وينتقد د/ بدران عبادتهم لهذا العجل قائلًا:
(إن عبادة الإسرائيليين من أعجب العبادات وإلههم من أغرب الآلهة كما أنها من أبهظ العبادات تكليفًا. عبادة يبدو أنها مخلوقة للأثرياء فقط، الأغنياء القادرون على اقتناء الذهب والفضة) (١).
وقد ذكر د/ بدران في كتابه: (أن إله إسرائيل (المزعوم) يأمر موساهم بأشياء غاية في العجب والغرابة وبتفاصيل أكثر عجبًا وغرابة، ويقفى أي قارئ للتوراة مشدوهًا أمام هذه الفخفخة الإلهية، هذا بالإضافة إلى الخرافات التي لا تخطر على بال) (٢).
وفصل القول فيما يتعلق بالقرابين والمقدس والطقوس الكهنوتية على النحو التالي:
١. قربان التقدمة أول شروط إله إسرائيل ليهبط ويكلم موسى وجهًا لوجه:
إن أول ما طلبه "يهوه" من موسى أن يقدم شعب إسرائيل تقدمة من ذهب وفضة وغيرها ... كل ذلك حتى يسكن إله إسرائيل في وسطهم (٣).
واستدل على ذلك بما جاء في سفر الخروج: "وكلم الرب موسى قائلًا: كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتى وهذه هي التقدمة التى تأخذونها منهم ذهب وفضة ونحاس وإسمانجوني وأرجوان وقرمز وبرص وشعر معزي وجلود كباش محمرة وجلود تخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة ترصيع للرداء والصدرة فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم" (٤).
٢. تابوت العهد أو تابوت الشهادة:
ذلك التابوت الذي وضعوا فيه اللوحين اللذين أعطاهما الله لموسى وهذه مواصفاته التى أمر بها إله إسرائيل (٥): "فيصنعون تابوتًا من خشب السنط، طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف رتغشيه بذهب نقى من داخل ومن خارج تغشيه وتصنع عليه إكليلًا من ذهب حواليه وتسْبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع. على جانبه الواحد حلقتان وعلى جانبه الثاني حلقتان، وتصنع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما، تبقي العصوان في حلقات التابوت، لا تنزعان منها وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك، وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك على الغطاء من بين الكروبين الذين على تابوت الشهادة (٦).
стр. 247
ثم يعلق د/ كامل على هذا الوصف المطول بقوله:
(نلاحظ أن التابوت لا يخرج عن صندوق فيه لوحا الشهادة وقاية لهما، وكان بوسع "الرب" أن يؤكد على صيانة اللوحين، وعلى شعبة المختار أن يختار الطريقة التي تتناسب مع ظروف حياتهم، كأن تحفظ التعاليم وترتل، أو تكتب منها نسخ مختلفة حتى يكون عهد الطباعة، فتطبع آلاف النسخ أو ملايينها لكن "الكهنة" أرادوا شيئًا أو صنمًا، يلتف حوله الشعب أو أرادوا حقل تجارب لمعرفة إمكانيات الشعب وقدرته على الحركة داخل اقتصاديات الشعوب المستغلة لهذا لزم أن تبقى العصوان في حلقات التابوت لا تنزعان منها رمزًا للحركة المستمرة) (١).
٣. المائدة التي سيجلس عليها إله إسرائيل والمنارة:
(فهي بالمواصفات التالية حسب أوامر الإله لموسى- في زعمهم -: "وتصنع مائدة من خشب السنط طولها ذراعان وعرضها ذراعان وارتفاعها ذراع ونصفى وتغشيها بذهب نقي وتصنع إكليلًا من ذهب حواليها وتضع لها حاجبًا على سبر حواليها وتصنع لحاجبيها إكليلًا من ذهب حواليها" (٢) إلى نهاية وصف هذه المائدة) (٣).
ويقول د/ بدران:
(ولم ينس إله إسرائيل أن يأمر موسى بأن يصنع له منارة (شمعدان) من ذهب خالص حتى تكتمل للجلسة الإلهية أجمتها وفخامتها، والدليل على ذلك قول التوراة: "وتصنع منارة من ذهب نقي .. عمل الخراطة تُصنع المنارة قاعدتها وساقها تكون كاساتها وعجرها وأزهارها منها وسِتُ شُعبٍ خارجةٍ من جانبيها من جانبها الواحد ثلاث شعب منارة ومن جانبها الثاني ثلاث شعب منارة إلى آخر وصف هذه المنارة" (٤)) (٥).
وينتقد د/ كامل سعفان هذه النصوص التى اشتملت على وصف المائدة والمنارة ويحلل ما وراء هذه النصوص من أطماع اقتصادية قائلًا: (من أين هذا الذهب كله وقد جمعه هارون في العجل الذهبي الذي أحرقه موسى فصار رمادًا فشرابًا؟ وإذا كان الرب قد صنع صورة هذا كله فلماذا لم يقدمها هدية إلى شعبه المختار ويعفيه من هذا الابتزاز الذهبي العجيب؟ لكن يبدو أن سياسة "الرب" مستقبلية فهو يضع أسس المذاهب الاقتصادية التي ستنبثق في صورة إلهام من العقلية اليهودية فتركيز الثروة في يد "اللاويين" يعني سيطرة الطبقة أو السياسة الرأسمالية، وأن تجتمع الثروة في يد (المشرعين) يعني عدم الملكية الفردية أو السياسة الشيوعية) (٦).
стр. 248
٤. مسكن الشهادة والمذبح وثياب الكهنة:
ذكر د/ كامل، التفصيلات التى وردت في العهد القديم عن مسكن الشهادة والمذبح وثياب رئيس الكهنة وثياب بقية الكهنة وقد استغرق ذلك من العهد القديم عددًا من الإصحاحات في سفر الخروج. ففيما يتعلق بمسكن الشهادة فله مواصفات عجيبة وكثيرة (١) تبين اهتمام الرب ببيته فيقول:
(وإذا كان الرب قد اهتم ببيته هذا الاهتمام، فإن عنايته بالقوّامين عليه وبخدامه تبدو واضحة من خلال الأوصاف التي تتمثل فيهم والملابس التي يتحلون بها والحقوق التي كفلها لهم، وفي هذا يقول الرب لهارون: "إذا كان رجل من نسلك في أجيالهم فيه عيب فلا يتقدم ليقرب خبز إلهه، لا رجل أعمى، ولا أعرج، ولا أفطس، ولا زوائدى، ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد، ولا أحدب (٢) ولا أكشم (٣) ولا من في عينه بياض، ولا أجرب، ولا أكلف (٤) ولا مرضوض الخصى لئلا يدنس مقدسى" (٥)) (٦).
وفيما يتعلق بالمذبح فله مواصفات عجيبة وغريبة أيضًا حسب أوامر إله إسرائيل (٧). أما ثياب الكهنة والتكاليف الباهظة التي تشتمل عليها من ذهب وأحجار كريمة ورمانات وجلاجل من ذهب نقي (٨).
وينتقد د/ كامل هذه التكاليف الباهظة الخاصة بالمسكن والثياب قائلًا:
(يحار المرء - دون شك - في تكاليف هذه الثياب أكثر من حيرته في أوصافها هذا الذهب وهذه الحجارة الكريمة كلها ممن؟ من شعب ضائع في الصحراء؟ ولماذا؟ من أجل المثول بين يدي الرب؟ أي رب هذا الذي يستولي على كل ما يملك شعبه، ليصنع ثياب أسرة لا شرف لها إلا الانتساب إلى موسى الرسول ﵇ ويجعل هذه الثروة في بيتها وسيلة ترف وخداع، بحسبان أن البيت بيت الرب ولابد أن يتناسب المكان مع جلالة هذا الرب الذي يحتاج إلى أن يلبس من يدخل عليه رمانات وجلاجل تحدث صوتًا، حتى لا يفاجأ متلبسًا بمالا ينبغى، فيغضب، وتكون النتيجة موت من انكشف له ما لا ينبغي أن يرى!! (٩).
стр. 249
٥. مراسيم الكهانة والقرابين والذبائح والمناسبات التي تقدم فيها هذه القرابين:
* أولًا مراسيم الكهانة:
يناقش د/ بدران، د/ كامل سعفان، هذه الأمور من خلال نصوص العهد القديم فيقول د/ بدران: (للكهانة مراسيم أبدية يقوم بها الكهنة بعد الاغتسال وارتداء ثياب الكهنوت حيث يقدم ثورًا واحدًا من البقر وكبشين صحيحين وفطير ورقاق ملتوت بالزيت من دقيق الحنطة واشترط إله إسرائيل أن توضع جميع هذه الفطائر في سلة واحدة ثم تجرى مراسيم الاحتفال) (١)، ثم عرض بعد ذلك هذه المراسيم وهي كالتالي:
أ. بالنسبة للثور: يضع رئيس الكهنة وأتباعه أيديهم على رأس الثور ثم يذبح ويؤخذ من دم الثور وتدهن قرون المذبح بالإصبع ويصب بقية الدم إلى أسفل المذبح، وأما شحم الثور فيوقد على المذبح وأما اللحم والجلد فيحرق بعيدًا لأنها ذبيحة خطية (٢).
ب. الكبش الأول: يضع الكهنة أيديهم على رأس الكبش ثم يذبح ويرش دم الكبش في كل مكان ويقطع الكبش إلى قطعة ويغسل جوفه ثم يحرق الكبش بأكمله على المذبح لأنه رائحة سرور وقود الرب (٣).
ج. الكبش الثاني: ويسمى كبش الملء ويذبح بعد أن يضع الكهنة أيديهم على رأسه ثم تمسح أذن رئيس الكهنة اليمني من دم الكبش وكذلك بقية الكهنة وتمسح كذلك أيديهم اليمني وأرجلهم اليمني ويرش الدم في كل ناحية في المذبح ثم تدهن ثياب رئيس الكهنة وأتباعه من الدم المتبقى، ثم تؤخذ "إلية" الكبش وشحم جوفه وساقه اليمني (الخلفية) وزيادة الكبد والكلية بالإضافة إلى رغيف واحد من الخبز ورقاقة ويحرق كل هذا على المذبح لصنع رائحة سرور وقود الرب، أما نصيب رئيس الكهنة من كبش الملء فهي: القص -أي الصدر- والساق الأمامية، أما بقية الكبش فيطبخ ويأكله الكهنة بني هارون مع الذين قدموا الكبش كتكفير عن ذنوبهم ليملأ أيديهم ويصيروا مقدسين، أما الأجزاء المتبقية من الطعام فلا يأكلها أحد بل تحرق جميعها بالنار لأنها مقدسة (٤).
ويقدم الإسرائيليون كل يوم خروفان حوليان (أي عمرها عامان) الأول في الصباح والثاني في المساء لتحرق على المذبح المقدس وقد أمرهم إلههم أن تظل المحرقة دائمة لتصنع رائحة سرور وقود الرب ووعدهم بأنهم لو فعلوا هذا سيسكن في وسطهم (٥).
стр. 250
(أما الآنية التي يحرقون فيها البخور فيسميها إله إسرائيل "مذبح البخور" وقرر لها مواصفات خاصة أهمها أنها مصنوعة من الذهب (١) ويتدخل إله إسرائيل في كل شىء حتى المرحاض شكله، مادته حتى مكانه والمستعملين له وهو من النحاس النقي وأمر بوضعه في خيمة الاجتماع وهو خاص بهارون وأبنائه -أي الكهنة فقط (٢)) (٣).
ويعلق على ما سبق بقوله:
وهناك الكثير من مثل هذه الأشياء الباهظة التكاليف والتي لا يقدر عليها إلا الأثرياء فقط، هذا بالإضافة إلى غرابة الأشياء نفسها (٤).
وبذلك تتجلى الأطماع اليهودية التي لا تقف عند حد مع استغلال كل الوسائل الممكنة دون تقدير للظروف القاسية التي كان يمر بها الشعب (٥).
* ثانيًا: الكفارات والقرابين:
يقول د/ رفقى زاهر:
أ. (تكثر الكفارات والقرابين في الديانة اليهودية ، كثرة ظاهرة وتدفع كلها إلى اللاويين الذين تخصصوا لخدمة الهيكل، كمصدر أساسى لسد نفقاتهم، ونفقات الهيكل على السواء وذكر منها: ذبيحة الإثم، وهي ثور يقدمه المذنب إلى الكاهن بعد أن يعترف بخطيئته (٦)، ذبيحة السلامة وهي للشكر (٧)، والنذور وهي ما يلزم المرء بتقديمه للرب من قرابين دون أن تفرض عليه الشريعة (٨)) (٩).
стр. 251
ب. قربان الزوجة الخائنة: وينتقد د/ بدران سيطرة الكهنة على الشعب حتى في أدق الأمور فيقول: (إن في التوراة أشياءً لا تليق بعبادة الأوثان في العهود السحيقة، يوم أن كان الظلام مخيم على الأرض، ويبدو أن كهنة بني إسرائيل يحبون الظلام حتى تقوى سلطتهم على الشعب ويتحكموا فيه ويتدخلوا في دقائق أموره وتروى التوراة (١):
"أنه إذا خانت زوجة زوجها ولم تعترف له بخيانتها أو إذا شك رجل- مجرد الشك- في زوجته يذهب للكاهن ويكشف له عما في نفسه ويدعو الكاهن الزوجة المتهمة وعليها أن تقدم قربانا (يسمي تقدمة الغيرة) للكاهن وهي عبارة عن دقيق شعير ويحضر الكاهن الماء المقدس ويضعه في إناء خزفي ويضع عليه من تراب المعبد ويكشف الكاهن رأس المرأة المشكوك في أمرها ويسقيها من هذا الماء المقدس المترب، ويحرق الكاهن القربان (دقيق الشعير) على المذبح، فإذا كانت المرأة بريئة لا يصيبها ضر وإن كانت خائنة فتتورم بطنها في الحال ويسقط فخذاها وتصير امرأة ملعونة في وسط شعبها" (٢).
ويحلل د/ بدران هذا الموقف مفندًا ما فيه من خرافات وأمور تتعارض مع العقل وتتناقض مع الحقائق العلمية فيقول:
(أي عقل هذا الذي يقبل مثل هذه الخرافات والأباطيل والماء الذي يتكلمون عنه، ويسمونه الماء المقدس عبارة عن ماء وزيت وتراب وأشياء أخرى غاية في الغرابة وتعتبر من أسرار الكهانة وهذا الماء مصلى عليه وطبيعى جدًا أن تتقلص أمعاء كل من يشرب من مثل هذا الشىء العجيب والذي يسمونه بالماء المقدس بل إنه شيء طبيعى أن تمرض المرأة المتهمة وتنتفخ بطنها حتى لو كانت بريئة وتضيع بذلك نساء كثيرات بريئات لعب الشيطان برؤوس أزواجهن، أليس من الأجدى بهؤلاء الكهنة أن يقتفوا أثر الحقيقة وينصحوا ويغفروا بدلاً من تلك الأباطيل؟، إن مثل هذا العمل يتنافى مع العقل والعلم، وليس فيه من الروحانيات شىء يذكر فهل من العلم أن يشرب إنسان -أي إنسان- خليط من الماء والزيت والتراب وأشياء أخرى غريبة ويشم رائحة دقيق محروقة في مكان ضيق ولا يمرض؟ وهل من الروحانيات أن يكشف شعر امرأة؟) (٣).
ج. قربان الولادة: يقول د/ فقي زاهر: منتقدًا ما تفرضه الشريعة اليهودية على المرأة التي ولدت: تعتبر اليهودية الولادة من النجاسات التي لا تطهر منها المرأة إلا بالتكفير فعليها أن تقدم إلى الكاهن زوجًا من الحمام أو اليمام وبدون هذه الكفارة لا تتطهر من نجاستها (٤).
стр. 252
* ثالثًا: المناسبات التي تقدم فيها القرابين:
تنوعت هذه المناسبات التي تقدم فيها القرابين وقد ذكرها د/ بدران، د/ رفقى زاهر كعيد الفصح الذي يرتبط بذكرى خروج بني إسرائيل من مصر بقيادة موسى ﵇ ويقع في اليوم الرابع عشر من شهر أبيب (يوليو) ويستمر سبعة أيام يأكل فيه اليهود فطيرًا غير مخمر تذكيرًا بما كانوا يأكلونه أيام الخروج ولا يعملون فيه عملًا ويقربون القرابين إلى الهيكل كما يرفعون فيه الصلوات إلى الرب (١)، ويوم التكفير (٢)، ويوم التنظيف (٣)، ويوم السبت (٤)، ويوم الباكورة (٥)، ويوم الإذلال (٦) ولم تكن هذه القرابين تطوعًا وتقربًا اختياريًا بل كانت بناءً على أوامر إله إسرائيل نفسه حتى يباركهم وبعد أن قدم بنو إسرائيل هذه القرابين دخل موسى خيمة الاجتماع فوجد إله إسرائيل داخلها فتكلما معًا (٧).
بعد كل هذا طلب إله إسرائيل من موسى أن يكلم قومه بأن يصنعوا بوقين من الفضة الخالصة لينادى بهما علي بني إسرائيل: "وكلم الرب موسى قائلًا: اصنع لك بوقين من فضة مسحولين -أي منحوتين- تعملهما فيكونان لك لمناداة الجماعة (بني إسرائيل) ولارتحال المحلات .. فإذا ضربوا بهما يجتمع إليك كل الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع وإذا ضربوا بواحد يجتمع إليك الرؤساء رؤوس ألوف إسرائيل (٨) " (٩).
стр. 253
وبعد أن انتهي د/ بدران من سرد أنواع القرابين والمناسبات المختلفة التي تقدم فيها هذه القرابين بين يدي إله إسرائيل علق عليها منتقدًا فقال:
(إن التوراة تحوي أشياء لا تليق إلا بعبادة الأوثان حيث يبتكر كهان الأوثان أشياءً باهظة يأمرون بها كافة الشعب ويقولون إنها أوامر الآلهة ليستمتعوا ويعيش الشعب حياة الفاقة والعوز، ذلك كان حال بني هارون يأمرون الشعب بأشياء عجيبة ذهب وفضة وثيران وكباش وخراف وتيوس ودقيق وزيت وبخور ... و ... إلخ كل هذا مقابل الكهانة وليزيدوا من أهمية طلباتهم يزيدوا الأمور تعقيدًا ولا مانع من حرق ثور أو كبش مقابل أن يأخذوا كباشًا وثيرانًا) (١).
وبذلك يتضح مدى ما وصل إليه الكهنة من سلطان علي بني إسرائيل إنه الخواء العقائدي والاضطراب التشريعي لأنه من وضع بشر، ألم يتفكر أحد فيما يطلبه الكهان؟ لماذا هذه المراسيم ولماذا هذه القرابين؟ إنها عملية خداع ومكر يستعملها الكهان لإرهاب شعب بني إسرائيل حتى يحصلوا منهم على المال الوفير ليعيشوا في رفاهية ونعيم دائم يا له من شعب ضعيف يخاف الكهنة وشعوذتهم ويرضي بالذلة والمهانة تحت سلطانهم، هذا أمر.
الأمر الثاني: يبدو أن هذه المراسيم والطلبات الذهبية التي يطلبها إله إسرائيل- كما يزعمون- رافدًا أساسيًا من الروافد الاقتصادية التي تكدس وراء تكدس الثروات والتضخم المالي لدي اليهود.
الأمر الثالث: وحين تتضخم الثروات اليهودية يتمكن اليهود من الهيمنة والسيطرة على باقى الشعوب سياسيًا واقتصاديًا، وبالتالي التحكم في مجريات الأحداث، التي تخص غيرهم من الشعوب الأخرى غير اليهودية.
الأمر الرابع: تحيط بالتشريعات الخاصة بالكهنة والقرابين التي تقدم في المناسبات المختلفة من الخطاة والمذنبين، علامات استفهام كثيرة، ولا يسلم لها العقل، فهي تتعارض مع المسلمات البديهية، وتتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة.
стр. 254
المبحث الثالث نقد التشريعات الخاصة بالزواج والأسرة
عند فحص الإنتاج العلمي لعلماء المسلمين حول هذا الموضوع، يتبين أن مغزى التشريعات الخاصة بالزواج والأسرة، في العهد القديم يهدف إلى ما يلي:
١ - امتهان كرامة المرأة وإباحتها.
٢ - حرمانها من حقوقها الطبيعية.
٣ - تقييد حريتها وقهرها.
وسوف تتضح هذه الأمور جيدًا من خلال انتقادات العلماء لتلك التشريعات التي تخص المرأة من حيث الزواج وحقها في الاختيار والضغوط التي تُمارس عليها لإجبارها على مالًا ترضاه، وبالتالي تتعدد صور الامتهان والحرمان والقهر للمرأة في العهد القديم على ما يلي:
الصورة الأولي: حق المرأة في اختيار زوجها:
بين النقاد أن حق المرأة في اختيار زوجها له صورتان في العهد القديم: الصورة الأولي: لها الحق في اختيار الزوج ولكن بشروط. فالدكتور / الهاشمى يلفت النظر إلى تشدد التوراة وتقييدها لهذا الحق في نفس النص الذي يعطيها الحرية في الاختيار فيقول:
(يظهر من بعض النصوص أن للمرأة الحق الكامل في اختيار الزوج، دون إكراه أو مذلة والنص التالي يمكن إيراده في هذا الصدد عن بنات "صلفحاد (١) " اليهودي: "هذا ما أمر به الرب عن بنات صلفحاد قائلًا: من حسن في أعينهن يكن له نساءً، ولكن لعشيرة سبط آبائهن يكن نساء (٢) " غير أن هذه الحرية للمرأة في اختيار الزوج محددة في سبط واحد من أسباط بني إسرائيل لا تجاوزها إلى غيرهم: "فلا يتحول نصيب لبني إسرائيل من سبط إلى سبط بل يلازم بنو إسرائيل كل واحد نصيب سبيط آبائه (٣) ") (٤).
стр. 255
الصورة الثانية: انعدام حق المرأة في اختيار زوجها وإجبارها على الزواج:
وقال د/ الهاشمي عن هذه الصورة:
إن هناك نصوصًا تبيّن انعدام فرصة المرأة في اختيار زوجها، فالمرأة مجبرة على قبول أحد إخوان زوجها الميت كزوج لها ولا حق لها في الرفض أو الاعتذار، وليس له الحق في الرفض للزواج بها، وهي وهو مكرهان على هذا الزواج (١).
ابتذال المرأة وإباحتها في التوراة:
بالنسبة لهذا الأمر رصد علماء المسلمين مواضع متعددة من التوراة تمتهن فيها كرامة المرأة وتبيحها جنسيًا دون مراعاة لأدنى حق من حقوقها، ود/ بدران ينتقد ما تشرعه التوراة بالنسبة للمرأة غير المخطوبة فيقول:
(تعاليم دينية غاية في الغرابة، وشريعة أعجب من العجب ذاته، تلك التي تحويها التوراة حيث يروى سفر الخروج شيئًا عجيبًا فيقول: إذا راود رجل فتاة عذراء لم تخطب بعد وضاجعها فليمهرها الرجل لنفسه زوجه، وليس في هذا عيب، ولكن إذا رفض أبوها تزويجها له يعطيه الزاني فضة تساوى مهر العذارى "وإذا راود رجل عذراء لم تخطب بعد فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجه، وإن أبي أبوها يعطيه إياها يزن له فضة كمهر العذارى (٢) ") (٣).
ثم يعلق على هذا النص قائلًا: (ألم يحسب كتبة التوراة حساب ضعاف النفوس؟ إنها بذلك تعطيهم تصريحًا بالفجور، فيمكن لرجل أن يدفع بناته وخصوصًا إن كن جميلات إلى الزنا ويقبض من زناهن؛ لأنه لن يرضي بتزويجهن لمن زنوا بهن ويأخذ في كل مرة فضة كمهر العذارى، وهكذا ويثرى الرجل ضعيف النفس ولم تقل لنا التوراة ما هي عقوبة مثل هذا الأب!، وبالنسبة للطرف الآخر الزاني .. فإن التوراة في صفه .. وخصوصًا إن كان غنيًا فيمكن لهذا الثري أن يزني كيفما شاء، مادام قادرًا على الدفع والتعويض) (٤).
عجيب حقًا لشريعة تبيح الفجور وليس ذلك فحسب بل وتعطي عليه أجرة. هذا إن دلّ على شىء فإنما يدلّ على أن الذي شرع هذا بشر وليس بشرًا سَوِيّا، إذ يقنن الفجور بقانون يدعى أنه قانون إلهى، وحاشا لله أن يشرع مثل هذا الانحراف.
стр. 256
ويضيف د/ عابد الهاشمى إلى ما سبق فيقول:
على الرغم من مشروعية الزواج في التوراة والحض على العفة الجنسية، ورغم تبيين أحكام الحل والحرمة في العلاقات الزوجية إلا أنه مع ذلك فإن الناظر في التوراة يجد ما يناقض ذلك، فهناك نصوص كثيرة (١) تدعو إلى إباحة المرأة وإهدار كرامتها وإنسانيتها (٢) وذكر أمثلة من التوراة هى:
أ- تفتري التوراة النص التالي: " وشاخ الملك داود تقدم في الأيام وكانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ فقال له عبيده: ليفتشوا لسيدنا الملك على فتاة عذراء فلتقف أمام الملك ولتكن له حاضنه ولتضطجع في حضنك فيدفأ سيدنا الملك ففتشوا على فتاة جميلة في تخوم إسرائيل فوجدوا "أبيشيج الشمونية (٣) " فجاءوا بها إلى الملك، وكانت الفتاة جميلة جدًا وكانت حاضنة الملك وكانت تخدمه ولكن الملك لم يعرفها (٤) ".
ب- التوراة تبيح خطف النساء: فقد جاء في سفر القضاة ما يلي: (فقال شيوخ الجماعة ... وأوصوا بني بنيامين قائلين: امضوا واكمنوا في الكروم وانظروا فإذا خرجت "بنات شِيلُوة (٥) " ليدرن في الرقص، فأخرجوا أنتم من الكروم، واخطفوا لأنفسكم كل واحد امرأته من بنات شيلوة، واذهبوا إلى أرض بنيامين (٦) ...) (٧).
ج- التوراة تبيح- كذبًا على داود- اغتصاب الزوجات، فتدعي: أن وسيط داود انتزع زوجة من رجلها الذي كان يسعى وراءها ويبكى ويُطرد، لتكون زوجه لداود التي خطبها لنفسه وهي متزوجة بمائة غلفة من الفلسطينيين! أي بقتل مائة منهم، وقطع غلفهم من ذكورهم ليقدمها مهرًا لزوجته المغتصبة من زوجها، فكان الختان اليهودي الذي يمثل العهد القدس اليهودي مهرًا لامرأة حرام (٨).
стр. 257
د- تفتري التوراة على الرب أنه أباح انتهاك عرض نساء داود ﵇ لأنه كما تكذب التوراة أخذ امرأة أوريا الحثي، يقول النص: " هكذا قال الرب: ها أنذا أقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نسائك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك، فيضطجع مع نسائك في عين هذه الشمس لأنك أنت فعلت بالسر، وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس (١) ".
ثم يعلق على هذه النص منتقدًا ويقول:
(فهذا دون شك مما أدخله كاتبو التوراة فيها وحرفوه خلافاً لتلك النصوص التي تؤكد على عفة المرأة، وتدعو إلى الزواج الكريم الذي يحفظ للمرأة عفافها واستقامتها (٢)).
زواج الأرملة (زوجة الأخ المتوفى) من أخيه:
يذكر د/ بدران ما يتعلق هذه الأرملة وأنها لا بد وأن تتزوج من أخي زوجها ولا يحق لها أن تتزوج بغيره من خارج البيت فإن رفض ففي ذلك الذلة والمهانة، تقول التوراة:
"إذا سكن إخوة ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تصر امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي .. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة. ويقوم لها بواجب أخي الزوج. والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يمحى اسمه من إسرائيل (٣).
هذا تناقض واضح في الشريعة اليهودية ولأن هناك ما هو أهم حيث تقول التوراة مكملة للنص السابق: "وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ وتقول: لقد أبي أخو زوجى أن يقيم لأخيه اسمًا في إسرائيل .. لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج. فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه. فإن أصر وقال: لا أرضي أن أتخذها. تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ وتخلع نعله من رجله وتبصق في وجهه وتصرخ وتقول: هكذا يُفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه فيدعي في إسرائيل بيت مخلوع النعل (٤) ".
стр. 258
وفي نظرة د/ بدران النقدية يحلل هذا الموقف تحليلًا عقليًا لإظهار ما فيه من أمور غير أخلاقية وإهدار لكرامة المرأة فيقول:
كيف يكون هذا العبث وحيًا إلهيًا؟ وهل الوحي الإلهي هذه الطريقة المنافية للأخلاق؟ أين حياء تلك المرأة؟ ألا تحمي الشريعة كرامتها؟ إن مثل هذا الرجل الذي يرفض الزواج من أرملة أخيه يكون أمام أحد أمرين: إما أن يتقيد بامرأة لا رغبة له فيها- خشية الفضيحة التي قد تسببها له- وهذا ضد الدين وضد كرامته وكرامتها، وإما التشنيع عليه من امرأة تجبرها شريعتها بجرأة، وبلا حياء (١).
ثم يضيف إلى ذلك التحليل التالي:
(١) إن مثل هذا الأمر يجعل الأخ - عندما يلعب الشيطان برأسه ويرغب في زوجة أخيه- متربصًا لأخيه .. ويود التخلص منه وإن لم يستطع يتمني له الموت.
(٢) إن كانت المرأة ترغب شقيق زوجها .. فهذا يجعلها تتصرف حتى تتخلص منه وعند الخلاص تحميها الشريعة (٢).
* المرأة الأجنبية في الشريعة اليهودية:
انتقد علماء المسلمين التشريعات اليهودية الخاصة بالمرأة غير اليهودية الواردة في التوراة على النحو التالي:
أ- زواجها: ذكر د/ عابد الهاشمى موقفًا يدلّ على أن المرأة غير اليهودية إذا أرادت أن تتزوج بيهودي عليها أن تذل نفسها حتى تصل إلى ما تريد فيقول: "إن المرأة إذا لم تكن يهودية. ورغبت بالزواج من أحد اليهود، فعليها إذلال نفسها، وإطراحها مضطجعة عند رجليه حتى الصباح كما فعلت راعوث الموآبية مع بوعز (٣) واستجدته أن يتزوجها وقد وافق على زواجها بهذه الطريقة المهينة (٤).
ب- إذا وقعت في الأسر: ويذكر د/ المطعني كيف أن التوراة تهين المرأة الأجنبية إذا وقعت في الأسر واستدل على ذلك بالنص التالي: "وإذا خرجت لمحاربة أعدائك ودفعهم إلهك إلى يدك وسبيت منهم سبيًا ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة والتصقت بها واتخذتها لك زوجة فحين تدخلها إلى بيتك تحلق رأسها وتقلم أظافرها وتنزع ثياب سبيها عنها وتقعد في بيتك وتبكي أباها وأمها شهرًا من الزمان ثم بعد ذلك تدخل عليها وتتزوج بها فتكون لك زوجة (٥).
стр. 259
وينتقد د/ المطعني هذا النص قائلًا تحت عنوان مُثْلةُ وطقوسُ غير مفهومة:
(إن في هذا النص التشريعي المقدس مثلة بالمرأة الغريبة- غير اليهودية- إذا ساقها القدر فوقعت أسيرة في أيدي اليهود، لماذا تحلق المرأة شعر رأسها؟ أليس المقصود من ذلك إذلالها طبعًا؟ وإذا تجاوزنا شناعة هذا التمثيل بالأجنبيات فما معني أن تبكى المرأة أباها وأمها شهرًا من الزمن قبل أن تكون زوجة لمن أسرها وما الحكم إذا لم تساعدها عيناها على البكاء؟ (١).
التقويم:
للدكتور / الهاشمى نظرة تقويمية فيما يتصل بفرصة المرأة في اختيار زوجها فيقول منتقدًا ما تقرره التوراة في حق المرأة: (إن الزوجة لا تملك الحرية الكاملة في اختيار زوجها، فإذا وجدت نصوصًا في التوراة تعطيها هذا الحق، فإن التقييد يلاحقه، وهذا يدلّ على تشدد التوراة الحالية مع المرأة وحرمانها من بعض حقوقها الطبيعية، أما الإِسلام فقد أعطي المرأة من الحقوق ما كفل لها حريتها وكرامتها ومن ذلك حق اختيار الزوج ... وقد أمر الإِسلام باستئذان المرأة في الزواج ثيبًا كانت أو بكرًا ففى الحديث: "لا تنكح الأيم- الثيّب- حتى تُستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال: أن تسكت (٢) ") (٣).
وخلاصة ما سبق:
أن النصوص التوراتية التي تحمل بعض التشريعات المتعلقة بالمرأة تنص على:
١ - ضياع حقوق المرأة وظلمها.
٢ - إجبارها على الزواج ممن لا ترغب في الارتباط به.
٣ - تناقض التوراة في إعطائها حق الاختيار في موضع ثم هى تقيد هذا الحق وتجبرها في موضع آخر.
٤ - إباحة المرأة دون مراعاة لمشاعرها الإنسانية.
٥ - إذلال المرأة غير اليهودية وإهانتها إذا وقعت في الأسر.
وهذه الأمور كلها ضد كرامة المرأة وإنسانيتها، والملاحظ أن المرأة في التوراة تعتبر محور ارتكاز تدور حوله أحداثها.
стр. 260
المبحث الرابع نقد الجرائم والعقوبات في العهد القديم
تمهيد:
رصد علماؤنا الأجلاء بعض الجرائم التي ورد ذكرها في نصوص العهد القديم ووقفوا معها وقفة فاحصة مبينين مقدار ما قررته تلك النصوص من عقوبات على هذه الجرائم، وإذا كان الخروج على أحكام الشريعة في العهد القديم له عقابه الذي قد يصل إلى حدّ القسوة فإن المغالاة في العقاب لدرجة لا يرضاها عقل ولا دين قد صبغت معظم النصوص التشريعية في هذا الجانب ما بين جرائم قتل وإبادة على يد الرسل والأنبياء كما تدعي التوراة وبين قسوة ووحشية فلا رحمة ولا عدل حتى بالنساء والأطفال والشيوخ.
وقد انتقد العلماء هذه التشريعات كلها، ويمكن حصر ما انتقدوه تحت العناوين التالية:
١ - ارتكاب الجرائم والخروج على أحكام الشريعة.
٢ - أنواع العقوبات.
أ- عقوبات مادية.
ب- عقوبات معنوية.
стр. 261
١ - ارتكاب الجرائم والخروج علي أحكام الشريعة:
وإذا افترض فرضًا جدليًا بسلامة الشريعة في العهد القديم فهل التزموا بها أم أنهم خرجوا عليها؟ يقول د/ كامل سعفان: (إن التوراة تعرض حالات كثيرة وصور العقاب عليها تميل إلى العدل الرادع الذي قد يصل إلى حدّ القسوة لكن مع هذا، فإن أحداث إسرائيل الواردة في التوراة، كثيرًا ما تخرج على ما ورد في الشريعة فإن كان كل إنسان بخطيئته يقتل (١). فماذا حدث لداود وقد قتل أوريا الحثى حتى يظفر بزوجته؟ وكيف قتل أبشالوم بن داود أخاه أمنون، ويكون للملك حق العفو عن القاتل (٢)؟، ثم كيف تقول الشريعة: "لا يقتل الآباء عن الأبناء، ولا يقتل الأولاد عن الآباء (٣) " أو يقول الرب: "أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، في الجيل الثالث والرابع من مبغضي (٤) ". وتاريخ بني إسرائيل حافل بالقتل الجماعى، رجالًا ونساءً وأطفالًا وبهائم وكل نسمة حية، إذا حمى غضب الرب، أو حمي غضب نبي من أنبيائه، أو قائد من قادته) (٥).
ويقرر د/ بدران هذه الحقيقة البشعة من أن التوراة صورت الأنبياء خارجين عن المهمة الأساسية التي أرسلوا من أجلها فبدلًا من أن يكونوا سببًا في هداية الناس كانوا أداة في تشريدهم وإبادتهم- كما يزعمون- فيقول:
(يرسل الله أنبيائه الأطهار ليطهر بهم الأرض ويملؤها بهم عدلًا ورحمة ويطرد بهم الظلمة ليحل مكانها النور، ويهدي بهم أهل الأرض، لم يرسلهم ليقتلونهم ويقتلوهم ولكن للتوراة وكتبتها رأى آخر ويرون غير ذلك تمامًا، فتبيح الدم والعرض، دم الأطفال والشيوخ والعجزة، وعرض الأطفال والنساء وتروى قصصًا يقولون أنها حدثت على يد أنبياء الله قصص لا يجرؤ على فعل مثل أحداثها سوى مجرمي الحروب، يقولون عنها أن الله هو الذي دبر أحداثها، أي إله هذا؟، وأي ديانة تلك) (٦). ثم استدل على ما قاله بما جاء في سفر التثنية من أن الله خاطب موسى بقوله: "حين تَقْرُب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك" (٧).
стр. 262
وينتقد هذا النص بقوله: "هل إله إسرائيل بهذه القسوة والوحشية ولكن صبرًا، فهذا قليل من كثير، حيث يأمر (إله إسرائيل) نبيه بأشياء أكثر قسوة وعنفًا فيقول: "وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاها الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًا أما مدن هؤلاء الشعوب القريبة منك التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة" (١).
ويعلق على ذلك بقوله: شريعة وحشية تقشعر لها الأبدان وترتجف منها الأطراف وتشيب لها الولدان ليس فيها من الرحمة أو العدل شيئًا شريعة يرفضها كل إنسان متحضر (٢).
نقد العقوبات في العهد القديم:
لقد رصد كل من د/ بدران، د/ كامل سعفان، د/ المطعني، مواضع متعددة في التوراة تبيّن مقدار العقوبات التي تطبق على المرتكبين للجرائم سواء أكانت جرائم قتل أو زنا أو سرمة ووقف كل واحد منهم مع ما استدل به من نصوص لبيان ما فيها من اعتدال أو تطرف في الشريعة اليهودية، وبعد الاطلاع على ما كتبوه حول هذا الموضوع يمكن تقسيم هذه العقوبات من خلال نقدهم إلى:
١ - العقوبات المادية.
٢ - العقوبات المعنوية.
أولًا: العقوبات المادية:
يقول د/ كامل سعفان: قدمت التوراة صورًا من العقوبات المادية، يمكن أن تكون وسيلة إلى حماية الحقوق: "إذا رعي الإنسان حقلًا أو كرمًا، وسرح مواشيه، فرعت في حقل غيره، فمن أجود حقله يعوض" (٣)، "إذا خرجت نار وأصابت شوكًا، فاحترقت أكداس زرع أو حقل، فالذي أوقد الوقيد يعوص" (٤)، إذا أعطي إنسان صاحبه فضة أو أمتعة للحفاظ، فسرقت من بيت الإنسان فإن وجد السارق يعوض باثنين، وإن لم يوجد السارق يقدم صاحب البيت إلى الله ليحكم، هل لم يمد يده إلى ملك صاحبه" (٥)، "وإذا استعار إنسان من صاحبه شيئًا فانكسر، أو مات صاحبه وليس معه يعوض وإن كان صاحبه معه لا يعوض" (٦).
стр. 263
ثم يعقب د/ كامل سعفان، على هذه النصوص منتقدًا لهذه العقوبات فيقول:
يؤخذ على هذه العقوبات وغيرها الكثير، أنها تتحدث عن التعويض دون بيان ما إذا كان المعتدي لا يملك ما يعوض به، كما أن التعويض لا يلتزم بقاعدة مطردة، فهو تارة بالمثل، وتارة الضعف، وقد يصل إلى خمسة أضعاف، مع أن (التكييف القانوني) متشابه إلا أن الأحكام ترتبط بحالات معينة، لا بكل الحالات (١).
وفي حديثه عن جريمة القتل يقول:
الأصل فيها: "ولا تقتل البريء والبار" (٢) وإذا حدث العدوان "فلا تشفق عينك، نفس بنفس، عين بعين، سن بسن، يد بيد، رِجْل برجل" (٣)، "كل من قتل نفسًا فعلي فم شهود يقتل القاتل، وشاهد واحد لا يشهد على نفس للموت ولا تأخذوا فدية عن نفس القاتل المذنب للموت بل إنه يقتل" (٤). ثم يعلق على ذلك بقله حكم صارم لا يشوبه إلا أن "ولي الدم يقتل القاتل حين يصادفه" (٥) مما يساعد على مزيد من القتلى، لأنه يأخذ بطابع الثأر، لا عدالة القصاص وإن كنا نجد في (خروج) أن الكهنة هم الذين يتولون القصاص: "فمن عند مذبحي تأخذه للموت" (٦) فتبعة التغيير تقع على أولئك الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، دون إدراك لقداسة الكلمة (٧).
عقوبة القتل الخطأ:
يستدل د/ كامل بالنص التالي:
(إن دفعه بغتة، بلا عداوة، أو ألقي عليه أداة ما دون تعمد، أو حجرًا ما مما يقتل به بلا رؤية أسقطه عليه فمات، وهو ليس عدوًا له، ولا طالبًا أذيته، تقضي الجماعة بين القاتل وولي الدم، وتنقذ الجماعة من ولى الدم، وترده الجماعة إلى مدينة ملجئه التي هرب إليها، فيقيم هناك إلى موت الكاهن العظيم الذي مسح بالدهن المقدس ولكن إن وجده ولى الدم خارج حدود مدينة ملجئه، وقتل ولى الدم القاتل فليس له دم) (٨).
стр. 264
ثم ينتقد النص السابق بقوله:
(من هنا اختلط العدل بالجور فقضاء الجماعة بين القاتل خطأ وولي الدم قد يصل إلى دية مرضية، وإبعاد القاتل علاج نفسي يدعمه الحزن العظيم على الكاهن العظيم، أما أن يلتقى ولي الدم بعد ذلك بالقاتل فيقتله، دون عقاب فأمر ليس من العدالة في شىء وبخاصة أن من السهل تحقيق هذا اللقاء) (١).
ثانيًا: العقوبات المعنوية:
ذكر د/ المطعني بعض الفئات في التوراة قد أصدرت عليهم عقوبة معنوية ولكنها عقوبة في غير محلها، وهذه العقوبة هي الحرمان الأبدي من الدخول في جماعة الرب وهذه الفئات كالتالي:
أ- المخصي والمجبوب:
واستدل على هذا النوع بالنص التوراتي الذي يقول: "لا يدخل مخصي بالرض أو مجبوب في جماعة الرب" (٢). وينتقد ذلك د/ المطعني قائلًا: (حرمان أبدي .. ولماذا؟ المقصود من جماعة الرب هم المؤمنون، والإيمان لا علاقة له بالأمراض العضوية مهما كان نوعها، يكفى أن يكون لدي الإنسان فطرة سليمة، وقلب طاهر، وعقل مدرك فيصدق بكلمات الله ورسله وكتبه ووعده ووعيده، ويعمل بشريعته فيكون مؤمنًا ويحق له الدخول في جماعة الرب، ولكن التوراة تضع أمام إيمان المؤمنين عقبة كؤودًا فبعض المرضي كالخصي والمجبوب لا يدخلون أبدًا في حظيرة الإيمان ولماذا؟ لأنهم مجبوبون أو مخصيون؟!) (٣).
ب- ولد الزنا:
واستدل بالنص التوراتي الذي يقول: "لا يدخل ابن زني في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لا يدخل منه أحد في جماعة الرب" (٤). ثم ينتقده بقوله: (وأبناء الزنى ما هو ذنبهم الذي جنوه حتى يطردوا من حظيرة الإيمان؟ إن الجاني الحقيقى هنا هو الأب الزاتي والأم الزانية، لا من وُلد عن هذه العلاقة المحرمة فكان من الأولي ألا يدخل الزناة آباءً وأمهات في جماعة الرب) (٥).
стр. 265
ج- "المؤابي" (١) و"العموني" (٢):
واستدل على عدم دخولهم جماعة الرب بالنص التوراتي القائل: "لا يدخل عموني ولا مؤابي في جماعة الرب إلى الأبد من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر" (٣). ثم ينتقد هذا النص بقوله: (ولا علاقة أيضًا للإيمان بالجنس أو اللون أو العنصر فكل الناس صالحون لأنّ يكونوا مؤمنين إذا توافرت لهم أسباب الإيمان، ولكن التوراة تقضى هنا بأن العمونيين والمؤابيين لا يدخلون في جماعة الرب إلى الأبد لماذا؟ لأنهم لم يقدموا لبني إسرائيل الطعام والماء حين خروجهم من مصر) (٤).
د- الأبرص والذي به جرح يسيل دمًا أو قيحًا:
قدم د/ المطعني للنص الذي استدل به بقوله: "لأنه هذه الأمراض يصبح المريض نجسًا فيطرد من المدينة المقدسة وفي هذا يقول سفر اللاويين: "فهو إنسان أبرص إنه نجس، فيحكم الكاهن بنجاسته إن ضربته في رأسه والأبرص الذي فيه الضربة تكون ثيابه مشقوقة، ورأسه يكون مكشوفًا ويغطي شاربيه، وينادي نجس، نجس، كل الأيام التي تكون الضربة فيه يكون نجسًا إنه نجس، يقيم وحده، خارج المحلة يكون مقامه" (٥).
وينتقد د/ المطعني قائلًا:
(ما ذنبه؟ مسكين والله! ما ذنب المريض ببرص أو غير برص حتى يستوجب اللعنة والطرد من جماعة الطهارة، ويا لشقاء الإنسان تحت وطأة الكهان، والمريض في حاجة إلى مواساة، تخفف عليه مرضه لا أن يُضاعف عليه الإحساس بالألم فنصدر حكمًا باسم الوحى بأنّه ملعون ومطرود) (٦).
стр. 266
وخلاصة هذا البحث:
١ - أن الجرائم والعقوبات عليها في العهد القديم فيها من التعارض والتناقض ما فيها، ففى الوقت الذي ينهى فيه العهد القديم عن قتل الأبرياء والبررة، توجد نصوص أخرى تؤكد حدوث مجازر وحشية راح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ لا ذنب لهم، ولم يرتكبوا جريمة يستحقوا عليها ذلك سوى أنهم من أهل كنعان. حدث ذلك في البلاد التى لم تدخل مع بني إسرائيل في صلح؛ بل حاربتهم ووقفت في وجههم؛ لأنهم معتدون، حتى أولئك الذين لم يحاربوا بني إسرائيل وعقدوا معهم صلحًا لم يسلموا من تسلطهم وقهرهم، وكان الأمر في التشريع اليهودي بتسخيرهم واستعبادهم إلى الأبد، هذا عن العقوبات المادية.
٢ - أما عن العقوبات المعنوية، يدعي كتبة العهد القديم أن جماعة الرب المقصود بها "بني إسرائيل" هم المؤمنون وحدهم، وبالتالي قصروا هذا اللفظ على أنفسهم؛ بل قد استبعدوا منهم المخصي والمجبوب وولد الزنا والأبرص والعموني والموآبي، كل هؤلاء في نظر الشريعة اليهودية لا يجب أن يدخلوا ضمن جماعة الرب، وفي هذا من الظلم والطغيان ما فيه.
стр. 267
البحث الخامس نقد التشريعات الخاصة بغير اليهود
تمهيد:
اجتهد علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد التشريعات التي تتعلق بغير اليهود والتي يسميها البعض منهم شريعة الأغيار في العهد القديم، وأكد العلماء بنظرتهم النقدية للنصوص التوراتية- أكدوا تمكن النزعة العنصرية في الشريعة اليهودية- وهي من الثوابت التى يرتكز عليها الفكر اليهودي في الماضي والحاضر، واعتقاد بني إسرائيل بأنهم شعب الله المختار، جعلهم يتصورون أنهم فوق البشر، وأن جميع البشر خُلقوا لخدمتهم فهم السادة وغيرهم عبيد عندهم ولكن يتضاءل هذا التصور ويتلاشى عندما يتبين أن الخلفية الدينية التي تكمن وراءه مستمدة من نصوص محرفة، وأن هذه الخلفية خلفية مزيفة لا أصل لها ولا يخفي أبدًا أن السر وراء ذلك كله هو الحقد والحسد الذي يحمله هؤلاء- بني إسرائيل- لغيرهم.
وفي هذا الموضوع يربط علماء المسلمين بين النص والواقع الذي يعيشه اليهود في العالم وعلى وجه الخصوص في فلسطين. وبقراءتهم لهذا الواقع جيدًا وتتبعهم لتلك النزعة العنصرية في أسفار العهد القديم وأنه لا يخلو سفر من الأسفار إلا وقد تشبع بالعنصرية المفرطة، كل ذلك مكنهم من دحض الفرية المزعومة وهي أنهم شعب الله المختار.
ولذلك أصاب د/ على عبد الواحد وافي، عندما رصد أنهم مظاهر الانحراف في الشريعة اليهودية فقال: (إنها تقوم على التفرقة العنصرية، وذلك أنها تجعل اليهود شعب الله المختار الذي اصطفاه وفضله على العالمين وتنظر إلى ما عداه من الشعوب نظرتها إلى شعوب وضيعة في سلم الإنسانية، وتضع قوانينها ونظمها على هذا الأساس، فتفرق بين هؤلاء وأولئك أمام القانون وفي كثير من شئون الاجتماع) (١)، واستدل على ما قاله بالأمثلة التالية والتي أيده فيها كثير من العلماء من هذه الأمثلة ما يلي:
١ - غزو الشعوب والاستيلاء عليها واستعبادها.
٢ - استرقاق الغير إلى الأبد وخاصة شعب كنعان.
٣ - إباحة التعاملات الربوية مع غير الإسرائيلي.
٤ - الرفع من شأن اليهودي والحط من شأن غيره.
٥ - الطرد والإبادة لمن لا يطيعهم.
٦ - سيطرة النزعة العنصرية على أسفار العهد القديم.
стр. 268
أولًا: غزو الشعوب والاستيلاء عليها واستعبادها:
ينتقد د/ وافى، هذه الفكرة- الغزو والاستيلاء دون وجه حق- فيقول:
(إن الإسرائيليين محرم عليهم في هذه الشريعة أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، على حين أنه مباح للإسرائيليين بل واجب عليهم غزو الشعوب الأخرى وخاصة شعب كنعان- فلسطين- وواجب عليهم بعد انتصارهم على بلد ما أن يضربوا رقاب جميع رجالها البالغين بحد السيف فلا يبقوا على أحد منهم ويسترقوا جميع نسائها وأطفالها ويستولوا على جميع ما فيها من مال وعقار ومتاع أو ينهبوه حمسب تعبير أسفارهم) (١).
ويؤكد هذه النظرة د/ الهاشمي في نقده لتلك النصوص التي تحض على التميز والعنصرية فيقول: (يعتقد اليهود- استنادًا إلى دعوى التفوق والأفضلية- أنهم يملكون الحق في التسلط على غير اليهود، قهرًا لهم واسترقاقًا والنصوص التوراتية التي تؤكد على ذلك كثيرة منها: ما جاء في سفر أشعياء: "وبنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم يخدمونك" (٢). ومن يرفض الخضوع لهم فجزاؤه القتل والدمار: "لأنّ الأمهَ والمملكة التي لا تخدمك تُبيد، وخرابًا تخرب الأمم" (٣) ويستبيح اليهود استرقاق غيرهم في غير ظروف الحرب: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها، استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك" (٤) إذًا فالاسترقاق يكون أصلًا لمن استسلم لهم من خصومهم فضلًا عمن قاومهم وقاتلهم) (٥).
ويذكر د/ الهاشمي نصًا آخر يؤكد أنه لا تحرير لهذه العبودية التي يدعيها العهد القديم فغير اليهود عبيد تحت أيديهم إلى الأبد ولا شىء يمحو هذه العبودية. والنص يقول: "أما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم، منهم تقتلون عبيدًا وإماءً، وأيضًا من أبناء المستوطنين النازلين عندكم فمنهم في أرضكم فيكونون ملكًا لكم، وتملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك تستعبدونهم إلى الدهر" (٦) فلا تحرير للعبيد في شريعة اليهود (٧).
стр. 269
وينتقد د/ المطعني هذا النص متسائلًا في وقفته المتأنية التي تؤكد عمق نظرته النقدية لهذه القضية فيقول:
كيف يتخذ اليهودي عبيدًا وإماءً من الذكور والإنات وفتوى التوراة في هذا الموضوع تقول: إن مصدر الاستعباد الوحيد لليهود هو الشعوب المجاورة لهم أو بعبارة أوضح: كل الشعوب غير اليهود يصلحون أن يكونوا عبيدًا لليهود رجالهم وأطفالهم ونساءهم، وكذلك من نزح إلى ديار بني إسرائيل من هذه الشعوب وعاشوا بينهم على اليهود أن يتخذوا منهم ومن ذرياتهم الذين ولدوا بينهم عبيدًا وإمًاء يملكونهم مدى الحياة، ثم تنقل ملكيتهم إلى أبناء اليهود ومن بعدهم فيكونون لهم عبيدًا أبد الدهر، أما استعباد اليهودي ليهودي آخر فحرام حرام وفي هذا تقدم التوراة المقدسة هذا القرار الصارم: "وأما إخوانكم بنو إسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف" (١).
ثانيًا: استرقاق الغير إلى الأبد وخاصة شعب كنعان:
يؤكد د/ وافى، هذه النزعة ويشير إلى تمكنها وتأصلها في الفكر الإسرائيلي بنًاء على نصوص توراتية فيقول:
إن الإسرائيلي إذا باع نفسه بيعًا اختياريًا لاُخيه الإسرائيلى في حالة عوزه وحاجته إلى المال فإن رقه يكون موقوتًا بأجل يرجع بعده إلى الحرية على حين أن الرق المضروب على غير الإسرائيلى يظل قائمًا أبد الآبدين؛ بل إن أسفارهم لتقرر أن شعب كنعان قد كُتب عليه في الأزل أن يكون رقيقًا لبني إسرائيل وأنه لا ينبغى لأفراد هذا الشعب وظيفة ما في الحياة غير هذه الوظيفة، وهذا الوضع الذي فُرض عليهم بسبب دعوة دعاها نوح على كنعان (٢).
ثالثًا: إباحة التعاملات الربوية مع غير الإسرائيلي:
يشير د/ وافى إلى وجود الانحراف في المعاملات من قبل اليهود وأنهم يفرقون في التعامل بينهم وبين غيرهم من الأمم الأخرى فيقول:
ما كان يجوز للإسرائيلى أن يتعامل بالربا مع أخيه الإسرائيلى ولا أن يأخذ منه رهنًا بدينه، وإذا أخذ منه في الصباح رهنًا من المتاع الذي لا يستغني عنه في حياته اليومية كالرحى التي يطحن عليها قوته وجب أن يرده إليه في المساء، أما غير الإسرائيلي فمباح للإسرائيلى أن يمتصه ويتعامل معه بأشنع أنواع الربا الفاحش (٣).
стр. 270
وكذلك يؤكد د/ بدران أن إباحة الربا مع غير اليهود وتحريمه فيما بينهم من أبرز القضايا التي تؤكد معني العنصرية في نصوص العهد القديم فيقول:
جاء في سفر التثنية أمر لإله إسرائيل في غاية الغرابة، أمر لا يأمر به إلا كهنة معابد الأصنام، حيث يأمر إله إسرائيل موساهم بأنّه إذا أقرض الإسرائيلي إسرائيليًا قرضًا فلا يكون بربا أما إذا كان القرض لأحد غير بني إسرائيل (الأمميين) فيكون القرض بربا حسب النص الذي يقول: "ولا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شىء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها (١).
ثم ينتقد د/ بدران بقوله:
إن شيئًا مثل هذا ينفر البشر من شريعتهم هذه ... لأنها ليست شريعة الله أبدًا، فشريعة الله لا تفرق بين عربي وأعجمى، ولا بين أحمر ولا أبيض ولا بين أبيض ولا أسود ولكن ما يفرق بينهم هو التقوى والعمل الصالح (٢).
أما د/ المطعني في نقده لهذه التعاملات الربوية التي تزكى الروح العنصرية عند اليهود وتقويها فيقول:
الحلال حلال، والحرام حرام ولا عبرة بحال الشخص المعامل بهما ... بصرف النظر عن عقيدته وجنسه، ولكن التوراة تهدر تلك القيمة التشريعية من حساباتها وتبيح من حرمات الأجنبي -غير اليهودي- ما تجزم بحرمته بالنسبة لليهودي، وقد جعلت التوراة إقراض الأجنبي بربا إحدى دعامتين تستوجبان البركة من الرب الإله، والدعامة الثانية: هي أن يتلطف اليهودي مع أخيه اليهودي فيقرضه قرضًا حسنًا لا ربا فيه (٣).
وعلى ذلك:
فإن ما قدمه العلماء من رؤى نقدية متنوعة حول قضية الربا في التشريع اليهودي يؤكد أن النصوص التوراتية في هذا الجانب هي الخلفية الدينية المحرفة إلى تكمن وراء تكديس الثروات في اليهودية، ووراء سيطرة اليهود على الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر، وأن امتلاكهم لأسباب القوة المادية مرجعيته لهذه التعاملات الربوية.
стр. 271
رابعًا: الرفع من شأن اليهودي والحط من شأن غيره:
تأتي هذه القضية مكملة لغيرها من القضايا ذات النزعة العنصرية عند بني إسرائيل والتي تسيطر على أسفار العهد القديم ولذلك ذكر د/ المطعني في كتابه "الإِسلام" نصوصًا تؤكد أن العهد القديم يرفع من شأن اليهودي ويصفه بالطهر أما غير اليهودي فهو نجس لا يأكل طعامهم حتى لا ينجسه، واستدل على ذلك بما جاء في سفر اللاويين: "وكل أجنبي لا يأكل قدسًا نزيل كاهن وأجيره لا يأكلون قدسًا ... وإذا صارت ابنة كاهن لرجل أجنبي لا تأكل من رفيعة الأقداس، وأما ابنة كاهن قد صارت أرملة أو مطلقة ولم يكن لها نسل ورجعت إلى بيت أبيها كما في صباها فتأكل طعام أبيها لكن كل أجنبي لا يأكل منه" (١).
وكان للدكتور / المطعني، هنا وقفة مع هذا النص يبرز ما فيه من معانٍ مخالفة وهي رؤية تحليلية نقدية جيدة فيقول:
(المراد من الأجنبي هنا هو غير اليهودي وكذلك نزيل الكاهن وأجيره من غير اليهود، وحكم هذا الأجنبي أنه لا يأكل طعام كاهن اليهود؛ لأنّ الأجنبي نجس، وأكله من طعام الكاهن ينجس الطعام لا لشىء إلا لأنه غير يهودي وتسرى هذه النجاسة من الأجنبي إلى بنت الكاهن إذا تزوجت من الأجنبى، وهي مادامت زوجة للأجنبي لا تأكل من طعام أبيها حتى لا تنجسه، ولكن إذا مات الأجنبي زوج ابنة الكاهن أو طلقها وعادت إلى بيت أبيها فإنها تأكل من طعامه ولكن بشرط مهم وهو ألا تكون قد أنجبت من ذلك الأجنبي، أما إذا كانت قد أنجبت فإنها لا تأكل؛ لأن نجاستها قد صارت أبدية والسبب أنها تزوجت وأنجبت من أجنبي غير يهودي) (٢).
ويضيف د/ الهاشمي أنه بسبب الاعتقاد السابق -وهو نجاسة غير اليهودي- فالتوراة تمنع غير اليهودي من دخول المعابد اليهودية حتى لا ينجسها فيقول:
(تأمر التوراة اليهود بعدم السماح لغير اليهود بدخول أماكن عبادتهم ذلك لأنهم بعقيدة التوراة- ينجسون دور عبادتهم والنص يقول: "ابن الغريب أغلف القلب وأغلف اللحم، لا يدخل مقدس من كل ابن غريب الذي من وسط بني إسرائيل" (٣) والنص التالي يعيب على اليهود سماحهم لغير اليهود بالدخول في بيوت العبادة إذ هم نجس وقذارة: " ... يكفيكم كل رجاساتكم يا بيت إسرائيل بإدخالكم أبناء الغريب الغلف القلوب الغلف اللحم، ليكونوا في مقدسي فينجسوا بيتي" (٤)) (٥).
стр. 272
خامسًا: الطرد والإبادة لمن لا يطيعهم:
تأتي هذه الصورة من العنصرية لتؤكد استمرار المعاملة الفظة لغير اليهود وهذا ما رصده د/ عابد الهاشمى في كتابه مبينًا أن التوراة تبيح لليهود أن يطردوا الآخرين من ديارهم، ويسفكوا دماءهم (١) واستدل في هذا الموضع بنصين من نصوص التوراة (٢).
النص الأوّل:
" فتطردون سكان الأرض من أمامكم ... تملكون الأرض وتسكنون فيها، لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها ... وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكًا في أعينكم ومناخس ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها. فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم" (٣).
ثم ينتقد هذا النص قائلًا:
(ويلاحظ في هذا النص التهديد الذي ادعوا وروده من الرب لهم، إن قصروا في النيل من أعدائهم، وفي هذا كله تمكين مقيت للعنصرية اليهودية المستعلية على سائر الخلق) (٤).
النص الثاني:
تظهر فيه البشاعة بأوضح صورها في موقفهم ضد غيرهم، فقد جاء في سفر صموئيل الأول: "قال صموئيل لشاؤول: فالآن اذهب واضرب عماليق- وهم عرب- وحرموا كل ماله ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلًا وامرأة، وطفلًا ورضيعًا، بقرًا وغنمًا وجملًا وحمارًا" (٥).
وبذلك يتضح أن جزاء الشعوب الأخرى إن عصت بني إسرائيل أن تطرد من الأرض ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يصل إلى الإبادة من الأرض .. يالها من قسوة ووحشية تدل على العنصرية ضد الآخرين بل تصل لدرجة العدوانية البغيضة تجاه شعوب الأرض.
стр. 273
سادسًا: سيطرة النزعة العنصرية على أسفار العهد القديم:
يقدم د/ على خليل، في كتابه رؤية عصرية ذات أسلوب متميز حول المفهوم التوراتي لفلسطين المحتلة في الفكر اليهودي، ومن خلال القراءة المتأتية لكتابه تتضح رؤيته النقدية التي انتهى إليها من خلال نظرة العهد القديم إلى الشعوب الأخرى، وأهم ما يميز نقده لهذه النزعة العنصرية ما يلي:
١ - أنه يربط بين النص التوراتي والواقع اليهودي المعاصر، فاليهود يستلهمون التاريخ وينطلقون في تحركاتهم على أساس ديني، وأنه لا يوجد فاصل بين ما يحمله العهد القديم من نصوص وبين الواقع الذي يعيشه اليهود في الماضي والحاضر مبينًا أن ما يحدث في الواقع الحالي ما هو إلا واجهة أمامية لخلفية دينية مزيفة، وأن التصرفات اليهودية في القديم والحديث ما هي إلا تطبيق حرفي لمبادىء الفكر العنصري العدواني الذي يستمد أساسياته من نصوص محرفة، والذي يبني انطلاقاته جميعها على تلك القواعد التي أرساها ملوك بني إسرائيل وأنبياؤهم حسب الزعم التوراتي المحرف، وبين أيضًا، كيف نجس اليهود في توظيف هذه النصوص لخدمة أغراضهم وميولهم النفسية التي تفضل الانعزال والتقوقع وكراهية الآخرين.
٢ - الموضوعية التامة: حيث جمع كل ما يتعلق بالنزعة العنصرية من معظم الأسفار في حيدة تامة، وبين سيطرتها على أسفار العهد القديم، وقد استخرج من النصوص ما يدلّ على العنصرية صراحة أو ضمنيًا، مبينًا كيف اتخذ اليهود هذه النصوص أصلًا ثابتًا ينبني عليه التميز العنصري في الفكر اليهودي، فيقول:
لقد ساهمت النزعة العنصرية في انغلاق اليهود وتعصبهم وتوجسهم من الأغيار واعتقادهم بأنهم الزرع المقدس والشعب المختار، فالعنصرية في جوهرها نزعة عدوانية، ولا يمكن أن تكون إلا كذلك نظرًا لأنها تبني على التمييز والتميز والاختيار والتفوق والفراده، واليهودية تنص على أن اليهود يشكلون عنصرًا مميزًا على سائر العناصر البشرية، وشعبًا متميزًا على كافة الشعوب بخصائصه وفرادته، والتعاليم الدينية اليهودية تركز بقوة على العنصرية عبر تأكيدها على الاختيار والقداسة والتفوق وعدم الاختلاط بالشعوب والأمم، والكيان الصهيوني اليوم يربط كيانه السياسي بالدين ويجعل من الدين أساسًا لوجوده، وحجة في اغتصاب الأرض وامتلاكها (١).
стр. 274
وقد تتبع د/ على خليل، أسفار العهد القديم مُركزًا على النصوص التي تشير إلى العنصرية؛ بل وتدعوا إليها أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
١ - عنصرية إبراهيم ﵇-حسب الزعم التوراتي:
كان إبراهيم الخليل ﵇ يتنقل في أرض كنعان بحرية وأمان، وحكام المنطقة يقدمون له كل التسهيلات الكفيلة بتأمين الإقامة والاطمئنان والكلأ وحرية العمل والحركة والاحترام فنقرأ في سفر التكوين: "فأتوا إلى أرض كنعان واجتاز ابرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مور وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض وظهر الرب لابرام وقال لنسلك أعطي هذه الأرض فبني هناك مذبحًا للرب الذي ظهر له ... ثم ارتحل ابرام ارتحالًا متواليًا نحو الجنوب" (١).
كان إبراهيم ﵇ يتصرف بحرية وأمان ولم يتعرض له الكنعانيون ولم يهدموا المذبح الذي بناه ... وتركوا له حرية العقيدة والعبادة وصادقوه واحتضنوه بين ظهرانيهم واحترموه فتقول التوراة: "ثم انتقل إبراهيم إلى بلوطات ممرا التي في حبرون وأقام هناك وبني مذبحًا للرب وسكن بأمان وطمأنينة تحت راية ممرا الأمورى وأخويه أشكول وعائر وكانوا أصحاب عهد مع إبراهيم" (٢).
على الرغم من هذا التسامح والترحيب والانفتاح الذي أبداه الكنعانيون لبني إسرائيل فقد نظر الإسرائيليون إليهم نظرة تعصب وعنصرية وعدوانية لأنّ إلههم الخاص صور لهم الكنعانييين أعداءً وكفرة ولذا ينبغي الانعزال عنهم وإذا أمكن إبادتهم واحتلال مناطقهم، فالمصاهرة أمر مرفوض البتة فلا يجوز في عقيدتهم أن يتدنس الزرع المقدس برجاسات الأمم. فرغم كل ما لاقاه إبراهيم من تكريم ومودة واحترام في كنعان من سكانها وبمختلف مناطقها التي سكن فيها فإنه لم يكن ليتخلى عن نزعته العنصرية كما نستشف من النص التوراتي وكأن كاتب النص يرغب أن يصور إبراهيم متعصبًا عنصريًا انعزاليًا مترفعًا (٣).
إن إبراهيم رفض أن يتزوج ابنه إسحاق من بنات كنعان، وأصر أن يأخذ بنتًا من عشيرته حصرًا فنقرأ: "وشاخ إبراهيم وتقدم في الأيام وبارك الرب إبراهيم في كل شيء وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على كل ما كان له. ضع يدك تحت فخذي فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم؛ بل إلى أرضى وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لأبني إسحاق" (٤).
стр. 275
٢. عنصرية إسحاق ﵇ حسب الزعم التوراتي:
يقول د/ على خليل: لقد ورث إسحاق ﵇ عن أبيه إبراهيم ﵇ هذه النزعة العنصرية حيث يكتب محرر النص التوراتي: "أن إسحاق أمر ابنه يعقوب أن لا يأخذ زوجة من بنات كنعان أيضًا فنقرأ: "فدعا إسحاق يعقوب وباركه وأوصاه وقال له: لا تأخذ زوجة من بنات كنعان. قم واذهب إلى فدّان آرام" (١) إلى "بيت بتوئيل" أبي أمك وخذ لنفسك زوجة من هناك من بنات لابان (٢) أخي أمك" (٣). التزم يعقوب بالأمر خاصة وأن أمه "رفقة" كانت قد هددت أن تقتل نفسها إن تزوج من بنات كنعان حيث نقرأ: "وقالت رفقة لإسحاق مللت حياتى من أجل بنات حِثَّ. إن كان يعقوب يأخذ زوجة من بنات حث مثل هؤلاء من بنات الأرض فلماذا لي حياة" (٤).
٣. عنصرية أبناء يعقوب ﵇ حسب الزعم التوراتي:
لقد دفعت العنصرية أبناء يعقوب لارتكاب جريمة بشعة بحق سكان منطقة شكيم الذين احتضنوهم في أرضهم وأكرموهم ورحبوا حتى بالاختلاط معهم وكان سبب هذه الجريمهَ البشعة أن "شكيم" ابن حاكم المنطقة "حمور" أراد أن يتزوج من "دينة" ابنة يعقوب التي أحبها وأحبته وقد طلبها له والده رسميًا ووافق على كافة شروطهم ومنها ختان جميع المذكور في منطقة شكيم. ولم يكن ليدرى حمور ولا ابنه شرط الختان كان خدعه وحيلة خطط لها أبناء يعقوب ليرتكبوا جريمتهم انتقامًا وتخلصًا من فكرة المصاهرة والاختلاط والتعايش السلمي.
لقد كانت رؤية حمور حاكم المنطقة الكنعاني حضارية فهو يؤمن بمجتمع تنصهر فيه الفوارق العنصرية والمساواة بين يختلف أفراد البيئة الواحدة أو بين شتي الشعوب المتجاورة حيث المحبة والتعاون والإنسانية فتقرأ خطابه ليعقوب وأبناؤه: "ابني قد تعلقت نفسه بابنتكم أعطوه إياها زوجة وصاهرونا، تعطونا بناتكم وتأخذون لكم من بناتنا وتسكنون معنا وتكون الأرض قدامكم اسكنوا واتجروا فيها وتملكوا بها ثم قال شكيم لأبيها ولإخوتها دعوني أجد نعمة في أعينكم فالذي تقولون لي أعطي (٥) وبعد أن تزوجها ذهب إخوتها وقتلوه وقتلوا أهله معه.
стр. 276
وينتقد د/ بدران هذه القصة بقوله:
(فعلوا كل هذا لأنّ رجلًا زنى بأختهم ... ولكن لماذا فعلوا كل هذا بعد أن تزوجها الرجل بإرادتهم؟ بل نفذ كل ما طلبوه منه وبالرغم من ذلك قتلوه وقتلوا أهله معه، وإن كان الرجل زنى بأختهم وقتلوه فما ذنب أهله؟ وما هي الجريرة التي ارتكبها الأطفال الصغار والنساء حتى يسبوا) (١).
حقًا إنها العنصرية المتعصبة من أولاد يعقوب (شمعون ولاوي).
ويناقش د/ سعد الدين صالح هذه النزعة العنصرية مبينًا فسادها ومخالفتها للعقل والنقل ودلالاتها على التحريف في العهد القديم فيقول:
يكفي في دحض هذه النزعة أن توجد في كتاب محرف هو التوراة فمجرد وجودها في التوراة دليل على بطلانها؛ بل إن هذه العقيدة الباطلة هي من أقوى الأدلة على تحريف التوراة ودسها بالمشاعر التي كان يشعر بها اليهود أثناء التشرد والاضطهاد الذي حل بهم، ذلك أن الله ليس قريبًا لأحد ولا يحابي أحدًا على حساب أحد فالكل أمامه سواء ولكن اليهود يحاولون هذه الادعاءات الباطلة الطعن في عدالة الله حيث يميز جنسًا على جنس وليته الجنس المطيع لله الملتزم بأوامره، بل الجنس المعاند المكابر المكذب للرسل، فلا يمكن قبول هذه الدعوى لا عقلًا ولا نقلًا؛ لأنّ الله لا يفضل أحدًا على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢)) (٣).
стр. 277
وخلاصة هذا المبحث:
ظهر من خلال العرض التقويمي السابق بالتشريعات الخاصة بغير اليهود أنه تتعدد مظاهر الانحراف في الشريعة اليهودية منها ما يلي:
١. تقوم الشريعة اليهودية على التفرقة العنصرية بينهم وبين باقى البشر، فتفرق بين اليهودي وغير اليهودي في التعامل، وتعتبر اليهود فوق جميع البشر؛ لأنهم شعب الله المختار- كما يزعمون- ومن ثم ينظرون لغيرهم نظرة ازدراء واحتقار.
٢. أباحت الشريعة اليهودية لليهود استغلال غيرهم ونهب ثرواتهم، واسترقاقهم إلى الأبد؛ لأنهم وحدهم الأسياد كما تقول توراتهم المحرفة وما سواهم عبيد وخدم.
٣. عدم الزواج من غير اليهود حتى لا يتدنس الزرع المقدس-كما يدعون- مثلما حدث في قصة زواج إسحاق ﵇ كما ينص العهد القديم، فقد رفض إبراهيم ﵇ أن يزوج ابنه إسحاق من بنات كنعان وأصر أن يأخذ بنتًا من بنات عشيرته.
٤ - تحريم دخول المعابد اليهودية لغير اليهود وذلك لأنّ التوراة المحرفة تدعي نجاسة غير اليهودي، وهذه نظرة فيها انحراف وشطط، إذ تصف اليهودي بالطهارة والنقاء، وتصف غيره بأنّه أغلف القلب واللحم نجس.
خلاصة الجهود النقدية للعلماء:
كان للدكتور / كامل سعفان، الجهد الأكبر في نقد التشريعات في العهد القديم، فلقد خصص لها جزءًا كبيرًا من كتابه، إلا أن نقده لها جاء في لمحات سريعة، ولم يكن نقدًا موسعًا لدقائق التشريع في العهد القديم، ولم يقف مع النصوص كما ينبغي.
يليه في دراسة التشريعات د/ بدران محمَّد بدران، فقد استوعب أغلبها بصورة عامة، ولم يدخل في تفصيلات تشريعية، أما د/ المسيري، فقد استوعب ضمن موسوعته نقد بعض الأجزاء التشريعية في العهد القديم، إلا أنه يغلب على نقده التحليل السياسي للنصوص، وربط بين هذه النظرة النقدية وبين الفكر اليهودي والسياسة الصهيونية، التي تبني تحركاتها بناءً على تلك النصوص، ويعتبر د/ المسيري، من ألمع العلماء المعاصرين، وواحد من المشهود لهم في الكتابة عن اليهود واليهودية.
والملاحظة العامة على تناول العلماء للجوانب التشريعية في العهد القديم، أن نسبة قليلة من بين جموع علماء المسلمين هي التي نقضت هذا الموضوع، وذلك من خلال ما وقع تحت يدي من مؤلفات نقدية.
стр. 278
الفصل الثالث جهود علماء المسلمين في نقد السلوكيات الأخلاقية في العهد القديم
ويشتمل على المباحث التالية:
- المبحث الأول: المادية في أخلاق اليهود في العهد القديم
- المبحث الثاني: العدوانية في أخلاق اليهود في العهد القديم
- المبحث الثالث: الانحلال الخُلقي في العهد القديم
- المبحث الرابع: الغدر والخيانة في العهد القديم
- المبحث الخامس: الكذب والسرقة في العهد القديم
стр. 279
تمهيد:
من المعلوم الذي لا يقبل الشك أن المجتمع يكون متماسكًا إذا التزم أفراده بالأخلاق الكريمة، أما إذا تخلى عنها أفراده فإنه بالتالي يحمل عوامل انهياره ولو بعد حين ولذلك فإن الأخلاق قوام الأمم والحضارات وهي من الأسس التي ينبني عليها كل دين جاء من عند الله بعد العقائد والتشريعات.
والالتزام بهذه الأخلاق التي يأمر بها الله والاستقامة عليها مطلب رباني على لسان رسله الكرام، وقد قام رسل الله ﵈ بأداء هذه الرسالة خير قيام، والتزم من أتباع الرسل من التزم وخالف من خالف وكان من الذين خالفوا وانحرفوا عن الطريق المستقيم بنى إسرائيل، فكذبوا الرسل وقتلوا منهم من قتلوا، وتحريفهم للتوراة من أجل خدمة أغراضهم وتأييد أفعالهم، وليكون ذلك تبرير لما يصدر عنهم من سلوكيات، وقد اجتهد علماؤنا الأجلاء في بيان هذا الانحراف السلوكي ونقد التصرفات الغير أخلاقية، وبينوا أن ما تعج به التوراة من نصوص تحكي وقائع لا أخلاقية لهي نموذج يستحضره اليهود في تصرفاتهم الحاضرة، ويفتخرون بما صنعه أجدادهم في الماضي من فساد وتدمير للأخلاق، وحول هذا الموضوع تعددت الرؤى النقدية لعلمائنا الأجلاء- فترة البحث- على النحو التالي:
١ - رصد الظواهر السلبية:
اتبع بعض علمائنا الأجلاء في نقدهم للجانب الأخلاقى في العهد القديم رصد الظواهر السلبية التي تلصقها التوراة بالأنبياء وذويهم تصل إلى حدّ إقرار الكبائر دون ما عقاب عليها وردوا هذه الاقامات مبينين أن الأنبياء وبيوتهم بريئة ومنزهة عن هذه الافتراءات من هؤلاء العلماء أ/ عبد الله التل في كتابه "جذور النبلاء".
٢ - الالتزام بالموضوعية في معالجة الجانب الأخلاقي في العهد القديم:
من العلماء من تتبع أسفار العهد القديم مفتشًا فيها على ما يتصل بالجانب الأخلاقي ووقف مع الوقائع اللا أخلاقية التي تصل إلى حدّ التفريط والانحلال الخُلقى وغير ذلك من مخالفات خُلقية ونقدها نقدًا موضوعيًا، من هؤلاء، د/ على خليل، في كتابه التعاليم اليهودية.
٣ - تحليل النص التوراتي:
من العلماء من يسرد القصة التوراتية أو النص ثم ينتقد ما يراه من مخالفات من أوجه متعددة تدل على باعه الطويل وخبرته وتمكنه من ناصية النص التوراتي فيحلله مستخرجًا ما فيه من أخطاء تدل على بشاعة ما تدعيه التوراة وتؤكد مدى الانحلال الخُلقي الذي تدعو إليه أسفار العهد القديم من هؤلاء الأفذاذ العلامة رحمة الله الهندي.
ولتوضيح تلك الرؤى النقدية المتعددة لعلمائنا الأجلاء أبين في الصفحات التالية كيف وضع النقاد أيديهم على المواطن التي تشعر بعدم أخلاقية اليهود كما تصورها نصوص العهد القديم، وذلك من خلال المباحث التي يشتمل عليها هذا الفصل:
стр. 280
المبحث الأول المادية في أخلاق اليهود
تحت عنوان: اليهود موضع دراسة للآفات الأخلاقية، تحدث د/ محمَّد سيد ندا في كتابه "جنايات بني إسرائيل" عن تلك الجنايات التي ارتكبها اليهود ضد الأخلاق فقال:
(لقد عرف التاريخ في بنى إسرائيل شر الجماعات التي تصلح أن تكون موضعًا لدراسة الآفات الإنسانية لمن شاء أن يدرس ويفكر ويعتبر، ولقد حاول بنو إسرائيل ألا تكون طباعهم السيئة مقصورة عليهم، بل شاءت لهم أهواؤهم وسوّلت لهم أنفسهم وشياطينهم أن يطرحوا الآخرين معهم في أتون أخلاقهم الفاسدة والمنكرات والرذائل، وذلك هو السبب في وصفهم بأنهم جناة على الأخلاق، إذ كل رذيلة من رذائلهم المنطوية عليها صدورهم والجاري تعاملهم بها قد استطاعوا بمهارتهم وكيدهم أن يجروا الناس إليها ويطبعوهم عليها زرافات ووحدانا) (١).
وقد رصد د/ محمَّد ندا، في كتابه جنايات متعددة على الأخلاق في العهد القديم وأبرز هذه الجنايات ظهور المادية بصورة واضحة في أخلاق اليهود فقال: إن اليهود لا يؤمنون إلا بالمادة ... أما المعاني الروحية فلا نصيب لها من نفوسهم، والمعنويات العقلية لا يقيمون لها وزنًا فلا يهمهم السمو الروحى ولا المبادئ الخلقية القائمة على الاتصال بين الناس، فالمروءة والمودة والتراحم والصدق والوفاء والأمانة والحياء وغيرها صفات لا يعرفها اليهود، وإنما يعرفون وحسب مقدار النفع المادي الذي يعود عليهم واللذة الوقتية لا الدائمة ترضى أهواءهم وتشبع نهمهم (٢).
ويرجع د/ موريس بوكاي تقهقر اليهودية والمسيحية في العصر الحاضر لتلك المادية المفرطة إلى تغرق الغرب في متاهاتها وبعد وصفه للمجتمع المادي الذي يسخر من فكرة الألوهية ويرد الأشياء إلى المادة فيقول:
(أمام هذه الموجة المادية وغزو الإلحاد للغرب يظهر عجز المسيحية واليهودية عن الصمود، وكل منهما غارق في الحيرة، ألا ترى من عقد لآخر تناقضًا خطيرًا في مقاومة ذلك التيار الذي يهدد باجتراف الكل؟ إن المادي الملحد لا يرى في المسيحية الكلاسيكية إلا نظامًا ابتناه البشر منذ حوالي ألفى عام لإرساء سلطة لأقلية قليلة على بشر مثلها، ولن يجد في الكتب المقدسة المسيحية لغة تتشابه مع لغته، فهذه الكتب تحتوى على كثرة من الأمور التي لا تتفق مع المعطيات العلمية الحديثة) (٣).
стр. 281
ثم يبين د/ محمَّد ندا المرجعية الدينية لليهود التي تدفعهم للسعى وراء المادة ويقدم لتلك الخلفية بقوله: ولما كانت الحياة الدنيا هي غاية همهم والمادية هى مبتغاهم الأسمى؛ بل شعارهم الذي يسيرون وراءه لا يضلون عنه، فقد صاروا نفعيين أنانيين يهدمون المبادىء من أجل ذواتهم ويدوسون المصالح العامة في سبيل منافعهم الشخصية، وحملتهم تلك الأنانية أن يسلكوا كل طريق منحرف للحصول على المال والمنافع فلم يتورعوا عن الكذب والخداع والغش والنفاق والتضليل (١).
وأكد د/ محمَّد ندا كلامه بالنصوص التوراتية التالية:
١ - "لأنهم -أي اليهود- من صغيرهم إلى كبيرهم كل واحد مولع بالربح ومن النبي إلى الكاهن كل واحد يعمل بالكذب" (٢). وينتقد هذا النص بقوله: (أضافت التوراة هذا القول لله، وحاشا لله أن يتهم نبيه بل حاشاه أن يبعث نبيًا كاذبًا يتخذ من الكذب وسيلة للربح، غير أن كتبة التوراة لما كانوا على طبيعة ذويهم المادية فإنهم أحبوا أن يشركهم في هذا الأمر أنبياؤهم وكهانهم ليكون ذلك أحد المسوغات لهم كى يفعلوا ما يشاءون وهاهى التوراة تقول مرة أخرى) (٣).
٢ - "وصار مرشدوا هذا الشعب مضلين ومرشدوه متبعين، لأجل ذلك لا يفرح السيد بفتيانه ولا يرحم يتماه وأرامله لأنّ كل واحد منهم منافق وفاعل شر وكل فم متكلم بالحماقة ... إلى أن تقول: بسخط رب الجنود تحرق الأرض ويكون الشعب كمأكل للنار لا يشفق الإنسان على أخيه يلتهم على اليمين فيجوع ويأكل على الشمال فلا يشبع، يأكلون كل واحد لحم ذراعه. منسي (٤) أفرايم (٥) وأفرايم منسى وهما معًا على يهوذا" (٦).
стр. 282
وينتقد هذه الأقوال قائلًا: (حرص قاتل وطمع وجشع لا رحمة فيهم ولا خير، فهم مصدر الشر والحماقة والكذب والنفاق وسيلتهم لإدراك المال والالتواء والغموض سبيلهم في هذه الحياة لجمع الحطام أو هكذا تصفهم التوراة وتحقرهم "جيل أعوج ملتو، الرب تكافئون بهذا يا شعبًا غبيًا غير حكيم" (١)) (٢).
وبناءً على ذلك فإن المادية هي الأساس الذي تنطلق منه جميع التصرفات اليهودية في الماضي والحاضر.
стр. 283
المبحث الثاني نقد السلوك العدواني فى العهد القديم
فى جولة نقدية تتسم بالموضوعية الفائقة قام بها د/ على خليل فى داخل نصوص العهد القديم واضعًا يده على المواطن التي تشعر بوجود الروح العدوانية فى السلوك والأفكار موجهًا سهام نقده إلى تلك المخالفات التي تزاحم بعضها بعضًا فى نصوص العهد القديم والتي كانت ولا تزال سببًا مباشرًا وراء الممارسات العدوانية والعنف والإرهاب الذي يمارسه اليهود في الماضي والحاضر خاصة على أرض فلسطين فيقول فى كتابه "التعاليم الدينية":
(إن ما قام به أسلاف اليهود من أعمال عدوانية تعتبر بطولات وأمجادًا- في زعمهم- وعلى كل يهودي أن يلتزم بسلوكية هؤلاء الأسلاف، وأن يكوِّن من هذه السلوكية شخصيته المتميزة والمترفعة والمشبعة بالتوجس والعدوان؛ ولهذا فإن نظام التعليم اليهودي يُركز على تعريف الطفل فى سن الرابعة على هويته وأسلافه ويُدرب على الاحتراز من الأغيار وعدم مخالطتهم وزرع فكرة القداسة والاختيار فى عقله الباطن) (١).
وكان من نتائج جولته النقدية أنه قدم للقارئ رؤية نقدية جديدة تلك التي يربط فيها بين النص والواقع ويبين من خلال رؤيته هذه كيف تسير السياسة اليهودية فى العصر الحاضر وأنهم يستلهمون الماضي ويستحضرون أفعال أجدادهم ويقتدون بها رغم مخالفتها للعقل والمنطق، وسار مع الأسفار سِفرًا سِفرًا يذكر منها ما يؤكد ذلك "السلوك اللا أخلاقي" (٢) المشبع بالعدوان الذي يصف اليهود بالوحشية والقسوة تجاه الآخرين ويؤكد أن الروح العدوانية واضحة تمامًا في السلوك والأفكار (٣).
وقد تتبع د/ على خليل أسفار العهد القديم مبينًا ما فيها من سلوك عدواني مشين أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
стр. 284
السلوك العدواني في سفر التكوين:
فيقول د/ على خليل:
(إن سفر التكوين عبارة عن معمعة من أعمال العنف والغدر والقتل والرذيلة أراد منها الأحبار اليهود أن تكون منهجًا وسنة يقتضي اتباعها في كل زمان وأوان حيث إرادة الإله يهوه- كما يزعمون-) (١).
واستدل بما يدلّ على ذلك من سفر التكوين"من اعتداء أبناء يعقوب بن إسحاق "إسرائيل" على سكان منطقة شكيم التي كانوا يسكنون فيها ويلقون كل الاحترام والمحبة منهم ... فقد أحب "شكيم" بن حمور زعيم المنطقة ابنة يعقوب وأرادها زوجة له وقد طلبها من والدها وإخوتها لكن أولاد يعقوب غدروا بشكيم ووالده وبسكان المنطقة جميعهم بعد أن احتالوا عليهم وتمكنوا منهم وقتلوهم، ثم هربوا من المنطقة بعد أن نهبوا البيوت جميعها وسبوا النساء والأطفال" (٢).
ففى هذا النص انحراف ظاهر من أولاد يعقوب وتنكب عن الطريق الصحيح وابتعاد عن الأخلاق الفاضلة فكيف يكون جزاء من أراد الزواج من ابنتهم القتل هو وعشيرته بل وسكان المنطقة جميعًا.
السلوك العدواني في سفر الخروج:
(إن سفر الخروج يصور موسى بأنّه كان قاسيًا متشددًا إلى الدرجة التي لم يكن ليتوانى عن تنفيذ أية عقوبة حتى على شعبه المميز المختار من الإله يهوه فقد كانت نزعته العدوانية متفوقة على النزعة الإنسانية، والأصح فإن كاتب السفر محى تمامًا كل ما يتعلق بالإنسانية لهذا كان موسى ينظم جماعته تنظيمًا خاصًا على أنهم الشعب المقدس المختار صاحب الإله الخاص الذي لا يريد لهذا الشعب أن يختلط بالأمم الأخرى لأنه الأظهر والأنقى والأخص وكان يغذي فيهم ... الحقد تجاه الشعوب والأمم الأخرى. ففى سفر الخروج: "أرسل هيبتي أمامك وأزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم وأعطيك جميع أعدائك مدبرين وأرسل أمامك الزنابير فتطرد الحويين والكنعانيين والحثيين من أمامك" (٣)) (٤).
فالقسوة والشدة التي ألصقها كاتب سفر الخروج بموسى جعلت منه قائدًا يدرب بني إسرائيل على الوحشية والعدوانية تجاه الشعوب الأخرى. فالمقصود هنا موسى التوراتي وليس هو سيدنا موسى النبي ﵇.
стр. 285
السلوك العدواني في سفر العدد:
فخلال الفترة التي أمضاها موسى التورايى في الصحراء يدرب جماعته تدريبًا يتناسب وأفكاره العدوانية العنصرية كان دومًا يشى إلى ضرورة الانعزال وإبادة الآخرين من الأمم الأخرى والتمسك. بمبادىء يهوه الناطقة باسمه، وقد نجح موسى في زرع النزعات العدوانية في نفوس جماعته واستدل د/ على خليل بما ورد في سفر العدد والذي يروى عن غزو مديان والمجزرة التي ارتكبها أتباع موسى في هذه المنطقة والتي يعتبرها كاتب السفر بطولات وواجب ديني وتنفيذًا لأوامر الإله يهوه (١): والشاهد من قصة غزو مديان ما يلي: "وكلم الرب موسى قائلًا انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين (٢) ثم تضم إلى قومك: فكلم موسى الشعب قائلًا جردوا منكم رجالًا للجند فيكونوا على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان" (٣).
"فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم وسبي بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم وأحرقوا جميع مدنهم. بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار، وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم ... ، فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلًا بمضاجعة ذكر فاقتلوهما" (٤).
والواضح من النص السابق:
ظهور النزعة العدوانية التي زرعها موسى التوراتي في نفوس أتباعه حسب زعم كاتب السفر وأنه لا وجود مطلقًا للرحمة والشفقة في قلوبهم على الأطفال والنساء، ولا مجال لوجود الروح الإنسانية فيهم إذ يرتكبون هذه المجزرة البشعة وليس ذلك فحسب بل الأسر والسرقة والحرق والتخريب مما يدل على القسوة والوحشية والعدوانية المفرطة ولذلك يقول د/ على خليل في التعليق على هذه المجازر:
لقد نسى موسى أو تناسي أنه كان نزيلًا لدي المديانيين وأن زوجته مديانيه وهي: "صفورة ابنة كاهن مديان يثرون" وأن المديانيين احتضنوه وعاش في كنفهم معززًا مكرمًا ... وهذه المجزرة كانت تأكيدًا واضحًا على سياسة الانغلاق والعنصرية والغدر والعدوان، وطريقًا سار عليه أتباعه فيما بعد ولا يزال حتى الآن المنهاج الرتيسي للحياة اليهودية (٥).