← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 122258

جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الثامن الهجري إلى العصر الحاضر "عرض ونقد"

رمضان الدسوقي

Полный текст (438 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثم وقف د/ المطعني مع هذه النصوص وقفة نقدية فاحصة قال فيها: إن المفاد الوحيد الذي تشير إليه النصوص المتقدمة ينحصر في هذين الوصفين: ١ - المسيح إنسان. ٢ - المسيح نبي مرسل. ولا نزاع في هذين الوصفين؛ بل هما المعتقد الصحيح في عيسى ﵇ وهما يفيدان قطعًا أن المسيح ليس إلهًا، إذ لو كان إلهًا فلن يكون إنسانًا ولا ابن إنسان، ولو كان إلهًا فلن يكون نبيًا ولن يكون رسولًا وها هو يقول: "الذي أرسلنى" فمن هو الذي أرسله؟ "هو الله" وهل الله يرسل "الله" مثله ... ثم قرر في نهاية بيانه هذا: أن الأناجيل خلت من أي كلمة تُشير إلى أنه قال عن نفسه إنه إله (١). وقد خصص أبو الفضل المالكي السعودى في كتابه بابًا في إثبات نبوته ورسالته بما أظهر من معجزاته، وقال إن اليهود والنصارى ارتكبوا في شأنه تناقضًا واضحًا وكانوا فيه على طرفي نقيض، فاليهود رموه بالكذب والسحر واستخدام الشياطين في تحقيق أغراضه، والنصارى لم يعترفوا به نبيًا؛ بل قالوا بألوهيته وبنوته لله وأنه خلق العالم وغير ذلك من مخالفات وأباطيل. وقد سار الشيخ ﵀ في إثبات نبوة سيدنا عيسى ﵇ ورسالته وفي نقده لعقائد النصارى على ما يلي: ١ - الالتزام بالمنهج العلمي في الرد على النصارى ونقد عقائدهم وإبطال مزاعمهم. ٢ - يغلب على نقده المنهج التحليلي للنصوص لبيان ما تهدف إليه في ضوء ما تحتمله ألفاظها دون مغالاة أو شطط. ٣ - طرح الافتراضات الجدلية استدراجًا للخصم فيما يدعي ثم التدرج به إلى التسليم والاعتراف بالخطأ، وبالتالي إبطال ما يدعو إليه. ٤ - يستدل على نقده للقضايا المختلفة بمعنى النص دون أن يذكر النص نفسه، وقد قام الأستاذ الدكتور / بكر زكي عوض بذكر هذه النصوص في الهامش مما يدلّ على تمكن فضيلته من معرفة ما تهدف إليه هذه المعاني من نصوص، فله جهد طيب في تحقيق هذا الكتاب. هذا: وقد ساق الشيخ المسعودى جملة أدلة تؤكد نبوة سيدنا عيسى ﵇ ورسالته منها: "من قبلكم وآواكم فقد قبلنى وآوانى ومن قبلنى فإنما يقبل من أرسلنى" (٢).

стр. 317

وقال حول هذا الدليل الذي ورد في يوحنا: فهذا يوحنا حبيب المسيح يشهد أن المسيح لم يدع سوى الرسالة وأن من يقبل منه فإنما يقبل من الله الذي أرسله ويذكر أن الله غيره وأن الرب سواه وأنه رسول من عند الله (١). بل إن الأناجيل تصرح يأن عيسي وهو يُقاد إلى خشبة الصلب كان يدعو ويقول: إلهى إلهى لماذا تركنني (٢)، فكيف يكون إلهًا وله إله آخر؟ (٣). ومما يؤكد بشرية سيدنا عيسي ﵇ أن الصورة التى رسمتها له الأناجيل ليست إلا صورة إنسان لا تتوفر فيه صفات الألوهية فالله عليم خبير لا يخفى عليه شىء والمسيح ليس كذلك (متي ٢٤/ ٣٦)، ومرقس (١٣/ ٣٢) والله معبود وسميع الدعاء والمسيح عابد يدعو لله (متي ١١/ ٢٥) والله حي لا يموت والإنجيل ينص على أن المسيح ظل ميتًا ثلاثة أيام (متى ١٧/ ٢٣) والله لا تدركه الأبصار والمسيح كانت تدركه الأبصار وظل محدودًا في رحم أمه فترة حملها به والله لا ينام والمسيح ينام (لوقا ٨/ ٢٣ - ٢٤) والله قادر والمسيح غير قادر (يوحنا ٥/ ٣٠) وغير ذلك من الأوصاف وثبت من خلالها أن المسيح لم يدع الألوهية أو البنوة لله تعالى (٤). ٣ - رد التفسير الخاطئ للنصوص التى استدل بها النصارى وحملوها على حقيقتها والتزموا بالتطبيق الحرفى لها. فقام علماؤنا الأجلاء بتوجيه النظر إلى أن المقصود من هذه النصوص المعنى المجازى وليس المعنى الحقيقى لها، مع عرض هذه الدعوى وتلك المقولات الباطلة على العقل. فمثلًا يقول النصارى: إن "عيسى" إله ويروجون لهذه المقولة بأمرين لا ثالث لهما: الأوّل: ولادته من أم من غير أب. الثاني: قيامه بمعجزات لم تُعرف لغيره (٥).

стр. 318

مناقشة العلماء للأمر الأول: ولادة سيدنا عيسى ﵇ من غير أب: ينتقد العلامة رحمة الله الهندي قولهم بولادته من غير أب بقوله: إن استدلال النصارى بولادة عيسى ﵇ بلا أب هو استدلال ضعيف جدًا؛ لأنّ العالم حادث بأسره، وما مضى على حدوثه إلى هذا الزمان ستة آلاف سنة- على زعمهم- وكل مخلوق من السماء والأرض والجماد والنبات والحيوان وآدم خلق عندهم في أسبوع واحد، فجميع الحيوانات مخلوقة بلا أب وأم، فكل هذا يشارك المسيح في كونه مخلوقًا بلا أب، ويفوق عليه في كونه بلا أم ... آدم ﵇ يفوق عليه وكذلك "ملكى صادق الكاهن" - ملك أورشليم- الذي هو معاصر لإبراهيم ﵇ ففى الرسالة العبرانية: "بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة" (١) فيفوق المسيح في كونه بلا أب وفي كونه لا بداية له (٢). وقد فند شيخ الإِسلام مقولة تأليه المسيح ﵇ بسبب ولادته من غير أب بالأدلة العقلية والنقلية من وجوه كثيرة منها: أن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣). كلام حق فإنه خلق هذا النوع البشرى على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، ... وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح ... ، فلهذا شبهه الله بخلق آدم، الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرًا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هى من جنس بدن الإنسان، وهو سبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون، ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتًا ولا ناسوتًا؛ بل كله ناسوت فكذلك المسيح كله ناسوت (٤).

стр. 319

ويؤكد د/ المطعني، على ما ذهب إليه شيخ الإِسلام من تحليل عقلى منطقى في رده على تأليه النصارى لسيدنا عيسى ﵇ فيقول ردًا على النصارى في استدلالهم: أنتم متفقون معنا بأن آدم أبا البشر ﵇ قد خلقه الله من "تراب" من غير أب ولا أم بيولوجيين فهو إذن أحق أن يكون إلهًا ... وتقرون معنا بأن حواء "أم البشر" خلقها الله من آدم، ولا أم لها باتفاق، هذا إذا اعتبرنا آدم جدلًا- أبًا لحواء-، مع رفض هذا الفهم عقيدة وواقعًا. حواء مخلوقة من ذكر بلا أنثى مع أن طبيعة "التولد" تكون من ذكر وأنثى، وأنتم حين تخلف عنصر "الذكورة" في خلق عيسى اعتبرتم ذلك "التخلق" دليل التأليه، فعليه يلزمكم حعسب مقاييسكم أن تمنحوا حواء درجة الألوهية، ولكنكم مع هذا لم تقولوا بألوهية آدم ولا بألوهية حواء وهذا دليل بُطلان قولكم وكل مولود من غير أب فهو إله وما دامت المقدمة باطلة عقلًا وواقعًا لزم على بُطلانها بُطلان النتيجة، فعيسى إذن غير إله (١). مناقشة العلماء للأمر الثاني: وهو قيامه بمعجزات لم تُعرف لغيره: هناك جهود قيمة في إبطال ما يدعيه النصارى من أن المسيح ﵇ قام بمعجزات لم تُعرف لغيره، ويستدلون بها على ألوهيته، يبرز في مقدمة هذه الجهود ما قام به العلامة رحمة الله الهندي وتبعه في ذلك صاحب كتاب الجوهر الفريد وكذلك د/ المطعني. وبينوا أن عيسى ﵇ لم يكن وحده الذي تحققت على يديه المعجزات؛ بل غيره من الرسل أيضًا أيدهم الله بمعجزات كثيرة. فيقول العلامة رحمة الله الهندي: الاستدلال بمعجزاته على ألوهيته، استدلال ضعيف؛ لأنّ من أعظم معجزاته إحياء الموتى مع قطع النظر عن ثبوته وعن أنه يفهم عن هذا الإنجيل المتعارف تكذيبه وأن عيسى ﵇ بحسب هذا الإنجيل ما أحيا إلى زمان الصلب إلا ثلاثة أشخاص، وأحيا حزقيال ألوفًا كما هو مصرح به في الإصحاح ٣٧ من سفره، فهو أولى بأن يكون إلهًا، وأحيا إيلياء ميتًا كما هو مصرح به في الإصحاح ١٧ من سفر الملوك الأوّل وأحيا اليسع أيضًا ميتًا كما هو مصرح به في سفر الملوك الثاني ... وغير ذلك من معجزات أجراها الله على يد أنبيائه ورسله (٢). واعتراف المسيح ﵇ بعدم اقتداره على فعل الشىء من نفسه إلا ما علمه الله وأن كل شىء دُفع له من الله وأن الأعمال التى أعطاها الله إياها هى بعينها إلى عملها لتشهد له بأن الله أرسله (٣).

стр. 320

وقد رصد م / الطهطاوى، الأسباب التى أدت إلى ظهور هذه العقيدة ومتى ظهرت، والأدلة التى استند عليها النصارى ثم ناقشها مناقشة عقلية متبعًا في ذلك تحليل النصوص تحليلًا منطقيًا يتفق مع العقل والمنطق ورد دعواهم وأبطلها بالأدلة من الأناجيل المختلفة. وبين أن هذه الأناجيل تحمل بين طيات نصوصها عوامل هدم ما تحمله من أفكار باطلة فيقول: ١ - إن ما ورد في الأناجيل من نصوص يدعون أنها تشير إلى ألوهية المسيح، لا يمكن أن يعتبر دليلًا على مثل هذا الأمر الخطير وهو اعتبار المسيح إلهًا، وبخاصة إذا اتضح أن هذه الأناجيل من صنع متى ويوحنا أو من صنع الأجيال المتعاقبة، ونسبت إليهم؛ لأنّ الصلة بين إنجيل عيسى المسيح ﵇ وهذه الأناجيل مقطوعة، والصلة بين هذه الأناجيل والذين نُسبت إليهم تكاد تكون مقطوعة أيضًا (١). ٢ - أن كلمة ابن الله أو قول "هذا ابنى الحبيب" لو صح هذا أو ذاك لما كان دليلًا قط على ألوهية المسيح، فإنه استعمال مجازى معناه التكريم والطاعة ونظيره إطلاق الأناجيل على العصاة أنهم أبناء الشيطان مع أنهم أبناء آدم والغرض من ذلك أنهم يطيعون الشيطان كطاعة الأبناء للآباء (٢) وغير ذلك من الأدلة التى ساقها م / الطهطاوى وتبين خطأ استناد النصارى عليها في تأليه المسيح. وأما عن إسهامات صاحب الفارق في إبطال ألوهية المسيح يقول: إن تعميد يوحنا المعمدان -ابن زكريا- للمسيح يناقض زعمهم بأنّه إله وحكاية مجىء المسيح إلى يوحنا المعمدان تقول: "حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه ولكن يوحنا منعه قائلًا: أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ، فأجاب يسوع وقال له: "اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر" حينئذ سمح له فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوت من السموات قائلًا: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (٣).

стр. 321

ويعلق صاحب الفارق على هذا النص منتقدًا ما يشتمل عليه فيقول: (إن المسيح بشر مخلوق لله تعالى، وأنه قبل أن يأتى إلى يوحنا المعمدان لم يكن الوحي ينزل عليه، وأن أول ما نزل عليه الوحي بواسطة روح الله جبريل؛ لأنّ الله تعالى سماه بذلك كما تشهد به كتبهم وأول ما بلغه عن الله تعالى أنه هو الابن الحبيب الذي به كان سرور الله تعالى ولكن أبي هذا المترجم إلا أن يدلس في كل ما يكتبه حيث أسند الكلام إلى غير جبريل ﵇ (١). أما عن الرؤية النقدية للدكتور / السقا، حول عقيدة تأليه المسيح ﵇ فإنه قد أَتبع فيها المنهج التحليلى للنصوص حيث قام برد التفسير الخاطئ الذي يفسره النصارى لنصوص الأناجيل، وفسرها تفسيرًا صحيحًا يتفق وطبيعة المسيح ﵇ وأذكر هنا بعض النماذج توضح ما قام به من جهد في إبطال ألوهية المسيح. حيث يعرض مقولة النصارى ثم يعقب عليها بالرد وبيان بطلانها. ١ - مما يدلّ على أن المسيح في الأزل مع الأب قوله: "والآن مجدني أنت أيها الأب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم" (٢). الرد: لو كان المسيح في الأزل مع الأب للزم عليه أن يكون هو إلهًا مستقلًا عن الإله الأب، وهذا لا يقول به الأرثوذكس الذين يقولون إن عيسى هو الله نفسه، وهذا التعبير كناية عن أن الله قدر وجود عيسى ﵇ في الأزل كما يقدر وجود أي إنسان (٣). ٢ - مما يدلّ على أن المسيح كان في السماء ونزل إلى الأرض قوله لليهود: "أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق، أنتم من هذا العالم أما أنا فلست عن هذا العالم" (٤). الرد: معني الكلام أنتم تعيشون في اللذات الجسدية، أما أنا فأعيش في عالم الروح، أنتم في عالم الأرض تريدون أن تعيشوا أما أنا ففى عالم السماء مقصودى وقد قا ل المسيح هذا القول بالنسبة لجميع تلاميذه: "لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن أنكم لستم من العالم؛ بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم" (٥). لقد سوى بينه وبين تلاميذه في عدم الكون من هذا العالم؛ فلو كان هذا مستلزمًا للألوهية للزم أن يكونوا كلهم آلهة (٦).

стр. 322

٣ - يقولون: إن عيسي إله؛ لأنه كان معصومًا من الخطأ بدليل قوله لليهود: "من منكم يبكتنى على خطية" (١). الرد: لو كانت العصمة من الخطية سببًا في أن يكون الإنسان إلهًا لكان جميع الرهبان والراهبات عند النصارى آلهة؛ لأنهم يدعون عصمتهم من الخطأ ولكان جميع الباباوات خلفاء بطرس وبولس ومرقس آلهة؛ لأنهم يدعون عصمتهم من الخطايا أيضًا، وقد شهد الكتاب المقدس لبعض الأنبياء بالبر والصلاح فلماذا لم يجعلوهم آلهة؟ (٢). وغير ذلك من الأدلة التى فسرها النصارى تفسيرًا خاطئًا، ورد عليهم د/ السقا، ونقدها وفسرها تفسيرًا صحيحًا يتفق مع العقل. إضافة إلى ما سبق فإن أظهر شىء وقف عليه النقاد المسلمون - فترة البحث - أن المسيح ﵇ لم يدع الألوهية ولكنه دعا إلى التوحيد وهذا يبطل مزاعمهم في حق المسيح ﵇. وأكد ذلك أ/ إبراهيم خليل أحمد، في كتابه فقال: "في إنجيل لوقا سأله رئيس قائلًا: أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية فقال له يسوع: لماذا تدعونى صالحًا ليس أحد صالحًا إلا واحد هو الله" (٣). لقد حرص المسيح على أن ينفى عن نفسه صفة الصلاح ويردها إلى الله وحده فكيف يُقال بعد ذلك أن المسيح إله أو ابن إله؟ بل أكثر من هذا نجد في إنجيل مرقس "فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هى أول الكل؟ فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا هى اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد" (٤) فلم يدع المسيح أنه إله يُعبد لكن موقفه أمام الله كموقف كل بنى إسرائيل ولقد نادى المسيح ﵇ بالتوحيد صراحة، فجاء في إنجيل يوحنا: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (٥) وغير ذلك من الأدلة التي ساقها أ/ إبراهيم خليل، وتدل صراحة على عبودية المسيح لله رب العالمين ودعوته للتوحيد الخالص وأيده في ذلك جميع علمائنا الأجلاء في تناولهم لمناقشة ألوهية المسيح (٦).

стр. 323

وخلاصة ما وقف عليه العلماء في إبطال ألوهية المسيح ﵇ أوجزه فيما يلي: ١ - أن المسيح ﵇ بشر مخلوق يجرى عليه ما يجرى على سائر البشر من الأكل والشرب والنوم والراحة والتعب وغير ذلك. ٢ - أنه ﵇ لم يدع الألوهية؛ بل اعترف بالعبودية لله تعالى ودعا إلى التوحيد الخالص لرب العالمين لا شريك له. ٣ - بُطلان ما استدل به النصارى على هذه العقيدة من نصوص لم تصح نسبتها إلى المسيح ﵇ بل لم تصح نسبتها إلى أصحابها الذين كتبوها بعد المسيح -كما يدعون-. ٤ - ولادته ﵇ من غير أب معجزة ولكنها لا تكون سببًا في تأليهه؛ لأنّ آدم ﵇ ولد من غير أب ولا أم ومع ذلك لم يقولوا بألوهيته. ٥ - اعتراف المسيح ﵇ بأنّه لا يقدر أن يفعل شيئًا من تلقاء نفسه ولكن الله سبحانه هو الفاعل الحقيقى فهو يقول للشيء "كن فيكون". ٦ - وقد نفى الله مزاعمهم وأبطلها، فأنطق الله سيدنا عيسى ﵇ عندما افتروا على أمه مريم ﵍ وتكلموا عليها، وقد صور القرآن الكريم ذلك فقال تعالى على لسان سيدنا عيسى: "قال إنى عبد الله أتاني الكتاب وجعلنى نبيًا" (١)، فهذا دليل العبودية الكاملة لله رب العالمين، وأنه نبي من أنبياء الله ، ولقد أخبر الله سبحانه بكفر هؤلاء الذين يتخذون سيدنا عيسى ﵇ إلهًا فقال تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" (٢).

стр. 324

المبحث الثانى جهود علماء المسنمين في نقد عقيدة البنوة "بنوة المسيح لله تعالى " يكاد يتفق معظم النقاد من علماء المسلمين -فترة البحث- في طريقة نقدهم لهذه العقيدة ولغيرها من العقائد. بعرض مقولة النصارى في المسيح ﵇ كالبنوة أو التأليه ثم يذكرون النصوص التى يستندون عليها في تأييد مقولتهم الباطلة والتي أولوها تأويلًا فاسدًا أو حمَّلوها ما لا تحتمل، مع أن الأمر بخلاف ذلك ثم يتناولونها بالمناقشة والتحليل على النحو التالي: ١ - عرض مقولة النصارى الباطلة في سيدنا عيسي ﵇ من البنوة لله تعالى. ٢ - الأدلة إلى يستند عليها النصارى في هذه العقيدة من الكتاب المقدس. ٣ - جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في الرد على هذه المقولة ونقد الأدلة. أولًا: مقولة النصاري الباطلة في سيدنا عيسي ﵇ (بنوة عيسي ﵇ لله تعالى): يرصد د/ سعد الدين صالح، د/ مريم زامل، ما يدعيه النصارى على سيدنا عيسى ﵇ من البنوة لله تعالى فيقول د/ سعد الدين صالح: يدعى النصارى أن عيسى النبي هو ابن الله الوحيد ... ويقولون إن ولادته من عذراء لم تعرف رجلًا على الإطلاق دليل على أن له وجودًا ذاتيًا قبل ولادته منها، ودليل على أن له حياة ذاتية تجعله في غنى عن بذرة حياة من رجل آخر، وإنما استمدها من الله نفسه إذًا فهو أبوه (١). ويقول أيضًا: ويزيد النصارى من هذا الدليل توضيحًا فيقولون: (إن عملية الولادة البشرية تتم عن طريق الرجل والمرأة، فالرجل يعطي الروح لابنه في صورة الحيوان المنوي والمرأة تعطى الجسد لابنها، إذ أنها بعد أن تأخذ الحيوان المنوي من الرجل في طريق الرحم، تبدأ في بناء الجسد من حوله، وفي حالة سيدنا عيسى ﵇ يقررون أن التي أعطت الجسد هى مريم فهي أمه ولكن الذي أعطاه الروح هو الله فيكون أبوه ويكون عيسى ابنه) (٢).

стр. 325

وتقول د/ مريم زامل في كتابها: إن عقيدة البنوة تقررت في مجمع نيقية عام ٣٢٥ م وقد تبنت الطوائف المسيحية من- ملكانية (١) ونساطرة (٢) ويعاقبة (٣) - هذه العقيدة، واستمرت الطوائف الحديثة- الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك على نفس العقيدة (٤). ثانيًا: الأدلة التي يستند عليها النصارى من الكتاب المقدس: إن ما أطلقه النصارى على المسيح ﵇ من مقولات باطلة له مرجعيته الدينية عندهم فلم يكن ادعاؤهم جزافًا بدون دليل ولكنهم يستندون في تدعيم باطلهم بنصوص من الأناجيل والرسائل الأخرى في العهد الجديد. رقد رصدت د/مريم زامل بعض النصوص التي يستدل بها النصارى (٥) من هذه النصوص ما يلي: ١ - "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه وصوت من السموات قائلًا: هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت" (٦). ٢ - حكى "مرقس" في إنجيله قصة الرجل الهارب الذي به روح نجسة فقال عنه إنه حين "رأى يسوع من بعيد ركض، وسجد له وصرخ بصوت عظيم وقال: "مالى ومالك يا يسوع ابن الله" (٧). ٣ - قول الملاك جبرائيل لمريم: "وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيمًا، وابن العلى يدعى ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه" (٨). ٤ - وقوله لها كذلك: "الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (٩). فهذه الأدلة تدور حول معنى تولد الابن من الأب -كما يزعمون-.

стр. 326

ثالثًا: جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد الأدلة التي استدل بها النصارى على هذا الادعاء الباطل ومناقشتها: قام علماء المسلمين -فترة البحث- بالتصدى لهذه العقيدة الباطلة ووجهوا سهام نقدهم لتلك النصوص التى يعتمد عليها النصارى في تأييد دعواهم التى تقول ببنوة عيسى ﵇ لله تعالى: فالدكتور/ سعد الدين صالح، ناقش هذه العقيدة مناقشة موضوعية فقال: إن نصوص الإنجيل التى أفادت ببنوة عيسى ﵇ لله تعالى، نصوص غير صحيحة، ونجل عيسى ﵇ أن يقولها إطلاقًا، لأنها لا تتفق مع العقل وقوانينه، ولا مع الهدف العام للرسالات الذي هو إثبات وحدانية الإله وتنزيهه عن كل نقص، ولكن هذه النصوص تستلزم الشرك بالله وإلحاق ما لا يليق به من الزوجة والولد وما يلزمهما من نقص وعجز وصفات لا تليق بذات الله، ومن هنا رفض القرآن الكريم هذه العقيدة الزائفة وأشار إلى ما يلزم عليها من النقص والعجز فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١)﴾ (٢). (وهكذا يشير القرآن الكريم إلى أن ادعاء البنوة لله هو قول بلا علم يتنزه المولى عنه؛ لأنّ الولد لا يطلبه إلا المحتاج والله هو الذي أبدع كل ما في السموات والأرض، والولد لا يكون إلا من زوجة، والله كيف تكون له زوجة؟ وكيف يكون له ولد وهو خالق كل شىء والعليم بكل شىء .. إذًا فادعاء الولد لله نقص في ذات الله وهو منزه عن النقص) (٣). ويقول أ/ أحمد إدريس: قد استخدمت التوراة والإنجيل لفظ ابن الله في حق كثير من الأنبياء وغيرهم، فآدم ابن الله (لوقا ٣/ ٣٨) وشيث ابن الله وإسرائيل ابن الله (خروج ٤/ ٢) وإبراهيم ابن الله وداود ابن الله الأكبر والقاضي والمفتي أيضًا ابن الله (مزامير ٨٢/ ٦) وجميع المسيحيين أبناء الله (يوحنا ٣/ ٩) وجميع بني إسرائيل أبناء الله وكل اليتامى أبناء الله (مزامير ٦٨/ ٥) وجميع العامة والخاصة أبناء الله (متي ٧/ ١١) (٤).

стр. 327

المفهوم الحقيقي للبنوة: وفي بيان معنى البنوة اعتمد د/ سعد الدين صالح في نقده لهذه الدعوى على أمرين: الأوّل: استحالة ما يدعيه النصارى عقلًا. الثاني: حمل معني البنوة على المعنى المجازي. لعلماء المسلمين جهود قيمة في بيان المفهوم الحقيقى للبنوة وجميع من تناول هذه القضية وجه نقده إلى هدم ما يدعيه النصارى من حمل الألفاظ الواردة في التوراة والإنجيل في هذه القضية على حقيقتها وأنها تتعارض مع العقل فلا يقبلها بحال من الأحوال لأنها مستحيلة في حق الله تعالى من هؤلاء العلامة رحمة الله الهندي والألوسى، ود/ سعد الدين صالح ود/ مريم زامل، فالعلامة رحمة الله الهندي في نقده لهذا المفهوم يضعف حمل اللفظ على المعنى الحقيقى ويرده فيقول: إن إطلاق لفظ ابن الله على المسيح في غاية الضعف؛ لأنّ هذا الإطلاق معارض بإطلاق ابن الإنسان ... ؛ لأنه لا يصح أن يكون لفظ "ابن". بمعناه الحقيقى؛ لأنّ معناه الحقيقي باتفاق لغة أهل العلم من تولد من نطفة الأبوين، وهذا محال في هذا المقام، فلابد من الحمل على المعنى المجازي المناسب لشأن المسيح (١). ولذلك يقول أ/أحمد ديدات: إن البنوة لله لفظ مجازى يستخدم على سبيل الاستعارة، ولفظتا ابن الله، كانتا شائعتين في الاستخدام لدى اليهود (٢). والدكتور / سعد الدين صالح: قد أكد نقده بالاستدلال من العهد الجديد لبيان خطأ النصارى في فهمهم المبنوة وردهم إلى المفهوم الحقيقي لها ولذلك بدأ نقده متسائلًا فقال: (ما هو المفهوم الحقيقى للبنوة إلى وردت في التوراة والإنجيل؟ هل هى بنوة حقيقية عن طريق التوالد والتناسل والنسب؟ أم أن البنوة مجازية معناها القرب من الله والسير على تعاليمه؟) (٣).

стр. 328

وأجاب عن ذلك بقوله: (بالتأكيد أن المعني الأوّل لا يليق في حق الله إطلاقًا، ولو أخذ به النصارى وادعوا أن عيسى هو ابن الله الوحيد يُقال لهم: إن كل الذين وصفوا بأنهم أبناء الله في التوراة والإنجيل يشاركون عيسى ﵇ نفس الوصف مع أنه مستحيل عقلًا في حق الله، وقد جاءت كل الرسالات لتتريهه عن النقص، إذن لا بد أن يكون للبنوة مفهوم آخر هو المعنى المجازى الذي يليق في حق الله وهو أن البنوة معناها القرب من الله والمحبة والسير على تعاليمه واتباع أوامره واجتناب نواهيه. وفي هذا المعنى يقول من: "أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم ... لكى تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات" (١)) (٢). وتزيد د/ مريم زامل، على ما سبق بُعدًا توضيحيًا يوضح بُطلان البنوة لله تعالى فتقول: إن عيسى ﵇ قد أوضح لنا هذا المجاز وأن بنوة الله بالأعمال: "أنتم تعملون أعمال أبيكم" (٣) فهي ليست بالتناسل والتوالد وإنما بالعمل الصالح وصدق الإيمان. ونفس المعني ردده "بولس" في رسالته إلى أهك رومية: "لأنّ كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (٤). وقد جاء في الأناجيل لفظ "ابن الله". بمعنى المؤمن الصالح الطائع، من ذلك ما رواه "مرقس" في إنجيله حيث يقول: "ولما رأى قائد المئة الواقفى مقابله، وأنه صرخ هكذا، وأسلم الروح قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله (٥) " (٦). ويؤكد هذا الإطلاق -إطلاق لفظ الابن علي المؤمن الصالح- صاحب كتاب الفارق بين المخلوق والخالق - وهو ينتقد ما جاء في من (٥/ ٤٤، ٤٥) "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات" يقول: الذي يظهر من هذه الجمل أن في الزمن الأوّل كانوا يسمون المؤمن الطائع ابن الله كما هو الواضح من نصوص التوراة، وأبناء الله بصيغة الجمع هم المؤمنون الطائعون، كما أن الآب يستعمل. بمعنى الموجد الحقيقى وهو الله تعالى، فلا إشكال ولا بأس إذن بإطلاق لفظ ابن الله على المسيح بالمعنى المذكور وإلا لزم أن يكون جميع المؤمنين أبناء الله حقيقة كالمسيح إذ صرح بقوله: "كونوا أبناء الله" فلا بد من حمل معنى كلامه على ما تقدم (٧).

стр. 329

ويقيم البغدادي ﵀، الأدلة العقلية والنقلية على بطلان القول ببنوة المسيح لله تعالى وبالتالي أبوة الله له على الحقيقة فيقول: جعل المسيح "ابن الله" أي مولودًا منه -كما أطلق عليه النصارى ذلك- مردود عقلًا ونقلًا. أما من جهة العقل: فإن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، فولده إما أن يكون أيضًا واجب الوجوب أو لا يكون، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلًا بنفسه، قائمًا بذاته، لا تعلق له في وجوده بالآخر، ومن كان كذلك لم يكن مولودًا البتة؛ لأنّ المولودية تشعر بالفرعية والحاجة وإن كان ذلك ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاده واجب الوجود لذاته ومن كان كذلك فيكون مخلوقًا لا ولدًا فثبت أن من عرف الإله ما هو (أي مفهوم الإله وحقيقته) امتنع أن يثبت له ولد ... إلى غير ذلك من الأدلة العقلية التى ساقها إلى أن قال: فثبت بالبداهة بطلان ما ذهبت إليه النصارى (١). وأما من جهة امتناع هذه العقيدة نقلًا فيقول العلامة البغدادي: فإذا علمت أن الولد مستحيل على الله تعالى عقلًا، فاعلم أن ذلك ممتنع نقلًا أيضًا؛ لأنّ الكتب السماوية كلها تنزه البارى عن ذلك حتى التوراة والإنجيل مع كونهما محرفين وما ورد فيهما مما يوهم ذلك فهو مؤل: من ذلك ما ورد في التوراة: "يقول الرب: إسرائيل ابني البكر"، وفي صموئيل الثاني (٧/ ١٤): قال داود: "أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنًا "وفي التوراة" أن داواد ابن الله" وفي لوقا: "آدم ابن الله" وكذلك المؤمن البار أدخل تحت هذا العنوان فلا خصوصية فيه للمسيح ﵇ (٢). من خلال الجهود السابقة لعلمائنا الأجلاء في نقد عقيدة البنوة يتبين ما يلي: ١ - المقصود من البنوة في حق المسيح ﵇-المعني المجازي لها وهو المحبة والطاعة والسير على تعاليم الله . ٢ - النصارى يفسرون البنوة بمعناها الحقيقى وهذا مُحال على الله تعالى ولا يليق بذاته المقدسة. ٣ - وجود التعارض والتناقض في هذه العقيدة يكفي بردها وإبطالها. ٤ - مخالفة هذه الدعوى لصريح المعقول. ٥ - عدم قصر إطلاق البنوة على المسيح ﵇ لأنها بالمعنى الصحيح لها -وهو المعنى المجازي- تطلق على غيره من المؤمنين الطائعين أيضًا فلم يكن في هذه اللفظة خصوصية له بالذات عن غيره من الأنبياء. وهذه المقولة التى، يلقيها النصارى جزافًا إنما هي مجرد قول باللسان لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣).

стр. 330

المبحث الثالث جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة تأليه الروح القدس الروح القدس في عرف المسيحيين هو الروح الذي حل على العذراء لدى البشارة لها، وعلى المسيح في العماد وعلى الرسل بعد صعود المسيح إلى السماء وفى نظر المسلمين فإن الذي أرسل إلى العذراء بالبشارة بولادة عيسى ﵇ هو الملك جبريل ﵇ (١). وبقراءة متأنية لما قام به علماؤنا الأجلاء حول عقيدة ألوهية الروح القدس يمكن حصر جهودهم فيما يلي: أولًا: عرض مقولة النصارى الباطلة في الروح القدس ونقدها . ثانيًا: عرض أدلة القائلين بألوهية الزوج القدس وجهود العلماء في نقدها. أولًا: عرض مقولة النصارى الباطلة في الروح القدس ونقدها: ألوهية الروح القدس من العقائد الباطلة إلى تمسك بها النصارى وجعلوها من صلب عقيدتهم، وهي عندهم تعتبر الأقنوم الثالث من أقانيم الثالوث المقدس، وقد تقرر تأليه الروح القدس في مجمع القسطنطينية عام ٣٨١ م (٢) والقرار الذي وافق عليه المجمع هو: تأليه الروح القدس ولعن من يقول بغير ذلك فقالوا: (ليس روح القدس عندنا. بمعنى غير روح الله، وليس روح الله شيئًا غير حياته، فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق فقد قلنا أن روح الله مخلوق، وإذا قلنا أن روح الله مخلوقة قلنا أن حياته مخلوقة وإذا قلنا أن حياته مخلوقة فقد زعمنا أنه غير حي، فقد كفرنا به ومن كفر به وجب عليه اللعن) (٣). ويقول د/ محمَّد مجدي مرجان، موضحًا ما يراه أصحاب الثالوث عن هذه العقيدة الباطلة: (يري أصحاب الثالوث أن الروح القدس الذي يمثل عنصر الحياة في الثالوث المقدس يعتبر أقنومًا قائمًا بذاته وإلهًا مستقلًا بنفسه، فالثالوث المقدس ثلاثة أقانيم هي الذات والنطق والحياة، فالذات هو الله الأب، والنطق أو الكلمة هو الله الابن، والحياهَ هى الله الروح القدس، وذلك أن الذات والد النطق والكلمة مولودة من الذات، والحياة منبعثة من الذات) (٤).

стр. 331

نقد الأساس الذي وافق عليه مجمع القسطنطينية بتأليه الروح القدس: يقول فضيلة الشيخ / أبو زهرة في نقده لهذا القرار: (المذكور في مقدمته "ليس روح القدس عندنا. بمعنى غير روح الله" يقول: إن مقدمة هذه السلسلة وهي أن روح القدس هي روح الله فهذا لا يسلمه له مخالفه ولا يستطيع أن يقيم عليه دليلًا، والعقيدة الصحيحة هي أن روح القدس خلقه الله واتخذه ليكون رسولًا بينه وبين من يريد أن يلقى عليه وحيًا من خلقه أو أمرًا كونيًا، فهي ليست روح الله المتعلقهَ بذاته وليس عنده من دليل على ما قال) (١). ووافقه على ذلك م / محمَّد عزت الطهطاوي ود/ أحمد شلبي، وزاد على هذا النقد م / الطهطاوي، أدلة من العهد القديم والعهد الجديد (٢) تؤكد أن من يطلق عليه الروح لا يتصف بالألوهية بأي حال من الأحوال وهذه الأدلة ما يلي: ١ - ما جاء في سفر العدد: "وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلًا الشيوخ فلما حلت عليهم الروح تنبأوا ولكنهم لم يزيدوا" (٣). ٢ - وما جاء في سفر أشعياء: "ويخرج قضيب من جذع يسي وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب" (٤). ٣ - وما جاء في لوقا: "سمعان عليه روح القدس" (٥). ويعلق م / الطهطاوي، بعد سرده للأدلة بقوله: (ولو كان من يتصف بصفة الروح أو من عليه الروح إلهًا لاشترك في الألوهية مع المسيح السبعون رجلًا الشيوخ من بني إسرائيل مع موسى وسمعان وغيره ممن تأيدوا بالروح) (٦).

стр. 332

ثانيًا: عرض أدلة القائلين بتأليه الروح القدس وجهود العلماء في نقدها: ذكر شيخ الإِسلام الأدلة التي استدل بها النصارى على ألوهية الروح القدس وناقشها ورد عليها بطريقة علمية، وقد جاءت هذه الردود في أماكن متفرقة من كتابة .. أذكر منها على سبيل المثال ما يلي: ١ - يستدل النصارى بما ينقلونه على لسان داود النبي: "لا تطرحنى من قدام وجهك وروحك القدس لا تنزعه مني" (١). ويُبطل شيخ الإِسلام استدلالهم بهذه الشبهة فيقول في نقده لهذا الدليل: "هذا دليل على أن روح القدس التى كانت في المسيح من هذا الجنس (الموجود في داود وغيره) فعلم أن روح القدس لا خصوصية للمسيح فيها؛ بل هى وباتفاقهم أنها حلت في داود وفي الحواريين وفي غيرهم وليس للمسيح خصوصية في ذلك وإلا فيلزم على قولهم: إن روح القدس هي حياة الله، ومن حلت فيه يكون لاهوتًا، يلزم على قولهم هذا أن يكون كل هؤلاء الذين حلت فيهم روح القدس فيهم لاهوت وناسوت كالمسيح -عندهم- وهذا خلاف إجماع المسلمين واليهود والنصارى ... ، حيث أنهم متفقون على أن داود وغيره عباد الله وإن كانت روح القدس فيهم. كذلك فالمسيح عبد الله وإن كانت روح القدس فيه فما ذكرتموه عن الأنبياء حُجة عليكم (٢). ٢ - "اذهبوا إلى جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس إله واحد وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (٣). ويرد شيخ الإِسلام على استدلال النصارى بهذا النص مفندًا ما يشتمل عليه فيقول: (إن دليلكم هذا هو عمدتكم على ما تدعونه من الأقانيم الثلاثة، وليس فيه شىء يدلّ على ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا. فإن لفظ روح القدس لم يستعمل قط في الكتب الإلهية في معنى صفة من صفات الله، ولم يسم أحد من الأنبياء حياة الله التى هى صفته روح القدس ولا أرادوا ذلك، وإنما أرادوا بروح القدس ما ينزله على الصديقين والأنبياء من الوحى والهدي والتأييد) (٤). وبناء على ذلك فإن ما استدل به النصارى من نصوص توراتية أو إنجيلية لا يصلح أن يكون دليلًا على ألوهية الروح القدس؛ بل هى حجج واهية لا تعدو إلا أن تكون أدلة ظنية غير قاطعة والدليل إذا تطرق إليه الظن أو الاحتمال سقط به الاستدلال.

стр. 333

المقصود بالروح القدس في الكتاب المقدس: وأمام هذا الانحراف العقائدى يطالعنا د/ محمَّد مجدي مرجان في إطلالة نقدية متميزة تنم عن علم واسع بما يحتوى عليه الكتاب المقدس، ودراية تامة بما ترمى إليه نصوصه، وهو شاهد صدق على ما يدعون، فنجده يحلل النصوص تحليلًا موضوعيًا وفي حيدة تامة ونزاهة واضحة تؤكد حرصه على مشاعر الطرف الآخر متبعًا في مناقشته ما يدعون أسلوب الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، وقد بين في كتابه المقصود بالروح القدس وذكر أنها وردت في أماكن متعددة من الكتاب المقدس كل مكان منها يدل على معنى معين لها .. من هذه المعانى التي ذكرها ما يلي: ١ - وردت. بمعنى أن الله خلق آدم من طين ونفخ فيه من روحه فتقول التوراة: "وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية" (١) أي أن الله أعطى آدم روحًا من خلقه فصار آدم نفسًا حية فروح آدم وحياته نفخة من روح الله. ٢ - وردت بمعنى القوة التي يبعثها الله لتأييد أنبيائه وشد أزر عباده الصالحين .. يقول الإنجيل: "روح الرب علىّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين" (٢)؛ "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيرًا ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأنّ الله كان معه" (٣). فلفظ روح القدس هنا مرادف للفظ القوة، فالروح القدس هي القوة إلى أيد الله بها السيد المسيح من لدنه تعالى، وبهذه القوة استطاع المسيح صنع المعجزات وهذه القوة ليست مادية منظورة وليست إلهًا قائمًا بذاته، وإنما هى قوة روحية قدسية (٤). ٣ - وروح الله القدس هي الروح الطيب روح الخير، وذلك بعكس روح الشيطان وهو الروح الخبيث روح الشر تقول التوراة: "فانطلق شاول إلى نايوت في الرامة وحلت عليه روح الرب فجعل يسير ويتنبأ" (٥) ثم تقول التوراة: إن شاول لما عصى الله بيع ذلك وأصبح رجلًا شريرًا سحب الله منه القوة إلى كان قد أمده بها فتقول: "وابتعد روح الله عن شاول وصار روح رديء يعذبه بأمر الرب" (٦).

стр. 334

٤ - والروح القدس هو الروح الطاهر المبارك الروح الأمين ذلك أن القدس في اللغة معناها الطُهر أو البركة، ومن هنا أُطلق الروح القدس على ملاك الله جبريل ﵇ (١). وخلاصة ما وقف عليه علماؤنا الأفاضل في إبطال تأليه الروح القدس أن: ١ - ما استدل به النصارى على ألوهية الروح القدس لا يصلح أن يكون دليلًا على دعواهم. ٢ - لىّ أعناق النصوص من قبل النصارى لتأييد ما يدعون. ٣ - روح القدس ليست هى الله وليست إلهًا قائمًا بذاته والقول الحق فيها أن المقصود بها جبريل الأمين ﵇. ٤ - أن الله أيد بروح القدس أنبياءه وعباده الصالحين لتمدهم بالقوة وتشد من أزرهم. ٥ - إبطال ما يدعى النصارى من خصوصية الروح القدس بالمسيح ﵇ ولكن الله أيد بروح القدس جميع أنبيائه.

стр. 335

المبحث الرابع جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة التثليث تبيّن فيما سبق أن سيدنا عيسى ﵇ دعا إلى التوحيد الخالص ولكن النصارى لم يحافظوا على هذه العقيدة الصحيحة وانحرفوا من الوحدانية إلى التثليث وتحولت النصرانية من الإيمان إلى الكفر ومن التوحيد إلى الشرك بعد رفع المسيح ﵇، وقد ظهرت عقيدة "التثليث" في مجمع نيقية ٣٢٥ م الذي وضع أساسها ثم اكتملت صيغتها الرسمية في مجمع القسطنطينية عام ٣٨١ م ومع أن عقيدة التثليث تعتبر أهم ركن من أركان النصرانية ولا يعتبر الشخص نصرانيًا إلا إذا آمن بهذا الثالوث فإن الكتاب المقدس لا يشتمل على لفظ الثالوث أو لفظ الأقانيم، ولكن النصارى يحتجون لذلك بأن تعليم الثالوث مطابق لنصوص في الكتاب المقدس (١). وهذه العقيدة الباطلة يتم نقدها من خلال المحاور التالية: ١ - الأدلة التي يستدل بها النصارى على عقيدة التثليث. ٢ - عرض مقولة الطوائف النصرانية في التثليث. ٣ - جهود العلماء في نقد الأدلة والرد عليها. وبالقراءة في كتابات علمائنا الأجلاء يضع الباحث يديه على جملة من النصوص التي استدل بها النصارى على تلك العقيدة وقد ذكرها كل من صاحب الجوهر الفريد أيوب بك صبري ود/ مريم عبد الله زامل، د/ سعد الدين صالح، د/ محمَّد أحمد الحاج .. أذكر هذه الأدلة أولًا، ثم أبين جهود العلماء في نقدها والرد عليها.

стр. 336

أولًا: الأدلة التي يستند عليها النصارى في قولهم بالتثليث: أفادت د/ مريم عبد الله زامل في كتابها، موقف ابن تيميه من النصرانية: (أنه لا توجد للنصارى أدلة صريحة من التوراة تدل على عقيدة التثليث لديهم، وإنما يُفهم ضمنيًا منها، فقد جاءت ألفاظ في التوراة مثل "كلمة الله، حكمة الله، روح القدس ... " ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة ما تكنه هذه الكلمات من المعانى؛ لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعين الذي قصد الله فيه إيضاحها على وجه الكمال والتفصيل، ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد إذ يجدها تشير إلى أقانيم في اللاهوت) (١). أما النصوص التي يستدل بها النصارى من العهد القديم ويدعون أنها تدل على التثليث والتي ذكرها العلماء منها ما يلي: أدلة من العهد القديم: ١ - ما جاء في سفر التكوين: "في البدء خلق الله السموات والأرض" (٢). ٢ - والنص الذي يقول: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (٣). ٣ - والنص الذي يقول: "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض" (٤). ٤ - وما ورد في سفر أشعياء: "من أرسل ومن يذهب من أجلنا" (٥). ٥ - وفي سفر العدد: "يباركك الرب ويحرسك، يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلامًا" (٦). ٦ - حادثة ظهور الله لإبراهيم: (٧) وحادثة ظهور الله في العليقة (٨).

стр. 337

أدلتهم من العهد الجديد: ١ - " بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها" (١). ٢ - "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس" (٢). ٣ - ومتى جاء المعزى الذي سأرسله إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي" (٣). ٤ - "فإن الذين يشهدون في السماء ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد" (٤). ٥ - "الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (٥). ٦ - "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه" (٦). وغير ذلك من الأدلة التي ذكرها علماؤنا الأفاضل ويقحمها النصارى في تأييد باطلهم. ويستنتجون من هذه النصوص عقيدتهم الباطلة إلى تقول بالتثليث عن طريق لي أعناق النصوص وتفسيرها حسب أهوائهم، وقد ذكر علماؤنا الأجلاء ما ذهبت إليه طوائف النصارى في تقرير التثليث على النحو التالى: ثانيًا: مقولة الطوائف النصرانية في التثليث: مقولة الأرثوذكس: (يعتقد الأرثوذكس أن الله واحد في أقانيم ثلاثة هكذا: الله تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا- نزل من السماء واختبأ في بطن مريم العذراء تسعة أشهر وكان لما دخل بطنها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم أصبح جنينًا كاملًا، ثم خرج طفلًا اسمه عيسي- ونما كما ينمو الأطفال ولا بلغ سن الثلاثين بلغ الرسالة وبعد سنتين وأشهر قتله اليهود وصلبوه، ثم دفن فى القبر ثلاثة أيام ونزل إلى الجحيم وهو في القبر ثم خرج في اليوم الثالث وصعد إلى السموات ويسمي: الأب قبل التجسد ويسمى: الابن بعد التجسد ويسمي: الروح القدس الاسم الذي كان له قبل إنشاء العالم. أي أن عيسى هو الله خالق السماء والأرض والله هو عيسى. ويستدلون على مذهبهم بقول بولس: الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة، كرزبه بين الأمم: أُومِنَ به في العالم رفع في المجد" (٧)) (٨).

стр. 338

مقولة الكاثوليك والبروتستانت: يقولون: إن الآلهة ثلاثة متميزون ومنفصلون: الأب -الابن- الروح القدس- يقول الكاثوليك في شرح الآية الأولى من إنجيل يوحنا: "والكلمة كان عند الله: يعني: أن الكلمة متميز عمن ولده، فالآب غير الابن. والابن غير الآب ومع ذلك فهما شيء واحد في الطبيعة والذات والحكمة" (١). (والأقانيم على مذهب الأرثوذكس: مراحل لأنّ الله انقلب إلى إنسان واتخذ جسد إنسان فله طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، والأقانيم على مذهب الكاثوليك والبروتستانت ذوات متميزة لأنّ عيسي كما جاء في كلامهم: "مساو للآب بحسب لاهوته، ودون الآب بحسب ناسوته" ومع هذا التميز يقول الكاثوليك والبروتستانت: بأن الله واحد لئلا يكذبوا التوراة والإنجيل المصرحتان بالوحدانية) (٢). ثالثًا: جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد الأدلة السابقة والرد عليها: أَتبع علماء المسلمين -فترة البحث- في نقدهم لتلك الأدلة إلى يستند إليها النصارى في قولهم بالتثليث- اتبعوا منهجًا علميًا متميزًا في هدم هذه العقيدة الباطلة .. برز في هذا المنهج كثير من الرؤى النقدية- لعلمائنا الجلاء- القائمة على أسس ومعايير واضحة ومحددة قد أشرت إليها قبل ذلك في نقد متن العهد القديم وتميزت هذد الرؤى المتنوعة بما يلي: ١ - عرض تأويلات النصارى لهذه النصوص على الحقائق العلمية الثابتة لبيان الصواب من الخطأ في تأويلهم لها. ٢ - عرض النصوص على العقل إذ أن العقل السليم هو الميزان الذي يزن الأمور بدقة تامة بعد الاستدلال النقلى. ٣ - تحليل النصوص في حدود ما تحتمله الألفاظ دون انحراف أو شطط. ٤ - المناقشة المنطقية لهذه الدعوى في حيده تامة وموضوعية كاملة. ٥ - بيان خطأ النصارى في استدلالهم وخطأ استنباطهم لأسس هذه العقيدة من النصوص التى يعتمدون عليها. وسوف يتضح هذا المنهج من خلال تتبع جهود علمائنا الأجلاء في نقد عقيدة التثليث وردها ويمكن حصر ما قاموا به من جهود تحت العناوين التالية: ١ - بطلان استنتاج النصارى من الأدلة إلى يستندون عليها في التثليث. ٢ - مناقشة الأدلة إلى يستند عليها النصارى في تقرير عقيدة التثليث. ٣ - نقد عقيدة التثليث بأدلة من الكتاب المقدس. ٤ - نقد عقيدة التثليث بالأدلة والبراهين العقلية.

стр. 339

أولًا: بطلان استنتاج النصارى عقيدة التثليث من الأدلة السابقة: أجمع علماء المسلمين أنه لا يوجد دليل صريح يدلّ على التثليث لا من العهد القديم ولا من العهد الجديد وأن النصوص التي يدعون أمّا تؤيد دعواهم لا تدل من قريب أو من بعيد على أن الآلهة ثلاثة بل تدل على أن الله سبحانه واحد وهو الذي خلق السموات والأرض وما فيهن ولكنهم يلوون أعناق النصوص ويفسرونها حسب أهوائهم ولذلك تقول د/ مريم عبد الله زامل: إن التعبير في النص بلفظ الله أو ألوهيم ليس فيه ما يدل على التثليث لا ضمنًا ولا استتارًا؛ بل كل ما يدلّ عليه النص: أن الله ﷻ في بدء عمارة الكون خلق السموات والأرض وأن لفظ الجلاله (الله) لا يُطلق إلا على الذات الإلهية وهو الله فقط وبذلك يتبين تعسفهم وشططهم في تأويل النصوص فأين صيغة الجمع في هذا اللفظ؛ بل إن صاحب قاموس الكتاب المقدس لم يشر إلى أن هذا اللفظ "ألوهيم" يدل على الجمع بل قال: "يدلّ هذا الاسم على صفة الله كالخالق العظيم وعلى علاقته مع جميع شعوب العالم من أمم ويهود" (١) فهذا اللفظ التعظيم وليس فيه دلالة على التثليث" (٢). وفي المناظرة التي تمت بين القس سوجارت والعلامة أحمد ديدات يُلاحظ أن استنتاج القس سوجارت استنتاج خاطئ وقد بين العلامة ديدات بُطلان هذا الاستنتاج واستخدم الاستدلال المنطقى والترتيب العقلى للأفكار والمعلومات التى توضح تلك العقيدة كما يفهمها النصارى ثم يعرض لها بذكر المقدمات السليمة التى تؤدى إلى نتيجة سليمة أيضًا مؤداها بُطلان هذه العقيدة المزيفة والتي يعتقدونها وتوضيح ذلك كالتالى: عبر الأب سوجارت على ذلك بقوله: إن الرب يعلمنا بوجود إله واحد وليس اثنين أو خمسة أو عشرة أو خمسة عشر "وأنه تجلى في ثلاثة أشخاص، ثلاث شخصيات مختلفة نحن نؤمن بوجود الأب السماوي والإله الابن ونؤمن بالروح القدس الذي غشى مريم. إنه إله أيضًا وهم كلُ لا يتجزأ بمعنى أنهم متفقون تمامًا وفي توحد وانسجام لا يختلفون أبدًا ولن يختلفوا أبدًا" (٣).

стр. 340

وعندما أُعطيت الكلمة للعلامة ديدات قام فأفصح عن تعجبه الشديد من قيام الأب سوجارت بتغيير الكلمة المعبرة عن الرب حيث كان في صباح يوم المناظرة نفسه يستخدم في خطابه لمجموعة من كنيسته كلمة "المولود لله" وهي مستخدمة أيضًا في إنجيل الملك جيمس المعتمدة بالنص "لأنه هكذا أحب الله العالم ... حتى أنه أعطى ابنه الوحيد" والتعبير الإِنجليزي الوارد بالنص يستخدم كلمة "بجتن" أي المولود لله (١). ولكن بعد ثماني ساعات فقط وأثناء المناظرة غير الأب سوجارت كلمة "بجتن" إلى كلمة "المتفرد" (٢). وعندما سُئل الأب سوجارت عما يعنيه بكلمَة "المتفرد" أجاب بأنها في الأصل اليوناني تعني ببساطة: " لم يكن مثله أحد من قبل وما كان أحدًا أبدًا مثل ابن الله، فهو متفرد، ولم يكن أحد من قبل مثل مريم التي أنجبت ابن الله وإنها تعني ببساطة أن أحدًا لم يكن أبدًا مثله من قبل ولن يكون أحد مثله من بعد يكون متفردًا كابن الله متجسدًا في هيئة بشرية (٣). ثم يقول القس سوجارت: شخص وشخص وشخص: (إلا أنهم ليسوا ثلاثة أشخاص بل شخص واحد) وعندئذ وجه العلامة ديدات الخطاب إلى الأب سوجارت وضرب له المثل التالى: أنت وأخواك لنفترض أنكم ثلاثة توائم متشابهة وأننا لا نستطيع التمييز بينكم أنتم الثلاثة لأنكم متطابقون تمامًا فإذا اقترف أحدكم جريمة قتل هل يمكن أن نشنق الآخر؟ جوابك: كلا وأسألك: ولماذا لا يُشنق؟ فتقول لي: إنه شخص آخر، أوافقك على هذا (٤). ثم أوضح أن استخدام الكلمات يستدعى صورًا ذهنية حول "الأب السماوي المحب"، والإله الابن والروح القدس. إذن هناك ثلاث صور ذهنية مختلفة ومهما حاولتم فلن تتطابق هذه الصور الثلاثة في صورة واحدة سيكون في ذهنكم دائمًا ثلاث صور ولكن حين أسألكم: كم صورة ترون؟ تقولون واحدة وهذا لا يُطابق الواقع (٥). ويؤيد النصارى باطلهم بتقريب عقيدة التثليث إلى الأذهان بضرب هذا المثال: "مثال الشمعة" (فالله عندهم -تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا- كالشمعة فالشمعة واحدة ولكنها مادة ونور وحرارة فهي ثلاثة في واحد) (٦).

стр. 341

وينتقد د/ مصطفى حلمى هذا المثال بقوله: وهذا المثال متهافت أيضًا لا يعبر عن العقيدة النصرانية، لأنّ الأقانيم عندهم ثلاثة أصول والشمعة أصل واحد (أما الضوء والحرارة فمظهران حادثان طرآ على الشمعة بعد إضاءتها، فإذا انطفأت الشمعة عادت إلى أصلها الواحد وفاتهم أن هناك مصدرًا من أشعل الشمعة فما دوره في الأقانيم الثلاثة وأين مكانه من هذا التشبيه؟) (١). ثم يقول د/ مصطفي حلمي: إن هذا المثال إذن مخالف للثالوث النصراني الذي -بحكم صياغته- يقرر تعدد الشخصيات في الإله، وينسب خصائص شخصية منفصلة لكل شخص (٢). أما د/ عبد الأحد داود، فقد عرض هذه العقيدة -الثالوث- على الحقائق العلمية الثابتة التى لا يختلف عليها اثنان في مشارق الأرض ومغاربها وبين معارضتها لتلك الحقائق ومخالفتها للمنطق والعقل فقال: والرياضيات كعلم إيجابي تعلمنا إن الوحدة ليست أكثر من واحد ولا أقل، وإن واحدًا لا يمكن أن يساوى واحدًا+ واحدٍ + واحدٍ، وبعبارة أخرى فإنه لا يمكن أن يكون الواحد مساويًا لثلاثة لأنّ الواحد هو ثلث الثلاثة، وقياسًا على ذلك فإن الواحد لا يساوى الثلث وبالعكس فإن الثلاثة لا تساوى واحدًا كما إنه لا يمكن للثلث أن يساوى الوحدة ... والذين يقولون بوحدانية الله في ثالوث من الأشخاص إنما يقولون لنا إن كل شخص هو: "إله قدير موجود دائم، أزلي، وكامل، لكنه لا يوجد ثلاثة آلهة قديرين وموجودين ودائمين وأزليين وكاملين ولكنه إله واحد قدير" وإذا لم تكن هناك سفسطة في المنطق المذكور أعلاه فإننا سنطرح هذا "اللغز" الذي تقدمه الكنائس ويكون طرحنا له بالمعادلة التالية: إله واحد= إلهًا واحدًا، إلهٍ واحد + إلهٍ واحد كذلك فإن: إلهًا واحدًا = ثلاثة آلهة! أولًا: لا يمكن لاله واحد أن يساوى ثلاثة آلهة، بل يساوى واحدًا منها فقط ثم يخاطب النصراني بقوله: ثانيًا: بما أنك تسلم بأن كل شخص إله كامل مثل قرينيه، فإن استنتاجك بأن ١+ ١+ ١ = ١ ليس استنتاجًا رياضيًا بل هو ضرب من السخف (٣).

стр. 342

ثم ينتقل د/ عبد الأحد داود بعد ذلك إلى مناقشة التثليث من الناحيتين المنطقية والعقائدية: (بناءً على تصور أن لكل شخص في الثالوث صفات لا تنطبق على الاثنين الآخرين وتدل هذه الصفات طبقًا للمنطق الإنساني واللغة الإنسانية على وجود قَبْليِه وبَعْدِيه فيما بينهما فالأب يحظى بالمرتبة الأولي ويتقدم على الابن أما الروح القدس فليس متأخرًا فحسب لكونه الثالث في الترتيب العددي بل إنه أقل درجة من أولئك الذين انبثق منهم. ألا يعتبر نوعًا من الإلحاد إذا ما أعيد ذكر هذا الثالوث بترتيب معكوس؟ ألا يعتبر إنشاء الصليب عند مشاهدة القربان المقدس أو تجاوز مبادئه، نوعًا من الزندقة عند الكنائس إذا عكست العبارة وصارت على النحو التالي: باسم الروح القدس، والابن والآب؟ لأنها إذا كانت متساوية ومتعاصرة فإنه لا داعي لمراعاة ترتيب الأسبقية بدقة) (١). من خلال هذه المناقشات المنطقية والمحاورات العقلية التى قام بها العلماء، حول استنباطات النصارى واستنتاجاتهم ما يقرر هذه العقيدة - في زعمهم - يتبين بُطلان ما استنتجوه ومخالفته للحقائق العلمية الثابتة ومعارضته للبديهيات الرياضية التي لا تقبل الجدال لأنها واضحة وضوح الشمس في وسط النهار. مناقشة علماء المسلمين للأدلة التي يعتمد عليها النصارى في تقرير عقيدة التثليث ونقدها: لشيخ الإِسلام والعلامة رحمة الله الهندي والألوسى وأيوب بك صبري، جهود قيمة في إبطال الأدلة التي اعتمد عليها النصارى في تقريرهم لعقيدة التثليث من هذه الأدلة إلى ناقشوها ما يلي: الدليل الأول: " بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه أو روح فيه كل جنودها" (٢) ومؤداه عندهم أن هذا النص صرح بثلاثة أقانيم حيث قال الله وكلمته وروحه وكان لعلماء المسلمين -فترة البحث- جهود قيمة في تفنيد تلك الأدلة التي استدل بها النصارى على عقيدة التثليث وقد اتبع علماؤنا الأجلاء في الرد على النصارى ونقد أدلتهم البحث في المعني المتبادر من الآيات بحسب دلالاتها اللغوية والقواعد المنطقية إذ أن اللغة لا تنفك عن روابطها الأساسية.

стр. 343

وقد كان رائد هذه الطريقة الفريدة أيوب بك صبري، صاحب كتاب الجوهر الفريد، حيث يرد على من ادعي التثليث فقال في دعواه: إن الكلمة هي الأقنوم الثاني وهي المسيح وأن لفظ الرب هو أقنوم الأب وهو الأقنوم الأول وأن لفظ الروح أو النسمة هو الأقنوم الثالث المدعو روح القدس، فيقول أيوب بك صبري: (ننظر هل ممكن أن نستنتج من هذه الألفاظ وجوب اعتقاد الشخصية بكل لفظ منها أو جعله أقنومًا أم لا؟ وأنى لنا ذلك وقد ثبت بمدلول نصوص جميع الكتب المنزلة من عند الله تعالى تعيين معنى لفظ الكلمة والروح في مثل هذا المقام والحق يلزمنا بالوقوف عند حدّ ما دلت عليه الكتب الإلهية كما يلي: ١ - فوصف الله للسيد المسيح بالكلمة في القرآن المجيد ظاهر إنها كلمة التكوين وصيغة الأمر كناية عن قوله جل شأنه "كن فيكون" بدلالة الالقاء كما في قوله تعالى: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ (١) كأنه تعالى ألقى إليها قولة "كن" التي هى أمر الإيجاد والتكوين، ثم إنه لما كان هذا القرآن منزلًا بالعربية الفصحى في اصطلاح العرب يسمون الرسول كلمة ولسانًا ويقولون هذا لسان فلان وكلمته لكونه رسوله المبلغ عنه أوامره إلى الخلق وهذا المعني المتواتر المشهور بين سائر العالم لا يختلف فيه اثنان. ٢ - وكذلك نصوص التوراة في عدة مواضع ناطقة بذلك وأن الكلمة لا معنى لها سوى النطق وهي كلمة التكوين بدليل ما جاء في سفر الخليقة (١/ ٣) "وقال الله ليكن نور فكان" وقوله هذا ليكن جلدًا فكان وقوله ليكن كذا وليكن كذا ... الخ ما ورد في صيغة التكوين ولحصر المعنى في كلمة التكوين قد سمي المتقدمون سفر الخليقة "سفر التكوين" وقد ورد في جميع أسفار الأنبياء ما يفيد تعيين هذا المعنى وهو قولهم: "كانت إلي كلمة الرب وصارت إليّ كلمة الرب وكان إليَّ كلام الرب "وهناك نصوص كثيرة تدل على أن المراد بالكلمة الأمر، ما جاء في أشعياء" هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمى لا ترجع إلى فارغة" (٥٥/ ١١)، وما جاء في حزقيال: "فاسمع الكلمة من فمى وأنذرهم من قبلى" (٣/ ١٧)، لأني أنا الرب أتكلم والكلمة إلى أتكلم بها تكون. أقول الكلمة وأجريها يقول السيد الرب ... الكلمة التي تكلمت بها تكون" (١٢/ ٢٥) وغير ذلك من النصوص الصريحة الناطقة بأن الكلمة لا معنى لها غير الأمر وهي كافية لإقناع كل معتدل ومن تأمل بالفكر الحر المنزه عن الأغراض أنها ناطقة بكل صراحة بأن صنع السموات وكل جنودها هو بأمر الله تعالى وتأثيره وأن كلمته هى أمره تعالى وليست بأقنوم ولا شخص إلهى كما يشهد بصريح ذلك قول أشعياء: "يداي أنا نشرتا السموات وكل جندها أنا أمرت" (٤٥/ ١٣) (٢).

стр. 344

٣ - ثم إن نص الإنجيل أيضًا ناطق بهذا المعنى في عدة مواضع منها: "كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا" (لوقا ٣/ ٢) ومنها: "والأب الذي أرسلنى يشهد لي لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته وليست لكم كلمته ثابتة فيكم" (يوحنا ٥/ ٣٧، ٣٨) ومنها قوله: "إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينقض المكتوب" (يوحنا ١٠/ ٣٥)، ففى العبارة الأولي فسر معنى الكلمة بالايمان الذي لا يناله العبد إلا بالتوفيق الإلهى والصبغة الإلهية، وفي العبارة الثانية الكلمة هى الأمر والتأثير الإلهى القائم به حياة الوجود. وأيضًا فسر الروح والنسمة بهذا التفسير واستبعد كونها تدل على أي من الأقانيم الثلاثة كما يدعون أ. هـ (١). • وبالقراءة المتأنية لما قام به أيوب بك صبرى يتبين أنه قام بتحليل الألفاظ وبيان مدلولها الحقيقي طبقًا للدلالات اللغوية والقواعد المنطقية السليمة في حيدة تامة وموضوعية كاملة. • بين خطأ استدلال النصارى بهذا النص لأنه يدلّ على الأمر الإلهى لا أكثر ولا يرمز إلى شخص أو أقنوم كما يدعون. • بين بُطلان استنباطهم من هذا النص: أن المراد بالكلمة هو المسيح ولكن المراد بها الأمر والتأثير الإلهي القائم به حياة الوجود، لورود تلك اللفظة في القرآن والتوراة والإنجيل وتدل دلالة واضحة على الأمر الإلهى. وينتقد العلامة الألوسي، هذا النص أيضًا فيقول: إن هذا النص يقتضى أن تكون الآلهة أربعة بل خمسة لأنه قال: رحمة الرب، وكلمة الرب، وبروح فيه إلى أن قال في نهاية هذا المزمور وعلى اسمه القدوس اتكلت فالروح إله أول والرب إله ثان والكلمة إله ثالث والروح إله رابع والقدوس إله خامس فصارت الأقانيم خمسة وهذا لا يخفى على ذي عينين أو أحول يجعل الواحد اثنين ... وإذا كان داود علم أن الآلهة ثلاثة والثلاثة إله فعيسي جزء من الآلهة فلم لم يخبر بنى إسرائيل أن إلههم وربهم متعدد وأن جزء الإله أو الواحد من الآلهة حامله إذ ذاك في صلبه وأنه سيكون من ذريته (٢). وبتحليل رؤية الإمام الألوسي النقدية لهذا النص يتبين أنه اتبع المحاورة العقلية في إثبات رؤيته النقدية وأن تحليل النصارى لهذا الدليل تحليل باطل ومردود لأنه يتناقض مع العقل.

стр. 345

الدليل الثاني: " اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس" متى (٢٨/ ٩) وحول هذا النص تعددت الرؤى النقدية لعلماء المسلمين -فترة البحث- فيقول صاحب كتاب الفارق في ذيل فارقه: إن أساس التعميد بالتثليث مبني على هذه الوصية" عمدوا الناس باسم الأب والابن والروح القدس" فقط ... وإن هذه الوصية وحدها تكفينا بأن هذه الأناجيل مصنعة؛ لأنّ يحيى ﵇ صرح بأن المسيح سيعمدكم بروح القدس ولم يذكر التثليث وكذلك "متي ومرقس ولوقا ويوحنا" اتفقوا وصرحوا في أناجيلهم بأن عيسى حين الرفع وقبله أوصي تلاميذه بأن يعمدوا بروح القدس فقط والمترجم المختلس لإنجيل "متى" افترى وذيل ترجمته بقوله: "إن المسيح قبل الرفع أوصي التلاميذ أن "يعمدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس" متى (٢٨/ ١٩) فتبين ببداهة العقل أن هذه الجملة إلحاقية من المترجم وإلا فلا يُتصور أن "متى" يروى روايتين مختلفتين بإنجيله عن المسيح في آن واحد (١). وعلى فرض صحة رواية المترجم فهي ليست تثليثًا للإله؛ بل إنما المقصد منها ظاهر وهو قوله: "عمدوا الأمم باسم الأب" أي لقنوا الأمم المتنصرة بأن يؤمنوا بواجب الوجود والموجد لكل موجود وقوله: "الابن" أي وأن يؤمنوا أيضًا بعيسى رسول الله وكلمته وقوله: "روح القدس" أي أن يؤمنوا بجبريل أمين الوحى لكافة الأنبياء والمبشر للعذراء بحملها بعيسي ﵇ ولا نزاع في جبريل بأنّه "روح القدس" ولا خلاف في الأنبياء والرسل الأبرار بأنهم أبناء الله أي أصفياء الله ... وهذا توجيه وجيه لا يحتمل غيره؛ لأنه موافق لسنن الله في أنبيائه وخلقه منذ خلق الدنيا إلى يومنا هذا (٢). ويقول شيخ الإِسلام ابن تيميه عن هذا النص: ليس في هذا النص ما يدلّ على التثليث وأن الأب هو الله والابن هو المسيح والروح القدس هو جبريل ﵇ والمراد بعبارة التعميد عنده -أي المسيح-: "مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله وبالملك الذي أنزل عليه الوحى الذي جاء به فيكون ذلك أمرًا لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وهذا هو الحق الذي يدلّ عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف ولا هو من التأويل (٣).

стр. 346

ويقول د/ عبد الكريم الخطيب: إن كلمات الأب والابن والروح القدس التي تردد ذكرها في الأناجيل قد جاءت في سياقات تعطى لكل منها دلالة مستقلة ومفهومًا خالصًا بحيث لا يمكن أن يجتمع منها مفهوم واحد أو دلالة مشتركة، فالأب أب والابن ابن والروح القدس هو الروح القدس لكل ذاتيته وشخصيته (١). ويقول الشيخ أبو زهرة: إن شروط استدلال النصارى بهذا النص على وجود الأقانيم الثلاثة غير مستوفاه إذ ترى أن تلك العبارات الشيخ عثروا عليها في كتبهم لا تفيد على وجه القطع ما يريدون؛ بل تفيد بأبعد أنواع الاحتمالات أو باحتمال قريب ومن المعلوم في قواعد الاستدلال أن الاحتمال إذا دخل الاستدلال أبطله وكل أدلتهم ينفذ الاحتمال إليها من كل جانب هذا وإن الاستدلال بكتبهم يفيد من يصدقها وهي ذاتها يعزوها النقد العلمي في سندها وفي متنها من كل ناحية فهي في ذاتها في حاجة إلى دفاع طويل لإثباتها (٢). ويقول د/ عبد الكريم الخطيب، في موضع آخر من كتابه: (بل إنك لتقرا الأناجيل فصلًا فصلًا وكلمة كلمة، فلا توجد فيها إشارة من بعيد أو قريب إلى ما يُعرف بالأقنوم أو الأقانيم) (٣). ومن خلال ما سبق يتبين أنه لم يرد في العهد القديم ولا في العهد الجديد نص يدل دلالة صريحة على التثليث أو الأقانيم وبالتالي فهذا الادعاء من النصارى إدعاء مردود لأنه لا يوجد دليل يقويه وجميع استدلالاتهم على هذه العقيدة في غير موضعها وتعتمد على: إما تأويل باطل لنص من النصوص أو لحمل نص منها على الحقيقة وهو يُراد به المجاز، لذلك يغفل النصارى الدلالات المجازية في أغلب أدلتهم ويحملون الألفاظ على حقيقتها مما يخرجها عن مدلولها المراد فيقعون في الخطأ عن عمد. ولذلك يقول شيخ الإِسلام ابن تيميه عن النصارى في هذه العقيدة قولهم بالأقانيم مع بطلانه في العقل والشرع لم ينطق به عندهم كتاب، ولم يوجد هذا اللفظ في شىء من كتب الأنبياء التي بأيديهم ولا في كلام الحواريين، بل هى لفظة ابتدعوها، ويُقال إنها رومية وقد قيل: الأقنوم في لغتهم معناه الأصل ولهذا يضطربون في تفسير الأقانيم، تارة يقولون أشخاص، وتارة خواص، وتارة صفات وتارة جواهر وأخرى يجعلون الأقنوم اسمًا للذات والصفة معًا وهذا تفسير حُذاقهم (٤).

стр. 347

الدليل الثالث: والذي ينص على ما يلي: "فإن الذين يشهدون في السماء ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد". استدل العلامة رحمة الله الهندي بهذا الدليل على إثبات التحريفى بالزيادة في الأناجيل وأن معتقدي التثليث أزادوا على النص الأصلى ما يؤيد دعواهم فقال: (وقع في الإصحاح الخامس من رسالة يوحنا الأولي هكذا: "فإن الذين يشهدون في السماء ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد" "والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد" كان أصل العبارة في هاتين الآيتين على ما زعم محققوهم هذا القدر" والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد" فزاد معتقدو التثليث هذه العبارة" وفي السماء هم ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض" في أصل العبارة وهي ملحقهَ يقينًا وقد اعترف بذلك رجال دينهم) (١). وينتقد صاحب كتاب الجوهر الفريد هذا الاستدلال بقوله: هذه العبارة لا يوجد بها حكيم التكليف بوجوب اعتقاد تثليث الله تعالى ولا يوجد بها لفظ الأقنوم ولا الشخص الإلهي ولا الجوهر ولا التساوي وإن هى إلا ألفاظ لو صح ورودها في أصل الكتاب المقدس لكانت محتاجة إلى التأويل بما لا يشذ عن قواعده ولا يناقض برهان العقل والنصوص الصريحة في شىء. وهذه العبارة: "لأنّ الذين يشهدون ... الخ مشكوك فيها عند جمهور علماء المسيحية (٢). وغير ذلك من الأدلة التى ناقشها صاحب كتاب الجوهر الفريد والعلامة رحمة الله الهندي وشيخ الإِسلام ابن تيميه.

стр. 348

ثالثًا: نقد عقيدة التثليث بأدلة من الكتاب المقدس: أولًا: أدلة من العهد القديم: فقد أورد د / السقا في كتابه أقانيم النصارى ما يبطل عقيدة التثليث بأدلة من العهد القديم تثبت وتصرح بأن الله واحد لا شريك له في ملكه وأنه هو وحده خالق السموات والأرض وأنه هو وحده يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير ... (١). وقد ذكر هذه الأدلة ولم يناقشها لوضوح الدلالة فيها على نفي التثليث من هذه الأدلة: ١ - "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك وقصها على أولادك (٢) ... إلخ هذه الوصية. ٢ - "احمدوا الرب لأنه صالح لأنّ إلى الأبد رحمته احمدوا إله الآلهة لأنّ إلى الأبد رحمته احمدوا رب الأرباب لأنّ إلى الأبد رحمته الصانع العجائب العظام وحده لأنّ إلى الأبد رحمته (٣). ثانيًا: أدلة من العهد الجديد: أما أدلة العهد الجديد استدل بها العلامة رحمة الله الهندي والألوسى ود/ السقا، وغيرهم وناقشوها مناقشة علمية منها ما يلي: ١ - جاء في إنجيل يوحنا: "وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" يوحنا (١٧/ ٣). وقد نقد العلامة رحمة الله الهندي بهذا النص إدعاء النصارى في قولهم بالتثليث ورد عليهم من خلال رؤيته التفسيرية لهذا النص فقال: بين عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية عبارة أن يعرف الناس أن الله واحد حقيقى وأن عيسي ﵇ رسوله، وما قال أن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقى وأن عيسى إنسان وإله أو أن عيسى إله مجسم ولما كان هذا القول في خطاب الله في الدعاء حينما رفع رأسه إلى السماء وقال:

стр. 349

"قد حضرت الساعة وآمنوا أنك أرسلتني" فلا احتمال هنا للخوف من اليهود ولا سيما وقد قال قد حضرت الساعة، فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبيئه ولما قال: "الإله الحق وحدك" ولما فرق بين المرسل والمرسل وإذا ثبت أن الحياة الأبدية هى اعتقاد التوحيد الحقيقى لله وحده واعتقاد الرسالة للمسيح، فضدهما يكون موتًا أبديًا وضلالًا سرمديًا بالبداهة؛ لأنّ التوحيد الحقيقي ضد التثليث الحقيقى وكون المسيح رسولًا ضد لكونه إلهًا لأنّ التغاير بين المرسل والمرسل إليه ضروري، وتبعه في رأيه العلامة الألوسي ود/ السقا، وكل منهما أيده فيما ذهب إليه (١). ٢ - ما جاء في إنجيل مرقس: "فجاء إليه واحد من الكتبة الذين كان سمعهم يتساءلون ونظر إجابته لهم حسنة، فسأله أي وصية أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا إله واحد هو. وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل نيتك ومن كل قوتك هذه أولى الوصايا والثانية هى مثلها أن تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى أعظم من هاتين، فقال له الكاتب جيدًا يا معلم، قلت بالحق أن الله واحد وليس آخر غيره" (مرقس ١٢/ ٢٨ - ٣٤). يقول العلامة الألوسي ردًا علي المثلثة بعد أن ساق هذا الدليل الدامغ على وحدانية الله وبإقرار المسيح ﵇ يقول: (فعلم أن أولى الوصايا أن يعتقد الإنسان ان إلهه واحد حقيقى، لا ثلاثة ممتازة بامتياز حقيقى) (٢). وبالنظر في الرؤية التحليلية للعلامة رحمة الله الهندي لهذا النص الذي يبطل دعوى التثليث بدلالاته الواضحة على الوحدانية بلا أدني شك يتبين: ١ - عمق الفهم الذي يتمتع به العلامة الهندي ودرايته الواسعة وعلمه الغزير بالكتاب المقدس وقضاياه المختلفة. ٢ - ربطه بين النصوص ربطًا جيدًا يؤكد ما يتميز به عن باقى النقاد من سهولة الاستشهاد على القضايا التى يعالجها في كتابه كأنه يحفظ النمو جيدًا بأماكنها في الكتاب المقدس. ٣ - الموضوعية الفائقة في جميع ما يتعلق بالموضوع الواحد من نصوص تؤكد رؤيته إذا كان يريد إثبات شىء ما أو نفيه.

стр. 350

فيقول العلامة الهندي بعد أن استدل بالنص السابق من مرقس: (١٢/ ٢٨ - ٣٤) وفي الإصحاح الثاني والعشرين من إنجيل متى في قوله: بعد بيان الحكمين المذكورين هكذا: "بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس والأنبياء" فعلم أن أول الوصايا الذي هو مصرح به في التوراة وفي جميع أسفار الأنبياء وهو الحق وهو سبب قرب الملكوت، أن يعتقد الناس أن الله واحد ولا إله غيره ولو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لكان مبينًا في التوراة وجميع أسفار الأنبياء لأنه أول الوصايا ولقال عيسى ﵇: أول الوصايا: الرب واحد ذو أقانيم ثلاثة ممتازة بامتياز حقيقى، لكنه لم يبين في سفر من أسفار الأنبياء صراحة ولم يقل عيسى ﵇ هكذا فلم يكن مدار النجاة، فثبت أن مدارها هو اعتقاد التوحيد الحقيقي لا اعتقاد التثليث، وهوسات التثليثيين باستنباطه من بعض آيات أسفار الأنبياء لا يتم على المخالف لأنّ هذا الاستنباط خفى جدًا مردود بمقابلة النص) (١). وملخص ما ارتآه العلامة الهندي حول إبطال التثليث بهذا الدليل السابق ومن خلال تحليله له يتضح لدي الباحث ما يلي: أ- عدم ورود التثليث في التوراة لا صراحة ولا ضمنًا. ب- خلو أسفار الأنبياء أيضًا من هذه العقيدة التثليثية. ج- لم يصرح به عيسى ﵇ على فرض صحة الأناجيل ونسبتها إليه- لم يصرح بالتثليث أو بما يدلّ عليه من قريب أو بعيد. د- ورود ما يدلّ صراحة على التوحيد الحقيقي في التوراة والإنجيل. ٣ - ما جاء في إنجيل مرقس: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب" مرقس (١٣/ ٣٢). وقد حلل العلامة الهندي هذا النص ووافقه في رؤيته التحليلية العلامة الألوسي ود/ السقا كذلك فيقول: (هذا القول ينادي على بطلان التثليث لأنّ المسيح ﵇ خصص علم القيامة بالله ونفى عن نفسه كما نفي عن عباد الله الآخرين وسوى بينه وبينهم في هذا، ولا يمكن هذا في صورة كونه إلهًا سيما إذا لاحظنا أن الكلمة وأقنوم الابن عبارتان عن علم الله وفرضنا اتحادهما بالمسيح وأخذنا هذا الاتحاد على مذهب القائلين بالحلول أو على مذهب اليعقوبية القائلين بالانقلاب فإنه يقتضى أن يكون الأمر بالعكس ولا أقل من أن يعلم الابن كما يعلم الآب ولما لم يكن العلم من صفات الجسد فلا يجرى عليه في عذرهم المشهور أنه نفى عن نفسه باعتبار جسميته فظهر أنه ليس إلهًا لا باعتبار الجسمية ولا باعتبار غيرها) (٢).

стр. 351

وحول هذا النص الذي يثبت بشرية المسيح ﵇ ويبطل ما زعمه النصارى عن التثليث يقول الشيخ عبد الله الترجمان بعد أن استدل بالنص السابق (مرقس ١٣/ ٣٢) هذا إقرار من عيسى ﵇ بأنّه ناقص علم حتى عن الملائكة وأن الله تعالى هو المنفرد بعلم الساعة وقيامتها، وأن عيسى ﵇ لا يعلم إلا ما علمه الله تعالى (١). وغير ذلك من الأدلة التي ذكروها وتدل دلالة واضحة على التوحيد الحقيقى ونفي التثليث وأنه ممتنع ومستحيل في ذات الله (٢). والإمام ابن تيميه في محاوراته العقلية التي يبطل بها دعوى التثليث يرد على النصارى فيقول: إنهم يجمعون بين النقيضين عندما يقولون نحن نلعن من قال إنه الأب والأب هو الخالق ونلعن من قال هو الأب الخالق ومن قال ليس هو الخالق فيقول لهم إنكم بذلك تجمعون بين النقيضين: فتلعنون من جرد التوحيد بلا شرك ولا تثليث ومن أثبت التثليث مع انفصال كل واحد عن الآخر؛ وتجمعون بذلك بين متناقضين أحدهما حق والآخر باطل وكل قول يتضمن جمع النقيضين (إثبات الشيء ونفيه) أو رفع النقيضين (الإثبات والنفي) فهو باطل (٣). ومن مظاهر تناقضهم أيضًا: "زعمهم أن كلمة (الله) التي يفسرونها بعلمه أو حكمته وروح القدس التي يفسرونها بحياته وقدرته هي صفة له قديمة أزلية لم يزل ولا يزال موصوفًا بها ويقولون مع ذلك: إن الكلمة هى مولودة منه فيجعلون علمه القديم الأزلي متولدًا عنه، ولا يجعلون حياته القديمة الأزلية متولدة عنه، وقد أصابوا في أنهم لم يجعلوا حياته متولدة عنه لكن ظهر بذلك بعض مناقضاتهم وضلالهم بأنّه أنواع كثيرة فإنه إن كانت صفة الموصوف القديمة اللازمة لذاته يقال: إنها ابنه وولده ومتولد عنه، ونحو ذلك فتكون حياته أيضًا ابنه وولده ومتولدًا عنه وإن لم يكن كذلك فلا يكون علمه ابنه ولا ولده ولا متولدًا عنه ... فعلم أن القوم في غاية التناقض في المعاني والألفاظ وأنهم مخالفون للكتب الإلهية كلها ولما فطر الله عليه عباده من المعقولات التي يسمونها نواميس عقلية ومخالفون لجميع لغات الآدميين وهذا مما يظهر به فساد تمثيلهم" (٤).

стр. 352

رابعًا: نقد عقيدة التثليث بالأدلة والبراهين العقلية: الدليل العقلي أحد الأدلة التي استخدمها علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس بقسميه، إذ أن إعمال العقل في فحص القضايا المتنازع فيها بين المسلمين والنصارى أمر من الأهمية بمكان ولأن النصارى لا يؤمنون بالقرآن وإذا استخدم العلماء القرآن الكريم في الرد عليهم فذلك منهج غير موضوعي لذا اتبع علماء المسلمين في إبطالهم لعقائد النصارى الدليل العقلي وذلك بعرض مفردات تلك العقائد على العقل وإثبات أنها تتعارض مع المسلمات البديهية وتتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة. وقد أبطل هذه العقيدة شيخ الإِسلام بأدلة عقلية أوردها في كتابه الجواب الصحيح وقد أورد العلامة رحمة الله الهندي أيضًا كثيرًا من الأدلة والبراهين العقلية على بطلان عقيدة التثليث عند النصارى ووافقه عليها أيضًا العلامة الألوسي .. من هذه الأدلة ما يلي: ١ - لما كان التثليث والتوحيد حقيقيين عند المسيحيين ... وإذا وجد التثليث الحقيقى لا بد من أن توجد الكثرة الحقيقية أيضًا ولا يمكن بعد ثبوتها التوحيد الحقيقى وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين وهو محال فلزم تعدد الوجباء (أي تعدد واجب الوجود) وفات التوحيد يقينًا، فقائل التثليث لا يمكن أن يكون موحدًا لله تعالى بالتوحيد الحقيقى والقول بأن التثليث الحقيقى والتوحيد الحقيقى وإن كانا ضدين حقيقيين في غير الواجب لكنهما غير ذلك فيه سفسطة محضة لأنه إذا ثبت أن الشيئين بالنظر إلى ذاتيتهما ضدان حقيقيان أو نقيضان في نفس الأمر فلا يمكن اجتماعهما في أمر واحد شخصى في زمان واحد من جهة واحدة واجبًا كان ذلك الأمر أو غير واجب كيف وإن الواحد الحقيقى ليس له ثلث صحيح والثلاثة لها ثلث صحيح وهو واحد وأن الثلاثة مجموع آحاد ثلاثة، والواحد الحقيقي ليس مجموع آحاد رأسًا، وأن الواحد الحقيقي جزء الثلاثة فلو اجتمعا في محلّ واحد يلزم كون الجزء كلًا والكل جزءًا وأن هذا الاجتماع يستلزم كون الله مركبًا من أجزاء غير متناهية بالفعل لاتحاد حقيقة الكل والجزء على هذا التقدير، والكل مركب فكل جزء من أجزائه أيضًا مركب من الأجزاء التي تكون عين هذا الجزء وهلم جرا، وكون الشيء مركبًا من أجزاء متناهية بالفعل باطل قطعًا (١). ٢ - الاتحاد بين الجوهر اللاهوتي والناسوتي إذا كان حقيقيًا لكان أقنوم الابن محدودًا متناهيًا وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكنًا وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث فيلزم أن يكون أقنوم الابن محدثًا ويستلزم حدوثه حدوث الله، وهذا محال (٢).

стр. 353

٣ - فرقة البروتستانت ترد على فرقة الكاثوليك في استحالة الخبز إلى المسيح في العشاء الرباني شهادة الحس وتستهزئ بها. فهذا الرد والهزء يرجعان إليهما أيضًا؛ لأنّ الذي رأى المسيح ما رأى منه إلا شخصًا واحدًا إنسانًا وتكذيب أصدق الحواس الذي هو البصر يفتح باب السفسطة في الضروريات فيكون القول باطلًا كالقول باستحالة الخبز إلى المسيح والخمر إلى دمه (١). وقد ذكر العلامة الهندي، ما يؤكد بطلان عقيدة التثليث بأبسط البراهين العقلية فنقل أنه تنصر ثلاثة أشخاص وعلمهم بعض القساوسة العقائد الضرورية سيما عقيدة التثليث أيضًا، وكانوا في خدمته فجاء محب من أحباء القسيس وسأله عمن تنصر؟ فقال ثلاثة أشخاص تنصروا. فسأل هذا المحب هل تعلموا شيئًا من العقائد الضرورية؟ فقال نعم وطلب واحدًا منهم ليرى محبه فسأله عن عقيدة التثليث فقال إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السماء والثاني تولد من بطن مريم العذراء والثالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة فغضب القسيس وطرده، ثم طلب الآخر منهم وسأله فقال: إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة وصُلب واحد منهم فالباقى إلهان فغضب عليه القسيس أيضًا وطرده، ثم طلب الثالث وكان ذكيًا بالنسبة إلى الأوليين وحريصًا في حفظ العقائد فسأله فقال يا مولاي حفظت ما علمتني حفظًا جيدًا وفهمت فهمًا كاملًا بفضل الرب المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد وصلب واحد منهم ومات فمات الكل لأجل الاتحاد ولا إله الآن وإلا يلزم نفي الاتحاد (٢). ثم يعلق على هذه القصة العلامة رحمة الله الهندي فيقول: لا تقصير للمسئولين فإن هذه العقيدة يخبط فيها الجهلاء هكذا ويتحير علماؤهم ويعترفون بأنهم يعتقدون ولا يفهمون ويعجزون عن تصويرها وبيانها ومن غير تصور يصدقون (٣).

стр. 354

وغير ذلك من الأدلة والبراهين العقلية التي ساقها كل من العلامة الهندي والألوسى (١) والتي أثبتوا من خلالها ما يلي: ١ - أن هذه العقيدة تتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة. ٢ - استحالة ما يدعيه النصارى من كون الثلاثة واحدًا والواحد ثلاثة. ٣ - أن هذه العقيدة تتعارض مع العقل في أبسط تصوراته. ٤ - تخبط النصارى في هذه العقيدة وتحير رؤساؤهم أيضًا في تناقضها وعدم فهمهم لها ويدعون أنها فوق العقل. ٥ - بطلان عقيدة التثليث بناء على ما سبق بيانه من الأدلة العقلية إلى ساقها علماؤنا الأجلاء. ٦ - استحالة وجود التوحيد الحقيقي والتثليث الحقيقي في نفس الوقت. ٧ - وإذا بطل التثليث من خلال ما تقدم ذكره فقد ثبت أن الله واحد لا شريك له ولكن النصارى يؤولون النصوص تأويلًا فاسدًا لتأييد دعواهم ويحملون النصوص على حقيقتها دون مراعاة للمعنى المجازي لها. ٨ - ولقد أبطل الله ما ذهب إليه النصارى من التثليث، وبين كفر هؤلاء الذين يجعلون الآلهة ثلاثة بدلًا من أن ينزهوه عن الشريك والولد، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)

стр. 355

المبحث الخامس جهود علماء المسلمين -فترة البحث- في نقد عقيدة الحلول (١) والاتحاد (٢) اختلف النصارى اختلافًا كبيرًا حول شخصية المسيح ﵇ بين مؤمن معترف به كنبي ورسول وبين مغالٍ فيه فتارة يعتقدون بألوهيته وبنوته وتارة يقولون إنه إله تام وإنسان تام وتارة أخرى يقولون بحلول الله في جسد المسيح واتحاده به .. إلى غير ذلك من الشطط والانحراف. ولقد اجتهد علماؤنا الأجلاء -فترة البحث- في إبطال هذه المزاعم المفتراة بالأدلة العقلية تارة وبالأدلة النقلية تارة أخرى. وفي هذا المبحث أبين بعون الله وتوفيقه كيف نقد علماء المسلمين عقيدة الحلول والاتحاد .. ولذلك يمكن حصر ما قاموا به في النقاط التالية: ١ - آراء الطوائف النصرانية في الحلول والاتحاد وجهود العلماء في الرد عليها. ٢ - الأدلة التي يستندون عليها في الحلول والاتحاد وجهود العلماء في الرد عليها ونقدها.
следующие страницы →