولا يوجد أي مبرر لاقصاء إسماعيل غير أنه جد العرب وجد رسولهم ﷺ (٦).
وخلاصة تفنيد هذا العهد
١ - أنه وعد مكذوب ومفترى على الله لإبراهيم ﵇.
٢ - إبطال نظرية الحق التاريخي لملكية سيدنا إبراهيم ﵇ لأرض الميعاد إلا موضع قبر بثمن.
٣ - أثبتت النصوص التوراتية أن العبرانيين ومنهم إبراهيم ﵇ مروا فقط بأرض فلسطين بعد أن عبروا النهر ولم يمكثوا فيها طويلًا وعليه فليسوا هم السكان الأصليون لتلك البلاد.
٤ - أثبتت النصوص أيضًا أن الكنعانيين هم السكان الأصليون لتلك البلاد.
стр. 228
٢ - عهد الله لإسماعيل ﵇ -:
رصد كل من د / الهاشمي، د/ محمد أبو زيد أيضًا ما يتصل بعهد إسماعيل ﵇ حيث تقول التوراة: "وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًا ... ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده سارة في هذا الوقت في السنة الآتية ... وكان إسماعيل ابنه ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته (١).
ينتقد د/ الهاشمي هذا العهد تاريخيًا فيقول: لا نصيب لإسماعيل ﵇ في فلسطين، وليس في التوراة نص صريح يعطى لإسماعيل الحق فيها! لأنه عربي، في حين أن العرب هم أهل فلسطين الأصليون سكنوها قبل إبراهيم ﵇ بألفي سنة، وقبل الميلاد بخمسة آلاف سنة، واستمروا هم "والعمالقة" (٢) "والفلسطينيون" (٣) "والفينيقيون" (٤) وهم جميعًا عرب، استمروا في العيش في فلسطين بأغلبية حتى بعد غزوهم من قبل الإسرائيليين، واستمروا إلى ما بعد حكم سليمان ﵇ بأغلبية سكانية في فلسطين، كما تنص التوراة في الحديث عن عهده ﵇ بعد استئصال بني إسرائيل من فلسطين (٥).
فلا عهود ولا مواثيق ربانية صريحة لتملك إسماعيل لفلسطين بسبب كونه أبا العرب حتى لا تعطى التوراة حقًا لهم في فلسطين، لتخلو لهم وحدهم غير أن فيها إشارات إلى حق إسماعيل وأولاده العرب في تمليكها ... هكذا صاغ اليهود توراتهم (٦).
وخلاصة ما يتصل هذا العهد:
١. تدعي التوراة أنه لا حق لإسماعيل ﵇ في فلسطين وهذا محض افتراء وكذب وتحريف
٢. وتدعي أيضًا أنه لا حق للعرب عمومًا في تمليك أرض فلسطين لأنهم من نسل إسماعيل العربي.
٣. استبعاد إسماعيل وذريته من هذا الحق لتخلوا الأرض لبنى إسرائيل وحدهم كما تدعى التوراة.
٣ - عهد الله لإسحاق ﵇ -:
ذكره أيضًا د/ الهاشمي، د/ محمد أبو زيد وانتقداه نقدًا تاريخيًا من وجهة نظر قرآنية فتقول التوراة: "وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر، اسكن في الأرض التي أقول لك ... لأني لك ولنسلك أعطى جميع هذه البلاد وأفي بالقسم الذي قسمته لإبراهيم أبيك وأكثر نسلك كنجوم السماء ... وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لى: أوامري وفرائضي وشرائعى فأقام إسحاق في جرار" (٧).
стр. 229
ففى نقد د/ محمد أبو زيد لهذا العهد يبرز مواطن الخلل والتناقض فيه فيقول:
(العهد الذي نسبته التوراة لإسحاق ﵇ ذكر أن جميع الأمم تتبارك بنسله وهذا خلل واضح في التوراة؛ لأن اليهود مبغوضين من كل أمم الأرض ولم يتبارك أحد بهم؛ بل لا يكاد ينجو من شرهم كل من ربطته بهم علاقة ما قريبة أم بعيدة! لذلك تراهم يخشون الناس ويخشاهم الناس) (١).
وبناء على هذا الخلل الواضح فإن العهد لا يستقيم لليهود ولم يتحقق وعد الله لإسحاق كما تدعى التوراة أنه يعطي له ولنسله الأرض .. وعلى كل حال لم يتملك شيئًا من بلاد الشام وهذا يتناقض مع عهود التوراة ويتفق مع القرآن لأن القرآن لم يذكر أي عهد لإسحاق (٢).
فما نصيب إسحاق ﵇ من فلسطين ؟
ليس له من نصيب فيها ذلك أنه ولد في جرار وهي خارج فلسطين وكان يحكمها أبيمالك العربي ... فجرار أرض غريبة، وإسحاق الجد الأعلى لبني إسرائيل، لم يتمتع بأية حقوق في أرض فلسطين، لم يملك حق الولادة فيها، إذ ولد في أرض غريبة يحكمها حاكم عربي خارج فلسطين، وعاش فيها فترة ضيفًا على أهلها, ولم يملك حق الدم، إذ أنه "كلداني" (٣) بسبب أن أبويه إبراهيم وسارة كلدانيان ثم رحل إسحاق إلى "فدان آرام" على الحدود السورية التركية ما بين "الخابور" (٤) والفرات و"رفقة" زوجته ووالدة يعقوب من أصل كلداني لأنها من نسل إبراهيم ﵇ أي لم تكن فلسطينية كما أنها لم تولد في فلسطين وإنما جيء بها من بلدان كلدان - أرض ما بين النهرين، أرض العراق، وما ملك أرضًا ولا نال حكمًا ولا نسبًا يهوديا بحكم التوراة والتاريخ والقرآن ولم يكن يهوديا، إذ لم تنزل التوراة إلا بعده بخمسة قرون وتوفي إسحاق في حبرون - حيث تغرب إبراهيم وإسحاق فمات غريبًا في حبرون في جنوب فلسطين على حدود صحراء "النقب" (٥) والنص يقول: "جاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى حبرون، حيث تغرب إبراهيم وإسحاق وكانت أيام إسحاق ١٨٠ سنة فأسلم إسحاق روحه ومات ودفنه عيسو ويعقوب - ابناه" (٦).
وبناءً على ما سبق:
(فالعهود الربانية والمواثيق لإسحاق في تملك فلسطين له ولذراريه إلى الأبد في أكثر من ثلاثة مواضع في التوراة: لم يتحقق منها شيء قط كما تقول التوراة وكما يشهد التاريخ ولم يذكر القرآن تملكهم أو حكمهم فيها، فلابد أن كاتبي التوراة كاذبون وحاشا لله أن يكذب أو أن يخلف الميعاد، في عهود مفتراة ومواثيق مكذوبة - تنقضها التوراة نفسها إذ تذكر العهود ولا تذكر تنفيذها ولا تحقيق شىء منها) (٧).
стр. 230
٤ - عهد الله ليعقوب ﵇ -:
وفي هذا العهد تقول التوراة: "ومتى أتي بك الرب إلهك إلى الأرض التي حلف لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك ... الرب إلهك تتقي إياه تعبده وباسمه تحلف لا تسيروا وراء آلهة أخرى من آلهة الأمم التي حولكم ... اعمل الصالح والحسن في عيني الرب لكي يكون لك خير وتدخل وتمتلك الأرض الجيدة إلى حلف الرب لآبائك ... وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها أشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة ... لأنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم" (١).
تفنيد هذا العهد تاريخيًا:
يقول د/ الهاشمي: ليس ليعقوب نصيب من حكم أو ملك أو أرض في فلسطين، فقد ولد من أبوين غريبين عن فلسطين وهما إسحاق ورفقة فهما كلدانيان، وجميع أولاد يعقوب ولدوا وعاشوا عشرين سنة في فدان آرام - خارج فلسطين بين نهر الخابور والفرات - على حدود سوريا وتركيا اليوم ولم يولد منهم واحد في فلسطين، ثم انتقل جميع نفوس بها يعقوب السبعون إلى مصر (٢) باختيارهم من غير إكراه ثم عاشوا في البلاط الفرعوني عند ولده يوسف الصديق ﵇ سبع عشرة سنة وعاش نسلهم أربعة قرون أو قرنين ومات في مصر - أي خارج فلسطين - (٣).
ويقول د/ محمد أبو زيد: التمكين في الأرض مشروط بالصلاح مع الله ومع عباده فإن انتفي هذا الشرط فلا تمكين ولا تمليك لهذه الأرض (٤).
ويؤكد هذه النظرة أيضًا د/ الهاشمي فى تقويمه لهذا العهد فيقول:
لما كان شرط العهود والمواثيق التقوى فقد نقضها يعقوب نفسه بنصوص التوراة فيه، وشعبه المشرك، لذا فلا قيمة لهذه المواثيق المفتراة التي عقدها الله كذبًا عليه مع يعقوب، بسبب عصيانه لله إذ جمع الشرك وعبادة الأصنام.
والغش والسرقة ولعنة الله وشتائم الناس، ومصارعته لله وانتصاره عليه إلى غير ذلك من الاتهامات التي ألصقت به في نصوص التوراة المحرفة (٥).
(ولو صحت هذه المواثيق والعهود في توراتهم الحالية وهي لا تليق به أن يمنحه إياها ولو احتكمنا إلى واقع يعقوب في التوراة والتاريخ لوجدناه ولد خارج فلسطين من أبوين غير فلسطينيين وعاش خارجها هو وأهله وأولاده ثم هاجروا جميعًا إلى مصر، ومات خارجها في مصر، فأين تحقيق هذه العهود له ولأولاده في فلسطين إنهم لم يملكوا شبرًا واحدًا، ويعقوب هو "إسرائيل" الذي ينتسب إليه جميع اليهود في عمر التاريخ!! فأين حقهم التوراتي في فلسطين؟ إنه الغش والخداع والدجل على التوراة وعلى التاريخ وعلى العقول) (٦).
стр. 231
خلاصة تفنيد هذا العهد:
(١) ليس ليعقوب ﵇ حق في أرض فلسطين.
(٢) مخالفة نص العهد للتاريخ والواقع والعقل.
(٣) الكذب والافتراء على الله في نسبة هذا العهد إليه.
٥ - عهد الله لموسى ﵇ -:
تقول التوراة: "وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلًا هكذا تقول لبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل ... فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب. فإن لي كل الأرض وأنتم تكونون مملكة كهنة وأمة مقدسة" (١).
تفنيد هذا العهد:
دلالته واضحة حيث علق إقامتهم بالأرض المقدسة طالما هم يعبدون الله ويحسنون إلى خلقه (٢).
وموسى ﵇ ليس يهوديا - من زاوية العرق إذ ليس من نسل بني إسرائيل فليس له أي صلة بالنسب اليهودي، بل هو مصري كما تقول التوراة الحالية أما القرآن فيعتبره من نسل يعقوب فيقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). أما التوراة المنزلة فلها منزلتها السامية في القرآن، ... وهي دين موسى ﵇ غير المحرف الذي يلتقي مع هدي القرآن لذا فإن دين موسى ﵇ في القرآن الكريم هو "الإسلام" ... وليس له صلة بالتوراة الحالية ولا بالدين اليهودي المحرف (٤).
ولم يدخل فلسطين عقابا له من الرب ويؤكد القرآن عدم دخول موسى ﵇ فلسطين فقال تعالى:
﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (٥) أي من بعد وفاته، وتصرح التوراة أن الله صح لموسى أن يري فلسطين بالنظر إليها عن بعد ومنعه من الدخول إليها حيث تقول: "وقال له الرب: قد أريتك إياها بعينيك، ولكنك إلى هناك لا تعبر" (٦).
وبعد هذا النص مباشرة تذكر التوراة موته "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب - في الأردن - مقابل أريحا - حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره حتى اليوم" (٧). حتى قبر موسى ﵇ غير معروف في التوراة وهو خارج فلسطين (٨).
стр. 232
وفي نهاية تفنيد د/ الهاشمي لهذا العهد يقول:
إن موسى ﵇ حسب عقيدة اليهود - نبيهم الذي أتاهم بالتوراة ليس إسرائيليًا ولم يولد ولم يعش ولم يمت فى فلسطين بل ولم يدفن فيها فأي حق لهم في شرعية تملكها في العهود المفتراة على الله تعالى ثم عليه، بل هو مصري لم ينحدر من يعقوب "إسرائيل" ولا من يهوذا وزوجته عربية بنت كاهن مديان - يثرون -وهو شعيب في القرآن وهو نبي عربي (١).
وخلاصة تفنيد هذا العهد ما يلي:
١ - إن موسى ﵇ لم يكن يهوديًا ولا من نسل إسرائيل.
٢ - ليس له ﵇ نصيب في أرض فلسطين.
٣ - الكذب والافتراء على الله في نسبة هذا العهد إليه.
٤ - أن موسى ﵇ لم يدخل أرض فلسطين ومات ودفن خارجها.
ولقد ذكر علماؤنا الأجلاء كثيرًا من العهود والمواثيق المفتراة على الله وعلى الأنبياء والتي تثبت عدم أحقية اليهود لشبر واحد في فلسطين وقد أبطلوا هذه العهود وتأكدوا من عدم صحتها وأنها تعارض القرآن والتاريخ الصحيح والمنطق السليم.
стр. 233
مما سبق يتبين ما يلى:
١ - أن العرب هم السكان الأصليون لأرض فلسطين.
٢ - تحريف اليهود للنصوص التوراتية ليثبتوا من خلالها أحقيتهم في تملك أرض فلسطين.
٣ - أن فكرة أرض الميعاد فكرة سياسية قامت على أساس مزيف وباطل.
٤ - مخالفة هذد العقيدة للعقل والمنطق والتاريخ.
٥ - أبطل علماء المسلمين هذه العقيدة بالأدلة القوية والبراهين الساطعة مما لا يدع مجالًا للشك في أن أرض فلسطين عربية إسلامية.
٦ - التوجهات اليهودية في الماضي والحاضر تنطلق نحو إبادة الشعب الفلسطيني لتخلو لهم الأرض وتصبح وطنًا لهم بدون منازعين.
من أجل ذلك كله يقنن الحاخامات والساسة اليهود على مر العصور القوانين ويرسمون الخطط وينادون بالهجرة إلى أرض الميعاد لانتظار النبوءة التوراتية بمجىء المسيح المنتظر الذي يقودهم لبناء هيكل سليمان.
خلاصة جهود العلماء في نقد العقائد في العهد القديم:
تكاد تتقارب اتجاهات العلماء في نقد العهد القديم، فيلاحظ أن معظم من تناول العقائد فيه بالدراسة النقدية، أفرد للألوهية جزءًا كبيرًا من نقده باعتبار أنها من أسس الاعتقاد، ولكن دون تفصيلات لأصول التوحيد الثلاثة، أما في حديثهم عن النبوة والأنبياء، فقد أسهبوا كثيرًا في نقد نظرة العهد القديم لهم، واستوعبوا كل ما يتعلق بالأنبياء، ونفي التهم التى ألصقت بهم وبذويهم، وإثبات التحريف الذي وقع فيما يتعلق بالنبوة والأنبياء.
وقد أخذ العلامة الهندي، النصيب الأوفر من بين الكتاب في دراسة هذه العقيدة، والملاحظ على كتابات علمائنا الأجلاء، يجدهم قد أطنبوا الحديث عن الإيمان بالكتب المنزلة، في العهد القديم، وكذلك القضاء والقدر واليوم الآخر، إذا ما قورن نقدهم, بما نقدوه في جانب التوحيد. والنبوة.
стр. 234
الفصل الثانى جهود علماء المسلمين - فترة البحث - في نقد التشريعات فى العهد القديم
ويشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
- المبحث الأول: تشريعات خاصة بالطهارة والنجاسة.
- المبحث الثاني: تشريعات خاصة بالكهنة والقرابين.
- المبحث الثالث: تشريعات خاصة بالأسرة والزواج.
- المبحث الرابع: تشريعات خاصة بغير اليهود.
- المبحث الخامس: الجرائم والعقوبات في التشريع اليهودي.
стр. 235
تمهيد:
للنقاد من علماء المسلمين جهود قيمة في إبراز المخالفات التشريعية فى العهد القديم إذ أنها تشريعات تصطدم مع الفطرة الإنسانية؛ لأنها من وضع البشر وفيها تشريعات تتعارض مع العقل وتخالف الحقائق العلمية الثابتة.
وبالقراءة الفاحصة والتدقيق فيما كتبه بعض علمائنا الأجلاء حول التشريعات اليهودية يلاحظ أن المنهج الذي اتبعوه في دراستهم النقدية للتشريع في العهد القديم يقوم على الأمور التالية:
١. إثبات التناقض والتعارض بين النصوص، وقد اتبع ذلك د/ بدران في نقده.
٢. الربط بين النص والواقع الذي يحياه اليهود اتضح ذلك في جهود د/ على خليل في كتابه التعاليم اليهودية، د/ الهاشمي.
٣. الاستقراء والتتبع لأسفار العهد القديم. ظهر ذلك في نقد د/ كامل سعفان ود/ على خليل.
٤. العرض النقدي للتشريعات الذي يوضح مدي التعقيد والتشدد الذي وصلت إليه. اتضح ذلك في عرض د/ بدران، د/ الهاشمي، د/ كامل سعفان.
ويتضح تطبيق هذا المنهج من خلال المباحث التالية:
стр. 236
المبحث الأول نقد التشريعات الخاصة بالطهارة والنجاسة
وضع علماء المسلمين أيديهم على مواطن كثيرة في العهد القديم تتعلق بالطهارة والنجاسة ونقدوها نقدًا علميًا موضوعيًا، وبينوا إلى أي مدي وصلت إليه الطهارة في العهد القديم من التعقيد والتكلف الذي لا فائدة منه، والذي يصيب النفس بالملل والضيق وذلك لأنه تشريع بشري لا يتلائم مع الطبيعة البشرية لأن التشريع البشري مهما بلغ واضعه من البراعة والذكاء فإنه لا يحيط بجوانب النفس الإنسانية ولا يعرف ما يصلحها وما يفسدها بخلاف التشريع الإلهى فإنه يتلائم مع الفطرة فالله سبحانه وتعالي يعلم ما يضر الإنسان وما ينفعه وما يصلحه وما يفسده وبالتالي يحيط التشريع الإلهي بجميع جوانب النفس الإنسانية.
ويمكن حصر ما يتعلق بالطهارة والنجاسة تحت العناوين التالية:
١. نظرة التوراة إلى المرأة من حيث الطهارة والنجاسة.
٢. نجاسة الرجل "ذو السيل".
٣. نجاسة الأبرص.
٤. ملامسة جثث الموتى.
٥. إذا مات إنسان في خيمة.
٦. نجاسة من مس جثة حيوان لا يؤكل.
стр. 237
أولًا: نظرة التوراة إلى المرأة من حيث الطهارة والنجاسة:
١. الحائض والاستحاضة:
أشار د/ كامل سعفان: (إلى العناية الكبيرة في التوراة بالنجاسة والطهارة إلى حد أن يصبح الأصل هو النجاسة وتؤدي للطهارة طقوس معقدة حتى يمكن تحقيقها بعد تقديم القرابين اللازمة) (١).
ويلقي د/ عابد الهاشمي الضوء على المدة التي تكون فيها المرأة نجسة وما الذي يجب عليها أن تفعله كى تتطهر من هذه النجاسة فيقول:
(تذكر التوراة أن المرأة تكون نجسة نجاسة حسية لعدة أيام خلال فترة حيضها وفي هذه المدة تنتقل عدوى نجاستها إلى كل من يمسها أو ما تلمسه هي، أو ما تجلس عليه) (٢) واستدل على ما يقول بالنص التالي من سفر اللاويين:
"وإذا كانت امرأة لها سيل وكان سيلها دمًا في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها، وكل من مسها يكون نجسًا إلى المساء وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجسًا وكل ما تجلس عليه يكون نجسًا، من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا حتى المساء، وكل من مس متاعًا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء وإن كان على الفراش أو المتاع الذي هى جالسة عليه عندما يمسه يكون نجسًا إلى المساء" (٣).
(وتبقى هذه النجاسة للمرأة، ليس فقط في فترة الحيض، بل حتى في حالة خروج الدم من غير حيض "الاستحاضة" تكون المرأة نجسة كذلك وبالتالي تؤثر نجاستها في كل ما تتصل به سواء أكان ذلك إنسانًا أم متاعًا أم غير ذلك) (٤).
ويشير د/ الهاشمي، إلى ذلك بما جاء في سفر اللاويين ما نصه:
"وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أيامًا كثيرة في غير وقت طمثها أو إذا سال بعد طمثها فتكون كل أيام سيلانها نجاستها كما في أيام طمثها إنها نجسة، كل فراش تضطجع عليه كل أيام سيلها يكون لها كفراش طمثها وكل الأمتعة التي تجلس عليها تكون نجسة كنجاسة طمثها وكل من مسهن يكون نجسًا فيغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء، وإذا طهرت من سيلها تحسب لنفسها سبعة أيام ثم تطهر وفي اليوم الثامن تأخذ لنفسها يمامتين أو فرخي حمام وتأتي بهما إلى الكاهن إلى باب خيمة الاجتماع" (٥).
стр. 238
ويعلق د/ عابد الهاشمي على ذلك فيقول:
(فيما يتعلق بما جاء في التوراة عن نجاسة المرأة الذاتية حال مدة حيضها يتنجس كل من يلامسها فإن هذا ربما كان يسبب تشدد اليهود مع المرأة فقد كانوا إذا حاضت المرأة يتركون الأكل والشرب معها وكانوا لا يجتمعون بها في البيت أثناء الحيض. فلما سأل الصحابة النبي ﷺ عن ذلك قال: "جامعوهن - أي اجتمعوا بهن وخالطوهن في البيوت - واصنعوا كل شيء إلا النكاح - الجماع" (١)، وهذا نفى الحديث النجاسة الذاتية عن المرأة وأباح التعامل معها فترة الحيض تمامًا كما يكون ذلك قبل حيضها، ومنع الجماع قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢)) (٣).
وعلى هذا فالمرأة في الشريعة اليهودية تلقي المهانة والذلة وينفر الناس منها بسبب الحيض أو الاستحاضة وتتأذى نفسيًا حين تعلم أنها مصدر النجاسة في أيام حيضها أو استحاضتها في حين أن النجاسة في هذه الحالة معنوية لا حسية فإذا مست أي شيء أو جلست عليه لا يتنجس وعندما نتأمل في النصوص السابقة نجدها تتعارض مع العقل إذ أنه عندما ينقطع دم الحيض تتطهر المرأة فلماذا تذهب إلى الكاهن وتقدم القرابين وما دخل الكاهن في هذا الأمر الخاص بالمرأة فقط؟.
ب. حكم المرأة الحامل إذا ولدت ذكرًا أو أنثى "النفساء ":
يذكر كل من د/ كامل سعفان، د/ بدران، نصوصًا تتعلق هذا الأمر وعلقا عليها وقد استدلا بالنص التالي من سفر اللاويين الذي يقول:
"إذا جلت المرأة وولدت ذكرًا تكون نجسمة سبعة أيام كما في أيام طمث علتها تكون نجسة وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته ثم تقيم ثلاثًا وثلاثين يومًا في دم تطهيرها وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين في طمسها ثم تقيم ستة وستين يومًا في دم تطهيرها" (٤).
ويتساءل د/ كامل سعفان عن هذه الحالة قائلًا:
(فلماذا تختلف النجاسة مع الذكر عنها مع الأنثى؟ وهل تختلف أيام الطمث أو النفاس مع المرأة الواحدة باختلاف ما تلد؟) (٥).
стр. 239
ويقول د/ بدران:
(إن هذا الأمر يتعارض مع العلم إذ أن الأطباء لهم رأى في مدة نزول الدم ويتساءل متعجبًا قائلًا: أهذا معقول!؟ وما رأى أهل الطب هنا؟ .. هل يظل الدم أربعين يومًا إن كان المولود ذكرًا وثمانين يومًا إن كان المولود أنثي؟) (١).
(أسئلة كثيرة حول النجاسة والطهارة تحتاج إلى دراسة نفسية لهذا الشعب المختار .. أمَردُّ ذلك إلى الخوف أو التسامي؟ أهى وسيلة الكهنة للسيطرة حين أراد عيسى ﵇ أن يقضى على سلطان الكهنة قال: "ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو ينجس الإنسان" (٢)، فلما ازدادت شراسة اليهود في محاربة المسيحيين قال بولس: "ليس شىء نجسًا بذاته، إلا من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس" (٣). لعل موقف عيسى وبولس من النجاسة إشعار بأن الكهنة اتخذوا منها وسيلة قيد وإعنات، لتظل النفوس رهن الإحساس بالإثم، ولا تجد خلاصها أو ما يشبه الخلاص على أيدي الكهنة، ومن ثم يظل سلطان الكاهن يلاحق الرعية حيثما وجدوا) (٤).
نجاسة الرجل "ذو السيل " (٥):
يقول د/ بدران:
(وماذا عن الرجل ذو السيل؟ إنه يظل نجسًا طوال أيام سيله، كل مكان يجلس فيه نجس, من يمس فراشه نجس, ومن يمس ثيابه نجس .. فقد جاء في سفر اللاويين:
"كل رجل يكون له سيل من لحمه فسيله نجس ... كل فراش يضطجع عليه الذي له السيل يكون نجسًا وكل متاع يجلس عليه يكون بخسًا، ومن مس فراشه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون خمسًا إلى المساء ... وإن بصق ذو السيل على طاهر يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء ... وإناء الخزف الذي يمسه ذو السيل يُكسر وكل إناء خشب يغسل بماء وإذا طهر ذو السيل من سيله يحسب له سبعة أيام لطهره ويغسل ثيابه وَيَرْحَضُ جَسدَهُ بماءٍ حي فيطهر وفي اليوم الثامن يأخذ لنفسه يمامتين أو فرخى حمام ويأتي أمام الرب إلى باب خيمة الاجتماع ويعطيهما للكاهن" (٦)) (٧).
стр. 240
ويتساءل د/ كامل سعفان منتقدًا تلك الأمور التي يحتوى عليها هذا النص قائلًا:
(لماذا تظل النجاسة حتى المساء؟ ولماذا يُكسر الوعاء الخزفي؟ ولا يكفي معه الغسل، مع أن جودة صنعه قد تختفى معها المسام فضلًا على أنه يطلى بطلاء أملس) (١).
ثالثًا: نجاسة الأبرص:
يقول د/ كامل سعفان عن هذا:
(أما طهر الأبرص فيكاد يصل إلى الشعوذة والدجل، ويلاحظ أن موضوع البرص يشغل من شريعة الرب ثلاثة إصحاحات في سبع صفحات) (٢):
رابعًا: ملامسة جثث الموتى:
يقول عنها د/ المسيري:
(أعلي درجات النجاسة في الشريعة اليهودية ملامسة جثث الموتى وهذه تتطلب رش الماء المخلوط برماد بقرة صغيرة حمراء يستخدم رمادها لتطهير الأشخاص والأشياء التي تدنست بملامسة جثث الموتى ويجب أن تكون البقرة "حمراء صحيحة لا عيب فيها ولم يعل عليها نيرُ" (٣) فقد جاء في سفر العدد ما نصه:
"من مس ميتًا ميتة إنسان ما يكون نجسًا سبعة أيام يتطهر به في اليوم الثالث وفي اليوم السابع يكون طاهرًا وإن لم يتطهر في اليوم الثالث ففي اليوم السابع لا يكون طاهرًا كل من مس ميتًا ميتة إنسان قد مات ولم يتطهر ينجس مسكن الرب فتقطع تلك النفس من إسرائيل لأن ماء النجاسة لم يُرش عليها تكون نجسة. نجاستها لم تزل فيها" (٤)) (٥).
стр. 241
خامسًا: إذا مات إنسان في خيمة:
يقول د/ بدران عن هذا الأمر:
(وهذه عجيبة أخرى من أعاجيب النجاسة من الأفضل أن نترك التوراة ترويها دون تعليق فهي تعلق على نفسها: "هذه هي الشريعة، إذا مات إنسان في خيمة، فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجسًا سبعة أيام، وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس, وكل من مس على وجه الصحراء قتيلًا بالسيف أو ميتًا أو عظم إنسان أو قبرًا يكون نجسًا سبعة أيام (١) ") (٢).
(هذا عن النجس والنجاسة أما عن تطهير هذا النوع من النجاسة فيقول إله إسرائيل: "فيأخذون للنجس من غبار حريق ذبيحة الخطية الذي يقدمها النجس ويجعل عليه ماءً حيا في إناء، ويأخذ رجل طاهر "زوفا" (٣) ويغمسها في الماء وينضحه على الخيمة وعلى جميع الأمتعة وعلى الأنفس الذين كانوا هناك وعلى الذي مس العظم أو القتيل أو الميت أو القبر، ينضح الطاهر على النجس في اليوم الثالث واليوم السابع، ويطهره في اليوم السابع فيغسل ثيابه ويرحض بماء فيكون طاهرًا في الماء"، أما إذا لم يتطهر الإنسان النجس حسب أوامر إله إسرائيل وجب عليه القتل والفناء: "وأما الإنسان الذي يتنجس ولا يتطهر فتباد تلك النفس من بين الجماعة (بني إسرائيل) لأنه نجس مقدس الرب ماء النجاسة لم يرش عليه، إنه نجس" (٤)) (٥).
سادسًا: نجاسة من مس جثة حيوان لا يؤكل:
فيقول د/ كامل سعفان:
(لم تقتصر النجاسة على ما سبق، "فكل من مس جثة حيوان لا يؤكل يكون نجسًا إلى المساء، ومن حمل جثته يغسل ثيابه ويكون نجسًا إلى المساء" (٦)، ويدهش المرء إذا علم أن الجمل والحصان والحمار والأرنب مما لا يؤكل وكان الحمار وسيلة الانتقال قبل أن يعرفوا الجمل، فكيفى ينجس من مسه؟ ولماذا تظل النجاسة حتى المساء؟) (٧).
стр. 242
وحول الطهارة والنجاسة عمومًا يعلق د/ المسيري قائلًا:
(يعود اهتمام الشريعة اليهودية الحاد بمشاكل الطهارة والنجاسة إلى الطبقة الحلولية داخلها التى تتبدى في محاولة دائمة للفصل بين اليهود المقَدَّسين والأغيار المدنَّسين وتنص الشريعة اليهودية على عدة مصادر أساسية للنجاسة الشعائرية أهمها أجساد الموتى (١) والأشخاص الذين يتصلون بالأشياء النجسة قد ينقلون نجاستهم إلى الآخرين، والأشياء المقدسة التي تنجس مثل القرابين التي تقدم من ذبائح وحبوب يجب أن تحرق وينبغى على الأشخاص غير الطاهرين ألا يلمسوا الأشياء المقدسة وألا يدخلوا الهيكل أو ملحقاته) (٢).
إلى هذا الحد من التعقيد وصل الأمر بالشريعة اليهودية المحرفة في باب النجاسات فما بالنا بعملية التطهير من هذه النجاسات تُري هل تكون أخفى وطأة من التنجس أم لا؟
ولذلك يوضح د/ المسيري عملية التطهير بقوله:
(وتختلف شعائر التطهر باختلاف مصدر النجاسة فالحمام الطقوسى كان يُعد كافيًا للتطهر من النجاسة الناجمة عن الجماع أو القذف، بينما يجب تقديم القرابين الحيوانية للتطهر من النجاسة الناجمة عن الولادة وغيرها) (٣).
وخلاصة هذا المبحث:
١. هذه الطقوس التي يفرضها كهنة نبي إسرائيل ويزعمون أنها من أوامر الإله لسيدنا موسى ﵇ تؤكد أن النفسية اليهودية تحرص على الانعزالية دائمًا، ومن ثم يسهل الفصل بين اليهود الذين يدعون القداسة والطهارة وبين غيرهم من الشعوب الأخرى، كما يدعون.
٢. اتسام الشريعة اليهودية بالتشدد والتعقيد إلى حد يجعل الأصل عندهم هو النجاسة والطهارة فرع عنه، وذلك من شدة الأوامر الصارمة التى تتأذى منها النفس البشرية السوية وتتصادم مع العقل السليم.
стр. 243
المبحث الثانى نقد التشريعات الخاصة بالكهنة والقرابين
تمهيد:
اهتم النقاد من علماء المسلمين بتعرية السلطه الكهنوتية وكشف زيفها والمبالغات والعجائب التي تحيط بالكهنة في الشريعة اليهودية، واهتموا أيضًا بتوجيه سهام النقد إلى تلك الأمور الغريبة التي يطلبها إله إسرائيل من سيدنا موسى ﵇ كما تزعم التوراة- ومن خلال هذه الطلبات يتضح استغلال الطبقة الكهنوتية لشعب إسرائيل وابتزازهم.
من هؤلاء العلماء د/ بدران، د/ كامل سعفان، قد فصلا الحديث حول الكهنة في التشريع اليهودي وبينوا من خلال نقدهم أن هذه التشريعات تتعارض مع العقل والحقائق العلمية الثابتة وبينوا أيضًا أن التشريع اليهودي قد تأثر كثيرًا بالتشريعات الوثنية القديمة.
ويمكن حصر هذه التشريعات التي نقدها العلماء تحت العناوين التالية:
(١) عبادة العجل وتقديم القرابين.
(٢) القرابين وأنواعها.
(٣) تابوت العهد.
(٤) المائدة والمنارة.
(٥) مسكن الشهادة والمذبح وثياب الكهنة.
(٦) مراسيم الكهانة والكفارات ومناسباتها.
стр. 244
يقول د/ كامل سعفان في بداية نقده للتشريعات اليهودية:
(قد يثير الدهشة أن الرب - في كثير من أسفار التوراة وكتب الأنبياء - يستغل استغلالًا قاسيًا في سيطرة طبقة أو في ابتزاز خيرات الشعوب لصالح سبط من الأسباط "فريضة دهرية" - أي أبدية - ويتخذ "تابوت الرب" الذي هو نصب من الأنصاب. بمثابة شرك للإيقاع بالشعب المخدوع بين أنياب ومخالب لا تشبع ولا ترتوي فإذا كان "هارون" ﵇ في عبارة القرآن الكريم فصيحًا شجاعًا وشريكًا في أداء الرسالة فقال تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٢) فإنه في عبارة العهد القديم يهودي قبل أن يكون ربانيًا) (٣).
فماذا صنع هارون؟ وما هي البداية التي انحرف من عندها بني إسرائيل؟ هذا ما سيتضح في السطور التالية:
(١) عبادة العجل وتقديم القرابين:
وحولى هذه القضية استدل د/ كامل بالنص التالي:
"لما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا عن أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وائتوني بها. فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالأزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر فلما نظر هارون بني مذبحًا أمامه ونادي هارون وقال: غدًا عيد الرب فبكروا في الغد، وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح السلامة" (٤).
ومضي د/ كامل في سرد ما حدث لهذا العجل الذهبي وطحن موسى ﵇ له عندما عاد وذراه على وجه الماء وسقى به بنى إسرائيل (٥).
стр. 245
ثم يعلق د/ كامل على صناعة العجل وعبادته بقوله:
(طلب الشعب إلهًا مصنوعًا، وكان بوسع هارون أن يجعله من طين، أو من خشب، أو من نحاس مثلًا، لكنه أراده من ذهب في صورة الإله المصري القديم - قبل عهود الذل والعبودية في مصر - وصنعه بيده لا بيد أخرى وبني له مذبحًا وجعل له عيدًا، وأصعد المحرقات - وقدم الذبائح، ويلاحظ أن عبادة (العجل) تتكرر وتتجدد في حياة بنى إسرائيل ... "فقد عمل يربعام (١) " عجلي ذهب ليعبدهما أتباعه في دولة إسرائيل، وحتى لا يحتاجوا للذهاب إلى الهيكل الذي يقع في دولة يهوذا برئاسة "رَحُبْعام (٢) " (٣)) (٤).
ويقول أيضًا: "وملك" بعشا بن أخيا" (٥) على جميع إسرائيل، وسار في طريق يربعام في خطيئته التي جعل بها إسرائيل يخطئ" (٦).
ويقول: "وكذلك فعل "عُمْرى" (٧) وجاء أخاب بن عمري، فتزوج ابنة ملك الصيدونيين، وعبد العجل وسجد له، وأقام مذبحًا" (٨).
كما يلاحظ أن الإله من ذهب دائمًا، كأنما هو للتعبير عن القوة في عرف اليهود (٩).
وفي نهاية حديثة عن عبادة العجل قال عن تحطيمه: (أراد موسى أن يحطم الوثنية فأجراها في دمائهم ذرات ذهبية صارت نسيج أبدانهم وميراث أجيالهم) (١٠).
стр. 246
وينتقد د/ بدران عبادتهم لهذا العجل قائلًا:
(إن عبادة الإسرائيليين من أعجب العبادات وإلههم من أغرب الآلهة كما أنها من أبهظ العبادات تكليفًا. عبادة يبدو أنها مخلوقة للأثرياء فقط، الأغنياء القادرون على اقتناء الذهب والفضة) (١).
وقد ذكر د/ بدران في كتابه: (أن إله إسرائيل (المزعوم) يأمر موساهم بأشياء غاية في العجب والغرابة وبتفاصيل أكثر عجبًا وغرابة، ويقفى أي قارئ للتوراة مشدوهًا أمام هذه الفخفخة الإلهية، هذا بالإضافة إلى الخرافات التي لا تخطر على بال) (٢).
وفصل القول فيما يتعلق بالقرابين والمقدس والطقوس الكهنوتية على النحو التالي:
١. قربان التقدمة أول شروط إله إسرائيل ليهبط ويكلم موسى وجهًا لوجه:
إن أول ما طلبه "يهوه" من موسى أن يقدم شعب إسرائيل تقدمة من ذهب وفضة وغيرها ... كل ذلك حتى يسكن إله إسرائيل في وسطهم (٣).
واستدل على ذلك بما جاء في سفر الخروج: "وكلم الرب موسى قائلًا: كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتى وهذه هي التقدمة التى تأخذونها منهم ذهب وفضة ونحاس وإسمانجوني وأرجوان وقرمز وبرص وشعر معزي وجلود كباش محمرة وجلود تخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة ترصيع للرداء والصدرة فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم" (٤).
٢. تابوت العهد أو تابوت الشهادة:
ذلك التابوت الذي وضعوا فيه اللوحين اللذين أعطاهما الله لموسى وهذه مواصفاته التى أمر بها إله إسرائيل (٥): "فيصنعون تابوتًا من خشب السنط، طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف رتغشيه بذهب نقى من داخل ومن خارج تغشيه وتصنع عليه إكليلًا من ذهب حواليه وتسْبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع. على جانبه الواحد حلقتان وعلى جانبه الثاني حلقتان، وتصنع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما، تبقي العصوان في حلقات التابوت، لا تنزعان منها وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك، وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك على الغطاء من بين الكروبين الذين على تابوت الشهادة (٦).
стр. 247
ثم يعلق د/ كامل على هذا الوصف المطول بقوله:
(نلاحظ أن التابوت لا يخرج عن صندوق فيه لوحا الشهادة وقاية لهما، وكان بوسع "الرب" أن يؤكد على صيانة اللوحين، وعلى شعبة المختار أن يختار الطريقة التي تتناسب مع ظروف حياتهم، كأن تحفظ التعاليم وترتل، أو تكتب منها نسخ مختلفة حتى يكون عهد الطباعة، فتطبع آلاف النسخ أو ملايينها لكن "الكهنة" أرادوا شيئًا أو صنمًا، يلتف حوله الشعب أو أرادوا حقل تجارب لمعرفة إمكانيات الشعب وقدرته على الحركة داخل اقتصاديات الشعوب المستغلة لهذا لزم أن تبقى العصوان في حلقات التابوت لا تنزعان منها رمزًا للحركة المستمرة) (١).
٣. المائدة التي سيجلس عليها إله إسرائيل والمنارة:
(فهي بالمواصفات التالية حسب أوامر الإله لموسى- في زعمهم -: "وتصنع مائدة من خشب السنط طولها ذراعان وعرضها ذراعان وارتفاعها ذراع ونصفى وتغشيها بذهب نقي وتصنع إكليلًا من ذهب حواليها وتضع لها حاجبًا على سبر حواليها وتصنع لحاجبيها إكليلًا من ذهب حواليها" (٢) إلى نهاية وصف هذه المائدة) (٣).
ويقول د/ بدران:
(ولم ينس إله إسرائيل أن يأمر موسى بأن يصنع له منارة (شمعدان) من ذهب خالص حتى تكتمل للجلسة الإلهية أجمتها وفخامتها، والدليل على ذلك قول التوراة: "وتصنع منارة من ذهب نقي .. عمل الخراطة تُصنع المنارة قاعدتها وساقها تكون كاساتها وعجرها وأزهارها منها وسِتُ شُعبٍ خارجةٍ من جانبيها من جانبها الواحد ثلاث شعب منارة ومن جانبها الثاني ثلاث شعب منارة إلى آخر وصف هذه المنارة" (٤)) (٥).
وينتقد د/ كامل سعفان هذه النصوص التى اشتملت على وصف المائدة والمنارة ويحلل ما وراء هذه النصوص من أطماع اقتصادية قائلًا: (من أين هذا الذهب كله وقد جمعه هارون في العجل الذهبي الذي أحرقه موسى فصار رمادًا فشرابًا؟ وإذا كان الرب قد صنع صورة هذا كله فلماذا لم يقدمها هدية إلى شعبه المختار ويعفيه من هذا الابتزاز الذهبي العجيب؟ لكن يبدو أن سياسة "الرب" مستقبلية فهو يضع أسس المذاهب الاقتصادية التي ستنبثق في صورة إلهام من العقلية اليهودية فتركيز الثروة في يد "اللاويين" يعني سيطرة الطبقة أو السياسة الرأسمالية، وأن تجتمع الثروة في يد (المشرعين) يعني عدم الملكية الفردية أو السياسة الشيوعية) (٦).
стр. 248
٤. مسكن الشهادة والمذبح وثياب الكهنة:
ذكر د/ كامل، التفصيلات التى وردت في العهد القديم عن مسكن الشهادة والمذبح وثياب رئيس الكهنة وثياب بقية الكهنة وقد استغرق ذلك من العهد القديم عددًا من الإصحاحات في سفر الخروج. ففيما يتعلق بمسكن الشهادة فله مواصفات عجيبة وكثيرة (١) تبين اهتمام الرب ببيته فيقول:
(وإذا كان الرب قد اهتم ببيته هذا الاهتمام، فإن عنايته بالقوّامين عليه وبخدامه تبدو واضحة من خلال الأوصاف التي تتمثل فيهم والملابس التي يتحلون بها والحقوق التي كفلها لهم، وفي هذا يقول الرب لهارون: "إذا كان رجل من نسلك في أجيالهم فيه عيب فلا يتقدم ليقرب خبز إلهه، لا رجل أعمى، ولا أعرج، ولا أفطس، ولا زوائدى، ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد، ولا أحدب (٢) ولا أكشم (٣) ولا من في عينه بياض، ولا أجرب، ولا أكلف (٤) ولا مرضوض الخصى لئلا يدنس مقدسى" (٥)) (٦).
وفيما يتعلق بالمذبح فله مواصفات عجيبة وغريبة أيضًا حسب أوامر إله إسرائيل (٧). أما ثياب الكهنة والتكاليف الباهظة التي تشتمل عليها من ذهب وأحجار كريمة ورمانات وجلاجل من ذهب نقي (٨).
وينتقد د/ كامل هذه التكاليف الباهظة الخاصة بالمسكن والثياب قائلًا:
(يحار المرء - دون شك - في تكاليف هذه الثياب أكثر من حيرته في أوصافها هذا الذهب وهذه الحجارة الكريمة كلها ممن؟ من شعب ضائع في الصحراء؟ ولماذا؟ من أجل المثول بين يدي الرب؟ أي رب هذا الذي يستولي على كل ما يملك شعبه، ليصنع ثياب أسرة لا شرف لها إلا الانتساب إلى موسى الرسول ﵇ ويجعل هذه الثروة في بيتها وسيلة ترف وخداع، بحسبان أن البيت بيت الرب ولابد أن يتناسب المكان مع جلالة هذا الرب الذي يحتاج إلى أن يلبس من يدخل عليه رمانات وجلاجل تحدث صوتًا، حتى لا يفاجأ متلبسًا بمالا ينبغى، فيغضب، وتكون النتيجة موت من انكشف له ما لا ينبغي أن يرى!! (٩).
стр. 249
٥. مراسيم الكهانة والقرابين والذبائح والمناسبات التي تقدم فيها هذه القرابين:
* أولًا مراسيم الكهانة:
يناقش د/ بدران، د/ كامل سعفان، هذه الأمور من خلال نصوص العهد القديم فيقول د/ بدران: (للكهانة مراسيم أبدية يقوم بها الكهنة بعد الاغتسال وارتداء ثياب الكهنوت حيث يقدم ثورًا واحدًا من البقر وكبشين صحيحين وفطير ورقاق ملتوت بالزيت من دقيق الحنطة واشترط إله إسرائيل أن توضع جميع هذه الفطائر في سلة واحدة ثم تجرى مراسيم الاحتفال) (١)، ثم عرض بعد ذلك هذه المراسيم وهي كالتالي:
أ. بالنسبة للثور: يضع رئيس الكهنة وأتباعه أيديهم على رأس الثور ثم يذبح ويؤخذ من دم الثور وتدهن قرون المذبح بالإصبع ويصب بقية الدم إلى أسفل المذبح، وأما شحم الثور فيوقد على المذبح وأما اللحم والجلد فيحرق بعيدًا لأنها ذبيحة خطية (٢).
ب. الكبش الأول: يضع الكهنة أيديهم على رأس الكبش ثم يذبح ويرش دم الكبش في كل مكان ويقطع الكبش إلى قطعة ويغسل جوفه ثم يحرق الكبش بأكمله على المذبح لأنه رائحة سرور وقود الرب (٣).
ج. الكبش الثاني: ويسمى كبش الملء ويذبح بعد أن يضع الكهنة أيديهم على رأسه ثم تمسح أذن رئيس الكهنة اليمني من دم الكبش وكذلك بقية الكهنة وتمسح كذلك أيديهم اليمني وأرجلهم اليمني ويرش الدم في كل ناحية في المذبح ثم تدهن ثياب رئيس الكهنة وأتباعه من الدم المتبقى، ثم تؤخذ "إلية" الكبش وشحم جوفه وساقه اليمني (الخلفية) وزيادة الكبد والكلية بالإضافة إلى رغيف واحد من الخبز ورقاقة ويحرق كل هذا على المذبح لصنع رائحة سرور وقود الرب، أما نصيب رئيس الكهنة من كبش الملء فهي: القص -أي الصدر- والساق الأمامية، أما بقية الكبش فيطبخ ويأكله الكهنة بني هارون مع الذين قدموا الكبش كتكفير عن ذنوبهم ليملأ أيديهم ويصيروا مقدسين، أما الأجزاء المتبقية من الطعام فلا يأكلها أحد بل تحرق جميعها بالنار لأنها مقدسة (٤).
ويقدم الإسرائيليون كل يوم خروفان حوليان (أي عمرها عامان) الأول في الصباح والثاني في المساء لتحرق على المذبح المقدس وقد أمرهم إلههم أن تظل المحرقة دائمة لتصنع رائحة سرور وقود الرب ووعدهم بأنهم لو فعلوا هذا سيسكن في وسطهم (٥).
стр. 250
(أما الآنية التي يحرقون فيها البخور فيسميها إله إسرائيل "مذبح البخور" وقرر لها مواصفات خاصة أهمها أنها مصنوعة من الذهب (١) ويتدخل إله إسرائيل في كل شىء حتى المرحاض شكله، مادته حتى مكانه والمستعملين له وهو من النحاس النقي وأمر بوضعه في خيمة الاجتماع وهو خاص بهارون وأبنائه -أي الكهنة فقط (٢)) (٣).
ويعلق على ما سبق بقوله:
وهناك الكثير من مثل هذه الأشياء الباهظة التكاليف والتي لا يقدر عليها إلا الأثرياء فقط، هذا بالإضافة إلى غرابة الأشياء نفسها (٤).
وبذلك تتجلى الأطماع اليهودية التي لا تقف عند حد مع استغلال كل الوسائل الممكنة دون تقدير للظروف القاسية التي كان يمر بها الشعب (٥).
* ثانيًا: الكفارات والقرابين:
يقول د/ رفقى زاهر:
أ. (تكثر الكفارات والقرابين في الديانة اليهودية ، كثرة ظاهرة وتدفع كلها إلى اللاويين الذين تخصصوا لخدمة الهيكل، كمصدر أساسى لسد نفقاتهم، ونفقات الهيكل على السواء وذكر منها: ذبيحة الإثم، وهي ثور يقدمه المذنب إلى الكاهن بعد أن يعترف بخطيئته (٦)، ذبيحة السلامة وهي للشكر (٧)، والنذور وهي ما يلزم المرء بتقديمه للرب من قرابين دون أن تفرض عليه الشريعة (٨)) (٩).