فتح سرخس
فسارا حتى نزلا عسكر شيبان بن سلمة الحروري الّذي كان رحل عنه، فبلغ ذلك شيبان فبعث إلى بسّام وفدا بما كان بينه وبين أبي مسلم من العقد، فقال بسّام: إنّا قدمنا سرخس مجتازين إلى هراة، ولسنا نريد قتال [١٥٨ أ] شيبان. وارتحل بسّام بمن معه يؤمّ هراة، فلما حاذى مدينة [١] سرخس عدل إليها، وخرج إليه شيبان في نحو من ثلاثة آلاف رجل، فالتقوا، فترجّل من كان مع شيبان، وبينه وبين بسّام نهر كثير الماء، فخاضه بسّام ومن معه، واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل عامّة أصحاب شيبان وانهزم من بقي إلى المدينة، ولجئوا إلى المسجد، فقتل شيبان ومن بقي من أصحابه، وبعث برأس شيبان إلى أبي مسلم. وبلغ الخبر نصرا فاشتدّ جزعه وقال: اليوم استحكم الشرّ على مروان، وذلك أنّ أهل سرخس كانوا يدا واحدة على الهاشمية، فرثاهم رجل من بني حنيفة فقال:
ما بال عينك لا تنام وقد رأت ... حول المدينة من سرخس قبورا
ومصارعا لسراتنا قد قدّرت ... لا يستطيع لها النحيب نشورا [٢]
والطير تحجل حول نضح دمائهم ... عقبا تعاقب كلّهنّ نسورا
قومي فقدتهم فزال لفقدهم ... جدّي، ولم يك قبل ذاك عثورا
стр. 317
فتح طوس
وكتب أبو مسلم إلى قحطبة أن يأتي طوس من أعلاها، وإلى القاسم بن مجاشع بسرخس أن يأتيها من أسفلها [١] ، وكان بها النابي بن سويد العجليّ، فلمّا بلغه خبر سرخس كتب إلى نصر بن سيّار أن يعاونه على الهاشمية ويذكّره ما [١٥٨ ب] كان فارقه عليه عند ممرّه به إلى نيسابور من أنهما يكونان يدا واحدة على الهاشمية، فوجّه إليه نصر ابنه تميما في فرسان مضر ومن أجابه من أهل نيسابور، وكتب إليه أنّه شاخص بنفسه ومن كان معه.
وكان نباتة بن حنظلة [٢] قد وافى الري في جمع كثيف وقوة، وأرادوا المصير إلى جرجان ليلجأ إليه فلول [٣] نصر المنهزمين من أبي مسلم وفلول [٣] سرخس ونسا وأبيورد، وقد بلغه أنّ قحطبة قد صمد لطوس. فكتب نصر إلى ابن هبيرة بحاله، وأنّه لم يبق لهم جمع يعتمدون عليه، وسأله أن يكتب إلى نباتة بطاعته وقبول رأيه في الحرب، فلمّا ورد كتابه على ابن هبيرة قال:
ما كنت لأولي مثل نصر على نباتة، وإنّما نحن في إصلاح ما أفسد نصر، فلم يجبه إلى ذلك. وبرز تميم بن نصر والنابي، ونزل قحطبة بإزائهما، وعنّوا خيولهم، وتزاحم القوم، فلما تدانى الصفّان بعث إليهم قحطبة يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإلى الرضا من آل رسوله، فشتموا رسوله ولم يسمعوا منه وقد أعجبتهم كثرتهم، وجعلوا يقولون للهاشمية: يا عبدة
стр. 318
الرءوس، يا مجوس، يا علوج، وأفرطوا في شتمهم، وقال لهم قحطبة، لا تجيبوهم ولا تشاتموهم فإن الله ناصركم عليهم لبغيهم وعتوهم. ثم أمر قحطبة الناس أن يحملوا [١] عليهم فشدوا عليهم [١٥٩ أ] شدّة رجل واحد، وصبر القوم لهم مليّا، وقاتلوهم قتالا شديدا. ثم إنّ قحطبة صاح:
يا أعوان الحقّ شدّوا على الفجّار فقد شتت الله أمرهم، وتحاضّ الناس على القتال، فهزموا تميما والنابي ومن معهما، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل تميم في المعركة، وهرب عاصم بن عمير في عدّة إلى نصر، وانحاز النابي في جماعة كثيرة إلى القرية، وتحصنوا في حصنها، وأحاط بهم الجند، ونادى منادي قحطبة: من خرج إلينا فهو آمن ما خلا النابي. ولمّا خاف [٢] القوم من يدخل [٣] عليهم عرقبوا دوابّهم وألقوها على الباب، وثلموا في الحائط ثلمة تشرف بهم على جرف غائر [٤] في الأرض، وخرجوا منه متتابعين لا يعلم الآخر ما لقي الأول، وجعل كلّ من خرج يهوي في ذلك الغور، فيقال إنّه هلك في تلك الوهدة نحو من ألفي رجل لم يمسسهم سلاح قتلوا به. وباتت الهاشمية يحرسونهم إلى الصباح [٥] ، فلما أصبحوا نقبوا عليهم نقبا ودخلوا عليهم منه، وقتلوا النابي ومن كان بقي معه، وأتي قحطبة برأسه ورأس تميم.
وكتب قحطبة بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث إليه برأس تميم والنابي.
وكان نصر خرج من نيسابور فعسكر في قرية يقال لها موروشك [٦] في نحو من
стр. 319
عشرة آلاف رجل من قيس ومن ضوى إليه من أعوان بني أميّة، وخلّف إبراهيم بن عبد الرحمن القشيري في حشر الناس [١٥٩ ب] فبينا هو مقيم هناك إذ أتاه خبر هزيمة القوم، وقيل له إنّ تميما والنابي محصوران، فانصرف إلى نيسابور ونزل في حائط لمعقل بن عروة، ثم أتاه الخبر في آخر النهار بقتل تميم والنابي، فارتحل ساعة أتاه الخبر بنوح نساء أهل نيسابور وبكائهن على من قتل من رجالهن، ومضى إلى قومس [١] وخلت نيسابور من جند بني أمية وأعوانهم.
وكتب نصر إلى مروان يخبره بمصاب تميم والنابي، وارفضاض الناس عنه، وخروجه عن خراسان إلى قومس. فكتب إليه مروان بإشراف نباتة عليه وإتباعه بأبي بكر بن كعب العقيلي وعطيف بن بشر في جمع كثير من أهل الشام، فلينضمّ إليه وتكون أيديهم واحدة حتى يرد عليهم ابن ضبارة في فرسان أهل الشام، وكتب إلى ابن هبيرة:
أمّا بعد، فإن نصر بن سيّار كتب إلى أمير المؤمنين بمن [٢] تجمّع من أعداء الله من شرار العجم وسقّاط العرب، ويشكو سوء إجابتك إيّاه، وتثاقلك عن إمداده، فما أكثر استزادة أمير المؤمنين لك في كل ما يأمرك وينهاك عنه، فإذا نظرت في كتاب أمير المؤمنين فسرّب إلى نصر الجموع بعد الجموع، ثم اتبعهم القوة بعد القوة، وسرّح من ولدك أحمدهم عندك عقلا وأصحّهم نية في جهاد عدوّ أمير المؤمنين، وولّه أمر ذلك الجند ومره [١٦٠ أ] بحسن [٣] سياستهم والرّفق بهم، حتى يكون لهم كالوالد الشفيق
стр. 320
أو المؤدب الرفيق حتى لا يدخله سأمة فيما يحاول من مصلحتهم. ثم آثرهم بما يجتمع عندك من الفيء، فإنّهم أحقّ به ممّن أقام ولم يصل بالحرب، فإنّ أمر خراسان قد تفاقم، واشتدت شوكة من تجمّع هناك، واستولت السفلة على الأخيار وعلى أهل الدين والحسب للذي كان الله ابتلاهم به من الفرقة والتباين، فأبدلهم الله بذلك مذلّة الأرباب وربوبية العبيد، وفي تعجيلك الجنود عزّ لأهل الطاعة، وذلّ لأهل المعصية. فاستدرك ما قد تفاوت من تفريطك، فإن العراق لك مدد، والأموال لديك كثيرة غير مقبوضة يدك عنها، ولا يحال بينك وبينها، فاجعل ما تمدّهم به من مال وسلاح من قبل فارس، فإنّهم إليه أسرع وعليهم أوسع. وقال نصر بن سيّار يرثي ابنه تميما:
نفى عني العزاء وكنت جلدا ... نكوب فجائع الحدث العظيم
وهمّ أورث الأحشاء وجدا ... لإجلاء الفوارس عن تميم
ومصرعه على قضب الأعادي ... يذبّ عن الجماعة والحريم
وفاء للخليفة وابتذالا ... لنفس من أخي ثقة كريم
فإن يك دهرنا أودى مداه ... بفارسنا المقاتل في الصميم
[١٦٠ ب] وإن يشمت بنكبتنا عدوّ ... فما أنا بالضعيف، ولا السئوم [١]
стр. 321
فتح نيسابور
ثم وجّه قحطبة العكّيّ إلى نيسابور في ألفي رجل، فقدمها العكيّ، ووافاه القاسم بن مجاشع في خيله، ثم شخص قحطبة إلى نيسابور، واستخلف على طوس عبد الجبار بن عبد الرحمن. وقدم قحطبة نيسابور آخر يوم من شعبان سنة ثلاثين ومائة، فآمن الناس جميعا، ولم يكشف أحدا عن شيء، ونادى مناديه بالأمان إلّا لرجل حضر مقتل يحيى بن زيد، ودعاهم إلى البيعة، فحضره وجوههم، فأخذ البيعة عليهم، ثم كلّم بعد فيمن استثنى ممن شهد مقتل يحيى بن زيد فآمنهم جميعا. وصرف القاسم بن مجاشع إلى أبي مسلم في خاصة أصحابه، وكتب قحطبة إلى أبي مسلم بدخوله نيسابور، وما فتح الله عليه، فعظم سروره وسرور من معه بذلك. وأقام قحطبة بنيسابور في أخذ البيعة شهري [١] رمضان وشوّال، وبعث إلى رساتيق نيسابور في أخذ البيعة على أهلها، وبسط لهم الأمان، ووجّه محرز بن إبراهيم وأبا كامل في ألفي رجل إلى بيهق [٢] وجعله مسلحة بها ليقطع به طمع نصر بن سيّار.
стр. 322
فتح جرجان
وسار نباتة بن حنظلة من الري إلى جرجان، واستخلف على الري أبا بكر بن كعب [١٦١ أ] العقيلي، ووافى جرجان، وأمر بعرض جنود خراسان، فدعا بنصر بن سيّار، فقال عاصم: حلّقوا [١] على اسمه، وحلّق على من لم يوافقه [٢] من جند خراسان [٣] ، وخندق على مدينة جرجان. وبلغ نصرا إسقاط نباتة اسمه واسم من معه فقال: هذا عن رأي ابن هبيرة، ولئن ظنّ ابن القرعاء أني أقاتل عنه وأنقاد لنباتة لبئس ما ظن، وأقام بقومس. وكتب أبو مسلم إلى قحطبة أن يمضي إلى نصر ويصمد [٤] صمده، فأبي أن يفعل ذلك، وكتب إليه: ما كنت أمضي إلى نصر وهو فلّ [٥] ، وأدع خلفي نباتة في فرسان أهل الشام وأهل خراسان، ولكني أمضي لجرجان، فإن أظفر الله بنباتة فما أيسر أمر نصر. فكتب إليه أبو مسلم: الرأي رأيك، امض لما رأيت [٦] ، فوجّه عند ذلك الحسن بن قحطبة إلى جرجان، وضمّ إليه من كان مع القاسم بن مجاشع. وأوقع الحسن بن قحطبة ببعض مسالح نباتة فقتلهم، وأخذ خيلهم وسلاحهم، وكتب بذلك إلى قحطبة، فسار قحطبة إلى جرجان، فخرج إليه خلق كثير قد سوّدوا في الأمان. وخرج إليه
стр. 323
نباتة فيمن معه من أهل الشام، ومن انضاف إليه من عرب خراسان، فقال قحطبة: نبدؤهم بالحجّة، فندعوهم، ثم دعا السري الجعفي فقال له:
اخرج إلى هذا الطاغية فقل له: إنّا ندعوك إلى كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ وإلى الرضا من آل رسوله، لا نستأثر عليك، لك ما لنا وعليك ما علينا، [١٦١ ب] فمضى حتى دنا من صفّهم فقال: أتؤمنوني حتى أكلّمكم؟
قال: ونباتة يسمع، فقال: أنت آمن فقل ما شئت. فقال السري: هذا الأمير قحطبة يدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وإلى الرضا من آل رسوله ﷺ ، على ألّا يستأثر عليكم، ولكم ما له، وعليكم ما عليه.
قال نباتة: تعسا لك! ألهذا جئتنا؟ وقال بعض أصحابه: نحن ندعوكم [١] إلى الله، وإلى الخليفة مروان وإلى الرزق والعطاء الجاري، هذا الأمير نباتة صاحب وقعة يوم الأهواز، وله وقائع عظام في أهل الشقاق، قد بسط لكم الأمان، وهو يعرضه عليكم. فانصرف السريّ فخبّر قحطبة، فتهيأ القوم للحملة، فإذا فارس قد أقبل من الميمنة فدنا من قحطبة فقال: أيها الأمير! ينادي مناديك الساعة في موقفك، وتبعث بذلك إلى الأبواب كلّها: إنّ من دخل داره من أهل جرجان فهو آمن، فإنّي أرجو أن يرفضّ عنه [٢] كثير من الناس. قال قحطبة: سرّك الله وبرّك، أصبت وأحسنت، ناد: من دخل داره من أهل جرجان وأغلق بابه فهو آمن. فلمّا نودي به في كل الأبواب تسلل خلق كثير، ونباتة واقف لم يتحلحل من موضعه. قال:
وأقبل رجل من داخل المدينة فدنا من نباتة فكلّمه بشيء فمال [٣] إليه برأسه يتفهّم كلامه ثم استوى على دابّته وكلّم إنسانا يليه وعطف [١٦٢ أ] بفرسه
стр. 324
راجعا إلى المدينة. قال: فقال عامر [١]- وهو الّذي أشار بالنداء- انهزم القوم وربّ الكعبة. ونادى قحطبة أن احملوا، فحملوا [٢] ، وانهزم القوم، ودخل أهل الشام المدينة، وأغلقوا الأبواب دون من كان معهم من فلّال خراسان، ودخل الحسن بن قحطبة والعكيّ المدينة، وثبت لهم سالم [٣] بن راوية التميمي وقاتلهم طويلا ثم قتل. ولم يلبث قحطبة أن فتح الباب الّذي كان نباتة واقفا عليه، ودخل الجند فقتلوا نباتة وقتلوا ابنه حيّة، وقتلوا الخطاب بن البحتري التميمي، وضرار بن المهلب، واستولى قحطبة على المدينة من يومه وهو يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجّة سنة ثلاثين ومائة. وأمر قحطبة برفع السيف عن الناس، ولم يتعرض [٤] لأحد أغلق بابه عليه، وهرب أكثر قوّاد نباتة، ونودي في الناس بأمانهم وأخذت [٥] البيعة عليهم. وكتب قحطبة بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث إليه برأس نباتة ورأس ابنه حية ورأس ضرار ابن المهلب وسالم بن راوية، وكتب إليه يخبره ببلاء أهل جرجان، ووصف اجتهاد من كان معه منهم ومسارعة من قدم عليه من عوامّهم إلى الدعوة، وإنّه لم يبل أحد ممن كان معه بلاءهم. ونادى قحطبة: من أراد الفرض والجهاد في دعوة آل محمد فلينتدب، فسارع [٦] أهل جرجان إلى ذلك، فلم تأت عليهم [١٦٢ ب] خامسة حتى أفرض خمسة آلاف رجل. وخرج رجل
стр. 325
من غني أو باهلة عند ما أوقع الله بنباتة، وتشبّه بالمجوس، وحلق لحيته، وشدّ كستجا على وسطه، وأتى نصرا وهو بقومس فخبّره بمقتل نباتة، فارتحل من قومس، فنزل الخوار [١] ، وعظم عنده ما أوقع بنباتة وأصحابه، واستيلاء قحطبة على جرجان.
فتح قومس
ووجّه قحطبة، وهو بجرجان، الحسن بن قحطبة على مقدّمته إلى قومس، فشخص في أول المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومائة، فسار الحسن حتى نزل بسطام [٢] مدينة قومس، وألفى بها محرز بن إبراهيم ومعه أبو كامل وأبو العبّاس المروزي، فصاروا جميعا مع الحسن. فوجّه الحسن أبا كامل إلى سمنان [٣] ، وبينه وبين عسكر نصر بضعة عشر فرسخا، فلمّا دنا من عسكره، بعث إلى نصر من يخبره بمجيئه فيمن جاء معه من الهاشمية، وسأله أن يبعث إليه جندا كثيفا يمكنهم منهم، فبعث نصر عاصم بن عمير السمرقندي في خيل وحاتم بن الحارث وغسّان بن علي بن معقل في وجه آخر، فهجموا على الهاشمية فأحاطوا بهم من كل وجه، ونكّس أبو كامل علمه، ولحق بالقوم فيمن شايعه على أمره من خاصة أصحابه [٤] ، فأسقط في يدي من بقي، وقيل لهم: من ألقى سلاحه فهو آمن، فألقوا أسلحتهم، [١٦٣ أ] وأخذوا
стр. 326
خيلهم وسلبوهم سوادهم [١] ، وسيقوا فأدخلوا حائطا حصينا فكانوا فيه.
وبعث إلى نصر بعدّة منهم، فمنّاهم ووعدهم أن يفرض لهم في شرف العطاء ويحسن إليهم، وصرفهم إلى إخوانهم في ذلك الحائط ليخبروهم برأيه فيهم، ووضع عليهم الرقباء ممن كان معه من أهل خراسان، وأقاموا يومهم ذلك، فلمّا جنّ عليهم الليل رأى رجل منهم ثلمة يمكنه الخروج منها، فدعا أصحابه إلى ذلك، فتابعه على ذلك عامّتهم، وعالجوا تلك الثلمة حتى خرج عامّتهم، وبقيت منهم بقيّة لم يقدروا على الخروج من الضعف والضر، وطلب من خرج من الغد، فلم يدركوا، فذهب بمن بقي إلى نصر، وبعث بهم نصر إلى ابن هبيرة، وبعث بهم ابن هبيرة إلى مروان. ولمّا انتهى خبر أبي كامل [وما لقي من كان معه] [٢] إلى الحسن بعث خازم بن خزيمة على مقدمته إلى سمنان، ينزل [٣] بها ولا يبرحها، وضمّ إليه ثلاثة آلاف رجل، فأقام بها نحوا من عشرين ليلة. وبعث نصر مسالح من أهل الشام، فبعث الحسن إليهم خيلا، فبيّتوهم، وغنموا ما كان معهم من دوابّهم وسلاحهم، وبلغ ذلك نصرا، فارتحل إلى الري وألفى بها أبا بكر بن كعب واليا عليها قد بعثه ابن هبيرة. وكتب الحسن بن قحطبة إلى قحطبة بما كان من أمر أبي كامل فبعث إليه قائدا من قواده وأعلمه أنه قادم وأمره ألّا يتحرك إلّا أن يرى فرصة [١٦٣ ب] فينتهزها.
وأقام قحطبة بجرجان بقيّة ذي الحجّة والمحرم حتى جبى [٤] شيئا من خراج جرجان وقسمه فيمن كان معه.
стр. 327
فتح طبرستان
ولما جبى قحطبة جرجان وقسّمه في أصحابه بعث خالد بن برمك إلى أصبهبذ [١] طبرستان يدعوه إلى الطاعة فأجاب إلى ذلك، وضمن أن يحمل صلحه [٢] ، فكتب بذلك إلى أبي مسلم، وكان ذلك أوّل ما حرّك من أمر خالد.
فاستخلف أسيدا [٣] على جرجان، وشخص إلى الري، وكان كلّما فتح بلدا خلّف به أسيدا، ثم يبعث إليه أبو مسلم عاملا ثم يلحق أسيد بقحطبة [٤] ، فلما قدم بسطام، وبها الحسن، أمره أن يتقدّم فيمن معه إلى الخوار، فتقدّم الحسن ونزل الخوار. وبلغ ذلك نصرا فخرج من الري نحو همدان، وبلغنا أن أبا بكر بن كعب وعطيف [٥] بن بشر قالا له: أقم ونحن معك حتى تلقى هؤلاء القوم فإنّ جماعتنا حسنة، فقال: تركتموني حتى صرت جسرا، قلتم: أقم، شأنكم بالقوم، أمّا أنا فقد أعذرت. فقال له حبيب بن بديل [٦] :
إنّ ابن هبيرة يقول لك: أقم بموضعك فقد أظلّتك الأمداد، فأبى أن يقيم، وخرج إلى همدان، وخرجت خيول مروان وفيهم أبو بكر بن كعب وعطيف [٧] ابن بشر وحبيب بن بديل، في جمع كثير قد تشتت أمرهم وتخاذلوا فلحقوا بعامر [١٦٤ أ] ابن ضبارة.
стр. 328
فتح الخوار والري وموت نصر
وبلغ ذلك قحطبة، فشخص وكتب إلى الحسن يأمره أن يمضي إلى الري، فمضى الحسن ولحقه قحطبة قبل أن يدخلها، فدخلها في صفر سنة إحدى وثلاثين ومائة عفوا لم يقاتل عليها. ومضى نصر وهو يريد همدان، وهو مريض شديد المرض، فلما صار بساوة [١] هلك [٢] بها يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ومائة. وبلغنا أنّه كان استخلف سيّارا ابنه على جنده، وأمره ألّا يقطع أمرا إلّا بأمر عليّ بن معقل الحنفي. فلما هلك نصر تفرق أصحابه فلحقت فرقة منهم بالبصرة وفرقة بابن ضبارة، وثبت بقيتهم مع سيّار بن نصر بن سيّار. فأقام قحطبة بالري، وكتب إلى أبي مسلم بما صنع الله له، وسهّل الأمور عليه، وبما انتهى إليه من وفاة نصر، وبلغ ابن هبيرة وفاة نصر ونزول قحطبة بالجنود الري فأعظم ذلك. وأقام قحطبة بالري نحوا من خمسة أشهر، فلا يخرج أحد من الري ولا يدخلها إلّا بإذنه وجوازه.
стр. 329
فتح أبهر [١]
وبلغ قحطبة أن بدستبى [٢] قوما من الخوارج والصعاليك، قد تجمعوا هناك، فوجّه إليهم أبا عون في أهل جرجان، فخرج حتى نزل أبهر من دستبى، ثم توجّه إلى الخوارج ومن تلفّف إليهم، فدعاهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ [١٦٤ ب] وإلى الرضا من آل رسوله، فلم يجيبوه، وقاتلوه فظفر بهم بعد قتال شديد، وتحصّن عدة منهم حتى آمنهم أبو عون فخرجوا إليه، وأقام معه عدة وافترضوا، وانصرف بقيّتهم إلى أوطانهم [٣] . فكتب إلى قحطبة بذلك، وكتب إليه يأمره بالمقام في موضعه، وبثّ خيوله فيما يليه، وبسط الأمان لمن أتاه، وتألف الناس. فأقام أبو عون بمدينة أبهر نحوا من ثلاثة أشهر، وبلغ قحطبة إقبال مالك بن أدهم فيمن أقبل معه من أهل الشام، وانضمام سيّار بن نصر وعلي بن معقل في أصحاب نصر إليه وما اجتمعوا عليه من التوجه إلى همدان.
فتح همدان
فتوجّه الحسن بن قحطبة على طريق المحجّة إلى همدان في أهل مروالروذ، فيهم خازم بن خزيمة وخفاف والأغلب وغيرهم من القواد، فشخص الحسن
стр. 330
وقد أقبل مالك [١] يريد همدان، فلما بلغوا قلعة التستر [٢] أتاهم أنّ الحسن قد نزل همدان فيمن معه، فعدل إلى نهاوند [٣] ودخلوا [٤] مدينتها، وتحصنوا فيها طمعا في ابن ضبارة. فبلغنا أن النضر [٥] بن حميد اللخمي، وكان في ذلك الجند، قال لهم: ما إدخالكم أنفسكم في الحصار وفيه المذلّة والصغار، ولنا [٦] أن نكون بساوة على ظهور خيولنا فإن طمعنا في ابن ضبارة ملنا إليه، [١٦٥ أ] وإن أبطأ عنّا لحقنا بابن هبيرة، إنّه والله ما صار أحد إلى الحصار إلّا خزي وذلّ. فأبى القوم أن يجيبوه، فقالوا: نكون في حصن فقد أظلّنا ابن ضبارة، فإذا دنا خرجنا إليه. وانتهى إلى الحسن خبرهم، فكتب إلى قحطبة يخبره بذلك، وكتب إليه يأمره بالمسير إليهم وبمحاصرتهم، وأمدّه بألفي رجل فيهم الجهم [٧] بن العلاء في ألف وثلاث مائة رجل.
حصار نهاوند
فشخص الحسن حتى نزل نهاوند وحاصر القوم بها، فأشار بعضهم بالخروج إليه، وأبى الأكثر أن يخرجوا [٨] حتى يقرب منهم ابن ضبارة.
стр. 331
وبلغ أبا سلمة ما دبّر ابن هبيرة [١] في ابن ضبارة وما صنع مروان فيمن وجّه من الجنود، فكتب إلى أبي مسلم يخبره بذلك، وأن يسرّب الجنود إلى [٢] قحطبة [٣] وكتب أبو سلمة إلى قحطبة يأمره بالتأنّي حتى يستكشف أمره، وبعث بكتابه إليه مع أشيم بن دعيم المسلي، فقدم الري، فألفى قحطبة قد أراد الخروج وأن يتقدم، فلما قرأ كتاب أبي سلمة أقام بالري حتى قدمت الجنود إلى قحطبة قائدا في اثر قائد حتى سرّب إليه أحد عشر قائدا في نحو من عشرة آلاف رجل. وأراد أبو مسلم أن يكون ردءا لقحطبة ومن [٤] معه وأن يقرب من مغاثهم إن نكبوا مع ما أحب من تنحية علي بن الكرماني عن مرو وبلاد قومه لما همّ به من قتله وقتل أصحابه، فسار [١٦٥ ب] أبو مسلم من مرو إلى نيسابور [٥] في زهاء أربعين ألف رجل ومعه علي بن الكرماني، يصلّي أبو مسلم خلفه ولا يقطع أمرا دون عرضه عليه ورضاه به. ووجّه أبو مسلم على مقدّمته العلاء بن حريث الخزاعي، فلمّا قدم سرخس أمر العلاء أن يقيم بها، واستعمله عليها، وجعل مكانه على مقدّمته أبا سعيد بن معاوية ابن يزيد بن المهلب، فقدم أبو مسلم نيسابور في صفر سنة إحدى وثلاثين
стр. 332
ومائة، ثم قفل إلى مرو. وانتهى الخبر إلى أبي مسلم بصدوف [١] ابن ضبارة وداود في أهل الشام عن الطريق الّذي كان أشفق أن يدخلوا عليه من قبل سجستان والطبسين لأنهم كانوا همّوا أن يمرّوا من كرمان على سجستان حتى يدخلوا خراسان [٢] ثم عدلوا إلى أصبهان فسرّ أبو مسلم بذلك.
فتح قم [٣]
نو بلغ قحطبة إقبال ابن ضبارة، فوجّه العكي في أربعة آلاف رجل إلى قم فشتا بها، ثم أتبعه بموسى بن عقيل وحباس بن خبيب. ووجّه قحطبة عمرو بن حفص العتكيّ [٤] في خيل ضمّها إليه الى أصبهان وأمره أن يتطرق [٥] خيول ابن ضباره ويكتب إليه بأخباره فإن دهمه أمر لا يقوى عليه انصرف إليه، فسار عمرو حتى نزل رستاقا من أصبهان يسمى أنار [٦] . وأقبل ابن ضبارة [١٦٦ أ] فلما صار إلى أصبهان بلغه موضع عمرو منها، فوجّه إليه قائدا من قوّاده يقال له عبد الرحمن بن حكم المري في ثلاثة آلاف
стр. 333
فارس، فبيّتوه وقتلوا عدة من أصحابه فنجا عمرو وتحصّن في قرية من [١] أصبهان تدعى نميور. وبلغ قحطبة ما لقي عمرو، وكان قد وكّل عامر بن إسماعيل بالطرق ما بين الري وهمدان، وأمره أن ينزل قصر تستر [٢] ، ويضع المسالح، وكتب إلى عامر هذا أن يتقدّم إلى أصبهان، وكتب إلى العكي يأمره أن يوجّه إليه رجلا في خمس مائة فارس، وكتب إلى أبي عون أن يوجّه إليه رجلا في خمس مائة أخرى، فوجّه إليه العكي المخارق بن غفّار [٣] ، ووجّه أبو عون أبا الجند الأعور، وتوافي المخارق وأبو الجند [٤] إلى عامر بن إسماعيل. ثم كتب قحطبة إلى أبي عون وهو [٥] بأبهر [٦] أن يتوجّه من موضعه فيمن معه حتى ينزل قرية تسمّى أبة [٧] من أصبهان، وكتب إلى العكي وإلى عامر بن إسماعيل:
إن دهمهم من عدوّهم ما لا قوّة لهم به أن ينضموا إلى أبي عون ويطيعوه.
فتح أصبهان
وبلغ قحطبة إقبال ابن ضبارة، فأمر أبا الجهم بعرض الجند، وإحصاء من كان قدم معه من أهل نسا وأبيورد وجرجان ومروالروذ، فبلغوا نحوا من ثلاثين ألف فارس [٨] سوى من قدم على قحطبة بالري من القواد الذين
стр. 334
ذكرناهم، فلما فرغ من [١٦٦ ب] العرض أمر بأرزاقهم، وتهيأ للتقدم إلى أصبهان. وأقبلت خيل من ابن ضبارة مع رجل من بني مرّة يقال له عجرة، في نحو من سبعة آلاف رجل يريدون عامر بن إسماعيل، وهو أدنى جند الهاشمية اليهم، فأمر عامر المخارق أن يخرج في أصحابه، فيقف على شرف بينه وبين العسكر قدر ميل، فخرج المخارق، فأتاه رجل من أهل القرية وهو مرعوب فقال: رأيت خيل أهل الشام من وراء هذا الشرف نزولا يسقون دوابّهم فارتفعت عنهم، وجئت إليكم أعلمكم، فأمر بالتهيؤ، وركب وعبّأ أصحابه. فلم ينته المخارق إلى ذلك الشرف حتى رأى رهج القوم، فأرسل إلى عامر يخبره بذلك، ثم وقف حتى تبيّنهم وتبيّن راياتهم فانصرف إلى عامر فأخبره، فبرز من القرية، وعبّأ أصحابه، ووضع الميمنة والميسرة والكمين. قال: فلما كان بين العسكرين [١] نحو من غلوة وقفوا، وأقبل رجل منهم حتى إذا كان حيث يسمع كلامه قال: يا معشر المسلمين! اتّقوا الله وراجعوا جماعتكم، ولكم الأمان على ما أحدثتم في هذه الفتنة، ولكم العطاء والرزق الواسع. فقال عامر: يا قتيبة! كلّمه، وقتيبة كاتبه يومئذ، وادعهم [٢] إلى كتاب الله وسنّة نبيه، وإلى الرضا من آل رسوله.
فكلمه قتيبة، وكان متكلما، فقال: إنّا والله [١٦٧ أ] ما ننازعكم دنياكم، وما عليها نقاتلكم، ولكنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإلى الرضا من أهل بيته، فإن قبلتم كنّا وأنتم متعاونين على.. [٣] فقال المتكلم من أهل الشام: هذا كلام، ثم حمل القوم علينا حملة رجل واحد، فتضعضعنا، ولم ننهزم، فصاح بنا عامر، وكان صيّتا في الحرب: يا معشر المؤمنين!
стр. 335
أنتم أولى مؤمنين [١] لقوا الكافرين، اصدقوهم الحملة، فقد هزمهم الله. قال:
فشددنا عليهم، وحمل [٢] صاحب الكمين، فلمّا عاينوا الكمين، وقد صدقناهم الحملة، ولّوا منهزمين، وقتلنا منهم نحوا من سبع مائة رجل، وكانوا على خيول مطهّمة فنجوا عليها، وحوينا أثقالهم. وكتب إلى أبي عون والعكي، بما صنع الله بهم، وكتب إلى قحطبة يخبره بما صنع الله لهم، فلمّا ورد الكتاب على قحطبة وقرأه قال: الله أكبر، وكبّر الناس حتى ارتج العسكر [٣] بالتكبير، ثم انفتل فسجد طويلا، وكتب بذلك إلى أبي مسلم.
وورد عليه كتاب الحسن بن قحطبة يخبره أنّ ابن ضبارة يريد أن يجتمع هو وأهل نهاوند على محاربته ويسأله أن يمده بالرجال، فلمّا بلغ الخبر ابن ضبارة، وجّه خيلا عظيمة مع أبي بكر بن كعب العقيلي، وكان لحق به حيث خرج إلى الري، فأقبل حتى نزل التيمرة الكبرى، وخندق على نفسه ولحق أصحابه، فكتب عامر بذلك إلى أبي عون [١٦٧ ب] وإلى العكّي، فوافاه أبو عون ومن معه، وزحفوا جميعا إلى خيل ابن ضبارة، فالتقوا بالتيمرة فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وانصرفت الهاشمية إلى عسكرهم، وانصرفت خيل ابن ضبارة فتركوا خندقهم ولحقوا بابن ضبارة. وأصبحت الهاشمية، فبلغهم جلاء عدوهم عن خندقهم فتحولوا إليه ونزلوه، وكتبوا بذلك إلى قحطبة، ولم يبرح العكيّ من موضعه بقمّ، وذلك أنّه بلغه أن خيل الشام قد توجّهت إلى قم، فأقام لذلك.
وأقبل ابن ضبارة، وداود بن يزيد [٤] بن عمر بن هبيرة في جمع
стр. 336
عظيم من أهل الشام وأهل الجزيرة [١] ، وبلغ ذلك قحطبة، فكتب إلى أبي مسلم يخبره بجدّ ابن ضبارة في لقائه، وأنّه شاخص نحوه، وسأله أن يضع بقومس رجلا يضبط ما بينه وبين الري وطبرستان ودنباوند [٢] ، ويضع بالري رجلا جليدا في جند كثيف يأخذ بطرق ما بينها وبين أذربيجان ونهاوند ويقوّي بذلك من معه من جنده، ويقوّي به الحسن في موضعه، وإنّ الّذي منعه من إحكام ذلك ببعض من معه حاجته إلى الجند لما أتاه من كثرة من مع ابن ضبارة. فوجّه أبو مسلم أبا الربيع إبراهيم بن الحسن البخاري في مائتي رجل إلى قومس وأمره أن يحتفظ بالطرق، ويضع المسالح فيما بينه وبين طبرستان ودنباوند لتأمن بها الرسل ويبذرق القوافل، ووجّه [١٦٨ أ] موسى بن كعب إلى الري في ألف وثلاث مائة رجل، وأمره أن يضع المسالح فيما بينه وبين أذربيجان على طريق المحجة، وقد كانت بين موسى وبين صاحب دنباوند وقعة هزم فيها وأصيب أصحابه، ووجّه أبا الحكم عيسى ابن أعين في ألفي رجل إلى همدان وأمره أن يوجّه إلى من بأذربيجان من الخوارج وغيرهم ويضع المسالح فيما بينه وبين عسكر قحطبة، وعلى المحجة، لتأمن الرسل والقوافل. وقدم ابن ضبارة وداود أصبهان فيمن معهما من أهل الشام، وقد كان بينهما تنازع في المقام والمسير وكان ذلك ممّا أوهن أمرهما.
وقيل لابن ضبارة: إن القوم غير تاركيك وإن تركتهم، فدخولك عليهم في سلطانهم أهيب في صدورهم، فلحقه داود فسارا جميعا. وبلغ قحطبة ورودهما أصبهان، وقد كان قدم عليه أسيد، وولّى أبو مسلم مكانه على
стр. 337
جرجان مصعب بن قيس [١] ، فاستخلف قحطبة أسيدا على الري وشخص في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة فيمن كان معه، وأخذ في طريق وعر اختصره، وقطع مفازة قارص [٢] مبادرا لابن ضبارة، وسلك عقبة بينه وبين أصبهان فقطعها وصار الّذي بينه وبين العكّي [٣] ثلاثة فراسخ، وأرسل إلى أبي عون وهو منه غير بعيد فأقبل إليه أبو عون ومعه عامر بن إسماعيل. وبلغ ابن ضبارة دنوّ قحطبة منه، فأقبل وداود معه [١٦٨ ب] يريدان قحطبة، فانتهيا إليه، فلمّا كان بينهما فرسخ، نهض إليهما قحطبة على رقة من الجند وكثرة من الوجل، وخلف على أثقاله [٤] أبا شراحيل [٥] في الآزادمردية [٦] ، وقال له: عبئ [٧] أصحابك، وكن معدّا، فإذا رجعنا وكان بيننا وبينكم [٨] قدر غلوتين فازحف في أصحابك وكن وراء ظهورنا لتكون ردءا لنا.
وقعة جابلق [٩]
ثم إنّ قحطبة عبّأ الناس وجعل على ميمنته العكّي، وعلى ميسرته أبا غانم عبد الحميد بن ربعي [١٠] ، وجعل عامر ابن إسماعيل خلفه مع أبي شراحيل
стр. 338
ليكون ردءا لهم، ووقف قحطبة في أصحابه على تعبئة. وأقبل ابن ضبارة، فلما نظر إلى قحطبة نزل وألقى أثقاله، وخرج فصفّ أصحابه، وجعل على ميمنته محمد بن نباتة وعلى ميسرته عطيف بن بشر، ونصب علما أصفر، ونادى مناديه: من أتى هذا العلم فهو آمن. وأمر قحطبة شجرة الكندي فنادى: ندعوكم إلى العطاء والرزق. قال قحطبة: يا معشر المسلمين! شدّوا كشدّاتكم الكريمة [١] يجمع الله لكم بها خير الدنيا والآخرة، فبلغنا أن العكيّ، وهو في الميمنة كان أول من حمل على ميسرتهم، وفيها داود [ابن هبيرة] [٢] فثبتوا قليلا، ثم كشفهم، ودخل العسكر، وحمل قحطبة وهو في القلب فأزال من يليه ودخل العسكر. وكان ابن ضبارة [١٦٩ أ] جالسا في فسطاطه قد وضعت بين يديه البدور [٣] ونادى [٤] مناديه: من جاء برأس فله مائة [٥] درهم، فقتل ابن ضبارة وما تحلحل عن موضعه، وحمل محمد بن نباتة على أبي غانم وهو في الميسرة حملة شديدة، وجعل ينادي: يا أبناء الأحرار! إنّما هم الأغتام، وسقّاط العرب، فهزم الميسرة هزيمة شديدة، وخلّوا لهم موقفهم. فزعم القاسم بن الوليد قال: صاح عامر يومئذ: يا فتيان! أعينوا إخوانكم، فشددنا عليهم فثبت لنا محمد بن نباتة، وقاتلنا قتالا شديدا، وجعلت تثوب إليه العدّة بعد العدّة من أهل الشام، ثم إنّ سالما صاحب لواء عامر شدّ على رجل منهم يقال له عجرة، وكان على مقدمة ابن ضبارة، فلما هزم القلب مال إلى محمد بن نباتة وكان فارس القوم، فطعنه في فخذه
стр. 339
فولّى هاربا وسقطت راية كانت في يده فتناولها أبو الأسد الأعمش فكان مع شراحيل فرفعها منكوسة. قال القاسم، كاتب عامر: اعتور عجرة أسد [١] بن المرزبان وسالم صاحب لواء عامر فطعناه جميعا وجعل الهزبر يرتجز ويقول:
لتجدني بالأمير برّا ... وبالقناة مدعسا مكرّا
إذا عطيف الأسديّ فرّا ... جاءوا يجرّون البنود جرّا
صهب السبال يبتغون الشرا
[١٦٩ ب] قال: وبينا هم كذلك إذ صاح صائح، وقد رفعت راية عجرة منكوسة: قتل ابن ضبارة، فارفضّ القوم ووقفوا غير بعيد. وصاح صائح: القوا [٢] الفسطاط، فلما ألقي استحقت الهزيمة [٣] ، فولّى القوم جميعا منهزمين إلى جيّ [٤] ، وانتهب من قدر على الانتهاب [٥] من أهل الشام العسكر، وأصابوا مالا كان مع ابن ضبارة لجنده فتمزقوه. وأتي قحطبة برأس ابن ضبارة فقال العكي: للَّه بلادك أيّ مسعر حرب وكريم كنت، وإن كنت على ضلال، مثلك فلتلد النساء لا [٦] كنصر بن سيّار منتقلا من جحر إلى جحر حتى قتله الله غمّا.
стр. 340
وكانت الوقعة بجابلق [١] من أرض أصبهان يوم السبت لسبع بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة. واحتوى قحطبة على عسكر ابن ضبارة وما فيه، فبلغنا أنّه أحصي ما أصابوا فيه من النساء فبلغن بضعة عشر ألف امرأة، حرائر قد سباهن أهل [٢] الشام من القرى والمدائن التي كانوا يمرون بها، فلم يعرضوا لحرة أصابوها، وخلّاهن قحطبة وصرفهنّ إلى أوطانهن.
وتصدّع أهل الشام عن أصبهان وقفرت بهم الطرق حتى انتهوا إلى ابن هبيرة، وهو معسكر بالمدائن، وفي ذلك يقول الشاعر:
سما عامر المريّ في يوم جابق [٣] ... بزحف بني مروان يطلب بالذحل [٤]
[١٧٠ أ] إلى فئة جادت لآل محمد ... بأنفسها يوم الكريهة والمحل
هنالك عبّا قحطب الخير جمعه ... وجرّد سيف الحقّ فيهم على رسل
وشدّ عليهم شدّة صيلميّة ... تبدّد منها جمعهم خيفة القتل
وكان [٥] له العكيّ خير مؤازر ... يحوط جناح القلب بالخيل والرّجل
فما لبث العكيّ أن هدّ ركنهم ... ببيض رقاق الحدّ محدثة الصقل
وما خار فيها عامر حين عرّدت [٦] ... كتائبنا خوف الأسنّة والنبل
حمى ميسرتنا [٧] أن تضام وإنّما ... تكشّف أخيار الكماة لدى الفعل
بفتيان صدق ليس فيهم مواكل ... ولا نأكل في الجدّ منهم وفي الهزل
стр. 341
فما لبث المريّ أن فضّ جمعه ... وأصبح مسلوب الإمارة والشمل
فكم تركوا في عسكر الشام من فتى ... ومكتهل بادي السفاهة ذي جهل
وغودر في قاع من الأرض صفصف ... بمصرع ذلّ لا كبير ولا سهل
تعاوره عوج الضباع وتارة ... تظلّ إليه الطير تسرع في الحجل
وكم راح نحو الشام يبغي حميمه ... وباكية تبكي أخاها على ثكل
سقى الله قوما من خراسان أدركوا ... تبولهم [١] عند الغواة أولى الخبل
فقد قرّت العينان إذ قيل قوّضت ... كتائب أهل الشام تهوي إلى الأصل
[١٧٠ ب] وقال في ابن ضبارة المريّ، ويقال قيلت في الحكم بن يزيد الأسدي حين قتل بكرمان، وهو عامل لابن هبيرة عليها، قتله تميم بن عمر التميمي حين وجّهه إليه أبو مسلم:
لحي الله قوما أسلموك وجرّدوا ... غناجيج [٢] أعطتها يمينك ضمّرا
أما كان فيهم من أخ ذي حفيظة ... يرى الموت في بعض المواطن أعذرا
يكرّ كما كرّ الشجاع بمهرة ... وما كرّ إلّا خشية أن يعيّرا
ألا لا فتى بعد الركين لدى [٣] الوغى ... ولا خير إلّا قد تولى وأدبرا
فلم أر يوما كان أقبح منظرا ... وشلو أبي الهيدام دام معفرا
تعاوره عكّ وطيّ ومذحج ... ببيض تقدّ البيض قدّا مشهّرا
وقال العكيّ في قحطبة:
للَّه قحطبة المأمون من رجل ... ماذا به كان للأعداء يدّخر
стр. 342
لمّا تورّده المريّ مقتدرا ... أعطى المفازة قودا وهو مقتسر [١]
فكم لقحطب [٢] في قيس وإخوتها ... من المآثر إذ حازوا [٣] وإذ كثروا
أبادهم بسيوف غير ناقصة ... عن العدوّ وإن قلّوا وإن كثروا
وقال رجل من بني فزارة:
[١٧١ أ] لحي الله طيّا في الرجال فإنّها ... إلى الكفر تعشو كالليوث الهواصر
تريد زوال الملك عن مستقرّه ... وتوقد نيران الحروب المساعر
فما ولدت طيّا ومذحج حرّة ... ولا حاولت بالرشد إحدى المفاخر
فأجابه عبد الله بن عمير المسلي:
أتسمو إلى طيّ ولولا ضرابها ... لمالت قناة الدين بل لم تهاجر
إذا غضبوا شقّوا السماء تكاثرا ... وأظلم أفقاها على كلّ ناظر
وهدّوا الجبال الشمّ هدّا ونهنهوا ... كواكب إلّا [٤] يمسكوها تناثر
قال: ويقال هي لابن المقفّع:
أجدّك يا نفس هل تعلمين ... جديدا على الدهر يبقى جديدا
وهل كان للناس قبلي بقاء ... فأرجو البقاء وأبغي المزيدا
وهل ذقت من طعم طول الحياة ... إلّا مرارا وعيشا زهيدا
وإلّا حلاوة وعد الغرور ... رجاء كذوبا ونفسا كنودا
وبعد الكرامة تلقى الهوان ... وبعد الأحبّة تبقى فريدا
стр. 343
وكنّا أناسا رزقنا زمانا ... قلوبا جميعا وبأسا شديدا
فلمّا ركبنا عظام الأمور ... نضيع الحقوق ونعدو الحدودا
[١٧١ ب] لقينا عبيدا وكنّا هجانا ... فآبوا هجانا وأبنا عبيدا
مررنا سراعا على عامر ... تدبّ الأساود دبّا عنيدا
مررنا بقوم على نيّة ... فابنا خزايا وأوبا حميدا
فكم قد تركنا غداة الهياج ... كعابا تبكّي وطفلا وليدا
وخودا أضيعت خلال الديار ... تصكّ الجبين وتدمي الخدودا
وتدعو الحليل بإعوالها ... وبالويل تدعو دعاء وحيدا
وما كان فيها ولا قبلها ... كداود صبرا وفي الناس جودا
يكرّ صبورا لوقع السيوف ... ويأبى لدى الموت إلّا نهودا
فلا يبعدنّ أخو نجدة ... فقد رام بالقول أمرا سديدا
تعرّض للموت لا ينثني ... لو انّ المنايا تريد المريدا
تأخّر عنه مقاديره ... ليحدث للقوم شرّا جديدا
فأقام قحطبة في عسكره بعد قتل ابن ضبارة، وأحصى ما غنموا فيه، وقسّمه في أصحابه، وكان المتولّي لذلك خالد بن برمك، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث برأس ابن ضبارة. وقد قلق أبو مسلم والأعيان [١] من الهاشمية، وتوقعوا ما يأتيهم من خبر قحطبة وابن ضبارة، وكانت هي الفيصل [١٧٢ أ] فيما بينهم وبين أهل الشام، وقد استشرف أهل العراق الأخبار [٢] ، وجعلوا يقولون: إن ظفر ابن ضبارة ثبت الملك [٣] وإن ظفر قحطبة تم الأمر
стр. 344
لبني هاشم. وقال [١] أبو مسلم:
أطعنا ربّنا وعصاه قوم ... فذقنا غبّ طاعته وذاقوا
وكتب إلى قحطبة يعظّمه ويجلّ قدره، وكتب إليه يكاتب [٢] أبا سلمة وينفذ ما يأتيه عنه. وقد كان الحسن بن قحطبة ومن معه ساء ظنونهم للذي بلغهم من جموع ابن ضبارة، وجعل أهل نهاوند يرجفون بقحطبة فيشرفون عليهم ويقولون: قد اصطلم أصحابكم، قد بعث برأس قحطبة إلى ابن هبيرة، فلم يزل كذلك حتى وافاه رسول قحطبة بما صنع الله لهم، وبقتل ابن ضبارة، ومعه خاتم ابن ضبارة. فلما شارف الرسول نهاوند لقي طليعة للحسن في عدة فرسان، وكان معه دليلان من أهل أصبهان، وقد سقطا من الكلال، وأرجفت دابّته، فما تخطو إلّا خطوا ضعيفا، فلما نظر إليه صاحب الحسن عرفه فحمله على دابّة، وأقبل يركض حتى أتى الحسن، فدفع إليه كتاب أبيه وخاتم ابن ضبارة، فقرأ الكتاب، وكبّروا [٣] تكبيرا متتابعا، فأشرف من في المدينة من جنود بني أمية، فقالوا لهم: قد والله قتل ابن ضبارة وفضّت جموعه واستولي على عسكره وهذا خاتمه، فاتقوا الله في أنفسكم. قال لهم مالك بن أدهم: أرونا خاتمه، فما أعرفني به.
فأخرجوا خاتمه فإذا حلقة فضة ونقش [١٧٢ ب] خاتم [٤] ابن ضبارة، فعرفوه وعرف ذلك مالك بن أدهم ورأوا له انكسارا شديدا.
وأقام قحطبة في عسكره نحوا من عشرين ليلة حتى قدم عليه أهل أصبهان
стр. 345
فبايعوه، وصحّت طاعة أهلها، وكتب إلى أسيد وهو بالري يستحثّه بالقدوم عليه، ثم شخص إليها في آخر شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقد حاصر أهلها الحسن قبل قدوم أبيه بنحو من خمسين ليلة، فلما قدمها قحطبة، وجّه الحسن فيمن معه إلى قرماسين، وأمره أن يقيم بها، ويفرق مسالحه ويحتفظ بالطريق ويبذرق القوافل. وسرّب أبو مسلم الجنود إلى قحطبة، وندب الناس من قبله لذلك، فسارع الناس إلى الخروج إلى العراق، وانتدبوا له، ورغبوا فيه، وكتب أبو مسلم إلى عمّاله بكور خراسان، بردهم [١] إليه و [٢] تسليم الأعمال إلى رجال سمّاهم [٣] لهم، وسرّب القوّاد بالجنود إلى قحطبة ثمانية عشر قائدا في نحو من خمسة عشر ألفا، فيهم حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف رجل، فلمّا قدم على أبيه ولّاه المقدمة على الحسن، فاستعفى حميد لمكان الحسن فأعفاه، وولّاه الساقة. ووجّه بسّام بن إبراهيم في أصحابه إلى الحسن بقرماسين.
وأقام قحطبة محاصرا لأهل نهاوند، وألح عليهم إلحاحا، فكتب إليه أبو سلمة: إنّ إقامتك على نهاوند قد قوّت من جند مروان ونسوا ما دخلهم من روع إيقاعك بهم مع ابن ضبارة، فإن تعذّر [١٧٣ أ] عليك الظفر بهم فأعطهم الأمان وف لهم به وخلّهم والتفرّق عنك، ليخلو لك وجهك لابن هبيرة، ومن قد وجّه مروان إليكم من ناحية الموصل.
ولمّا رأى قحطبة مصابرة أهل نهاوند إياه، وأتاه كتاب أبي سلمة بأن يؤمنهم، راسل من بها من أهل خراسان وقال لهم: أنتم آمنون، فمن أحبّ أن يخرج إلينا ويكون معنا فرضنا له وواسيناه، ومن أحبّ أن ينصرف إلى خراسان توثّقت له في أمانه من أبي مسلم، ومن أحبّ أن يمضي إلى غيرها فموسّع
стр. 346
عليه، فلم يجيبوه. ثم عاودهم فقال: وَمن أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى الله وَعَمِلَ صالِحاً وَقال إِنَّنِي من الْمُسْلِمِينَ ٤١: ٣٣ [١] . قال: فأغلظوا له وشتموه وقالوا: يا ساحر. فأقام يدعوهم إلى قبول الأمان نحوا من أربعين ليلة، وكان حريصا على استبقائهم، فأرسل إليهم: انكم من أهل مدرتنا، وأحقّ من أدركته عافيتنا، وقد ترون بلاء الله عندنا، فمن الآن فأجيبونا، وليكن أمرنا واحدا، فإنّ مروان ليس بأهل أن تقوه بأنفسكم. قال: فأبوا أن يجيبوه، فأرسل إليهم: إنّي إن دعوت أهل الشام إلى مثل ما دعوتكم إليه أجابوني، وصارت الحسرة بكم، فأبوا أن يجيبوه، فلما آيس منهم راسل أهل الشام. قال قحطبة ليزيد بن حاتم المهلبي: يا أبا خالد! هؤلاء الذين يأتونك [٢] على سور المدينة أهل فلسطين وصاحبهم فيما ذكر لي النضر بن حميد اللخمي، فأته وكلمه وادعه [١٧٣ ب] إلى قبول الأمان فلعله يأنس بك للعشريّة [٣] .
قال: فأتاه يزيد فذكر آثار مروان في قومه واستهانته بهم وإيثار غيرهم عليهم، ودعاه إلى الدخول في أمره وأعلمه ما له من الحظ في إجابته إلى دعوة آل رسول الله ﷺ ، فقال النضر بن حميد: والله إنّي لأعلم أنّ الأمر كما ذكرت، ولكني إذا نظرت فلم أر عليّ نعمة إلّا من بني مروان تذمّمت من الغدر بهم، وقد تضايقت الأمور عليهم. قال يزيد: نفسك أوجب عليك حقا، فاتق الله وانظر لها، فإنّك قد أعذرت في وفائك لبني مروان، فقال: أمّا الدخول معكم فلا يكون ومن بني مروان خليفة، وأمّا الخروج عن مدينتكم هذه فإنّا نجيبكم إليه على أن تؤمنونا وتوثّقوا لنا، فرجع يزيد إلى قحطبة، فأعلمه ذلك، فأعطى قحطبة من بنهاوند من أهل الشام
стр. 347
خاصة ما وثقوا به. فلما استوثق للنضر بن حميد في ذلك لقي مالك بن أدهم، وقد كانوا جهدوا في حصارهم حتى صاروا إلى أكل لحوم الدواب والميتة، فقال له: علام نقتل أنفسنا بالجوع ونعرّضها للقتل، وقد قتل ابن ضبارة، وانقطعت الأمداد عنّا وقد بذلوا لنا الأمان؟ اقبل أيّها الرجل أمانهم قبل أن تلتقي حلقتا البطان عليك فتسأل ذلك فلا تجاب إليه. قال مالك: وكيف لنا بذلك؟ قال النضر: أنا لك به، هذا يزيد بن حاتم [١٧٤ أ] رسول قحطبة بذلك، أفتريد أوثق منه؟ قال مالك: حسبي إن كان ابنا [١] ليزيد بن حاتم.
فدنا منه يزيد فكلمه ومالك يسمع كلامهما، قال: فأوثقوا لنا، فتراسلوا في ذلك، وهم يسرونه، حتى صاروا منه إلى ما أرادوا. ثم زحف إليهم قحطبة، وقد تواطأ أهل الشام معه، فنظر من معهم من أهل خراسان إلى ما صنعوا فقالوا: ما هذا؟ قالوا: قد استأمنّا لنا ولكم، ومضى أهل الشام لوجوههم.
دخول الهاشمية نهاوند
ودخل الهاشمية نهاوند، وكان أهلها خرجوا عنها، فأخذوا من وجدوا فيها من أهل خراسان وأهل الشام فاستوثقوا منهم، فكان إذا أتي بالشامي إلى قحطبة خلّى سبيله، وإذا أتي بالخراساني أمر بحبسه، ودفعهم إلى قوّاده بقيّة يومهم وليلتهم، فلما كان السحر نادى منادي قحطبة: كل من كان في يده أسير فليأت برأسه، فقتلوا جميعا [٢] ، فذكروا أنّ عدتهم بلغت ثلاثة
стр. 348
آلاف رجل قتلوا صبرا، وفيهم أبو كامل الغادر، ولم يعط بيده بل قاتل حتى قتل، وفيهم ولد نصر بن سيّار [١] . وكان فتح نهاوند يوم الاثنين لخمس ليال خلون من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين ومائة.
وكتب قحطبة إلى أبي مسلم بفتح نهاوند، وبعث إليه بالرءوس، فلما أتاه ذلك أقدم على ابني الكرماني فقتلهما، فلما أتى قحطبة الخبر بذلك تمثل:
[١٧٤ ب] لنا يوم وللكروان يوم ... تطير اليائسات [٢] وما نطير
وقد كان ابن هبيرة وجّه عبيد الله بن العبّاس الكندي في عشرين ألف رجل من أهل الشام وأهل العراق على مقدمته، فسار حتى نزل حلوان [٣] .
ثم كتب إليه ابن هبيرة يأمره بالمسير فيمن معه إلى نهاوند ليغيث من بها، فسار حتى انتهى إلى الطريق [فلما بلغ إلى طزر] [٤] بلغه قتل ابن ضبارة ونزول قحطبة نهاوند، فأقام، وكتب إلى ابن هبيرة يخبره بذلك، فكتب إليه يأمره بالانصراف إلى حلوان، فانصرف إليها كالفلّ [٥] ، وأقام بها حتى أتاه فتح نهاوند. فكتب إليه ابن هبيرة أن ينصرف إلى خانقين، فانصرف وخلف خليفته بها، ثم كتب إليه ابن هبيرة أن ينصرف إلى برازالروز [٦] ، فانصرف
стр. 349
إليها، وأقام بها. فقدم مالك بن أدهم وأصحابه على ابن هبيرة وهو بالكوفة فشخص ابن هبيرة يريد لقاء قحطبة، فنزل المدائن وعسكر، وتوافت إليه بها فلول الشام ممن كان مع ابن ضبارة.
ولما رأى أبو سلمة اختلاط الأمور على ابن هبيرة، بعث رسله ودعاته إلى البوادي المطلّة على أهل الكوفة والبصرة من الأعراب، وبعث إلى الموصل فدبّوا فيهم ودعوهم إلى النهوض، فألفوهم سراعا إلى ذلك طمعا في النهب والغنائم. فخرج موسى بن السري الأحول الهمدانيّ بحلوان، فأخذها ونفى عاملها وسوّد ودعا إلى [١٧٥ أ] آل الرسول ﷺ ، ووضع مسالحه بخانقين [١] ، وكتب إلى قحطبة بطاعته. وخرج في سواد الكوفة وسواد البصرة عدة من ربيعة: أبو الخفاف [٢] ، والفرافصة، والحجاج بن علاط العجليّ، فأخذوا أسافل الفرات كله، وهم متنابذون، كلّ واحد على حياله على غير نيّات صحيحة، وسوّدوا وشهروا ذلك، وكاتبوا قحطبة، وأتته رسلهم بخروجهم، وكتبوا أنّه لم تبق في يد ابن هبيرة إلّا الأمصار، فقرأ قحطبة كتبهم على أصحابه بنهاوند فكبّروا، واشتدّ سرورهم بذلك.
وخرج أبو أميّة التغلبي بتكريت وما والاها، وتجمعت إليه جماعة من قومه، وكتب إلى قحطبة يخبره بذلك، فقرأ كتابه على من قبله، فكبّروا وحسن موقع ذلك منهم. وكاتب قحطبة الناس يدعوهم فكتب إلى إسحاق بن مسلم العقيلي، وكتب إلى سفيان بن معاوية وروح بن حاتم المهلبيين بالبصرة.
وبعث بكتابه إلى إسحاق بن مسلم مع رجل من الأكراد، فأقبل الكردي حتى إذا كان بهيت ظفرت به مسالح مروان ففتشوه فأصابوا الكتاب في طي
стр. 350
عمامته فبعث به صاحبهم إلى مروان، فكتب مروان إلى إسحاق بن مسلم انّ صاحب هيت أصاب مع رجل من الأكراد كتابا من رأس الخطيئة وعمود الضلالة قحطبة يدعوك إلى دعوته ويزين لك ضلالته، ومثلك في خطرك وقدر النعمة عندك [١٧٥ ب] لم تستدرجه خدع السفهاء، فانظر لنفسك ومنصبك وعشيرتك، فإنّ الأمر الّذي يريده القوم قتلك وقتل نظرائك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فاقبضها من العامل قبلك، وأقدم لتؤازر خليفتك على ما نابه، وتشركه في جهاد عدوه والسلام.
وبعث قحطبة بكتابه إلى سفيان وروح مع رجل من أصحاب يزيد بن حاتم، فسوّدا وخرجا بالبصرة، ومتولّي البصرة يومئذ سلم بن قتيبة، فبذل لهما مالا كثيرا ألّا يخالفا، فأبيا فخرج إليهما سلم، وقد اجتمع إليهما جمع، وسلم في قوة، فهزم سفيان وروح، وقتل معاوية [١] ، وخرج روح إلى دست ميسان [٢] مظهرا للسواد، ولم يزل هنالك حتى قدم مالك بن الهيثم، فأتاه هو وسفيان فأكرمهما وعظمهما.
دخول قحطبة قرماسين
ولما فرغ قحطبة من نهاوند، كتب من وثب بالسواد، فشخص إلى قرماسين، وخلّف على نهاوند أبا عمارة محمد بن صول، وكتب إلى الحسن يأمره بالتقدم إلى حلوان فقدّم الحسن خازم بن خزيمة أمامه. وأقبل قحطبة،
стр. 351
وقد نزل الحسن حلوان، وألفى بها موسى بن السري وقد سوّد وغلب عليها، فقدّمه الحسن إلى خانقين، وعبيد الله بن العباس الكندي ببرازالرّوز [١] صاحب [١٧٦ أ] مقدّمة ابن هبيرة، فسار إليه موسى [٢] ، وبلغ ذلك عبيد الله فوجّه إليه قائدا من أهل الشام في ألفي فارس، فقتلوه وقتل عامّة من كان معه، فكتب بذلك إلى ابن هبيرة، فقوّاهم ذلك في أنفسهم، وبعث البشرى إلى مروان. وقد توجّه جابر بن توبة من البصرة آخذا على الطفّ، فلقي أبا الخفاف، وقد تجمّع إليه [٣] جمع كثير عند نهر الضيق، فقاتلهم فهزموه وأصابوا من جنده، وكتب بذلك أبو الخفاف إلى قحطبة، فقرأ كتابه على من كان معه، فكبّروا واستبشروا. ونزل قحطبة حلوان في ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومائة.
فتح شهرزور [٤]
وكان مروان بعث عثمان بن سفيان في نخبة خيله على طريق شهرزور [٥] ، فانتهى الخبر إلى قحطبة نزوله شهرزور فوجّه أبا عون [٦] ، حتى نزل
стр. 352
قلعة النسير [١] ، ثم كتب إليه قحطبة أن يقيم حتى يوافيه عامر بن إسماعيل، وكتب إلى عامر [٢] ، وهو بناحية الدينور، وكان وجّهه لمحاربة عبد الصمد الحروري صاحب مسافر القصّار، يأمره بالانضمام فيمن معه، وهم ثلاثة آلاف رجل، إلى أبي عون، فسار عامر فوافى أبا عون بسن سميرة [٣] . ومضى أبو عون إلى شهرزور في طريق وعر صعب، ومضى حتى نزل البحيرة التي [١٧٦ ب] لقيته فيها خيل مروان. وبلغ قحطبة أنّ مروان قد جمع لمن توجّه في ذلك الوجه، فكتب إلى أبي عون يأمره بالانصراف إليه، وورد عليه كتابه، وقد دنا منه عثمان بن سفيان، فلما قرأ أبو عون كتاب قحطبة شاور أصحابه، فأشاروا عليه بالانصراف، وقد انضاف إلى عامر بن إسماعيل رجل من بني الحارث يقال له: عفّاق [٤] بن سعيد في نحو من مائة رجل من قومه، فقال لهم [٥] عامر: ما الّذي رأى صاحبكم من الانصراف؟ والله لئن فعلتم ليقتلنّكم الذرّ فضلا عن الناس، إنّي أعلم بالقوم منكم، أنهم قد [٦] ملئوا منكم رعبا. فأرسل عامر إلى أبي عون بمقالة الرجل، فجاء أبو عون إلى عامر، واجتمع بالرجل فسمع منه. قال: وصبّحنا عثمان بن سفيان في أربعة آلاف وكنّا نحزرهم عشرة آلاف، وأتت أبا عون [٧] طلائعه فخبّرته بدنوّه منه، فخرج، وقد تخلّف عامر لمرضه في العسكر [٨] .
стр. 353
قال: فأقبلنا نحوهم، وبيننا وبينهم جبل صغير، وعبأ أبو عون [١] من معه.
قال: فلما تقاربنا منهم، إذا أصوات وتكبير من خلفنا، فنظرنا فإذا هو عامر قد أقبل فانضمّ إلينا، وقد أشرفنا على القوم، فصار في الميمنة، وكان أول من حمل يومئذ الموصلية الذين كانوا مع عامر، وحمل الناس عليهم فصبروا قليلا ثم ولّوا فقتلوا عن آخرهم [٢] . قال: وأشار عفاق [٣] بن سعيد الحارثي على [٤] أبي عون أن يتقدم إلى الموصل، فإن [١٧٧ أ] مروان وترهم [٥] وأساء إليهم، وما هو إلّا أن يسمعوا [٦] بخبر الدعوة ومن يقرب منهم من أهلها حتى يسوّدوا ويجيبوا، فقبل ذلك منه ومضى [إلى الموصل] [٧] ، وعرض لهم في طريقهم من الشراة نحو من مائتي رجل فقتلوهم وغنموا ما معهم. وانحاز أهل الموصل وأهل التخومات إلى عسكر أبي عون، فصار في سبعة آلاف رجل، ونزل قرية يقال لها قرية الملح [٨] ، فهاب التقدم، وقد بلغه تحرك مروان، وأنّه استنهض ابن هبيرة أهل الكوفة فأخرج منها جماعة، وقدم عليه الحوثرة بن سهل [٩] في جمع عظيم من أهل الشام، فقدم عليه الحوثرة وقد استعدّ للحصار، وجمع الأطعمة والأعلاف بواسط، فبلغ ذلك مروان فقال:
стр. 354
إذا قلت خفّ الروع، أو قال قائل ... أمنت فباب الأمن بالخوف يقرع
وكتب إلى ابن هبيرة:
أمّا بعد: فإنّ أمير المؤمنين ولّاك العراق لما أمل من كفايتك، فأخلفت ظنه في أمور منها إبطاؤك عمن استصرخك من أهل طاعته بخراسان، حتى وهنت قوتهم، وقوي عدوهم عليهم، ومنها أخذك أهبة الحصار قبل أوان ذلك حتى أرعبت قلوب من معك، وسهّلت عليهم سبل الهزائم، وإنّما يكون الحصار بعد طول المنازلة والمحاربة، ومنها [١٧٧ ب] إغمادك السيف عن آل المهلب المربضين للفتن ألّا تكون سفكت دماءهم، وأبحت حريمهم، ومنها إهمالك أمر جنودك بلا شدة على أهل الريب منهم، وإقامة الحدود فيهم، ومنها تقصيرك في قطع ألسنة من ينطق فيما يكرهه أمير المؤمنين من أهل الشام، وقد رأيت آثار أمير المؤمنين وتنكيله بهم، ومنها اشتمالك على فيء المسلمين يبعثه مزاحم بن زفر يدسّسه لك إلى أحبائك بقنّسرين، وهذا أعظم قوّتك على عدوك. لعمري يا يزيد! لقد تجافى أمير المؤمنين اليوم وقبل اليوم عن أمور أخلفت فيها ظنّه، وتبلت بها [١] نبله، أنّه وإن [٢] تنفّس لنا ولك في البقاء فسيعرّفك ما ظننت دونه ستورا مرخاة، ثم يكلك إلى نفسك في ذلك، ثم لا تجد [٣] أمير المؤمنين يشهد الله عليك وكفى باللَّه شهيدا.
فإن كانت فلول ابن ضبارة وداود قد تجمعت إليك، وقدم عليك الحوثرة ابن سهيل فيمن معه، فانهض بنفسك للقاء هذا العدو الجاهد عليك، الباسط سيفه إليك وإلى إخوانك، ولا تستبق شيئا من جدّك ولا تكن كما قال الأول:
стр. 355
ألم تعلم بأنّ الحرب غول ... تقلّب في تصرّفها القلوب
وأنتم معشر [١] في [٢] السلم حرب ... وسلم حين تستعر الحروب
فبلغنا أن ابن هبيرة كتب إليه:
[١٧٨ أ] قد فهمت كتاب أمير المؤمنين، وما جهلت بلاءه، ولا قصرت في نصيحته، ولا حدت عن جهة الحقّ وحزم الرأي، فإن أتت الأقدار بخلاف ما تهوى فإنّ تقدير الله فوق تقدير العباد. أمّا ما ذكر أمير المؤمنين من إبطائي عمن استصرخني بخراسان، فقد علم أمير المؤمنين أني صرت إلى العراق وهي حرب كلها، فكان أقوى ما يحضرني علاج ما قرب منّي، وكنت في ذلك قد شغلت جنود أهل الشام جميعا بالخوارج تارة، وبابن معاوية أخرى، وبسليمان بن حبيب أخرى، ولم أكن لأستعين بأهل العراق، وقد علم أمير المؤمنين ما هم عليه من غشّه وغشّ دولته فيما استصرخني فيه أهل خراسان، ولم آمن، إن فعلت، أن يظاهروا عدوّ أمير المؤمنين فيلزمني لائمته [٣] في ذلك وتقصيره. وأمّا تأهبي للحصار فإنّي فعلت ذلك حين رأيت ما قدمت من القوة وقد وهنت، ورأيت من قاتل العدو وقد فشلوا وضعفت نيّاتهم في جهاد عدوّهم، فجعلت ذلك عدّة حزم إن اضطررت إليها حمدتها وإن استغنيت عنها لم أذمّها. وأمّا إغمادي السيف عن آل المهلّب فإنّي رأيتهم من اليمن بمكان فكرهت لذلك هيجهم، ولم آمن إن فعلت، أن ينابذني أهل العراق منهم ومن معي من أهل الشام، فتألّفتهم وتربّصت بهم. وأمّا إمساكي عن تأديب أهل الشام، وتركي