ثم يبين د/ محمَّد ندا المرجعية الدينية لليهود التي تدفعهم للسعى وراء المادة ويقدم لتلك الخلفية بقوله: ولما كانت الحياة الدنيا هي غاية همهم والمادية هى مبتغاهم الأسمى؛ بل شعارهم الذي يسيرون وراءه لا يضلون عنه، فقد صاروا نفعيين أنانيين يهدمون المبادىء من أجل ذواتهم ويدوسون المصالح العامة في سبيل منافعهم الشخصية، وحملتهم تلك الأنانية أن يسلكوا كل طريق منحرف للحصول على المال والمنافع فلم يتورعوا عن الكذب والخداع والغش والنفاق والتضليل (١).
وأكد د/ محمَّد ندا كلامه بالنصوص التوراتية التالية:
١ - "لأنهم -أي اليهود- من صغيرهم إلى كبيرهم كل واحد مولع بالربح ومن النبي إلى الكاهن كل واحد يعمل بالكذب" (٢). وينتقد هذا النص بقوله: (أضافت التوراة هذا القول لله، وحاشا لله أن يتهم نبيه بل حاشاه أن يبعث نبيًا كاذبًا يتخذ من الكذب وسيلة للربح، غير أن كتبة التوراة لما كانوا على طبيعة ذويهم المادية فإنهم أحبوا أن يشركهم في هذا الأمر أنبياؤهم وكهانهم ليكون ذلك أحد المسوغات لهم كى يفعلوا ما يشاءون وهاهى التوراة تقول مرة أخرى) (٣).
٢ - "وصار مرشدوا هذا الشعب مضلين ومرشدوه متبعين، لأجل ذلك لا يفرح السيد بفتيانه ولا يرحم يتماه وأرامله لأنّ كل واحد منهم منافق وفاعل شر وكل فم متكلم بالحماقة ... إلى أن تقول: بسخط رب الجنود تحرق الأرض ويكون الشعب كمأكل للنار لا يشفق الإنسان على أخيه يلتهم على اليمين فيجوع ويأكل على الشمال فلا يشبع، يأكلون كل واحد لحم ذراعه. منسي (٤) أفرايم (٥) وأفرايم منسى وهما معًا على يهوذا" (٦).
стр. 282
وينتقد هذه الأقوال قائلًا: (حرص قاتل وطمع وجشع لا رحمة فيهم ولا خير، فهم مصدر الشر والحماقة والكذب والنفاق وسيلتهم لإدراك المال والالتواء والغموض سبيلهم في هذه الحياة لجمع الحطام أو هكذا تصفهم التوراة وتحقرهم "جيل أعوج ملتو، الرب تكافئون بهذا يا شعبًا غبيًا غير حكيم" (١)) (٢).
وبناءً على ذلك فإن المادية هي الأساس الذي تنطلق منه جميع التصرفات اليهودية في الماضي والحاضر.
стр. 283
المبحث الثاني نقد السلوك العدواني فى العهد القديم
فى جولة نقدية تتسم بالموضوعية الفائقة قام بها د/ على خليل فى داخل نصوص العهد القديم واضعًا يده على المواطن التي تشعر بوجود الروح العدوانية فى السلوك والأفكار موجهًا سهام نقده إلى تلك المخالفات التي تزاحم بعضها بعضًا فى نصوص العهد القديم والتي كانت ولا تزال سببًا مباشرًا وراء الممارسات العدوانية والعنف والإرهاب الذي يمارسه اليهود في الماضي والحاضر خاصة على أرض فلسطين فيقول فى كتابه "التعاليم الدينية":
(إن ما قام به أسلاف اليهود من أعمال عدوانية تعتبر بطولات وأمجادًا- في زعمهم- وعلى كل يهودي أن يلتزم بسلوكية هؤلاء الأسلاف، وأن يكوِّن من هذه السلوكية شخصيته المتميزة والمترفعة والمشبعة بالتوجس والعدوان؛ ولهذا فإن نظام التعليم اليهودي يُركز على تعريف الطفل فى سن الرابعة على هويته وأسلافه ويُدرب على الاحتراز من الأغيار وعدم مخالطتهم وزرع فكرة القداسة والاختيار فى عقله الباطن) (١).
وكان من نتائج جولته النقدية أنه قدم للقارئ رؤية نقدية جديدة تلك التي يربط فيها بين النص والواقع ويبين من خلال رؤيته هذه كيف تسير السياسة اليهودية فى العصر الحاضر وأنهم يستلهمون الماضي ويستحضرون أفعال أجدادهم ويقتدون بها رغم مخالفتها للعقل والمنطق، وسار مع الأسفار سِفرًا سِفرًا يذكر منها ما يؤكد ذلك "السلوك اللا أخلاقي" (٢) المشبع بالعدوان الذي يصف اليهود بالوحشية والقسوة تجاه الآخرين ويؤكد أن الروح العدوانية واضحة تمامًا في السلوك والأفكار (٣).
وقد تتبع د/ على خليل أسفار العهد القديم مبينًا ما فيها من سلوك عدواني مشين أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
стр. 284
السلوك العدواني في سفر التكوين:
فيقول د/ على خليل:
(إن سفر التكوين عبارة عن معمعة من أعمال العنف والغدر والقتل والرذيلة أراد منها الأحبار اليهود أن تكون منهجًا وسنة يقتضي اتباعها في كل زمان وأوان حيث إرادة الإله يهوه- كما يزعمون-) (١).
واستدل بما يدلّ على ذلك من سفر التكوين"من اعتداء أبناء يعقوب بن إسحاق "إسرائيل" على سكان منطقة شكيم التي كانوا يسكنون فيها ويلقون كل الاحترام والمحبة منهم ... فقد أحب "شكيم" بن حمور زعيم المنطقة ابنة يعقوب وأرادها زوجة له وقد طلبها من والدها وإخوتها لكن أولاد يعقوب غدروا بشكيم ووالده وبسكان المنطقة جميعهم بعد أن احتالوا عليهم وتمكنوا منهم وقتلوهم، ثم هربوا من المنطقة بعد أن نهبوا البيوت جميعها وسبوا النساء والأطفال" (٢).
ففى هذا النص انحراف ظاهر من أولاد يعقوب وتنكب عن الطريق الصحيح وابتعاد عن الأخلاق الفاضلة فكيف يكون جزاء من أراد الزواج من ابنتهم القتل هو وعشيرته بل وسكان المنطقة جميعًا.
السلوك العدواني في سفر الخروج:
(إن سفر الخروج يصور موسى بأنّه كان قاسيًا متشددًا إلى الدرجة التي لم يكن ليتوانى عن تنفيذ أية عقوبة حتى على شعبه المميز المختار من الإله يهوه فقد كانت نزعته العدوانية متفوقة على النزعة الإنسانية، والأصح فإن كاتب السفر محى تمامًا كل ما يتعلق بالإنسانية لهذا كان موسى ينظم جماعته تنظيمًا خاصًا على أنهم الشعب المقدس المختار صاحب الإله الخاص الذي لا يريد لهذا الشعب أن يختلط بالأمم الأخرى لأنه الأظهر والأنقى والأخص وكان يغذي فيهم ... الحقد تجاه الشعوب والأمم الأخرى. ففى سفر الخروج: "أرسل هيبتي أمامك وأزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم وأعطيك جميع أعدائك مدبرين وأرسل أمامك الزنابير فتطرد الحويين والكنعانيين والحثيين من أمامك" (٣)) (٤).
فالقسوة والشدة التي ألصقها كاتب سفر الخروج بموسى جعلت منه قائدًا يدرب بني إسرائيل على الوحشية والعدوانية تجاه الشعوب الأخرى. فالمقصود هنا موسى التوراتي وليس هو سيدنا موسى النبي ﵇.
стр. 285
السلوك العدواني في سفر العدد:
فخلال الفترة التي أمضاها موسى التورايى في الصحراء يدرب جماعته تدريبًا يتناسب وأفكاره العدوانية العنصرية كان دومًا يشى إلى ضرورة الانعزال وإبادة الآخرين من الأمم الأخرى والتمسك. بمبادىء يهوه الناطقة باسمه، وقد نجح موسى في زرع النزعات العدوانية في نفوس جماعته واستدل د/ على خليل بما ورد في سفر العدد والذي يروى عن غزو مديان والمجزرة التي ارتكبها أتباع موسى في هذه المنطقة والتي يعتبرها كاتب السفر بطولات وواجب ديني وتنفيذًا لأوامر الإله يهوه (١): والشاهد من قصة غزو مديان ما يلي: "وكلم الرب موسى قائلًا انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين (٢) ثم تضم إلى قومك: فكلم موسى الشعب قائلًا جردوا منكم رجالًا للجند فيكونوا على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان" (٣).
"فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم وسبي بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم وأحرقوا جميع مدنهم. بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار، وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم ... ، فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلًا بمضاجعة ذكر فاقتلوهما" (٤).
والواضح من النص السابق:
ظهور النزعة العدوانية التي زرعها موسى التوراتي في نفوس أتباعه حسب زعم كاتب السفر وأنه لا وجود مطلقًا للرحمة والشفقة في قلوبهم على الأطفال والنساء، ولا مجال لوجود الروح الإنسانية فيهم إذ يرتكبون هذه المجزرة البشعة وليس ذلك فحسب بل الأسر والسرقة والحرق والتخريب مما يدل على القسوة والوحشية والعدوانية المفرطة ولذلك يقول د/ على خليل في التعليق على هذه المجازر:
لقد نسى موسى أو تناسي أنه كان نزيلًا لدي المديانيين وأن زوجته مديانيه وهي: "صفورة ابنة كاهن مديان يثرون" وأن المديانيين احتضنوه وعاش في كنفهم معززًا مكرمًا ... وهذه المجزرة كانت تأكيدًا واضحًا على سياسة الانغلاق والعنصرية والغدر والعدوان، وطريقًا سار عليه أتباعه فيما بعد ولا يزال حتى الآن المنهاج الرتيسي للحياة اليهودية (٥).
стр. 286
إلى جانب ما سبق ذكره فقد تتبع د/ على خليل غالبية أسفار العهد القديم مشيرًا إلى ما تحمله تلك الأسفار من الروح العدوانية واستمرارها بعد وفاة موسى فقد تسلمها يشوع من بعده ونفذها كما يريد إله بني إسرائيل ثم حمل لواءها القضاة بعد ذلك وأصبحت الأعمال العدوانية العسكرية غاية بالنسبة إليهم (١).
ثم بين ما يأمر به صموئيل النبي من الحض على العدوان والسلوك العدواني الذي نفذه شاول وجماعته بتوجيهات من صموئيل النبي أو الكاهن الذي كان يؤكد دائمًا أن الإله "يهوه" يرغب في ذلك، ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان السلوك العدواني لأنبياء وملوك بني إسرائيل وأنهم دومًا كانوا وراء كل الأعمال العدوانية والانغلاق والتعصب والحقد تجاه الشعوب والأمم الأخرى (٢).
وأما عن السلوك العدواني في بقية أسفار العهد القديم يقول: وفي الأسفار التوراتية الباقية: هوشع، صموئيل، عاموس، يونان، عوبديا، ميخا، ناحوم وحبقوق، صفنيا وحجي وزكريا وملاخى .. في هذه الأسفار نجد أيضًا الروح العدوانية التي لا تتحدث إلا عن القتل والتدمير والاستئصال والقطع والتخريب والسبي وغضب رب الجنود يهوه وتوعده الدائم بالإبادة وتهديده المستمر لشعبه الخاص إن حاول أن يتخلى عن هذه الروح العدوانية، وكل نبي من هؤلاء يشير في سفره أن يهوه سيفني الشعوب والأمم من أجل بني إسرائيل سيدمر المدن ويقتل النساء والأطفال والشيوخ وأورشليم وحدها هي الباقية ويسكب الرب روحه على كل واحد من بني إسرائيل ويحاكم جميع الأمم والشعوب بعد أن يرد سبي يهوذا وإسرائيل (٣).
وقد أشار د/ بدران، د/ الهاشمي، أ/ عبد الله التل، في نقدهم للسلوك العدواني في العهد القديم- إلى مظاهر هذا السلوك المتمثل في تلك المذابح البشعة التي رصدوها من أسفار العهد القديم، واضعين هذه المظاهر في الميزان النقدي الذي اتبعوه في نقدهم للنصوص التوراتية، مبينين أنها تتنافى مع الدين الذي أساسه الرحمة، والإنسانية وتتعارض مع العقل أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
стр. 287
القسوة والهمجية:
وضع أ/ عبد الله التل، يده على مواطن الزلل ومجانبة الصواب في التوراة وبين أبشع وسائل العنف والإرهاب التي تروج لها التوراة من خلال تلك الممارسات التي وقعت على يد موسى التوراتي بأوامر من يهوه رب الجنود، وبنظرة علمية تتسم بالموضوعية التامة رصد مواضع متعددة في التوراة تشير إلى الأوامر الوحشية الصادرة من "يهوه" إلى موسى التوراتي بالإبادة المنظمة التي تربي اليهود على القسوة والهمجية حتى على أنفسهم وتؤصل في نفوسهم روح البطش والعدوانية حتى إن الشعب المختار- في زعمهم- لم يسلم من هذه القسوة لذلك جاء في التوراة: "سبعة أيام تأكلون فطيرًا اليوم الأوّل تعزلون الخمير من بيوتكم فإن كل من أكل خميرًا من اليوم الأوّل إلى اليوم السابع تقطع تلك النفس من إسرائيل (١) " (٢).
ثم أخذ جولة نقدية داخل أسفار العهد القديم رصد من خلالها ما يؤكد هذه الروح العدوانية ووجودها بكثرة في نصوص العهد القديم. والذي يؤكد القسوة والهمجية في العهد القديم ما يلي:
قسوة اليهود في الحروب:
وفي بيان منهج التوراة في الجانب الحربي بين د/ محمَّد سيد ندا، ملامح هذا المنهج من خلال النصوص التوراتية التي تشعر بقسوة اليهود في الحروب وفي تعاملاتهم مع غيرهم، ومن أبرز هذه الملامح اتباعهم سياسة معينة مع المدن القريبة وسياسة أخري مختلفة تمامًا مع المدن البعيدة، ولذلك:
(ترسم التوراة لليهود أو يرسم اليهود لأنفسهم في التوراة شرعة من شراثع الحرب وهي أنهم إذا خرجوا للحرب واقتربوا من إحدى المدن فإن أهل تلك المدينة إما أن يقفوا مشمرين عن ساعد الجد استعدادًا للحرب وإما أن يصيبهم الفزع ويفروا من أمام بني إسرائيل فإن فروا من وجوههم فعلى اليهود ألا يكتفوا بهزيمتهم وفرارهم بل يحرمونهم ويضربونهم ولا يقطعون معهم عهدًا ولا ميثاقًا ويهدمون كل ما عندهم مقدس فقد جاء في سفر التثنية ما نصّه: "من أتي بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك ... فإنك تُحَرِّمُهم، لا تقطع لهم عهدًا ولا تشفق عليهم، ولا تصاهرهم ... (٣)) " (٤).
стр. 288
(وتأمل كلمة "لتمتلكها" في الفقرة الأولي لتعلم أن شريعة الحرب عندهم ليست غاية سامية كالدفاع عن الدين أو الأوطان أو المحرمات أو تأمين الحدود ونحو ذلك من الغايات المشروعة ولكن غايتها التملك والاستعمار والاستعباد) (١).
ويستكمل د/ ندا، تلك النظرة الاستعمارية التي يتبناها اليهود بناء على ما يحتويه النص المقدس- في زعمهم- ليبين أن اليهود إذا دخلوا أي حرب فليس أمامهم إلا الاستعمار أو الخراب والدمار فيقول:
(وإذا لم تفر هذه الشعوب من وجه اليهود واستعدوا للحرب ضد الإسرائيليين فعلي اليهود أن يدعوهم إلى الصلح فإما أن يستجيبوا وإما أن يرفضوا فإن استجابوا للصلح فقد كتبوا على أنفسهم ذل الدهر ومسكنة الحياة إذ يقدمون بذلك رقابهم وكل ما تمتلكه أيديهم ليكون مسخرًا مستعبدًا لليهود وإذا لم يستجيبوا لدعوة الصلح فقد كتبوا على أنفسهم القتل والخراب والدمار الشامل، أمران أحلاهما مر .. استمع إلى سفر التثنية يقص عليك شريعة الرعب والأهوال فيقول: "حين تقرب من مدينةٍ لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك بالتسخير ويستعبد لك وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريمًا ... " (٢)) (٣).
ويعلل الأستاذ عبد الله التل في كتابه جذور البلاء هذه القسوة والهمجية من يهوه رب الجنود ورجل الحرب إله إسرائيل القاسى الظالم المتوحش كما تصوره توراة اليهود بأنّه يرسم الخطط لنصب المجازر والإبادة ليضمن لشعبه الحبيب أرضًا بلا سكان ووطنًا قوميًا بلا منازعين ومشاغبين من السكان الأصليين (٤).
стр. 289
الإبادة الشاملة لأعدائهم:
ومما يزيد الأمر وضوحًا فقد أشار د/ عابد الهاشمى، إلى نصوص في العهد القديم تحمل أوامر مفتراة على الرب تأمر اليهود بالإبادة الشاملة لأعدائهم. بمختلف الوسائل الوحشية فيقول:
(إن حروبهم كما تصفها توراتهم- إبادات شاملة- وما أكثر ما تتردد هذه العبارة في وصف حروبهم "أبادوهم، ولم يبقوا منهم شاردًا ولا منفلتًا" ويزعم اليهود أن هذه المجازر الرهيبة هى بأمر من إلههم، كما تفتري عليه التوراة "أبادوهم لم يبقوا نسمة كما أمر الرب موسى عبده هكذا أمر موسى يشوع وهكذا فعل يشوع، لم يهمل شيئًا من كل ما أمر به الرب موسى (١) "وإن من وصايا الرب المفتراة عليه، أن الرحمة لا تنزل عليهم إلا من خلال كثرة القتل والذبح والحرق لأعدائهم" (٢) "فضربًا تضرب سكان تلك المدينة- أريحا- بحد السيف، ... وتحرق المدينة بالنار، ... ، فتكون رحمة ترحمك ويكثرك كما حلف لآبائك" (٣).
وذكر د/ عابد، أيضًا أن الرب أمر موسى ﵇ في سفر العدد أن يصلب جميع رؤساء الأعداء الأسرى ويقتل منهم الألوف ليصالح هذه المجازر البشعة ربه" وقال الله لموسى: انطلق برؤساء الشعب كلهم وصلّبهم قدام الله تلقاء الشمس فترتد شدّة غصبي عن إسرائيل" (٤). "وكان من مات من أعدائهم ٢٤٠٠٠ مصالحة لربهم" (٥).
وقال د/ عابد أيضًا: ومن الوصايا المفتراة على الرب ألا يستبقي نسمة واحدة من الشعوب التى يحاربها حين يقتحم مدنها" ... وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة بل تحرمها تحريمًا، كما أمر الرب إلهك" (٦).
وكان موسى يسأل القواد الذين يرجعون إليه من تلك المجازر الرهيبة: "هل أبقيتم أنثى حية" (٧). وذكر نصوصًا تحض على إبادة عشرات المدن واضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها، لم يبق شاردًا فحرمَّها وكل نفس بها، ... وإحراقها بالنار" (٨).
стр. 290
"بالسيف يسقطون، تحطم أطفالهم، والحوامل تشق" وما أكثر ما يتردد الأمر بشق بطون الحوامل" (١). وغير ذلك من نصوص.
وفي تقويمه لهذه النصوص يقول د/ عابد: إن ما نسبته التوراة للخالق من أوامر في إزهاق الأرواح وإفناء المخالفين ... ذلك مجرد افتراء تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .. وذلك كله من فكر من صاغوا التوراة وحرَّفوها ... فهم لدمويتهم لم يرحموا حتى الحوامل، فدعوا إلى بقر بطونهن (٢).
ويقول: إن ما جاء بالتوراة من الأمر بسفك دماء الأعداء يوضح الأسباب الخلقية الظاهرة التي يستند إليها اليهود حاليًا في شدة عدائهم للمسلمين خاصة في فلسطين، فقد قتلوا عشرات الآلاف منهم، ودمروا المنازل حتى بعد استشهاد الشهداء وحطموا كثيرًا من مقومات الأرض المحتلة صلفًا وعدوانًا وبغيًا، بل إن هذه الخلفية الحاقدة هي التي كانت وراء بطشهم بالأبرياء في دير ياسين وصبرا وشاتيلا .. ومجزرة الحرم الابراهيمي، وما يزال اليهود يوالون غاراتهم الوحشية على جنوب لبنان على مدي عشرين عامًا (٣).
ويذكر د/ محمَّد سيد ندا في كتابه أن: سفك الدماء وإشاعة العداوة والبغضاء بين الخلائق من جنايات بني إسرائيل التي تدل على البشاعة والعدوانية في أخلاقهم وينتقد هذه السلوكيات الخاطئة قائلًا:
(لقد تشبعت الأرض بدماء الأبرياء التي سفكوها ظلمًا وعدوانًا في سبيل مصالحهم ومآربهم الذاتية وفي كتابهم المقدس ما يسجل عليهم جريمة بشعة لا تصدر إلا ممن خلت قلوبهم من معالم الرحمة والشفقة لبني الإنسان خصص لهذه الجريمة سفرًا خاصًا من أسفارهم المزيفة يسمي سفر "أستير" يقع في عشرة إصحاحات فصولًا تحكي أدوار هذه الجريمة البشعة وما أستير هذه إلا امرأة منحها الله من الجمال قسطًا وافرًا مكن اليهود من استغلاله لقتل الآلاف المؤلفة من البشر الأبرياء) (٤).
стр. 291
ويفند د/ عبد الغني عبود، هذه القصة مشيرًا إلى أن المسألة الأخلاقية التي استغلت في قصة أستير لتحقيق هدف يهودي ليست هي المسألة الحيوية هنا وإنما الدم غير اليهودي الذي سأل في القصة هو الذي دفع بأستير لتحتل هذه المكانة الدينية عند اليهود بالاضافة إلى الضياع اليهودي الذي تحول على يديها إلى مكان وإمكان (١).
(فكل ما يؤدي إلى رفع شأن اليهود وإذلال خصومهم أو القضاء عليهم هو مثل أعلى أخلاقى من وجهة نظر اليهود حتى ولو كان ذلك كذبًا أو إفسادًا أو تدميرًا وقتلًا فالفساد في الأرض عند غير اليهود هو المثل الأعلى الأخلاقى عند اليهود، بل إن- هذه الأخلاق اليهودية تقترب من كمالها كلما زادت من العنف والتدمير والقسوة قربًا حتى إن الدم المراق يحتل في الفكر الديني اليهودي منزلة خاصة) (٢).
стр. 292
المبحث الثالث الانحلال الخُلقي في العهد القديم
تتبع علماء المسلمين- فترة البحث- أسفار العهد القديم وأخرجوا ما فيها من نصوص تدل على مدى ما وصل إليه اليهود من انحلال في الأخلاق وانحراف في السلوك، وبينوا أن هذه النصوص لا تفرق في هذه السلوكيات بين الأنبياء وغيرهم بل إن ما تنسبه التوراة زورًا وبهتانًا إلى الأنبياء من الحوادث اللا أخلاقية أمر لا يقبله عقل ولا دين ويتنافى مع العصمة التي اختصهم الله بها، وتتعدد صور الاتهام للأنبياء وذويهم على النحو التالي:
أولًا: اتهام الأنبياء بما يتنافى مع العصمة التي اختصهم الله بها:
رصد العلامة رحمة الله الهندي والإمام ابن القيم، د/ بدران، د/ عبد الراضي محمَّد، ما يتصل بالجانب الأخلاقي في العهد القديم، وكذلك ينتقد د/ على خليل في كتابه "التعاليم الدينية"، الأسفار التوراتية ويبرز في نقده انحراف التوراة في جانب الأخلاق والسلوك من خلال استقرائه وتتبعه لأسفار العهد القديم .. وقد ذكر هؤلاء العلماء ما تفتريه التوراة على الأنبياء زورًا وبهتانًا وكذبًا ويتنافي مع عصمتهم على النحو التالي:
ما نُسب زورًا وبهتانًا إلى سيدنا إبراهيم، لوط، إسحاق، وداود (١) وغيرهم من الأنبياء ﵈ وقد ذكرت ما يتصل باتهام التوراة للأنبياء في أخلاقهم هنا باختصار لأنه قد تقدم التفصيل في مبحث نقد عقيدة النبوة والأنبياء في العهد القديم (٢).
ثانيًا: تجريح بيوت الأنبياء وذويهم والتطاول عليهم:
١ - رأوبين بن يعقوب:
إذا كان كَّتاب العهد القديم لم يراعوا حرمة الأنبياء وألصقوا بهم ما يتنافِى مع عصمتهم فلم يتركوا نبيًا إلا وبحثوا له عن شىء يجعله كالبشر العادي يصدق عليه ما يجرى على البشر من خطأ وصواب لذلك عند التأمل فيما رصده علماء المسلمين حول هذه القضية يتضح أن بيوت الأنبياء أيضًا وأقربائهم لم تسلم من أيدي المحرفين الذين بدلوا وغيروا في النص التوراتي حسب أهوائهم، فهذا رأوبين بن يعقوب انظر كيف صورته التوراة ابن نبي يهتك حرمة بيت أبيه ويدنس عرضه في غيابه.
стр. 293
وقد ذكر هذه القصة كثير من الكتاب منهم من ذكرها دون تعليق لوضوح المخالفة فيها ومنهم من علق عليها فقد قدم لها د/ على خليل، بقوله نقرأ في سفر التكوين أن: (رأوبين بن يعقوب وهو بكره، استغل غياب والده ودخل على امرأته بلهة وكان لها ولدان وإن ونفتالي واضطجع معها) (١)، ثم ذكر النص وهو: "وحدث إذ كان إسرائيل ساكنًا في تلك الأرض أن رأوبين ذهب واضطجع مع بلهة سرية أبيه" (٢).
ولكن العلامة رحمة الله الهندي علق عليها منتقدًا ما تقول التوراة بقوله: (فانظروا إلى رأوبين الولد الأكبر ليعقوب ﵇ كيف زنى بزوجة أبيه؟، وإلى يعقوب كيف لم يجر الحد أو التعزير، لا على ابنه ولا على هذه الزوجة، والظاهر أن حدّ الزنا في هذا الوقت كان إحراق الزاني والزانية بالنار كما يُفهم من الآية ٢٤ من الإصحاح ٣٨ من سفر التكوين (٣)، ودعا لهذا الابن بالبركة والخير في آخر حياته كما هو مصرح به في الإصحاح ٤٩ من هذا السفر (٤)) (٥).
ويضيف د/ بدران، بعدًا جديدًا زيادة (٦) على ما قاله العلامة رحمة الله الهندي فيقول: (هذا مع العلم بأن التوراة تحرم مجرد النظر لعورة زوجة الأب (لاويين ١٨/ ١) (٧).
٢. ثامار (كنة يهوذا) ابن يعقوب الرابع:
تقول التوراة أن ثامار أخطأت مع حميها يهوذا وحبلت منه وولدت ولدين أحب الأوّل (فارص) والثاني (زارح) والنص يقول: "وأن يهوذا زوج ابنه بكره" عير "امرأة اسمها ثامار". وكان عير بكر يهوذا رديئًا بين أيدي الرب فقتله الرب. وقال يهوذا لابنه أونان: ادخل على امرأة أخيك، وكن معها، وأقم زرعًا لأخيك. فلما علم أونان أن الخلف لغيره كان إذا دخل على امرأة أخيه يفسد على الأرض لئلا يكون زرعًا لأخيه. فظهر ذلك منه سوء أمام الرب لفعله ذلك، وقتله الرب، فقال يهوذا لثامار كنته اجلسي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شيلة ابني ... فأعلموا ثامار قائلين هو ذا حموك صاعدًا إلى تمنة ليجز غنمه فطرحت ثامار عنها ثياب الترمل وأخذت رداءً وتزينت، وجلست في قارعة الطريق، فلما رآها يهوذا ظن أنها زانية لأنها كانت قد غطت وجهها لئلا تعرف، ودخل عندها وقال لها دعيني أدخل إليك لأنه لم يعلم أنها كنته فقالت له:
стр. 294
ماذا تعطيني حتى تدخل علىّ؟، فقال لها أنا أرسل لك جديًا ماعزًا من الغنم وهي قالت له: أعطني رهنًا حتى ترسله فقال يهوذا: أي شيء أعطيك رهنًا؟ فقالت خاتمك وعمامتك وعصاك التي بيدك فأعطاها لها. ودخل عليها فحبلت منه وقامت فمضت وطرحت عنها لباسها ورداءها ولبست ثياب ترملها فلما كان بعد ثلاثة أشهر أخبروا يهوذا قائلين: زنت ثامار كنتك وهو ذا قد حبلت من الزنا فقال يهوذا أخرجوها لتحرق أما هى فلما خرجت أرسلت إلى حميها قائلة: من الرجل الذي هذه له حبلت أنا فأعرف لمن هو الخاتم والعمامة والعصا، فعرفها يهوذا وقال تبررت هي أكثر من لموضع أني لم أعطها لشيلة ابني ولكنه لم يعد يعرفها بعد ذلك وكان لما دنا وقت الولادة وإذ توأمان في بطنها فعند طلقها، واحد سبق وأخرج يده فأخذت القابلة قرمزًا وربطته في يده قائلة: هذا يخرج أولًا، ولكن حين رد يده إذا أخوه قد خرج فقالت لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص، وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يد القرمز فدعت اسمه زراح" (١).
تنوعت نظرة النقاد إلى هذا النص فالعلامة رحمة الله الهندي بفكره الثاقب وتحليله الرائع للنصوص وبيان مالها وما عليها واستخراج ما فيها من هنّات ومخالفات يأخذ على هذه القصة الأمور التالية:
١ - (أن الرب قتل عيرًا لكونه رديئًا ورداءته لم تبيّن أكانت هذه الرداءة أشد من رداءة عمه الكبير حيث زنى بزوجة أبيه، ومن رداءة عليه الآخرين شمعون ولاوي حيث قتلا ذكور أهل البلدة كلهم ومن رداءة أبيه وجميع أعمامه حيث نهبوا أموال تلك البلدة وسبوا نساءها وأطفالها، ومن رداءة أبيه حيث زنى بزوجته بعد موته؟ أهؤلاء كانوا قابلين للرأفة وعدم القتل وكان عير قابلًا للقتل فقتله الرب؟.
٢ - العجب أن الرب قتل أونان على خطأ عزل المنى، وما قتل أعمامه وأباه على الخطايا المذكورة. أهذا العزل أشد ذنبًا من هذه الخطايا؟.
٣ - أن يعقوب لم يجر الحد ولا التعزير على هذا الولد العزيز ولا على هذه المرأة الفاجرة بل لم يثبت من هذا الإصحاح ولا من إصحاح آخر أنه تضايق لهذا الأمر من يهوذا والإصحاح ٤٩ من سفر التكوين (٢) شاهد صدق على عدم تضايقه حيث ذم رأوبين وشمعون ولاوي على ما صدر منهم، وما ذم يهوذا على ما صدر منه بل سكت عما صدر منه ومدحه مدحًا بليغًا ودعا له دعاءً كاملًا ورجحه على إخوته.
стр. 295
٤ - أن ثامار شهد في حقها يهوذا صهرها بشدة البر، فسبحان الله نعم البار ونعمت البارة الفائقة في البر من الإصحاح المذكور كيف تكون بارة وهي لم تكشف عورتها إلا لأبي زوجها وما زنت إلا بحميها؟ وحصلت منه بهذا الزنا على ابنين كاملين؟
٥ - أن داود وسليمان وعيسى ﵈ كلهم من أولاد فارص الذي جاء بالزنا كما هو مصرح به فى الإصحاح الأوّل من إنجيل متى (١).
٦ - أن الله ما قتل فارص وزارح مع كونهما ولدي زنا، أبقاهما كابني لوط اللذين كانا ولدي زنا، وما قتلهما كما قتل ولد داود ﵇ الذي ولد بزناه بامرأة أوريا، لعل الزنا بامرأة الغير أشد من الزنا بزوجة الابن) (٢).
ويأتي د/ بدران ليؤكد ما ذهب إليه العلامة رحمة الله الهندي من خلال وقفاته مع النص أثناء سرده وبعد الانتهاء منه متعجبًا من تلك الشريعة التي يتبعونها مع من يخطئ ويرتكب الفواحش حيث يقول: (والأعجب من هذا كله أمر يهوه إله إسرائيل الذي يميت أونان بن يهوذا لأنه قذف منيه على الأرض، ولا يميت يهوذا الزاني. أهذه هي الشريعة التي أنزلها الله على موسى؟ والغريب أيضًا مثل هذا الفحش في كتاب يُقال عنه أنه مقدس!!) (٣).
٣ - أمنون بن داود:
ينتقد د/ بدران، قصة أمنون بن داود وبيَّن ما فيها من انحلال خلقي وطعن في بيت النبوة ويقدم تعليقة على القصة مشيرًا إلى ما فيها من جرائم خلقية تسىء إلى أولاد الأنبياء فيقول: (يروى سفر صموئيل الثاني ما يخجل الإنسان من روايته، يروى ما تشيب له الولدان، يروى قصة زنا لا تحدث مع أعتي الفجرة، وحتى أعتي الفجار لا يجرؤ على فعل ما أقدم عليه أمنون بن داود ... ابن داود النبي الملك، ملك يهوذا وكل إسرائيل كما يقولون. إمّا قصة زنا أخ بأخته والاثنان أبناء نبي .. فأين مثل الأنبياء وأسوتهم؟ إنها لا بد وأن تبدأ من أسرته فيتخلق أبناءه: بخلقه) (٤).
стр. 296
تبدأ القصة بأن أمنون بن داود، رأي أخته ثامار فلفت نظره جمالها البارع هكذا فجأة يشعر بجمالها يسحر ليه. ويأخذ بكل عقله، وهام أمنون بأخته حبًا لدرجة أنه مرض من السهاد وساءت صحته بسبب أخته وجمالها الأخاذ وأفضى أمنون بن داود بكل ما في قلبه إلى ابن عمه" يوناداب بن شمعى" ويقول النص:
"وكان يوناداب رجلًا حكيمًا حبرًا فبماذا أشار عليه هذا" الحكيم" يقول الكتاب المقدس: "فقال يوناداب اضطجع على سريرك وتمارض. وإذا جاء أبوك الملك (داود النبي والملك) ليراك فقل له دع ثامار أختي فتأتي وتطعمني خبرًا وتعمل أمامى الطعام لآكل .. " وهكذا رسم الحكيم الخطة المحكمة لابن عمه العاشق أخته ونفذ المفتون بأخته كل تفاصيل الخطة بكل دقة. وأتت أخته لتخدمه وهجم عليها فصرخت ولم يسمع صراخها أحد؛ لأنه وابن عمه دبرا كل شيء بإحكام وزنا أمنون بأخته ثامار وتوسلت إليه (حسب قول الكتاب المقدس) واسترحمته فلم يرحم. وماذا يقول الكتاب المقدس عن ثامار وأمنون بعد هذا؟: "ثم أبغضها أمنون بغضه شديدة جدًا حتى إن البغضة التي أبغضها إياها كانت أشد من المحبة التي أحبها إياها" وماذا قال العاشق المفتون لأخته بعد أن زنا بها يقول الكتاب المقدس" وقال لها أمنون: قومى انطلقى" بل يقول أنه أمر خادمه بطردها من حجرته شر طرده) (١).
ثم يذكر د/ بدران، نصًا آخر يناقض هذا النص فى الحكم يقول هذا النص: "وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه. ورأى عورتها ورأت عورته فذلك عار يقطعان أمام أعين شعبهما. قد كشف عورة أخته. يحمل ذنبه" (٢).
(مجرد كشف العورة حرام في الشريعة الموسوية وجزاء هذا الذنب القطع أي الموت وأمام كل الشعب. ولكن ماذا فعل داود؟ لا شىء كل ما فعله أنه اغتاظ فقط حسب قول الكتاب المقدس: "ولما سمع داود الملك بجميع هذه الأمور اغتاظ جدًا" (٣) النبي الذي ينفذ شريعة الله لا يفعل شيئًا) (٤).
من خلال ما سبق فقد بين علماؤنا الأجلاء، عن طريق التفسير التحليلي للنصوص التوراتية والقصص في العهد القديم ما يلي:
١. احتواء النصوص على مخالفات وافتراءات تقدح في بيوت الأنبياء وذويهم.
٢. التناقض والتعارض بين النصوص في الحكم الواحد، والمسلم حينما يقرأ مثل هذه الأباطيل في كتاب يدعى أصحابه أنه مقدس يصاب بحالة شديدة من الضيق وينكر ما ينسبونه إلى الأنبياء وذويهم بألف لسان ولسان.
стр. 297
حوادث لا أخلاقية تتعلق ببنى إسرائيل:
رصد علماء المسلمين كثيرًا من الحوادث اللا أخلاقية في الكتاب المقدس تعبر عن الانحلال الخلقى وكلها ترتبط ببنى إسرائيل ارتباطًا مباشرًا أو غير مباشر أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر- نصوصًا انتقاها د/ على خليل، من بين نصوص كثيرة تختوى على جرائم أخلاقية تشمئز منها الفطرة النقية لخروجها وانحرافها من هذه النصوص:
١ - المثال الأوّل: أن رجلًا لاويًا متغربًا في عقاب "جبل أفرايم" (١) فاتخذ له امرأة سُريةً من بيت لحم يهوذا فزنت عليه سريته وذهبت من عنده إلى بيت أبيها؛ ومع هذا جاء زوجها وراءها ليطيب قلبها ويردها معه" (٢). "عادت المرأة معه وجاء إلى مقابل يبوس (أورشليم) وكان معه حماران مشدودان والغلام أي غلامه فانحدر النهار وبدأت الشمس تغيب فقال الغلام لسيده: تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها، فقال له سيده لا نميل إلى مدينة غريبة حيث ليس أحد من بنى إسرائيل هنا نعبر إلى جبعة (٣) وقال لغلامه تعال نتقدم إلى أحد الأماكن ونبيت في جبعة أو في الرّامة (٤) فعبروا وذهبوا وغابت لهم الشمس عند جبعة التي لبنيامين فمالوا إلى هناك لكي يدخلوا ويبيتوا في جبعة وجلس في ساحة الدينة ولم يضمهم أحد إلى بيته للمبيت وإذا برجل شيح جاء من الحقل عند المساء .... فقال الرجل الشيخ السلام لك إنما كل احتيِاجك علىّ ولكن لا تبت في الساحة وجاء إلى بيته وعلف حميرهم فغسلوا أرجلهم وأكلوا وشربوا" (٥) وفيما هم يطيبون قلوبهم إذا برجال المدينة رجال بنى بليعال أحاطوا بالبيت قارعين الباب وكلموا الرجل صاحب البيت الشيخ قائلين: أخرج الرجل الذي دخل بيتك فنعرفه فخرج إليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم: لا يا اخوتي لا تفعلوا شرًا، بعد ما دخل هذا الرجل بيتي. لا تفعلوا هذه القباحة فأمسك الرجل سريته وأخرجها إليهم خارجًا فعرفوها وتعللوا بها الليل كله إلى الصباح وعند طلوع الفجر أطلقوها، فجاءت المرأة عند إقبال الصباح وسقطت عند باب بيت الرجل ... فأخذها ... ودخل بيته وأخذ السكين وأمسك سريته وقطعها مع عظامها إلى اثني عشرة قطعة وأرسلها إلى جميع تخوم (٦) إسرائيل (٧).
стр. 298
ويعلق د/ على خليل، على هذه الحادثة البشعة بقوله: إنه انحطاط كبير في القيم الأخلاقية، جريمة بشعة جدًا، وسلوك شائن ومرعب جدًا قام به اليهود ببساطة ويقرأ عنه أطفالهم اليوم بافتخار ويقتدون به ويستحضرونه في سلوكهم اليومي الديني والمدني (١).
٢ - المثال الثاني: الصراع بين شاول وداود:
وفي سفر صموئيل الأوّل حوادث تتعلّق ببني إسرائيل تفوح منها رائحة الانحلال الخلقي ... واللا إنسانية فنقرأا عن سلوك كل من "شاول" (٢) وداود أثناء الصراع بينهما على السلطة وكيف كان كل طرف يسعى لدفع الآخر عنه بطرق وأساليب غير مشروعة محورها عمومًا المرأة والغدر (٣).
إن شاول لكي يتخلص من داود قرر أن يزوجه ابنته الكبرى "ميرب" (٤) علمًا أنها كانت قد تزوجت من رجل يدعي "عدرئيل المحولي" (٥) لم يكن ليهتم بمسألة الأخلاق ابنته متزوجة وهو يريد أن يطلقها من زوجها ليعطيها لرجل آخر نظرًا لأنّ مصلحته تقتضي ذلك (٦).
داود كان يميل إلى "ميكال" (٧) الفتاة الأصغر للملك شاول وهي كانت تميل إليه وقد وافق شاول أن يزوجها لداود، ليس لأنه يريد أن يكون داود صهره ويُسعد ابنته بل من أجل أن تكون شركًا له ويقتله الفلسطينيون (٨) حيث نقرأ: "ميكال ابنة شاول أحبت داود فأخبروا شاول فحسن الأمر في عينيه، وقال شاول أعطيه إياها فتكون له شركًا وتكون يد الفلسطينيين عليه (٩).
стр. 299
لقد طلب شاول مهر ابنته ميكال مائة غُلفةٍ من الفلسطينيين كما يرد في سفر صموئيل الأوّل: "فقال شاول هكذا تقولون لداود ليست مسرة الملك بالمهر بل. بمائة غلفةٍ من الفلسطينيين للانتقام من أعداء الملك وكان شاول يتفكر أن يوقع داود بيد الفلسطينيين (١).
وفي نهاية هذه الانتقادات اللاذعة لما في التوراة من انحلال أخلاقي يقول أ/ عبد الله التل، مؤكدًا غرابة هذا السلوك المشين الذي تروج له التوراة وتدعو له عبر نصوصها:
(ما اكتسب العهر والفجور والفسق والدعارة قداسة كما اكتسب في توراة اليهود، ونظمت التوراة بمهارات لم يسبق لدين من الأديان أن أباحها أو عالجها بالشكل الذي عولجت به في دين اليهود، وتعد التوراة بحق الكتاب الأوّل في التاريخ كله الذي قدَّم للإنسانية الدروس الأولى في الانحلال الخلقي والإباحية (٢).
وتحت عنوان الفسق والدعارة ساق أ/ عبد الله التل نصوصًا كثيرة تبيّن مدى ما وصل إليه السلوك اليهودي من خلال التوراة إلى الانحراف والانحلال (٣).
стр. 300
المبحث الرابع الغدر والخيانة
عند دراسة السلوكية اليهودية من خلال مؤلفات علمائنا الأفاضل يستطيع الباحث أن يتعرف بسهولة على تلك المواضع التي تفوح منها رائحة الغدر والخيانة فى الكتاب المقدس. ولقد كان للدكتور/ على خليل جهد مشكور في رصد تلك المواطن والتعليق عليها من خلال الأسفار التوراتية ولذلك يقول:
(إن من يقرأ الأسفار التوراتية يخلص إلى نتيجة مفادها أن الغدر والخيانة والانحلال الخلقى كانت من الثوابت التي سار عليها أسلاف اليهود اليوم، وهذه الثوابت جوهرية في الفكر المديني اليهودي، فقد بُنيت اليهودية على مبدأ التوجس من الأغيار والاستعلاء والعدوان والعنصرية، وهذه النزعات لا بد وأن تطبع الروح اليهودية بصفات الغدر والخيانة والانحلال الخلقي، فاليهودي يحق له أن يسرق .. لكن ليس يهوديا مثله بل أي شخص من الأغيار وكذلك الأمر بالنسبة للزني والقتل والغدر والخيانة وغيرها) (١).
ثم ذكر أمثلة من الأسفار التوراتية تؤكد وجود الغدر والخيانة في نصوص الكتاب المقدس:
١. احتال أولاد يعقوب على أبيهم ليغدروا بأخيهم الصغير يوسف فأخذوه معهم إلى البرية وتآمروا عليه هناك وغدروا به ورموه في بئر ليموت فيها ويتخلصوا منه لأنه كان له حظوة عند أبيه (٢) والنص يقول: "فلما أبصروه من بعيد قبلما اقترب إليهم احتالوا له ليميتوه. فقال بعضهم لبعض هو ذا صاحب الأحلام قادم. فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول وحش رديء أكله" (٣).
٢. حادثة اغتيال أوريا الحثي: وفيها غدر داود بالقائد أوريا الحثي ليأخذ زوجته (٤). وقد مر ذكر هذه القصة (٥).
стр. 301
٣ - حادثة الغدر والخيانة التي قام بها "إهود بن جيرا" (١) عندما أرسله بني إسرائيل لملك موآب، فقد دبر خطة. بملك موآب وقتله" فعمل إهود لنفسه سيفًا ذا حدين طوله ذراع وتقلده تحت ثيابه على فخذه اليمني وقدم هدية "لعجلون" (٢) ملك موآب ... ولما انتهي من تقديم الهدية صرف القوم حاملى الهدية ... أما هو قال للملك لي كلام سر إليك أيها الملك ... فدخل إليه وضربه في بطنه" (٣).
٤ - وفي سفري صموئيل الأوّل والثاني نقرأ مزيدًا من حوادث الغدر والخيانة والقتل ونفذها بنو إسرائيل فيما بينهم من جهة وبين سكان كنعان من جهة أخري (٤). وغير ذلك من الأمثلة كثيرًا جدًا في الكتاب المقدس وذكرها د/ على خليل في كتابه.
ويقول د/ عابد الهاشمى في كتابه التربية في التوراة عن الغدر والخيانة: (إنه من الوصايا الرذيلة في الكتاب المقدس التي تبيح الغدر حين التعامل مع الآخرين، فتبيح التوراة المحرفة لبني إسرائيل أن يتستروا بالخداع والخيانة لينالوا من خصومهم ومن تعاليم التوراة لهم أنها تقول: يجوز لكم أن تتظاهروا بصفاء النية وحسن الجوار، ويجوز لكم أن تدينوا بدينهم وتقورون إليهم، وتضربون الأوتاد في أصداغهم حتى تنفذ إلى الأرض) (٥).
وهكذا بهذا الحقد والوحشية يوصي إلههم افتراءً عليه أن يتعاملوا مع غيرهم من البشر، بتغيير دينهم ظاهرًا حتى يغدروا بخصومهم وينتقموا منهم، وفي سفر القضاة قصتين من الخداع انتهت إلى القتل بوحشية نادرة (٦).
وكان للأستاذ / عبد الله التل، وقفة نقدية مع العهد القديم أثبت فيها بالأدلة أن ما حل بالعالم من ويلات وبلاء كامن في التطبيق العملي للخلق اليهودي وأن جميع عمليات الغدر والخيانة فيه لها تبرير وسبب في نظرهم، والحق أن هذا التبرير وتلك الأسباب حين توضع في الميزان التقويمي يتبين لأول نظرة ميلها عن الصواب وصدمها للفطرة الإنسانية فيقول:
стр. 302
(وما أكثر دروس الحقد والغدر والمكر التي تسردها التوراة ناسبة أغلبها إلى أنبياء اليهود، فقصة أبناء يعقوب مع شكيم الذي تزوج بأختهم تعتبر الدرس الأوّل من هذه الدروس اللا أخلاقية، وهم بعد أن مكروا وخدعوا آل شكيم وأقنعوهم بالاختتان لتتم المصاهرة، ويصبح الشعبان شعبًا واحدًا انقلبوا عليهم بعد تمام عملية الاختتان وأبادوهم (١) وغير ذلك من الحوادث التي تحض على الغدر والمكر والخيانة (٢)، وكذلك حقد رب اليهود -في زعمهم- على الأمم الأخرى غير اليهودية (٣)) (٤).
стр. 303
المبحث الخامس الكذب والسرقة
د/ محمَّد سيد ندا، في كتابه "جنايات بني إسرائيل" يُعد الكذب من الخصال التي أصرت بدينهم وجنت على المجتمع وفي تعاملهم مع الآخرين أيضًا فهي تدفعهم إلى السرقة وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة إذ أن: (الكذب رذيلة محضة تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها وعن سلوك ينشئ الشر إنشاءً ويندفع إلى الإثم من غير ضرورة مزعجة أو طبيعة قاهرة) (١).
وقد ذكر د/ محمَّد سيد ندا، نصوصًا كثيرة من الكتاب المقدس تدل على تأصل صفة الكذب في بني إسرائيل.
فجاء في سفر أشعياء: "إنهم شعب متمرد أولاد كذبة أولاد لم يشاؤا أن يسمعوا شريعة الرب الذين يقولون للرائين لا تروا وللناظرين لا تنظروا لنا مستقيمات كلمونا بالناعمات انظروا مخادعات" (٢).
وفي أرمياء: "لا تتكلموا عليّ كلام الكذب قائلين هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب، ... ها إنكم تتكلمون علىّ كلام الكذب الذي لا ينفع" (٣).
ثم يقول: ولقد بلغ بهم الأمر في الاتصاف بتلك الصفة الخسيسة إلى حدّ أن ظهر فيهم أنبياء كثيرون كذبة أو أن كتبة التوراة وصفوا كثيرًا من الأنبياء الصادقين بأنهم كذابون ليسيغوا لليهود الكذب كيفما أرادوا مادام أنبياؤهم كاذبين (٤). وفيه -أي أرمياء -أيضًا: "حتى متي يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم" (٥).
стр. 304
وتأكيدًا لوجود هذه الخصال الذميمة- من كذب وسرقة وغيرها- في التوراة يقول أ/ عبد الله التل: (الكذب في توراة اليهود من الأمور الشائعة التي يصادفها القاريء في أغلب صفحات العهد القديم البالغة ١٣٥٨ صفحة، ويأخذ الكذب في التوراة عند اليهود أشكالًا مختلفة، تصور كلها نفسية اليهود المريضة، وخيالهم السقيم وعقولهم السخيفة التي تؤمن بالخرافات والسحر والشعوذة وقد امتلأت التوراة بالوعود الكاذبة التي لفقها حاخامات اليهود وحشوا بها توراتهم مثل وعد الله لإبراهيم ﵇ لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (١)) (٢).
ولقد ذكر د/عابد الهاشمى، أن اليهود سوغوا لأنفسهم جواز امتلاك ما ليس لهم بدون وجه حق وبين في كتابه "فلسطين في الميزان" كثيرًا من العهود المفتراه على الأنبياء تبيح لهم تملك أرض فلسطين، وقد فند هذه العهود من خلال النصوص التوراتية، مؤكدًا أنه ليس لليهود حق في فلسطين وأكد نقده بوجهة النظر الإِسلامية مدعومًا بالأدلة القرآنية (٣).
ومن المواضع التي تنص على أن الكذب يدفع بني إسرائيل إلى أن يفعلوا ما يشاءون تلك التي رصدها د/ عابد الهاشمي، عن الأوامر المفتراة على الرب بالسرقة والكذب فقال:
(فأخبر بنو إسرائيل المصريين أن عندهم عيدًا لثلاثة أيام في البرية، فاستعاروا بأمر الرب أمتعة ذهب وفضة وثيابًا، وسلبوا مقتنياتهم الذهبية والفضية في أكبر سرقة عالمية: "تكلم موسى في مسامع الشعب أن يطلب كل رجل من صاحبه وكل امرأة من صاحبتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وأعطي الرب نعمة للشعب في عيون المصريين" (٤).
أما سرقة الثياب ففى نص آخر يقول:
"وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى: طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم. فسلبوا المصريين" (٥).
стр. 305
ويعلق د/ بدران، على هذه السرقة بقوله:
(إن واقعة السرقة ثابتة تاريخيًا، ولا يستطير كتبة التوراة إنكارها، برروها وبئس ما برروا، لقد ألصقوا التهمة في إله بني إسرائيل وقالوا إنه هو الذي أمرهم بذلك. أي إله هذا الذي يأمر من يتبعونه بسرقة شعب، وأي رسول هذا الذي تكون من مبادئه السرقة؟) (١).
ولذلك يؤكد أ/ عبد الله التل، وجود هذه الخصلة الذميمة في بني إسرائيل قائلًا: (أباحت التوراة الغش والسرقة والطمع ونسبت إلى الأنبياء تحليهم هذه الصفات القبيحة التي يستنكرها المجتمع الإنساني حتى الجماعات الهمجية البدائية التي لم تر نبيًا واحدًا منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا واستدل بنصوص كثيرة منها: قصة رفقة زوجة إسحاق وأم عيسو ويعقوب تحرض ابنها الأصغر يعقوب على سرقة بركة والده بالغش والبركة من حق الابن الأكبر عيسو (تكوين ٢٧/ ٥ - ١٧) وغير ذلك) (٢).
وفي نهاية هذا الفصل فإن ما سبق يعتبر أمثلة قليلة من كثير ورد في العهد القديم ونماذج تؤكد أن اللا أخلاقية محور ارتكاز تدور عليه النصوص التوراتية .. أضف إلى ذلك ما ذكره أ/ عبد الله التل في كتابه جذور البلاء من لا أخلاقيات العهد القديم (٣) منها ما يلى:
١ - الظلم والطغيان: وبين أن التوراة أول كتاب في العالم يبيح قتل الأبرياء وأخذ الأبناء بجريرة الآباء (٤).
٢ - الرق والعبودية: وتحت هذا العنوان ذكر نصوصًا تؤكد أن الشعب المختار في نظرة التوراة سيد وبقية الشعوب عبيد يخدمون السادة اليهود إلى الأبد (٥).
٣ - الغاية تبرر الوسيلة: يواصل أ/ عبد الله التل كشف جذور البلاء في العهد القديم فيقولى: أباحت التوراة أن يصل الإنسان إلى غايته بأية وسيلة حتى لو كانت تلك الوسيلة منافية للأخلاق كتقديم إبراهيم التوراتي ساراي امرأته لفرعون ليحصل له الخير بسببها (٦).
стр. 306
وخلاصة الجهود النقدية للعلماء في هذا الموضوع:
اهتم النقاد من علماء المسلمين، بدراسة السلوك الأخلاقي في العهد القديم، وقد ركزوا في نقدهم على إبراز الظواهر السلبية والانحرافات التي تحتوى عليها النصوص التوراتية، واستوعب نقدهم أغلب أسفار العهد القديم، وكان فارس هذا الميدان، د/ على خليل، في كتابه: التعاليم الدينية اليهودية، فقد استوفى فيه جميع الأسفار بالدراسة النقدية، موضحًا ما وقع فيها من خلل، في الأخلاق وعدوان في السلوك.
وبين أنه لا يخلو سفر من أسفار العهد القديم من سلوك لا أخلاقى ومن حادثة عدوان، يليه في الاستيعاب النقدي للجانب الأخلاقي، د/ محمَّد سيد ندا، فقد بين مدى ما تأثرت به المجتمعات من جنايات بني إسرائيل على الدين والمجتمع، وكذلك جهود الدكتور / عابد توفيق الهاشمي، ثم يأتي بعد ذلك باقي النقاد.
стр. 307
الباب الثاني
نماذج من نقد متن العهد الجديد
ويشتمل على الفصول التالية:
* الفصل الأوّل: جهود علماء المسلمين فى نقد العقائد في العهد الجديد.
* الفصل الثاني: جهود علماء المسلمين في نقد الشرائع والعبادات والأخلاق في العهد الجديد.
стр. 308
الفصل الأول جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد العقائد في العهد الجديد
ويشتمل على المباحث التالية:
- المبحث الأوّل: نقض عقيدة تأليه المسيح.
- المبحث الثاني: نقض عقيدة بنوة المسيح لله تعالى.
- المبحث الثالث: نقض عقيدة تأليه روح القدس.
- المبحت الرابع: نقض عقيدة التثليث.
- المبحث الخامس: نقض عقيدة الحلول والاتحاد.
- المبحث السادس: نقض عقيدة الصلب والفداء
стр. 309
تمهيد
تبيّن فيما سبق أن الله أرسل سيدنا عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل ليزيل تشددهم، ويكِّمل ويتمم لشريعة سيدنا موسى ﵇، فأتبعه فريق وخالفه فريق آخر ويا ليت من اتبعه منهم قد التزموا بما أمره الله مثلما فعل الحواريون الذين ناصروه واعتدلوا في اعتقادهم به فآمنوا أنه بشر رسول من عند الله فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١).
ومن المؤسف أن الذين ادعوا أنهم نصارى قد انحرفوا في اعتقادهم في الله سبحانه وتعالي وفي سيدنا عيسى ﵇ وتلوثت عقائدهم بكثير من العقائد الوثنية متأثرين بعقائد الشعوب التي خالطوها، من هذه الانحرافات العقائدية أنهم اتخذوا رجال الدين عندهم أربابًا من دون الله فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
وانحرفوا عن عقيدة التوحيد الخالص الذي جاء به عيسى ﵇ وغيره من الرسل فجعلوا الله ثالث ثلاثة فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣).
وقد اشتهر هؤلاء بالمثلثة وتنص عقيدتهم على أن عيسي ابن الله وتارة يقولون هو الله ويقولون الله الأب، والله الابن والله الروح القدس، وتأصلت فيهم عقيدة التثليث جيلًا بعد جيل إلى الآن، وغالوا في سيدنا عيسى ﵇ فقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
стр. 310
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١).
وليس ذلك فحسب بل اضطهدوا عيسى ﵇ وأرادوا قتله كما قتلوا غيره من الأنبياء، وادعوا كذبًا أنهم قتلوه وبعد القتل صلبوه وقد نفي القرآن الكريم ذلك وأبطل مزاعمهم فقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (٢).
وزعموا أن هذا الصلب يكفر عنهم خطاياهم التي ارتكبوها فهو المخلِّص والفادي وأن الذنوب لا تُغفر إلا إذا اعترف الخاطئ أمام القسيس وقدم القرابين وصكوك الغفران، وأصبح للكنيسة سلطان على النصارى لا يجب عليهم مخالفته ومن خرج عليها يرمونه بالهرطقة وغير ذلك من القضايا التي جعلوها أساسًا للاعتقاد عندهم بل وضعوا من خلال المجامع المقدسة -في زعمهم- قانونًا يجمع الطوائف المسيحية في صيغة إيمانية واحدة.
ولعلماء المسلمين على مر العصور جهود قيمة في نقد هذه العقائد لا سيما -فترة البحث- ولقد أسسوا نقدهم لتلك العقائد على المعايير التالية:
١ - بيان استحالة ما يدعون عقلًا.
٢ - بطلان ما يدعون من عقائد لوقوع التناقض بينها وبين غيرها من العقائد الصحيحة.
٣ - معارضهَ مزاعمهم الباطلة لنصوص أخرى في الكتاب المقدس.
٤ - رد التأويل الفاسد للنصوص إلى التأويل الصحيح بما لا يخالف أصلًا من أصول التوحيد أو يتضمن فسادًا في العقيدة.
٥ - التسليم الجدلي لما يدعيه النصارى استدراجًا لهم في إبطال دعواهم.
وفي هذا الفصل يتضح جيدًا كيف طبق العلماء هذه المعايير أثناء نقدهم للعقيدة النصرانية على النحو التالي:
стр. 311
المبحث الأول جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة تأليه المسيح وإبطالها
لقد غالى النصارى في المسيح ﵇ فذهبوا فيه مذاهب شتي تتسم بالميل والشطط والانحراف عن الحق والنظرة المعتدلة لشخصيته ﵇ كبشر رسول بعثه الله لبني إسرائيل، وهذه العقيدة الباطلة يتم نقدها من خلال المحاور التالية:
١ - مشكلة تأليه المسيح ﵇ وعرض مقولة النصارى الباطلة.
٢ - الأدلة التي يستندون عليها من الكتاب المقدس.
٣ - جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في الرد على المقولة الباطلة ونقد الأدلة.
أولًا: مقولة النصارى الباطلة التي تقول بتأليه المسيح ﵇ -:
اختلف النصارى في تأليه المسيح ﵇ اختلافًا كبيرًا مما يدلّ على الاضطراب والتذبذب الذي يشوب هذه العقيدة، وبالتالى توضع موضع شك وريبة، وتعددت آراؤهم في هذه العقيدة، وقد ذكر د/ سعد الدين صالح، في كتابه مشكلات العقيدة النصرانية (١) أوردها على النحو التالي:
١ - منهم من قال: إن عيسى هو الإله الحقيقي وأنه ظهر فقط في صورة إنسان دون أن تكون له حقيقة جسد الإنسان، وهو لم يولد بالحقيقة ولا تألم ولا صُلب؛ بل كان جسده مجرد خيال.
٢ - ومنهم من قال: إن المسيح هو إله، ولكنه دون الإله الأب فهو إله مخلوق قبل الخلق، كما أن طبيعته تشبه طبيعة الله، وأن الله أوكل إليه خلق العالم ومن هنا استحق العبادة.
٣ - وبعض المعتدلين من النصارى قالوا: إن عيسى ليس إلهًا وإنما هو إنسان كامل أو أعظم إنسان ظهر على وجه الأرض وقد رفض هؤلاء تمامًا فكرة تأليه عيسى أو الجمع بين اللاهوت والناسوت في شخصه.
٤ - كما ذهب نسطور إلى أن المسيح بين بين، فلا هو إله كامل ولا هو إنسان كامل ولا يمكن أن يحل الإله في عيسى حلولًا حقيقيًا فهو ابن مريم ومن غير المعقول أن تكون مريم أمًا لله، فالله منزه عن أن يولد أو يموت.
٥ - والرأي السائد بين النصارى يقول: باتحاد اللاهوت الكامل بالناسوت الكامل في شخص المسيح، فالمسيح في نظرهم ذو طبيعتين تامتين كاملتين، فهو إله تام وإنسان تام، اتحدا في شخصه الواحد بالتجسد وهم يعتقدون أن المسيح هو الإله الذي خلق السموات والأرض وهو الديان الذي سيحاسب الناس على أعمالهم يوم القيامة.
стр. 312
نقد هذه المقولة ومناقشة الإمام ابن تيميه لها:
ينتقد الإمام ابن تيميه هذه المقولة الباطلة على اختلاف النصارى فيها على أقوال شيء ويبين أن النصارى لم يستطيعوا أن يثبتوا ألوهية المسيح، وذلك لأن:
١ - النصوص التي استدلوا بها نصوص واهية.
٢ - ولأن التحليلات العقلية التى يستنتجونها تحليلات فاسدة ومردودة فيقول: (أنتم لا يمكنكم إثبات كون المسيح هو الله إلا بهذه الكتب، ولا يمكنكم تصحيح هذه الكتب إلا بإثبات أن الحواريين رسل الله معصومون، ولا يمكنكم إثبات إنهم رسل الله إلا بإثبات أن المسيح هو الله، فصار ذلك دورًا ممتنعًا، فإنه لا تُعلم ألوهية المسيح إلا بثبوت هذه الكتب، ولا تثبت هذه الكتب إلا بثبوت أنهم رسل الله، ولا يثبت ذلك إلا بثبوت أنه الله فصار ثبوت الإلهية متوقفًا على ثبوت ألوهيته، وثبوت كونهم رسل الله متوقفًا على كونهم رسل الله فصار ذلك دورًا ممتنعًا) (١).
فليس للنصارى دليل قوى على ما يدعون في حق المسيح ﵇ من تحليلات عقلية ولذلك قال د/ سعد الدين صالح: ومن الغريب أن هذا الإله الخالق العظيم هو هو الطفل المولود من فرج مريم، وأنه تقدم في نموه العقلى والبدني رويدًا رويدًا حتى اكتمل نموه، يقول لوقا في إنجيله: "أو أما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (٢).
(وهذا يفيد أن عيسى الإله كان ينمو بدنيًا وروحيًا وعقليًا، ولا نستطيع أن نعقل كيف حدث هذا، وحتى إذا سلمنا تسليمًا باطلًا بحلول اللاهوت في الناسوت فلنا أن نسأل: ألم يحل اللاهوت بعقله وروحه حلولًا كاملًا؟ أم حل هو الآخر ناقصًا ثم اكتمل مع نمو عيسى من الطفولة حتى الرجولة) (٣).
وفي مناقشة مطولة تناول فيها شيخ الإِسلام الرد على اتحاد اللاهوت والناسوت وامتناع ما يدعون عقلًا، وبُطلان تلك المقولة التي يطلقونها على المسيح ﵇ ويتضح من خلال تلك المناقشة أن شيخ الإِسلام قد برع في استخدام الأدلة العقلية في الرد على النصارى في مشكلة تأليه المسيح ﵇ فيقول ﵀:
(فإذا كان جوهرًا واحدًا لزم لذلك أن يكون اللاهوت قد استحال وتغير وكذلك الناسوت فإن الاثنين إذا صارا شيئًا واحدًا فذلك الشيء الثالث ليس هو إنسانًا محضًا، ولا إلهًا محضًا، بل اجتمعت فيه الإنسانية والإلهية) (٤).
стр. 313
ومع أنه قد كان الإنسان والإله اثنين متباينين -وهمًا في اصطلاحهم- جوهران، فإذا صار الجوهران جوهرًا واحدًا، لا جوهرين فقد لزم ضرورة أن يكون هذا الثالث ليس هو إلهًا محضًا ولا إنسانًا محضًا ولا جوهران إنسانًا وإلهًا فإن هذين جوهرين لا جوهر واحد، بل شيء ثالث، اختلط وامتزج واستحال من هذا وهذا، فتبدلت حقيقة اللاهوت وحقيقة الناسوت حتى صار هذا الجوهر الثالث الذي ليس لاهوتًا محضًا ولا ناسوتًا محضًا كسائر ما يُعرف من الاتحاد، فإن كل اثنين اتحدا فصارا جوهرًا واحدًا، فلابد في ذلك من الاستحالة في اتحاد الماء واللبن والخمر، وسائر ما يختلط بالماء، بخلاف الماء والزيت، فإنهما جوهران كما كانا لكن الزيت لاصق الماء وطفا عليه لم يتحد به ... وبالجملة فجميع ما يعرفه الناس عن الاتحاد إذا صار الاثنان واحدًا وارتفعت الثنوية، فلابد من استحالة الاثنين (١)، وغير ذلك من المحاورات العقلية التى فند فيها شيخ الإِسلام هذه المقولة الباطلة.
ثانيًا: الأدلة التي يستدل بها النصارى على تأليه المسيح ﵇ -:
رصد شيخ الإِسلام، والعلامة رحمة الله الهندي، د/ سعد الدين صالح، د/ مريم زامل وغيرهم من العلماء -فترة البحث- أدلة القائلين بألوهية المسيح ﵇ (٢) منها ما يلي:
أ- بعض الأدلة من العهد القديم:
١ - قول أشعياء: "لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعي اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبديًا رئيس السلام" (٣).
٢ - وفيه أيضًا: "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانويل" (٤) ومعني كلمة عمانويل "الله معنا" أو إلهنا معنا (٥).
٣ - وفي ميخا وهو يخاطب بيت لحم: "يخرج الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم الأزل" (٦)، وغير ذلك من النصوص التي وردت في العهد القديم وتقرر ألوهية المسيح ﵇ كما يدعون-.
стр. 314
ب- بعض الأدلة من العهد الجديد:
١ - قول يوحنا: "الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (١).
٢ - وقوله أيضًا: "والآن مجدني أنت أيها الأب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (٢).
٣ - وجاء أيضًا: "يسوع المسيح هو أمس واليوم وإلى الأبد" (٣).
وغير ذلك من النصوص التى وردت في العهد الجديد وتقرر ألوهية المسيح -كما يدعون-.
ثانيًا: جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد أدلة القائلين بتأليه المسيح:
تنوعت الرؤى النقدية لعلمائنا الأجلاء -فترة البحث- حول دعوى تأليه المسيح ﵇-فمنهم من نقدها نقدًا إجماليًا، ومنهم من فصل القول فيها محللًا تلك النصوص إلى استدل بها النصارى على دعواهم الباطلة- تحليلًا يتفق مع طبيعتها كنصوص مقدسة -في زعمهم-.
وكان اعتمادهم الأساسي في نقد هذه العقيدة الباطلة على الأدله العقلية والمحاورات المنطقية، وفيما يلي بيان لتلك الرؤى من خلال دراسة جهود العلماء حول تأليه المسيح ﵇:
١ - أجمع علماء المسلمين على رد النصوص إلى استدل بها النصارى على ألوهية المسيح ﵇ لأنها نصوص محرفة، ولم يُعرف من كتبها بعد وبالتالى لا يصح الاستدلال بها، ولذلك عندما ناقش د/ سعد الدين صالح هذه الأدلة فندها على مرحلتين:
المرحلة الأولي: الرفض الكامل لهذه النصوص التى لا يقبلها عقل ولا منطق وذلك:
أ- لأنه يستحيل على نبي من الأنبياء أن يكذب على الله ويدعو الناس إلى عبادته بدلًا من عبادة الله الخالق.
ب- لورود معظم هذه الأدلة عن يوحنا تلميذ بولس الأفاك الذي حرَّف العقيدة النصرانية.
ج- لأنّ هناك نصوصًا أخرى تنص على أن سيدنا عيسى ﵇ لم يدع الألوهية وإنما ادعى النبوة وحسب ..
منها: "لا تسبوا أباكم على الأرض فإن أباكم الذي في السماء وحده ولا تدعو معلمين فإن معلمكم المسيح وحده" (٤). وفي هذا من التناقض ما فيه فكيف يقولون إنه إله في نصوص وأنه لا يعترف لله بالوحدانية في نصوص أخرى.
стр. 315
المرحلة الثانية:
التسليم الجدلي بصحة ما استدلوا به عن نصوص مجاراة للخصم ولكن هذه الأدلة لا تدل على أن سيدنا عيسي ﵇ إله عند تفسيرها تفسيرًا يتناسب مع طبيعتها كوحى سماوي مقدس- كما يدعون- (١).
٢ - التناقض والتعارض بين نصوص الأناجيل في هذه القضية: فإن كانت هناك أدلة يحتج بها النصارى على ألوهية المسيح -كما يدعون- فإن هناك نصوصًا أخرى من الأناجيل تثبت أن المسيح ﵇ ما هو إلا بشر رسول أرسله الله إلى بني إسرائيل ويعتريه ما يعترى البشر ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر.
ولذلك يقول د/ عبد العظيم المطعنى، وهو يبين موقف الأناجيل من دعوى تأليه المسيح (٢): لقد ورد في الأناجيل نصوص كثيرة تدل على أن عيسى إنسان في مواضع متعددة منها:
أ- "لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم ... ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا" (٣).
ب- "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون: هو ذا إنسان أكول شريب خمر" (٤).
ج- "منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله" (٥).
د- "ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (٦).
ويقول أيضًا: تعددت النصوص التي تصف المسيح ﵇ بأنّه نبي مرسل من هذه النصوص ما يلي:
١ - "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلنى من يقبل نبيًا باسم نبى فأجر نبي يأخذ" (٧).
٢ - "ومن قبلنى فليس يقبلنى أنا؛ بل الذي أرسلنى" (٨).
٣ - إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتى إلى العالم" (٩).
стр. 316
ثم وقف د/ المطعني مع هذه النصوص وقفة نقدية فاحصة قال فيها: إن المفاد الوحيد الذي تشير إليه النصوص المتقدمة ينحصر في هذين الوصفين:
١ - المسيح إنسان.
٢ - المسيح نبي مرسل.
ولا نزاع في هذين الوصفين؛ بل هما المعتقد الصحيح في عيسى ﵇ وهما يفيدان قطعًا أن المسيح ليس إلهًا، إذ لو كان إلهًا فلن يكون إنسانًا ولا ابن إنسان، ولو كان إلهًا فلن يكون نبيًا ولن يكون رسولًا وها هو يقول: "الذي أرسلنى" فمن هو الذي أرسله؟ "هو الله" وهل الله يرسل "الله" مثله ... ثم قرر في نهاية بيانه هذا: أن الأناجيل خلت من أي كلمة تُشير إلى أنه قال عن نفسه إنه إله (١).
وقد خصص أبو الفضل المالكي السعودى في كتابه بابًا في إثبات نبوته ورسالته بما أظهر من معجزاته، وقال إن اليهود والنصارى ارتكبوا في شأنه تناقضًا واضحًا وكانوا فيه على طرفي نقيض، فاليهود رموه بالكذب والسحر واستخدام الشياطين في تحقيق أغراضه، والنصارى لم يعترفوا به نبيًا؛ بل قالوا بألوهيته وبنوته لله وأنه خلق العالم وغير ذلك من مخالفات وأباطيل.
وقد سار الشيخ ﵀ في إثبات نبوة سيدنا عيسى ﵇ ورسالته وفي نقده لعقائد النصارى على ما يلي:
١ - الالتزام بالمنهج العلمي في الرد على النصارى ونقد عقائدهم وإبطال مزاعمهم.
٢ - يغلب على نقده المنهج التحليلي للنصوص لبيان ما تهدف إليه في ضوء ما تحتمله ألفاظها دون مغالاة أو شطط.
٣ - طرح الافتراضات الجدلية استدراجًا للخصم فيما يدعي ثم التدرج به إلى التسليم والاعتراف بالخطأ، وبالتالي إبطال ما يدعو إليه.
٤ - يستدل على نقده للقضايا المختلفة بمعنى النص دون أن يذكر النص نفسه، وقد قام الأستاذ الدكتور / بكر زكي عوض بذكر هذه النصوص في الهامش مما يدلّ على تمكن فضيلته من معرفة ما تهدف إليه هذه المعاني من نصوص، فله جهد طيب في تحقيق هذا الكتاب.
هذا: وقد ساق الشيخ المسعودى جملة أدلة تؤكد نبوة سيدنا عيسى ﵇ ورسالته منها: "من قبلكم وآواكم فقد قبلنى وآوانى ومن قبلنى فإنما يقبل من أرسلنى" (٢).
стр. 317
وقال حول هذا الدليل الذي ورد في يوحنا: فهذا يوحنا حبيب المسيح يشهد أن المسيح لم يدع سوى الرسالة وأن من يقبل منه فإنما يقبل من الله الذي أرسله ويذكر أن الله غيره وأن الرب سواه وأنه رسول من عند الله (١). بل إن الأناجيل تصرح يأن عيسي وهو يُقاد إلى خشبة الصلب كان يدعو ويقول: إلهى إلهى لماذا تركنني (٢)، فكيف يكون إلهًا وله إله آخر؟ (٣).
ومما يؤكد بشرية سيدنا عيسي ﵇ أن الصورة التى رسمتها له الأناجيل ليست إلا صورة إنسان لا تتوفر فيه صفات الألوهية فالله عليم خبير لا يخفى عليه شىء والمسيح ليس كذلك (متي ٢٤/ ٣٦)، ومرقس (١٣/ ٣٢) والله معبود وسميع الدعاء والمسيح عابد يدعو لله (متي ١١/ ٢٥) والله حي لا يموت والإنجيل ينص على أن المسيح ظل ميتًا ثلاثة أيام (متى ١٧/ ٢٣) والله لا تدركه الأبصار والمسيح كانت تدركه الأبصار وظل محدودًا في رحم أمه فترة حملها به والله لا ينام والمسيح ينام (لوقا ٨/ ٢٣ - ٢٤) والله قادر والمسيح غير قادر (يوحنا ٥/ ٣٠) وغير ذلك من الأوصاف وثبت من خلالها أن المسيح لم يدع الألوهية أو البنوة لله تعالى (٤).
٣ - رد التفسير الخاطئ للنصوص التى استدل بها النصارى وحملوها على حقيقتها والتزموا بالتطبيق الحرفى لها. فقام علماؤنا الأجلاء بتوجيه النظر إلى أن المقصود من هذه النصوص المعنى المجازى وليس المعنى الحقيقى لها، مع عرض هذه الدعوى وتلك المقولات الباطلة على العقل. فمثلًا يقول النصارى: إن "عيسى" إله ويروجون لهذه المقولة بأمرين لا ثالث لهما:
الأوّل: ولادته من أم من غير أب.
الثاني: قيامه بمعجزات لم تُعرف لغيره (٥).
стр. 318
مناقشة العلماء للأمر الأول: ولادة سيدنا عيسى ﵇ من غير أب:
ينتقد العلامة رحمة الله الهندي قولهم بولادته من غير أب بقوله:
إن استدلال النصارى بولادة عيسى ﵇ بلا أب هو استدلال ضعيف جدًا؛ لأنّ العالم حادث بأسره، وما مضى على حدوثه إلى هذا الزمان ستة آلاف سنة- على زعمهم- وكل مخلوق من السماء والأرض والجماد والنبات والحيوان وآدم خلق عندهم في أسبوع واحد، فجميع الحيوانات مخلوقة بلا أب وأم، فكل هذا يشارك المسيح في كونه مخلوقًا بلا أب، ويفوق عليه في كونه بلا أم ... آدم ﵇ يفوق عليه وكذلك "ملكى صادق الكاهن" - ملك أورشليم- الذي هو معاصر لإبراهيم ﵇ ففى الرسالة العبرانية: "بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة" (١) فيفوق المسيح في كونه بلا أب وفي كونه لا بداية له (٢).
وقد فند شيخ الإِسلام مقولة تأليه المسيح ﵇ بسبب ولادته من غير أب بالأدلة العقلية والنقلية من وجوه كثيرة منها:
أن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣).
كلام حق فإنه خلق هذا النوع البشرى على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، ... وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح ... ، فلهذا شبهه الله بخلق آدم، الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرًا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هى من جنس بدن الإنسان، وهو سبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون، ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتًا ولا ناسوتًا؛ بل كله ناسوت فكذلك المسيح كله ناسوت (٤).
стр. 319
ويؤكد د/ المطعني، على ما ذهب إليه شيخ الإِسلام من تحليل عقلى منطقى في رده على تأليه النصارى لسيدنا عيسى ﵇ فيقول ردًا على النصارى في استدلالهم:
أنتم متفقون معنا بأن آدم أبا البشر ﵇ قد خلقه الله من "تراب" من غير أب ولا أم بيولوجيين فهو إذن أحق أن يكون إلهًا ... وتقرون معنا بأن حواء "أم البشر" خلقها الله من آدم، ولا أم لها باتفاق، هذا إذا اعتبرنا آدم جدلًا- أبًا لحواء-، مع رفض هذا الفهم عقيدة وواقعًا. حواء مخلوقة من ذكر بلا أنثى مع أن طبيعة "التولد" تكون من ذكر وأنثى، وأنتم حين تخلف عنصر "الذكورة" في خلق عيسى اعتبرتم ذلك "التخلق" دليل التأليه، فعليه يلزمكم حعسب مقاييسكم أن تمنحوا حواء درجة الألوهية، ولكنكم مع هذا لم تقولوا بألوهية آدم ولا بألوهية حواء وهذا دليل بُطلان قولكم وكل مولود من غير أب فهو إله وما دامت المقدمة باطلة عقلًا وواقعًا لزم على بُطلانها بُطلان النتيجة، فعيسى إذن غير إله (١).
مناقشة العلماء للأمر الثاني: وهو قيامه بمعجزات لم تُعرف لغيره:
هناك جهود قيمة في إبطال ما يدعيه النصارى من أن المسيح ﵇ قام بمعجزات لم تُعرف لغيره، ويستدلون بها على ألوهيته، يبرز في مقدمة هذه الجهود ما قام به العلامة رحمة الله الهندي وتبعه في ذلك صاحب كتاب الجوهر الفريد وكذلك د/ المطعني. وبينوا أن عيسى ﵇ لم يكن وحده الذي تحققت على يديه المعجزات؛ بل غيره من الرسل أيضًا أيدهم الله بمعجزات كثيرة.
فيقول العلامة رحمة الله الهندي: الاستدلال بمعجزاته على ألوهيته، استدلال ضعيف؛ لأنّ من أعظم معجزاته إحياء الموتى مع قطع النظر عن ثبوته وعن أنه يفهم عن هذا الإنجيل المتعارف تكذيبه وأن عيسى ﵇ بحسب هذا الإنجيل ما أحيا إلى زمان الصلب إلا ثلاثة أشخاص، وأحيا حزقيال ألوفًا كما هو مصرح به في الإصحاح ٣٧ من سفره، فهو أولى بأن يكون إلهًا، وأحيا إيلياء ميتًا كما هو مصرح به في الإصحاح ١٧ من سفر الملوك الأوّل وأحيا اليسع أيضًا ميتًا كما هو مصرح به في سفر الملوك الثاني ... وغير ذلك من معجزات أجراها الله على يد أنبيائه ورسله (٢). واعتراف المسيح ﵇ بعدم اقتداره على فعل الشىء من نفسه إلا ما علمه الله وأن كل شىء دُفع له من الله وأن الأعمال التى أعطاها الله إياها هى بعينها إلى عملها لتشهد له بأن الله أرسله (٣).
стр. 320
وقد رصد م / الطهطاوى، الأسباب التى أدت إلى ظهور هذه العقيدة ومتى ظهرت، والأدلة التى استند عليها النصارى ثم ناقشها مناقشة عقلية متبعًا في ذلك تحليل النصوص تحليلًا منطقيًا يتفق مع العقل والمنطق ورد دعواهم وأبطلها بالأدلة من الأناجيل المختلفة.
وبين أن هذه الأناجيل تحمل بين طيات نصوصها عوامل هدم ما تحمله من أفكار باطلة فيقول:
١ - إن ما ورد في الأناجيل من نصوص يدعون أنها تشير إلى ألوهية المسيح، لا يمكن أن يعتبر دليلًا على مثل هذا الأمر الخطير وهو اعتبار المسيح إلهًا، وبخاصة إذا اتضح أن هذه الأناجيل من صنع متى ويوحنا أو من صنع الأجيال المتعاقبة، ونسبت إليهم؛ لأنّ الصلة بين إنجيل عيسى المسيح ﵇ وهذه الأناجيل مقطوعة، والصلة بين هذه الأناجيل والذين نُسبت إليهم تكاد تكون مقطوعة أيضًا (١).
٢ - أن كلمة ابن الله أو قول "هذا ابنى الحبيب" لو صح هذا أو ذاك لما كان دليلًا قط على ألوهية المسيح، فإنه استعمال مجازى معناه التكريم والطاعة ونظيره إطلاق الأناجيل على العصاة أنهم أبناء الشيطان مع أنهم أبناء آدم والغرض من ذلك أنهم يطيعون الشيطان كطاعة الأبناء للآباء (٢) وغير ذلك من الأدلة التى ساقها م / الطهطاوى وتبين خطأ استناد النصارى عليها في تأليه المسيح.
وأما عن إسهامات صاحب الفارق في إبطال ألوهية المسيح يقول: إن تعميد يوحنا المعمدان -ابن زكريا- للمسيح يناقض زعمهم بأنّه إله وحكاية مجىء المسيح إلى يوحنا المعمدان تقول: "حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه ولكن يوحنا منعه قائلًا: أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ، فأجاب يسوع وقال له: "اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر" حينئذ سمح له فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوت من السموات قائلًا: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (٣).