فلا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... موارد تحمي صفوه أن يكدّرا [١]
رجل من الحجية [٢] عن جدّه أنّه نزل بالشراة على عليّ بن عبد الله، قال:
فركب يوما لحاجة وأنا معه ثم أقبل نحو المنزل فإذا بنوه يرمون بالنبل بين غرضين ويجزون، فقال: يا أخا قصي، أتراهم جديرين بطلب ثأرهم؟
قلت: كذاك الظن بهم، فتمثل قول زفر [٣] بن حارث الكلابي:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
ولد علي بن عبد الله [٤]
[٦٦ أ] محمد بن علي أبو الخلفاء، أمّه العالية بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وداود بن علي، وعيسى بن علي، وهما لأمّ ولد، وسليمان بن علي وصالح بن علي وهما لأمّ ولد [٥] ، وأحمد ومبشّر وبشر بنو علي لا عقب لهم، وإسماعيل وعبد الصمد وهما جميعا لأمّ ولد. ولأحمد بن إسماعيل يقول ابن الدّمينة الخثعميّ [٦] :
стр. 142
يا أحمد الخير بن إسماعيلا ... إليك أشكو الغلّ والكبولا
وغشم ظلم من بني سلولا ... إليك أزجي عنسا نسولا [١]
صائبة الرجل [٢] بها زجولا ... أظلّ فوق رحلها معدولا
وعبد الله الأكبر لا عقب له وأمّه أم أبيها [٣] بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن علي، لا عقب له، وأمّه من بني الحريش، وعبد الملك وعثمان وعبد الرحمن، وعبد الله الأصغر السفاح الّذي خرج بالشام، ويحيى وإسحاق ويعقوب وعبد العزيز وإسماعيل الأصغر وعبد الله الأوسط وهو الأحنف لا عقب لهم، وهم لأمّهات أولاد شتى، وفاطمة وأم عيسى الصغرى وآمنة [٤] ولبابة وبريهة الكبرى وبريهة الصغرى وميمونة وأمّ علي [٦٦ ب] والعالية بنات علي وهنّ [٥] لأمهات شتى، وأم حبيب بنت علي وأمّها أم أبيها [٦] بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
стр. 143
خبر [١] سليط بن عبد الله بن عباس مع علي بن عبد الله
قال: أخبرني أبي عن عيسى بن عبد الله قال: كان عبد الله بن عباس وطئ جارية له كان لا يثق بها، وكانت تدخل وتخرج، فجاءت بولد ذكر سمّاه سليطا، فكان في حياته يدعوه لأمّه [٢] فلما توفّي ادّعت أمّ سليط أنّه من عبد الله فخاصمت عليّ بن عبد الله إلى الوليد بن عبد الملك، فتعصّب عليه الوليد، فأراد أن يحكم لسليط، وكره علي بن عبد الله أن يدخل في نسبه من ليس منه، فأرسل إلى سليط: لا حاجة لك في حكم الوليد، فائتني فإنّي أقرّبك وأشهد لك. فزعم الناس أن سليطا قتل، ثم سكرت له ساقية في بستان كان في منزل علي بن عبد الله ثم دفن فأجري عليه الماء فسأله الوليد عنه فأنكر، فأرسل إلى منزله ففتّش وأخذ بعض غلمانه فأقروا وأروهم [٣] الساقية فنبشوها فأخرجوه وحملوه إلى الوليد فأمر بعلي بن عبد الله [فأقيم في الشمس] [٤] ، فاجتنبه من كان بحضرته من بني هاشم خشية للوليد فجاء إليه عبد الله [٥] بن عبد الله بن الحارث فألقى عليه مطرفه وحمله إلى
стр. 144
منزله وعالجه، فلم يزل في منزل عبد الله حتى عوفي، فلمّا عوفي أخرجه [٦٧ أ] الوليد إلى الحميمة، وقال: لا تجاورني بدمشق فاضطغن علي بن [١] عبد الله ما فعل به حتى كان من أمره ما كان.
ملتقطات أخبار علي بن عبد الله
رجل من بني مخزوم عن أبيه عن جدّه، أنّه خرج من مكّة إلى يزيد بن عبد الملك بالشام في خلافته، فلمّا انصرف من عنده نزل بالشراة على علي بن عبد الله، فصادفه في مسجده وبنوه حوله ومواليه، وفبهج عليّ برؤيته وجذل [٢] بقربة وسأله عن حاله وما صنع في مسيره. قال: ثم سألني عمّن رأيت من بني أميّة بالشام [٣] ومن خلفته منهم بالحجاز، فلمّا فرغ من مسألته عنهم شكاهم إليّ، ثم أقبل على بنيه فقال: يا فلان! اقرأ، يا فلان! حدّثنا عن رسول الله ﷺ ، يا فلان! أفرض، يا فلان! اخطب، يا فلان! أنشد. فانتهى كل واحد إلى ما أمره به ثم قال لهم: تذاكروا الحلال والحرام، وليسأل بعضكم بعضا عنه، ويحتج بعضكم على بعض فيه، ويروي بعضكم فيه الحديث لبعض، ففعلوا ذلك. وأقبل عليّ بوجهه فقال:
يا أخا مخزوم! كيف ترى فتيان بني [٤] هاشم؟ قلت: يا أبا محمد! أراهم
стр. 145
ملء عين الصديق ورغم العدوّ. فضرب بيده على فخذي ثم قال: يا أخا مخزوم! أما وربّ الكعبة لا ينامون عن طلب ثأرهم حتى يدركوه.
[٦٧ ب] حدّث بعض مشايخنا أن زرينا مولى عبد الله بن عباس قال: كان عليّ بن عبد الله جالسا في زمزم فأقبل إليه شيخ من كنانة فقبّل رأسه وأطرافه وتنشّقه بالقبل وترشّفه، وجعل يفدّيه بأبيه وأمّه، ويسأله عن حاله وولده وأهل بيته، ثمّ جلس يحادثه، وسمعته يقول: ابشر أبا محمد بالغنى من الله فقد أظلّك النصر وأتتك الدولة، لقد شهدت مقدم معاوية المدينة حاجّا بعد هلاك عليّ بن أبي طالب، فسمعت عمرو بن عثمان بن عفّان يقول لمعاوية: يا أمير المؤمنين! لو صعدت المنبر فنلت من عليّ، فقال معاوية: لست بفاعل، إني أقبل على الأمر إذا أقبل عليّ وأدبر عنه إذا أدبر عنّي، والله لقد لقيني عليّ فما فارقني حتى خفت أن يقتلني، والله لو قتلني ما أفلحتم بعدي، واعلموا يا بني أميّة أنّ لكم من بني هاشم يوما مرّا فاستعجلوا الإعاذة باللَّه من شرّه. فقال عليّ بن عبد الله: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قيل لعليّ بن عبد الله بن عبّاس ﵃: بم صحّت سلامتك على الناس؟ قال: لأنّه صحّت سلامتهم عليّ. قال: ما رأيت أحدا قطّ أكبر منّي سنّا إلّا قلت: عبد الله قبلي، ولا أحدث منّي سنّا إلّا قلت:
عصيت الله قبله، ولا في مثل سنّي إلّا قلت: أعرف [٦٨ أ] من نفسي ما لا أعرف منه.
عليّ بن عبد الله القرشيّ- مولى لهم- قال: خرج الوليد [١] ليلة إضحيانة [٢]
стр. 146
فنادى: أين الراجز العذريّ؟ فجاء فأخذ بخطام راحلته، وأقبل يرتجز ويقول:
يا أيّها البكر الّذي أراكا ... عليك سهل الأرض في ممشاكا
ويحك [١] هل تعلم من علاكا ... أكرم شخص ضمّه سرجاكا
إنّ ابن مروان على ذراكا ... خليفة الله الّذي امتطاكا
لم يجب بكرا مثلما حباكا [٢]
قال فأخذ الفضل بن عباس بن عتبة [٣] بن أبي لهب بخطام راحلة علي بن عبد الله بن عبّاس وأنشأ يقول [٤] :
يا أيّها السائل عن عليّ ... تسأل [٥] عن بدر لنا بدريّ
من [٦] نسّك في العيص [٧] أبطحيّ ... سائلة غرّته مضيّ
أغلب في العلياء غالبيّ ... مردّد في المجد هاشميّ [٨]
- أبوه عمّ المصطفى النبيّ- ... وليّن الشّيمة شمّري
ليس بفحّاش ولا بذيّ ... عفّ نجيب مجتبى [٩] تقيّ
مهذّب مطهّر بهيّ ... أعدّ للمسكين والغنيّ
стр. 147
[٦٨ ب]
خلطين من شحم ومن نقيّ ... شابهما بالأزرق المشويّ
مصلصل طينته مكّيّ ... حلّ محل البيت زمزميّ
زمزم يا بوركت من طويّ [١] ... بوركت للساقيّ والمسقيّ
يسقيهم بالمشرب الرويّ ... إن تلقه بالأنس الحرميّ
تلق امرأ ليس بأجنبيّ ... وليس عند العزم بالمكنيّ
جاء على مهذّب مهريّ [٢] ... بصلويه أثر النفيّ
نفيّه الحوليّ والعاميّ ... في الحرب حتف البطل الكميّ
بكلّ عضب الحدّ مشرفيّ ... وأسمر في الكفّ سمهريّ
فلما أصبحوا كلّم عليّ بن عبد الله الوليد فيه فقال: لا أعطيه درهما، أليس الّذي قال البارحة ما قال! فأجازه عليّ بن عبد الله وكساه، فقال في ذلك:
فإن يغضبك قولي في عليّ ... وتمنع ما لديك من النوال
فإنّ محمدا منّا وإنّا ... ذوو المجد المقدّم والفعال
وإنّ لدى ابن عبّاس نوالا ... وما طالبت من صفد ومال
بنا دار [٣] العباد لكم فأمسوا ... يسوسهم الركيك من الرجال
[٦٩ أ] كفاني ما نحلت به عليّا [٤] ... فأقناني [٥] ولم يك ذا اعتلال
стр. 148
أخبار علي بن عبد الله مع عبد الملك
قال: لمّا مات عبد الله بن عباس، وقد أوصى إلى عليّ ابنه أن يلحق بعبد الملك بن مروان بالشام حفظ وصيّته، فشخص بعد موته إلى الشام، فقدم على عبد الملك، وقد استوسق له الشام، فأكرمه وأجلسه معه على سريره، وقوى بمكانه على ابن الزبير، وقال لوجوه أهل الشام: هذا ابن عمّ محمد ﷺ قد أتاني عارفا بأنّي أولى بالأمر من ابن الزبير [١] ، فزاد ذلك في بصائرهم. وقال له عبد الملك: ارتد منزلا تضمّ فيه أهلك وخاصّتك. فبلغنا أنّ عليّا قال له: أحبّ المنازل إليّ أخلاها وأبعدها من العوامّ، فإنّي متى أقمت معك بدمشق لم آمن أن يلقاك بعض أهل الشام فيقول: قال عليّ، ولقي عليّ، وعرّضني لتهمتك. فقال له عبد الملك:
وصلتك رحم، ما أنت بمتّهم، والبلقاء منزل صدق تضم فيه أهلك وحشمك وتقيم عندي ما أحببت، وتأتيني إذا شئت، ولست تبعد عنّي، ولا ينساك ذكري، ولا يبعد عنك خبر من بالحجاز من أهل بيتك. فنزل بالشراة من البلقاء ونزل من الشراة الحميمة. ولم يزل عبد الملك له مكرّما معظّما، يجلسه معه على سريره إذا دخل ويحادثه ويسامره. وقد بلغنا أنّه بينا هو [٦٩ ب] ذات يوم جالس معه إذ فاخره عبد الملك فجعل يذكر أيّام بني أميّة، فبينا هو كذلك إذ نادى المؤذّن بالأذان فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله، فقال عليّ لعبد الملك:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
стр. 149
فقال عبد الملك: الحقّ في هذا لبيّن من أن يكابر. ولمّا شخص عبد الملك في العام الّذي أصاب فيه ابن الزبير قيل له: لو أخّرت عامك هذا، فقال: إنّي أبادر بقبالة موت رجلين من أصحاب محمد، واستفتح عليه بهذا المظلوم، عليّ بن عبد الله، فأصابه في تلك الخرجة.
ولما ظفر عبد الملك بمصعب استجار عبد الله [١] بن يزيد، أبو خالد بن عبد الله القسري، بعليّ بن عبد الله فأجاره وأمنه، وكلّم فيه عبد الملك فأنفذ ذلك له، فكان خالد بن عبد الله عند ولايته العراق قد استصحب داود بن عليّ ووصله وأكرمه حفظا ليد عليّ عند أبيه. ولم يزل علي بن عبد الله على حاله عند عبد الملك حتى هلك عبد الملك، وولي ابنه الوليد عبده، فلم يكن لعليّ في إكرامه على مثل ما كان عليه أبوه.
محمد بن يزيد أبو العباس النحويّ [٢] قال: حدّثنا جعفر بن عيسى بن جعفر ابن سليمان عن زينب بنت سليمان بن علي قالت: كان عليّ بن عبد الله بن العباس عند عبد الملك، [٧٠ أ] ففاجأته هدية صاحب خراسان وهي فصّ وجارية وسيف، وقال: يا أبا محمد! إنّ حاضر الهدية شريك فيها، فاختر، فاختار الجارية. قالت زينب: وهي جدّتنا، يقال لها سعدى، فولدت سليمان وصالحا ابني عليّ. وفي غير هذا [٣] الحديث، أنها من سبي الصغد [٤] ، من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان وصالحا، فلمّا أولدها سليمان
стр. 150
اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدريّ خرج عليه، فانصرف عليّ من مصلّاه وإذا بها على فراشه فقال: مرحبا بك يا أمّ سليمان، فوقع [١] بها، فأولدها صالحا، فاجتنبته بعد، فسألها عن ذلك فقالت: خفت أن يموت سليمان فينقطع السبب [٢] بيني وبين رسول الله ﷺ ، فالآن إذ ولدت صالحا فبالحري إن يذهب واحد [٣] يبقى الآخر، وليس مثلي اليوم من وطئه الرجال، وكان فيها رثّة فهي الآن معروفة في ولد سليمان وصالح [٤] .
خبر عبد الملك وخطبته الشقراء [٥]
محمد بن الهيثم بن عديّ قال: حدّثنا إبراهيم بن عديّ عن عيسى بن موسى الهاشمي قال: أخبرنا أبو جعفر أمير المؤمنين عن محمد بن علي قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب عليّ الشقراء بنت شبيب بن عوانة بن حارثة بن حليف بن مشجعة الطائية، وهي يومئذ في بادية له في خيام ومعه عدة [٧٠ ب] من أصحابه، فأرسل إليه عمر بن محمد:
إنّ أمير المؤمنين قد كتب إلينا أن اخطب عليه الشقراء بنت شبيب فاحضر، فأرسل إليه: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لأمير المؤمنين حاجة فليأت
стр. 151
أو ليرسل رسولا. فقال عمر لعلي بن عبد الله: ما أرى الأعرابي يأتي فسيروا بنا إليه، فسار عمر وعلي في جماعة من وجوه أهل البلقاء، قال:
فدفعنا إلى الأعرابي وهو محتب بفناء خيمته فسلّمنا فرد السلام، فتكلّم عمر فقال الأعرابي: أرسول أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: فإنّا قد زوّجناه على صدقات نسائها، وتدري ما هو، مائة من الإبل وما يتبعه من الثياب والخدم. ثم جاء بثلاث جفان من كسر خبز ولبن فأكلنا، ولا والله ما حلّ حبوته، ثم انصرفنا. وكتب عمر إلى عبد الملك، فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف [١] من الورق وما يتبعه من الثياب والطيب والخدم، فجهزها ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شيء إلّا البعير الّذي اقتعدته، ومعها نسوة من بنات عمّها، فلمّا وافت عبد الملك أمر فأدخلت دارا وأقامت أياما. ثم إنّ عبد الملك بنى بها، فكان كثيرا ما يقول: ما رأيت مثل هذه الأعرابية ظرفا وخلقا [٢] ومنطقا. قال: فاشتدّ ذلك على عاتكة بنت يزيد ابن معاوية فأرسلت إلى روح [٧١ أ] بن زنباع، وكان من أخصّ الناس بعبد [٣] الملك، فقالت: أبا زرعة! قد علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك، ورأي يزيد أبي، ورأي أمير المؤمنين، وقد أعجبته هذه الأعرابية فتتأمل في إفساد ذلك عنده، قال: نعم ونعمة عين. ثم خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! كيف ترى الأعرابية؟ قال: قد جمعت ما جمع نساء أهل الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين! إنك من الأعرابية كما قال الأول:
وإذا يسرّك من تميم خلّة ... فلما يسوءك من تميم أكثر
стр. 152
قال: لا تقل ذلك. قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي، فكثر ذلك منه. ثم إنّ عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء! أعلمت ما قال روح [١] فيك؟ إنّه قال كذا وكذا. قالت: ولم ذلك! إنّي لأنكر ذاك، والله ما سمع منّي أمرا يكرهه، وحال عشيرتي وعشيرته ما تعلم. قال:
هو ما قلت لك، وإن أحببت أسمعتك ذاك منه، قالت: قد أحببت.
فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا زرعة! والله لقد وقع كلامك منّي موقعا، أترى ذاك؟ قال: نعم إن الأعرابية يا أمير المؤمنين تنتكث [٢] كانتكاث الحبل، ثم لا تدري على ما أنت عليه منها. فعجلت [٧١ ب] فرفعت [٣] الستر وقالت: أنت فلا حيّاك الله ولا وصل رحمك، وقد كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدّق.
فوثب روح فقال: يا هذه إن هذا أبقاه الله أرسل إليّ فأعلمني أنّك خلف الستر فعزم عليّ أن أتكلم بهذا فلم أجد بدّا [٤] من أن أبرّ عزيمته، وأمّا أنت فلا يسؤك الله. قالت: صدق والله ابن عمّي. فقال عبد الملك: ويلك يا شقراء لا تقبلي منه. قالت: هو عندي أصدق منك، وجعل روح يقول:
وهو مولّ، هو والله الحق كما أقول لك، فخرج ووقع الكلام بينهما.
عبيد الله بن محمد بن عائشة القرشي ثم التيمي قال: أخبرني أبي قال:
أوصى علي بن عبد الله إلى ابنه سليمان فقيل له: توصي إلى سليمان وتدع محمدا! فقال: أكره أن أدنّسه بالوصايا [٥] .
стр. 153
وهلك عليّ بن عبد الله بن العباس في أيام الوليد، وقد عهد إلى محمد ابنه، وألقى إليه أسراره.
وأمّ عليّ زرعة بنت مشرح بن معديكرب بن وليعة.
محمد بن عمر قال: كان عليّ بن عبد الله قليل الحديث [١] ، وقد روى عن أبيه، وروى عنه عبد الله بن طاووس.
وتوفّي عليّ بن عبد الله سنة ثماني عشرة ومائة.
[٧٢ أ] وقال أبو معشر وغيره: توفّي بالشام سنة سبع عشرة ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك [٢] .
стр. 154
أخبار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس
كان [١] عليّ بن عبد الله يقول: أكره أن أوصي إلى محمد، وكان سيد ولده، خوفا من أن أشينه بالوصيّة. فأوصى إلى سليمان، فلمّا دفن، جاء محمد إلى سعدى ليلا فقال: أخرجي إليّ وصيّة أبي. فقالت [٢] : إنّ أباك أجلّ من أن تخرج [٣] وصيّته ليلا، ولكنّها تأتيك غدا، فلمّا أصبح غدا بها عليه سليمان فقال: يا أبي ويا أخي هذه وصيّة أبيك. فقال محمد:
جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثرّب على أبي بعد موته كما لم أثرّب عليه في حياته.
يزيد بن محمد قال: قال هارون بن محمد: حدّثني إبراهيم بن المهدي قال: حدّثني الرشيد قال: أراد عليّ بن عبد الله بن عبّاس أن يوصي إلى محمد، فأبي محمد ذلك وقال: يا أبة عليّ الأثقلان [٤] ، دينك وعيالك، فأمّا ما جعلت لمواليك من وقف وغير ذلك فلا أدخل فيه. قال: فمن ترى؟
قال: في ولدك شابّ أرجو أن يكون كما تحب. قال من هو؟ قال سليمان ابنك، فأوصى عليّ بن عبد الله إليه.
стр. 155
صفة محمد بن علي بن عبد الله
[٧٢ ب] كان محمد بن علي من أجمل الناس وأعظمهم قدرا، وأمّه العالية بنت عبيد الله بن العبّاس، وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة، وكان أبوه يخضب بالسواد ومحمد بالحمرة، فيظنّ من لا يعرفهما أنّ محمدا هو علي [١] .
علم وفقه محمد بن علي
عبد الله بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن يوسف بن يعقوب، قال:
حدّثني عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى بن موسى، قال: حدّثني الحسين ابن عبد الرزاق بن عيسى بن موسى قال: لمّا نشأ محمد بن علي بن عبد الله ألزمه أبوه أصحاب جدّه فكان كذلك حتى علم وفقه، فجلس يوما يفتي في المسجد الحرام بمثل فتيا جدّه. وكان سعيد بن جبير يدعو الله أن لا يميته حتى يريه رجلا من ولد عبد الله بن عبّاس يفتي بمثل فتواه، فقيل له: هل لك في رجل من ولد عبد الله بن عبّاس يفتي بمثل فتواه؟ فدلّ عليه، فجاء
стр. 156
حتى جلس في الناس، وجعل الناس يسألونه ويجيبهم بمثل جواب ابن عبّاس، فقال ابن جبير: الحمد للَّه الّذي لم يمتني حتى أراني رجلا من ولد ابن عبّاس يفتي بفتواه. فلمّا وجّه الحجاج في طلبه، قال له محمد بن علي: اختر مني واحدة من ثلاث: إن شئت مضيت بك إلى أبي محمد وقد عرفت مكانه من عبد الملك فآخذ لك أمانا، قال: [٧٣ أ] لا أريد هذا. قال: فإنّ هؤلاء على سوء رأيهم ما هتكوا لنا حجابا قط فادخل مع نسائي فإنّهم لن يتعرّضوا لك، قال: ولا أريد هذا. قال: فهاتان راحلتان وألف دينار وهو كلّ ما أملكه على وجه الأرض فخذه والحق بأي الأرض شئت، قال: لا، ولا أريد هذا. قال: فما تريد؟ قال: تسأل أن تفتح [١] لي الكعبة حتى أدخلها فأوخذ من أعظم حرمة من حرمات الله، فبعث إلى الحجبي وكان صديقا له، ففتح له الكعبة فدخلها، فأخرج منها.
عمر بن شبّة قال: حدّثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال: حدّثني عمرو بن معاوية بن صفار بن حميد بن رافع السلمي قال: سمعت محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس يسأل محمد بن سيرين: ما سمعت في ولايتنا؟
قال: تسألني والعلم يرجع إليك؟ قال: فإنّه سيليها عدّة من ولدي. قال:
أين؟ قال: ببلادك وبلاد أصحابك. قال: ثمّ ماذا؟ قال: هو ذاك ما عمّروا ديارهم وأكرموا أنصارهم.
стр. 157
حلم محمد بن علي بن عبد الله
أحمد بن يحيى قال: حدّثني أبو مسعود عن إسحاق بن عيسى [١] بن علي قال: كان محمد بن علي يقول: لن يبلغ الرجل غاية الحلم حتى يعدّ ذليلا.
أحمد بن يحيى بن [٢] جابر قال: حدّثني أبو مسعود بن القتات [٣] عن غالب بن سعيد عن زياد بن عامر الشروي [٧٣ ب] قال: سمعت محمد ابن علي يقول: إذا سمعت العوراء فتطأطأ لها تخطئك [٤] . وكان محمد بن علي إذا مرّ يريد المسجد خارجا من دار العبّاس التي بالسوق وقومه حافّون به، مرّ على مولى لبني أميّة يبيع الحديد عند خاتمة البلاد، فكان ذلك المولى قد ولع به، كلّما مرّ لهج بأن يقول: الزنادقة المتمنون للباطل، لا يخرج الله هذا الأمر من موضعه أبدا. فقال لمولى له- يقال له ابن شعبة- ويحك يا ابن شعبة! ترفّق بهذا حتى تدخله عليّ فإنّه قد آذاني. فجلس ابن شعبة عنده أيّاما حتى أنسه بنفسه، فقال [٥] له يوما: إنّي أريد أن أشتري ببضاعة شيئا من حديدكم هذا فاتبعني إلى بعض البصريّين عسى أن تشتريه لي، فقام معه، فلمّا مرّ بباب دار العبّاس قال: فإنّي أريد أن أكلّم إنسانا في هذه الدار، فادخل معي، قال: تدخلني دار الزنادقة أقتل فيها، فلم يزل به حتى أدخله،
стр. 158
وأشار إلى غلمان لمحمد فأغلقوا باب الدار واحتملوه وسدّوا فمه حتى أدخلوه على محمد والمائدة بين يديه، وعليها أشراف من قومه، فرحّب به وأدناه حتى أجلسه بينه وبين عبد الله بن حسن، وجعل لا يأكل إلّا يلقمه بيده، حتى فرغ من الطعام، ثم أتى بالوضوء فأمر فبدئ به، ثم دعا بالغالية فغلّف [١] بها رأسه ولحيته، ودعا له بكسوة من ثيابه فخلعها عليه بعشرين [٧٤ أ] ثوبا وقال: اكسها عيالك، ثم قال لقهرمانه: بقي معك شيء من تلك الدنانير؟ قال: نعم ثلاثمائة دينار. قال: أعطها إياه و [٢] قال:
تبلّغ بهذه إلى مثلها من صلتنا، فإنّا لن ندع تعاهدك. فخرج فجلس ذلك المجلس، فلمّا راح محمد بن علي، ومعه قومه حافّون به، قال: بأبي هو وأمّي، أقمار الدجى اثنا عشر، والله، مهديا يتبع بعضكم بعضا. قال محمد لابن شعبة: قال له: هادنّا [٣] ، لا هذا ولا الأمر الأول.
أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني أبو حفص الشامي قال: أخبرني أبي عن ابن معزا قال: مرّ قوم من سفهاء بني أميّة بالحميمة، فتكلّموا في محمد بن علي وولده بكلام قبيح، فقال محمد بن علي: ربّما كان السكوت جوابا، والحلم أبلغ في رضاء الله من الانتقام، وولّى وهو يقول: يصنع الله، ومن بغي عليه لينصرنّه الله.
стр. 159
أخبار الإمامة
قالت الكيسانية بإمامة محمد [١] بن علي، وذكروا أن أباه أوصى إليه.
والكيسانية منسوبون إلى المختار بن أبي عبيد، وكان يلقب كيسان، وهو أول من قال بإمامة محمد بن علي، وبها كان يقول علي بن عبد الله وولده إلى أيّام المهدي [٢] . وكان تشيّع العبّاسية أصله من قبل محمد بن الحنفية، وإلى ذلك دعا [٧٤ ب] أبو مسلم حتى كان زمان المهدي، فردّهم المهدي إلى إثبات الإمامة للعبّاس بن عبد المطلب، وقال لهم: إنّ الإمامة كانت للعبّاس عمّ النبي ﷺ ، فإنّه كان أولى الناس به وأقربهم إليه، ثم من بعده عبد الله بن العبّاس، ثم بعده عليّ بن عبد الله، ثم من بعده محمد بن علي، ثم من بعده إبراهيم بن محمد، ثم أبو العبّاس، ثم أبو جعفر، ثم المهدي، ثم مدّها في ولد المهدي فهي قائمة فيهم إلى اليوم [٣] .
وكان عبد الله بن [٤] محمد بن علي قد أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله وألقى إليه أسراره. قال عيسى بن علي: فو الله ما سمعناه يكلّمه بشيء يرتاب به، وإن كان ليكثر مناجاته، فإذا غشيه ولده أو خاصته أجرى ذكر الضيعة والعيال، كأنّه إنّما كان يناجيه في ذلك. وكان محمد فيما وصف من حسن هيأته وفقهه وورعه وطهارته إماما لمن جاوره أو خالطه أو رآه، حتى اختصّه الله بما اختصّه به، وقد جمع له من حقوق الإمامة
стр. 160
مع تناهي وصايا أهل الفضل من أهل بيته ما جمعه له، فقام بأمر الله داعيا، ذابّا عن دينه، ومحييا لحقّه، ومميتا للباطل وأشياعه، وقد اجتمعت له في ذلك خلال استحق بها الإمامة والطاعة من الأمة، وسنذكر حجّته في ذلك.
منها أنّه كان ابن عبد الله بن عبّاس عمّ النبي ﷺ ، [٧٥ أ] ووارثه لا ينكر ذلك من حقّه، ومنها أنّه كان في فضله وزهده ونزاهته وفقهه وورعه واجتماع خصال الخير فيه على أمر لم يكن على مثله أحد من أهل دهره، ومنها أنّه بدر إلى القيام بالحقّ والناس نوّم عنه، فدأب فيه، وشمّر في إقامته، ومنها ما تناهى من وصايا أهل بيته إليه، وإقرارهم بأنّه أولى بالأمر منهم، وأحقّ بالتقدّم عليهم، وأنّ الأمر فيه وفي ولده بما استوعبوا من العلم بذلك، وأمروا به من دفع الوصيّة إليه. وكان محمد على ما وصفنا من حاله مقيما على بيان من أمره، غير داخل في شبهة، ولا مبادر إلى فرقة، ولا منازع في فتنة، قد كتم سرّه، وأخفى أمره، يترقّب الوقت الّذي أمر فيه ببث [١] دعوته، فإنّه بلغنا أنّه لم يظهر منه قول يدلّ على ما كان ينطوي عليه من أمره حتى لقيه جار له من بني عذره. زعم المهلهل بن صفوان قال: سمعت محمد بن علي يقول لبكير بن ماهان: احفظوا ألسنتكم، فو الله لولا ما حضر من وقتكم ما نطقت بحرف من أمركم، وإنّي لمطرق على أمري مع معرفة منّي بتمام دعوتكم منذ دهر طويل ما ذكرت منها شيئا يستدلّ به على ما عندي حتى لقيني جار لي من بني عذرة، فقال [٢] : يا أبا عبد الله، لقد رأيت البارحة [٧٥ ب] رؤيا فيك معجبة. فقلت: ما هي؟
فقال: رأيت كأنّ شهبا خرجت من فيك فأضاءت لها الدنيا، فانتبهت
стр. 161
فزعا. فقلت: يغفر الله لك إنّي لأحبّ أن تستر ما رأيت، ولئن بقيت لترينّ تأويل رؤياك بأمر يقرّ الله به عينك إن شاء الله.
الحسن بن أبي سعيد قال: حدّثنا محمد بن الخطاب قال: قدم أبو هاشم ابن محمد بن علي- ابن الحنفية- فنزل على محمد بن علي بن عبد الله فاشتكى، فأوصى إلى محمد بن علي، وكان يسمّى محمد بعده: الإمام. وقتل زيد بن علي بالكوفة، وقتل ابنه يحيى بن زيد بخراسان في ولاية نصر بن سيّار الكناني، وجّه إليه سلم [١] بن أحوز التميمي فقتله، وأراد أن يصلبه فلم يحسنوا يصلبوه، فمرّ بهم رجل من أهل العراق فعلّمهم فصلبوه بجوزجان، وكان ذلك [٢] سبب حركة أهل خراسان ودعاتهم، وبعث محمد بن علي يدعوهم إلى طاعة آل رسول الله ﷺ ، فقدم عليه أيّام الموسم قحطبة ابن شبيب.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى قال: حدثني أبو عبد الله المدني عن أبيه قال: كنت عند إسماعيل بن علي بن عبد الله [٣] بن جعفر ابن أبي طالب فجاءه ابن أخيه فقال له: يا عم! هل تعرف فيكم رجلا يقال له عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله غيري؟ قال: لا يا ابن أخي فما ذاك؟
قال فامرأته طالق إن لم أكن رأيت في ليلتي هذه مكتوبا على باب دار مروان، [٧٦ أ] الخليفة، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله. قال: يا ابن أخي! ما أراك إلّا صادقا، ولكن عليك مثل التي [٤] حلفت بها إن كان وراء هذا نسب كتمتناه [٥] . قال هو ذاك يا عم [٦] . قال: هو عبد الله بن محمد بن علي
стр. 162
ابن عبد الله بن العبّاس، ابن الحارثية.
أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدّثني أبو أيوب سليمان الرقّيّ عن الحجّاج الرصافيّ عن أبيه قال: نظر عبد الملك إلى محمد بن عليّ [١] ، وهو غلام من أجمل أهل زمانه فقال: هذا والله يفتن المرأة الشريفة. فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: أما والله إنّ ولده صاحب هذا الأمر، فقال عبد الملك: كلّا. فقال خالد: هو كذاك، إنّ تبيعا أخبرني عن كعب أنّ هذا الأمر يصير إلى بني العبّاس، وأنّه لا يلي رجل من آل أبي طالب إلّا أن يخرج على وال فيقتل، وأنّها لا تزال لولد العبّاس إلى أن ينزل المسيح.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس قال: سمعت يعقوب بن عيسى بن موسى يحدث عن عيسى بن موسى عن محمد بن علي قال: كنت أنا وعمر بن عبد العزيز جلوسا في مسجد دمشق في خلافة سليمان بن عبد الملك، وأيّوب بن سليمان يومئذ شاك، وكان سليمان بن عبد الملك قد رشّحه لولاية العهد، فمرّ رجل في المسجد فبعث إليه عمر بن عبد العزيز فدعاه فقال له: ما حال هذا؟ - يعني أيّوب-، قال: يموت. قال [٧٦ ب] عمر: يموت ويبقى الناس بلا وليّ عهد؟ قال:
نعم، ويموت أبوه بعده. قال: فمن يلي بعده؟ قال: أنت، فصاح به عمر، فذهب. فلم يلبث أن مات أيّوب، ثم مات سليمان بعده، وولي عمر بن عبد العزيز. فو الله إنّي لفي مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ مرّ بي الرجل فبعثت إليه مولاي مهنأ، فدعاه، فجاءني، فقلت: لقد حدّثتنا بعجب، زعمت أنّ أيّوب يموت، ثم يموت سليمان، ويستخلف
стр. 163
عمر بن عبد العزيز، فكان كما قلت، فمن يملك بعد يزيد بن عبد الملك [١] ؟
قال: هشام. قلت: ثم من؟ قال الوليد بن يزيد، ثم يقتل. قلت: فعلى من تجتمع الناس؟ قال: على ابنك، فصحت به فقال: أي والله، ابن الحارثية، ولقد حمل به، ثم قام. فلما انصرفت على ريطة، قلت لها:
هل أنكرت نفسك؟ قالت: وما دعاك إلى المسألة عن هذا؟ فو الله ما كنت تسأل عنه، وقالت: قد أنكرت نفسي منذ أيام، فاستمرّ بها الحمل، فولدت أبا العباس.
عمر بن شبّة قال: حدّثني يعقوب بن القاسم قال: حدثني عبد الله بن المفضّل الغنوي عن محمد بن سوقة قال: كنت عند أبي جعفر [٢] محمد بن علي، فأتاه رجل من أهل الجزيرة، فسأله عن الناس فقال: تركتهم وما لهم همّ غيرك، قال: لم؟ فو الله ما أنا بصاحبهم، وما صاحبهم إلّا أنتم بني العبّاس.
قال: قرأت في كتاب جعفر بن محمد بن الفضيل بخطه: ذكر أبو اليمام الحكم بن نافع [٧٧ أ] الحمصي قال: حدّثنا أبو الأسود، وكان قد أدرك عمر بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن الأنصاري قال: كنت عند الوليد بن يزيد فدخل عليه محمد بن علي بن عبد الله ومعه ابناه أبو العباس وأبو جعفر، فكلّمه في شيء ثم خرج، فقال لي الوليد، وأشار إلى أبي [٣] العباس، هذا صاحب بني أميّة. قلت: وكم يملك منهم؟ قال: يملك منهم أربعة وعشرون رجلا: ثمانية منهم يسمّون عبد [٤] الله، وثمانية يسمّون محمدا،
стр. 164
وثمانية أسماؤهم مختلفة، يلي بعضهم السنة وبعضهم السنتين، وبعضهم العشر، وبعضهم أكثر وأقل، وآخرهم يملك أربعين سنة. قلت: وكيف علمت ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: من الكتب التي بعث بها إليّ عاملي على المغرب من كتب دانيال، قال: فقلت لجعفر بن محمد الراسبي: أقرأ عليّ هذا الكتاب قال: لست أقرأه على أحد من الناس فإن أردت أن تكتبه فاكتبه فكتبته من خطّه.
أبو محمد عبد الله بن أبي سعد قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز المدني قال: حدّثني [١] محمد بن سليمان بن سليط قال: قال الخراسانيون الذين أرادوا القيام في الدعوة: لا يصلح هذا الأمر إلّا لرجل من هؤلاء القوم [٢] يجتمع لنا فيه ثلاث خصال: يكون أعظمهم شرفا، وأفضلهم في نفسه دينا، وأسخاهم كفّا، فيكون قوم يتبعونه لشرفه وموضعه، وقوم يتبعونه لبراعة فضله ودينه، وقوم يتبعونه لجوده، فقدموا [٧٧ ب] المدينة، فاتفق [٣] لهم عبد الله بن الحسن بن الحسن فانسلّوا إليه متنكرين فقالوا له: إنّا قوم [٤] من شيعتك وإنّا خرجنا من خراسان، وبعث معنا بأموال نشتري بها لمن خلفنا حوائج، فقطع علينا، فذهبت الأموال، ولا يشبهنا في قدرنا فيمن خلفنا ألّا نفعل ما أمرنا به، وإن كان ذلك من أموالنا، ووراءنا نعم عظام،
стр. 165
ونحن نحتاج إلى مال، وقد أردنا ألّا تكون الصنيعة عندنا إلّا لرجل يجتمع لنا فيه خصلتان: الشرف في النسب والفضل في الدين، فدللنا عليك، وكنت غايتنا، وقد احتجنا إلى قرض، وسمّوا له المال. فقال لهم عبد الله بن الحسن: أدلكم على نظيري في الشرف والمذهب وفي الدين، وهو أجمل [١] لما تريدون منّي، محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فجاءوه فقالوا له مثل ما قالوا لعبد الله، فحمل إليهم المال [٢] وهو لا يعرفهم، فقالوا: هذا رجل قد ظهر لكم [٣] فيه الخصال التي أردتم [وهو] [٤] المجتمع عليه بالفضل والبراعة [٥] في النسب [٦] [وقد] [٧] أخبركم [عبد الله] [٧] أنّه نظيره، وقدّمه على نفسه بالجود، وكان سبب قيامهم.
خبر محمد بن علي مع هشام وابن رأس الجالوت [٨]
عمر بن شبّة قال: حدّثني عبد الله بن محمد قال: حدّثني شيخ يكنى أبا عبد الله قال: قدم محمد بن علي على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه
стр. 166
أبو جعفر [١] وأبو العباس، فدخل يوما [٧٨ أ] على هشام بن عبد الملك، ووافق ذلك دخول ابن رأس الجالوت عليه، وكان يهوديا، وكان محمد أصبح الناس وجها، وكان هشام صبيحا ما أغضى، فإذا رفع رأسه احولّت عيناه، فنظر هشام إلى ابن رأس الجالوت، وقد أحدّ نحو محمد بصره، فقال:
ما لك تنظر إليه؟ قال: خير، من هذا؟ قال: هذا من أهل نبيّنا ﷺ . قال: هذا أقرب بالنبيّ ﷺ ؟ فوقع هشام في لطخة [٢] كرهها ولم يكذب نفسه، قال: بأب. قال: لئن كنت صادقا لهو أولى بصدر مجلسك منك، إنّ بيني وبين الأب الّذي تكرمني اليهود به [٣] لأربعين أبا [٤] . فغضب هشام عليه، وأقامه، وأقبل عليه الحاجب، وهو يخرجه، فقال: ما آمنك أن يأمرني أمير المؤمنين فأضرب عنقك. قال:
فيكون ماذا أكثر من أن يقول الناس: يهودي قام بكلمة حقّ عند الخليفة فقتله. وتنكّر هشام لمحمد فقال محمد: والله يا أمير المؤمنين، ما تكلّمت ولا أجبت [٥] ، ولأنت كلّمته فأجابك، فأمر له بألف دينار، فشخص من عنده، فلما كان بالرّقة أقبل على ابنيه فقال: أحدكما يبني هذه المدينة، قالا: فينزلها؟ قال: لا، ولا يتمّها ولكن يأتي من ولده من يتمّها، قالا [٦] : فينزلها؟ قال: لا بل يتمها ولده وينزلها، قيل له: ثم مه! قال فعضّ على [٧٨ ب] يده ثم قال: ثم مه، ثم مه.
стр. 167
أخبار محمد بن علي مع أبي هاشم عبد الله بن محمد
محمد بن عبد الله القطّان قال: حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال:
حدّثني أبي قال: حدّثني حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرميّ قال: سمعت عيسى بن علي، وذكر أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقال: كان قبيح الخلق قبيح الدابّة، فما ترك شيئا من القبح الّا نسبه إليه، وكان لا يذكر أبي، علي بن عبد الله، إلّا عابه، فبعث أبي ابنه محمد بن علي إلى باب الوليد بن عبد الملك، فأتى أبا هاشم وكتب عنه العلم، فكان إذا قام أبو هاشم يركب أخذ له بالركاب، فكفّه ذاك عن أبيه. قال: فكان يلطف ابنه محمدا بالشيء يبعث به إليه إلى دمشق فيبعث به محمد إلى أبي هاشم، فبعث أبي إلى محمد [١] ببغلة يركبها في عسكر الوليد، فبعث بها محمد إلى أبي هاشم، فكبرت عنده، وقال لمحمد: ما هذا؟ قال: بغلة بعث بها إلينا مولى لنا من مصر، فبعث بها إليّ فآثرتك بها.
وكان قوم من أهل خراسان يختلفون إلى أبي هاشم، فمرض مرضه الّذي مات فيه فقال له قوم من أهل خراسان: من تأمرنا نأتي بعدك؟ قال: هذا، وهو عنده، قالوا: من هذا؟ قال: هذا محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، فقالوا: ما لنا ولهذا؟ قال: لا أعلم أحدا [٧٩ أ] أعلم منه ولا خيرا منه، فاختلفوا إليه. قال عيسى: فذاك سببنا بخراسان [٢] .
стр. 168
قال: وكان محمد بن علي يفد على الوليد أحيانا، ويغزو الصائف، ويرابط بالسواحل هو وإخوته وولده، فوفد على الوليد بن عبد الملك في آخر أيّامه فالفى عنده أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية.
وكان سبب [١] قدوم أبي هاشم على الوليد فيما ذكر إسحاق بن الفضل الهاشمي أنّ زيد بن الحسن بن علي [٢] بن أبي طالب صارت إليه صدقات علي، وهو يومئذ أسنّ ولد عليّ من فاطمة، فنازعه فيها أبو هاشم ورافعه إلى قضاة المدينة، وكان فيما احتج به [٣] أبو هاشم أن قال [٤] : أنا وأنت في النسب كفيّان، وقد جعل عليّ وصيته في صدقته إلى ذوي الفضل من أكابر ولده، فأنا أكبر سنّا منك، وأنا أعلم باللَّه وبكتابه وسنن نبيّه ﷺ منك، فعلام تحوز هذه المكرمة دوني، وإنّما الوصيّة لعليّ لا لفاطمة، فقبلت القضاة منه ذلك، ولم تدفعه [٥] عنه. ولما توجّه القضاء بالمدينة لأبي هاشم على زيد بن الحسن شخص زيد إلى دمشق وقدم على الوليد، فوشى بأبي هاشم، وذكر أنّ له شيعة من أصحاب المختار، وأنّهم يأتمّون به ويحملون صدقاتهم إليه. وزعم بعض من حكى حديث حبس أبي هاشم أن التشاجر بينه وبين زيد بن حسن بن علي قد كان تفاقم حتى شخص الوليد حاجا [٧٩ ب] سنة إحدى وتسعين، فلمّا قدم المدينة حضره أبو هاشم وزيد بن حسن، فقال الوليد لأبي هاشم: لقد أسرع إليك الشيب، فقال أبو هاشم: إنّه ليسرع إلى ذي السن، فقال زيد بن حسن بن علي: ذاك
стр. 169
يا أمير المؤمنين لغالية تهدى إليه من الكوفة يغتلف بها، فارتفع القول بينهما، إلى أن رماه زيد بانتماء من شيعته من أهل الكوفة، فلما صدر الوليد عن الموسم، فمرّ بالمدينة، أشخص معه أبا هاشم إلى دمشق، فحبسه بوشاية زيد ابن حسن. قال إسحاق بن الفضل: فشنّع، والله، زيد على أبي هاشم، وذهب إلى الوليد في أمره، فقبل ذلك منه، ورأى أن قد نصحه، فأقامه عليه وقرّب مجلسه. وذكروا أنّ الوليد تزوّج ابنة لزيد يقال لها نفيسة، وبعث إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقدم به عليه، وأمر بحبسه، وقدم معه أخوه عون بن محمد، فلقي في أمره قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان ذا منزلة من الوليد فقال له: إنّ أخي [١] حبس مظلوما بأمر لم يجنه، ونحن نسأل أمير المؤمنين أن يدعو به فيسأله عما قرف به، فإن تبيّن له عذر عذره، أو ثبت عليه قرف أخذه به. فكلّم قبيصة الوليد، وحكى له قول عون فقال الوليد: قد بلغني أنّه امرؤ جدل، ولا أحسب ابن عمّه كذب عليه، فخبّر عونا بذلك. وبلغ خبر حبسه، وما كان من قول الوليد فيه، عليّ بن الحسين [٨٠ أ] بن علي بن أبي طالب فوفد في أمره على الوليد ابن عبد الملك، فلما قدم عليه ألطفه، وقرّب مجلسه، وبلغنا أنّه قال: فيم تجشمت السفر على بعد الشقّة؟ قال: دعاني [٢] إليه عظيم القدر الّذي أكلمك فيه، والثقة مني برعاية حرمة أهلك [٣] . فقال له الوليد: وما ذاك؟ قال عليّ:
ما بال أقوام يتوسلون إليك بقرباتهم بأبي بكر [٤] وعمر وعثمان فترعى لهم
стр. 170
حرمتهم [١] بهم، وأقربوك من آل الرسول يمتون [٢] إليك بقرابتهم به [٣] فلا تحفظ [٤] لهم حرمتهم ولا تكفّ الأذى عنهم. قال الوليد: وأيّ ذلك تعني؟ قال عليّ بن الحسين: بم حبست عبد الله بن محمد، وقرابته برسول الله ﷺ قرابته وحرمته بك حرمته، ولا نعلم في أهله رجلا نعدله به [٥] في فقهه وعلمه وطهارته وبعده من كلّ ما تكره. فقال له الوليد: زعم ابن عمك زيد بن حسن أنّه يسعى في تفريق الجماعة، وأنّه جعل نفسه إماما مفترض الطاعة، وأنّه قد اتخذ لنفسه شيعة من أهل العراق قد ائتمّوا به.
قال عليّ بن الحسين: والله ما بلغني هذا عنه، ولا ظننته به قط، ولقد تفاقم الّذي بينه وبين زيد حتى ما يؤمن زيد على الكذب عليه، وقد يكذب الرجل على ابن عمّه عند ما يقع من التنازع بينهما، وما خلا أهل بيت من أن يكون ذلك بينهم. قال الوليد: وكثيرا ما يكون. قال عليّ بن [٨٠ ب] الحسين: فالذي دعا زيدا إلى ما قرف به عبد الله بن محمد، فيما يظن، ذلك، ونحن نسألك برحم رسول الله ﷺ إلّا خليت سبيله. قال: اللَّهمّ [٦] قد فعلت على سوء ظنّ منّي به، فخلّى سبيله، وأمره بالمقام عنده.
وانصرف عليّ بن الحسين إلى المدينة، وأقام أبو هاشم بدمشق يحضر مجلس الوليد ويسامره، وربما مزح معه، فزعم إسحاق بن الفضل أنّ الوليد قال ذات ليلة، وأبو هاشم حاضره، في مجلس سمره: ما ترك رسول الله صلى
стр. 171
الله عليه وسلّم أن يتزوج في الأنصار إلّا رغبة عنهم، ولقد أصهر إلى غيرهم من العرب. فقال أبو هاشم: أو كلّ من لم يصهر إليه رسول الله ﷺ من العرب يشينه ذلك ويسبّ به، فها نحن- بني [١] هاشم- لم يتزوّج فينا رسول الله ﷺ ، أفذاك سبّة علينا؟ ولقد حدّثني الثقة من أصحاب النبيّ ﷺ : أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: ما حيّ من العرب أحبّ إليّ من الأنصار، ولولا أنّ في الأنصار غيرة شديدة أكره لها نساءهم لأصهرت إليهم، فكانوا أحبّ من أصهر إليه. فقال له الوليد: لأنّك لشديد النصر للأنصار يا أبا البنات، ولم يكن لأبي هاشم ولد ذكر. فقال أبو هاشم: ما البنات بعار على ذي البنات، فقد كان نبيّ الله لوط أبا بنات، وكان نبيّ الله شعيب أبا بنات، وكان خير البرية محمد [٢] صلى الله عليه [٨١ أ] وسلّم أبا بنات، فبهم الأسوة لا بمن أذكر فلم يشكر. فعنت الوليد من قوله، ورأى أنّه قد استخفّ به في جوابه، وعرّض به، فقال: إنّك للخصم [٣] الألدّ، أرحل عن جواري. فقال أبو هاشم: أرحل والله عن جوارك فما الشام لي بوطن ولا أعرّج فيها على شجن، ولقد أطلت فيها حبسي، وكثر فيها ديني، وقلّت بها فائدتي، وما أنا لك بحامد، ولا- إن أعفيتني- إليك بعائد. فبلغنا أنّه قال له: فإنّي قد أعفيتك إلى يوم الحشر، فخرج عنه أبو هاشم. وكان الوليد أوّل ملوك بني أمية تكبّر في نفسه، وسار في الناس بالجبرية والخيلاء، خلا ما كان عليه من كان قبله، وما كان الناس يكلّمون به معاوية ويزيد وعبد الملك من دعائهم بأسمائهم، وانتصافهم منهم في
стр. 172
كلامهم، وقام [١] بذلك خطيبا على منبره فقال: إنّكم كنتم تكلمون من كان قبلي من الخلفاء بكلام الأكفاء وتقولون [٢] : يا معاوية ويا يزيد، وإنّي أعطي الله عهدا يأخذني بالوفاء به: لا يكلّمني أحد منكم بمثل ذلك إلّا أتلفت نفسه، فلعمري إنّ استخفاف الرعية براعيها في مثل ذلك سيدعوها إلى الاستخفاف بطاعته والاستهانة بمعصيته. فبلغنا أن رجلا من بني مرة قال:
اتّق الله يا وليد فإنّ الكبرياء للَّه، فأمر به فتوطّئ حتى مات، واتعظ الناس به وهابوه لذلك.
وأخبرنا داود مولى سعيد بن [٨١ ب] عبد الملك قال: سمعت سعيد ابن عبد الملك يقول: إنّ أوّل من افتتح الجبرية في بني أمية الوليد، قال يوما لأهل بيته وأنا معهم: لا يحدّنّ الرجل منكم [٣] إليّ نظره في مجلس عامّة كأنّي وإيّاه متكافئان، فيوشك الرجل الأثير [٤] في نفسه عندي أن يفعل [٥] ، فلا يرجع إليه نظره.
وأخبرنا إسحاق بن الفضل الهاشمي، وكان من أعلم الناس بأمورهم، قال: دخل أبو هاشم عبد الله بن محمد ذات يوم على الوليد، وعنده خالد ابن يزيد بن معاوية وهشام بن عبد الملك، فكلّمه في أمر من أمره، ثم خرج.
فقال الوليد ما رأيت في بني هاشم رجلا أعدله به، وإنّه لخليق لكلّ داهية، وإن كان الحزم عندي أن استودعه الحبس فيكون مثواه حتى يموت فيه، هل تجد يا أبا هاشم- يعني خالد بن يزيد- لهذا صفة في نقض علينا؟ قال خالد:
стр. 173
لا والله، ما وجدت ذلك، ولا هو بالمخوف، ولا أحد من بني أبيه، على دولتكم، ولكنّي أخاف أصلة [١] كامنة بناحية البلقاء تسعى لها أهل الشرق، يدوّخون لها البلاد، ويقتلون لها الجبابرة. قال: ومن هذه الأصلة؟ قال:
ولد علي بن عبد الله بن عبّاس. قال الوليد: غفر الله لك، ما بلغنا أنّ أولئك تحرّكوا في شيء من هذا الأمر، ولا دبّوا فيه. قال: أجل، وسيكفون ذلك. قال الوليد: فمتى يكون ذلك؟ قال: لست أخافه عليك [٨٢ أ] ولا على هذا القرن الّذي أنت فيه، وإنّما أخافه إذا قتل سميّك، ووقع [٢] الاختلاف بين أهل بيتك، وابتزّ الأمر منهم سميّ جدّك، فظهرت الرايات السود بالمشرق، فبؤسا لبني أميّة، عند ذلك يزول الأمر عنهم، وتسفك دماؤهم، ويرثي لهم من كان يتمنّى هلاكهم. قال الوليد: ما قضى الله كائن، وما على القوم من سبيل ما لم يظهروا خلافا، فمن هناك قال هشام، من وفدة وفدها عليه محمد بن علي يسأله قضاء دينه: إذا طلعت الرايات السود قضينا دينك.
وأخبرنا بهذا الحديث سعيد البرزي، مولى [٣] هشام: أن هشاما قال ذلك للأبرش، وكان يكلّمه في قضاء دين محمد بن علي، قال: وأنا قائم على رأسه، وذكره أيضا مصفّى ابن عمّ الأبرش أنّه سمع أباه يذكر عن الأبرش. وقدم في تلك الأيام محمد بن علي دمشق في بعض ما كان يقدم عليه فيه من أموره، فنزل بمولاهم فضالة بن معاذ، وألفى أبا هاشم نازلا عليه.
وكان فضالة بن معاذ تاجرا ينزل دمشق، وهو فضالة بن معاذ بن عبد الله، كان عبد الله جدّه أهداه ملك مصر إلى رسول الله ﷺ حيث
стр. 174
أهدى إليه مارية والبغلة الشهباء، التي كانت تدعى دلدلا، فأعتقه رسول الله ﷺ ، وكان ولاؤه بعده للعبّاس بن عبد المطلب، وكان عريف من في ديوان بني هاشم، وكان من [٨٢ ب] قدم الشام من بني هاشم ينزلون عليه، وكان منصور بن زياد الكاتب يزعم أنّه مولى فضالة بن معاذ.
وألفى محمد بن علي أبا هاشم نازلا على فضالة، وهو ينتظر رفقة تخرج فيخرج معها، إلى أن تهيّأ لمحمد بن علي فراغه من حوائجه فحضر شخوصه، فشخصا جميعا: محمد بن علي يريد منزله بالبلقاء، وأبو هاشم يريد المدينة، ومع أبي هاشم عدة من أصحابه فيهم رجل يقال له سلمة بن بجير من بني مسلية من رهط عامر [١] بن إسماعيل، وكان من أخصّ أصحاب أبي هاشم به، وكان أبوه بجير بن عبد الله من ذوي البصائر من أصحاب محمد بن الحنفية، وكان قد خرج مع المختار، فكان من أشدّ من كان معه في قتل قتلة الحسين وآل محمد، ولم يزل مع المختار حتى حصر في قصر الكوفة.
وكان المختار قد أراد أصحابه على أن يخرجوا إلى مصعب وأصحابه فيقاتلوا [٢] حتى يقتلوا، فأبوا عليه ذلك فقال [٣] لهم: إنّي خارج إليهم فمقاتلهم حتى أقتل، ولو قتلوني لم تزدادوا إلّا ذلّا وضعفا، ويستنزلونكم على حكمهم، فإذا نزلتم على حكمهم، دفع كلّ رجل منكم إلى رجل منهم ممّن قتلتم أباه وقريبه، فيقتلونكم. ولما قتل المختار، وبقي من بقي من أصحابه في القصر في حصارهم، قال لهم بجير بن عبد الله المسلي: قد كان صاحبكم أشار عليكم [٨٣ أ] بالرأي لو قبلتموه، يا قوم! إنّكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم، فاخرجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كراما،
стр. 175
فقالوا: قد أمرنا بهذا من كان أطوع فينا منك فعصيناه، فوثب إلى سيفه فتناوله ليخرج فيقاتل فوثبوا إليه فقالوا: ننشدك الله أن تشأمنا، وانتزعوا سيفه من يده. وخرجوا إلى مصعب وأصحابه على حكمهم [١] ، فأمر بهم فكتّفوا وقدّموا إلى مصعب، فتقدم بجير [٢] بن عبد الله المسلي فتكلم فقال:
الحمد للَّه الّذي ابتلانا بالأسر [٣] ، وابتلاك ومن معك بأن تعفوا [٤] وتقسطوا [٥] ، وهما منزلتان: إحداها للَّه رضى، والأخرى له سخط، ومن عفا عفا الله عنه، ومن عاقب لم يأمن القصاص، يا ابن الزبير! نحن أهل قبلتكم وعلى ملّتكم [٦] ولسنا بالترك [٧] ولا بالديلم، لم نعد أن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا، فأمّا أن نكون [٨] أصبنا وأخطأوا، وإما أن يكونوا أصابوا وأخطأنا، فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام [٩] واختلفوا ثم اجتمعوا، وكما اقتتل أهل البصرة ثم اصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا،
стр. 176
وقدرتم فاعفوا، فما زال بهذا القول ونحوه حتى رق له الناس ورق له مصعب، فوثب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: قتل أبي وعمّي وخالي وأشراف أهل مصري ثم نخلي سبيلهم، اخترنا أو اخترهم [١] ، ووثب [٨٣ ب] عدة [٢] فتكلموا بمثل كلامه، فلمّا رأى ذلك مصعب بن الزبير أمر بقتلهم. ولمّا قدّم بجير بن عبد الله [٣] المسلي ليقتل قال: إنّ حاجتي إليك ألّا تقتلني مع هؤلاء، فقد كنت أمرتهم أن يخرجوا فيقاتلوا حتى يموتوا كراما، حتى قتلهم الله لئاما.
وذكروا أن عمرو بن حريث قال لمصعب: إنّ هذا كان يزعم أنّه يقتل فرعون هذه الأمّة، فقال بجير: ليس هكذا قلت، ولكن حديث ممّا سمعت. قال مصعب وما سمعت؟ قال بجير: مرّ عليّ رحمة الله عليه ورضي عنه، ومعه الأشتر، فخرج إليه غلام منا بقدح فيه لبن وبكوز فيه ماء، فقال: اختر يا أمير المؤمنين، فتناول القدح والكوز، ثم صبّ الماء على اللّبن حتى روي ثم قال، ونحن مجتمعون في نديّ لنا: من الحيّ؟
فقلنا: بنو مسلية. فقال: بخ بخ، بنو مسلية تركوا الناس على ألوية شأنهم في آخر الزمان، يقتل فرعون هذه الأمة على يدي رجل منهم، شعارهم يومئذ في عسكره أشدّ عليه من حريق النار.
وكان سلمة بن بجير من ثقات أبي [٤] هاشم، ورأس الشيعة معه، وكانوا
стр. 177
يسمونه ابن الشهيد، فلما شخص أبو هاشم، ومحمد بن علي، خلّف أبو هاشم سلمة بن بجير في حاجة له بدمشق، وقال له: اتبع أثرنا فإنّي آخذ على البلقاء مع ابن عمي محمد بن علي ولن أبرح منزله حتى تلحق، وأحسب القضاء سيحول دون [٨٤ أ] ذلك.
فأخبرنا الفضل بن سالم الأعجمي [١] عن سالم قال: أخبرني أبو رباح ميسرة النبّال، قال: لمّا خرج أبو هاشم من دمشق خرج معه ابن بجير مشيّعا له، فلما خرج من الغوطة وقف أبو هاشم فأوصى ابن بجير بما أوصاه به في حاجته، ثم ناجاه بشيء أخفاه لم نسمعه، ثم مضى ومضينا معه. وانصرف ابن بجير، وأبو هاشم يومئذ عليل، ولمّا تصرعه علّته، قال: وتزيّد مرضه، فلمّا أشرف على الشراة قال: ما أحسب منيّتي إلّا كائنة بهذا البلد، وما أمرضني إلّا ما دخلني من عتوّ الوليد، اللَّهمّ فأدل منه ومن بني أمية. ومرّضه محمد بن علي حتى توفّي ﵀، قال بعضهم، حيث أشرف على الشراة، وقال بعضهم، أقام في منزل محمد بن علي أيّاما مريضا، ثم هلك في منزله، ومعه عدّة من الشيعة، ورأسهم يومئذ سلمة بن بجير بن عبد الله لم يحضر وفاته لغيبته بدمشق في حاجته، وأبو رباح [٢] ميسرة النبّال مولى الأزد، وقال بعضهم مولى لبني أسد فأمّا داره فكانت في الأزد وصارت بعد لجبل بن يزيد الكاتب، وأبو عمرو البزّار، مولى بني مسلية، وكان يعتصر البزر، ومحمد بن خنيس [٣] ، مولى لهمدان، وأبو بسطام مصقلة الطحّان، مولى بني الحارث
стр. 178
ابن كعب، وحيّان [١] العطّار خال إبراهيم بن سلمة، وذكر بعض الكوفيين أنّ حيّان كان في أيامه مولى النخع وزعم أنّه مولى لإبراهيم بن [٨٤ ب] الأشتر، وإبراهيم بن سلمة وهو يومئذ غلام حين بدا وجهه.
خبر الصحيفة الصفراء
يونس بن ظبيان عمن حدثه عن أبي [٢] جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنّه سئل عن آل العباس: هل عندهم من علم بشيء [٣] ؟
قال: نعم، عندهم صحيفة صفراء كانت لعليّ بن أبي طالب، وظعن [٤] الحسن، وقدم على معاوية بالشام، فتصاحب [٥] الحسن والحسين ومحمد بنو علي بن أبي طالب، فانطلق محمد بن الحنفية فدخل إلى الحسن والحسين فقال لهما: إنّكما ورثتما أبي دوني، وإن لم يكن رسول الله ﷺ ولدني فقد ولدني أبوكما، ولكما لعمري عليّ الفضل ولا كذب، [أعطوني] [٦] بعض ما أتجمل به من أبي فقد عرفتما حبّه، كان، لي. فقال
стр. 179
الحسن للحسين: يا أخي، هو أخونا وابن أبينا فأعطه شيئا [١] من علم أبينا.
قال: فأعطاه الحسين صحيفة صفراء فيها علم رايات خراسان السود، متى [٢] تكون، وكيف تكون، ومتى تقوم، ومتى زمانها وعلامتها وآياتها، وأي أحياء العرب أنصارهم، وأسماء رجال يقومون بذلك، وكيف صفتهم، وصفة رجالهم وتبّاعهم [٣] . فكانت تلك الصحيفة عند محمد بن علي ابن الحنفية، حتى إذا حضره الموت دفعها إلى ابنه عبد الله بن محمد، [٨٥ أ] وهو الّذي يكنى أبا هاشم، فكانت عنده، حتى إذا حضره الموت، وذلك عند منصرفه، كان، من عند الوليد [٤] بن عبد الملك، ومات بالحميمة عند محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فدفع الصحيفة إليه، وأوصاه بما أحبّ، فكانت عند محمد بن علي، حتى إذا حضره الموت أوصى بها إلى إبراهيم بن محمد بن علي وكان رئيسهم وسيّدهم وكبيرهم. وأبو هاشم هو الّذي قال لمحمد بن علي، وإبراهيم ابنه، وهو ابن أربع سنين، يلعب عندهما، فقال محمد بن علي لأبي هاشم: يا ابن عم! هل لنا ولد العباس نصيب فيما يذكر من رايات بني هاشم؟ فقال له أبو هاشم [٥] : وهل هذا الأمر الّا لكم من أهل بيت نبيّكم. فقال له محمد بن علي: وكيف ذاك يا أخي؟ فقال له: هل ترى هذا الغلام، يعني إبراهيم! هو صاحب الأمر، حتى إذا يكاد يبلغ الأمر، ونازلة، نذر به القوم- يعني بني أمية- فيقتلونه، فيكون لك ابنان: عبد الله وعبيد الله، فيملكان ويتناسل الملك في أولادهما.
стр. 180
عهد أبي هاشم إلى محمد بن علي [١]
قال عبد الله بن عمير: سمعت سالما يحدّث قال: قال محمد بن علي، ودخلت عليه في بيت من بيوته، توفي أبو هاشم في هذا البيت، وقال لي وقد أدنف، ولم [٨٥ ب] أكن أفارقه في مرضه: فإنّما عند الله أحسبني لما بي، فأخرج عني من في البيت فإنّي أريد أن أعهد إليك. قال، ومعي داود وسليمان ابنا علي وعروة [٢] مولانا، فأمرتهم بالخروج، فلمّا خرجوا قال:
يا أخي! أوصيك بتقوى الله فإنّها خير ما تواصى به العباد، ومن بعد ذلك، فإن هذا الأمر الّذي نطلبه ونسعى [٣] فيه و [٤] طلبه آخرون [٤] وسعوا فيه، وفيك وفي ولدك. حدّثني أبي أنّ عليّا قال له: يا بني! لا تسفكوا دماءكم فيما لم يقدر لكم بعدي، فإن هذا الأمر كائن بعدكم [في] [٥] بني عمكم من ولد عبد الله بن عبّاس. وحدّثني أنّه سمع عليّا ﵇ يقول: دخل العبّاس على رسول الله ﷺ ذات يوم، وأنا