فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ، ثم قال: أمّا بعد فإنّا قوم الله ربنا ومحمد ﷺ نبيّنا، والكعبة البيت الحرام قبلتنا، والرضا من آل محمد إمامنا، ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإحياء ما أحيا القرآن وإماتة ما أمات القرآن، [١٤٠ أ] والرضا من آل محمد، يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وَآمِنُوا به يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمن لا يُجِبْ داعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ من دُونِهِ أَوْلِياءُ ٤٦: ٣١- ٣٢ [١] ، فإن فعلتم فحظّكم أصبتم، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم وغلب عليكم الشقاء فنحن ندعوكم إلى الموادعة، فلا نبدؤكم بحرب حتى نؤذنكم ولا تبدءونا بحرب حتّى تؤذنوننا، ثم جلس. فقام سلم بن أحوز فقال: أصلح الله الأمير ائذن لي في جوابه، فقال نصر: اجلس. ثم قام ثانية فقال: ائذن لي في جوابه، فقال نصر: أجبه، ولا أراك تجيبه بما ينفع. فقال سلم: أمّا ما دعوتنا إليه من أمركم هذا فلا حاجة لنا فيه، وأمّا ما ذكرتم من سنّة رسول الله ﷺ فما أنتم وذاك؟ نحن أولى به منكم، نحن العرب وأبناء العرب، وأنتم علوج سفلة عبدة السنانير، وأمّا الموادعة فإن شئتم وادعناكم على أن تكونوا معنا على هذا المزدي، وإلّا فلا شيء لكم عندنا إلّا السيف.
ونظر منصور بن عمر إلى أبي الحكم فقال: من أيّ علوجنا أنت؟ فقال نصر:
أف لكم! ما أخوفني أن يصرعكم هذا القول والبغي. فقام أبو الحكم وصاحباه وهم يقولون: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فلما خرجوا قال نصر ليحيى بن الحصين: ما تقول أيها الشيخ؟
قال: ما أرى بالموادعة بأسا. [١٤٠ ب] قال نصر: أجل والله ما أرى بها بأسا
стр. 282
إن تركنا هذا السفيه. ثم أطرق نصر مليّا ثم قال: هذا والله رأي من تركه ندم، والله ما زلنا نسمع بالرايات السود حتى رأيناها وابتلينا بها، وباللَّه لو أنّي أعلم أنّي آمن [١] فيهم لأسرعت إليهم وكنت رجلا منهم، ولكن كيف لي بذلك وأنا عندهم قاتل يحيى بن زيد وهم يبكون عليه ويندبون صباحا ومساء.
وبعث أبو مسلم أسلم بن أبي [٢] سلام البجلي إلى عليّ بن الكرماني يعرض عليه أمره ودعوته، ويعلمه أنّه مؤمّره على نفسه ومجاهد معه من خالفه، وأنّ الإمام قد أمره بذلك.
وذكروا أنّ سليمان بن كثير لقي علي بن الكرماني يومئذ مع أسلم، فقال له: قد سمعت أباك يوم وقع بينه وبين نصر ما وقع من التباعد يقول:
لهفي [٣] على قائم يقوم من آل محمد، ولو أنّ راية ترفع، أين دعاة آل محمد، فكان يتمنّى ما أتاك الله به عفوا، وأقبلا عليه يحرضانه ويرغّبانه ويقولان له: تدرك ثأرك من نصر، فلم يزالا به حتى أجابهما إلى قبول الدعوة، فأخذا بيعته وانصرفا. وبعث علي بن الكرماني أخاه عثمان إلى أبي مسلم يستوثق منه ويؤكّد عليه أن تكون يده مع يده حتى يستأصلا نصرا ومن معه.
وبلغ أبا مسلم إقبال عثمان بن الكرماني إليه فخرج من عسكره [١٤١ أ] متلقيا له [٤] ، فالتقيا فيما بين العسكرين في منزل رجل من طي يقال له ابن حكيم، وقالوا في منزل حميد بن الخطاب المهري، وأخذ أبو مسلم بيعة عثمان ومن كان معه من قومه، واستوثق لنفسه ولعلي على أبي مسلم. وبلغنا أنّ أبا مسلم قال لعثمان: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتجاهدون من خالفنا
стр. 283
في دعوتنا وتناصحونا في قتال نصر وأشياع مروان، فقال عثمان: نعم قد كنّا على سبيل ضلال نناصح في قتال نصر وأعوانه، فكيف لا يكون ذلك منا على سبيل خير وهدى وحق. وافترقا على ذلك، ولم يكشفا أمرهما، وتحدّث بذلك، وانصرف أبو مسلم إلى عسكره وعثمان إلى عسكر أخيه.
وبلغ نصر بن سيّار إجابة عليّ أبا مسلم، ورأى تسارع الناس إليه ولحوق كثير ممن في عسكره به، فأرسل إلى عليّ بن الكرماني: إن الحرب كانت بيننا على الحميّة، وقد كانت لبعضنا على بعض فيها بقية ترجع إلى ألفة العرب، وقد نجم بين أظهرنا من همّته استئصالنا جميعا، قد بلغك ما أوقع هؤلاء القوم بنسا وطالقان [١] ومروالروذ وآمل وزمّ [٢] ، وقلة إبقائهم على حرمة العرب، فهلمّ فلتجتمع أيدينا عليهم فإذا حصدناهم عاودنا ما كنّا فيه، أو حكّمناك فأنفذنا حكمك، ورضينا بذلك. وأرسل بذلك إليه جهم ابن مسعود والبحتري بن مجاهد، فقال علي: عودا [١٤١ ب] إليه فقولا له:
والله ما وفيت لي قبل اليوم، فكيف أثق بك اليوم، وإنّما تدعوني إلى نفسك وفلّ حدي عنك، والله لو قدرت أن أقاتلك بحرشان [٣] الأرض فضلا عن إنسها فعلت، وقد سنح لي من أمر هؤلاء شيء قد رجوت به صلاح أجلي ودرك قتلي قبلك، فاله عمّا أخذت فيه، فليس لك عندي إلّا السيف حتى يحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين.
فأتياه بذلك، فبعث نصر إلى جبلة بن أبي دؤاد فقال له: إنّما قد وقعنا في أمر سيأتي على الأنفس والحريم، وقد لج فتاك هذا فأخبره أنّه خدع،
стр. 284
وأنّه سيندم على إجابة هذا الرجل ويطلب أن يستقبل من خطأه فلا يقدر على ذلك. فأتى جبلة عليّا فخبّره بقول نصر، وخوّفه وحذّره، فأبى إلّا مضيّا على إجابة أبي مسلم والجد معه في إظهار الدعوة، فانصرف إلى نصر فخبّره بذلك. فلمّا رأى نصر ذلك بعث إلى المتفقّهين والمتنسّكين ومن أقام على الدخول في شيء من فتنتهم، فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه وقال، إنّكم كرهتم مشاهدتنا في حربنا هذه وزعمتم أنها فتنة القاتل والمقتول فيها في النار، فلم نردد عليكم رأيكم في ذلك، وهذا حدث قد ظهر بحضرتكم:
هذه المسوّدة وهي تدعو إلى غير ملّتنا وقد أظهروا غير سنتنا، وليسوا من أهل قبلتنا يعبدون السنانير ويعبدون [١٤٢ أ] الرءوس [١] ، علوج وأغتام [٢] وعبيد وسقّاط العرب والموالي. فهلمّوا فلنتعاون على إطفاء نائرتهم [٣] وقمع ضلالتهم، ولكم أن نعمل بما في كتاب الله وسنة نبيّه وسنة العمرين بعده.
قالوا: فأجابوه إلى مظاهرته على حرب أبي مسلم والجد معه في ذلك، وتلافي [٤] الناس به، وتداعى إليه كثير منهم، وبلغ ذلك أبا مسلم.
تدبير أبي مسلم ونصر في محاربة بعضهم بعضا
وبلغ ذلك أبا مسلم، فكبر عليه اجتماع أهل الدين والعوام على حربه مع نصر، ولم يلق شيئا [٥] من المكايد أعظم في نفسه منه، فاغتمّ بذلك،
стр. 285
واهتمت الشيعة، وتلاقوا فيه، واجتمعوا له عند أبي مسلم فتناظروا فيه.
فزعم مزيد [١] بن شقيق قال: اجتمعنا لذلك عند أبي مسلم، فقال سليمان بن كثير: إنّما ينبغي لك أن تجمع إخوانك بعد إبرامك الرأي، فإذا أردت أن تصدره عرضته عليهم فإن رأوا إنفاذه أنفذته. فقال أبو مسلم: الحقّ فيما قلت، ثم نهض وأخذ بيد سليمان وخالد بن عثمان، ثم دعوا القاسم ابن مجاشع ثم دعوا أسلم بن أبي سلّام فتذاكروا عظيم ما رموا به من القرّاء وإجابتهم نصرا. قال أبو منصور غالب بن سعد [٢] : فلما شاورهم في ذلك قال له أسلم بن أبي سلّام: عندي في هذا شيء ليس يفسده عندي [٣] إلّا أني منفرد [٤] بالرأي، وإن وافقتموني عليه فهو الحزم وفيه القوة والخروج [١٤٢ ب] من غمّ ما أتانا من قبل هذا الفاجر إن شاء الله. قال أبو مسلم: هات، فربّ هنة فرّجتها برأيك. قال: أرى أن تبكر بالغداة فتجمع أهل خندقك، ثم تخبرهم أنك أمرت بدعاء الناس كافة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وإلى الرضا من آل رسول الله ﷺ ، والعمل بالحق والعدل [٥] ، وإنّ من تابعك على ذلك فله ما لك وعليه ما عليك، ومن أنكر ذلك جاهدته في الله حقّ جهاده، ثم تبدأ بنفسك وتبايع على ذلك، ثم تدعو بوجوه إخوانك فتأخذ عليهم البيعة بمثله، ثم تدعو جماعة الناس فتبايعهم حتى لا يبقى أحد من أهل الخندق إلّا بايع. فبلغنا أنّ خالد بن عثمان قال: هذا والله الرأي، وقال له سليمان: الثقة فيما رأيت، وقال أبو صالح والقاسم بن مجاشع: نعم الرأي هذا. قال أبو مسلم: المؤمن موفّق،
стр. 286
الرأي ما رأيتم. ورجع أبو مسلم ومن معه إلى مجلسه وقد نودي بالعصر، فقال لمن حضر: بكّروا بالغداة جميعا ولا يتخلفنّ أحد، فانصرفوا على ذلك. ولم يبت نصر حتى أتاه الخبر بأنّ أبا مسلم أمر أصحابه بالاجتماع إليه لأمر يدبّره، فقال لعقيل بن معقل: انظر ما يأتينا به هذا الساحر الآن [١] ، وبعث عيونا له فدخلوا عسكر أبي مسلم من الغد، وصاروا إلى بابه، وأصبح أهل الخندق قد اجتمعوا بباب أبي مسلم، فخرج إليهم فقال: يا معشر المسلمين بلغنا أنّ [١٤٣ أ] نصر بن سيّار جمع قوما فخبّرهم بأنكم على غير دين الإسلام، وأنّكم تستحلون المحارم، ولا تعملون بكتاب الله ولا سنّة نبيّه ﷺ ، يريد بذلك ليطفئ نوركم، ويؤلّب عليكم الناس، وقد كان الإمام أمرنا وتوالت كتبه إلينا بأن ندعو الناس إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والعمل بذلك، وإظهار العدل، وإنكار الجور [٢] ، وأن أبايع الناس على ذلك، وأنا أول من بايع على كتاب الله تعالى وسنّة نبيّ الله والعمل بالحق والعدل ودفع الظلم عن الضعفاء وأخذ الحق من الأقوياء، خذ بيعتي يا أبا محمد، يقول ذلك لسليمان بن كثير. فأخذ بيعته سليمان وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتفينّ بما أعطيت من نفسك، قال: نعم.
ثم تتابع الناس على ذلك: بدئ فيه بذوي القدم من النقباء وغيرهم، ثم الوجوه، ثم العامة، حتى لم يبق أحد إلّا بايع، واضطرب الصوت به، وخرجت [به] [٣] الأخبار، وتحدّثت به العامّة، وانصرف إلى نصر جواسيسه فأخبروه بالذي كان، فأسقط في يديه، وأمسك عن أبي مسلم من كان قبل قول نصر وقالوا هؤلاء أولى بالإجابة إذ دعوا إلى كتاب الله وسنّة
стр. 287
رسوله ﷺ من نصر. فانتقض على نصر ما كان أبرمه لأهل الدعوة، ودخل الوهن عليه فيما كادهم به، وزاد في بصائر القوم، وحرّك [١٤٣ ب] ذلك من كان ممسكا عنهم بالنزوع إليهم، والاستبصار في أمورهم. وورد على أبي مسلم كتاب من جرجان أنّه قد اجتمع خلق كثير ليلحقوا بإخوانهم بمرو، فسرّ بذلك أبو مسلم وأصحابه، وبلغ الخبر نصرا فقال: قد أطبقت علينا الطالقان ومروالروذ وبلخ وما على شطّ النهر وأبيورد، وهذه مرو قد بلغ فيها ما بلغ ثم يأتيهم أهل جرجان، كأنّكم بالحبال قد وضعت في أعناقنا، ومن بجرجان من أصحابهم فصل [١] فيهم رجال قد رسخوا في هذا الأمر وقاموا به، وصاحبهم الّذي أنغل البلاد، وأفسد جرجان، وسيّر في كور خراسان، وهو صاحب طاغيتهم [٢] بكير ابن ماهان أبو عون. فكتب عند ذلك إلى مروان فيه كتابا أصيبت نسخته في عدة كتب من أسرار مروان يوم قتله عامر ببوصير [٣] :
أمّا بعد فإنّ بجرجان حيّة منطوية بين أحجار قد أنغلت على أمير المؤمنين ما بين الري إلى السّغد وكثير من العراق، وهو أبو عون، وبكنيته يعرف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلى صاحب جرجان من رأيه فيه ما يقطع فيه دائرة السوء ويستأصل شأفته فعل.
وكتب نصر بن سيّار إلى صاحب جرجان وإلى من بها من وجوه مضر، يخبرهم [٤] بمكان من قبلهم من الشيعة، ويسألهم حبسهم والشدة عليهم، فلما انتهى ذلك إلى من بها من وجوه مضر مشوا إلى العامل [١٤٤ أ] فقالوا له:
стр. 288
ابعث إلى هؤلاء القوم فاحبسهم، فبعث إليهم فحبس منهم عدة فيهم أبو عون وعامر بن إسماعيل وأبو إسماعيل محمد بن سعد وسنان بن عبد الله وأبو نصيب.
ولما تضايق الأمر بنصر عاود عليّا فبعث إليه: أحب أن ترسل إليّ رجلين من ثقات أصحابك أحمّلهم إليك رسالة لا مئونة عليك في استماعها، فبعث إليه المنتجع بن الزبير الأزدي ويعقوب بن يحيى بن الحصين الرقاشيّ، فلمّا لقياه قال لهما: مكانكما! أبلغا عني صاحبكما وقولا له: إنّ الأمر قد جل عن الّذي كنّا نقتتل عليه وعاقبة هذا التباين فيها البوار، فإذا أبيت أن تساعدني على حرب هؤلاء المسوّدة فوادعني أشهرا فقد شغلتني عن إطفاء جمرتهم، وضع الحرب بيني وبينك حتى أتفرّغ لهم وأحاكمهم فإن ظفرت بهم فأنت على رأس أمرك، وإن ظفروا بي فأنت أعلم بشأنك بعد، وأيقن أنهم إن ظفروا بي تفرغوا لك. فرجعا إلى علي فخبراه بمقالته. قال لهما:
ارجعا إليه فقولا: لست من خدعك في شيء، وقد عاقدت القوم، ولن أرجع عمّا أعطيتهم من نفسي، فأتيا نصرا فأبلغاه ذلك. فلمّا رأى نصر نفور علي منه، جمع أهل الرأي من أصحابه فقال لهم: ما ترون؟ أمّا هذا الفتى فقد لجّ في طغيانه وأبي أن يجيبنا إلى الكفّ عنّا. فقال له عقيل بن معقل: إنّه لن يجيبك، ولن يكفّ عنك، ونرى أن تراسل شيبان، ولعله [١٤٤ ب] أن يكونوا ألين عقدة وأقرب مأخذا، وإن أجابك أجابك علي، وإن لم يجبك علي وقد خذله شيبان تعلمه عظيم ما صاروا إليه من أمر أبي مسلم وأصحابه، وأخبره أنّه ليس قوم بأبعد من موافقته منهم، وأنّهم قد تشاغلوا بالذي بينهم عن إطفاء ثائرتهم، واسألهم [١] أن توادعهم لتتفرغ لهم، فإذا انقضى أمرهم تناظروا فيما نقموا، وتعاطوا إلى الحق فيما أنكروا،
стр. 289
وكان في ذلك صلاحهم وتفرغهم لمن قد أطلّ عليك من أمم الشرك. فأبى شيبان أن يجيبه إلى ذلك للذي كان يرى في جهاد نصر، ولما سبق منه إلى الكرماني. وكان سلم بن أحوز المازني في عسكره بإزاء علي بن معقل الحنفي في عسكره من أصحاب شيبان، فلما رأى نصر امتناع شيبان من الموادعة قال لسلم: إنّا إن قدرنا على استمالة علي بن معقل إلى الموادعة سهل ذلك علينا من قبل شيبان، فقد أرى أن تقاربه وتلقاه، فتعظم عليه ما صرنا إليه، وتدعو إلى الموادعة، وتخبره بما له في ذلك من الأجر، وما يكون له في ذلك عندنا وعند الخليفة من الثواب والمكافأة. فراسل سلم عليّ بن معقل، وتلاقيا فكلمه في ذلك وأخبره بالذي له فيه فأجابه وقال: نعم الرأي هذا أنا أعمل فيه، فإن أجابني شيبان وإلّا قوّضت عسكري فلحقت بكم أو تنحيت إلى بلادي فقد نهكتنا [١٤٥ أ] الحرب وأكلتنا. وعلي بن معقل يومئذ في نحو من خمسة وعشرين ألف رجل، فلقي شيبان فقال: إنّي والله ما رأيت أمرا أضلّ من أمر نحن فيه: قتال على غير دين وعلى العصبيّة، وقد خرج من أيدينا بعض ما كان فيها من هذه الكور، وقتل إخواننا، ونحن مع ذلك في غير دارنا وتوشك هذه المسوّدة بما نحن فيه من الاشتغال أن يحوزوا البلاد ويغلبوا عليها، ثم يقبلوا علينا وقد عزّوا ووهنّا فيبرونا عن كديد [١] الأرض، إنّك إن لم تجبني إلى ما أعرضه عليك انصرفت بمن معي عنك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن توادع نصرا وننصرف [٢] إلى سرخس، وتضم إليك أهل رأيك وتجبي الكور التي في يديك، أو تقيم على ذلك وتخلّي بين نصر وبين هذه المسوّدة. فقال شيبان: قد أعطينا عليّا [٣] ما أعطيناه
стр. 290
فنعرض عليه ما ذكرت ونخبره بما اجتمعت عليه وترى رأيك، قال: فشأنك.
فذكر شيبان ذلك لعلي وقال له: عليّ بن معقل أقوى أيدينا، وإن خذلنا فتنحّى عنّا وصار مع نصر اشتدت شوكته. قال: فروّ في هذا يوميك هذين ثم تعزم فلن نخالفك.
الموادعة
فأرسل إلى أبي مسلم يخبره بذلك مع بكر بن هاني، فلمّا لقيه به قال له أبو مسلم: إن كنتم وكان صاحبكم على الحقيقة فيما أعطاني من نفسه فلست أكره [١٤٥ ب] أن يوادع نصرا على أن يشترط عليه أن يفرّق جموعه ويؤكد عليه في ذلك. فلن [١] تزداد إلّا كثرة ولن يزداد إلّا قلّة، وتخلو لك الطريق، ويأتيك أهل رأيك، ولا تكون بنصر قوّة على مكاثرتك. قال أبو مسلم:
قد نصحتنا وعلى الله جزاؤك، والتوكيد عليه إليكم، فإنّي لا آمن غدر نصر وأن يثب علينا وعليكم إذا تفرقت جماعتكم. وانصرف بكر [٢] فأخبر عليا بمقالة أبي مسلم، فلقي شيبان فقال له: قد رأينا الموادعة على أن يفرّق نصر جموعه، ونفرّق جموعنا، ويكون بيننا وبينه لنا عامل فيما يليه. فاصطلحوا على ذلك وكتبوا بينهم إلى انقضاء سنة ثلاثين ومائة، وعلى أن تكون الأعمال في أيديهم على حالها، وإلى من كان يليها أيام حربهم وغيرها، وعلى أن يجتمعوا على من اجتمع الناس إليه، وتكون أيديهم واحدة على من أرادهم
стр. 291
من المشركين، وعلى أن يتعاوروا [١] ، ولا يتحاربوا، فإن بدأ أحد منهم بالغارة [٢] على صاحبه أو حاربه أو حارب من كان في حيّزه وعقده فقد حلّ قتله وقتاله ولا أمان له ولا عهد لما خالف ذلك، ففعلوا ذلك. وارتحل نصر من خندقه ومن كان معه، وكذلك علي بن الكرماني، وأقام شيبان في خندقه، وخلت الطرق لأبي مسلم وسهل السبيل لمن أراد اللحوق [١٤٦ أ] به، فانجفل الناس إليه، وجعل علي يمدّه بالرجال، ويقوّيه بالسلاح ويستر عليه، حتى غلظ أمره واستكثف من كان معه. ثم إنّ كاملا [٣] أشار على أبي مسلم أن يستمدّ ويستنهض عدة من ناحية الطالقان وبلخ ومروالروذ، ففعل، وأقبل عمرو بن أعين في ألف وخمس مائة رجل من الطالقان، وأقبل عبد الله بن شعبة من مروالروذ في ألف رجل ومعهم دوابّ ومواش من غنائم مروالروذ. وبلغ ذلك نصر بن سيّار، فبعث إلى شيبان: قد أظلك قوم قد وتروك، وقتلوا بعض أصحابك، فلو بعثت إليهم من يقاتلهم، وتجمع أهل الرستاق الّذي نزلوه عليهم، رجوت أن تدرك بغيتك، وتقطع قرنا من قرون الفتنة. فشاور أصحابه فقال بعضهم: ما يؤمنك ان تبعث خيولك إليهم أن يغدر بك نصر، فتأتيك خيوله، وأنت خلو من أصحابك فلا يكون لك مانع، وقال بعضهم: ما لنصر لا يبعث إليهم دونك، فأمسك شيبان عن البعثة إليهم. وبلغ أبا مسلم مراسلة نصر شيبان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: بلغني أن هذا الفاجر أراد البعثة إلى إخواننا، وحمل شيبان على ذلك، وأنهم إن فعلوا قصدنا لنصر دونهم ومن معهم، ففي الظفر بهم
стр. 292
وبما معهم عوض عن عمرو بن أعين ومن معه، وبلغ ذلك نصرا فكفّ عنهم. وأقبل عمرو بن أعين بمن معه حتى نزل النصرانية [١] . فلما رأى نصر [١٤٦ ب] إقبال الأمور على أبي مسلم، شاور أصحابه، فاجتمع رأيهم على الاحتيال لشيبان، واحتراز معونته بكل وجه، ففعل فاستماله [٢] . وتهيأ نصر وشيبان للمسير إلى أبي مسلم، فبعث علي إلى أبي مسلم يخبره بما أجمع الرجلان عليه، ويقول: إن شئت أتيتك فيمن معي، وإن شئت ثبّطت الناس عنك، فأرسل إليه أبو مسلم: قد تفرقت عنك أصحابك، فإذا ثبّطت عني فقد قوّيتني ونصرتني. فأقام علي بموضعه، وأقامت عشيرته، وربيعة معه، فلم يخرج مع نصر وشيبان منهم أحد خلا من كان مع شيبان منهم من أهل سرخس وغيرهم من الحرورية. ولمّا انتهى إلى أهل الخندق خبر نصر وشيبان اضطربوا وتضعضعوا له، فقال أبو مسلم: لا حاجة لنا في المرتابين، افتحوا بابي الخندق، فمن أراد أن يخرج فليخرج، فلعمري ما يخرج من ينتفع بإقامته، فجعل يخرج من يشك وتضعف نيّته، فخرج نحو من ألفي رجل، ولمّا أمسوا قال أبو مسلم: هل بقي أحد في قلبه شك يريد أن يخرج، فقيل: ليس يخرج أحد، فأمر بإغلاق البابين.
стр. 293
بدء الحرب بين أبي مسلم ونصر بن سيار
وأصبح أبو مسلم فخرج من خندقه يريد نصر بن سيّار فنزل قرية تدعى آلين [١] على فرسخين من نصر، وخندق على نفسه وأصحابه وكتب إلى طخارستان [١٤٧ أ] ومروالروذ يستنجد بقية أصحابه بهما. ولمّا رأى علي بن الكرماني ما صنع نصر وشيبان أتى شيبان فقال له: خدعك والله ابن الأقطع، إنّما يريد أن يباعدك من عسكرك لتعتزل، فيبيّتك وأنت غير محترس منه، وقد تعلم أنّك إذا سرت إلى أبي مسلم سرت في غير قرى قومك فيقطع عنك المادّة ويسير نصر في بلاد قومه، فموادّه وأعلافه مهيأة من قراهم، وعليك في مسيرك الوهن وله القوّة في مسيره، وافتعل [٢] كتبا على لسان نصر إلى ثقات شيبان يدعوهم إلى الوثوب على شيبان ويضمن لهم على ذلك الصلات الجزيلة، وبعث بها إليهم فلمّا قرأ [٣] أصحاب شيبان الكتب أتوا بها إلى شيبان فحققت تلك الكتب ما قاله علي، فأرسل إليه يقول: أظنّ ما ذكرت لي عن هذا الغادر حقّا وبعث إليه تلك الكتب. فلقي علي شيبان [٤] وقال له: قد خبّرتك أنّ نصرا غادر فاجر، ثم انّك تسير إلى قتال رجل داخل في طاعتك، ومظهرا الميل إليك من إقامة هذه الدولة العباسية. فأقام شيبان عمّا كان أجمع عليه من محاربة أبي مسلم مع نصر، فبلغ ذلك نصرا فانحلّ برم مكيدته وانتقضت عليه حيلته ورجع إلى عسكره بباب سرخس،
стр. 294
ورجع أبو مسلم إلى خندقه بالماخوان [١] فلم يزل فيه. ورتب نصر المسالح [١٤٧ ب] فيما بينه وبين أبي مسلم مع قائد يقال له عاصم بن عمير [٢] ببلاشجرد [٣] ، ووضع أبا الذيّال [٤] بطوسان [٥] وناحيتها، فنزلت جند نصر مع هذين [٦] القائدين على أهل بلاشجرد [٧] وطوسان فآذوا أهلها، وذبحوا أغنامهم وبقرهم، فشكوا ذلك إلى أبي مسلم فوجّه إليهم نصر بن عبد الحميد في خيل من خيله، وأمره أن ينفي أبا الذيّال عنهم، فسار إليهم فلقيه أبو [٨] الذيّال فهزمه نصر ابن عبد الحميد، وكان أول من لقوا من أصحاب نصر في الحرب، وأسر منهم خمسين رجلا، وأتى بهم إلى أبي مسلم، فكساهم وداوى جرحاهم وقال لهم: من أحبّ منكم أن يقيم معنا واسيناه، ومن كره ذلك فليلحق بوطنه، وحلّفهم ألّا يمالئوا عليه أحدا، وخلى سبيلهم، فأقام منهم نفر يسير، وانصرف أكثرهم إلى أوطانهم.
ثم إنّ أبا مسلم أرسل إلى شيبان وعلي الكرماني: إنّ أصحابي قد كثروا وإنّما أنا وهم أعوانكم، وقد يؤذون إذا [٩] دخلوا مرو، وتمنع الأسواق
стр. 295
والميرة عنهم من مرو فلا تحمل إلينا، فأذنا لي [١] في توجيه رجل إلى مرو يذبّ عن أصحابي إذا دخلوا إلى مرو في حوائجهم وتخرج الأسواق فأذنا له في ذلك، وبعث إلى نصر بن سيّار بمثل ذلك، فأذن له، فوجّه شبل بن طهمان النقيب في خمس مائة رجل، فنزل قصر بخار خداه [٢] ، فكان كل من دخل من المسوّدة يعز [١٤٨ أ] ويكرم بمكانه، ولا يقدر أحد على أن يؤذيهم لمكانه. ثم إن نصرا أرسل إلى شيبان: إن هذا الرجل غير شأنك، فساعدني على كشف أمره، فإنّه يقدم ويؤخر ويبعث إليّ بالموافقة ويبعث إليك بمثل ذلك. فاتفقا على أن بعثا إليه: إنّا قد اتهمناك وأنكرنا أمرك ودعوتك، ورأينا قلّة إبقائكم على الحرمة [٣] ، فإن كنت تحب أن نكفّ عنك ففرق جمعك، واخرج عن بلادنا. فأرسل إليهما:
إن الله تعالى جمعنا على هدى فلن نرجع عنه حتى نموت دونه، ولكنّي أناظر أصحابي وندخل في بعض فرقكم هذه، وبعث لاهزا [٤] إلى نصر فقال له: قل لنصر إن صاحبي أمرني بالانضمام إليك وتأميرك على نفسي إن قمت بأمر دعوته وخلعت مروان، وأنا لك ناصح، فبادر هذا الأمر قبل أن تسبق إليه. فقال نصر [٥] للاهز: إن أريتني مصداق قولك قبلت، وما مثلي اختدعتموه عن نفسه، فانصرف إلى أبي مسلم فخبّره بذلك. وبعث أبو مسلم إلى علي الكرماني: إنّك قد أعطيتني من نفسك ما تعلم، وقد أمرنا بالجهاد، وأنت وقومك أنصار الحق قديما، فأنتم آويتم رسول الله صلّى
стр. 296
الله عليه وسلم ونصرتموه، وقد أمرني صاحبي بأن استظهر بكم وألقي أمره إليكم، وقد نصب لي نصر، فإن أجبتني وعاقدتني على القيام بحق رسول الله [١٤٨ ب] ﷺ ، أمّرتك [١] أميرا عليّ وعلى من أجابني، وأطعت أمرك، وقتلت عدوّك، وصار لك سناء هذا الأمر وشرفه. فردّ عليّ إليه الرسل [٢] فقال: قد أجبتك حيث عرضت عليّ أمرك، وهذي يدي عن نفسي وقومي جميعا، و [أنا] [٣] مرسل إليك أخي ووجوه أصحابي، وكاشف لك عن أمري في ذلك، ولا بدّ لنا من الترفّق بشيبان حتى يجتمع لنا أمرنا و [٤] ما نريد منه، فانصرف الرسل بذلك إلى أبي مسلم، فعظم سروره به. ثم أعاد الرسل إلى نصر استظهارا مرة بعد أخرى، فقال فيما بعث إليه: إنّي لست أعدل بك أحدا إن أجبتني فأنت الأمير وأنا عونك على من خالفك. فقال نصر للرسل: قولوا: قد أجبتك إن صححت مقالتك، إن كنت تفي بقولك فانضمّ إليّ، وفرّق جماعتك، وأنت في ذمّتي، لا يوصل إليك حتى يوصل إليّ، وإن أبيت إلّا مضيّا على ما يبلغني عنك من مقاربة عليّ وقومه استعنت الله عليك، وتفرّغت لحربك، فلا تغترّ بهذه اليمانية، فإنّي لو قد أقبلت عليك بجدي وحدّي قصمتك وتركتك كأمس الذاهب. فقال له عقيل بن معقل الليثي: والله ما كان جواب كلامه يرسل إليك، وقد قوي أمره، يدعوك إلى المقاربة، فترسل إليه تسترهبه وتهدده، يغتنمها منك الآن فيبعث إلى ابن الكرماني فيتودد إليه [١٤٩ أ] ويخبره بمنافرتك إيّاه فيجيبه ويستنصر معه من قومه في جهادك. فقال نصر: قد مضت
стр. 297
بما فيها. فقال له عقيل بن معقل: ترفّق بالرجل، وأعطه الرضا ما لم يحرجك، وكن على رأس أمرك من كيده واغتياله. قال: فبعث إليه من الغد: انّي عليك شفيق، وقد هجم عليك الشتاء على رقّة من معك وسوء حالهم، فانضمّ إلينا بطاعتك نواسك ونتحنّن عليك، فإنّ جنود أمير المؤمنين قد أقبلت إلينا، فيوشك من اجتمع إليك أن يتفرّق عنك، ومن وعدك نصره أن يخذلك والسلام [١] . فكتب إليه أبو مسلم في جوابه:
قد فهمت كتابك، وبلغتني رسالتك، ولست بوادّ ولا نصيح [و] [٢] ما استشرناك ولا شكونا خلّتنا إليك، فأمّا ما ذكرت من رقّتنا وسوء حالنا فقد صدقت وذاك يدعونا إلى مزاحمتك على ما في يدك والسلام. قال: فلما قرأ نصر الكتاب تعاظمه وقطّب ما بين عينيه، وتغيّر لونه، وكرر قراءة الكتاب ثم قال: هذا جواب أحسب أن يتلوه [٣] ما هو أشد منه.
وكان أبو مسلم يطمع نصرا في نفسه، ويعظمه ويبدأ به في كتابه إليه حتى أجابه عليّ إلى نصرته ومظاهرته وقبول دعوته، فكتب إليه كتابا [٤] بدأ فيه بنفسه وقال:
إنّ الله تباركت أسماؤه عيّر [٥] أقواما فلا تكن منهم، فقال :
وَأَقْسَمُوا ٣٥: ٤٢ [١٤٩ ب] بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ ٣٥: ٤٢
стр. 298
أَهْدى من إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً.
اسْتِكْباراً في الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا ٣٥: ٤٢- ٤٣ [١] .
فثقل ذلك على نصر وكتب إليه: أمّا إنك لو قبلت نصحي لك لكان خيرا، وليس يمنعني من ذلك ما أرى من ميلك إلى غيري، وأيقن أنّ أسلم [٢] بن صبيح كاتبك يفشي عليك سرّك، ولا يكتم عنك، وقد كان في شيء من عملنا، وظهرنا منه على الغدر وإفشاء السر فتجنبناه لذلك.
فكتب إليه أبو مسلم: سرّنا مصون عمّن لا نثق به، وما يعلم أسلم من سرّنا شيئا نكره معرفتك ومعرفة غيرك به.
وجعل نصر يكتب إلى ابن هبيرة [٣] ، وهو على العراق يستمده فيعده ويأمره بالمداراة، فلمّا تضايقت الأمور كتب إلى مروان الحمار، وهو آخر طغاة بني أمية يشكو له ابن هبيرة ويخبره بعظم الأمر من قبل أبي مسلم وكتب إليه:
أرى خلل [٤] الرماد وميض نار [٥] ... ويوشك أن يكون لها ضرام [٦]
стр. 299
فإنّ النار بالعودين تذكى [١] ... وإنّ الحرب يبدؤها [٢] الكلام [٣]
فقلت [٤] من التعجّب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام [٥]
[١٥٠ أ] وكتب إليه يصف له أمر أبي مسلم، وكثرة الدعوة، وميل اليمانية وربيعة إليه. ثم أردف ذلك كتابا آخر وبعث فيه رسولا من وجوه أصحابه يخبره في كتابه أنّ من ظهر قبلنا لو كانت همتهم خراسان وحدها لهانت شوكتهم، ولكنهم يريدون الغاية الكبرى من التملك على الآفاق في جميع بلاد المسلمين، وإنّ أكثر ما يحاضّون عليه الطلب بثأر آل محمد من بني أمية، يتذاكرون ذلك في أحاديثهم ويدعون به إذا قضوا صلاتهم.
فأتى مروان كتاب نصر بذلك لأشهر مضت من سنة ثلاثين ومائة، فكتب إليه [٦] : أن أمر ناحيتك على بال أمير المؤمنين، وقد وجهت عامر بن ضبارة ونباتة بن حنظلة فعرض لهما دونك من كان أوضع [٧] في الفساد من أهل الفتن فقصدا لهم حتى استأصلاهم وأباداهم. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين كتابك حين أتاه كتاب ابن هبيرة يذكر ظفر نباتة بن حنظلة بمن كان تلفّف إلى سليمان بن حبيب بالأهواز، ويذكر ظفر ابن ضبارة وداود بن يزيد بن
стр. 300
عمر بن هبيرة بابن معاوية، ومن كان ضوى إليه من أهل الفتن بفارس وتوجيههما في اثر شيبان ومن بقي من الخوارج، وكتبت إلى ابن هبيرة آمره باستحثاثهما باللحوق بك ودخول خراسان عليك فيمن معهما من خيول أمير المؤمنين من ناحية [١٥٠ ب] الطبسين [١] وناحية سجستان، فكأنك بخيول أمير المؤمنين قد وردت عليك بأحسن عدة وأكثر عدد. فثق باللَّه وتوقع الأمداد والقوة فكأن قد غشيتك، وفيما كتب أبو مسلم، وفيما وعظك أمير المؤمنين من سنة الله الماضية فيمن خلا ممن كان أشدّ منك قوّة وأكثر خيلا ورجلا وتبعا وأكثر عدة وسلاحا عبرة مرشدة وعظة مسعدة ومخبر [٢] كاف، وَمن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بالِغُ أَمْرِهِ ٦٥: ٢- ٣ [٣] ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا [٤] ، ولا لأمره معقبا وكان الله عزيزاً حكيماً.
وكتب عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان إلى كامل بن مظفر في ذلك أيضا كتابا يصف له حاله ورياسته كانت في الكتابة، وما تعاظمه من أمره حين انتهى إليه دخوله في المسوّدة، ويسأله الإنابة والرجوع إلى طاعة مروان ويضمن له الثواب الجزيل منه على ذلك.
فأقام نصر ينتظر الأمداد أن تأتيه، وقد فسد عليه أهل خراسان إلّا من كان معه من مضر خاصة. فقدم على أبي مسلم رسول لأبي سلمة يقال
стр. 301
له مسرور [١] بكتاب إبراهيم الإمام يخبره فيه بما انتهى إليه من تفاقم الأمر بين ابن الكرماني ونصر و [إن] [٢] يدعوه إلى أمره فإن أجاب [٣] نصب الحرب لنصر ولم يؤخر ذلك، وكتب إليه [١٥١ أ] بانتهاز الفرصة في ذلك قبل أن يحدث أمر يصطلح الأمر له ويتفقون على مجانبته [٤] ، فأتاه ذلك ورسله تختلف فيما بينه وبين علي ونصر. ثم أقبلت إلى أبي مسلم وجوه اليمن وربيعة ومضر ممن في عسكر نصر، فدخلوا في أمره وبايعوه. ثم أرسل علي الكرماني إلى أبي مسلم: أنا وأنت اليوم يد واحدة في هذه الدعوة، ومتى تظهر تلاقينا وتعاونّا وتوازرنا، يهدّ ذلك قرون شياطين، وقد أتاك أخي وأصحابي فدخلوا عسكرك وهم يغادونك ويراوحونك بالتسليم عليك والتعظيم لأمرك والمقاربة لأصحابك، فما الّذي يمنعك أن تزورني وتدخل عسكري فيضطرب بذلك الصوت فيقوى به وليّك وينكسر له [٥] عدوك. فأرسل إليه أبو مسلم:
هذا رأي وما كنت لأدعه، وأنا فاعل. فلما كان من الغد ركب أبو مسلم في جماعة كبيرة من أصحابه فرسان ورجّالة يريد عليّا في عسكره، فبلغ ذلك عليّا، فوجّه إليه أخاه عثمان في وجوه اليمن وربيعة وفرسانهم فتلقوه على الرزيق [٦] ، ثم دخل الحائط، ثم خرج إلى عسكر علي وشيبان. فلما أشرف أبو مسلم على العسكر تلقّاه علي في أهل اليمن وربيعة، ثم أقبلا يسيران حتى
стр. 302
دخلا حجرة علي، فجلس أبو مسلم معه ساعة ثم دعا بالغداء، وقد هيأ له طعاما كثيرا ولمن معه، فقال: لست أطعم اليوم شيئا [١] ، ثم نهض، فقال له علي: [١٥١ ب] لو لقيت شيبان فإن في لقائك إيّاه كفّ عاديته، وما يدعوه نصر إليه من محاربتك، فقال: إني أكره أن أسلّم عليه بالإمرة [٢] ، ولست أستحلّ ذلك، فتقدمني ثم اجلس فإنّي أسلم بالإمرة وأعنيك بذلك. فركب علي فدخل على شيبان وجلس معه، فأقبل أبو مسلم فدخل على شيبان فسلم عليه بالإمرة وجلس فدعا له شيبان بشربة عسل، فقال أبو مسلم: أنا صائم، فحمله شيبان على برذون أبلق من نتاج أبي نميلة الأزدي. وخرج أبو مسلم فأتى سرادق علي وجلس معه ساعة، وأظهر تأميره على نفسه وحمله على برذون. فبلغنا أنّ أبا مسلم قال لعلي: إنك قد أعطيت من نفسك في القيام بدعوة آل محمد ما أرجو أن يجمع الله [به] [٣] خير الدنيا والآخرة، ولك الولاية علينا، وعلينا طاعتك، وليس يلتئم بينك وبين أهل هذه الدعوة وبين شيبان، لأنّ أصل شيبان وما يدين [٤] البراءة من علي، ونحن نخالفه في ذلك، فإن لم تباينه فاعمل في ذهابه عنّا لنقبل على قتال نصر ومن معه، فإنّي لست آمنا أن يخدعه نصر ومن في هذه الكور التي في يدي شيبان من إخواننا، فيتغيّر لنا شيبان عمّا هو عليه، وقد اعتذرنا إليه من إيقاع أهل نسا بعاصم، ومن يأتيه بمثل ذلك من غير أهل تلك الناحية تبطل عنده ما اعتذرنا به ويرى [٥] أنا سنصول عليه. فقال له عليّ: أنا عامل [١٥٢ أ] ذلك وكافيك
стр. 303
أمره حتى يتنحى عنك إن شاء الله تعالى. ثم إنّ عليّا [١] بعث بشدّاد بن جريجور [٢] كاتبه على الخراج بمرو، وأمره أن ينزل أبا مسلم قصر شيبة بن الحسن الأزدي [٣] ، ورتّب له ما يصلح له، فنزله أبو [٤] مسلم أياما، ثم انصرف إلى عسكر الماخوان. قال: واجتمع علي وشيبان، فقال عليّ: قد شغل الله نصرا عنّا وعنك بهؤلاء القوم، وهذه الكور التي في يديك، فيما بينك وبين نيسابور وهراة وبوشنج [٥] ولست آمنا باشتغالك بالمقام هاهنا أن تضعف أعوانك فيها، فقد أرى أن تسير إلى سرخس وتوجّه عمالك وتجبي خراجك وتقوّي بذلك أهل طاعتك، فإذا قويت واستجمع لك ما تريد نهضت فيما تطلب من الحق، وقد رأيت أكثر من معك قد تسللوا عنك لهذا الشأن. قال شيبان: قد لعمري كان ذاك منهم، والرأي ما رأيت، وأنا شاخص عنكم في أيّامي هذه، وقد أجمعت على ذلك من اختلاط أموركم وخشيت أن أكون مقيما على ضلال، فثبّطني عن الشخوص علي بن معقل لما جرى بينه وبين نصر، فابعث أنت الآن إلى أبي مسلم لتوكّد عليه في الكفّ عنّا وحسن مجاورتنا حتى ينصرم الأمر بينكم وبين نصر، فإذا صحّ ذلك ناظرناكم فيما فيه صلاح ديننا ودنيانا. فأرسل علي إلى أبي مسلم بذلك، فأرسل أبو مسلم:
ليوكّد لنا ونوكد له على المسالمة ولا نخشى له غائلة ونكتب [١٥٢ ب] بيننا
стр. 304
وبينه كتابا بذلك، فإن رجع أحدنا عمّا أعطى من نفسه من الحق فقد حلّ لصاحبه مباينته ومحاربته، ففعل ذلك شيبان، وكتبوا بينهم بذلك كتابا وثيقا.
وتوجّه شيبان إلى سرخس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين ومائة، ومعه علي ابن معقل الحنفي وجميع من كان معه من قومه وأهل رأيه، وازداد أبو مسلم بذلك قوّة ونشاطا، وازداد نصر بذلك وهنا وضعفا [١] .
فتح مرو
وأمّر أبو مسلم شبل بن طهمان على مرو [٢] ، وأمر المتكلمين من أصحابه أن يدخلوا مرو فينشروا أمرهم ويدعوا الناس إلى رأيهم ويصفوا ما هم عليه من اتّباع السنّة والعمل بالحق. فجعلوا يدخلون ويتكلمون فأجابهم [٣] الناس إلى ذلك، وجعلوا يخرجون إلى أبي مسلم، وبلغ ذلك نصرا، فوهن أمره واستخفّ به وبعامله فيها. فكتب نصر إلى ابن هبيرة: قد أخرجت من بيتي إلى مقصورتي فاستغثت بكم، فلما أبطأ غياثكم وتأخّرت مادّتكم أخرجت من مقصورتي إلى ساحة داري، وانكم إن تقاعدتم عني أخرجت من داري كلها، وإذا أخرجت منها دخل عليك دارك، ولو دخلت جحرا لدخل عليك فيه حتى يؤتى عليك وعلى غيرك. وكتب إلى مروان: [١٥٣ أ] كتبت إلى أمير المؤمنين ولم يبق مني شيء [أستعين به] [٤] على عدو أمير
стр. 305
المؤمنين لا في رجالي ولا في مالي ولا في مكيدتي، ولو كنت أمددتني بألف فارس [١] من أهل الشام لاكتفيت بهم، ولقطعت دابر القوم الظالمين. إنّي حين كتبت إلى أمير المؤمنين قد أخرجت من جميع سلطاني، فأنا واقف على باب داري، وإن لم تأتني موادّ أمير المؤمنين ووكلنا [٢] إلى ابن هبيرة طردت عن باب داري، ثم لا رجوع إليها إلى ملتقى الحشر، فلا يكون مثل أمير المؤمنين ومثل ابن هبيرة كما قال الأول:
ولو أنّي أطيعك [٣] في أمور ... تناجيني إذن لقرعت سنّي
ثمّ إنّ نصرا جمع وجوه أصحابه وأهل الرأي منهم والتجارب، فأجالوا الرأي، فلم يأت واحد منهم برأي إلّا نقضه الآخر ولم يجتمعوا على شيء.
وكتب أيضا نصر إلى مروان:
أمّا بعد، فإنّي ومن معي من عشيرة أمير المؤمنين في موضع من مرو على مجمع الطريق، ومحجّة الناس العظمى من مختلف القوافل والرسل والجنود من العراق، في حائط قد خندقت فيه على نفسي ومن معي، وعن يميني وشمالي قرى بني تميم وسائر أحياء مضر ليس يشوبهم غيرهم إلّا قرى على حدّهم خاملة الذكر فيها خزاعة، وفيها حلّ طاغيتهم أبو مسلم، فنحن حين كتبت إلى أمير المؤمنين في أمر هائل يتكفّأ بنا تكفؤ السفينة [١٥٣ ب]
стр. 306
عند هبوب العواصف، ونحن من إخواننا اليمانية وأغتامهم ورعاعهم، فيما نتوقع من سفههم ولما قد شملهم من ورائهم الخبيث، على مثل لجّة البحر، وأنا معتصم بطاعة أمير المؤمنين ومن معي على مثل ذلك لا نؤثر عليها شيئا، وقد أملنا غياث أمير المؤمنين وموادّه وورود خيله وفرسانه ليقمع الله بهم كلّ مصرّ على غشّه وساع في خلافه، فلا يكوننّ مثلنا [١] يا أمير المؤمنين قول الأول [٢] :
لا أعرفنّك [٣] بعد اليوم تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
إنّه قد بلغ الحزام الطبيين [٤] ، وكادت القلوب تبلغ [٥] الحناجر، فلا يتهمني أمير المؤمنين على ما أكتب به وأغلظ له فيه، وإنّي لكما قال الأول: أحلب حلبا لك شطره [٦] ، ولئن أزالنا عدوّنا من موضعنا الّذي نحن به، انها زلزلة سرير أمير المؤمنين، فلا يضعنّ أمير المؤمنين كتابي هذا إليه على الجزع وعلى الجرأة عليه، فإنّه لا مخبأ لعطر بعد عروس [٧] ، ومثلنا فيما قد أشرفنا عليه
стр. 307
كمثل شجرة على ضفّة البحر، قد بلي أصلها، فالأمواج تضربها من كل وجه، فما بقاؤها بعد فساد أصلها، وإلحاح الأمواج عليها. وقال نصر شعرا يحرّض فيه العرب على الهاشمية: [١٥٤ أ] .
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم [١] ... ليغضبوا [٢] قبل ألّا ينفع الغضب
ما بالكم تنصبون [٣] الحرب بينكم ... كأنّ أهل الحجى عن رأيكم [٤] غيب
وتتركون عدوا قد أطاف بكم ... فأين غاب الحجى والرأي والأدب [٥]
ذروا التفرّق والأحقاد واجتمعوا ... ليوصل الحبل والأصهار والنسب
стр. 308
إن تبعدوا الأزد منا لا نقرّبها ... أو تدن نحمدهم يوما إذا اقتربوا
أتخذلون إذا احتجنا وننصرهم ... لبئس والله ما ظنّوا وما حسبوا
فأجابه العكّيّ يقول:
لسنا نحابي على الرحمن من أحد ... فيما نطالب من مولى ومن عرب
وديننا ضربكم حتى نقيمكم ... على الطريق ولو جثوا على الركب
هلّا صبرت ابن سيّار لوقعتنا ... إن كنت ذا حسب في القوم أو نسب
ولم يفرّ على جرداء سلهبة ... يرجو [١] النجاة ولا منجاة في الهرب
من الإمام وقد أمست حبائله ... يدنين منك طراد الصقر للخرب
فلمّا قرأ مروان الكتاب أطرق طويلا ثم رفع رأسه ورمى بالكتاب إلى عبد الحميد. فقال له عبد الحميد: يا أمير المؤمنين! انظر إلى موق هذا الرجل وسوء تدبيره، وإذا كان يكتب إلى أمير المؤمنين بمثل هذا التصريح من ذكر العشائر والقبائل فما [١٥٤ ب] يلقى به العوامّ في ذلك أوحش وأشنع.
إنّ خراسان قد أنغلها هذا بحمقه وخرقه وسوء سياسته وقد انخرق عليك أمرها انخراقا لست آمن أن يدعو إلى البوار، وأنا أرى لك يا أمير المؤمنين، وفي رأيك البركة، أن تبادر خراسان برجل شامي الرأي عامّ الهوى، متألف رفيق مجرّب. قال: فمن ترى لذلك؟ قال: قد رميتها برجلين كلاهما يصلح لولايتها [عامر بن ضبارة أو] [٢] نباتة بن حنظلة. فكتب مروان إلى ابن هبيرة في تولية نباتة خراسان وإمضائه إليها [من طريق قومس وتوجيه عامر بن ضبارة إليها من طريق سجستان] [٣] .
стр. 309
غلبة أبي مسلم على مرو وهرب نصر [١]
كانت مرو نصفها في يدي نصر وعامله فيها، وشبل بن طهمان من قبل أبي مسلم، وكلا الفريقين يدخلونها مستوقين، فبينما هم على ذلك إذ مرّ فتية من المضريين عليهم السلاح في السوق فعرض لهم [٢] فتى من بكر بن وائل وأعانه قوم من أصحابه فقاتلوهم فأمدّ نصر أصحابه المضريين وأمدّ علي بن الكرماني أصحابه البكريين. وخرج شبل إلى أبي مسلم فخبّره بذلك، فتهيّأ أبو مسلم وعبّأ خيله من الغد يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر [٣] سنة ثلاثين ومائة، وسار نحو مرو، فلما انتهى إلى قرية تسمى طوسان تلقاه رسول علي بن الكرماني يعلمه أن الحرب قد وقعت فالعجل، فسار أبو مسلم جوادا [٤] ، فلما كان من المدينة على فرسخ [١٥٥ أ] لقيه وفد مضر بطاعتهم، فمال أبو مسلم إلى مسجد [٥] ، وطرحت له طنفسة فجلس عليها وبايعوه وأعلموه أنّ نصر بن سيّار ومن خلفه على مثل ذلك. فدعا أبو مسلم أبا الحكم عيسى ابن أعين وأمره أن يتقدّم ويحبس مقدّمة أصحابه على القنطرة، فسار أبو الحكم جوادا حتى انتهى إلى قنطرة ابن عقيل فكفّ الناس، فلمّا وقف أبو الحكم على القنطرة أحسّت كتيبة نصر بالبوار، وظنوا أن أبا الحكم سيأخذ عليهم الطرق [٦] ويحاربهم فدنا عقيل بن معقل فنادى: يا أبا الحكم! آمن
стр. 310
أنا حتى آتيك؟ فقال: نعم أنت آمن، فأتاه فصافحه وقال: سرّح معي من يبلّغني أبا مسلم، ففعل. وانصرفت كتيبة نصر إلى معسكره لم يعرض لهم عارض، فمرّ أبو الحكم حتى صرف الناس من كلّ وجه، فانتهى إلى موضع، فإذا هو بقتيلين من أصحاب أبي مسلم مسلوبين وسواد قد خرّق، وكان بإزائهما [١] عاصم بن عمير السمرقندي فانصرف قبل أن يلقاه أبو الحكم، فهمّ [٢] بقتله [٣] ، فقيل له سرّحه إلى أبي مسلم ليرى فيه رأيه، ففعل، فخلّى أبو مسلم سبيله. ودخل أبو مسلم مرو من باب قنوشير فتلا هذه الآية: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ من أَهْلِها ٢٨: ١٥ [٤] إلى آخر الآية، وتلقاه علي بن الكرماني قريبا من دار الامارة فقال له: قد ذلّ لك لأمر وملكت مرو فامض إلى دار الامارة بهيبة القوم لك، [١٥٥ ب] ورعبهم منك، فمضى أبو مسلم إلى دار الإمارة فنزلها، وعلي بن الكرماني معه، ثم دعوا الناس إلى البيعة فلم يتخلّف عنها أحد من أهل مرو. وبلغ نصر الخبر فقال لمن حضره، وقد اجتمعت إليه أشراف مضر: هذا يوم قد نعيت إليكم فيه أنفسكم، كونوا مع الناس [٥] .
وخرج علي بن الكرماني وأبو مسلم إلى المسجد، فصعد عليّ المنبر، وجعل أبو مسلم يبايع الناس، فإذا استوثق منهم أصعدهم إلى عليّ فمسحوا أيديهم على يده.
فأقام أبو مسلم ثلاثة أيام يأخذ البيعة على أهل مرو، ثم بعث إلى نصر
стр. 311
ابن سيّار، وهو في منزله بباب سرخس، على طريق العراق، بالدخول إليه. فبعث نصر إليه قيس بن يزيد الحنظليّ، ونافذة بن عمير السمرقندي:
إنّي لست آمن سفهاء ربيعة واليمن أن يكمنوا لي في الأزقّة ويهيج القتال، فأبى أبو مسلم إلّا أن يلقاه فلمّا ألحّ عليه قال نصر: إن كان لا بدّ من لقائك فتحول الى قصري [١] الّذي على ماشان [٢] ، ففعل. فلمّا أبطأ عليه أرسل أبو مسلم إليه سليمان بن كثير في جماعة من أصحابه في أول النهار الّذي هرب نصر في آخره، فلما أشرف على عسكر نصر أرسل إلى عدة من وجوه أصحابه، فقال: اخرجوا إليّ أعرض عليكم ما عندي وأنتم آمنون حتى تسمعوا كلامي وترجعوا إلى صاحبكم، قال: فأعلموا نصرا ذلك فقال:
[١٥٦ أ] ايتوه واسمعوا منه. فخرج القوم إليه، فلمّا رآهم سليمان نزل في رهيط من أصحابه وقال لعظم أصحابه: تنحوا. فلمّا دنا منهم رحّب بهم ودعاهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ ، وأن يبايعوا للقائم من أهل بيته. قالوا: قد أجبناك، فناظر صاحبنا. قال سليمان: ما دعوناكم إليه على صاحبكم، وقولوا له: بادر الإجابة طوعا قبل أن تجيب إليها كرها فلا يقبل منك. فأبلغوا نصرا ذلك فقال لهم: قولوا: لست أجيب إلى هذا، وإذا اجتمع الناس على رجل كنت منهم، فأتوه بذلك. قال سليمان:
فقولوا له: فما يريد أن يجيب أبا مسلم ويلقاه به؟ فقال: لست ألقاه إلّا في كتيبة خشناء. قال سليمان: اللَّهمّ قد أعذرنا وانصرف إلى أبي مسلم فخبّره،
стр. 312
فلمّا صلّى الظهر من يومه بعث إليه لاهز بن قريظ [١] في جماعة، فدخلوا عليه فقال لاهز: أجب أبا مسلم. فقال: أفعل، وبعث إلى أبي مسلم من يتوثّق له في أخذ الأمان، ونودي بالعصر، فقال نصر: لست على وضوء، أتوضأ [٢] وأصلّي وأخرج إليكم. ثم دخل يتوضأ، فأمر من نقب له في ظهر داره نقبا فخرج منه، وذلك يوم الجمعة لعشر من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، وحمل مالا كان معه، ولاهز ينتظر خروجه، فلمّا أبطأ عليه استراب [٣] ، فقال لبعض من معه: ادخل فانظر، فإذا [١٥٦ ب] الدار منه بلاقع. فأتى آت إلى أبي مسلم فقال: هرب نصر. وركب أبو مسلم وابن الكرماني في الطلب، ففاتهما ومضى. وأمر أبو مسلم بالاحتفاظ بعسكره ألّا ينتهب، وهرب منهم من هرب، ودخل في الدعوة من دخل، وقتل منهم عدّة [٤] . وكتب أبو مسلم بما كان من أمره واستيلاءه على مرو ومناصحة علي بن الكرماني واليمن إيّاه وبما أتاه عن الكور التي ظهرت فيها الدعوة، وبقوّة الهاشمية إلى إبراهيم الإمام، وكتب إلى أبي سلمة بما كتب به إلى إبراهيم.
فحكي عن صالح بن الهيثم بن بسر مولى علي وأخي [٥] أبي [٦] العباس من الرضاعة قال: لمّا وصل كتاب أبي مسلم إلى إبراهيم بن محمد الإمام بدخوله مرو وهرب نصر، حمد الله ومجّده وأثنى عليه، ثم تمثل قول
стр. 313
خداش بن زهير العامري [١] في قوم عكاظ:
فما برحت بكر تثوب وتدّعي ... ويلحق منها أوّلون وآخر
لدن غدوة حتى أتى الليل وانجلت ... عماية يوم شرّه متطاير [٢]
فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت ... هوازن وارفضّت [٣] سليم وعامر
وكانت قريش يفلق الصخر حدّها ... إذا أوهن الناس الجدود العواثر
ومرّ نصر حتى أتى نيسابور، وانضم إليه من هرب من أبي مسلم واجتمعت إليه قيس قاطبة وأعطوه من أنفسهم القيام بأمره [٤] ، واستقبل خراسان ورأى أنّ [١٥٧ أ] ما خلفه [٥] فيما بينه وبين ابن هبيرة ومروان ظهريّ له وقوة يتأيد بها هو ومن معه على الهاشمية، وأنشأ يقول:
و [٦] نصبت نفسي للرماح دريئة [٧] ... إنّ الرئيس لمثل ذاك فعول
وقال يحرّض قيسا ويمدحهم:
سأذكر من وفاء كرام قيس ... وأعرض عن ذنوب ذوي الوصوم
وعظم غنائهم في كلّ يوم ... كأن نجومه قطع الغيوم
стр. 314
وكتب إلى ابن هبيرة يخبره بموضعه من مرو ويصف له سوء حاله وخروجه من سلطانه، وأنشأ يقول:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن [١] تنادي
ولمّا بلغ أبا مسلم إقامة نصر بنيسابور ومن اجتمع إليه وتسلل أصحابه نحوه وإجماع قيس على معاونته، وضع المراصد لئلا يخرج أحد منهم ولا يدخل إلّا بعلمه، وأمر بقتل من كان من أصحاب نصر محبوسا في القهندز.
стр. 315
مسير قحطبة بن شبيب بالجنود إلى العراق
وأمر أبو مسلم بجمع الناس في داره، فامتلأت الدار منهم فقال: إنّ الإمام كتب إليّ أنّه قد ولى [١] قحطبة المسير بالجنود إلى العراق لما رجا من كفايته، [١٥٧ ب] وعلى علم منه بأن الله كاسر قرنا من قرون الشيطان على يده فمن أحب أن ينتدب معه فلينتدب.
وكان قحطبة قد توجّه بكتاب أبي مسلم إلى الإمام فقام فقال: إنّ الإمام يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: إنّ الله قد قادكم إلى خير ما قاد إليه أمّة من نصرة آل نبيّكم والقيام بحقكم والانتقام بكم من أعوان الظالمين، والفوز بالخير الكثير في الدنيا والآخرة، فكبّروا لذلك وعظم سرورهم به، ودعوا لقحطبة بالبركة، واستبشروا بما خبّرهم عن الإمام.
وخرج قحطبة، وأقام بخندق الواتحان من أبيورد حتى حسر عنه الشتاء، وأمكنت الطرق، وسرّب أبو مسلم إليه الجنود وبعث إليه بالسلاح [٢] ، حتى إذا كان النصف من شعبان سنة ثلاثين ومائة كتب إليه أبو مسلم يأمره أن يشخص بسّام بن إبراهيم فيمن معه إلى سرخس ومعه خازم [٣] بن خزيمة.
стр. 316
فتح سرخس
فسارا حتى نزلا عسكر شيبان بن سلمة الحروري الّذي كان رحل عنه، فبلغ ذلك شيبان فبعث إلى بسّام وفدا بما كان بينه وبين أبي مسلم من العقد، فقال بسّام: إنّا قدمنا سرخس مجتازين إلى هراة، ولسنا نريد قتال [١٥٨ أ] شيبان. وارتحل بسّام بمن معه يؤمّ هراة، فلما حاذى مدينة [١] سرخس عدل إليها، وخرج إليه شيبان في نحو من ثلاثة آلاف رجل، فالتقوا، فترجّل من كان مع شيبان، وبينه وبين بسّام نهر كثير الماء، فخاضه بسّام ومن معه، واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل عامّة أصحاب شيبان وانهزم من بقي إلى المدينة، ولجئوا إلى المسجد، فقتل شيبان ومن بقي من أصحابه، وبعث برأس شيبان إلى أبي مسلم. وبلغ الخبر نصرا فاشتدّ جزعه وقال: اليوم استحكم الشرّ على مروان، وذلك أنّ أهل سرخس كانوا يدا واحدة على الهاشمية، فرثاهم رجل من بني حنيفة فقال:
ما بال عينك لا تنام وقد رأت ... حول المدينة من سرخس قبورا
ومصارعا لسراتنا قد قدّرت ... لا يستطيع لها النحيب نشورا [٢]
والطير تحجل حول نضح دمائهم ... عقبا تعاقب كلّهنّ نسورا
قومي فقدتهم فزال لفقدهم ... جدّي، ولم يك قبل ذاك عثورا
стр. 317
فتح طوس
وكتب أبو مسلم إلى قحطبة أن يأتي طوس من أعلاها، وإلى القاسم بن مجاشع بسرخس أن يأتيها من أسفلها [١] ، وكان بها النابي بن سويد العجليّ، فلمّا بلغه خبر سرخس كتب إلى نصر بن سيّار أن يعاونه على الهاشمية ويذكّره ما [١٥٨ ب] كان فارقه عليه عند ممرّه به إلى نيسابور من أنهما يكونان يدا واحدة على الهاشمية، فوجّه إليه نصر ابنه تميما في فرسان مضر ومن أجابه من أهل نيسابور، وكتب إليه أنّه شاخص بنفسه ومن كان معه.
وكان نباتة بن حنظلة [٢] قد وافى الري في جمع كثيف وقوة، وأرادوا المصير إلى جرجان ليلجأ إليه فلول [٣] نصر المنهزمين من أبي مسلم وفلول [٣] سرخس ونسا وأبيورد، وقد بلغه أنّ قحطبة قد صمد لطوس. فكتب نصر إلى ابن هبيرة بحاله، وأنّه لم يبق لهم جمع يعتمدون عليه، وسأله أن يكتب إلى نباتة بطاعته وقبول رأيه في الحرب، فلمّا ورد كتابه على ابن هبيرة قال:
ما كنت لأولي مثل نصر على نباتة، وإنّما نحن في إصلاح ما أفسد نصر، فلم يجبه إلى ذلك. وبرز تميم بن نصر والنابي، ونزل قحطبة بإزائهما، وعنّوا خيولهم، وتزاحم القوم، فلما تدانى الصفّان بعث إليهم قحطبة يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإلى الرضا من آل رسوله، فشتموا رسوله ولم يسمعوا منه وقد أعجبتهم كثرتهم، وجعلوا يقولون للهاشمية: يا عبدة
стр. 318
الرءوس، يا مجوس، يا علوج، وأفرطوا في شتمهم، وقال لهم قحطبة، لا تجيبوهم ولا تشاتموهم فإن الله ناصركم عليهم لبغيهم وعتوهم. ثم أمر قحطبة الناس أن يحملوا [١] عليهم فشدوا عليهم [١٥٩ أ] شدّة رجل واحد، وصبر القوم لهم مليّا، وقاتلوهم قتالا شديدا. ثم إنّ قحطبة صاح:
يا أعوان الحقّ شدّوا على الفجّار فقد شتت الله أمرهم، وتحاضّ الناس على القتال، فهزموا تميما والنابي ومن معهما، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل تميم في المعركة، وهرب عاصم بن عمير في عدّة إلى نصر، وانحاز النابي في جماعة كثيرة إلى القرية، وتحصنوا في حصنها، وأحاط بهم الجند، ونادى منادي قحطبة: من خرج إلينا فهو آمن ما خلا النابي. ولمّا خاف [٢] القوم من يدخل [٣] عليهم عرقبوا دوابّهم وألقوها على الباب، وثلموا في الحائط ثلمة تشرف بهم على جرف غائر [٤] في الأرض، وخرجوا منه متتابعين لا يعلم الآخر ما لقي الأول، وجعل كلّ من خرج يهوي في ذلك الغور، فيقال إنّه هلك في تلك الوهدة نحو من ألفي رجل لم يمسسهم سلاح قتلوا به. وباتت الهاشمية يحرسونهم إلى الصباح [٥] ، فلما أصبحوا نقبوا عليهم نقبا ودخلوا عليهم منه، وقتلوا النابي ومن كان بقي معه، وأتي قحطبة برأسه ورأس تميم.
وكتب قحطبة بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث إليه برأس تميم والنابي.
وكان نصر خرج من نيسابور فعسكر في قرية يقال لها موروشك [٦] في نحو من
стр. 319
عشرة آلاف رجل من قيس ومن ضوى إليه من أعوان بني أميّة، وخلّف إبراهيم بن عبد الرحمن القشيري في حشر الناس [١٥٩ ب] فبينا هو مقيم هناك إذ أتاه خبر هزيمة القوم، وقيل له إنّ تميما والنابي محصوران، فانصرف إلى نيسابور ونزل في حائط لمعقل بن عروة، ثم أتاه الخبر في آخر النهار بقتل تميم والنابي، فارتحل ساعة أتاه الخبر بنوح نساء أهل نيسابور وبكائهن على من قتل من رجالهن، ومضى إلى قومس [١] وخلت نيسابور من جند بني أمية وأعوانهم.
وكتب نصر إلى مروان يخبره بمصاب تميم والنابي، وارفضاض الناس عنه، وخروجه عن خراسان إلى قومس. فكتب إليه مروان بإشراف نباتة عليه وإتباعه بأبي بكر بن كعب العقيلي وعطيف بن بشر في جمع كثير من أهل الشام، فلينضمّ إليه وتكون أيديهم واحدة حتى يرد عليهم ابن ضبارة في فرسان أهل الشام، وكتب إلى ابن هبيرة:
أمّا بعد، فإن نصر بن سيّار كتب إلى أمير المؤمنين بمن [٢] تجمّع من أعداء الله من شرار العجم وسقّاط العرب، ويشكو سوء إجابتك إيّاه، وتثاقلك عن إمداده، فما أكثر استزادة أمير المؤمنين لك في كل ما يأمرك وينهاك عنه، فإذا نظرت في كتاب أمير المؤمنين فسرّب إلى نصر الجموع بعد الجموع، ثم اتبعهم القوة بعد القوة، وسرّح من ولدك أحمدهم عندك عقلا وأصحّهم نية في جهاد عدوّ أمير المؤمنين، وولّه أمر ذلك الجند ومره [١٦٠ أ] بحسن [٣] سياستهم والرّفق بهم، حتى يكون لهم كالوالد الشفيق
стр. 320
أو المؤدب الرفيق حتى لا يدخله سأمة فيما يحاول من مصلحتهم. ثم آثرهم بما يجتمع عندك من الفيء، فإنّهم أحقّ به ممّن أقام ولم يصل بالحرب، فإنّ أمر خراسان قد تفاقم، واشتدت شوكة من تجمّع هناك، واستولت السفلة على الأخيار وعلى أهل الدين والحسب للذي كان الله ابتلاهم به من الفرقة والتباين، فأبدلهم الله بذلك مذلّة الأرباب وربوبية العبيد، وفي تعجيلك الجنود عزّ لأهل الطاعة، وذلّ لأهل المعصية. فاستدرك ما قد تفاوت من تفريطك، فإن العراق لك مدد، والأموال لديك كثيرة غير مقبوضة يدك عنها، ولا يحال بينك وبينها، فاجعل ما تمدّهم به من مال وسلاح من قبل فارس، فإنّهم إليه أسرع وعليهم أوسع. وقال نصر بن سيّار يرثي ابنه تميما:
نفى عني العزاء وكنت جلدا ... نكوب فجائع الحدث العظيم
وهمّ أورث الأحشاء وجدا ... لإجلاء الفوارس عن تميم
ومصرعه على قضب الأعادي ... يذبّ عن الجماعة والحريم
وفاء للخليفة وابتذالا ... لنفس من أخي ثقة كريم
فإن يك دهرنا أودى مداه ... بفارسنا المقاتل في الصميم
[١٦٠ ب] وإن يشمت بنكبتنا عدوّ ... فما أنا بالضعيف، ولا السئوم [١]