← История

История · id 12226

أخبار الدولة العباسية

مؤلف أخبار الدولة العباسية

Полный текст (408 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تسير الجنود إلى خراسان إذا صلحت العراق، فشغل ابن هبيرة بإصلاح العراق عن إمضائهم [١٢١ أ] إلى خراسان، وكلّ ذلك من قوة أسباب الدعوة وإقامة الدولة، ثم قيّض الله أبا مسلم حتى انتهت به الغاية، وحصد من كان يرمقها ويطمع فيها.

стр. 247

خبر ابى مسلم وابتداء أمره قال أبو الخطاب: كان أبو مسلم من أهل أصبهان، ولد في منزل عيسى بن معقل العجليّ [١] ونشأ مع ولده، فقطع الطريق على قوم من التجار في ضياع عيسى بن معقل، وذلك في إمارة خالد بن عبد الله القسري على العراق، فسأل خالد عن عيسى فأخبر أنّه يشتمل على اللصوص وأنّه لهم معقل يأوون إليه، فوجّه إليه خالد من أتى به، فتناوله بقضيب كان في يده وأمر بضربه وحبسه في السجن بالكوفة، وأبو مسلم معه يومئذ غلام يخدمه. وكان خالد قد حبس قوما من شيعة بني العبّاس من أهل الكوفة وقوما من شيعتهم من أهل خراسان بعث بهم إليه [٢] أسد بن عبد الله فيهم رجل يقال له حفص الأسير، وكان أبو مسلم يسمع الشيعة الذين في الحبس يتذاكرون الدعوة فيصغي لقولهم حتى وعى بعضه فأعجبه وأخذ بقلبه، وكان يكثر لزوم أبي موسى عيسى بن إبراهيم السرّاج من أهل الكوفة، وكان من علماء الشيعة، فلذلك قيل إن أبا مسلم كان سرّاجا [٣] . وكان من في السجن بالكوفة يرسلون أبا مسلم في

стр. 248

حوائجهم ويبلّغ شيعة [١٢١ ب] أهل الكوفة رسائلهم حتى وثقوا به واستأمنوا إليه، وعظم قدره عندهم، فوجّهوه إلى إبراهيم الإمام رسولا، فلما قدم عليه أعجبه ما رأى من فهمه وحسن عقله، فسأله عن اسمه ونسبه وكان أبو مسلم يسمى إبراهيم ويكنى أبا إسحاق فأخبره باسمه وقال: أمّا نسبي فإنّي مولاك، وذاك أني رجل من الله عليّ بالإسلام، ولم تجر لأحد عليّ نعمة، فأنا مولى رسول الله ﷺ ، وإذا كنت مولى رسول الله ﷺ فأنا مولاك، إذ كنت وارثه. فسمّاه إبراهيم الإمام: عبد الرحمن، وكنّاه: أبا مسلم، وكتب إلى شيعته بالكوفة يعلمهم أنّه قد سمّاه وكنّاه وقبل ولاءه، ويأمرهم أن يجعلوه رسولهم إليه فإنّه قد أفهمه وفهم عنه ولا يرسلوا غيره. وقال بعضهم: كان غلاما لعيسى بن إبراهيم أبي موسى السرّاج يتعلّم منه السراجة ويخدمه، وكان عيسى من أهل الكوفة ورئيسا من رؤساء الشيعة، وكان موسرا يأتي بالسروج وآلتها [١] نحو أصبهان والجبال والرقّة ونصيبين وآمد ويجوب البلاد فيبيعها بها. وكان [أبو مسلم] [٢] مع أبي موسى بالشام ودخل معه إلى محمد بن علي [٣] . ثم إنّ أبا موسى رجع إلى الكوفة وأبو

стр. 249

مسلم [١] معه وهو يومئذ ابن عشرين سنة وكان يسمّى إبراهيم بن ختكان فتسمّى بعبد الرحمن بن مسلم ويقال بل سمّاه [١٢٢ أ] الإمام إبراهيم بهذا الاسم. وكان [٢] من ضياع بني معقل العجليين، وكان إدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين بالكوفة في حبس يوسف بن عمر الثقفي بالخراج، وكان عاصم ابن يونس العجليّ محبوسا معهما بسبب من أسباب الفساد، فقدم سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ [٣] وقحطبة بن شبيب- وهم من النقباء الذين لقيهم محمد بن علي وعدة منهم من الشيعة من أهل خراسان- الكوفة يريدون الحج، فدخلوا على العجليين [٤] مسلمين، وكان أبو مسلم يدخل إليهم ويسعى في حوائجهم ويخدمهم، وهو مع ذلك مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز له الأعنّة ويعمل السروج وله بضاعة في الأدم، فلما رآه النقباء الثلاثة أعجبهم ما رأوا من خفّته وعقله وأدبه، ورآهم فمال إليهم [٥] وجعل يذمّ بني أمية، ولم يلبث أن عرف أمرهم، فقال: أنا أصحبكم وأكون معكم. فسألوا أبا موسى أن يعينهم به ففعل، وكتب معه إلى إبراهيم الإمام، وكان قد علم أنّه يحجّ في عامه وأنّ القوم واعدوه [٦] الالتقاء بمكة، فشخص أبو مسلم [معهم] [٧] ، ووجدوا إبراهيم

стр. 250

بمكة، فأعطوه عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وأوصلوا إليه كسى حملوها إليه. ورأى الإمام أبا مسلم فعرفه وأثبته لأنّه كان يراه أيام اختلافه إلى أبيه في مجلسه، وتأمل أمره، وأخلاقه فأعجبه منطقه ورأيه وعقله [١] ، فقال: هذا [١٢٢ ب] عضلة من العضل، ومضى به معه فكان يخدمه. ثم إنّ هؤلاء النقباء قدموا على الإمام فسألوه أن يوجّه رجلا يقوم بأمر خراسان، فعرض الأمر [٢] على سليمان بن كثير وعرضه على قحطبة فأبيا ولم يفعلا، وذكر أبا مسلم فأطرياه ووصفا له جزالته وعلمه بما يأتي وما يذر [٣] ، فاستخار الله ووجّهه إلى خراسان. وقد قيل إنّ أصله من خراسان، وقد قيل إنّه من العرب، وإنّه ادّعى أنّه ابن سليط بن عبد الله بن عبّاس، ونسبه أبو دلامة [٤] إلى الأكراد فقال: أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيّرها العبد أفي دولة المهديّ حاولت غدرة ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد أبا مجرم خوّفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد [٥] الورد

стр. 251

محمد بن الحسن الشامي قال: حدّثني محمد بن أبي صفوان الثقفي قال: قال أبو مسلم: شهدت خطبة يزيد الناقص بمسجد دمشق وأنا مع الإمام إبراهيم فقال لي: يا عبد الرحمن هذا آخر ملك بني أميّة، قد جاءهم ما كانوا يوعدون، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٦: ٤٥ [١] . شمّر يا عبد الرحمن، شمّر، الوحي الوحي [٢] والنجا النجا، الحق بشيعتي وأنصاري بعقوة خراسان. قال أبو مسلم: فأوصاني بوصاياه وأمرني بأمره فخرجت [١٢٣ أ] من فوري ذلك، فأزال الله ملك بني أميّة، وقطع دابرهم، وأظهر حقّ بني العبّاس، فما انصرفت إلى العراق إلّا وأبو العبّاس خليفة قد استوسقت له البلاد، واجتمعت عليه الأمّة، وظهر أمر الله وهم كارهون، وللَّه عاقبة الأمور. النّحيت بن مجاهد ابن أخي رزمة قاضي أبو شهر [٣]- وكان صديقا لآل معقل بن عمير العجليين، وكان يكثر القدوم عليهم في تجارة له، ويقيم عندهم السنة والسنتين- قال: حدّثني سابق مولى معقل، وكان شيخا كبيرا قد أدرك وعلم من أمر أبي مسلم وخبره ما قد كتبناه، قال: كان برستاق فريدين من أصبهان مولى لبني عجل يقال له عثمان بن يسار فأتعب في الخراج بفريدين، فحمل جارية له أعجمية إلى عيسى بن معقل العجليّ بماوشان [٤]

стр. 252

وكان من عشيرته فشكا إليه حاله في الخراج وباع منه تلك الجارية بثماني مائة درهم، وهي يومئذ حامل بأبي مسلم وهو لا يعلم بحملها. فانطلق عثمان بن يسار من وجهه ذلك فمات، وعلم عيسى بن معقل بحمل الجارية بعد ما فارقه عثمان بن يسار فحصّنها، فولدت أبا مسلم وماتت في نفاسها، فسمي سلما، ولعثمان بن يسار ولد من غير أم أبي مسلم يقال له يسار بن عثمان، وأخوات له. فلمّا تحرك أبو مسلم اختلف مع ولد عيسى بن معقل [١٢٣ ب] بقرية فريدين [١] إلى معلم يقال له عبد الرحمن بن مسلم، فلما خرج من الكتّاب، كان يخدم عيسى بن معقل، واسمه سلم، فاتخذه عيسى زنبورا يركب معه حيث ركب ويحمل صاجره في حقوه ويوضّيه، وكان كيّسا ظريفا. وكان رجل [٢] يقال له هاشم بن العلاء ينزل رستاق التيمرة [٣] من أرض أصبهان، واتّخذ قرية فيها وسمّاها الحجاز وكانت عنده نعم بنت معقل بن عيسى، فبينا هاشم بن العلاء عند عيسى بن معقل على نبيذ لهم وأبو مسلم يخدمهم ويسقيهم إذ سقى هاشما فرأى في القدح بعض القذى، فضرب به وجه أبي مسلم فأدماه، فقال له عيسى: بئس ما صنعت. فقال هاشم: وما هذا ابن الفاعلة؟ قال عيسى: لقد رأيت لهذا رؤيا لو رأيتها لمعقل ابني كان أحب إليّ من كل مفروح به عظيم. قال هاشم: وما رأيت في منامك؟ قال: رأيت كأنّ آتيا أتاني فقال: من هذا؟ فقلت: سلم غلامي، فقال: إنّ هذا لمن المصطفين الأخيار، على وجهه هلاك الجبّارين ونصرة آل محمد. فلمّا ظهر أبو مسلم كتب إلى عامليه على أصبهان: ابن زريق بن شوذب الشيبانيّ وزياد بن سلمان الخزاعي، أنّ قبلكما رجلا يقال له هاشم بن

стр. 253

العلاء اتّخذ قرية فسمّاها الحجاز استخفافا بحرم الله وحرم رسوله [١٢٤ أ] فابعثا [١] إليه من يضرب عنقه ويستصفي ضياعه، فهرب هاشم فلحق بالكوفة، فاختفى بها حتى قتل أبو مسلم. ثم إنّ عمّال أصبهان وهمدان [٢] والماهين [٣] كتبوا إلى يوسف بن عمر الثقفي، وهو على العراق، يشكون عيسى بن معقل أنّه يكسر عليهم الخراج وأنّه نازل في التخوم [٤] ، فكتب يوسف بن عمر إلى صاحب قرماسين [٥] يأمره أن يسير إلى عيسى بن معقل فيأخذه فيقدم به عليه. فسار صاحب قرماسين إلى عيسى بن معقل فأخذه وحمله إلى يوسف فأمر بحبسه في السجن بالكوفة، وكان في السجن يومئذ نفر من وجوه الشيعة منهم أبو سلمة الخلّال- كان يبيع الخل في زرارة [٦]- وحفص الأسير، وكانوا اثني [٧] عشر رجلا، وكان عاصم بن يونس مولى بني عجل قد حبس بدم، فنزل معهم في بيتهم الّذي كانوا فيه، ولم يكن له يومئذ رأي ولا معرفة بما كانوا فيه، فدعاه حفص الأسير إلى الدخول في الدعوة فاستجاب له، فلما قدم بعيسى بن معقل فأدخل

стр. 254

السجن كان ذا هيئة، فرغب فيه أولئك النفر المحبوسون من الشيعة، فأنزلوه معهم في البيت الّذي هم فيه. وكان عيسى بن معقل قبل أن يشخص إلى يوسف بن عمر قد جعل أبا مسلم وكيلا على قرية من قراه، فلمّا فرغ أبو مسلم من رفع غلاله حمل أذكاره وما اجتمع [١٢٤ ب] عنده من المال، ولحق بعيسى بن معقل، فسرّ بقدومه، ونزل دار عيسى في بني عجل [١] ، وكان أبو مسلم ومولى لعيسى، كان وكيله في داره في بني عجل، يحملان طعام عيسى وشرابه من داره في كل يوم إلى السجن، ثم يخرج أبو مسلم فيقعد في السرّاجين عند دار الوليد بن عقبة التي فيها القصّارون، وكان جليسه منهم موسى بن يزيد وعثمان بن عيسى. وكان أبو مسلم يختلف إلى عيسى بن معقل وهو في السجن، يسمع كلام الشيعة الذين في السجن، فأحبه وهويه ووقع في خلده، فكان يخاتل عيسى بن معقل فإذا رآه جالسا في جانب السجن يتحدث عند قوم آخرين دخل أبو مسلم إلى أولئك الشيعة فتحدث معهم، فلمّا رأوا حبّه لأمرهم وحرصه على كلامهم أطلعوه على رأيهم ودعوه إليه، فقبله ورسخ فيه بصيرته حتى أفضوا إليه أسرارهم ووثقوا به لما رأوا من عقله وظرفه وأدبه. فكان عيسى بن معقل رجلا سخيّا صاحب طعام، فبلغ يوسف بن عمر حاله وما يتكلف من السخاء، فبعث إليه فضربه بالسياط حتى قتله. فادّعى أبو مسلم أنّ عيسى كان قد دبّره [٢] فصار مع رجل من السرّاجين يكنى أبا إسحاق فنفذ في مدة يسيرة في [٣] عمله فكان يكون بالليل عند الشيعة في السجن وبالنهار عند أبي إسحاق، ورأى منه أبو إسحاق أمانة وغناء [١٢٥ أ] فائتمنه على بيع متاعه، ووجّهه إلى البلدان بتجارته. ثم

стр. 255

قدم قوم من شيعة أهل خراسان يريدون إبراهيم الإمام فأحبّ شيعة الكوفة أن يكون معهم رجل من قبله فبعثوا أبا مسلم معهم وكتبوا معه إلى إبراهيم: أمّا بعد فقد بعثنا إليك غلاما أمينا لبيبا أديبا كتوما حافظا لما استرعي، مؤديا لما أعطي، اتخذناه لأنفسنا وائتمنّاه على سرّنا، فهو على ما تحب، فضع عنده ما أحببت أن تضع فإنّه على ما تحب في جميع خصاله. فقرأ إبراهيم الكتاب، وفتّش أبا مسلم وساءله وناطقه فوجده كما وصفوا وأفضل، فأجابهم إبراهيم في حوائجهم وكتب جواب كتبهم: أمّا بعد، فقد قدم عليّ رسولكم، وقرأت كتابكم، وعلمت الّذي ذكرتم، وقد تخيّلت في رسولكم الخير، وتأمّلت فيه شمائل الّذي يقوم بهذا الأمر فاحتفظوا به، وارغبوا فيه فإنّه صاحبكم الّذي يقوم بهذا الأمر. فقدم [١] أبو مسلم بالكتاب على الشيعة بالكوفة، وأخرجوا من السجن، فكانوا ينظرون في هذا الأمر، ويأتيهم وفود أهل خراسان إذا حجّوا، ويأتونهم بالزكاة فيبعثون بها مع أبي مسلم، فخرج أبو مسلم إلى إبراهيم عدة مرار. ثم إنّ إبراهيم أحبّ أن يكون أبو مسلم عنده وأن يتّخذه لنفسه، فكتب إلى الشيعة بالكوفة: إني أحب [١٢٥ ب] أن تبعثوا إليّ رجلا من ثقاتكم، وأن تحبوني بأبي مسلم يكون عندي في خدمتي لأبعثه في حوائجي وأستعين [٢] به في أمري، فأمر الشيعة أبا مسلم أن يقيم عنده، وكان ذلك موافقا لأبي مسلم، فأقام عند إبراهيم سنين لا يحسبه [٣] من رآه إلا عبدا لإبراهيم. ثم قدم قوم من الشيعة على إبراهيم فسألوه أن

стр. 256

يبعث معهم رجلا يدعو الناس إلى هذا الأمر، فقال لهم إبراهيم: هذا الغلام يخرج معكم، ويدعو الناس، وهو صاحبكم الّذي يقوم بهذا الأمر، [١٢٦ أ] فبعثه إبراهيم إلى خراسان فتوجّه إليها غير مرّة حتى شاع ذكره. فبلغ ابن هبيرة، وهو يومئذ والي العراق: أنّ رجلا يختلف إلى خراسان يفسد أهلها، فبعث إلى أصحاب المسالح: أنّ رجلا من حاله كذا وكذا يمرّ بكم فتفقّدوه، وكتب إلى نصر بن سيّار يعلمه حاله ويأمره بالجدّ في طلبه. فتفقّد [١] أصحاب المسالح كلّ من مرّ [٢] بهم، وفتشوا الناس، ومرّ أبو مسلم على حمار أسود أبتر الذنب، فلمّا انتهى إلى المسلحة التي في دسكرة [٣] الملك حبس صاحب المسلحة الناس وفتّشهم وسأل عن أسمائهم، وأبو مسلم فيهم، فشغل الرجل الّذي كان يسألهم ويفتّشهم عن أبي مسلم، فانسلّ على حماره ولم يتفقّدوه، ومضى حتى أتى الري [٤] . وكان أبو مسلم إذا قدم الري نزل على رجل من الشيعة يقال له عمر بن المختار الثقفي، وكان يكتم أمره بالري ولا يطلع أحدا على رأيه وكان بزازا [٥] لصاحب حانوت، وكان صاحب حانوت سريا يجتمع إليه الناس من أهل الري وغيرها فيتحدثون عنده، فنزل به أبو مسلم وعنده ناس من المرجئة من أهل العراق وأهل الري فذكروا علي بن أبي طالب بقتل الناس وسفك الدماء، فلما سمع أبو

стр. 257

مسلم ذلك منهم غضب فردّ عليهم [١٢٦ ب] ردا قبيحا، فثاروا إليه ليضربوه، وتوعّدوه ليضربوه، فخلّصه عمر بن المختار منهم، وأدخله حانوته وأغلق عليه بابه، فلمّا كان الليل سار أبو مسلم إلى خراسان، فكان أبو مسلم يعرف ذلك لعمر بن المختار، فلما ظهر أبو مسلم بعث إلى عمر ابن المختار بعهده على الري فوليها ستة أشهر ثم عزله وأقدمه عليه. وهذا خبر آخر من أخبار أبي مسلم فيما حدّث به: أنّ أباه كان من علوج أصبهان، وكان في قرية في حيّز رجل من خزاعة، وكان جدّه أبو أمّه هو الّذي يعوله ويكفله حتى بلغ، وألحّ عليهم الخزاعي في خراجهم، فهربوا فلجئوا إلى حيّز إدريس ابن معقل العجليّ. وزعم عمر بن شبيب قال: قلت لأبي سلمة حيث اشترى أبا مسلم: إنّي لا أرى لهذا الغلام هيئة العبيد، قال: أمّا هو فقد أقرّ أنّه عبد لمن أباعه [١] منا وقد كنت استربت بشأنه [٢] بعد شرائي إيّاه، فقلت لعاصم بن يونس: افحص لي عن صحة أمره. فلقيني فقال لي: قد سألت عيسى بن إدريس عن أمر الغلام فذكر أن الحاجة اضطرته إلى بيعه وأنّ أمره: أنّ رجلا نزل بنا من أهل اليمن يريد قزوين [٣] غازيا ومعه جارية له، فشخص وخلّفها

стр. 258

وبها حبل فانصرف رفقاؤه فذكروا أنّه مات بقزوين، ووضعت الجارية أبا مسلم، وماتت في نفاسها فدفعنا ولدها [١٢٧ أ] إلى أهل بيت من أكرتنا، فكان عندهم حتى أيفع وضممناه إلينا، فكان مع خدمنا حتى بلغ. وزعمت امرأة من أهلي: أنّ الجارية قالت لي قبل أن تلد أبا مسلم بثلاث ليال أو [١] أربع: إنّي رأيت كأنّي قد ولدت ولدا فنظرت فإذا هو عقاب فطار لا يمر بطائر إلّا ضربه وصرعة حتى كثر ما يلقي منها، وانتبهت. وزعم إبراهيم بن هشام بن راشد ابن أخي محمد بن راشد [٢] قال: تذاكرنا أمر أبي مسلم ذات يوم فقلت لعيسى بن إدريس: أخبرنا عن أمر أبي مسلم وسببه ونسبه فإنّكم أعلم به من غيركم. قال: نعم خرج أبي إدريس بن معقل حاجّا فلمّا انصرف رافقه رجل من أهل اليمن ذو هيئة وسمت حسن، فألفه أبي وأنس به ولاطفه، وأقبلا حتى إذا شارفا الكوفة قال أبي: أين تريد، وما غايتك في سيرك هذا؟ قال: أريد الغزو والرباط بناحية الديلم، وأنا رجل من مذحج ممن يسكن السروات [٣] باليمن، فقال له أبي: فنصطحب حتى نحاذي الثغر [٤] . قال: فخرجنا ومع الرجل جارية له تخدمه، فلمّا صرنا إلى قرماسين مرض الرجل، فقلت له: امض معنا حتى نقوم [٥] عليك فإذا سلّمك الله من مرضك شخصت إلى الرباط. قال: فمال معنا حتى أتيت منزلي، فأقام ومرّضناه حتى بريء من علّته وقد احتاج فقال: نفدت نفقتنا [٦]

стр. 259

وقد احتجت إلى سبع مائة درهم فإن رأيت أن تحتالها لي وتكون هذه [١٢٧ ب] الجارية رهنا بها إلى أن أقضيك، فقلت له: خذ الدراهم ولا حاجة بنا إلى الجارية، فقال: وما حاجتي إلى الجارية في الثغر؟ فدعها تكون رهنا عندك بهذه الدراهم. قال: فأعطيناه سبع مائة درهم، وشخص في جماعة خرجوا إلى الرباط من أهل ناحيتنا، فلمّا ذهب ظهر بالجارية حمل [١] ، ولمّا رجع [٢] أهل ناحيتنا من الغزو، ذكروا أنّ الرجل مات بالثغر، فاستمرّ حمل [١] المرأة فولدت أبا مسلم وماتت في نفاسها، فدفعناه إلى أهل بيت من خدمنا [٣] فتولّوا تربيته ورضاعه وفطامه والقيام عليه حتى بلغ ولا يعرف غيرهم، وسمّوه [٤] إبراهيم. قال عيسى: وكنّا نعرفه بكبر الهمّة ومرارة النفس والذهاب بنفسه إلى المعالي، وكان لنا معلّم يعلّم صبياننا يقال له عبد الرحمن بن مسلم، ويكنى أبا مسلم، فلمّا ترعرع تسمى باسم المعلّم واكتنى بكنيته، والله أعلم أي ذلك كان. وقد زعم بعض من ذكر حديثه: أنّه اعتزى إلى مراد، فوقعت المعرفة بين أبي مسلم وعاصم بن يونس العجليّ بذلك السبب، فأخبر عاصم أبا هاشم بحاله، فدعاه وعرض عليه الدعوة فقبلها وأجاب إليها، ولزم أبا هاشم وسعى في حوائجه إلى أبي سلمة وغيره وهو عندهم فيما يرون عبد لإدريس. فأمّا ما تذكر العامة فإنّه من ادّعى معرفته منهم ذكر أنّه من أبناء العلوج [١٢٨ أ] بأصبهان من قرية من قرى إدريس، صحبه بذلك السبب فكان يخدمه في الحبس، فلمّا صار الأمر إلى أبي سلمة دخل يوما الحبس، وقد ألحّ على

стр. 260

إدريس في أداء نجمه [١] ، فقال لعاصم: هل من حيلة؟ فقال: تبيع من أرى من خدمك وتؤدي عن نفسك. قال: فاحتل لي، قال: هذا إبراهيم خادمك إن شئت بعناه، قال: قد شئت. فقال لأبي سلمة: هل لك في إبراهيم تشتريه فتفرج عن هذا الرجل؟ والغلام، بعد [٢] ، ظريف عاقل قد عرف أمرك وحسنت نيّته عندك وفي دعوتك، وأنت لا تحتشم منه شيئا فيما توجّهه فيه. قال: بكم يباع؟ قال: خذه بما شئت. فاشتراه من إدريس بسبع مائة درهم، وأشهد عليه بذلك، ولم يزل يسمّى إبراهيم حتى صار إلى إبراهيم الإمام [٣] ، وليس يشكّ في شرى أبي سلمة أبا مسلم. ثم إنّ أبا سلمة أجلسه في الصرف فرأى منه ذكاء فيه وحسن معرفة، ثم أشرك بينه وبين موسى السرّاج، وموسى من كبراء الشيعة، فقعد معه في السرّاجين، فأبصر عملهم وتزيّد في حسن النيّة في الدعوة، فصحب موسى وشخص معه إلى آمد وحرّان [٤] . فزعمت بنو مسلية أنّ أبا سلمة لمّا رأى رسوخه في الدعوة أعتقه ووجّهه إلى إبراهيم في بعض أموره، فلمّا كلّمه إبراهيم قال له: من أنت؟ فخبّره أنّ أبا سلمة اشتراه، فصرفه إلى أبي سلمة. ثم قدم أبو سلمة على [١٢٨ ب] إبراهيم ومعه ألطاف وهدايا إليه من خراسان فرأى [٥] أبا مسلم فقال له إبراهيم: من هذا الغلام؟ قال: غلام كنت ابتعته وحسنت نيّته في الدعوة،

стр. 261

فأعتقته، فقال إبراهيم: استوصوا به خيرا فإنّه مخيّل للخير. قال أبو سلمة [١] : إنّ الّذي دعاني إليه أنّ أخا لنا من الشيعة أخبرني أنّ إدريس بن معقل الأصبهان قال له [وأشار إلى أبي مسلم] [٢] : إنّ هذا الّذي ترى قال لي وهو يومئذ غلام حدث: [أني] [٢] رأيت [في النوم] [٢] كأنّ الناس جمعوا لي في صحراء، وأتي بمنبر فصعدته وجعلت آمر فيهم وأنهم. وأخبرني هو أنّه رأى كأنّ بني أمية جمعوا له فذبحوا في طست فشرب من دمائهم حتى روي، وسقى من كان معه ما فضل من دمائهم. وانصرف أبو سلمة وقد أمره إبراهيم أن يأتي خراسان فمضى إليها. خروج أبي سلمة إلى خراسان وأبي مسلم معه قال: فمضى إلى خراسان وأبو مسلم معه خادما له، فعدل إلى جرجان، ونزل بأبي عامر، ولقيته الشيعة بها، فأمرهم بالاستعداد، وقال لهم: قد حضر أمركم فأعدّوا واستعدّوا، فإذا دخلت سنة ثلاثين ومائة فأظهروا دعوتكم وسوّدوا ثيابكم واشحذوا أسلحتكم ولا تنقلبوا إلى ظهور قبل ذلك إلّا أن يضطركم أمر فتذبوا [٣] له عن أنفسكم، ودفع إليهم كتابا [١٢٩ أ] من إبراهيم يبشّرهم فيه بعلوّ كلمتهم ونصر الله إيّاهم، ويأمرهم فيه بالاجتماع والاستعداد إلى الوقت الّذي وقّته لهم. ثم شخص إلى مرو، ومرّ

стр. 262

على نسا [١] فلقي من بها من الشيعة فأمرهم بالاستعداد، ثم أتى أبيورد فأمر من بها من الشيعة بمثل ذلك، ثم نفذ إلى مرو، وأهلها على ما كانوا عليه في خنادقهم على العصبية، فلقيته الشيعة وقد كثروا وأظهروا بعض كلامهم، ورغب كثير من الناس في دعوتهم، ورهبهم من [٢] كان يخالف عليهم فأمرهم بالجدّ ثم قال لهم: تأهبوا وتهيّئوا إلى رأس الثلاثين ومائة، ولا تظهروا شيئا إلّا أن تضطروا، فإن اضطررتم فائتلفوا واجتمعوا، وادفعوا عن أنفسكم إلى الوقت الّذي وقّت لكم إن شاء الله. وانصرف، ووكل بالشيعة سليمان بن كثير، وبعث أبا مسلم إلى بلخ فلقي زياد بن صالح ومن بها من دعاته ثم انصرف إليه، فشخص أبو سلمة منصرفا إلى العراق، فقدم الكوفة وقد غلب عليها الضحاك بن قيس الحروري، ولم يلبث أن قدم عليه إبراهيم ابن سلمة رسولا لإبراهيم الإمام يأمره بالشخوص إليه فتهيّأ لذلك، ثم شخص ومعه أبو مسلم، وقد حمل مالا من خراسان فدفعه إلى إبراهيم. وجعل أبو مسلم يتردد في إيصال المال، فازداد إبراهيم به إعجابا فقال: يا أبا سلمة فتاك [١٢٩ ب] هذا قد أعجبني، فتجاف لنا عنه. فقال: نحن وما نملك لك، فشأنك به، ولقلّ من علم بعتقي له، وهو يصلح لما تريد في نيّته في مودتكم، وهو يعقل، فلقلّ شيء كنت أوجّهه فيه إلا رأيت منه ما أحب، وقد عرفته الشيعة وعرفهم [٣] . قال: فقبله إبراهيم وأكرمه وألزمه خدمته أيام أبو سلمة مقيم عنده، وقال له: تغيّر اسمك، قال: كنت أسمّى بعبد الرحمن وأكنى بأبي مسلم، قال: فذاك اسمك وكنيتك.

стр. 263

فذكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عبّاس قال: شهدت إبراهيم حيث أعتق أبا مسلم. وانصرف أبو سلمة، وتابع بالكتب إلى سليمان بن كثير وأصحابه بخراسان في الاستعداد والإكماش [١] ، واختلف أبو مسلم في ذلك مرة بعد أخرى، ثم إنّ إبراهيم وجّهه إلى خراسان، فكتب معه إلى شيعته كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم صدق وعد الله لأوليائه، وحقّت كلمة الله على أعدائه، ولا تبديل لكلمات الله، ولن يخلف الله الميعاد. إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للَّه رب العالمين [٢] . أمّا بعد، فأعدوا لأعداء الله النيّات فإنّها سيوف لا تفلّ، وأعدّوا لأعداء الله البصائر فإنّها جنن يقيكم الله بها بأسهم، واستشعروا [١٣٠ أ] الطاعة فإنّها سهام لا تطيش، واعلموا أنّ بحسب السلامة في النيات تكون السلامة في الأبدان من نكبات الظالمين، وعلى قدر الزيادة في البصائر يزيد الله أهلها في الأيد والبطش، فاستبصروا اليقين، وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين. أمّا بعد، فقد وجّهت إليكم مجد الدهر عبد الرحمن بن مسلم مولاي، فألقوا إليه أزمّة أموركم، وحمّلوه أعباء الورد لها والصدر في محاربة عدوّكم، وعاهدوا الله على الطاعة، وكونوا بحبله معتصمين، وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ من بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُونَنِي ٢٤: ٥٥

стр. 264

لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَمن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ٢٤: ٥٥ [١] . وأمر إبراهيم أبا مسلم بمكاتبة أبي سلمة، وأمر أبا سلمة بالمقام بالكوفة، وجعل إبراهيم إلى أبي مسلم إن هو ظهر ولاية خراسان وسجستان وكرمان وجرجان وقومس والري وأصبهان وهمدان، وجعل ولاية أبي سلمة ما دون عقبة همدان من أرض العراق فالجزيرة فالشام. فشخص أبو مسلم حتى دخل مرو في سنة تسع وعشرين ومائة، فنزل على أبي النجم واجتمع النقباء ورجال الشيعة في منزل سليمان [١٣٠ ب] بن كثير، فأتاهم أبو مسلم فوضع كتاب إبراهيم نصب أعينهم وقال: هذا كتاب إمامكم ومولاكم. فقال سليمان ابن كثير: أحسبك والله قد جئت بها دويهية [٢] صمّاء، يا أبا منصور [٣] ! افضض الخاتم واقرأ علينا كتاب إمامنا، وكان أبو منصور طلحة [٤] بن زريق هو الّذي يتولى قراءة كتب الإمام على الشيعة ويكتب الجواب بخطّه. فقرأ أبو منصور الكتاب، فقال سليمان: صلينا بمكروه هذا الأمر، واستشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر حتى قطعت فيه الأيدي والأرجل، وبريت فيه الألسن حزّا بالشفار، وسملت الأعين [٥] ، وابتلينا بأنواع المثلات، وكان الضرب والحبس في السجون من أيسر ما نزل بنا، فلمّا تنسّمنا روح الحياة، وانفسحت [٦] أبصارنا، وأينعت ثمار غراسنا طرأ علينا هذا المجهول الّذي لا

стр. 265

يدرى [١] أيّة [٢] بيضة تفلّقت عن رأسه ولا من أي عشّ درج، والله لقد عرفت الدعوة من قبل أن يخلق هذا في بطن أمّه. اكتب يا أبا منصور بما تسمع [٣] إلى الإمام، فقال أبو منصور: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، أنا والله أول من سلّم لأمر الإمام وسمع وأطاع. وتكلّم أبو داود خالد بن إبراهيم وغيره ممن حضر فقالوا لسليمان: يا أبا محمد! إن كنت مؤتما بطاعة إمامك فقلّده شرائع الدين، [١٣١ أ] واسمع له وأطع فيما وافقك أو خالف هواك. ومدّ أبو مسلم يده إلى كتاب إبراهيم ليأخذه. حديث سليمان بن كثير مع أبي مسلم ولمّا مدّ أبو مسلم يده إلى كتاب إبراهيم ليأخذه حذفه سليمان بن كثير بالدواة فشجّه [٤] ، فسال الدم على وجهه، وقذفه بشير بن كثير أخو سليمان. فقام أبو مسلم عن المجلس وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيّنات من إمامكم [٥] ؟ ونهض مع أبي مسلم من المجلس ناجية ابن أثيلة الباهلي ومحمد بن علوان المروزي فجعلا يغسلان الدم عن وجهه وهو

стр. 266

يقول: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٦: ٦٧ [١] ، وشقّ محمد بن علوان من أسفل ثيابه عصابة فعصّب بها رأس أبي مسلم. وافترق القوم عن مجلسهم مختلفين، فكانت النقباء تحب أن تضع من أبّهة سليمان بن كثير، وكان أن يترأس عليهم أجنبي ليس منهم أروح عليهم وأوفق لهم، فاجتمعت الكلمة من الشيعة على ترئيس أبي مسلم، وخذلوا سليمان بن كثير، وأفردوه. ومضى أبو مسلم من مجلسه ذلك حتى نزل منزل أبي داود في قريته من ربع خرقان [٢] ، واجتمعت إليه النقباء والشيعة فبايعوه [٣] ورأسوه، واضطر سليمان إلى اتّباع إخوانه [١٣١ ب] وأصحابه فسمع وأطاع لأبي مسلم على الكره منه، واستقامت لأبي مسلم طاعة الشيعة بخراسان وانقادوا له. ثمّ إنّ أبا مسلم راجع سليمان بن كثير وأعلمه بما أتاه وأقرأه ما كتب به إليه، وكان فيما كتب به إليه: إن قبل سليمان بن كثير القيام بأمر الدعوة ونصب نفسه لذلك فسلم له، وإن كره قبول القيام فلا [٤] تعصينّ لسليمان أمرا، وقدّمه في جميع ما تدبّرون. فلمّا قرأ سليمان ذلك قال: إنّي والله ما كرهت القيام ألّا أكون أضعف الناس فيه نيّة، ولكني أخاف اختلاف أصحابي ونحن نداري ما نداري، وأنا يدك وصاحبك الّذي لا يخذلك ولا يغشّك ما لم تخالفنا وتعمل ما يوهن أمرنا، قال أبو مسلم: أحسن بي الظن فلأنا أطوع لك من يمينك. قال: فشأنك، ابعث إلى الدعاة بخراسان فيما حولك فيأتيك من قدر على ذلك، واكتب إلى من في الكور فليتأهبوا ويستعدوا. فبثّ أبو مسلم الرسل

стр. 267

فيما يلي مرو، وكتب إلى من في الكور يأمرهم بالاستعداد للمحرم سنة ثلاثين ومائة، فإن نازعهم أحد أظهروا أمرهم وحاربوا من حاربهم. وبعث سليمان إلى رؤساء الشيعة، وسليمان يومئذ صاحبهم والمنظور إليه منهم، فخبّرهم بما كتب إلى أبي مسلم، وإنّ الرأي ما أمروا به من نصبه لأمرهم وقال لهم ننصبه وندبّر [١٣٢ أ] الأمر له، فذاك أرهب عند عدونا وأشدّ لهيبتهم له وإعظامهم أمره، فاتّسقوا واتفقوا على ذلك. ظهور أبي مسلم بخراسان فلمّا ارتضوا بأبي مسلم قال سليمان: انظروا في الموضع الّذي تبتدئون بإظهار أمركم فيه. فقال أبو النجم وعدّة وافقوه على رأيه: نرى أن يكون أول ظهور أمرنا بخوارزم، فإنّها بلاد منقطعة عن نصر، فإلى أن يرسل إلينا عسكره يكون قد تسامع بنا إخواننا فيأتونا ويكثر جمعنا فنقوى على من يأتينا. قال موسى بن كعب ولاهز: مروالروذ فإنّها متوسطة بين مرو وبلخ، وقال مالك بن الهيثم والعلاء بن حريث وطلحة بن زريق: فإنّ بها خلقا كثيرا من إخواننا، وبها السلطان قد وهن أمره، وبمن نقاتله يقوينا عليه ويقوى بنا عليه، ومتى يقو بها أمرنا يقو في غيرها. فبلغنا أنّ أبا مسلم قال لسليمان ابن كثير: ما تقول يا أبا محمد؟ قال: ما أرى إلّا كما قال، فإن قوتنا بها أعظم وعدوّنا أضعف، وكامل ساكت، قال أبو مسلم: ما تقول يا أبا صالح؟ قال: إذا اجتثّ الأصل فلا بقاء للفرع، إذا [١] ظهرتم بغير مرو

стр. 268

تفرّغ لكم سلطانكم وساعده عدوّه عليكم. فقال أبو مسلم: قلت الحق يا أبا صالح والرأي أن نظهر بمرو، فأطبقوا [١٣٢ ب] على ذلك ورضوا به [١] . وأمرهم أبو مسلم بلقاء إخوانهم والبعثة إليهم ليجتمعوا ويقيموا بموضعهم إلى دخول المحرّم. وكان الّذي دعا أبا مسلم ودعا سليمان إلى الاجتماع أنّه بلغهم أنّ نصرا قد أجمع على البعثة إليهم والتقاطهم قبل خروجهم، وكان الّذي أشار عليه بذلك سلم بن أحوز فقال له: بادر القوم وهم متفرقون تقو عليهم بجماعتك قبل أن يتألفوا فترومهم فيمتنعوا عليك. فتفرقت الدعاة الذين حضروا رأي أبي مسلم، فلقيت الشيعة، وبعثت الرسل إليهم ليجتمعوا، فأقبل الناس إليهم وأبو مسلم بشنفير [٢] ، قرية سليمان بن كثير، وقد تأشب إليه طوائف من قصور اليقازم [٣] ، منهم علقمة بن حكيم والعلاء بن سالم [٤] في زهاء سبع مائة رجل، وهم متفرقون في قصور خزاعة، وعظمهم بشنفير. وكان أول من وافى أبا مسلم رجال خزاعة لقربهم منه، فانضم إليه منهم خمسة وعشرون رجلا، ومن طي ستة رجال ومن تميم اثنا عشر رجلا ومن النقباء والشيعة أحد وثلاثون رجلا، وتسامعت الشيعة بالخبر فأقبلت إليه من كل وجه من رساتيق مرو، وتحدّث الناس باجتماعهم فكثر سوادهم عند أبي مسلم. وكان أول

стр. 269

من أتى أبا مسلم في السواد حية بن عبد الله المرئي [١] ، فقال له أبو مسلم: أنت أول من أتانا في السواد [١٣٣ أ] فلك أول صافية نستصفيها [٢] ، فكان أول ما [٣] استصفى قصر نصر بن سيار الّذي على باب دروازق سرخس فأقطعه حيّة، فهو اليوم يعرف بقصر حيّة. وبلغ نصر بن سيّار اجتماع الشيعة وهو مشتغل بمحاربة علي بن الكرماني، فجمع ثقاته فشاورهم فيما بلغه عن أهل الدعوة، فأجمع رأيهم على أن يبعث إلى قرى خزاعة ومن لجأ إليها من أهل الدعوة فيبيّتهم ويأخذ رجالهم ورؤساءهم قبل أن يتفاقم أمرهم، فقال لهم سلم بن أحوز: كان هذا الرأي يوم أشرت عليكم أقوى، ولم يفتكم بعد. فلمّا اتّسقوا على ذلك قال لهم عقيل بن معقل: إن فعلتم ذلك خالفتكم أحياء اليمن ورأوا أنكم تريدون هضمهم وإذلالهم بدخولكم عليهم في منازلهم، ولا آمن أن يدعوهم ذلك إلى أن يدخلوا فيما دخل فيه القوم، ويسوّدوا كما سوّدوا، ولكني أرى أن تناظرهم وتبعث إليهم، فإن سهّلوا لكم الإقدام عليهم أقدمتم عليهم، وإن منعوكم عملتم على قدر ذلك، وما أهون شوكة هؤلاء إن كفّت عنهم اليمن وربيعة. فبلغنا أنّ عاصم بن عمير السمرقندي قال لهم: لا يجيبكم والله ابن الكرماني إلى إسلامهم، والحيلة بينكم وبينهم أبدا، فانقضى المجلس على ذلك ولم يبرموا فيه رأيا. وبلغ ما كان من ناحيتهم فيما [١٣٣ ب] أرادوا به أبا مسلم ومن معه، فلقي سليمان بن كثير فشاوره في ذلك، فقال: أرى أن تبادر القوم قبل أن يبادروك، وتكاثرهم قبل أن يكاثروك، فإنّ أيسر مالك عند ابني

стр. 270

الكرماني أن يكفّا عنك ولا يعينا عليك، ولعلهما سيميلان إليك أن لطّفت لهما، واجمع إخواننا فإنّه لا يستقيم الإقدام على منافرة القوم إلّا بعد مناظرتهم في ذلك، فبعث إليهم فاجتمعوا فخبّرهم بما انتهى إليه عن نصر، وما رأى من المبادرة بالظهور قبل استحكام مكيدة عليهم، فوافقه القوم على ذلك، ونشطوا له، واتّعدوا لإظهار أمرهم يوم الفطر من سنة تسع وعشرين ومائة، فاستعدّ القوم لذلك. وإنّهم كذلك إذ خرج الحسن بن يزيد العنبري رأس بني تميم إلى جوسق له بقرية خرق [١] ومعه يعقوب الأعسر في خيل بني تميم، فجلس على دكّان له حتى أظلم الليل، وأمر بنار فأجّجت فسطع شهابها وأصحابه جلوس معه، فرأى ذلك أهل شنفير فظنّوا أنها نار رفعها الحسن لموعد بينه وبين بني تميم يجتمعون لها، فأمر أبو مسلم فرفعت من الموضع الّذي كان فيه بشنفير نار، فاجتمع إليهم من كان في قرى خزاعة وغيرها ممن عرف أمرهم ومن لم يعرفه، فأمّا من عرفه فلدعوتهم، وأمّا من لم يعرفه فاجتمعوا لمنع أبي مسلم [١٣٤ أ] إذ حلّ بينهم وفي جوارهم، والدفع عن حرمتهم. وبعث سليمان من تعرّف لهم قصّة النار وسبب رفعها، فانصرف رسوله فخبّره أنّها نار أجّجت ليصطلوا بها ويستضيئوا بها، وليست لشيء ممّا ظنّوا. وأصبحوا على ذلك، فلمّا تيقّنوا الخبر أرادوا التفرّق والكفّ لما كانوا وقّتوا وواعدوا عليه إخوانهم من الظهور في يوم الفطر، فقال لهم كامل بن المظفّر: إنّ ما كان مستترا من أمرهم قد انكشف بما كان منكم في هذه الليلة، ولا ينتصف النهار حتى يشيع ذلك، ويبلغ نصرا وغير نصر وتسير به الركبان، فأنتم الآن من أهمّ الأمور إلى نصر وأعظمها بليّة عليه في نفسه ولم يأل [٢] عن قمعكم فإن تفرّقتم انتهز ذلك منكم

стр. 271

وركبكم على تفرقكم، وكنتم له نهزة الخاطف، وإن ثبتّم على اجتماعكم هاب القوم الإقدام عليكم ونزع إليكم أهل رأيكم وغيرهم ممن يسعى على نصر بما يكره، وإنّي لأرجو أن يكون ما قضى الله من اجتماعكم شيئا قويّا لعزّكم وقوّتكم. وقال سليمان بن كثير: صدق والله أبو صالح، والله ما تفرّق قوم بعد اجتماعهم إلّا ذلّوا وأكلوا، وقد رأيتم عند هذه الفزعة ما سرّكم من الكثرة والقوّة، فقال أبو مسلم: الرأي والله يا أبا محمد ما رأيتما، واتّفق القوم على [١٣٤ ب] ذلك، فلمّا أصبحوا، وذلك يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة عسكر بهم أبو مسلم في حائط حصين لسليمان، وفشا خبرهم فأقبلت الشيعة من كلّ وجه. وقدمت الدعاة بمن [١] أجابهم من إخوانهم فلم يمسوا يومهم ذلك حتى صاروا نحوا من الفين، وصبّحهم من الغد مثلهم، وتتابع الناس إليهم، فأتاهم عيسى بن شبل [٢] وأبو الوضاح وأبو قرّة في نحو من ألف رجل، فأفطروا وقد كثر جمعهم، وسوّدوا ثيابهم، ونصبوا أعلامهم، ونشروا راياتهم، فصلّى بهم سليمان بن كثير يوم العيد، وهي أول جماعة كانت لأهل الدعوة. فبينما هم على ذلك إذ قدم على أبي مسلم كتاب من أبي سلمة: متى ظهرت فلا تعدلن بأن تخندق على نفسك ومن معك فإنّ ذلك رأي الإمام، وفيه عزّك، وسينزع إليك أعداء نصر ومن حاربه ليتعززوا بك، ودافع الحرب ما استطعت، وقدّم وأخّر، ولا توحش نصرا منك إلى دخول المحرّم. فأقام أبو مسلم بمعسكره اثنين وأربعين يوما، وبعث عمرو بن أعين وأبا داود إلى طخارستان [٣] لما أمر من بها من الشيعة بالاستعداد إلى أن

стр. 272

يأتيهم رأيه فإن بسط أحد إليهم يده بمكروه امتنعوا وقاتلوا. وأتاه على بقية ذلك كتاب أسيد يخبره بما سار إليه [١٣٥ أ] من محاربة عاصم بن قيس بنسا، فوجّه إليهم موسى بن كعب ليقوم بمحاربة من بنسا وأعدائهم، ويذبّ عن الشيعة، ووجّه النضر بن صبح إلى مروالروذ في مثل ذلك. وقد توجّه العلاء بن حريث قبل ذلك، حيث أجمع رأيهم على أن يعسكر بشنفير ويوجّه إلى نواحيه التي كان يدعو فيها من خوارزم وآمل [١] ومن بخارى [٢] والسّغد، وكتب إليه أبو مسلم بالعمل فيما يليه بما يرى، ويتوقّى أن يناجز عدوّه إلى دخول المحرّم. وأتاه ظهور أهل الطالقان قبل قدوم أبي داود وعمرو بن أعين عليهم، فزاد ذلك في قوته، وكان ظهور أهل نسا والطالقان ومروالروذ وآمل ونواحيها قريبا [٣] بعضه من بعض. ثم إنّ سليمان بن كثير وعدة ممن كان يغزو مغازي خراسان وصحّت تجاربه في الحرب تناظروا فيما بينهم فرأوا أن يخندقوا على أنفسهم، ولقوا أبا مسلم فأشاروا عليه بذلك، فقال لهم: هو الرأي وقد أمرنا به. فركب سليمان بن كثير وأبو مسلم فارتادا موضع خندق بشنفير، فلم يجدا [٤] موضعا أوفق لهما من الماخوان [٥]- قرية خالد بن عثمان بن مسعود- فخندق أبو مسلم بها خندقا حصينا وتحوّل إليه يوم الخميس لثماني ليال خلون من ذي

стр. 273

القعدة. وأمر محرز بن إبراهيم- وكان عظيم القدر في الدعوة، شديد الاجتهاد في [١٣٥ ب] الدعاء إليها، مشهورا بذلك- أن يعسكر بقرية يقال لها جيرنج [١] بأعلى مرو وفيما يلي طريق مروالروذ وتلك الكور ليأمن بمكانه من يأتيه من أهل تلك الناحية ويكون ممن بمرو رسله عليه، فلم يزل محرز هناك مقيما في نحو من ألف رجل حتى دخل أبو مسلم الحائط بمرو، وغلب عليها وعسكر بباب سرخس، فانضم إليه محرز عند ذلك. ولمّا تحوّل إلى خندق الماخوان تحوّل وقد كثر جمعهم، وأبو صالح يدبّر الأمور ويلي أمر مكائدهم ويكتب كتبهم، وإليه تجتمع الأموال والغنائم وقسمتها، وإليه إعطاء الجند، وهو صاحب سرّهم. وقد ذكروا أنّ أسلم بن صبيح كان على الرسائل، فاجتمعوا يوما لينظروا في شيء من أمورهم فأرادوا أن يرسلوا في شيء اتّفقوا عليه فلم يجدوا بحضرتهم أحدا، فقال سليمان بن كثير: هذا وهن، أرى أن ننتخب عدة رجال يكونون حرسا أو أشباه حرس، يحفظون أبا مسلم، فإن احتجنا إلى من نرسله أو نوجّهه في بعض أمورنا تناولنا ذلك منهم، وكانوا حفظة لما يرد علينا من الأموال والغنائم، وننتخب رجلا يقوم بأمر عسكرنا يذبّ عنه ويحكم بين أهله وينفي أهل الريب منه. فقبلوا ذلك منه [٢] واتّفقوا عليه، فرأوا أن ولّوا [٣] أبا نصر مالك بن الهيثم أمر العسكر [١٣٦ أ] كهيئة صاحب الشرط، وجعلوا نصر بن مالك خليفته يسير بين يدي أبي مسلم إذا

стр. 274

ركب، وولّوا الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وولّوا القاسم [١] بن مجاشع القضاء، فكان يصلّي بأبي مسلم ومن معه طول مقامه بالخندق ويقصّ [٢] بعد العصر ويذكر جور بني أميّة ومعايبهم وفضل بني هاشم وحقهم، وانتخبوا سبعين رجلا، فكانوا في ذلك حتى قدم على أبي مسلم عمرو بن أعين في أهل الطالقان فكثرت جماعته فزاد في حرسه وصيّر منهم أهل النجدة والقوة وأهل البصائر، فلم يزالوا على ذلك حتى كان من أمره ما كان. وركب أبو مسلم ذات يوم ومعه سليمان بن كثير وكامل وأبو إسحاق ولاهز والقاسم ابن مجاشع، فخرج من الخندق، فسار قليلا ثم وقف، فبينا هو واقف إذ أقبل رجل بيده عصا يريد الخندق، فسار قليلا ثم وقف، فلما نظر إليه أبو مسلم دعاه، فقال: من أنت؟ وما تريد؟ قال: أنا غلام لعاصم بن عمرو السمرقندي، جئتكم راغبا في دعوتكم. فقال له أبو مسلم: أمسلم أنت؟ قال: نعم. قال: اتبعنا إلى الخندق. ورجع إلى الخندق فجمع رؤساء الشيعة ووجوههم يومئذ، فقال: إنّ الله جعل دعوتكم [٣] أمنا وعزّا لمن لجأ إليها، فمن دخلها من حرّ أو عبد فقد وجب حقّه عليكم إذ صارت يده مع أيديكم وصحت حرمته [١٣٦ ب] وإنّ هذا الرجل ذكر أنّه عبد لعاصم، أقبل إليكم ناصرا لكم، راغبا في دعوتكم، فقد وجب حقّه بذلك عليكم، وقد أعتقه الله الّذي هو أولى به من عاصم، وأيّما عبد أتانا راغبا في أمرنا قبلناه، وكان له ما لنا وعليه ما علينا، فصوّب من حضره رأيه في ذلك.

стр. 275

ووافقهم نزوع [١] العبيد من عسكر عدوّهم، وانتشر ذلك وتحدّث به بمرو في عسكر نصر وعلي بن الكرماني. وكان مصعب بن قيس داعية العبيد، لم يكن يدعو غيرهم، وأقبلت العبيد تأتي أبا مسلم وتنزع إليه، فلمّا كثروا صيّر لهم موضعا في خندقه على حدة، وولّى عليهم داود بن كرّاز [٢] . وجعل الرجل بعد الرجل يأتي أبا مسلم فيقول: غلامي هرب إليك، فلمّا رأى كثرة من يأتيه منهم وشكواهم من مواليهم أمر فنودي أنّ الأمير يأمركم أن ترجعوا إلى مواليكم، فأتاه قائدهم أبو سعيد، وقالوا أبو شراحيل، فقال: إنّ المنادي نادى بأن ترجع العبيد إلى مواليهم، وكيف يرجعون إليهم وقد خالفوهم وأسخطوهم في حبّ آل محمد، قال الله : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ من أَنْفُسِهِمْ ٣٣: ٦ [٣] ، فرجعوا إلى خندقهم، ولما كثر عليه في أمرهم وجّههم إلى موسى بن كعب [٤] ، فكانوا أول جند أمدّ به أهل أبيورد ونسا. فما زال عسكره يزداد بكل وجه ويقوى وتجيئه الناس وقد كفّ [١٣٧ أ] عن القتال وفتح الله عليه كثيرا من البلاد بالصبر والدعاء والمداراة خمسة أشهر، لم يقاتل فيها. فلما أهلّ بهلال المحرّم من سنة ثلاثين ومائة وهو في نحو من عشر آلاف رجل، كان [٥] ما ظهر من أمر الدعوة أثقل على نصر بن سيّار من حرب علي وشيبان. فبلغنا أنّه بعث إلى أبي مسلم رجلا من بني ليث ورجلا من باهلة يسألانه عن حاله ودعوته وسبب خروجه، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير ووجوه من معه، فلمّا حضروه قال لهم: إنّ هذين

стр. 276

أتياني برسالة نصر، فكرهت أن أسمع منهما أو أجيبهما بشيء حتى تحضروا ذلك. وقد حضرهم وقت الصلاة، فأذّن المؤذن، فقام أسلم [١] بن أبي سلام فقال له أبو مسلم: أين؟ قال: أتوضأ وأعود، فقال لرسولي [٢] نصر: ونحن نريد ذلك، فإن شئتما فأقيما حتى نفرغ من أمر صلاتنا، وإن كانت بكما حاجة إلى الوضوء فامضيا مع أسلم حتى تقضيا حاجتكما ثم تنصرفا [٣] معه، ونتفرغ فيما جئتما له. فنهضا مع أسلم إلى منزله، فقال أحدهما: والله ما كنّا نحسبكم تصلّون، فقال أسلم: ومن يقيم الصلاة لحقها غيرنا؟ ألستما تعرفانني قبل اليوم؟ قالا: بلى. قال: أفتريانني كنت خارجا من الإيمان داخلا في الكفر؟ لا تغترّا بأقاويل من يشنّع علينا فو الله إن أصبح الحق في شيء من المواطن يدار به إلّا في موضعنا هذا الّذي نحن فيه [١٣٧ ب] فلا تغبنا حظكما منه. فتوضّأ ودعا لهما بوضوء فتوضّيا وصلّيا، ثم دعوا بهما إلى أبي مسلم فدخلا عليه وهو يصلي، فكبّرا وجلسا، ونظر أحدهما إلى سنّور يتردد في البيت فكبّر. فلما فرغ أبو مسلم من صلاته قال لهما: لم كبّرتما؟ قال أحدهما: كان يقال لنا إنّكم لا تصلّون وإنّكم تعبدون السنانير، فلمّا رأيناك تصلي ورأينا السنّور [مهينا لديكم] [٤] علمنا أنّ ما قيل فيكم باطل. فلمّا تتامّ إلى أبي مسلم وجوه أصحابه قال لرسولي نصر: قولا ما أحببتما. قالا: ونحن آمنان؟ قال: نعم. فقالا له: من أنت؟ فهو أوّل ما أمرنا به أن نسألك عنه. فقال: أنا عبد الرحمن بن مسلم. فقالا له: فما دعوتك؟ فقال: إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وإلى

стр. 277

الرضا من آل رسوله [١] . قالا له: فمن بعثك بهذا؟ قال: إمام قد افترضت طاعته. قالا: فمن يعلم بذلك؟ قال جميع من بحضرته [٢] : نحن نعلم ذلك. فقالا: ومن أين علمتموه؟ قالوا: أتاه أكثر من يرى [٣] ولقوة. قالا: فدلّونا عليه حتى نلقاه فإذا صحّ ما ذكرتم من أمره دخلنا [٤] في مثل ما دخلتم فيه، وكنّا وأنتم يدا على من خالفنا. فقال أبو مسلم: إن أجبتمانا ووثقتما له وأعطيتمانا ما نطمئنّ إليه منكما جمعنا بينكما وبينه [٥] ، فأمّا أن ندلّكما على صاحبنا وأنتما مقيمان على باطلكما فلا. وزعم أسلم بن صبيح قال: قالا له يومئذ ممن أنت؟ [١٣٨ أ] قال: أنا امرؤ [٦] من المسلمين لا أعتزي إلى قبيل دون قبيل، ولقد هلك أبي في غير بلده، وجرت عليّ نعم لغير واحد، قد قال فيها قائلون، غير أنّ نسبي الإسلام، ونصري لآل محمد، وإنّي لصحيح المركب فيمن [٧] أنا فيه. فانصرف رسولا نصر بذلك وقالا له: نظنّك والله قد رميت بالداهية الكبرى، فانظر لنفسك أو دع.

стр. 278

مراسلة نصر بن سيار أبا مسلم قال نصر: عودا إليه وامض معهما يا حيّة، وكان حيّة رجلا يتأله، وربما ذكّر ووعظ، وقال لهم نصر: حاجّوه واذكروا أمر العبيد وما صنع بمواليهم، وما صنع أصحابه بنسا وغيرها، وما يقول في اختصاصه أهل اليمن. فعادوا إليه، فبدأ حيّة فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكّره وعظّم عليه ما صنع في العبيد، وما كان من إيقاع إخوانه بنسا وغيرها والطالقان ومروالروذ وآمل، فلما فرغ من كلامه حمد الله أبو مسلم [١] وكان نزر الكلام، وقال: أمّا العبيد فلسنا نكره أحدا منهم، فمن أراد مولاه فشأنه، وإن أنفذتم أحكامنا حكمنا بينهم وبين مواليهم بالحق [٢] ، وأمّا أهل نسا وطالقان وآمل فإن الّذي كان منهم لم يكن عن رأينا ولا بأمرنا ولكنّهم أمّة أريد ظلمهم وسفك دمائهم فامتنعوا فلا حجّة عليهم. وقد كان حيّة أجاب الدعوة ثم رجع، فقال [١٣٨ ب] له أبو مسلم: أليست بيعتنا في عنقك؟ قال: كنت قد بايعتكم على كتاب الله وسنّة نبيّه. قال: فما أنكرت؟ قال: في كتاب الله وسنّة نبيّه وسنّة علي بن أبي طالب أن تأخذ عبيد أهل القبلة فتغضبهم من مواليهم؟ فقال أبو مسلم: قد خبّرتكم بحجّتي في العبيد، أو لم أردد على رجل منكم ثلاثة [٣] من عبيده؟ فاتقوا الله فإنّما ندعوكم إلى كتاب الله، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات. فقالوا له: قد بلغنا أنك تقول: إنّ صاحبك أمرك أن تنزل في أهل اليمن وتتألف ربيعة وتحذر

стр. 279

مضر، ففي كتاب الله هذا؟ أما تعلم أنّ نبيّ الله ﷺ كان رجلا من مضر؟ فقال لاهز: لكم في هذا قول، فنظر إليه أبو مسلم نظرا شديدا. فقال سليمان بن كثير: لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ٣٣: ٢١ [١] ، اختص رسول الله ﷺ أهل اليمن لطاعتهم وإيمانهم، وجانب قومه وأقربيه لكفرهم ومعصيتهم. فقال أبو مسلم: نعم أمرني الإمام أن أنزل في أهل اليمن وأتألّف ربيعة، ولا أدع نصيبي من صالحي مضر وأحذر أكثرهم من أتباع بني أميّة، وأجمع إليّ العجم واختصّهم، وإنّما الأعمال بخواتيمها، قال الله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ٢٨: ٥ [٢] ، ومن أتانا من مضر [١٣٩ أ] ودخل في أمرنا وصحح لنا قبلناه وحملناه على رءوسنا، ومن عاندنا استعنّا الله عليه وكان الله حكما بيننا وبينه. فرضي قوله من حضر من الشيعة، وانصرف رسل نصر إليه بما ثقل عليه، وانتشر قول أبي مسلم وتحدث به، فسارعت الأعاجم وكثير من أهل اليمن وربيعة إلى الدعوة من بين متديّن بذلك أو طالب بذحل [٣] أو موتور يرجو أن يدرك بها ثأره، وأتاه عدّة من ذوي البصائر من مضر. ولمّا رأى سليمان وأبو مسلم إقبال الأمر عليهم جمعوا [٤] وجوه الشيعة من الدعاة والنقباء فتناظروا في أمرهم، فرأوا أن يبعثوا إلى الفريقين فيعرضوا عليهم أمرهم، واتسقوا على ذلك، فقال أبو مسلم: قد أمرنا الإمام باختصاص اليمن، فقال سليمان: إنّ عرضك أمرك على نصر لا يفسد عليك رأيك

стр. 280

وما أمرت به في اليمن، وإرسالك إليه حجّة لك عليه وفيه رضا من معك من مضر. قال: فقبل أبو مسلم بذلك، وبعث إلى نصر يعرض عليه أمره عرض ترغيب فيه، وأراه الميل إليه. وكان رسوله إليه لاهز بن قريظ [١] فلقي نصرا فكلّمه وأرغبه وأرهبه، فامتنع نصر ونفر من ذلك وقال للاهز: بئس وافد العشيرة أنت! يدعوني صاحبك إلى أن يعزلني ويتقدمني والسلطان في يدي والنعمة عليّ، لا ولا كرامة. فقال له لاهز: يقدّمك، ويسمع ويطيع لك، ويصلي [١٣٩ ب] خلفك وينفذ حكمك. فقال البحتري بن مجاهد- مولى شيبان- كاتب نصر: خدع كخدع الصبيان. قال نصر: ما أفلح من غررتموه [٢] ، فانصرف لاهز إلى أبي مسلم فأخبره بما لقي منه [٣] . وذكروا أنّ أبا مسلم بعث إلى نصر وفدا، فيهم أبو الحكم عيسى بن أعين والهيثم بن زياد الخزاعي وأبو البحتري عمر بن معبد الخزاعي، وكتب معهم إلى نصر كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه أهل الدعوة، ويعلمه أنّ هذه الرايات السود التي أظهرها هي التي لم يزل يسمع بها، ويحذره من أن يكون من [٤] صرعاها، وأنّه قد وجّه إليه فلانا وفلانا وفلانا، وليسمع منهم. فأتى الوفد نصرا، فدفعوا إليه كتاب أبي مسلم، وعنده سلم بن أحوز المازني ومنصور بن عمر بن أبي الخرقاء [٥] السلمي وعقيل بن معقل الليثي ويحيى ابن حصين الرقاشيّ وعبد الله بن حبيب الهجريّ والبحتري بن مجاهد، فقرأ نصر الكتاب، ثم قال: ليتكلم متكلمكم. فقام أبو الحكم عيسى بن أعين،

стр. 281

فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ، ثم قال: أمّا بعد فإنّا قوم الله ربنا ومحمد ﷺ نبيّنا، والكعبة البيت الحرام قبلتنا، والرضا من آل محمد إمامنا، ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإحياء ما أحيا القرآن وإماتة ما أمات القرآن، [١٤٠ أ] والرضا من آل محمد، يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وَآمِنُوا به يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمن لا يُجِبْ داعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ من دُونِهِ أَوْلِياءُ ٤٦: ٣١- ٣٢ [١] ، فإن فعلتم فحظّكم أصبتم، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم وغلب عليكم الشقاء فنحن ندعوكم إلى الموادعة، فلا نبدؤكم بحرب حتى نؤذنكم ولا تبدءونا بحرب حتّى تؤذنوننا، ثم جلس. فقام سلم بن أحوز فقال: أصلح الله الأمير ائذن لي في جوابه، فقال نصر: اجلس. ثم قام ثانية فقال: ائذن لي في جوابه، فقال نصر: أجبه، ولا أراك تجيبه بما ينفع. فقال سلم: أمّا ما دعوتنا إليه من أمركم هذا فلا حاجة لنا فيه، وأمّا ما ذكرتم من سنّة رسول الله ﷺ فما أنتم وذاك؟ نحن أولى به منكم، نحن العرب وأبناء العرب، وأنتم علوج سفلة عبدة السنانير، وأمّا الموادعة فإن شئتم وادعناكم على أن تكونوا معنا على هذا المزدي، وإلّا فلا شيء لكم عندنا إلّا السيف. ونظر منصور بن عمر إلى أبي الحكم فقال: من أيّ علوجنا أنت؟ فقال نصر: أف لكم! ما أخوفني أن يصرعكم هذا القول والبغي. فقام أبو الحكم وصاحباه وهم يقولون: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فلما خرجوا قال نصر ليحيى بن الحصين: ما تقول أيها الشيخ؟ قال: ما أرى بالموادعة بأسا. [١٤٠ ب] قال نصر: أجل والله ما أرى بها بأسا

стр. 282

إن تركنا هذا السفيه. ثم أطرق نصر مليّا ثم قال: هذا والله رأي من تركه ندم، والله ما زلنا نسمع بالرايات السود حتى رأيناها وابتلينا بها، وباللَّه لو أنّي أعلم أنّي آمن [١] فيهم لأسرعت إليهم وكنت رجلا منهم، ولكن كيف لي بذلك وأنا عندهم قاتل يحيى بن زيد وهم يبكون عليه ويندبون صباحا ومساء. وبعث أبو مسلم أسلم بن أبي [٢] سلام البجلي إلى عليّ بن الكرماني يعرض عليه أمره ودعوته، ويعلمه أنّه مؤمّره على نفسه ومجاهد معه من خالفه، وأنّ الإمام قد أمره بذلك. وذكروا أنّ سليمان بن كثير لقي علي بن الكرماني يومئذ مع أسلم، فقال له: قد سمعت أباك يوم وقع بينه وبين نصر ما وقع من التباعد يقول: لهفي [٣] على قائم يقوم من آل محمد، ولو أنّ راية ترفع، أين دعاة آل محمد، فكان يتمنّى ما أتاك الله به عفوا، وأقبلا عليه يحرضانه ويرغّبانه ويقولان له: تدرك ثأرك من نصر، فلم يزالا به حتى أجابهما إلى قبول الدعوة، فأخذا بيعته وانصرفا. وبعث علي بن الكرماني أخاه عثمان إلى أبي مسلم يستوثق منه ويؤكّد عليه أن تكون يده مع يده حتى يستأصلا نصرا ومن معه. وبلغ أبا مسلم إقبال عثمان بن الكرماني إليه فخرج من عسكره [١٤١ أ] متلقيا له [٤] ، فالتقيا فيما بين العسكرين في منزل رجل من طي يقال له ابن حكيم، وقالوا في منزل حميد بن الخطاب المهري، وأخذ أبو مسلم بيعة عثمان ومن كان معه من قومه، واستوثق لنفسه ولعلي على أبي مسلم. وبلغنا أنّ أبا مسلم قال لعثمان: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتجاهدون من خالفنا

стр. 283

في دعوتنا وتناصحونا في قتال نصر وأشياع مروان، فقال عثمان: نعم قد كنّا على سبيل ضلال نناصح في قتال نصر وأعوانه، فكيف لا يكون ذلك منا على سبيل خير وهدى وحق. وافترقا على ذلك، ولم يكشفا أمرهما، وتحدّث بذلك، وانصرف أبو مسلم إلى عسكره وعثمان إلى عسكر أخيه. وبلغ نصر بن سيّار إجابة عليّ أبا مسلم، ورأى تسارع الناس إليه ولحوق كثير ممن في عسكره به، فأرسل إلى عليّ بن الكرماني: إن الحرب كانت بيننا على الحميّة، وقد كانت لبعضنا على بعض فيها بقية ترجع إلى ألفة العرب، وقد نجم بين أظهرنا من همّته استئصالنا جميعا، قد بلغك ما أوقع هؤلاء القوم بنسا وطالقان [١] ومروالروذ وآمل وزمّ [٢] ، وقلة إبقائهم على حرمة العرب، فهلمّ فلتجتمع أيدينا عليهم فإذا حصدناهم عاودنا ما كنّا فيه، أو حكّمناك فأنفذنا حكمك، ورضينا بذلك. وأرسل بذلك إليه جهم ابن مسعود والبحتري بن مجاهد، فقال علي: عودا [١٤١ ب] إليه فقولا له: والله ما وفيت لي قبل اليوم، فكيف أثق بك اليوم، وإنّما تدعوني إلى نفسك وفلّ حدي عنك، والله لو قدرت أن أقاتلك بحرشان [٣] الأرض فضلا عن إنسها فعلت، وقد سنح لي من أمر هؤلاء شيء قد رجوت به صلاح أجلي ودرك قتلي قبلك، فاله عمّا أخذت فيه، فليس لك عندي إلّا السيف حتى يحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين. فأتياه بذلك، فبعث نصر إلى جبلة بن أبي دؤاد فقال له: إنّما قد وقعنا في أمر سيأتي على الأنفس والحريم، وقد لج فتاك هذا فأخبره أنّه خدع،

стр. 284

وأنّه سيندم على إجابة هذا الرجل ويطلب أن يستقبل من خطأه فلا يقدر على ذلك. فأتى جبلة عليّا فخبّره بقول نصر، وخوّفه وحذّره، فأبى إلّا مضيّا على إجابة أبي مسلم والجد معه في إظهار الدعوة، فانصرف إلى نصر فخبّره بذلك. فلمّا رأى نصر ذلك بعث إلى المتفقّهين والمتنسّكين ومن أقام على الدخول في شيء من فتنتهم، فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه وقال، إنّكم كرهتم مشاهدتنا في حربنا هذه وزعمتم أنها فتنة القاتل والمقتول فيها في النار، فلم نردد عليكم رأيكم في ذلك، وهذا حدث قد ظهر بحضرتكم: هذه المسوّدة وهي تدعو إلى غير ملّتنا وقد أظهروا غير سنتنا، وليسوا من أهل قبلتنا يعبدون السنانير ويعبدون [١٤٢ أ] الرءوس [١] ، علوج وأغتام [٢] وعبيد وسقّاط العرب والموالي. فهلمّوا فلنتعاون على إطفاء نائرتهم [٣] وقمع ضلالتهم، ولكم أن نعمل بما في كتاب الله وسنة نبيّه وسنة العمرين بعده. قالوا: فأجابوه إلى مظاهرته على حرب أبي مسلم والجد معه في ذلك، وتلافي [٤] الناس به، وتداعى إليه كثير منهم، وبلغ ذلك أبا مسلم. تدبير أبي مسلم ونصر في محاربة بعضهم بعضا وبلغ ذلك أبا مسلم، فكبر عليه اجتماع أهل الدين والعوام على حربه مع نصر، ولم يلق شيئا [٥] من المكايد أعظم في نفسه منه، فاغتمّ بذلك،

стр. 285

واهتمت الشيعة، وتلاقوا فيه، واجتمعوا له عند أبي مسلم فتناظروا فيه. فزعم مزيد [١] بن شقيق قال: اجتمعنا لذلك عند أبي مسلم، فقال سليمان بن كثير: إنّما ينبغي لك أن تجمع إخوانك بعد إبرامك الرأي، فإذا أردت أن تصدره عرضته عليهم فإن رأوا إنفاذه أنفذته. فقال أبو مسلم: الحقّ فيما قلت، ثم نهض وأخذ بيد سليمان وخالد بن عثمان، ثم دعوا القاسم ابن مجاشع ثم دعوا أسلم بن أبي سلّام فتذاكروا عظيم ما رموا به من القرّاء وإجابتهم نصرا. قال أبو منصور غالب بن سعد [٢] : فلما شاورهم في ذلك قال له أسلم بن أبي سلّام: عندي في هذا شيء ليس يفسده عندي [٣] إلّا أني منفرد [٤] بالرأي، وإن وافقتموني عليه فهو الحزم وفيه القوة والخروج [١٤٢ ب] من غمّ ما أتانا من قبل هذا الفاجر إن شاء الله. قال أبو مسلم: هات، فربّ هنة فرّجتها برأيك. قال: أرى أن تبكر بالغداة فتجمع أهل خندقك، ثم تخبرهم أنك أمرت بدعاء الناس كافة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وإلى الرضا من آل رسول الله ﷺ ، والعمل بالحق والعدل [٥] ، وإنّ من تابعك على ذلك فله ما لك وعليه ما عليك، ومن أنكر ذلك جاهدته في الله حقّ جهاده، ثم تبدأ بنفسك وتبايع على ذلك، ثم تدعو بوجوه إخوانك فتأخذ عليهم البيعة بمثله، ثم تدعو جماعة الناس فتبايعهم حتى لا يبقى أحد من أهل الخندق إلّا بايع. فبلغنا أنّ خالد بن عثمان قال: هذا والله الرأي، وقال له سليمان: الثقة فيما رأيت، وقال أبو صالح والقاسم بن مجاشع: نعم الرأي هذا. قال أبو مسلم: المؤمن موفّق،
следующие страницы →