مناة، أبو جعفر لاهز بن قريظ التميمي [١] من بني امرئ القيس، أبو سهل [٢] ابن مجاشع من بني امرئ القيس جعل مكان بكير بن العبّاس [٣] حين عمي بكير. ثم اختاروا باقي السبعين: ثمانية وخمسين رجلا من أهل مرو وغيرهم [٤] من أهل خراسان، منهم من أهل مرو أربعون [٥] رجلا: النضر بن صبح [٦] التميمي ثم المزني، عيسى بن ماهان، بكير بن العبّاس، عبد الله بن البحتري [٧] التميمي ثم المرئي [٨] ، حيّان بن ربيعة، مصعب بن زريق، معبد بن الخليل المري، هارون بن الصعق الطّفاوي، حية بن عبد الله المرئي [٩] ، قريش بن شقيق السلمي، مزيد بن شقيق، الهيثم بن زياد الخزاعي، عيسى بن شبل [١٠] ،
стр. 212
واضح أبو الوضّاح مولى عطاء بن أبي السائب، خالد بن عثمان أبو إسحاق مولى خزاعة، حريث بن عطية، كامل بن مظفّر مولى همدان، محرز بن إبراهيم، حيوة بن المحل [١] الطّفاوي، مالك بن طوّاف التميمي، داود ابن كرّاز، عبد الحميد بن ربعي الطائي، زياد بن صالح مولى خزاعة، خالد بن كثير التميمي، مصعب بن قيس الحنفي، صبيح الأقطع أبو هاشم، موسى بن حسّان الأقطع، أبو حكيم بن بزيع، الوازع بن كثير، أبو عبدة محمد بن عبد الله الحنفي، شريك [١٠٣ ب] بن عصي التميمي، طرخون ابن الضائع، هاشم بن عقاب الخزاعي، مرّار بن أنس الضبّي، خلف بن البرد، عمر بن معبد الأعور أبو البحتري الخزاعي، الحجاج بن سليمان الأزدي ثم الجهضمي، عيسى بن رفقة الطّفاوي، الخليل بن كرشا التميمي، سارية بن نويب التميمي ومنهم من أهل نسا ستة رجال: أبو مالك أسيد بن عبد الله الخزاعي، الأحجم بن عبد الله الخزاعي، مقاتل بن حكيم [٢] العكي، الحريش بن سليمان، غيلان بن عبد الله أبو فضالة الخزاعي، محقن بن غزوان العبديّ ومنهم من أهل أبيورد [٣] سبعة رجال: عثمان بن نهيك العكّي، عيسى ابن نهيك العكّي، أبو العبّاس الفضل بن سليمان الطائي، عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، يزيد بن عبد الرحمن الأزدي، أبو الخطّاب الهيثم ابن معاوية العكّي، زهير بن محمد الأزدي ثم الغامدي [٤] ، ومنهم من أهل
стр. 213
بلخ [١] رجلان: أبو مرضيّة البلخي، الخليل بن سعيد السروي [٢] ، عمر بن عثمان. ومنهم من أهل مروالروذ [٣] رجل: الأخيم بن عبد العزيز. [١٠٤ أ] ومنهم من أهل خوارزم [٤] رجل: العلاء بن حريث بن قطبة الخزاعي. ومنهم من أهل آمل رجل: الحسن بن ماخنبذ [٥] .
وسمعنا ممن أدركنا من مشايخ الشيعة يذكرون أنّ الشيعة سمّت اثني عشر رجلا نظراء الاثني عشر النقباء، إذا مات من النقباء رجل صدّر مكانه رجل من النظراء.
تسمية نظراء النقباء
بعضهم من السبعين. خازم بن خزيمة، محمد بن الأشعث، محمد بن سليمان بن كثير، حميد بن قحطبة، الحسن بن قحطبة، أبو عون عبد [٦] الملك بن يزيد، أبو الجهم بن عطية، المسيّب بن زهير، الحسن بن حمدان،
стр. 214
أسيد بن عبد الله، في السبعين، عيسى بن ماهان، في السبعين، عثمان بن نهيك، في السبعين. فأمّا النقباء الاثنا [١] عشر فليس بين أحد من أهل العلم فيهم اختلاف. وقد ذكروا أنّ أبا المغيرة خالد بن كثير بن أبي العوراء التميمي كان فيمن سمّي للنقابة فصرفها عنه سليمان بن كثير إلى ختنه لاهز بن قريظ [٢] فاضطغن خالد ذلك على سليمان فشهد عند أبي مسلم بما شهد حتى قتله.
فأمّا نظراء النقباء والسبعون فقد اختلف فيهم، فذكر بعض أهل العلم أنّ نظراء النقباء عشرون رجلا، وأنّ السبعين سوى الاثني عشر النقباء.
وهذه تسمية العشرين وهم [٣] نظراء النقباء [١٠٤ ب] وقد روي أنهم أحد وعشرون:
أبو عون عبد الملك بن يزيد الأزدي، مقاتل بن حكيم العكّي، خازم ابن خزيمة التميمي، أبو مالك أسيد بن عبد الله الخزاعي، محمد بن الأشعث الخزاعي، أبو الجهم بن عطية، عمر بن نهيك، خالد بن برمك، المسيب ابن زهير الضبي، زياد بن صالح، محمد بن سليمان بن كثير، عيسى بن ماهان، قريش [٤] بن شقيق، مصعب بن زريق، مصعب بن قيس الحنفي، خالد بن كثير بن أبي العوراء التميمي، أمية بن أعين الخزاعي، النضر بن صبح [٥] التميمي، عمرو بن الأشعث البارقي [٦] ، الحسن بن حمدان، العلاء ابن حريث الخزاعي.
стр. 215
تسمية السبعين وهم الدعاة
حميد بن قحطبة، الحسن بن قحطبة، أبو إسحاق خالد بن عثمان بن مسعود مولى خزاعة، أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميري، غيلان بن عبد الله الخزاعي، أبو غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي، أبو العبّاس الفضل ابن سليمان الطوسي، أبو صالح كامل بن المظفّر، نصر بن عبد الحميد الخزاعي، عيسى بن نهيك العكّي، محمد بن صول، عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، أبو الخطاب الهيثم بن معاوية العكّي، معبد بن خليل التميمي، [١٠٥ أ] زهير بن محمد الأزدي، نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، الحجّاج بن سليمان الأزدي، عيينة بن موسى بن كعب، الأحجم بن عبد الله الخزاعي، الهيثم بن زياد الخزاعي، سلمة بن محمد الطائي، شعبة بن عثمان التميمي المروروذي، الأغلب بن سالم المروروذي، عبد الله بن البحتري التميمي، حيّة بن عبد الله التميمي، أبو عبدة محمد بن عبد الله الحنفي، عمر بن معبد الخزاعي، مزيد [١] بن شقيق السلمي، المرار بن أنس الضبّي، هاشم بن العقّاد الخزاعي، داود بن كرّاز الباهلي، عبد الرحمن بن سليمان أبو عاصم [٢] ، الأشعث بن يحيى الطائي، محقن بن غزوان العبديّ، الحريش ابن سليمان مولى خزاعة، الهيثم بن سليمان، موسى بن حسّان الأقطع، محمد ابن الحشرج، عيسى بن رؤبة الطفاوي، بهدل بن إياس الضّبي، مروان بن أعين الخزاعي، خلف بن البرد، صالح بن سليمان الضبّي، بريدة بن خصيب، المختار بن سويد، سارية بن نويب التميمي، كلثوم بن بكير،
стр. 216
جبّار بن النعمان، أبو سعيد الخليل بن سعيد السروي، الأخيم بن عبد العزيز المروروذي، الحسن بن ماخنبذ، زيادة بن مهران الطالقانيّ، أبو حرب ابن زياد، هارون بن الصعق الطفاوي، شريك بن عضي التميمي، حبيب ابن ضريس، عبد الرحمن بن المخل، أبو عاصم حيوة بن المحل الطفاوي، [١٠٥ ب] حرب بن مرثد، عيسى بن شبل [١] ، الوازع [٢] بن كثير، ثابت بن شدّاد، واضح [٣] أبو الوضّاح، عمرو بن حسّان، داعية بن نجاد.
تسمية دعاة الدعاة
نسعيد بن يحيى الطائي، أبو نعمان حبيب بن رستم، أبو خزيمة موسى ابن عطية أخو أبي الجهم، ناجية بن أثيلة الباهلي، عمران بن الحكم، أبو غانم النضر بن غانم الطائي، حمزة بن رتيم، مدرك بن كلثوم، أبو المهدي سيف بن نحا الطائي، بزيع مولى معاذ، عمرو بن نحي، زريق ابن شوذب الشيبانيّ، إبراهيم الجرشي، الحارث بن سيّار، أبو أيّوب عيسى بن صبيح، حاجب بن درهم، أبو زيد إبراهيم، الخليل بن كرشا التميمي، صبح بن الصباح، أبو عمرو الأعجمي، مسلم السجستاني، عبد الله الروندي [٤] ، أبو قرّة هلال بن عبد، أبو خالد المهاجر بن عثمان
стр. 217
الخزاعي، حزام بن عباد، عبد الله بن شعبة، أبو خالد عيسى بن سالم، الجهم ابن سنان، أبو حمزة الجربي، أبو عاصم الصغاني، يزيد بن مرثد، المسيّب ابن عثمان، عمير بن زرين أخو حميد بن زرين مولى خزاعة، عبد الأعلى ابن حكيم الأسدي، أبو تراب، أبو سيف، أبو جناح صبيح بن زريق.
رجع إلى خبر بكير والبيعة
[١٠٦ أ] وأخذ أبو هاشم بكير بن ماهان يومئذ البيعة على من حضره من الشيعة على مناصحة إمامهم في السرّ والعلانية، وألّا يطلعوا على أمرهم أحدا خافوا ناحيته ولم يثقوا به. ثم قال لهم: إنكم قد جدتم بأنفسكم في إقامة الحق، فجودوا لإمامكم بأموالكم وأعينوا بما قدرتم عليه من أموالكم، فقد ركبته مئونات في إحياء الحق وإماتة الباطل، لا يقوى عليها فيمن يوجّه إليكم أو يتوجّه إليه منكم إلّا بالمال. فجمعوا مالا كثيرا وأتوا به أبا هاشم، فشخص [١] ، وخلف سليمان بن كثير على الشيعة وأمرهم إذا حزبهم [٢] أمر أن يجتمعوا إلى سليمان فيناظروه فيه عنده. وأمرهم أن يأخذوا برأي أبي صالح كامل بن مظفّر فإنّه ثقة في رأيه وشفقته.
وسار معه من شيعة أهل مرو أبو حميد وأبو إسماعيل صبيح والأزهر بن شعيب، فأخذ على جرجان [٣] ، فلمّا قدمها أقام بها شهرا أو نحوه، وجمعت
стр. 218
شيعة أهل جرجان مالا وحليا، وإن كانت المرأة لتخرج من جميع حليها الّذي على جسدها فتبعث به.
أخبرنا أبو سعيد الجرجاني قال: كانت تحت عامر امرأة من الأزد يقال لها ماوية بنت عمرو بن سعيد وهي بنت خالة عامر، [١٠٦ ب] فتوجّه على الأزد خمسهم بجرجان [١] ، وقد قبلت الدعوة عن عامر، قال: فخلعت ما كان عليها من حلي فبعثت به، وكان سواري ذهب وطوق ذهب وخاتم ذهب وخلخال فضة، وبعثت أمّ الهيثم امرأة أبي [٢] عون بثلاثة أبرد [٣] وبر من غزل يدها وسواري فضّة. فتحمّل أبو هاشم فيمن قدم معه من مرو، وشخص معه من جرجان أبو عون، وصحبه حسن [٤] بن زرارة ابن عم عامر [٥] وهلك قبل ظهور الدعوة بقليل، وصحبه أبو نصير الجرجاني، وسار فيمن سمّينا من أصحابه حتى قدم الكوفة وأقام يسيرا، ثم توجّه إلى محمد بن علي، وصحبته أبو سلمة، فقدم على محمد بن علي فدفع إليه ما قدم به.
стр. 219
خبر أبي مسلم مع محمد بن علي
الحسن بن أبي سعيد قال: حدّثنا محمد بن الخطاب الأزدي قال: صار أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وأصله من أصبهان [١] من دهاقينها إلى [٢] محمد بن علي ففتشه فوجده يفهم ويعقل على حداثة سنّه، فوجّهه إلى النقباء مرات بالكتب والرسائل، وكانوا يعطونه أشياء من مال وآنية وربما كان الفرو. وكان طريق أبي مسلم على نسا وأبيورد [٣] ، فبينا هو جالس ذات يوم إذ جاءه راع فاستغاث به وهو لا يعرفه وأخبره بأنّ شابا من شبّانهم أخذ منه جملا فأتاه فسأله [١٠٧ أ] أن يرده فأبى عليه وجبهه، فقال أبو مسلم: من شيخ هؤلاء القوم؟ فدلّ عليه فكلمه وناشده في ردّ الجمل فأبى عليه وأغلظ له الشيخ الجواب، فلمّا ولي أبو مسلم قتلهم وقال: امتحنت شيخهم وشابّهم فوجدتهم فسّاقا. ويقال إنّه مرّ في بعض مسيره وهو على حمار فنزل في بعض سكك البريد فسألهم العلف فأبوا عليه ونالوا منه، فمرّ به معاذ بن مسلم وكان يلي السكك فأنكر ما كان من القوم وخلّصه منهم، فقال له أبو مسلم: قد أحسنت فأنا أحبّ أن أشكرك، فدعاه إلى دولة بني العبّاس فأجاب.
стр. 220
خبر صاحب الدين مع محمد
محمد بن يوسف بن يعقوب بن الهيثم الهاشمي قال: سمعت أبا خبزة قال:
أخبرني رجل سمّاه قال: كان لي على محمد بن علي مال فقال لي: قد أبطأ عليك مالك، وقد عزمت على أن أضمّنه بنيّ الثلاثة أثلاثا، فقلت: ذاك إليك، أصلحك الله. فقال: يا غلام! ادع إليّ إبراهيم، وكان في صدر مجلسه وكنت مقابله، فرأيته وقد شقّ بصره نحو المدخل عليه، فعلمت أنّه قد سها عني فقال: آه، آه، هذا المنغّص، فلم ألتفت، قال: وأين إبراهيم؟
فسلم فردّ السلام واحتفى به ثم قال:
يا بنيّ قد علمت ما لفلان قبلنا، وقد رأيت أن تضمن له الثلث من ذلك وأضمّن [١٠٧ ب] أخويك باقي ماله. فقال: يا أبه! أنا أضمن المال كلّه، فأبى عليه أبوه، فضمن لي، فقال له: قم فانصرف. ثم قال:
يا غلام! ادع لي أبا العبّاس. ثم رأيته قد شقّ بصره نحو المدخل كنحو ما فعل، ثم قال: آه، آه، شيء وليس بشيء، ثم جاء فسلم فردّ عليه كنحو ما ردّ على إبراهيم، ثم قال: يا بنيّ! قد رأيت أن تضمن لهذا الرجل ثلث ماله، قال: بل كلّه، فأبى عليه أبوه، فضمن الثلث وانصرف.
ثم قال: يا غلام! ادع لي أبا جعفر. ثم نظر إلى المدخل نحو ما نظر إلى الآخرين، ثم قال: لا حيّا الله ولا قرّب، ولكنك تطول مدّتك وتعظم بليّتك، ثم جاء حتى سلّم فلم يردّ عليه نحو ما ردّ على أخويه، ودعاه إلى الضمان فقال: يضمن هذا المال من أكله، قال: سبحان الله قد ضمن أخواك فاضمن له الثلث فضمنه بعد مرادّة، ثم قام فخرج. قال الرجل: فقضاني إبراهيم وأبو العبّاس وأمسكت عنه، فذهب المال واشتدّت الحال وكثر
стр. 221
العيال، فحملت نفسي على إتيانه وأنا مخاطر، كأنّ من قال: معي نصيحة أدخل عليه، فأتيت الحاجب فقلت: أدخلني على أمير المؤمنين، قال:
ومن أنت؟ قلت: رجل أتيته بنصيحة، قال: وما هي؟ قلت: لا أخبرك، ولكنّني أمضي، فإن بلغه خبري أخبرته أنّي قد لقيتك، قال: مكانك، ودخل، فما لبث أن خرج فقال: ادخل. فلما [١٠٨ أ] دخلت وبصر بي نحّى من كان عنده من خدمه وقال: ادن منّي، فدنوت منه فقال: لا حيّا الله ولا قرّب، ما جاء بك؟ قلت: اشتدّت الحال، وكثر العيال، ولم آتك حتى لم أجد حيلة. قال: أخبرني عنك يوم ضمنت لك هذا المال ما سمعت من محمد يقول في ولده؟ فدفعت ذلك، فقال هو نفيّ من محمد، لئن لم تصدقني لأضربنّ عنقك. فقلت: أنا آمن؟ قال: نعم أنت آمن.
فأخبرته بما قال لأخويه وما قالا له، ووقفت عنده، فقال: تكلم إنّما أردت منك ما سمعت فأخبرته، فقال: صدقت. ثم دعا بأربعة آلاف درهم فوضعت بين يدي ونحّى الخادم ثم قال: خذها لا بارك الله لك فيها، وإنّي أعطي الله عهدا لئن سمع هذا الحديث لأضربنّ عنقك، فقلت: نعم إن سمعت به فاضرب عنقي.
стр. 222
خبر أم الحكم بنت عبد الله بن الحارث مع محمد بن علي [١]
علي بن محمد بن سليمان، قال: حدّثني أبي قال: كان لعبد الله بن الحارث عشر بنات فكانت العاشرة منهنّ أصغرهن، فسمّاها أمّ أبيها، وأحبّها حبّا شديدا، فزوّج تسعا وتركها من بينهن لا يزوّجها لصبابته بها ورقّته عليها. وكان الرجل من أهل بيته يقدم عليه من الحجاز فيخطب إليه ويسمّيها [١٠٨ ب] فلا يردّه ويزوّجه ويحتمل صداقه بأحسن جهاز ويدفعها إليه. فخطب إليه محمد بن علي إحداهن وهي أمّ الحكم، فقال بعضهم:
اجتمعوا في الحج بمكّة فخطبها إليه فزوّجه، وقال بعضهم: بل كتب إليه من الشام يخطبها فجمع إليه أهله ومواليه ثم وجهها إليه في جهاز حسن ومعها مائة ألف درهم صلة له، ومعها عشرة أعبد، قد رووا الحديث، لها هبات مع ثقة من مواليه.
وحدّث علي بن محمد بن سليمان عن أبيه قال: كان قمامة بن أبي زيد كاتب عبد الملك بن صالح وقهرمانه على أمره كله، وأبو زيد أحد العشرة الذين كان عبد الله بن الحارث وهبهم لابنته أم الحكم حين زوّجها محمد بن علي، فكانوا قد كتبوا وحسبوا وعلموا، وجههم معها، فلما حضرتها الوفاة أعتقتهم جميعا منهم أبو زيد ومنهم سليمان بن مجالد، فلما جاهد السلطان انتموا إلى محمد بن علي لأنّه كان زوجها ولدت منه يحيى بن محمد وكان يفخر بها على إخوته.
стр. 223
ملتقطات أخبار محمد بن علي
أحمد بن يحيى قال: حدّثني أبو مسعود عن شبيب بن حميد بن قحطبة قال: قال محمد بن علي: كفاك من حظ البلاغة أن تقول فتفهم وتصف فتوجز [١] .
[١٠٩ أ] أحمد بن يحيى قال: حدّثني أبو مسعود بن القتّات [٢] قال: قال محمد بن علي: ثلاث لا تدرك: الشباب بالخضاب، والغنى بالمنى، والعلم بالادّعاء.
عبد الله بن مروان بن معاوية الفزاري قال: سمعت خالد بن عبد الرحمن السلمي يقول: قال محمد بن علي بن عبد الله: أحب المجالس إليّ مجلس تحضر فيه يدي ويسافر فيه بصري.
محمد بن إبراهيم التغلبي قال: حدّثني حمزة بن عبد الله الهلالي قال:
حدّثني يعقوب الحضرميّ قال: حدّثنا مسلمة بن جعفر قال: سمعت محمد ابن علي يقول: أول من دمّل الأرض داود، يعني أوّل من سمّد.
مسعود الربعي قال: حدّثني عبد الملك [٣] بن عبيد الله بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن العباس بن محمد قال: اشترى لي أبي محمد بن علي ثوبا من السوق بستة دراهم يقطعه لي قميصا، وإنّ عنده لستة آلاف أو سبعة آلاف جراب من متاع خراسان كره أن يقطعه فيظهر الناس على أمره، فلمّا توفّي أظهر إبراهيم الشارة والبزّة فظهر علينا فأخذ.
стр. 224
عمر بن شبّة قال: حدّثني علي بن محمد بن جويرية بن أسماء عن قريظة ابن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: دخلت على هشام، وعنده محمد بن عليّ ابن عبد الله فقلت: أنا قريظة بن عبد الله بن عامر وشهد جدي بدرا، قال:
تقرّبت بما لا يقرّبك منّا، فخرجت فلحقني محمد بن علي فقال: قد سمعت [١٠٩ ب] ما قال لك هذا، لكنّه يقرّبك منّي. قال: فلمّا كان أبو العبّاس دخلت عليه وعنده سليمان بن هشام فكرهت أن أذكر هشاما فلا أسبّه، وكرهت أن أسبّه لمكان سليمان، ثم عزمت على سبّه فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّي دخلت على الفاسق هشام فقلت: أنا قريظة بن عبد الله بن عامر بن ربيعة شهد جدي بدرا فقال: تقرّبت بما لا يقرّبك منّا، فقال أبو العبّاس: لكن يقرّبك منّا، فأمر لي باثني عشر ألفا.
وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، وذكر رجلا من أهله: إنّي لأكره أن يكون للسانه فضل على عمله كما أكره أن يكون لعمله فضل على عقله.
خبر زيد بن علي
قال: سمعت أبا هاشم يقول: قال لي محمد بن علي: قد أظلكم خروج رجل من أهل بيتي بالكوفة، يغرّ في خروجه كما غرّ غيره فيقتل ضيعة ويصلب، فحذر الشيعة قبلكم أمره.
وقال عبد الله بن عمير: قدم علينا أبو هاشم منصرفه من الشراة في أول سنة اثنتين وعشرين ومائة، فأتيناه وسلّمنا عليه، وقد تحرّك زيد بن علي وتحدّث بخروجه، فقال لي: يا أبا عمير: ما تحدّثتم به؟ فقلت تحدّثنا
стр. 225
بأن زيد بن علي خارج من أيامنا هذه، [١١٠ أ] وقد أطبق أهل الكوفة على الخروج معه، وقد شمّر في أمره جارك أبو كدام، وكان أبو كدام رجلا [١] من همدان جارا لبني مسلية. فقال: بؤسا لأبي كدام كأنّي [٢] به قتيلا أو طريدا، وكأنّي بزيد [٣] مصلوبا بالكناسة. قال: فغاظني قوله لرأيي في زيد وآل زيد فقلت: ما تزال تأتينا بترّهات تغمّنا بها، والله إني لأرجو أن يزيل الله أمر بني أمية بزيد، ولا تكون لك معه سابقة، فقال بكير: إنّي أعلم ما لا تعلمون، الزموا بيوتكم، وتجنبوا أصحاب زيد ومخالطتهم، فو الله ليقتلنّ وليصلبنّ بمجمع أصحابكم، وأمّا ما ذكرت من زوال أمر بني أميّة فما أوشكه [٤] . قال: ثم بعث إلى إخوانه من الشيعة فجمعهم إليه فحذرهم أمر زيد وأخبرهم بقول إمامهم فيه وأمرهم أن يلبدوا في بيوتهم إلى أوان وقتهم الّذي ترفع فيه رايتهم.
قال يقطين بن موسى: وأنا يومئذ منقطع إلى أبي سلمة، فإنّا لعند أبي هاشم إذ أتاه آت فقال له: قد خرج زيد وأمر الناس بحضور المسجد، قال:
فقال: تنحوا بنا عن هؤلاء وعن شرورهم، فخرج وخرجنا معه أنا وأبو مسرور عيسى بن حمزة فأتينا الحيرة فأقمنا بها حتى قتل زيد وصلب، ثم انصرفنا إلى الكوفة وقد هدأ الناس.
قال عبد الله بن عمير: فلقيت أبا هاشم فقلت له: تاللَّه ما [١١٠ ب] رأيت شيئا أعجب من حديثك، والله لكأنّك تنظر إلى أمر زيد وما حدث به، هو والله الآن مصلوب بالكناسة.
стр. 226
وكان من حديث زيد أنّه كان اتّهم هو ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وداود بن علي بن عبد الله بن عبّاس في عدّة من قريش أنّ يزيد بن خالد كان استودعهم مالا، وكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام، فبعث إلى يوسف بن عمر بهم، فجمع بينهم وبين يزيد بن خالد، فقال: ما لي قبلهم مال، ولا استودعتهم شيئا قط، فبسط عليه يوسف فعذّبه يومئذ عذابا أراد به قتله. ثم كتب إلى هشام فكتب إليه هشام يأمره أن يحلّفهم بعد صلاة العصر في المسجد الجامع أنّه لم يستودعهم مالا، فإن حلفوا خلّ سبيلهم.
وغشيت الشيعة زيدا، فلم يزالوا به يزيّنون له الخروج حتى خرج، وقد أحصي من بايعه فبلغوا بالكوفة وحدها، سوى من بالسواد وواسط، خمسة.
عشر ألف رجل، ولم يوافه عند خروجه إلّا نحو من مائتي رجل، يزيدون قليلا. فأصيب زيد وأصحابه، وصلب بالكناسة ووضع عليه حرس يحرسونه لئلا يسرق جسده، ومضى يحيى ابنه هاربا إلى خراسان فأتى سرخس [١] ونزل بيزيد بن عمر، أخي تميم بن عمر، فأقام عنده نحوا من ستة أشهر ثم شخص [١١١ أ] إلى بلخ فنزل بالحريش بن أبي الحريش البكري فكان عنده.
ومضى أبو هاشم إلى خراسان فبدأ بجرجان فأقام بها نحوا من شهر [٢] ثم شخص إلى مرو، فلمّا قدمها نزل بكامل بن المظفّر، واختلفت الشيعة إليه وأطافت به وانتشر بعض حديثه، فأتى آت نصر بن سيّار [٣] .
стр. 227
حديث بكير مع نصر بن سيار
قال: فلمّا أعلم نصر بن سيّار بمكان بكير، كان الّذي أعلمه رجل من بني تميم يقال له أبو الحجاج، وكان لابس الشيعة ولم يعرف كنه أخبارهم، أتى نصرا فرفع إليه أنّ داعية بمرو، وقد كثر تبعه، يدعو إلى يحيى بن زيد، ينزل في موضع كذا، ووصف له موضع بكير. فقال نصر لمن حضره من ثقاته: أيّكم يأتيني بخبر الرجل؟ فزعموا أنّ عبيد الله بن بسّام، وكان أجاب الدعوة، وله منزلة من نصر، قال: أنا آتيك بصحّة خبره، وخاف إن بعث غيره أن يصحّ [١] طلب بكير. فقال له نصر: فشأنك انطلق حتى تأتيني بجليّ الخبر، وتبحث وتفتّش. فخرج عبيد الله بن بسّام وقدّم بين يديه رجلا إلى بكير يأمره بالتنحي عن الموضع فقد وجّه في طلبه [٢] .
ثم إنّ نصرا بعث رجلا من أصحابه أمينا [٣] عليه فلحقه، فمضينا حتى انتهينا إلى منزل [١١١ ب] كامل بن مظفر، وقد تنحّى بكير، فقال بعضهم تنحّى إلى منزل خالد بن عثمان، وقال آخرون تنحّى إلى منزل أبي الحكم عيسى ابن أعين، ودخل عبيد الله وأمين نصر منزل كامل ففتشاه فلم يجدا فيه أحدا.
ومضى عبيد الله إلى الصيد، وانصرف أمين نصر إليه وأخبره أنّ [٤] ما أنهي إليه من أمر بكير باطل [٥] . وأقام بكير شهرا وقد وجّه دعاته إلى الكور، ثم إنّه انصرف إلى العراق فلم يلبث إلّا يسيرا، وسار إلى محمد بن علي.
стр. 228
ولد محمد بن علي بن عبد الله
فولد أبا جعفر المنصور لأم ولد، وعبد الله أبا العبّاس السفّاح، وأمّه ريطة بنت عبيد [١] الله بن عبد الله- كان يقال له عبد الحجر- بن عبد المدان ابن الديّان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث ابن كعب بن عمرو بن علة بن جلد [٢] ، كانت قبل أن يتزوّجها محمد عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان، والإمام إبراهيم بن محمد، وموسى بن محمد، مات في حياته [٣] ، وهما لأم ولد، ويحيى بن محمد صاحب الموصل، والعالية، أمّهما أم الحكم بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب [٤] ، والعبّاس بن محمد لأم ولد، وله يقول سعيد بن سليمان المساحقي [١١٢ أ] :
ألا قل لعبّاس على نأي داره ... عليك السلام من أخ لك حامد
أتاني أن لم تنس ما كان بيننا ... على النأي في صرف الهوى المتباعد
هنيئا مريئا أن قدحك فائز ... إذا حرّكت يوما قداح المشاهد
رأيتك تجزي بالمودة أهلها ... وتمنح صفحا مستقيل الأباعد
قطعت من الباغين سعيك وادعا ... إذا اجتهدوا يوما مناط القلائد
стр. 229
وإني لم أعلم من الناس واحدا ... على غائب منهم- حلفت [١]- وشاهد
أقلّ بفضل العزّ منك تطوّلا ... وأرغب في مستودعات المحامد
وأرضى بثوب القصد في كلّ موطن ... إذا طمحت نفس اللجوج المعاند
وأوزع للنفس اللجوج عن الهوى ... إذا وردت يوما حرون الموارد
وإسماعيل بن محمد لأم ولد، ولبابة [٢] بنت محمد، لأم ولد، كانت عند جعفر بن سليمان وهلكت عنده ولم تلد له.
وقال سعيد بن سليمان المساحقي للعبّاس بن محمد حين غضب عليه:
أبلغ أبا [٣] الفضل يوما إن عرضت به ... من دائم العهد لم يخش الّذي صنعا
ما بال ذي حرمة صافي الإخاء لكم ... أمسى بحوزته من ودّكم فجعا
من غير ما ترة إلّا الوفاء لكم ... ما مثل حبلك من ذي حرمة قطعا
[١١٢ ب] ما تمّ ما كنت فيه من مودتكم ... حتى تباين شعب الودّ فانصدعا
أما وربّ منى والعامدات له ... والدافعين بجمع يوضعون معا
لو كان غيرك يطوي حبل خلّته ... دوني ويلبس ثوب الهجر ما اتّبعا
فارع الذّمام ولا تقطع وسائله ... وارجع فإنّ أخا الإحسان من رجعا
أشبه أخاك وأحلافا يسير بها ... في المحمدين له لم يجزه الطبعا [٤] :
حفظ الذمام، وإيثار الصديق إذا ... ضاع الإخاء، وتفريق الّذي جمعا
قال مصعب: أخبرني أبي قال: كان سعيد بن سليمان بن مساحق عند العبّاس بن محمد ببغداد، وكان سعيد يستأذن العبّاس في الانصراف إلى المدينة
стр. 230
فيأبي أن يأذن له ويقول له: أقم حولا، فكان سعيد يتطرب إلى المدينة وإلى ماله بالحفر [١] ، فقال له العبّاس:
أليس [٢] إلى نجد وبرد ترابه ... إلى الحول إن حمّ الإياب سبيل
قال مصعب بن عبد الله: وبعث العباس بن محمد إلى أبي بهذا البيت وقال اشفعه ببيت آخر، فقال أبي:
وإنّ مقام الحول في طلب الغنى ... بباب أمير المؤمنين قليل
وبعث بالبيت إليه.
وقال عبد الله بن سالم الخياط يمدح العبّاس بن محمد:
[١١٣ أ] عبّاس أشكو الفلسا [٣] ... وذا الزمان الشكسا
لان لنا إذ جئتنا ... وغبت عنّا فقسا [٤]
وأضجما: سيّان إحسان ... إليه وإسا [٥]
إن قلت خيرا ارتجي ... منه لبانا عبسا
أو عند بابي [٦] حوله ... ثوى به [٧] ما نعسا
أبيت ليلي جالسا ... مولّها ما جلسا
قلت له: العبّاس أعطانا ... وأغنى وكسا
стр. 231
وقال لي: عسى ومنه ... نعم مثل عسى
وقال عبد الله بن سالم [١] الخيّاط للعبّاس أيضا:
إلى الأمير أشتكي ... ما حلّ بي من فلسي
والعسر والضعف عن ... الحيلة في ملتمسي
وأعبدا، يلزمني ... هذا وذا مفترسي
وأضجما، مختلف الخلق ... كثير الطّفس
إن لم يواف أصلا ... باكرني في الغلس
يورثني وعيده ... تقطّعا في نفسي
ينحلني الذنب مسيئا ... كنت أو غير مسي
إلى ابن عمّ المصطفى ... لجأت من دهر عسي [٢]
وصية محمد بن علي
قال: قدم أبو هاشم بكير بن ماهان على أبي عبد الله محمد بن علي من خراسان بأموال [١١٣ ب] كثيرة وحلي وثياب فدفعها [٣] إليه، فقال له:
استكثر منّي يا أبا هاشم! فما أوشك فراقي إيّاكم، وسيأتي عليّ ما أتى على من كان قبلي من البشر، وهذا إبراهيم [٤] فلكم فيه خلف صدق مني [٥] .
стр. 232
ودعا إبراهيم فقال له:
يا بنيّ! اتّق الله فيما قلّدتك من هذا الأمر، ولا تؤثر على طاعته والعمل في إحياء الحقّ شيئا من عرض الدنيا، واعمل لنفسك عمل ظاعن عن رحله لا عمل مقيم في أهله، وعليك بهذا الرجل- يعني بكيرا- فإنّه ثقة في المشهد والمغيب، وهذا من بعده- يعني أبا سلمة. إنّ هذا الحيّ من بني مسلية خاصّتي وعيبتي ومستراحي وموضع سرّي، وهم منّي بمنزلة لحمتي، منهم القائم بأمرنا، ومنهم قاتل اللعين بن اللعين بأكناف مصر.
ثم انصرف بكير إلى العراق فيمن كان معه من أصحابه، فقدم الكوفة.
فذكر أسيد بن دغيم [١] المسلي قال: سمعت بكيرا يقول: إنّي لجالس عند محمد بن علي حين [٢] أقبل أبو العبّاس ابنه فدفع إليه كتابا فقرأه فقال [٣] :
أتدري ممن هذا الكتاب؟ فقلت: لا. قال: من خال هذا، زياد بن عبيد الله الحارثي، سيّد قومه، يا أبا هاشم- وأشار إلى أبي العباس- هذا المجلي عن بني هاشم القائم المهدي، لا ما يقول عبد الله بن الحسن في ابنه. قال:
ولمّا قدم أبو هاشم على محمد بن علي من خراسان قال له: يا أبا هاشم! أحسب ثوائي فيكم قليلا وأحسب [١١٤ أ] الّذي بيني وبينك أيضا قليلا، وهذا إبراهيم صاحبكم بعدي وقد عهدت إليه ألّا يعدو رأيك. ثم دعا إبراهيم فقال له: يا بنيّ! قد كنت تقدمت إليك في طاعة هذا الرجل بما [٤] قد علمت،
стр. 233
فانته إلى ذلك ولا تخالفنّ أمره ولا تجاهدنّ بنفسك، وقد تتابعت علامات ظهور دعوة آل محمد: مضى منها فتقا المشرق والمغرب وستنبع [١] عصبيّة تقع بخراسان، بها يعزّ الله دعوتكم، ثم تختلف الناس على بني أميّة، ثم يقع بأسهم بينهم، ثم يرميهم الله بالطواعين والزلازل، وكأن قد رأيتم.
وبلغنا أنّ أبا العبّاس مرّ به يومئذ وهو في حديثه مع إبراهيم وأبي هاشم، فلمّا أتاه قال لهما: قد خبّرتك يا أبا هاشم بأمر هذا فصونوه لأعظم أيّامكم ومن ولي شيئا من أمر الأمّة فليتّق الله ربّه ويعدّ لما هو موقوف عليه ومسئول عنه. وأقام عنده نحوا من عشرين ليلة، ومرض محمد بن علي فأقام ينتظر ما يكون من أمره حتى هلك [٢] .
موت محمد بن علي
قالوا: توفّي سنة أربع وعشرين ومائة.
محمد بن عبد الله الجرجاني الورّاق قال: سمعت أبا نعيم يقول: مات محمد بن علي في إمرة هشام في سنة أربع وعشرين ومائة [٣] . ويقال: إنّه مات سنة اثنتين وعشرين ومائة [١١٤ ب] وفيها ولد المهدي، ويقال: إنّه مات سنة خمس وعشرين ومائة [٤] بالشراة من أرض الشام وهو ابن ستين سنة.
стр. 234
أخبار إبراهيم بن محمد بن علي الإمام
ولما مات محمد بن علي أقام أبو هاشم مع إبراهيم أيّاما، ثم شخص إلى خراسان، وقدم الكوفة، فقال عمرو بن شبيب: فقدم علينا وأقام أياما وكأنّه على الرّضف، ثم شخص إلى خراسان وقد كتب معه إبراهيم كتابا إلى الشيعة نعى إليهم فيه أباه، ووعظهم وأمرهم ونهاهم، وقرّب لهم أمرهم، وأمرهم بطاعة أبي هاشم والقبول عنه [١] . فبدأ بجرجان فلقيه الشيعة: أبو عون وعامر بن إسماعيل وأبو إسماعيل وخالد بن برمك، فنعى إليهم محمد ابن علي وأخبرهم أن الإمام بعده إبراهيم وأنّه جعل وصيّته إليه فقرأ عليهم كتاب إبراهيم بالأمر بعده، فسلّموا لأمره [٢] ورضوا به، ودفع إليهم كتاب إبراهيم فأعظموه وازدادوا لأبي هاشم تعظيما، وأقام بين أظهرهم نحوا من شهرين، ثم عزم على الانصراف وقال للشيعة: ليتوجّه عدّة [٣] منكم إلى إبراهيم ليلقوه، وتعرّفوه أنفسكم وتخبروه بطاعتكم. فشخص معه في تلك الدفعة قحطبة بن شبيب ومالك بن الهيثم وأبو سيف وأبو حميد والأزهر بن شعيب، فأقبل بهم حتى قدم جرجان فشخص معه [٤] [١١٥ أ] شيعة أهل جرجان:
أبو عون وأبو بصير، فأقبلوا حتى قدموا الكوفة، فبلغهم بها موت هشام ابن عبد الملك واستخلاف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك في سنة خمس
стр. 235
وعشرين ومائة، فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى مضوا إلى مكّة، وشخص معهم [١] أبو سلمة فلقوا إبراهيم ودفعوا إليه مالا كثيرا كانوا قدموا به. فبلغنا أنّ يحيى بن محمد وهو معه يومئذ فإن لإبراهيم فقال لإبراهيم: والله لئن لم تعنّي على مئونتي وتقضي ديني لأرفعنّ عليك، فقيل: إنّه أمر له بخمسة آلاف درهم، وقال للشيعة: احذروه فإنّ فيه ضعفا شديدا.
وقال بعض من قدم مع بكير في تلك الدفعة لإبراهيم: حتى متى تأكل الطير لحوم أهل بيتك وتسفك دماؤهم! تركنا زيدا مصلوبا بالكناسة وابنه مطرّدا [٢] في البلاد، وقد شملكم الخوف وطالت عليكم مدة أهل بيت السوء.
فقال لهم: لسنا نعدو ما جرى به القضاء علينا في الذكر الحكيم وقد أظلتكم رحمة الله فابشروا بنصره [٣] ، فأمّا ما سامتنا به بنو أميّة وركبونا فسيدال عليهم مثلا بمثل، والله لتقتلن بنو أميّة قتلا ذريعا، وليصلبنّ صلبا فظيعا وليسلبنّهم الله ملكهم سلبا وحيّا [٤] ، إنّما بقيت من مدتهم سنيّات كنوم الحاكم، يقتل فاسقهم هذا، ولا يمتّع قاتله بالأمر بعده إلّا يسيرا حتى [١١٥ ب] يموت، ثم يثب على أمرهم الفظّ منهم فيبتزّهم أمرهم فعند ذلك يقع الاختلاف بينهم وتنتقض البلاد عليهم. فقال له أبو هاشم: كنّا نقول:
إنّ وقت ظهور الدعوة في سنة ثلاثين ومائة. قال إبراهيم: هو ذاك، ولن تتركوا [٥] حتى تخرجوا قبلها، وكل ما هو آت قريب، وأمر [٦] القوم بالانصراف فانصرفوا، وصدر معهم بأبي هاشم بكير بن ماهان وبأبي سلمة إلى منزله من الشراة، ومضى أهل خراسان، فلمّا قدموها لقوا إخوانهم فخبّروهم
стр. 236
عن إبراهيم وفضله وفقهه فسرّوا بذلك ودعوا له.
قال أبو سلمة: انصرفنا مع إبراهيم من مكة، فلما صار إلى منزله بالشراة أتاه مقتل يحيى وما صنع بزيد حيث أحرق، فأكبر ذلك وقال: بؤسا لبني أميّة، كأني انظر إلى مصارعهم. فقال له أبو هاشم: حفظك الله أليس الوليد سطيح بني أمية؟ قال: بلى ومن بعده سطيحهم اللعين الّذي لا بقيّة لهم بعده.
خبر يحيى بن زيد
لما رجع بكير إلى خراسان قال لهم: إنّ يحيى بن زيد كامن بين أظهركم وكأنّكم به قد خرج على هؤلاء القوم فلا يخرجنّ معه أحد منكم، ولا يسعى في شيء من أمره فإنّه مقتول، وقد نعاه الإمام إلى أهل بيته. وكان [١١٦ أ] يحيى مختفيا عند الحريش [١] ببلخ، إذ ورد على نصر بن سيّار كتاب من يوسف بن عمر يخبره فيه بمسير يحيى بن زيد إلى خراسان ويصف له منازله التي نزلها حين [٢] نزل ببلخ عند الحريش ويأمره في كتابه أن يبعث إليه فيأخذه به أشدّ الأخذ. فكتب نصر بن سيّار إلى عقيل بن معقل الليثي، وهو عامله على بلخ يأمره أن يأخذ الحريش بيحيى بن زيد، وإن لم يدفعه إليه بسط عليه العذاب حتى يقتله، فلمّا أتى عقيل بن معقل كتاب نصر بذلك بعث إلى الحريش فسأله عن يحيى بن زيد قال: لا علم لي به، فضربه خمسمائة سوط.
стр. 237
فبلغنا أنّ الحريش قال له: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه، فلما رأى ذلك فريس بن الحريش قال: لا تقتل أبي وأنا أدلّك على يحيى، فأرسل معه من دلّه عليه، فاستخرج من بيت في جوف بيت ومعه يزيد بن عمر ومولى يزيد بن عمر ومولى لعبد القيس ورجلان آخران، فأخذهم وبعث بهم إلى نصر فحبسهم نصر قبله وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك.
وكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إلى نصر بأن يؤمّنه ويخلي سبيله وسبيل من كان معه، فكتب يوسف إلى نصر بذلك، وكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إلى نصر بأن يؤمّنه ويخلي سبيله وسبيل من كان معه، فكتب يوسف إلى نصر بذلك، فدعا [١] نصر يحيى فوعظه وحذره الفتنة وأمر له بألفي درهم وبغلين وأشخصه [١١٦ ب] فخرج حتى أتى سرخس فأقام بها. وبلغ ذلك نصرا فكتب في إشخاصه عنها إلى طوس، وكتب إلى صاحب طوس يأمره بإشخاصه عنها إلى نيسابور، وكتب إلى عامل نيسابور يأمره بمثل ذلك، فأشخصوه تسير به المسالح، حتى ورد نيسابور [٢] وعليها عمرو بن زرارة القشيري، فلمّا قدمها أمر له عمرو بألف درهم وأشخصه إلى قومس، فلمّا انتهى إلى بيهق [٣] ومعه عدة من أصحابه خاف اغتيال يوسف بن عمر إيّاه فانصرف من بيهق في سبعين رجلا من أصحابه، فمرّ بهم تجار معهم دوابّ لهم فأخذها منهم وقال لهم: علينا أثمانها، وبلغ ذلك عمرو بن زرارة فكتب إلى نصر بن سيّار يخبره خبره، فكتب إلى الحسن بن يزيد التميمي وإلى عبد الله بن قيس البكري وهما يليان مسالح ما بين طوس [٤] ونيسابور وسرخس أن يمضيا فيمن معهما
стр. 238
حتى يلحقا بعمرو بن زرارة ويسمعا له ويطيعا، وأمر بمحاربة يحيى بن زيد. فخرج عمرو ولحقه الحسن بن يزيد وعبد الله بن قيس في أصحابهما، فبلغنا أنّه كان في نحو من عشرة آلاف رجل فلحقوا يحيى بن زيد وهو في سبعين رجلا فقاتلوه، وقد نصب لهم عمرو بن زرارة راية أمان صفراء [١] ونادى: من أتى هذه الراية فهو آمن. فخبّرنا من حضر ذلك قال: فشدّ عليهم يحيى فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة واحتوى على عسكره [١١٧ أ] ومضى نحو هراة [٢] وعليها يومئذ مغلّس بن زياد فلم يعرض له، وبلغ خبره نصرا فوجّه سلم بن أحوز المازني وهو يومئذ على شرطه [٣] في جماعة، فخرج سلم في طلب يحيى فانتهى إلى هراة حين فصل منها فاتبعه فلحقه بالجوزجان في قرية يقال لها رعوى [٤] وعلى الجوزجان يومئذ حمّاد بن عمرو السعدي، فبعث سلم على ميمنته سوادة بن محمد بن عزيز الهندي وعلى ميسرته حمّاد بن عمرو السعدي، وقد شهده محمد بن المثنى فأمره سلم بأن يعبّئ الناس، فتمارض ولم يشهد القتال واقتتلوا قتالا شديدا.
стр. 239
ذكر السواد
قال: ثم قال أبو هاشم: إنّ أبا عبد الله كان يقول في وقتكم في ظهور راياتكم السود قولا قد اقترب. قال: فقال إبراهيم: إذا شارفتم الثلاثين والمائة نجم حقّكم ثم لا يزال في نماء، وظهور دعوتكم في البلاد كلّها، والسواد يا أبا هاشم لباسنا ولباس أنصارنا وفيه عزّنا، وهو جند أيّدنا الله به، وسأخبرك عن ذلك. كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، وكانت راية علي بن أبي طالب سوداء، فعليكم بالسواد فليكن لباسكم، وليكن شعاركم: يا محمد يا منصور. قال: وأمر أبا هاشم بالانصراف [١١٧ ب] والمضيّ إلى خراسان وأمره أن يأمر الشيعة بتسويد الثياب والرايات السود، ويعدّوها إلى وقت خروجهم. فانصرف أبو هاشم ومعه أبو سلمة إلى الكوفة، فلما قدمها تعلّق به [١] غرماء له [٢] فحبسوه في دين كان لهم عليه، وبعث أبا سلمة إلى خراسان، ودفع له ثلاث رايات سود، وأمره أن يدفع واحدة إلى من بمرو من الشيعة، ويدفع واحدة إلى من بجرجان من الشيعة، ويبعث بواحدة إلى ما وراء النهر. فشخص أبو سلمة إلى خراسان فكان أوّل من قدمها بالرايات السود. وكان ممّا قوّى راية الأئمة في السواد أمور منها: ما جاء فيه من ظهور الرايات السود، ومنها أنّ راية النبيّ ﷺ كانت سوداء، ومنها أنّ راية علي بن أبي طالب ﵁ كانت سوداء وفيها يقول القائل يوم صفّين:
стр. 240
لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها يزيد [١] تقدّما
ومنها أنّه كان لباس داود- حيث لقي جالوت فظفر به- السواد.
حكى من نظر في صور الأمم الخالية أنّه رأى صورة أصحاب داود ﵇، عليهم السواد، قلانسهم شاشية، قد علّقوا سيوفهم من مناطقهم، والخناجر في أوساطهم. ومنها أنّ بني عبد المطلب لم يزالوا يتيمّنون [٢] بالسواد، وذلك أنّ عبد المطّلب [١١٨ أ] لما عالج بئر زمزم استخرج منها غزالين مصنوعين من ذهب مكللين بالجوهر [٣] ، فاجتمعت لذلك قريش وناقشته فيهما، ولم يكن له يومئذ ولد مدرك غير الحارث، فقالت قريش:
الغزالان بيننا، وإنّما استخرجتهما من بئرنا، فقال عبد المطلب: أنا غنمتهما وبعملي استخرجتهما. فترامى الأمر بينهم إلى أن حكّموا بينهم عزّى سلمة، وكانت كاهنة تتقاضى العرب إليها، فقالت لهم: أرى أن تستهموا [٤] ، فمن خرج سهمه فالغزالان له، اجعلوا سهما لعبد المطلب وسهما للكعبة، فإنّ البئر لها، وسهما لقريش، وأعلموا على سهامكم، ففعلوا، وجعل عبد المطلب سهمه أسود وجعلت قريش سهمها أبيض وجعلوا سهم الكعبة أصفر، ثم أجالوا السهام فخرج سهم عبد المطلب فصيّر [٥] الغزالين للكعبة فلم
стр. 241
تزل بنو عبد المطلب يتيمّنون [١] بالسواد مذ ذاك.
فأخبرنا عمرو بن شبيب، قال: لما قدم أبو هاشم تلك القدمة قدم ومعه راية سوداء فأخرجها إلينا فاستوحشنا منها فقلنا له: ما أردت إلى السواد؟
قال: إنّ عزّ هذه الدولة فيه، ولا تزال دعوة بني هاشم عزيزة ما لبس السواد أهلها، وقد كانت الأنصار لمّا أصابت قريش ومن كان معها [٢] ما [٣] أصابت من النبيّ ﷺ وأصحابه يوم أحد، سوّدوا الثياب كما تصنع العرب [١١٨ ب] في ثيابها عند المصائب، فأتاه جبريل ﵇ فقال: ليس هذا أوان هذا وسيأتي على أمّتك زمان يلبسونه ويكون عزّهم فيه. وسئل عن الرايات السود فقال للإيمان [٤] أثبت في قلوب أهلها من زبر الحديد. قال عمرو: فقال أبو هاشم: قد تتابعت على آل رسول الله ﷺ مصائب لا ينكر معها لأشياعهم لباس السواد حتى يدركوا بثأرهم [٥] .
رجع الحديث إلى ذكر أبي سلمة
وقدم أبو سلمة خراسان فقال بعضهم: وأبو مسلم يومئذ معه خادم له، فبدأ بجرجان فدفع راية [سوداء] [٦] إلى أبي عون، وهو يومئذ
стр. 242
رئيس القوم، وقد لقي الإمامين جميعا [١] ، وعظم قدره في الدعوة، ثم نفذ إلى مرو فدفع إلى سليمان بن كثير راية سوداء، وبعث براية إلى ما وراء النهر مع مجاشع بن حريث الأنصاري، وقيل مع عمرو بن سنان المرادي.
وأقام أبو سلمة بمرو، ونصر بن سيّار يومئذ الوالي، فاضطرب أمر العرب بخراسان، وتعصّبوا وتحزّبوا واقتتلوا وهم متحيرون، وقد قتل الوليد بن يزيد، ولم يأتهم الخبر باجتماع الأمر لغيره، فتمكن أبو سلمة في تلك الأيام ممّا أراد واستثارت [٢] الدعوة وقوي أهلها، وبث [٣] دعاته ورسله وانصرف، وسليمان بن كثير صاحب أمر الشيعة بخراسان وكامل [١١٩ أ] بن مظفّر يدبّر لهم أمورهم. فطالت الفتنة بين نصر بن سيّار وعلي بن الكرماني ومن كان بها من العرب حتى أضجر ذلك كثيرا من أصحابهما، وجعلت نفوسهم تطّلع [٤] إلى غير ما هم فيه وإلى أمر يجمعهم، فتحركت الدعوة: يدعو اليمانيّ من الشيعة اليمانيّ، والربعيّ الربعيّ، والمضريّ المضريّ حتى كثر من استجاب لهم، وكفّوا بذلك عن القتال في العصبية.
وكانت إقامة أبي سلمة هناك أربعة أشهر، ولمّا انصرف ألفى أبا هاشم محبوسا [٥] على ما خلّفه عليه، وكانت حمامة بنت بكير أبي هاشم تحت أبي سلمة، فصالح أبو سلمة عنه غرماءه، وكان ما لزمه من الدين في إنفاقه على أهل الدعوة وفي أسفاره وفي أموره، وقد أنفق في ذلك مالا كثيرا لنفسه كان أفاده من السند. وخرج من الحبس وأبو سلمة يومئذ موسر حسن الحال وكان يعالج
стр. 243
الصرف، وكانت له حوانيت يباع له فيها الخلّ، وإنّما سمّي الخلّال عند قتله بذلك. وفي أيّام حبس أبي هاشم عرف أبو مسلم وانقطع إلى أبي هاشم، وعرف الدعوة واختلط بأهلها. فلم يلبث أبو هاشم إلّا نحوا من شهرين حتى مرض واشتدّ وجعه، فقال عبد الله بن عمير: دخلت على أبي هاشم في مرضه وعنده أبو سلمة وحمامة ابنته، وهي امرأة أبي سلمة، وجعل أبو سلمة يبري قلما ليكتب به فأصاب حدّ السكين يده [١١٩ ب] فقطع منها فسال الدم فتغيّر لذلك لون حمامة امرأته، فقال لها أبو هاشم: تجزعين له من هذا الدم فكيف لو قد أتيت به يشخب، فيوضع رأسه في حجرك حتى يموت.
موت أبي هاشم
قال عمرو بن شبيب وأسيد بن دغيم: بينا أبا [١] هاشم عائدين له في مرضه، وقد أتانا قتل الوليد، وقدم منصور بن جمهور واليا على العراق وهرب يوسف بن عمر، فأنا لعنده، إذ دخل عليه جار له من بني الحارث يقال له مدرك ورجلان من همدان يسألون به [٢] وعنده امرأة يومئذ كان قد تزوجها ولم يدخل بها، فأدخلت عليه مبادرة لتحرز ميراثها، وإن عليها لمصقّلات، وهي مستترة جالسة خلف ظهره، فقالوا له: يا أبا هاشم قتل الوليد، وهو مغلوب لشدة مرضه، فكرّروا ذلك عليه حتى فهم قولهم، فقال: أوقتل الوليد؟ قالوا: نعم. قال: قد كنت أتوقّع ذلك فالحمد للَّه
стр. 244
على قضائه، أما لو كانت بي [١] حياة لقرّت عيني وعظم سروري، يا أبا سلمة، وهو حاضر يومئذ: شمّر في أمرك فقد فتح الله البلاء على بني أميّة، وفتح الفرج على آل رسول الله ﷺ ، إنّا كنّا نقول: إنّ قتل الوليد أحد أوقاتهم [٢] [١٢٠ أ] ثم العصبيّة، وقد بدت بالمشرق [٣] الحرورية [٤] ثم الطاعون الجارف ثم الرجفة. قال: وجعل يتكلّم فلا يفهم حتى غلب، فو الله ما برحنا حتى مات وصار إلى أبي سلمة أمر الدعاة.
رجع الخبر إلى أمر خراسان والدعاة
ولما قتل الوليد استخلف يزيد بن الوليد فلم يلبث إلّا يسيرا حتى هلك، ووثب على أمرهم مروان بن محمد بن [مروان بن] [٥] الحكم، فابتزّهم غصبا واقتسارا، فوهن أمر بني أميّة، وانتقضت البلاد عليهم، وتشتت أمرهم، وبغى بعضهم على بعض لما أراد الله من إذلالهم واستئصالهم. وبلغ من بخراسان أمر مروان واختلاف بني أميّة فقوّى ذلك ما كان من خلاف اليمانية والربعية [٦] على نصر بن سيّار. وولّى مروان ابن هبيرة على العراق، فكتب إلى نصر بن سيّار بولايته على خراسان، ذكروا أن مروان أمره بذلك، فلمّا أتاه ذلك تزيّد حنق اليمانية والربعية [٦] عليه، وقد ضامّهم
стр. 245
شيبان في الخوارج، وقاتلوا نصرا وصاروا إلى الخنادق فأقاموا فيها يقتتلون نحوا من عشرين شهرا حتى ظهرت الدعوة. وذكروا أنّ ابن هبيرة كتب إلى مروان: إن كنت تريد خراسان فعاجلها برجل عام الرأي يجمع أهلها فإن نصرا ليست [١٢٠ ب] همّته فيما هو فيه إلّا شعرا يمدح قومه ويهجو به غيرهم، فقد أوقع ذلك في صدور الناس قبله ما إن ثبت كان داعية البلاء من الاستئصال، وقد نجم بين أظهرهم قوم يدعون إلى بني هاشم. فبعث عند ذلك إلى أهل خراسان وفدا [١] فيهم الحكم بن الأبيض الطائي، وعقال بن شبة التميمي، والجودي بن أكمه الشيبانيّ، فشخصوا وقد تفاقهم الأمر بين نصر واليمانية فكلموهم ووعظوهم فقالوا: نحن على الطاعة إن عزل عنّا نصر [٢] . فانصرفوا إلى مروان، وهو مشغول بحروبه التي كان فيها، ولم تنقض الحروب بينه وبين الخوارج حتى كان في شوّال سنة تسع وعشرين ومائة، ففرغ من أمر الخوارج، وانصرف إلى منزله من حرّان، وقد ظهرت الدعوة، ثم زاد ذلك اشتغال مروان بمحاربة أهل حمص وأهل فلسطين والخوارج والضحاك بن قيس وشيبان بن عبد العزيز، فتفرغ لهم وقد قوي أمرهم وكثرت جماعاتهم، ووجّه الجنود إلى العراق وهي منتقضة عليه، وقد خالف سليمان بن حبيب بن المهلّب بالأهواز وغلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على فارس وأصبهان والري، وغلب منصور بن جمهور الكلبي على الجبل [٣] . وكتب مروان إلى ابن هبيرة أن
стр. 246
تسير الجنود إلى خراسان إذا صلحت العراق، فشغل ابن هبيرة بإصلاح العراق عن إمضائهم [١٢١ أ] إلى خراسان، وكلّ ذلك من قوة أسباب الدعوة وإقامة الدولة، ثم قيّض الله أبا مسلم حتى انتهت به الغاية، وحصد من كان يرمقها ويطمع فيها.
стр. 247
خبر ابى مسلم وابتداء أمره
قال أبو الخطاب: كان أبو مسلم من أهل أصبهان، ولد في منزل عيسى بن معقل العجليّ [١] ونشأ مع ولده، فقطع الطريق على قوم من التجار في ضياع عيسى بن معقل، وذلك في إمارة خالد بن عبد الله القسري على العراق، فسأل خالد عن عيسى فأخبر أنّه يشتمل على اللصوص وأنّه لهم معقل يأوون إليه، فوجّه إليه خالد من أتى به، فتناوله بقضيب كان في يده وأمر بضربه وحبسه في السجن بالكوفة، وأبو مسلم معه يومئذ غلام يخدمه. وكان خالد قد حبس قوما من شيعة بني العبّاس من أهل الكوفة وقوما من شيعتهم من أهل خراسان بعث بهم إليه [٢] أسد بن عبد الله فيهم رجل يقال له حفص الأسير، وكان أبو مسلم يسمع الشيعة الذين في الحبس يتذاكرون الدعوة فيصغي لقولهم حتى وعى بعضه فأعجبه وأخذ بقلبه، وكان يكثر لزوم أبي موسى عيسى بن إبراهيم السرّاج من أهل الكوفة، وكان من علماء الشيعة، فلذلك قيل إن أبا مسلم كان سرّاجا [٣] . وكان من في السجن بالكوفة يرسلون أبا مسلم في
стр. 248
حوائجهم ويبلّغ شيعة [١٢١ ب] أهل الكوفة رسائلهم حتى وثقوا به واستأمنوا إليه، وعظم قدره عندهم، فوجّهوه إلى إبراهيم الإمام رسولا، فلما قدم عليه أعجبه ما رأى من فهمه وحسن عقله، فسأله عن اسمه ونسبه وكان أبو مسلم يسمى إبراهيم ويكنى أبا إسحاق فأخبره باسمه وقال: أمّا نسبي فإنّي مولاك، وذاك أني رجل من الله عليّ بالإسلام، ولم تجر لأحد عليّ نعمة، فأنا مولى رسول الله ﷺ ، وإذا كنت مولى رسول الله ﷺ فأنا مولاك، إذ كنت وارثه. فسمّاه إبراهيم الإمام: عبد الرحمن، وكنّاه: أبا مسلم، وكتب إلى شيعته بالكوفة يعلمهم أنّه قد سمّاه وكنّاه وقبل ولاءه، ويأمرهم أن يجعلوه رسولهم إليه فإنّه قد أفهمه وفهم عنه ولا يرسلوا غيره.
وقال بعضهم: كان غلاما لعيسى بن إبراهيم أبي موسى السرّاج يتعلّم منه السراجة ويخدمه، وكان عيسى من أهل الكوفة ورئيسا من رؤساء الشيعة، وكان موسرا يأتي بالسروج وآلتها [١] نحو أصبهان والجبال والرقّة ونصيبين وآمد ويجوب البلاد فيبيعها بها. وكان [أبو مسلم] [٢] مع أبي موسى بالشام ودخل معه إلى محمد بن علي [٣] . ثم إنّ أبا موسى رجع إلى الكوفة وأبو
стр. 249
مسلم [١] معه وهو يومئذ ابن عشرين سنة وكان يسمّى إبراهيم بن ختكان فتسمّى بعبد الرحمن بن مسلم ويقال بل سمّاه [١٢٢ أ] الإمام إبراهيم بهذا الاسم.
وكان [٢] من ضياع بني معقل العجليين، وكان إدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين بالكوفة في حبس يوسف بن عمر الثقفي بالخراج، وكان عاصم ابن يونس العجليّ محبوسا معهما بسبب من أسباب الفساد، فقدم سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ [٣] وقحطبة بن شبيب- وهم من النقباء الذين لقيهم محمد بن علي وعدة منهم من الشيعة من أهل خراسان- الكوفة يريدون الحج، فدخلوا على العجليين [٤] مسلمين، وكان أبو مسلم يدخل إليهم ويسعى في حوائجهم ويخدمهم، وهو مع ذلك مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز له الأعنّة ويعمل السروج وله بضاعة في الأدم، فلما رآه النقباء الثلاثة أعجبهم ما رأوا من خفّته وعقله وأدبه، ورآهم فمال إليهم [٥] وجعل يذمّ بني أمية، ولم يلبث أن عرف أمرهم، فقال: أنا أصحبكم وأكون معكم. فسألوا أبا موسى أن يعينهم به ففعل، وكتب معه إلى إبراهيم الإمام، وكان قد علم أنّه يحجّ في عامه وأنّ القوم واعدوه [٦] الالتقاء بمكة، فشخص أبو مسلم [معهم] [٧] ، ووجدوا إبراهيم
стр. 250
بمكة، فأعطوه عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وأوصلوا إليه كسى حملوها إليه. ورأى الإمام أبا مسلم فعرفه وأثبته لأنّه كان يراه أيام اختلافه إلى أبيه في مجلسه، وتأمل أمره، وأخلاقه فأعجبه منطقه ورأيه وعقله [١] ، فقال:
هذا [١٢٢ ب] عضلة من العضل، ومضى به معه فكان يخدمه. ثم إنّ هؤلاء النقباء قدموا على الإمام فسألوه أن يوجّه رجلا يقوم بأمر خراسان، فعرض الأمر [٢] على سليمان بن كثير وعرضه على قحطبة فأبيا ولم يفعلا، وذكر أبا مسلم فأطرياه ووصفا له جزالته وعلمه بما يأتي وما يذر [٣] ، فاستخار الله ووجّهه إلى خراسان. وقد قيل إنّ أصله من خراسان، وقد قيل إنّه من العرب، وإنّه ادّعى أنّه ابن سليط بن عبد الله بن عبّاس، ونسبه أبو دلامة [٤] إلى الأكراد فقال:
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيّرها العبد
أفي دولة المهديّ حاولت غدرة ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوّفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد [٥] الورد