← История

История · id 12226

أخبار الدولة العباسية

مؤلف أخبار الدولة العباسية

Полный текст (408 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد نزل الحسن حلوان، وألفى بها موسى بن السري وقد سوّد وغلب عليها، فقدّمه الحسن إلى خانقين، وعبيد الله بن العباس الكندي ببرازالرّوز [١] صاحب [١٧٦ أ] مقدّمة ابن هبيرة، فسار إليه موسى [٢] ، وبلغ ذلك عبيد الله فوجّه إليه قائدا من أهل الشام في ألفي فارس، فقتلوه وقتل عامّة من كان معه، فكتب بذلك إلى ابن هبيرة، فقوّاهم ذلك في أنفسهم، وبعث البشرى إلى مروان. وقد توجّه جابر بن توبة من البصرة آخذا على الطفّ، فلقي أبا الخفاف، وقد تجمّع إليه [٣] جمع كثير عند نهر الضيق، فقاتلهم فهزموه وأصابوا من جنده، وكتب بذلك أبو الخفاف إلى قحطبة، فقرأ كتابه على من كان معه، فكبّروا واستبشروا. ونزل قحطبة حلوان في ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومائة. فتح شهرزور [٤] وكان مروان بعث عثمان بن سفيان في نخبة خيله على طريق شهرزور [٥] ، فانتهى الخبر إلى قحطبة نزوله شهرزور فوجّه أبا عون [٦] ، حتى نزل

стр. 352

قلعة النسير [١] ، ثم كتب إليه قحطبة أن يقيم حتى يوافيه عامر بن إسماعيل، وكتب إلى عامر [٢] ، وهو بناحية الدينور، وكان وجّهه لمحاربة عبد الصمد الحروري صاحب مسافر القصّار، يأمره بالانضمام فيمن معه، وهم ثلاثة آلاف رجل، إلى أبي عون، فسار عامر فوافى أبا عون بسن سميرة [٣] . ومضى أبو عون إلى شهرزور في طريق وعر صعب، ومضى حتى نزل البحيرة التي [١٧٦ ب] لقيته فيها خيل مروان. وبلغ قحطبة أنّ مروان قد جمع لمن توجّه في ذلك الوجه، فكتب إلى أبي عون يأمره بالانصراف إليه، وورد عليه كتابه، وقد دنا منه عثمان بن سفيان، فلما قرأ أبو عون كتاب قحطبة شاور أصحابه، فأشاروا عليه بالانصراف، وقد انضاف إلى عامر بن إسماعيل رجل من بني الحارث يقال له: عفّاق [٤] بن سعيد في نحو من مائة رجل من قومه، فقال لهم [٥] عامر: ما الّذي رأى صاحبكم من الانصراف؟ والله لئن فعلتم ليقتلنّكم الذرّ فضلا عن الناس، إنّي أعلم بالقوم منكم، أنهم قد [٦] ملئوا منكم رعبا. فأرسل عامر إلى أبي عون بمقالة الرجل، فجاء أبو عون إلى عامر، واجتمع بالرجل فسمع منه. قال: وصبّحنا عثمان بن سفيان في أربعة آلاف وكنّا نحزرهم عشرة آلاف، وأتت أبا عون [٧] طلائعه فخبّرته بدنوّه منه، فخرج، وقد تخلّف عامر لمرضه في العسكر [٨] .

стр. 353

قال: فأقبلنا نحوهم، وبيننا وبينهم جبل صغير، وعبأ أبو عون [١] من معه. قال: فلما تقاربنا منهم، إذا أصوات وتكبير من خلفنا، فنظرنا فإذا هو عامر قد أقبل فانضمّ إلينا، وقد أشرفنا على القوم، فصار في الميمنة، وكان أول من حمل يومئذ الموصلية الذين كانوا مع عامر، وحمل الناس عليهم فصبروا قليلا ثم ولّوا فقتلوا عن آخرهم [٢] . قال: وأشار عفاق [٣] بن سعيد الحارثي على [٤] أبي عون أن يتقدم إلى الموصل، فإن [١٧٧ أ] مروان وترهم [٥] وأساء إليهم، وما هو إلّا أن يسمعوا [٦] بخبر الدعوة ومن يقرب منهم من أهلها حتى يسوّدوا ويجيبوا، فقبل ذلك منه ومضى [إلى الموصل] [٧] ، وعرض لهم في طريقهم من الشراة نحو من مائتي رجل فقتلوهم وغنموا ما معهم. وانحاز أهل الموصل وأهل التخومات إلى عسكر أبي عون، فصار في سبعة آلاف رجل، ونزل قرية يقال لها قرية الملح [٨] ، فهاب التقدم، وقد بلغه تحرك مروان، وأنّه استنهض ابن هبيرة أهل الكوفة فأخرج منها جماعة، وقدم عليه الحوثرة بن سهل [٩] في جمع عظيم من أهل الشام، فقدم عليه الحوثرة وقد استعدّ للحصار، وجمع الأطعمة والأعلاف بواسط، فبلغ ذلك مروان فقال:

стр. 354

إذا قلت خفّ الروع، أو قال قائل ... أمنت فباب الأمن بالخوف يقرع وكتب إلى ابن هبيرة: أمّا بعد: فإنّ أمير المؤمنين ولّاك العراق لما أمل من كفايتك، فأخلفت ظنه في أمور منها إبطاؤك عمن استصرخك من أهل طاعته بخراسان، حتى وهنت قوتهم، وقوي عدوهم عليهم، ومنها أخذك أهبة الحصار قبل أوان ذلك حتى أرعبت قلوب من معك، وسهّلت عليهم سبل الهزائم، وإنّما يكون الحصار بعد طول المنازلة والمحاربة، ومنها [١٧٧ ب] إغمادك السيف عن آل المهلب المربضين للفتن ألّا تكون سفكت دماءهم، وأبحت حريمهم، ومنها إهمالك أمر جنودك بلا شدة على أهل الريب منهم، وإقامة الحدود فيهم، ومنها تقصيرك في قطع ألسنة من ينطق فيما يكرهه أمير المؤمنين من أهل الشام، وقد رأيت آثار أمير المؤمنين وتنكيله بهم، ومنها اشتمالك على فيء المسلمين يبعثه مزاحم بن زفر يدسّسه لك إلى أحبائك بقنّسرين، وهذا أعظم قوّتك على عدوك. لعمري يا يزيد! لقد تجافى أمير المؤمنين اليوم وقبل اليوم عن أمور أخلفت فيها ظنّه، وتبلت بها [١] نبله، أنّه وإن [٢] تنفّس لنا ولك في البقاء فسيعرّفك ما ظننت دونه ستورا مرخاة، ثم يكلك إلى نفسك في ذلك، ثم لا تجد [٣] أمير المؤمنين يشهد الله عليك وكفى باللَّه شهيدا. فإن كانت فلول ابن ضبارة وداود قد تجمعت إليك، وقدم عليك الحوثرة ابن سهيل فيمن معه، فانهض بنفسك للقاء هذا العدو الجاهد عليك، الباسط سيفه إليك وإلى إخوانك، ولا تستبق شيئا من جدّك ولا تكن كما قال الأول:

стр. 355

ألم تعلم بأنّ الحرب غول ... تقلّب في تصرّفها القلوب وأنتم معشر [١] في [٢] السلم حرب ... وسلم حين تستعر الحروب فبلغنا أن ابن هبيرة كتب إليه: [١٧٨ أ] قد فهمت كتاب أمير المؤمنين، وما جهلت بلاءه، ولا قصرت في نصيحته، ولا حدت عن جهة الحقّ وحزم الرأي، فإن أتت الأقدار بخلاف ما تهوى فإنّ تقدير الله فوق تقدير العباد. أمّا ما ذكر أمير المؤمنين من إبطائي عمن استصرخني بخراسان، فقد علم أمير المؤمنين أني صرت إلى العراق وهي حرب كلها، فكان أقوى ما يحضرني علاج ما قرب منّي، وكنت في ذلك قد شغلت جنود أهل الشام جميعا بالخوارج تارة، وبابن معاوية أخرى، وبسليمان بن حبيب أخرى، ولم أكن لأستعين بأهل العراق، وقد علم أمير المؤمنين ما هم عليه من غشّه وغشّ دولته فيما استصرخني فيه أهل خراسان، ولم آمن، إن فعلت، أن يظاهروا عدوّ أمير المؤمنين فيلزمني لائمته [٣] في ذلك وتقصيره. وأمّا تأهبي للحصار فإنّي فعلت ذلك حين رأيت ما قدمت من القوة وقد وهنت، ورأيت من قاتل العدو وقد فشلوا وضعفت نيّاتهم في جهاد عدوّهم، فجعلت ذلك عدّة حزم إن اضطررت إليها حمدتها وإن استغنيت عنها لم أذمّها. وأمّا إغمادي السيف عن آل المهلّب فإنّي رأيتهم من اليمن بمكان فكرهت لذلك هيجهم، ولم آمن إن فعلت، أن ينابذني أهل العراق منهم ومن معي من أهل الشام، فتألّفتهم وتربّصت بهم. وأمّا إمساكي عن تأديب أهل الشام، وتركي

стр. 356

الشدّة عليهم في سوء سيرتهم فإنّي رأيت سوء السيرة قد [١٧٨ ب] شملتهم، فكرهت أن أعنف على جماعتهم، وهم يدي على عدوي، فيفسد ذلك بصائرهم ويقبلوا عليّ بعداوتهم دون عداوة عدوّهم، ولعلّ إفراط أمير المؤمنين في عقوبته وتنكيله قد أفسد عليه قلوب أهل دولته، وحملهم على التقصير في نصرته. وأمّا ما ذكر أمير المؤمنين من اشتمالي على فيء المسلمين ولعمري أنّ في عمالتي وأرزاقي لما يغنيني عن ذلك، ومنزلي من قنّسرين بحيث قد علمه أمير المؤمنين، وهو في إطلاله عليه وقربه منه بحيث لا مئونة عليه في تفتيشه والتنقيب عما ذكر له فيه، فليبعث أمير المؤمنين من يثق بدينه وصحته فيبحث عن ذلك ويبالغ في التفتيش عنه، وليس ما استقصر أمير المؤمنين من عملي وأساء ظنّا بي بمزيلي عن طاعته ولا مكدّر عندي صنيعته. وأمّا ما ذكر من تبكيتي بخطئي، فليس الخطأ بمأمون على بشر، وما أنا بغنيّ عن إيقاظ أمير المؤمنين إياي في عظيم ما حمّلني من ولايته، ولا بمكتف بما عندي دون إرشاده وتأديبه، وليت الله قد أظهر أمير المؤمنين على عدوّه، وأعطاه سؤله وبسط له يده وقوله وفعله، وخمدت نيران الفتن عنه، فيعرف نصيحتي له وقيامي بأمره، وينفذ عليّ فيما سرّني وساءني حكمه. وقد رأيت أمير المؤمنين قد حمل أكثر أموره على سوء الظن فيما يعامل به من ائتمنه عليها حتى لقد ظننت أنّه لم يبق أحد من أعوانه [١٧٩ أ] وعوامّ رعيته ألّا أوحشه ذلك منه، وخاف بادرته وسطوته، من مقارف ذنب وسليم قلب والسلام.

стр. 357

شخوص ابن هبيرة إلى جلولاء وشخص ابن هبيرة إلى جلولاء في جموع أهل الشام، وخندق على نفسه خندقا حصينا، وجمع العلوفات [١] وآلة الحرب وظنّ أن الحرب ستطول، فقال [٢] له ابن عمّ له: هذا خندق مشئوم، قد كانت الأعاجم [٣] جمعت فيه للمسلمين، فأظهر الله المسلمين بهم، فقال: هو على مدرجة القوم، وهو يحتمل الجند. فقال له الحوثرة: إنّما يخندق الرجل إذا كان ما وراءه وما حواليه في يده، وأنت قد فسد عليك من على يمينك وشمالك وتحت قدمك، وقد طمع فيك عدوّك، والرأي لك المناجزة، فإمّا لك وإمّا عليك، وساعده على ذلك من حضر ابن هبيرة من أهل الرأي. فقال ابن هبيرة: وساعده على ذلك من حضر ابن هبيرة من أهل الرأي. فقال ابن هبيرة: رأيت من تسرّع إلى هؤلاء القوم قد انبتّ [٤] ، وأكثرهم معي، ورعب ذلك في قلوبهم وقلوب فلولهم، ولكني أخندق وأضرّي من معنا على قتالهم حتى يجترئ الناس عليهم، ويذوقوا حلاوة الظفر، ثم أناجزهم. وبلغ ذلك قحطبة فأجمع على الزحف للقاء ابن هبيرة. وورد عليه كتاب أبي سلمة أنّ مروان قد حبس إبراهيم [الإمام] [٥] ، وقد هيأت رجلين أبعثهما بمال يصانعان في تخليصه، وكتب أيضا إلى قحطبة: انّ ابن هبيرة في جموع عظيمة بجلولاء [٦] ، وإنّي لعلى [١٧٩ ب] ثقة من إتمام الله دعوتنا [٧] ،

стр. 358

وإنّي أرى أن تحيد عن عساكر ابن هبيرة وتبادر إلى الكوفة، فإنّ أهل الكوفة جميعا معك وعلى رأيك، وهم متفقون على بغض بني أميّة، واستثقال أمرهم، فاقطع هذه الأنهار بينك وبين الكوفة وسابق ابن هبيرة إليها، فإنّها إن صارت في أيدينا قوينا عليه، وكثر من يقاتله [١] معنا، وبعث إليه بذلك أبا مسرور. قال: فخرجت على الراذانات [٢] ، ثم خرجت إلى تلك البراري حتى عبرت تامرا [٣] ، وقدمت على قحطبة، فدفعت إليه الكتاب، فلمّا قرأه قال: أصاب والله الرأي، وأنا عامل بما أمر به، وحزن حزنا شديدا حيث بلغه حبس إبراهيم حتى ظهر ذلك، وأرجف به من رآه وقالوا: أتاه خبر كرهه. شخوص قحطبة نحو الكوفة وشخص قحطبة من حلوان، وسرّب القواد بين يديه، وتقدم إليهم ألّا يشذّ أحد من الجند عن موكب قائده، وقدّم بين أيديهم المخارق بن غفّار [٤] وعبد الله الطائي في فرسان العسكر، وقدم أمامهما سعد الطلائع وطلائعه، وخلف يوسف بن عقيل على حلوان في سبع مائة رجل، وسار على تعبئة بميمنة وميسرة، وهو في القلب إلى قصر شيرين [٥] . ثم رحل من

стр. 359

قصر شيرين إلى خانقين، فضمّ عسكره وتهيّأ تهيؤ من يريد اللقاء، وأشاع في عسكره أنّه يريد أن يخندق بإزاء ابن هبيرة [١٨٠ أ] . ووجّه أبا غانم في جريدة خيل يتطرق [١] مسالح ابن هبيرة، فبلغ ذلك ابن هبيرة، فوجّه إليه زياد بن سويد المرّي صاحب شرطه، فتواقفا طويلا، ولحقه قحطبة، وأشرف على زياد بن سويد، وأمر فنادى مناديه: ندعوكم [٢] إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وإلى الرضا من آل رسوله [٣] ﷺ ، فقال زياد بن سويد: تركتم الكتاب والسنّة، وفارقتم الجماعة. فكرّ قحطبة وقال: الموعد بيننا وبينكم هذا [٤] الفحص من غد أو بعده، وانصرف وهو يقول: قد أمكنتكم الفرصة، ستعلمون غدا من الكذّاب الأشر. وأقبل إلى عسكره، لا يشكّ ابن هبيرة فيما أتاه من خبره أنّه يلقاه بموضعه من جلولاء، فلما احتفل لذلك، وقد بعث قحطبة إلى تامرّا من يأتيه بأخبار المخاوض [٥] ، فأتاه ذلك [٦] . ولمّا أعتم شخص من خانقين إلى تامرا و [أظهر] [٧] أنّه يريد المدائن، وجاز أكثر الناس، وبقي هو في كتيبة من فرسانه [٨] . فلما أصبح أتت ابن هبيرة عيونه فخبرته أنّه قد شخص وقطع تامرّا، وأنّه يريد المدائن، فلم يحلل عقدة حتى نزل الدسكرة [٩] . وبلغ ذلك قحطبة فكرّ في أهل القوة حتى

стр. 360

أتى جلولاء، فأصاب ما كان خلّف ابن هبيرة من السلاح والأطعمة والأعلاف وثقل [١] المتاع، فحرّق ما ثقل عليه منه وحمل ما خفّ عليه وأرسل ذلك إلى عسكره. ووجّه خيوله إلى أهل عسكر ابن هبيرة، وطمع [١٨٠ ب] في أن يصيب منهم غرّة أو شذاذا [٢] لم يلحقوا به، فوجد القوم قد مضوا وتحصنوا في الدسكرة، فانصرف إلى عسكره [٣] حتى عبر جميع أصحابه، وأظهر [٤] أنّه يريد المدائن إذ انتشر ذلك عنه، وحملته عيون ابن هبيرة، [ثم] [٥] شخص يؤمّ دجلة، ووجد عدة من الهمدانيين يهيئون له المعابر، فانتهى إلى دجلة، وقد جمع له الهمدانيون عدة من السفن [٦] ، فتلقاه أبو أمية التغلبي بعدّة من المعابر، فعبر إلى أوانا [٧] . وبلغ ذلك ابن هبيرة فبادر إلى جسر المدائن فعبر عليه، ووجّه ابنه داود فنزل البردان [٨] . وأقبل ابن هبيرة يريد لقاء قحطبة قبل أن يعبر الفرات، وقد قيل له: دارك الرجل فما يريد إلا الكوفة، فأقبل نحوه مبادرا ليلقاه. ومضى قحطبة مسرعا نحو الأنبار [٩] ، حتى إذا أشرف عليها تلقّاه شوال [١٠] بن سنان الأنصاري في نحو من مائتي رجل، ففرض له ولمن معه، ووجّه إلى أعالي الأنبار بحدر السفن، ووجّه خازم بن خزيمة إلى

стр. 361

قصبة الأنبار فأصاب بها عامل الأنبار من قبل ابن هبيرة على الأستان [١] فقتله مع عدة من أصحابه، وحدر ما وجد من السفن إلى دمّما [٢] . وأقبل شوّال ابن سنان بعده ومعه من السفن والمعابر، فوافى بها دممّا، وقد صدف قحطبة عن الأنبار يؤم دممّا فأتاها، وتوافت إليه السفن فعبر الناس، ولم يعسكر، وعسكر في غربي [١٨١ أ] الفرات لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين [وثلاثين] [٣] ومائة. وأقبل ابن هبيرة فعسكر بحذائه. خلع محمد بن خالد القسري وكتب قحطبة إلى أبي سلمة يخبره بعبوره الفرات، وبعث بكتابه إليه مع أبي ماجد، رجل من همدان، فلما وصل إليه الكتاب بعث إلى محمد ابن خالد القسري رسولا يقول له: قد كنت تتمنى هذا اليوم، فقد بلغته، فأظهر السواد، واخرج في مواليك وعشيرتك [وصنائع أبيك] [٤] ، فبعث إلى مواليه وقومه وجيرته وصنائع أبيه، فاجتمع إليه منهم نحو من ألف رجل، فأخبرهم برأيه وما أجمع عليه، وأمرهم ألّا يبيتوا حتى يفرغوا من سوادهم. وبعث أبو سلمة بمثل ذلك إلى طلحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث الكندي فتأهب، وبدره محمد بن خالد فخرج من منزله في جماعة كثيرة، ودس

стр. 362

له أبو سلمة أصحابه، ومن كان من جيرته، فيمن يليهم، وأرغبوهم في الخروج للحوق بمحمد بن خالد ففعلوا. وانتشر الحديث بذلك فماج أهل الكوفة بعضهم في بعض، وبلغ ذلك زياد [١] بن صالح صاحب شرطة ابن هبيرة فهرب من القصر ولحق بابن هبيرة. ومضى محمد بن خالد حتى أتى القصر وليس فيه أحد، فدخله وخرج إلى المسجد [الجامع] [٢] يوم الاثنين لست ليال خلون من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ووافاه طلحة بن إسحاق [١٨١ ب] في جماعة قومه. خطبة محمد بن خالد القسري فصعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وخلع مروان، ودعا إلى آل محمد. وكان فيما تكلم به يومئذ أن قال: يا أهل الكوفة! إنّ الله قد أكرمكم بهذه الدعوة المباركة، وقد طلبها الأبناء بعد الآباء، فحرموها حتى ساقها الله إليكم، هذه جنود الحق قد أظلتكم، داخلة عليكم أحد اليومين، فقوموا فبايعوا. قال: فو الله ما رأيت سرورا قط كان أشدّ اجتماعا عليه من سرورهم بالبيعة، لقد أطافوا بالمنبر يستبقون إلى البيعة حتى كادوا يكسرونه، فما تخلّف عن البيعة إلّا أناس قليل. وبعث أبو سلمة إلى محمد ابن خالد أن ابعث الساعة إلى بيت المال والخزائن والطراز من يختم على ما فيها، وسمّى لها يونس بن أبي [٣] الهمدانيّ والحجاج بن ارطاة النخعي وبشر

стр. 363

ابن الفرافصة العبديّ والهلقام بن عبد الله التميمي، فبعثهم محمد بن خالد فختموا على بيت المال والخزائن والطراز، ما كان بالكوفة والحيرة. وكتب أبو سلمة إلى قحطبة يعلمه ما عمل به في إظهار محمد بن خالد، وأمره أن يقرأ كتابه على الجند، وحمل كتابه محمد أخوه. قال: فأتيت قحطبة في عسكره بإزاء ابن هبيرة قبيل ارتفاع [١٨٢ أ] النهار، فجعلا يتسايران على جانبي الفرات، فوجّه ابن هبيرة عند ذلك الحوثرة بن سهيل إلى الكوفة في جنده، وأمره أن يبادر إليها قبل أن يقدمها قحطبة، فخرج الحوثرة مغذّا، حتى إذا شارف الكوفة، بلغه ظهور محمد بن خالد وإطباق أهل الكوفة معه فأقام بشاهي [١] . وقعة قحطبة مع أهل الشام وغرق قحطبة وأقبل قحطبة يؤم الكوفة، وابن هبيرة يسايره ويرفع له الشمع إذا سار بالليل حتى لا يخفى على قحطبة في مسيره وإقامته، ونظر قحطبة إلى أهل الشام فقال: لو أصبنا مجازا إليهم لرجوت أن يقطع الله منهم في عشيتنا هذه طرفا. ومضى قحطبة فأتى في مسيره على أعرابي [٢] يسوق حمارا له فقال له: ممن الرجل؟ فقال: رجل من طي. قال قحطبة: مرحبا بك، أنت ابن عمي، أتعرف فيما يليك مخاضة نقطع منها إلى هؤلاء الكفار؟ فقال: نعم، هذه المخاضة بين يديك، والماء قليل. وخرج الأعرابي يسعى بين يديه حتى وقف

стр. 364

على المخاضة، فأمر قحطبة الناس بالنزول، فنزلوا قرب العصر [١] ، ونظر قحطبة إلى أصحاب ابن هبيرة قد انتشروا في مسيرهم وقد تقدّمهم ابن هبيرة ليعسكر [بهم] [٢] ، فأقطع إليهم [٣] عبد الله الطائي والمخارق بن غفار وأسد بن المرزبان في أصحابهم، [١٨٢ ب] فلما عبروا شدّوا على من يليهم، فقتلوا عدة، وانهزم القوم. وأقبل محمد بن نباتة في جمع كثير، وهو على ساقة ابن هبيرة، فلما رآهم ألقى أثقاله وأقام فسطاطه وخرج إليهم فقاتلهم وثبتوا له. ووافى قحطبة رسول أبي سلمة فناوله كتابا فلما قرأه كبّر وارتجّ العسكر بالتكبير، وسمع ذلك من عبر من أصحاب قحطبة فكبّروا، فقال أهل الشام: قد أتاهم شيء سرّوا به، فانكسروا لذلك وظهر الفشل فيهم. ووجّه قحطبة سلما مولاه في خيله، وزياد بن فرّوخ، وموسى بن ثابت، فعبروا إليهم وصاروا ردءا لهم، وكثرهم محمد بن نباتة واستعلى عليهم وحصرهم في حائط لجئوا إليه فأرسل سلم إلى قحطبة وقد أمسى يستغيث به، فعبر قحطبة في الفرسان، وأمر كلّ فارس أن يحمل راجلا، فلما عبر بمن معه حمل عليهم حملة صادقة فهزمهم، وردوا عليه فألجأوه إلى الشط وهم يقولون: اللَّهمّ تمم تمم، ثم حمل [قحطبة] [٤] عليهم فاستحقت الهزيمة عليهم، وانصرف القوم، وفقدوا قحطبة، وقد اختلفوا في موته.

стр. 365

موت قحطبة فقال بعضهم: لما جالت خيله تلك الجولة، وهو واقف على جرف فانهار به الجرف، فوقع في الفرات فغرق [١] . فباتوا في موضعهم ذلك فلما أصبحوا [١٨٣ أ] أتوا معسكر ابن نباتة فأصابوا ما كان فيه من أثقالهم وما استثقلوه من سلاحهم، وفقدوا قحطبة، فأكبروا ذلك، واشتدّ حزنهم عليه، وخافوا دخول الوهن عليهم بهلاكه، فاجتمع القوم، فتناظروا في أمرهم، فأجمعوا على الرضا بحميد [٢] بن قحطبة، فبايعوه وسلموا له الأمر. وكان مصاب قحطبة ليلة الأربعاء لثمان خلون من المحرّم سنة اثنتين وثلاثين ومائة. فتح الكوفة وقدم الحسن بن قحطبة إلى الكوفة في الجنود، ووكّلوا بأثقال الناس وضعفاء العسكر وما غنموا من ابن نباتة وأهل الشام أبا نصير الجرجاني في مائتي رجل. وكان ابن هبيرة حين استحقت الهزيمة عليه وعلى من معه، وقف على رأس فرسخ من الوقعة، فجعل أهل الشام يمرّون به، وقد أوقد نارا بين يديه، فإذا رأوا ضوء النار صدفوا عنه ومضوا على وجوههم، وأوقف رجلا ينادي: هذا الأمير ابن هبيرة [٣] ، فلم ينعطف عليه أحد منهم. فوقف

стр. 366

مكانه حتى أتاه محمد بن نباتة فقال له: ما يقفك؟ قال [١] قد تقدم الناس فما ترى؟ قال: نلحق بالحوثرة بالكوفة ويجتمع الناس إليك فتقاتل والمصر في يدك. فقال طارق بن قدامة القشيري: ما الكوفة [١٨٣ ب] لكم بدار، خبرك يصبّحها بهزيمة أصحابك. قال: فما بقي إلّا واسط مدينتنا، وقد أعددنا لمثل ما رأيتم. فسار وهو لا يعلم مصاب قحطبة، فأصبح وقد كلّ وكلّ من معه، فنزل وصلّى وركب، فلمّا جاء سوق أسد [٢] لقيه الخبر بظهور محمد بن خالد في السواد بالكوفة، وإطباق أهل الكوفة معه، وبلغه هلاك قحطبة، فعدل إلى فم النيل [٣] ، وقد تسلل عنه كثير من أصحابه، فمنهم من لحق بمحمد بن خالد من أهل اليمن، ومنهم من عدل إلى فم النيل. فانصرف الحوثرة يريد فم النيل، ووافى ابن هبيرة، فأقام بها معه حتى أتاهم دخول الهاشمية الكوفة وظهور أبي سلمة، فمضى إلى واسط، وكتب إلى مروان: إنّا التقينا نحن والمسوّدة على شاطئ الفرات ليلا فاقتتلنا قتالا شديدا نهزمهم حتى نردّهم إلى الفرات، ويكثرون علينا حتى يدفعوا أصحابنا، وتخاذل الناس فلم يبق معي إلّا عدة صبروا وكرموا، فشددنا عليهم شدّة صادقة رددناهم بها إلى الفرات، فعبروه إلى عسكرهم، وغرق قحطبة، ولمّا انهزم الناس عنّي مضيت في أهل الحفاظ إلى واسط إلى أن يجتمع الناس، ويراجعوا طاعتهم، ثم انهض بهم إلى الكوفة، وفي مقامي بواسط كسر لحدّهم عن أمير المؤمنين إن شاء الله. [١٨٤ أ] فلما قرأ مروان كتابه قال:

стр. 367

ويلي عليه [١] ابن القرعاء، يقتل قحطبة وينهزم [٢] . وتفرق أهل الشام فمضى أكثرهم مع ابن هبيرة إلى واسط، ومضى بعضهم إلى الشام، ومضت طائفة منهم قليلة إلى محمد بن خالد. وأقبل حميد ابن قحطبة يسير بالناس حتى نزل دير الأعور [٣] ، ثم دخل العباسية [٤] ، فنزلها يوم الجمعة، يوم عاشوراء. وصلّى بالناس بالكوفة يومئذ محمد بن خالد، وقال، وهو يدعو على المنبر: اللَّهمّ أصلح الإمام من آل محمد، ولم يسمّه.

стр. 368

ظهور أبي سلمة بالكوفة وأرسل أبو سلمة إلى حميد [١] بن قحطبة أن يدخل الكوفة بأحسن هيئة [٢] ، وأن يظهروا زينتهم ويشهروا سلاحهم وأعلامهم وقوّتهم، ففعل، وعبّأ الجند، ووجّههم كراديس حتى توافوا بنهر بني سليم. وظهر أبو سلمة، وأعلن أمره، وأرسل إلى محمد بن خالد فيما يأمره به، وبعث إليه حميد جماعة من القواد فيهم العكيّ في ألف رجل، وخازم في ألف رجل، وبسّام في ألف رجل، وأبو شراحيل في ألف رجل. وأتوا أبا سلمة وهو في داره ببرذون سمنّد، يقوم عليه باثني [٣] عشر ألف درهم، مسرجا ملجما، فقدّم إليه فركبه، وترجّل العكيّ وبسّام وخازم وأبو شراحيل، فقبلوا يده، وتقدّم وجوه [١٨٤ ب] من معهم إليه يقبّلون يده ويدعون [٤] له بالبركة، ومضى إلى العسكر، وجعل بعضهم يلقى بعضا فيقول له: تو أبي سلمة ديدى [٥] ؟ فإذا قال: نعم، اعتنقه وقبّله إعظاما لأبي سلمة. وكان ظهور أبي سلمة وتوليته [٦] للأمور يوم الجمعة لعشر خلون من المحرّم سنة اثنتين

стр. 369

وثلاثين ومائة، فانتهى إلى العسكر، وقد وقف له الناس، واستقبله القواد، فلم يبق أحد منهم إلّا نزل إليه وقبّل يده، فاستقرأ صفوفهم يسلّم على عوامّهم، ويدعو بالبركة لهم، ثم نزل، وقد هيئت له حجرة فنزلها، وانقاد القوم له وسمعوا منه وأطاعوا أمره وسكنوا إليه، وبات ليلته، وقد أطافت الخراسانية بحجرته وعظمت أمره. خطبة أبي سلمة فلمّا أصبح جمع القواد ووجوه الجند [١] فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنّ الله قد أكرمكم بهذه الدعوة المباركة التي لم تزل القلوب تتشوّق إليها فخصكم الله بها، وجعلكم أهلها، ألا وإنّه ليس لأحد [٢] فيها شرف إلّا بعدكم، ولا منزلة في حباء ولا في مجلس ولا مدخل ولا مخرج عند أئمتكم إلّا دونكم، ألا وإنها دولتكم فاقبلوها وأيقنوا بنصر الله إياكم كعادته فيما أبلاكم حتى بلّغكم ما أنتم فيه، فاعتبروا ما بقي بما مضى [١٨٥ أ] وتحفظوا من خدع السفهاء وتزيين شياطينهم لكم اتّباع أهوائهم، فإنّهم سيقرّعون لكم بالحسد على هذه النعمة، فاتهموهم ولا تقاربوهم ولا تطمعوهم في أنفسكم فيردوكم على أعقابكم، وابشروا بالخير الكثير في عاجلكم إلى ما قد ذخره [٣] الله لكم في آجلكم. فكان هذا ما حفظ من كلامه. فتكلم القوم في جواب ذلك، وذكروا

стр. 370

طاعتهم، وقوّة بصائرهم واجتهادهم، وما هم عليه من الجدّ في مجاهدة عدوّهم، وتكلموا بالفارسية بذلك، وكبّروا تكبيرا متتابعا ارتجّ منه العسكر. فلمّا سكنوا [١] قال: إن أهل بيت اللعنة كانوا يفرضون [٢] لجندهم في السنة ثلاث مائة درهم، وإنّي قد جعلت رزق الرجل منكم في الشهر ثمانين درهما، وسأخصّ قوّادكم وأهل القدم والسوابق منكم بخواصّ سنية أجريها عليكم، لكلّ رجل بقدر استحقاقه، فابشروا وقرّوا عينا، واحمدوا الله على بلائه عندكم، وكأنّكم بإمامكم قد حلّ بين أظهركم، فيعطيكم أكثر ممّا تأملون. فكبّروا وارتجّ [٣] العسكر بالتكبير. ثم تحوّل فعسكر بحمّام [٤] أعين، وفرض للجند، فجعل رزق الرجل في الشهر ثمانين درهما، وأجرى للخواصّ كبراء القوّاد وأهل الغناء [٥] من النقباء وغيرهم ما بين ألف [١٨٥ ب] إلى ألفين، وخصّ من دونهم ما بين مائة إلى ألف [٦] . تولية أبي سلمة العمال ثمّ ولّى أبا الجهم ديوان الجند، وأبا غانم الشرط، وعبيد الله بن بسّام الحرس، وعمرويه الزيّات حجابته، والمغيرة بن الريّان الخراج، ثم نقله

стр. 371

إلى ديوان الرسائل، وولّى يوسف بن ثابت ديوان الخراج، وولّى [١] الصوافي والقطائع والخزائن عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم الغامدي [٢] . وبعث إلى بيت المال والخزائن فحمل ما فيها إلى العسكر، وأعطى الجند منه جميعا على ما كان رسمه لهم، وكان ذلك أول ما قبض من ديوان بني العبّاس. وأنفذ أبو سلمة عمّال الخراج إلى كلّ كورة فجبى الخراج. وتولّى أبو العبّاس السفاح وبيوت الأموال ممتلئة. ووجّه الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة في ثلاثين قائدا مثل العكيّ وخازم وأشباههما [٣] ، وأمره أن يؤمن الناس جميعا خلا ابن هبيرة ومن معه من أهل الشام وأهل العراق. فقدّم الحسن خازما بين يديه، وبلغ ذلك ابن هبيرة فتحصّن بواسط، وقد أعدّ فيها ما أعدّ. فأناخ الحسن على واسط في الناحية الغربية ووجّه الفضل ابن حميد المرادي إلى فم النيل مسلحة بها فيما بينه وبين الحسن، ووجه حميد ابن قحطبة إلى المدائن في عشرة [٤] من القواد، وأمره أن [١٨٦ أ] يفرض لمن أتاه من أهل العراق، وأمضاه على شط الفرات إلى الجزيرة، فنفذ حميد إلى المدائن. وأنفذ مالك بن طرّاف في خمسة آلاف رجل إلى هيت، فكان يكتب إلى حميد بأخبار الجزيرة وما يأتيه عن مروان، وأتاه عدّة من وجوه كلب بطاعتهم فأنفذهم إلى أبي سلمة، فكانوا أول من سوّد من أهل الشام، ومروان بعد على حاله. ووجّه أبو سلمة بسّام بن إبراهيم إلى الأهواز، وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة، فحاربه فانهزم، فلحق بالبصرة بسلم [٥] بن قتيبة.

стр. 372

ووجّه خالد بن برمك والمسيّب بن زهير إلى السوس [١] وجنديسابور [٢] ، وبها ربعي بن الأعور. ووجّه عبد الرحمن بن يزيد بن المهلّب [٣] إلى عين التمر. ووجّه عمّاله على الكور في السهل والجبل. وبعث إلى فارس عمّالا من قبله، وفيها عمّال أبي مسلم، فكتب صاحب أبي مسلم إليه، وكتب إليه: دار القوم حتى تتوثق منهم، فأخذهم وقيّدهم، وبعث أبو مسلم من عنده رجلا فقتلهم. وأتى أبا سلمة كتاب أبي عون قد أوقع بخيل لمروان، وعبر الزاب الصغير وتقدم نحو الزاب الكبير، فقلق وكتب إلى حميد أن يوجّه من قبله كلثوم بن شبيب الأزدي والمخارق بن غفار [٤] وذؤيب بن الأشعث في أصحابهم إلى أبي عون، وضرب البعث على من فرض له من أهل الكوفة، وكتب إلى أبي مسلم [١٨٦ ب] يستحثه بالجنود، ويخبره بتحرك مروان لمن توجّه إلى الموصل من الهاشمية. فكتب أبو مسلم إلى موسى بن كعب، وهو بالري يأمره بإمضاء أصحابه مع ابنه [٥] عيينة بن موسى إلى أبي عون، وأن يقدم عليه، وكتب أبو مسلم إلى عثمان بن قرطة، وهو بالدينور في ألفي رجل، وإلى محمد بن صول بنهاوند في سبع مائة رجل أن يستخلفا ويلحقا بأبي سلمة، وأمضاها إلى أبي عون، فبلغ عدة من كان مع أبي عون إلى أن قدم عليه عبد الله بن علي واليا على عسكره ثمانية عشر ألف رجل. وأقام أبو سلمة بمعسكره من حمّام أعين يصدر الأعمال ويدبّر الأمور، ويكاتب أبا مسلم، فكان أبو مسلم يكتب إليه: للأمير حفص بن سليمان وزير آل

стр. 373

محمد [١] . ولمّا انتهى إلى مروان ما كان من إيقاع الهاشمية بعثمان بن سفيان و [٢] الخارجي هاله ذلك، وإبراهيم الإمام محبوس بحرّان، فضرب البعوث على أهل الشام وأكثف، وأشاع أنّه يريد الصائفة، وعقد للوليد بن معاوية عليها، فعسكر بدابق [٣] . ثم بلغ مروان دنو الهاشمية إلى الزاب فعسكر بسلسمين [٤] وحشر أهل بيته، وقال لهم: قاتلوا عن ملككم، وكتب إلى الوليد بن معاوية في الشخوص إليه بالجنود من فرسان أهل الشام وأهل الجزيرة، وأقام يحشد يريد [٥] ينهض إلى الهاشمية، وقد أيقن بزوال ملك بني أمية حتى ظهر [١٨٧ أ] أبو العبّاس السفّاح ﵁، فإنّه أول خلفاء بني العباس ﵃ أجمعين. جود إبراهيم الإمام عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنّه سمع شيخا لهم يقول: قدم [٦] إبراهيم بن محمد علينا، بعد ما صدر من الحج، فأتته عجوز فانية من ولد الحارث بن عبد المطلب، وأنا عنده، فشكت ضنك المعيشة فقال:

стр. 374

يا أمّه! ما يحضرني لك الكثير، ولا أرضى لك بالقليل، وأنا على سفر فاقبلي ما حضر وتفضلي بالعذر، ثم دعا مولى له فقال: ادفع إليها ما بقي معك من النفقة، وخذي هذا البعير والعبد فبيعيهما وارتفقي بثمنهما. قالت: يا ابن أم! آجرك الله في الآخرة غير معجّل على البرّ والصلة، آجرك الله وأعلى في الدنيا كعبك، ورفع فيها ذكرك، وغفر يوم الحساب ذنبك، فأنت كما قالت أم جميل ابنة حرب: زين العشيرة كلّها ... في البدو منها والحضر ورث المكارم كلّها ... وعلا على كلّ البشر ضخم الدسيعة [١] ماجد ... يعطي الكثير بلا ضجر وحدثنا بعض أشياخنا: أن الإمام إبراهيم بن محمد قدم المدينة حاجّا [٢] [١٨٧ ب] فأتاه الناس ولم يأته ابن هرمة [٣] ، فسأل عنه، فقيل: هو متوار من الدين، فأرسل إليه، فأتاه ابن هرمة، فسلّم عليه وساءله وحادثة ثم أنشده قصيدته التي يقول فيها: جزى الله إبراهيم عن جلّ قومه ... رشادا بكفّيه ومن شاء أرشدا [٤] أغرّ كضوء البدر يستمطر الندى ... ويهتاش [٥] مرتاحا إذا هو أنفدا

стр. 375

ومهما يكنّ مني إليك فإنّه ... بلا خطإ مني ولكن تعمّدا وقلت: امرؤ غمر [١] العطيّات ماجد ... متى ألقه ألق الجواري، أسعدا غرائب شعر قلته لك صادقا ... وأعلمته رسما فغار وأنجدا وأنت امرؤ حلو المؤاخاة باذل ... إذا ما بخيل القوم لم يصطنع يدا لك الفضل من هنّا وهنّا وراثة ... أبا عن أب لم تختلس ملك قعددا [٢] بنى لك عبّاس من المجد غاية ... إلى عزّ قدموس من المجد أصيدا وشيّد عبد الله أركان مثلها ... وشدّ بأطناب العلا فتشيّدا [٣] وشدّ عليّ في يديه بعروة [٤] ... وحبلين من مجد أغيرا [٥] فأحصدا وكم من علاء أو على قد ورثتها ... بأحسن ميراث أباك محمدا وأنت امرؤ أوفى قريش حمالة [٦] ... وأكرمها فيها مقاما ومقعدا [١٨٨ أ] كريم إذا ما أوجب اليوم نائلا ... عليه جزيلا بثّ أضعافه غدا سعى ناشئا للمكرمات فنالها ... وأفرع في وادي العلا ثم أصعدا على مأثرات من أبيه وجدّه ... فأكرم بذا فرعا وبالأصل محتدا وأجرى جوادا يحسر الخيل خلفه ... إلى قصبات السبق شتى وموحدا إذا شاء يوما عدّ من آل هاشم ... أبا ذكره لا يقلب الوجه أسودا إذا هو أعطى مرّة هزّه الندى ... فعاد وكان العود بالخير أحمدا

стр. 376

أغرّ منافيّا بنى المجد بيته ... مكان الثريا ثم علّى فكبّدا ومورد أمر لم يجد مصدرا له ... أتاك فأصدرت الّذي كان أوردا وموقد نار لم يجد مطفئا له ... أتاك فأطفأت الّذي كان أوقدا فلم أر في الأقوام مثلك سيّدا ... أهشّ بمعروف وأصدق موعدا وأنهض بالعزم الثقيل احتماله ... وأعظم إذ لا يرفد [١] الناس مرفدا ولو لم يجد للواقفين ببابه ... سوى الثوب ألقى ثوبه وتجردا وحدّث أشياخ من أهل الحرمين أنهم سمعوا أشياخهم يذكرون أن الإمام إبراهيم بن محمد كان إذا قدم الحرمين بهج به من بهما من ولد عبد المطلب وجذلوا [٢] ، وتباشروا به واستبشروا. وقالوا: وكان إذا قدم الحرمين سأل [١٨٨ ب] من بهما من ولد عبد المطلب عن حالهم، فمن كان في نعمة زاد في نعمته، ومن كان منهم مختلّا أنعم عليه. عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنّه سمع شيخا لهم، وكان صديقا لإبراهيم الإمام، يقول: قدم إبراهيم الإمام علينا المدينة، وكنت جالسا عنده يوما، إذ أتاه عبد لرجل من مزينة، فشكا مولاه وقال: يا ابن عمّ رسول الله اشترني، فأرسل إلى مولاه فاشتراه وأعتقه. وجاء مولى للنوفليين محجوب البصر فذكر له عري أهله، فبعث إلى ثياب من السوق فدفعها إليه، وقال: اكسها عيالك. وأتاه نفر من العرب فسألوه أن يرفدهم في حمالة يحملونها [٣] ، فسألهم عن مبلغ حمالتهم وما جمعوا منها وما بقي عليهم منها، فذكروا له ذلك فأعطاهم ما بقي عليهم من حمالتهم، فقلت: بأبي أنت وأمّي

стр. 377

يا أبا إسحاق، أنت كما قال أعشى [١] وائل: يرى البخل مرّا والعطاء كأنّما ... يلذّ به عذبا من الماء باردا وأحلم من قيس وأمضى من الّذي ... بذي الغيل من خفّان [٢] يصبح حاردا فتبسم وقال: يا أخا الأنصار! لسنا نفعل ما ترى من سعة وكثرة جدة ولكن ولد أبي لا يحسنون عند السؤال لا، ثم تمثل قول لبيد [٣] : [١٨٩ أ] وبنو الديّان لا يأتون: «لا» ... وعلى ألسنهم خفّت «نعم» زيّنت أحسابهم أحلامهم ... وكذاك الحلم زين للكرم [٤] عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى قال: حدثني أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: قال الحسين بن زيد: قدم إبراهيم بن محمد الإمام علينا، فبعث إلى عبد الله بن الحسن بخمس مائة دينار، فاستزاده فزاده، وبعث إلى إبراهيم بن حسن بخمس مائة، وبعث إلى جدّي محمد بن عمر بخمس مائة، وبعث إلى جعفر بن محمد ألف دينار، وبعث إلى جماعة بمال. قال حسين بن زيد: فبعثتني أمي ريطة بنت عبد الله ابن محمد بن الحنفية، وكانت عند زيد بن علي، فقال: زيد الكوفة؟ قلت

стр. 378

نعم، وعليه قميص ورداء مصبوغ بزعفران فبكى حتى أثّر في قميصي من صبغ ردائه. ثم دعا غلاما فسارّه فذهب ثم جاء بأربع مائة دينار فدفعها إليّ، ثم قال: لولا أنّه لم يبق عندي غيرها لأعطيتك كما أعطيت أصحابك، ثم صرّها في ثوبي ثم قال: أنت صغير، فدعا غلاما له فدفعها إليه وقال: انطلق بها إلى ريطة وأعذرنا عندها، فأخذتها ومضيت، فما أنفقناها حتى رأينا راية بني العباس من خراسان. بسم [١] الله الرحمن الرحيم [١٨٩ ب] حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المسيّبي قال: حدثني نمير بن عبد الله ابن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة [٢] قال: كان مولى لأبي الجهم العدوي يجلس على بابه فيمر به إبراهيم بن محمد بن علي فيقول: هذا الّذي يرشّح للخلافة، ويزعمون أنّه قد بعث فيها من يطلبها له، فيكثر من هذا. فاغتم إبراهيم لذلك، ورأى أنّه [٣] يعرّضه للمكروه، فبعث إليه بشيء، وقال لرسوله قل له [٤] : فرّقنا شيئا فذكرناك، فكان بعد إذا مرّ به يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، هذا والله الّذي يستأهل كذا وكذا، فأرسل إليه إبراهيم: يا هذا! لا ذا ولا ذاك. عبد [٥] الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنّه سمع شيخا لهم وكان صديقا لإبراهيم الإمام يقول: كنا [٦] في مسجد رسول الله صلى الله عليه

стр. 379

وسلّم فدخل علينا فتى من ولد زياد وسيم الوجه جميل البصر يجرّ أثوابه من الخيلاء، فسألني عنه فنسبته فتبسم ثم تمثّل قول الفرزدق [١] : أطلها فإنّ الطول ليس بنافع ... إذا كان فرع الوالدين قصيرا [٢] أحمد بن يحيى قال: حدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: قال إبراهيم الإمام: [١٩٠ أ] سمعت أبي يقول: لا يزال الرجل يزداد في رأيه ما نصح لمن [٣] استشاره، ثم قال: وأنا أقول: نصح المستشير قضاء لحق النعمة في صواب الرأي. أحمد بن يحيى قال: حدثني ابن الأعرابي أبو عبد الله قال: سأل أبو مسلم إبراهيم الإمام عن البلاغة فقال: معرفة الوصل من الفصل، وإصابة المعنى، واختصار الطريق إلى الغاية التي تريد [٤] . عمر بن شبّة قال: سمعت عيسى بن عبد الله قال: حدثني أبي قال: وافينا مكة، وعلينا عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك أميرا على الحج، فجاء رسول عبد الله بن حسن إلى جعفر بن محمد، فأرسلني أبي لأنظر ما اجتمعوا له، فأرسل جعفر الأرقط محمد بن عبد الله بن علي لذلك، قال: فجئتهم فوجدت عبد الله بن حسن وإبراهيم والمنصور ابني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وجماعة من بني هاشم، ووجدت محمد بن عبد الله بن حسن

стр. 380

قائما يصلّي على طنفسة رحل [١] مثنية، فقلت: أرسلني أبي يسألكم لأي شيء اجتمعتم، فقال عبد الله بن حسن: اجتمعنا لنبايع للمهدي محمد بن عبد الله بن حسن. قال: فإنّا على ذلك إذ دخل داخل فألقم إذن إبراهيم بن محمد ابن علي فسارّه مليّا، فأقبل عليهم إبراهيم فقال: لا أرى، أبا محمد [٢] ، جعفر ابن محمد بن علي [٣] [١٩٠ ب] حضر، ولا أرى وجوه شيعتكم، فلو انصرفنا في هذا العام واجتمعنا قابلا. ثم نهض قائما وقمنا معه، وإذا الّذي سارّه قال له: أتبايع هذا الفتى وشيعتك [٤] بخراسان يدعون إليك! قال: وأرسل إليهم عبد الواحد بن سليمان: إن كنتم تريدون شيئا خليتكم والّذي تريدون. قال: فلمّا استيأس ابن حسن من إبراهيم كتب إلى مروان: إنّي بريء من إبراهيم ابن محمد وما أحدث. عمر بن شبّة قال: حدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال: حدثني حسين بن حسين الجعفي قال: حدثني المغيرة بن رميل العنبري قال: كنت عند مروان، فخرجت من عنده وركبت البريد إلى مصر، فدخلت حمّام دمشق فإذا رجل في الحمام- ذكر من جماله- معه ابنان له، فقال لي: ممن أنت؟ فأخبرته أنّي أقبلت من الجزيرة، قال: وكيف تركت الناس؟ كيف علمك بالخليفة؟ قلت: أخبر الناس به، كنت نديمه قبل الخلافة وعامله فيها. قال: أفلك علم بخراسان؟ قلت: أعلم الناس بها، أقمت بها أسيرا سنين، وأميرا أربع سنين، بها الناس وجمجمة العرب وفرسانها.

стр. 381

قال: أفلك علم هناك برجل؟ قلت: أبو مجرم؟ قال: أبو مسلم. قلت كأنّك برويسه على عود، قال: كلّا والله حتى يبلغ أمره، فكلما [١٩١ أ] ذهبت أقوم حبسني، ثم عرض عليّ المنزل فأبيت. ثم خرجت على البريد حتى قدمت مصر، ثم رجعت إلى الجزيرة فإذا برجل في الحديد معه فلان وفلان، قلت: قد عرفت هذين فمن هذا؟ قالوا: إبراهيم بن محمد حمل إلى الخليفة، فنظرت في وجهه فإذا هو صاحبي في الحمام. أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني أبو مسعود عن ابن الكلبي قال: كان إبراهيم بن محمد يقول: الكامل المروءة من أحرز دينه ووصل رحمه، واجتنب ما يلام عليه. وقال إبراهيم لدعاته الذين وجّههم إلى خراسان: لا تدعوا إلى طاعتنا عشرة أصناف من الناس: الطويل الممدّد، والقصير المردّد، والجعد القطط، والأمهق [١] المغرب، والأعور بعين اليمين، والزائد والناقص في الخلقة، والمتشبّه من الرجال بالنساء ومن النساء بالرجال، والمصفّر لونه من غير علة. خبر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام كان الّذي حكي من سبب ظهور مروان على أمر [٢] إبراهيم وحبسه إياه، أنّ إبراهيم كان حجّ في سنة تسع وعشرين ومائة وحجّ معه قحطبة، فلقيه عبد الله بن الحسن بن الحسن [٣] بن علي بن أبي طالب بمكة فاستسلفه مالا، وقد

стр. 382

بلغه أنّ قحطبة قدم عليه بمال من خراسان، فقال له إبراهيم: كم تريد؟ قال: أريد أربعة [١٩١ ب] آلاف دينار، فقال إبراهيم: والله ما هي عندي، ولكن هذه ألف دينار فخذها صلة [١] ، وأمر عروة مولاه [٢] بحملها إليه. وانصرفوا صادرين من حجّهم وقد [سقط] [٣] إلى عبد الله بن الحسن وضح من أمر إبراهيم، فلما صاروا إلى المدينة اتخذ عبد الله بن الحسن طعاما فدعا [٤] أهل بيته، ودعا إبراهيم ومن كان معه، فلمّا طعموا قال عبد الله لإبراهيم، وليس معهما إلّا رجلان من مشايخهم: إنّه قد بلغنا أنّ أهل خراسان قد تحركوا لدعوتنا، فلو نظرنا في ذلك فاخترنا منّا من يقوم بالأمر فيهم، فقال إبراهيم: نجمع مشايخنا فننظر فلن نخرج ممّا اتفقوا عليه [٥] . وافترقا على ذلك، وجمع أهله وأهل بيته وبعث إلى إبراهيم ومعه يومئذ داود بن علي ويحيى بن محمد، فلما أتوه قدّم إليهم الطعام، فلما فرغوا من طعامهم، قال عبد الله: إنّه قد انتهى إليّ تشمير أهل المشرق في الدعاء إلى آل محمد ﷺ فانظروا في ذلك، واتفقوا على رجل يقوم بالأمر فتأتيهم رسله. فقال بعضهم: أنت أسنّ أهل بيتك فقل، فقال: نعم، محمد ابني فقد أمّلته الشيعة وهو في فضله ونعمة الله عليه، فوصفه بالفضل فأسكت القوم. فقال إبراهيم: سبحان الله يا أبا محمد! تدع مشايخنا وذوي الأسنان

стр. 383

منا وتدعونا إلى فتى كبعضنا، [١٩٢ أ] لو دعوتنا إلى نفسك، أو إلى بعض من ترى، ما هاهنا أحد من ذوي الأسنان يرضى بهذا في نفسه، وإن أعطاك الرضا في علانيته. قال من حضر منهم: صدق وبرّ، فأيقن بأن قد وطّأ الأمر لنفسه. وانصرف إبراهيم إلى منزله من الشراة فكان على ما كان عليه من معالجة أمر الدعوة. فانتهى إلى مروان ما يدعون إليه في الظاهر من ذكر الرضا من آل محمد، فقال: شيخ هذا البيت وذو سنّهم عبد الله بن الحسن وأحر به أن يكون صاحب هذا الشأن، فبعث إليه فأقدمه، وهو بحرّان، فأخبره بما انتهى إليه من أمر الدعوة، وأنّه اتهمه [١] في ذلك. فقال له عبد الله بن الحسن: وما أنا وهذا، وصاحب أمرهم إبراهيم بن محمد [٢] ، وهو المتحرك لها، وكان أبوه من قبله على مثل رأيه [٣] ، فشأنك به. فحلّفه على براءته مما ظنّ به فحلف له، ولمّا حلف له أخذ بيعته [٤] وخلّى عنه. ويقال: إنّ رجلا من بني تميم كان يسمى قريظ [٥] بن مجاج بن المستورد أصاب دما في قومه بالبصرة، فخاف فلحق بخراسان، وغيّر اسمه فتسمى بعبد الكريم، وتكنّى بأبي العوجاء، ولزم لاهزا والقاسم بن مجاشع، وانقطع إليهما على وجه المعاشرة، فأطلعوه [٦] على أمرهم ودعوه إلى دعوتهم، فأجابهم وسعى معهم حتى عرف بالصحة وقوّة البصيرة، فوجّهه أبو مسلم مع أبي

стр. 384

حميد إلى إبراهيم [١٩٢ ب] فيما كان يوجّه، فلما كانا بتدمر مرض عبد الكريم أو تمارض وتخلّف بها وقال لأبي حميد: امض فإنّي إن وجدت خفّة [١] لحقتك. فلمّا مضى أبو حميد توجّه عبد الكريم إلى حرّان فلقي بها سعيد بن عمرو بن حيدة السلمي، وكان مروان مسترضعا في حجر أبيه عمرو بن حيدة، وكان خاصته، فقال له عبد الكريم: إنّي امرؤ من قومك، وعندي علم من أمر هذه الدعوة التي ظهرت بالمشرق ومعرفة بصاحبها، فدخل على مروان فخبّره بذلك، فدعا به خاليا [فأخبره] [٢] بقصة دخوله فيما كان دخل فيه من أمر الدعوة وخروجه من ذلك وبراءته منها ومن أهلها، وتوجيه أبي مسلم إيّاه فيما وجّهه له وقدومه على إبراهيم، ودفع إليه كتابه إلى أبي مسلم، فلما قرأه دعا عبد الحميد بن يحيى [٣] فقال له: اسمع كلام هذا الرجل، واستعاده الحديث فأعاده، فقال عبد الحميد: ما بعد هذا شيء. فوصل مروان عبد الكريم وفرض له في شرف العطاء وقال له: اخرج حتى تلحق بأبي مسلم، فكن عينا عليه واكتب إليّ بأخباره. فانصرف عبد الكريم إلى أبي مسلم، فوجّهه أبو [٤] مسلم قائدا على جند، ولم يزل معهم حتى ولي أبو جعفر الجزيرة، وهو في جنده، فولاه دارا [٥] ، وانتهى إلى أبي العبّاس خبره بعد ظهوره، فكتب إلى أبي جعفر فيه فبعث إليه، وهو عامله على دارا [٦] ، فقطع يديه ورجليه وضرب عنقه. [١٩٣ أ]

стр. 385

ويقال: كان إبراهيم الإمام تقدّم إلى أبي مسلم وإلى النقباء الاثني عشر في كتمان اسمه، تخوّفا من مروان بن محمد، فقال مروان: كيف لي بأن أعرف اسم هذا الّذي شيعته بخراسان؟ فقال له رجل من ورائه: أنا أتعرّف لك ذلك يا أمير المؤمنين! فشخص حتى صار إلى عسكر قحطبة، فلما دخل [١] قحطبة جرجان، وانهزم عنها نباتة بن حنظلة [٢] ، جاء الرجل إلى قحطبة فسلّم عليه بالإمرة ثم قال له: جئت أبايعك. قال له قحطبة: بايع. قال الرجل: لمن أبايع؟ قال: للرضا من آل محمد. قال الرجل: هذه بيعة مجهولة لا يصح بها [٣] عقد. قال قحطبة: وكيف؟ قال: أرأيت إذا أخذ أهل كلّ بلد رجلا من آل محمد [٤] وقالوا: الرضا في أيدينا [٥] لمن تكون [٦] بيعتي منهم؟ فزجره وقال بايع. فقال الرجل: ما كنت لأبايع إلّا لمن أعرف اسمه. فاستشرف الجند هذا القول، فخاف قحطبة على نفسه وأن تفسد قلوب الجند، فقال قحطبة: بايع لإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وهو [٧] بالشراة، فأوصل خبره إلى مروان [٨] ، فأخذ إبراهيم فحمل إلى حرّان. وقال محمد بن حبيب: كان سبب قتل إبراهيم وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز أنّ نصر بن سيار كتب إلى مروان بخروج أبي مسلم وكثرة من

стр. 386

معه، وأنّه يخاف أن يستولي على خراسان وأنّه يدعو إلى بيعة إبراهيم بن محمد، فوافى الكتاب إلى مروان وقد أتى رسول أبي مسلم إلى إبراهيم فأخذ جوابه [١] ، [١٩٣ ب] كتاب إبراهيم يلقى [٢] فيه أبا مسلم ويأمره في كتابه ألا يدع بخراسان عربيا إلّا قتله. فانطلق الرسول بالكتاب إلى مروان، فوضعه في يده، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك [٣] ، وهو عامله على دمشق أن اكتب إلى [عامل] [٤] البلقاء فليسيّر [٥] إلى كداد والحميمة وليأخذ إبراهيم بن محمد فليشدّه وثاقا ثم ليبعث به إليك في خيل كثيفة، ثم وجّه به إلى أمير المؤمنين، فأتاه، وهو جالس في مسجد القرية فأخذ بلفّ [٦] رأسه، وحمل [إلى حران] [٧] فأدخل على مروان فأنّبه وشتمه، فاشتد لسان إبراهيم عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين! ما أظنّ إلّا ما يروي الناس عليك حقّا في بغض بني هاشم، وما لي وما تصف. فقال له مروان: أدركك الله بأعمالك الخبيثة، فإنّ الله لا يأخذ على أول ذنب، اذهبوا

стр. 387

به إلى السجن. فحبسوه [١] أياما، ثم وجّه قوما فدخلوا السجن ليلا فغمّوا إبراهيم وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فلما أصبحوا وجدوهما ميّتين. ويقال: أدخل رأسه في جراب نورة [٢] . قال أبو الخطاب: بلغ مروان أن أبا مسلم وقحطبة وأصحاب الرايات [٣] السود وأشياعهم شيعة لإبراهيم، وكان الّذي أعلم مروان ذلك عبد الله بن الحسن، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك، وهو عامله على دمشق أن يوجه إلى إبراهيم من يأتي به، فوجّه الوليد خيلا عليهم قطري مولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فهجموا على إبراهيم منزله بالحميمة، فاحتملوه، فأتوا به الوليد بن معاوية، فأنفذه إلى مروان وهو بحران. فلمّا قدم [١٩٤ أ] إبراهيم حلب، كتب [٤] إلى أبي مسلم مع رجل من موالي عبد الله بن عباس يقال له عبد الله بن هلال ينزل حلب، كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمن أَصْدَقُ من الله حَدِيثاً ٤: ٨٧ [٥] . أمّا بعد، فإن رأيتموني قتيلا أو ميتا فلا يثنينّكم ذلك عن القيام بالحق، فو الّذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ليتممنّ الله أمركم، وليعزنّ دعوتكم، وليظهرنّ حقكم، وليقتلنّ جبابرة بني أميّة بأسيافكم، وليقومنّ رجل من إخوتي خليفة مطاعا وإماما متبوعا، وهو عبد الله الأصغر ابن

стр. 388

الحارثية، فليهدينّ إليه رأس مروان الجعديّ، فلا يدخلنّ رجل منكم مرية إن [١] فقدتموني ولا ارتياب، والله عليكم وكيل، وعلى ما أقول شهيد. كان هذا الكتاب آخر كتاب كتبه إبراهيم [٢] ، وكتب بهذه النسخة إلى أبي سلمة مع المهلهل بن صفوان، وبهذه النسخة إلى قحطبة مع إبراهيم بن سلمة. وذكر بلخ بن زكريا مولى لريطة [٣] أم أبي العباس قال: كنت [٤] مع إبراهيم مخرجه من الحميمة حتى قدم على مروان بحرّان وهو في قصره خارج المدينة [٥] ، فلمّا دخل عليه إبراهيم دفع إليه كتابا في قرطاس فقال: اقرأه، فلمّا نظر [١٩٤ ب] إبراهيم فيه قال: هذا خطّ عبد الله بن حسن. قال مروان: صدقت، هو ابن عمك، مصدّق عليك. قال إبراهيم: ما صدق ولقد كذب، وإذا بالكتاب: إنّك تظن يا أمير المؤمنين أن أحدا لا ينازعكم ملككم غير بني أبي طالب، هذا إبراهيم بن محمد في جوارك بالشام قد زحفت إليك شيعته من خراسان. فقال إبراهيم: كذب عبد الله بن الحسن يا أمير المؤمنين! فألّا ينصح لك في محمد ابنه الّذي يزعم أنّه مهدي هذه الأمة، وهو مستخف منك ومن الوليد بن يزيد ومن هشام بن عبد الملك تربّصه للخلافة. قال مروان: قد كتب ابن عمّك بما قرأت واتهمك [٦] ، وفي الحبس ثلاثة نفر من بني عمّك لك بهم أسوة: العباس بن الوليد بن عبد الملك، وعبد الله بن

стр. 389

عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. قال بلخ: فحبس إبراهيم معهم فلم يلبث في الحبس إلا نحوا [١] من عشرين يوما ثم توفّي. وكان يخدمه في الحبس وصيف له يقال له صاعد بن سالم، صار بعد ذلك على حجابة صالح بن علي بالشام، وكان الّذي تولى تجهيزه رجلان من أهل حرّان، كلاهما قاض أحدهما يكنى أبا ساح مولى لآل أبي معيط، ويقال للآخر عمر بن الوليد مولى الأزد، وصلّى عليه عبد العزيز ابن محمد بن مروان، ودفن في ربض حرّان في موضع [١٩٥ أ] يسمى اليوم مقابر قريش، كان أول من دفن فيه إبراهيم، وحضر دفنه المهلهل بن صفوان وسابق الخوارزمي مولاه. فلمّا حبس أبو جعفر عبد الله بن الحسن قال: أنت قتلت أخي. وذكر المهلهل بن صفوان [٢] قال: كنت أخدم إبراهيم بن محمد في الحبس، وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وشراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، فكانوا يتزاورون [٣] . وخصّ [٤] الّذي بين إبراهيم وشراحيل، فأتى رسول شراحيل يوما بلبن فقال: يقول لك أخوك: إنّي شربت من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه. قال: فتناوله إبراهيم فشربه، فتوصّب [٥] من ساعته وتكسر جسده، وكان يوم يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه فأرسل إليه شراحيل: جعلت فداك قد أبطأت فما حبسك؟ فأرسل إليه: إنّي لما شربت اللبن الّذي أرسلت به

стр. 390

خالفني [١] ، فأتاه شراحيل مذعورا فقال: لا والله الّذي لا إله إلّا هو ما شربت اليوم لبنا ولا أرسلت به إليك، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، احتيل لك والله. قال: فو الله ما بات إبراهيم إلّا ليلته وأصبح ميتا. ولمّا مات إبراهيم جزع عليه عبد [٢] الله بن عمر بن عبد العزيز جزعا شديدا فقال له مولى له: أتجزع على عدوّك وعدوّ أهل بيتك؟ قال: ويحك انّما أجزع على [١٩٥ ب] نفسي، إنّه سيسلك بي سبيله. ويقال: إنّ مروان لمّا بلغه هزيمة ابن هبيرة دسّ إليه إناء فيه لبن مسموم فناوله السجّان فشربه، فلما وصل إلى بطنه وجد مسّ السمّ فعلم أنّه قد اغتيل، فقال للسجان: قد فعلتموها! وسأله أن يدخل عليه امرأته لبابة بنت محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ففعل، فقالت لبابة: فبات يتضوّر ويتناول يدي فيضعها على فؤاده، ثم قضى من ليلته. فأرسل السجان إلى خليفة مروان فأعلمه وفاته، فأمر أن يغسّل ويحضر القاضي غسله، ففعل ذلك، وغسّلوه وعليه قيوده، فما حلّت إلّا بعد أن غسّل، سحلت حتى لطفت فأخرجت من رجليه. وكانت [٣] وفاته في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وذكروا أن إبراهيم قدم به على مروان، وهو معسكر بسلمسين، فدفعه إلى ابنه عبد الله بن مروان، وهو عامله على الجزيرة فحبسه، فلمّا أراد مروان المسير إلى الزاب أمر بإبراهيم فجعل رأسه في جراب نورة، وغمّ عبد الله بن عمر بمرفقة جعلت على وجهه، فماتا.
следующие страницы →