Полный текст (3 122 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
مَتَى نَقَلَهَا أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ كَذَا مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ فَدَفَعَ لَهَا جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّرْطِ فَهَلْ تَبْطُلُ الْيَمِينُ فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ مَتَى عَجَزَ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ مُوَقَّتَةٌ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا فِي الْحَادِثَةِ الْأُولَى إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ صَرِيحٌ بِخِلَافِهِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْإِبْرَاءَ بَعْدَ الْأَدَاءِ مُمْكِنٌ فَإِنَّهُ لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ قَالَ الدَّائِنُ لِلْمَدْيُونِ قَدْ أَبْرَأْتُك بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ، وَيَرْجِعُ الْمَدْيُونُ بِمَا دَفَعَهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْحَطِّ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ بِخِلَافِهِ فَيَتْبَعُ.
وَفِي الْمُحِيطِ قُبَيْلَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ فِي الطَّاعَاتِ، وَالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كُنْت زَوْجَتِي غَدًا فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَجَلَعَهَا فِي الْغَدِ إنْ نَوَى بِذَلِكَ كَوْنَهَا امْرَأَةً لَهُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ تَطْلُقُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ الْبِرَّ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَلَوْ خَلَعَهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ طَلُقَتْ لِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَوْ خَلَعَهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ كَانَتْ امْرَأَتَهُ، وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ إنْ سَكَنْت فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَخَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ، وَخَلَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ سَكَنَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا تَطْلُقْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِامْرَأَتِهِ وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ اهـ.
فَقَدْ بَطَلَتْ الْيَمِينُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ هُنَا فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الْجَزَاءِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَمْ تَبْقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ حَسَنٌ جِدًّا، وَفِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَفَعَلَ أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ حَتَّى بَانَتْ امْرَأَتُهُ ثُمَّ فَعَلَ الْآخَرَ فَقِيلَ لَا يَقَعُ الثَّانِي لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِامْرَأَتِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَقِيلَ يَقَعُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ اهـ.
فَعَلَى الْأَظْهَرِ قَوْلُهُ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ مِثْلُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ مِثْلُ امْرَأَتِي طَالِقٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
فَإِنْ قُلْت قَدْ جَعَلُوا زَوَالَ الْمِلْكِ مُبْطِلًا لِلْيَمِينِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ نَقَلَ فِي عَقْدِ الْفَوَائِدِ عَنْ التَّجْنِيسِ مَا حَاصِلُهُ لَا أَسْكُنُ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَأَغْلَقَ الْبَابَ أَوْ قُيِّدَ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِيهِمَا، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ فَكَذَا فَقُيِّدَ، وَمُنِعَ أَوْ قَالَ لَهَا فِي مَنْزِلِ أَبِيهَا إنْ لَمْ تَحْضُرِي اللَّيْلَةَ إلَى مَنْزِلِي فَأَنْتِ كَذَا فَمَنَعَهَا أَبُوهَا حَنِثَ فِيهِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، وَالْفَرْقُ أَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ فِي الْأَوَّلِ الْفِعْلُ، وَهُوَ السُّكْنَى وَالْإِكْرَاهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَفِي الثَّانِي عَدَمُ الْفِعْلِ وَالْإِكْرَاهُ لَا يُؤَثِّرُ قَالَ فِي الْعَقْدِ قُلْتُ: وَهَذَا مَعْنَى مَا نَقَلَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ إنْ كَانَ عَدَمِيًّا، وَعَجَزَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ فَالْمُخْتَارُ الْحِنْثُ، وَإِنْ كَانَ وُجُودِيًّا، وَعَجَزَ فَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْحِنْثِ. اهـ.
وَاعْتِبَارُ هَذَا الْأَصْلِ يُفِيدُ الْحِنْثَ فِي مَسْأَلَتِنَا إذْ شَرْطُ الْحِنْثِ فِيهَا عَدَمِيٌّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُهِمَّةِ فَكُنْ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ اهـ. كَلَامُ النَّهْرِ.
وَنَقَلَ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْفُصُولَيْنِ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَيُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْقُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ قَالَ لَهُ مَدْيُونُهُ لَوْ لَمْ أَقْضِك مَالَك الْيَوْمَ فَكَذَا فَتَوَارَى الطَّالِبُ فَنَصَّبَ الْقَاضِي عَنْهُ، وَكِيلًا بِطَلَبِ الْمَدْيُونِ لِيَقْضِيَ مِنْهُ الْمَالَ كَيْ لَا يَحْنَثَ فَقَبَضَ، وَحَكَمَ بِهِ آخَرُ قَالَ لَمْ يَجُزْ فَهُوَ كَمَا تَرَى كَالصَّرِيحِ فِي عَدَمِ بُطْلَانِهَا فِي الْحَادِثَةِ الْمَذْكُورَةِ إذْ الْعَجْزُ كَمَا يَقَعُ بِعَدَمِ شَيْءٍ مَعَ الْمَدِينِ يَقَعُ بِتَوَارِي الدَّائِنِ، وَلَوْ بَطَلَتْ بِالْعَجْزِ لِمَا اُحْتِيجَ إلَى نَصْبِ وَكِيلٍ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْحِنْثِ فِي مَسْأَلَتِنَا مُسْتَنِدًا إلَى إمْكَانِ الْبِرِّ حَقِيقَةً، وَعَادَةً مَعَ الْإِعَارَةِ بِهِبَةٍ أَوْ تَصَدُّقٍ أَوْ إرْثٍ. اهـ.
قُلْت، وَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ، وَإِذَا كَانَ يَحْنَثُ فِي قَوْلِهِ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وَإِنْ اسْتَحَالَ عَادَةً فَحِنْثُهُ هُنَا بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وَعَادَةً (قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الْجَزَاءِ إلَخْ) يُنَافِي هَذَا مَا يَأْتِي قَرِيبًا عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ إنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ قَبَّلْت امْرَأَتِي فُلَانَةَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَبَّلَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ يَحْنَثُ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا، وَغَيْرِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فَعَلَى الْأَظْهَرِ قَوْلُهُ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ حَلَالَ اللَّهِ صَارَ عِبَارَةٌ عَنْ امْرَأَتِي لَا عَنْ أَنْتِ بِلَفْظِ الْخِطَابِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ خَاطَبَهَا بِقَوْلِهِ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ صَارَ عِبَارَةً عَنْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ قَوْلِهِ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ مِثْلُ امْرَأَتِي طَالِقٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. اهـ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ أَقُولُ: إنَّ قَوْلَ الْقُنْيَةِ، وَقِيلَ يَقَعُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ يُفِيدَانِ الْمُرَجَّحَ اعْتِبَارُ حَالَةِ التَّعْلِيقِ لَا حَالَةِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَمَّا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حَلَالًا لَهُ، وَإِنْ بَانَتْ مِنْهُ بِفِعْلِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ اعْتِبَارًا لِحَالَةِ التَّعْلِيقِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ كَلَامَ الْقُنْيَةِ السَّابِقِ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْأَظْهَرِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ حَالَةِ وُجُودِ الشَّرْطِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ، وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَمَّا عَلَى مَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ اعْتِبَارِ حَالَةِ التَّعْلِيقِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ لِأَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَتُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ اعْتِبَارِ حَالَةِ التَّعْلِيقِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ الْفَرْعَيْنِ
стр. 1192
فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَخَرَجَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمْ يَحْنَثْ، وَبَطَلَتْ الْيَمِينُ بِالْبَيْنُونَةِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ لَمْ يَحْنَثْ لَا يُقَالُ إنَّ الْبُطْلَانَ لِتَقْيِيدِهِ بِامْرَأَتِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ امْرَأَتُهُ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ لِإِضَافَتِهَا إلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَطَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَخَرَجَتْ، وَفِيمَا لَوْ قَالَ إنْ قَبَّلْتُ امْرَأَتِي فُلَانَةَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَبَّلَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ مَعَ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِيهِمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ قُلْت الْيَمِينُ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ وِلَايَةِ الْإِذْنِ، وَالْمَنْعُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَذَلِكَ حَالَ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَسَقَطَ الْيَمِينُ بِزَوَالِ النِّكَاحِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ فَقَضَى دَيْنَهُ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَحْنَثْ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مِمَّا يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ ارْتِدَادُ الزَّوْجِ، وَلَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدَ لَحَاقِهِ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا تَطْلُقُ حَتَّى لَوْ جَاءَ ثَانِيًا مُسْلِمًا فَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا لَا يَنْقُصُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ شَيْءٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ، وَالْبُطْلَانُ عِنْدَهُ لِخُرُوجِ الْمُعَلَّقِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ لَا لِزَوَالِ الْمِلْكِ.
فَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِغَيْرِ ارْتِدَادٍ، وَثَلَاثٌ لَا يُبْطِلُهَا لَكَانَ أَوْلَى بِالْيَمِينِ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ يُبْطِلُهُ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ لَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ وَتَفَرَّقَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَفِي بَقَاءِ الْأَمْرِ بِهَا رِوَايَتَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى. قَالَ لَهَا إنْ غِبْت عَنْك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ، وَغَابَ عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا. اهـ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ تَنْجِيزٌ لِلتَّخْيِيرِ فَيَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَالثَّانِي تَعْلِيقُ التَّخْيِيرِ فَكَانَ يَمِينًا فَلَا يَبْطُلُ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْمِلْكِ طَلَقَتْ وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ) لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ، وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلْجَزَاءِ فَيُنَزَّلُ، وَلَمْ تَبْقَ الْيَمِينُ لِأَنَّ بَقَاءَهَا بِبَقَاءِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ لَهَا إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْت طَالِقٌ فَوَقَعَ فِيهَا غَرَقٌ أَوْ حَرْقٌ غَالِبٌ فَخَرَجَتْ لَا يَحْنَثُ اهـ.
مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ قَدْ وُجِدَ، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِغَيْرِ الْغَرَقِ وَالْحَرَقِ، وَفِيهَا قُبَيْلَ النَّفَقَةِ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا فَدَخَلَتْ وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَفِي جَامِعِ الْكَرْخِيِّ طَلَقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَمَلَكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ. لَهُ امْرَأَةٌ جُنُبٌ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ فَقَالَ أَخْبَثُكُنَّ طَالِقٌ طَلَقَتْ النُّفَسَاءُ، وَفِي أَفْحَشُكُنَّ عَلَى الْحَائِضِ لِأَنَّهُ نَصٌّ اهـ.
أَطْلَقَ الْمِلْكَ فَشَمِلَ مَا إذَا وَجَدَ فِي الْعِدَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قُبَيْلَ بَابِ التَّفْوِيضِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ يُوجَدَ جَمِيعُ الشَّرْطِ فِي الْمِلْكِ بَلْ الشَّرْطُ تَمَامُهُ فِيهِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا إذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْت طَالِقٌ فَحَاضَتْ الْأُولَى فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَالثَّانِيَةَ فِي مِلْكٍ طَلَقَتْ، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ بِسَاعَةٍ أَوْ بَعْدَ مَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ، وَأَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَإِذَا اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ طَلَقَتْ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ تَمَّ، وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ أُكِلَتْ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْت طَالِقٌ فَأَكَلَتْ عَامَّةَ الرَّغِيفِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَأَكَلَتْ مَا بَقِيَ مِنْهُ طَلَقَتْ لِأَنَّ الشَّرْطَ تَمَّ فِي مِلْكِهِ، وَالْحِنْثُ بِهِ يَحْصُلُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَسَيُصَرِّحُ بِأَنَّ الْمِلْكَ يُشْتَرَطُ لِآخِرِ الشَّرْطَيْنِ، وَكَلَامُنَا هُنَا فِي الشَّرْطِ الْوَاحِدِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَكَذَا لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْكُلُّ، وَإِنْ كَرَّرَ حَرْفَ الشَّرْطِ إنْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت إنْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ فَأَيُّ شَيْءٍ وُجِدَ مِنْهَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَتَرْتَفِعُ الْيَمِينُ، وَإِنْ أَخَّرَ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ مَا لَمْ تُوجَدْ الْأُمُورُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا وُجِدَ وَاحِدٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَرْتَفِعُ الْيَمِينُ. اهـ.
وَمِمَّا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ طَلَقَتْ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْأَيْمَانِ الَّتِي يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ فَقَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ، وَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي، وَقَضَى بِهِ حَنِثَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَالْبُطْلَانُ عِنْدَهُ لِخُرُوجِ الْمُعَلَّقِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ بِدَلِيلِ عِتْقِ مُدَبَّرِيهِ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، وَيَلْزَمُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ أَنَّهُ لَوْ عَادَ ثَانِيًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَوُجِدَ الشَّرْطُ أَنْ يَقَعَ، وَإِطْلَاقُهُمْ بُطْلَانَ التَّعْلِيقِ يَقْتَضِي عَدَمَهُ، وَأَيْضًا خُرُوجُ الْمُعَلَّقِ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ لَا يُوجِبُ الْبُطْلَانَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَوُجِدَ الشَّرْطُ حَالَ جُنُونِهِ وَقَعَ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هُنَا كَلِمَةُ قَيَّدَ سَاقِطَةٌ مِنْ النَّاسِخِ، وَالْأَصْلُ قَيَّدَ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ إلَخْ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْرُك بِيَدِك لَيْسَ بِيَمِينٍ بِدُونِ تَعْلِيقٍ، وَإِذَا كَانَ مُعَلَّقًا لَا يَزُولُ الْأَمْرُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ الْمَذْكُورَةِ.
стр. 1193
الْحَالِفُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي بِأَلْفٍ ذَكَرَ فِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ رَجُلَانِ فِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ حَلَفَ كُلٌّ أَنَّ الدَّارَ دَارُهُ، وَبَرْهَنَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَيَحْنَثَانِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا حَنِثَ صَاحِبُ الْيَدِ لِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَيْهِ. حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَهَا الْيَوْمَ لَا كَفَّارَةَ، وَلَا يَعْتِقُ عَبْدُهُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَحْنَثْ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ يَمِينُ الْغَمُوسِ فَلَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ فَلَمْ يَصِرْ فِيهَا مُكَذَّبًا شَرْعًا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ، وَهُوَ عَدَمُ الدُّخُولِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ الْأُولَى بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ لِأَنَّ لَهَا مَدْخَلًا فِي الْقَضَاءِ.
وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ مَا لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، وَقُضِيَ بِهِ لَهُ يُنْظَرُ إنْ قَالَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ، وَأَوْفَيْته لَمْ تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ طَلَقَتْ امْرَأَتُهُ، وَتَمَامُهُ فِيهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَهُنَا مَسَائِلَ فِي الْأَيْمَانِ تُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْهَا لَوْ قَالَ سَكْرَانُ لِآخَرَ إنْ لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لَك فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا يَحْنَثُ إنْ كَانَ مُتَوَاضِعًا لَهُ، وَمِنْهَا إنْ وَضَعْت يَدَك عَلَى الْمِغْزَلِ فَكَذَا فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَغْزِلْ لَا يَحْنَثُ، وَمِنْهَا إنْ دَفَعْت لِأَخِيك شَيْئًا، وَدَفَعَ إلَيْهَا أَرُزًّا لِتَدْفَعَ لَا يَحْنَثُ، وَمِنْهَا خَرَجَ مِنْ دَارِهِ، وَحَلَفَ لَا يَرْجِعُ ثُمَّ رَجَعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ فِي دَارِهِ لَا يَحْنَثُ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَفِيهَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ أَطْوَلُكُمَا حَيَاةً طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ فَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِنْتَ سِتِّينَ سَنَةً، وَالْأُخْرَى بِنْتَ عِشْرِينَ سَنَةً فَمَاتَتْ الْعَجُوزُ قَبْلَ الشَّابَّةِ طَلَقَتْ الشَّابَّةُ فِي الْحَالِ، وَلَا يَسْتَنِدُ خِلَافًا لِزُفَرَ قَالَ ﵀، وَلَوْ مَاتَتَا مَعًا لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا. إنْ لَمْ تَخْرُجْ الْفُسَّاقُ مِنْ النَّارِ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا تَطْلُقُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ. اهـ.
وَفِيهَا دَعَا امْرَأَتَهُ إلَى الْوِقَاعِ فَأَبَتْ فَقَالَ مَتَى يَكُونُ قَالَتْ غَدًا فَقَالَ إنْ لَمْ تَفْعَلِي لِي هَذَا الْمُرَادَ غَدًا فَأَنْت طَالِقٌ ثُمَّ نَسِيَاهُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ لَا يَحْنَثُ اهـ.
وَهَذَا يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا يَحْنَثُ، وَالْجَوَابُ إنَّ الْحِنْثَ شَرْطُهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهَا غَدًا وَتَمْتَنِعَ، وَلَمْ يَطْلُبْ فَلَا اسْتِثْنَاءَ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا لَا، وَانْحَلَّتْ) أَيْ إنْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فِي الْمِلْكِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ إنْ وُجِدَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، وَأَمَّا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الشَّرْطِ فِي الْمِلْكِ لَا تَنْحَلُّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْأَهْلِيَّةُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ، وَفِي الطَّرِيقَةِ الرَّضَوِيَّةِ أَجْمَعْنَا أَنَّ الْأَهْلِيَّةَ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْيَمِينِ لَا وَقْتَ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُفِيقًا وَقْتَ الْيَمِينِ مَجْنُونًا وَقْتَ الشَّرْطِ يَصِحُّ وَيَقَعُ، وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَصِحُّ الْيَمِينُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَهِيَ تَدَّعِيهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ، وَالْقَوْلُ لِمَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ. اهـ.
لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهَا، وَالْحُكْمُ قَبُولُ قَوْلِهِ مُطْلَقًا فَلِذَا لَوْ قَالَ لَهُمَا إنْ لَمْ تَدْخُلِي هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْت طَالِقٌ فَقَالَتْ لَمْ أَدْخُلْهَا، وَقَالَ الزَّوْجُ بَلْ دَخَلْتِيهَا فَالْقَوْلُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهَا، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدُّخُولِ لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا، وَأَقْوَى مِنْهُ لَوْ قَالَ لَهَا إنْ لَمْ أُجَامِعْك فِي حَيْضَتِك فَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ جَامَعَهَا مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ كَوْنُ الْأَصْلِ عَدَمَ الْعَارِضِ، وَكَوْنُ الْحُرْمَةِ مَانِعَةً لَهُ مِنْ الْجِمَاعِ قَيَّدَ بِالشَّرْطِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَوْ كَانَ فِي وَقْتِ الْمُضَافِ كَانَ الْقَوْلُ لَهَا كَمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ جَامَعْتُك، وَهِيَ طَاهِرَةٌ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إنْشَاءُ الْجِمَاعِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ شَرْعًا أَمَّا إذَا كَانَتْ طَاهِرَةً فَلِكَوْنِهِ اعْتَرَفَ بِالسَّبَبِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُضَافَ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْحَالِ بِخِلَافِ الْمُعَلَّقِ، وَفِي الْكَافِي مِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْت طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ لَا يَقَعُ إلَّا فِي
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ طَلَقَتْ الشَّابَّةُ فِي الْحَالِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَا دَامَتَا حَيَّتَيْنِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَإِنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا تَكُونُ الْبَاقِيَةُ أَطْوَلَهُمَا حَيَاةً، وَلَا يُنْظَرُ إلَى السِّنِّ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْيَتِيمَةِ قَالَ وَأَنْشَدَ لَنَا شِعْرًا
وَإِنَّ حَيَاةَ الْمَرْءِ بَعْدَ عُدُوِّهِ ... وَلَوْ سَاعَةً مِنْ عُمْرِهِ لَكَثِيرٌ
стр. 1194
طُهْرٍ خَالٍ عَنْ الطَّلَاقِ وَالْوَطْءِ عَقِيبَ حَيْضٍ خَالٍ عَنْ الطَّلَاقِ وَالْوَطْءِ فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، وَادَّعَى الزَّوْجُ جِمَاعَهَا وَطَلَاقَهَا فِي الْحَيْضِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مَنْعِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ لِانْعِقَادِ الْمُضَافِ سَبَبًا لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يَتَرَاخَى حُكْمُهُ فَقَطْ فَدَعْوَى الطَّلَاقِ أَوْ الْجِمَاعِ بَعْدَهُ دَعْوَى الْمَانِعِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مَنْعِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ لَكِنْ يَقَعُ طَلَاقٌ آخَرُ بِإِقْرَارِهِ بِالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، وَإِنْ ادَّعَى الطَّلَاقَ أَوْ الْجِمَاعَ، وَهِيَ حَائِضٌ صُدِّقَ.
وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُجَامِعْك فِي حَيْضَتِك فَأَنْت طَالِقٌ فَادَّعَى الْجِمَاعَ فِي الْحَيْضِ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصَرِيحِ الشَّرْطِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرْطِ لِمَا عُرِفَ فَإِذَا أَنْكَرَ الشَّرْطَ فَقَدْ أَنْكَرَ السَّبَبَ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَضَتْ الْمُدَّةُ ثُمَّ ادَّعَى قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ سَبَبٌ فِي الْحَالِ لَكِنْ تَرَاخَى وُقُوعُ الطَّلَاقِ إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَقَدْ مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَوَقَعَ ظَاهِرًا فَدَعْوَى الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ دَعْوَى الْمَانِعِ فَلَا يُقْبَلُ، وَلَوْ ادَّعَى الْقُرْبَانَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بَعْدُ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَمَّا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ أَقْرَبْكِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَنْت طَالِقٌ فَمَضَتْ الْمُدَّةُ ثُمَّ ادَّعَى الْقُرْبَانَ فِي الْمُدَّةِ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصَرِيحِ الشَّرْطِ فَمَتَى أَنْكَرَ الشَّرْطَ فَقَدْ أَنْكَرَ السَّبَبَ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ طَلَّقْتُك ثُمَّ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي فِي الْمَجْلِسِ، وَادَّعَى أَنَّك أَخَذْت فِي عَمَلٍ آخَرَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، وَأَنْكَرَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ لِأَنَّ سَبَبَ الطَّلَاقِ وُجِدَ، وَالظَّاهِرُ وُقُوعُهُ فَدَعْوَاهُ الْإِعْرَاضَ دَعْوَى الْمُبْطِلِ فَلَا يُقْبَلُ، وَإِذَا ثَبَتَ الطَّلَاقُ ثَبَتَ الْعِتْقُ لِبِنَائِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ تَشْتَغِلِي بِعَمَلٍ آخَرَ فَادَّعَى الِاشْتِغَالَ بِعَمَلٍ آخَرَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ لَا يَعْتِقُ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شَرْطَ الْعِتْقِ، وَتَطْلُقُ لِمَا مَرَّ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْبَائِعٍ ثُمَّ قَالَ إنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَنَا فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَمَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ ثُمَّ ادَّعَى النَّقْضَ فِي الْمُدَّةِ لَا يُقْبَلُ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ وَالْعِتْقُ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا مَضَتْ فَالظَّاهِرُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ نَظَرًا إلَى السَّبَبِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ ثَبَتَ الْعِتْقُ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَنْقُضْ الْبَيْعَ فِي الثَّلَاثِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَادَّعَى النَّقْضَ بَعْدَهُ لَمْ يَعْتِقْ لِإِنْكَارِهِ شَرْطَ الْعِتْقِ، وَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لِمَا مَرَّ. اهـ.
وَفِيهِ مِنْ آخِرِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ لَوْ قَالَ كُلُّ أَمَةٍ لِي حُرَّةٌ إلَّا أُمَّهَاتِ أَوْلَادِي ثُمَّ ادَّعَى أُمِّيَّةَ الْوَلَدِ فِيهِنَّ أَوْ بَعْضُهُنَّ لَا يُصَدَّقُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُنَّ وَلَدٌ أَوْ لَا، وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا أَوْجَبَ الْعِتْقَ بِلَفْظٍ عَامٍّ، وَاسْتَثْنَى بِوَصْفٍ خَاصٍّ ثُمَّ ادَّعَى وُجُودَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ عَارِضًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا قُبِلَ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ.
وَإِنْ أَوْجَبَ الْعِتْقَ بِلَفْظٍ خَاصٍّ ثُمَّ أَنْكَرَ وُجُودَ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْإِعْتَاقَ أَصْلًا، وَهُنَا أَوْجَبَ الْعِتْقَ بِلَفْظٍ عَامٍّ، وَاسْتَثْنَى بِوَصْفٍ خَاصٍّ عَارِضِيٍّ فَكَانَ مُدَّعِيًا إبْطَالَ الْعِتْقِ الثَّابِتِ أَصْلًا فَلَمْ يُصَدَّقْ، وَقِيَامُ الْوَلَدِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ لِحُصُولِ الدَّعْوَةِ فِي مِلْكِهِ، وَعِتْقِ الْوَلَدِ، وَلَمْ تَصِرْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِالْإِيجَابِ الْعَامِّ، وَلَوْ عَرَفَ دَعْوَى النَّسَبِ مِنْ الْمَوْلَى قَبْلَ الْخُصُومَةِ، وَاخْتَلَفُوا فَقَالَ الْمَوْلَى كُنْت ادَّعَيْت قَبْلَ الْيَمِينِ، وَلَمْ تَعْتِقْ الْأَمَةُ، وَقَالَتْ الْأَمَةُ ادَّعَيْت بَعْدَ الْيَمِينِ، وَقَدْ عَتَقَتْ فَالْقَوْلُ لِلْمَوْلَى لِأَنَّ أُمِّيَّةَ الْوَلَدِ تَثْبُتُ فِي الْحَالِ، وَالْحَالُ يَدُلُّ عَلَى مَا قَبْلَهُ لِمَا عُرِفَ فَإِنْ قِيلَ لِلْأَمَةِ ظَاهِرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ قُلْنَا هِيَ بِظَاهِرِهَا تُثْبِتُ الِاسْتِحْقَاقَ، وَهُوَ يَدْفَعُ، وَلَوْ قَالَ إلَّا أَمَةً خَبَّازَةً أَوْ اشْتَرَيْتهَا مِنْ زَيْدٍ أَوْ نَكَحْتهَا الْبَارِحَةَ أَوْ إلَّا ثَيِّبًا، وَادَّعَى ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةٌ عَارِضَةٌ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يُرِيهَا النِّسَاءَ فَإِنْ قُلْنَ ثَيِّبٌ لَا تَعْتِقُ، وَيَحْلِفُ السَّيِّدُ لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَعِيفَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مُؤَيِّدٍ، وَهُوَ حَلِفُ الْمَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَ بِكْرٌ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِنَّ عَتَقَتْ بِالْإِيجَابِ الْعَامِّ لِعَدَمِ صِفَةِ ثُبُوتِ الْمُسْتَثْنَى، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَخَاصَمَ وَاخْتَلَفُوا فَقَالَ أَصَبْتهَا قَبْلَ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1195
الْحَلِفِ، وَقَالَتْ أَصَبْتنِي بَعْدَ الْحَلِفِ فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ إلَّا أَمَةً بِكْرًا أَوْ لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْ فُلَانٍ أَوْ لَمْ أَطَأْهَا الْبَارِحَةَ أَوْ إلَّا خُرَاسَانِيَّةً ثُمَّ ادَّعَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةٌ أَصْلِيَّةٌ إذْ الْأَصْلُ هِيَ الْبَكَارَةُ، وَعَدَمُ الْوِلَادَةِ، وَعَدَمُ الشِّرَاءِ مِنْ فُلَانٍ، وَعَدَمُ الْوَطْءِ، وَكَذَا الْخُرَاسَانِيَّةُ لِأَنَّ الْخُرَاسَانِيَّةَ مَنْ يَكُونُ مَوْلِدُهَا بِخُرَاسَانَ فَكَانَتْ صِفَةً أَصْلِيَّةً مُقَارِنَةً لِحُدُوثِ الذَّاتِ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ أَمَةٍ لِي بِكْرٌ أَوْ ثَيِّبٌ أَوْ اشْتَرَيْتهَا مِنْ فُلَانٍ أَوْ لَمْ اشْتَرِهَا مِنْهُ أَوْ نَكَحْتهَا الْبَارِحَةَ أَوْ وَلَدَتْ مِنِّي أَوْ لَمْ تَلِدْ مِنِّي أَوْ خَبَّازَةٌ أَوْ غَيْرُ خَبَّازَةٍ فَهِيَ حُرَّةٌ ثُمَّ أَنْكَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِتْقَ بِوَصْفٍ خَاصٍّ ثُمَّ أَنْكَرَ وُجُودَ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. اهـ.
وَيَجْرِي هَذَا فِي الطَّلَاقِ أَيْضًا فَلَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ إلَّا امْرَأَةً خَبَّازَةً أَوْ وَطِئْتهَا الْبَارِحَةَ، وَنَحْوُهُ، وَادَّعَى ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ إلَى آخَرِ الْمَسَائِلِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِعَدَمِ وُصُولِ نَفَقَتِهَا شَهْرًا ثُمَّ ادَّعَى الْوُصُولَ، وَأَنْكَرَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهَا فِي عَدَمِ وُصُولِ الْمَالِ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ فَقَالَ إنْ لَمْ تَصِلْ نَفَقَتِي إلَيْك عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ فَادَّعَى الزَّوْجُ الْوُصُولَ، وَأَنْكَرَتْ هِيَ فَالْقَوْلُ لَهُ اهـ.
لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَدَّعِي إيفَاءَ حَقٍّ، وَهِيَ تُنْكِرُ كَمَا قُبِلَ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ وُصُولِ الْمَالِ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمُتُونِ، وَكَأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ قَبُولِ قَوْلِهَا فِي عَدَمِ وُصُولِ الْمَالِ.
وَهَذَا التَّقْرِيرُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّرْحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا بَرْهَنَتْ) أَيْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ لِأَنَّهَا نَوَّرَتْ دَعْوَاهَا بِالْحُجَّةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ عَدَمِيًّا فَإِنَّ بُرْهَانَهَا عَلَيْهِ مَقْبُولٌ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الشَّرْطُ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ كَانَ نَفْيًا كَمَا لَوْ قَالَ لِقِنِّهِ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَأَنْت حُرٌّ فَبَرْهَنَ الْقِنُّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا يَعْتِقُ قِيلَ فَعَلَى هَذَا لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إنْ ضَرَبَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ ثُمَّ ضَرَبَهَا، وَقَالَ ضَرَبْتهَا بِجِنَايَةٍ وَبَرْهَنَتْ أَنَّهُ ضَرَبَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَتُهَا، وَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى النَّفْيِ لِقِيَامِهَا عَلَى الشَّرْطِ حَلَفَ إنْ لَمْ تَجِئْ صِهْرَتِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَامْرَأَتِي كَذَا فَشَهِدَ أَنَّهُ حَلَفَ كَذَا، وَلَمْ تَجِئْ صِهْرَتُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَطَلَقَتْ امْرَأَتُهُ تُقْبَلُ لِأَنَّهَا عَلَى النَّفْيِ صُورَةً، وَعَلَى إثْبَاتِ الطَّلَاقِ حَقِيقَةً، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَقَاصِدِ لَا لِلصُّورَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ) ذَكَرَ فِيهَا مِنْ بَابِ التَّفْوِيضِ مَا نَصُّهُ ع إنْ غِبْت عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ تَصِلْ إلَيْك النَّفَقَةُ فَالْأَمْرُ بِيَدِك ثُمَّ اخْتَلَفَا بَعْدَ مُضِيِّهَا فِي وُصُولِ النَّفَقَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمَرْأَةِ ص مِثْلُهُ م عَلَى الْعَكْسِ. اهـ.
وَالرَّمْزُ الْأَوَّلُ لِلْعُيُونِ وَالثَّانِي لِلْأَصْلِ وَالثَّالِثُ لِلْمُنْتَقَى (قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ جَزَمَ هَذَا الشَّارِحُ فِي فَتَاوَاهُ بِمَا يَقْتَضِيه كَلَامُ أَصْحَابِ الْمُتُونِ، وَالشُّرُوحِ لِأَنَّهَا الْكُتُبُ الْمَوْضُوعَةُ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا لَا يَخْفَى كَذَا ذَكَرَ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ، وَأَقُولُ: قَالَ فِي الْفَيْضِ لِلْكَرْكِيِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. اهـ.
وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُتُونِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ دَعْوَى إيصَالِ مَالٍ فَتَأَمَّلْ، وَفِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَجَعَلَ الثَّالِثَ رَامِزًا لِلذَّخِيرَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ، وَأَقُولُ: هَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي، وَسَطٌ، وَالْحَاصِل أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا كَثِيرًا، وَقَدْ كَتَبْنَا أَيْضًا شَيْئًا عَلَى جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَمَا اخْتَارَهُ الْمُحَشِّي هُوَ مَا عَلَيْهِ الْمُتُونُ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ صَاحِبَ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ الزَّوْجُ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْحُكْمَ ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الذَّخِيرَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ لِلزَّوْجِ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ لَا فِي حَقِّ وُصُولِ النَّفَقَةِ إلَيْهِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْحُكْمَ أَيْ حُكْمَ التَّعْلِيقِ، وَهُوَ الْحِنْثُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ أَمَّا كَوْنُ الْقَوْلِ لَهُ فِي وُصُولِ النَّفَقَةِ إلَيْهَا أَيْضًا فَلَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا عَلَّقَ عَلَى عَدَمِ أَدَاءِ الدَّيْنِ لِدَائِنِهِ فِي، وَقْتِ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْقَوْلُ لِلْحَالِفِ فِي الْأَدَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَا فِي الذَّخِيرَةِ تَفْصِيلٌ، وَبَيَانٌ لِهَذَا الْقَوْلِ لَا قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُتُونِ، وَأَفْتَى بِهِ فِي فَتَاوَاهُ لَكِنْ أَخَّرَ كَلَامًا هُنَا يُفِيدُ تَرْجِيحَ الْقَوْلِ الْآخَرِ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ مِنْ أَنَّ التَّصْحِيحَ الصَّرِيحَ أَقْوَى مِنْ الِالْتِزَامِيِّ، وَعَلَى مَا قَالَهُ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِقَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ مَا يُخَالِفُهُ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ) عِبَارَتُهُ هُنَاكَ، وَإِنْ ادَّعَى وُصُولَ النَّفَقَةِ إلَيْهَا، وَادَّعَتْ حُصُولَ الشَّرْطِ قِيلَ الْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْوُقُوعَ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ وُصُولُ النَّفَقَةِ إلَيْهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي هَذَا، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَدَّعِي إيفَاءَ حَقٍّ، وَهِيَ تُنْكِرُ
стр. 1196
أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَاسْتَثْنَى وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ إثْبَاتِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا نَفْيٌ إذْ غَرَضُهُمَا إثْبَاتُ إسْلَامِهِ ثُمَّ رُقِمَ بِعَلَامَةِ مح قَالَ تُقْبَلُ عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا اهـ.
فَإِنْ قُلْت سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ فَشَهِدَا بِنَحْرِهِ فِي الْكُوفَةِ لَمْ يَعْتِقْ يَعْنِي عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَعَلَّلُوا لَهُمَا بِأَنَّهَا شَهَادَةُ نَفْيٍ مَعْنًى لِأَنَّهَا بِمَعْنًى لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ عَلَى الشَّرْطِ قُلْت قَدْ اخْتَلَفُوا فِي بِنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقِيلَ إنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ الدَّعْوَى فِي شَهَادَةِ عِتْقِ الْقِنِّ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وُضِعَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْأَمَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَعْتِقَ وِفَاقًا إذْ دَعْوَاهَا الْعِتْقَ لَا يُشْتَرَطُ اهـ.
فَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ، وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا نَفْيُ الْحَجِّ لَا إثْبَاتُ التَّضْحِيَةِ لِأَنَّهَا لَا مُطَالِبَ بِهَا فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ مِمَّا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ نَفْيٍ، وَنَفْيٍ تَيْسِيرًا اهـ. فَمُشْكِلٌ.
وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَوْجَهُ ظَاهِرُهُ تَسْلِيمُ أَنَّهَا عَلَى الشَّرْطِ مَقْبُولَةٌ، وَلَوْ نَفْيًا، وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الشَّرْطَ قَدْ وُجِدَ، وَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ لَهُ إلَّا إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ دَعْوَى الْمَرْأَةِ لِلطَّلَاقِ، وَلَا أَنْ تُبَرْهِنَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ تُقْبَلُ حِسْبَةً بِلَا دَعْوَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى صَحَّ تَحْضُرُ الْمَرْأَةُ لِيُشِيرَ إلَيْهَا الشُّهُودُ ط لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ فَقَالَتْ لَمْ يُطَلِّقْنِي، وَقَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ اسْمُهَا فُلَانَةَ، وَشَهِدَا أَنَّ اسْمَهَا فُلَانَةُ فَالْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَيُمَاثِلُهُ عِتْقُ الْأَمَةِ فَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ حَرَّرَهَا، وَأَنَّ اسْمَهَا كَذَا، وَقَالَتْ لَمْ يُحَرِّرْنِي فَالْقَاضِي يَحْكُمُ بِعِتْقِهَا، وَالشَّهَادَةُ بِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ بِدُونِ الدَّعْوَى تُقْبَلُ، وَيُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ بِدُونِ الدَّعْوَى فِي الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ، وَفِي عِتْقِ الْأَمَةِ وَالطَّلَاقِ بِدُونِ الدَّعْوَى قِيلَ يَحْلِفُ، وَقِيلَ لَا فَلْيُتَأَمَّلْ عِنْدَ الْفَتْوَى كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَفِي الْقُنْيَةِ ادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَالزَّوْجُ يَقُولُ طَلَّقْتهَا بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَالْبَيِّنَةُ فِيهِ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ، وَلَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَيَثْبُتُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، وَتَطْلُقُ بِأَيِّهِمَا كَانَ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ شَرِبْت مُسْكِرًا بِغَيْرِ إذْنِك فَأَمْرُك بِيَدِك فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ، وَأَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ بِإِذْنِهَا فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ أَوْلَى. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَمَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا فَالْقَوْلُ لَهَا فِي حَقِّهَا كَأَنْ حِضْت فَأَنْت طَالِقٌ، وَفُلَانَةُ أَوْ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي فَأَنْت طَالِقٌ وَفُلَانَةُ فَقَالَتْ حِضْت أَوْ أُحِبُّك طَلَقَتْ هِيَ فَقَطْ) عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ مَأْمُورَةٌ بِإِظْهَارِ مَا فِي رَحِمِهَا، وَفَائِدَتُهُ تَرْتِيبُ أَحْكَامِ الطُّهْرِ، وَهُوَ فَرْعُ قَبُولِ قَوْلِهَا كَمَا قُبِلَ إخْبَارُهَا بِالْحَيْضِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَحُرْمَةِ جِمَاعِهَا وَبِالطُّهْرِ، وَبِقَوْلِهَا طَهُرَتْ فِي حِلِّهِ، وَهِيَ مُتَّهَمَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهَا إنْ كَذَّبَهَا الزَّوْجُ، وَإِنْ صَدَّقَهَا طَلَقَتْ فُلَانَةُ أَيْضًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي حَقِّهَا شَرْعًا الْإِخْبَارُ بِهِ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ، وَفِي حَقِّ ضَرَّتِهَا مُتَّهَمَةٌ، وَشَهَادَتُهَا عَلَى ذَلِكَ شَهَادَةُ فَرْدٍ، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ اقْتَصَرَ عَلَى نَصِيبِهِ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ الْبَاقُونَ، وَالْمُشْتَرِي إذَا أَقَرَّ بِالْمَبِيعِ لِمُسْتَحِقٍّ لَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُقِرَّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَمْ يَتَعَدَّ ضَرَرُ إقْرَارِهِ إلَى أَحَدٍ، وَهُنَا تَعَدَّى إلَى الزَّوْجِ بِقَطْعِ الْعِصْمَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُتَّهَمَةً فِي حَقِّ نَفْسِهَا أَيْضًا، وَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْحَيْضِ عِنْدَ الْإِخْبَارِ أَمَّا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فَلَا لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ فَيُشْتَرَطُ قِيَامُ الشَّرْطِ بِخِلَافِ إنْ حِضْت حَيْضَةً حَيْثُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ لَا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَيَثْبُتُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ إلَخْ) أَقُولُ: رَأَيْت فِي نُسْخَتِي الْقُنْيَةِ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ مَكْتُوبًا عَلَى هَامِشِهَا مَا نَصُّهُ هَذَا خِلَافُ رِوَايَةِ الْفُصُولِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ فِي هَذَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ الْيَمِينِ تَأَمَّلْ جِدًّا اهـ.
مَا رَأَيْته أَقُولُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ الْحَلِفِ، وَاخْتَلَفَا فِي الْقَيْدِ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ، وَالزَّوْجُ يَدَّعِي وُجُودَ الْقَيْدِ، وَهِيَ تُنْكِرُهُ فَكَأَنَّهُ يَدَّعِي بِذَلِكَ عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَهِيَ تَدَّعِي وُقُوعَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ وَيَشْمَلُ مَا إذَا ادَّعَى الِاسْتِثْنَاءَ، وَأَنْكَرَتْهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ وَكَذَا فِي دَعْوَى الشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ وَبِالطُّهْرِ، وَبِقَوْلِهَا طَهُرْت فِي حِلِّهِ) كَذَا فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ النُّسَخِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ، وَبِقَوْلِهَا زَائِدَةٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ لِأَنَّ الْمَعْنَى، وَكَمَا قُبِلَ إخْبَارُهَا
стр. 1197
لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ الشَّرْطِ حَالَ عَدَمِهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهَا أَمِينَةً فِيمَا تُخْبِرُ بِهِ عَنْ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ ضَرُورَةَ إقَامَةِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا فَمَا دَامَتْ الْأَحْكَامُ قَائِمَةً كَانَ الِاسْمَانِ قَائِمَيْنِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَتُصَدَّقُ.
وَإِذَا كَانَتْ الْأَحْكَامُ مُنْقَضِيَةً كَانَ الِاسْمَانِ غَيْرَ ثَابِتَيْنِ فَلَا تُصَدَّقُ بِخِلَافِ الْمُودَعِ لَوْ قَالَ رَدَدْتهَا أَوْ هَلَكَتْ يُصَدَّقُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِتَصْدِيقِهِ قِيَامُ الْأَمَانَةِ لِأَنَّهُ صَارَ أَمِينًا مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْمَالِ صَرِيحًا، وَابْتِدَاءً لَا لِضَرُورَةٍ حَيْثُ ائْتَمَنَهُ صَاحِبُ الْمَالِ مُطْلَقًا كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ حِضْت لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ فَقَالَتَا حِضْنَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُمَا فَإِنْ صَدَّقَ إحْدَاهُمَا، وَكَذَّبَ الْأُخْرَى طَلَقَتْ الْمُكَذَّبَةُ، وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا فَقَالَ ذَلِكَ فَقُلْنَ حِضْنَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إلَّا أَنْ يُصَدِّقْهُنَّ، وَكَذَا إنْ صَدَّقَ إحْدَاهُنَّ فَإِنْ صَدَّقَ ثِنْتَيْنِ فَقَطْ طَلَقَتْ الْمُكَذَّبَةُ دُونَ الْمُصَدَّقَاتِ، وَلَوْ كُنَّ أَرْبَعًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَمْ يُطَلَّقْنَ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُنَّ، وَكَذَا إنْ صَدَّقَ إحْدَاهُنَّ أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا فَقَطْ طَلَقَتْ الْمُكَذَّبَةُ دُونَ الْمُصَدَّقَاتِ، وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ مِنْ الشَّرْحِ، وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ لِنِسَائِهِ الْأَرْبَعِ إذَا حِضْتُنَّ حَيْضَةً فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ فَقَالَتْ وَاحِدَةٌ حِضْت حَيْضَةً، وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ طَلَقْنَ لِأَنَّ شَرْطَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِنَّ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُنَّ عَلَى حَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَجَازًا عَنْ حَيْضَةِ إحْدَاهُنَّ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً، وَأَنْتُمَا طَالِقَانِ فَحَاضَتْ إحْدَاهُمَا طَلَقَتَا، وَإِنْ كَذَّبَهَا طَلَقَتْ وَحْدَهَا تَطْلِيقَةً لِأَنَّهَا مُصَدَّقَةٌ فِي حَقِّهَا دُونَ ضِرَّاتِهَا.
وَلَوْ قَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ حِضْت حَيْضَةً طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَطْلِيقَةً صَدَّقَهَا الزَّوْجُ أَوْ كَذَّبَهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مُصَدَّقَةٌ شَرْعًا فِيمَا بَيْنَهَا، وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا حِضْتُنَّ حَيْضَةً فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ فَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ حِضْت حَيْضَةً فَإِنْ كَذَّبَهُنَّ طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَطْلِيقَةً لِأَنَّهُ ثَبَتَ حَيْضَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ نَفْسِهَا خَاصَّةً دُونَ صَوَاحِبِهَا فَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَّا شَرْطُ طَلَاقِ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً دُونَ الثَّلَاثِ طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ ثِنْتَيْنِ، وَالْمُصَدَّقَةُ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُصَدَّقَةِ دُونَ حَقِّ صَوَاحِبِهَا، وَثَبَتَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُكَذَّبَاتِ حَيْضَتَانِ حَيْضُهَا بِإِخْبَارِهَا، وَحَيْضَةُ الْمُصَدَّقَةِ بِالتَّصْدِيقِ، وَإِنْ صَدَّقَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ طَلَقَتْ كُلُّ مُصَدِّقَةٍ ثِنْتَيْنِ لِوُجُودِ حَيْضَتَيْنِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ حَيْضَتُهَا، وَحَيْضَةُ صَاحِبَتِهَا الْمُصَدَّقَةِ، وَكُلُّ مُكَذَّبَةٍ ثَلَاثًا لِوُجُودِ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي حَقِّهَا حَيْضَتِهَا، وَحَيْضَتَيْ الْمُصَدَّقَتَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا لِثُبُوتِ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي حَقِّ الْمُصَدَّقَاتِ، وَأَرْبَعِ حِيَضٍ فِي حَقِّ الْمُكَذَّبَةِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوُقُوعَ عَلَى الضَّرَّةِ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي تَصْدِيقِهِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَ الْحَيْضِ مِنْهَا أَمَّا إذَا عَلِمَ طَلَقَتْ فُلَانَةُ أَيْضًا كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ إلَّا مِنْهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهَا تَوَقَّفَ الْوُقُوعُ عَلَى تَصْدِيقِهِ أَوْ الْبَيِّنَةُ كَالدُّخُولِ وَالْكَلَامِ اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا فَقَالَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَلَا يَشْمَلُ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ بِغَيْرِ إذْنِهَا لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إنْ شَرِبْت مُسْكِرًا بِغَيْرِ إذْنِك فَأَمْرُك بِيَدِك، وَشَرِبَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَالْبَيِّنَةُ لَهَا. اهـ.
وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ إنْ ذَهَبْت إلَى بَيْتِ أَبِي بِغَيْرِ إذْنِك فَأَنْت طَالِقٌ فَادَّعَى إذْنَهَا، وَأَنْكَرَتْ فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ اهـ.
مَعَ أَنَّ الْإِذْنَ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْهَا، وَلَكِنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ
ــ
[منحة الخالق]
بِالطُّهْرِ بِقَوْلِهَا طَهُرْت فِي حِلِّ الْجِمَاعِ (قَوْلُهُ وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ مِنْ الشَّرْحِ) قَالَ فِيهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ حَيْضَ جَمِيعِهِنَّ شَرْطٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِنَّ، وَلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ حَتَّى تَرَى جَمِيعَهُنَّ الْحَيْضَ، وَإِنْ حَاضَتْ بَعْضُهُنَّ يَكُونُ ذَلِكَ بَعْضَ الْعِلَّةِ، وَهِيَ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْحُكْمُ فَإِنْ قُلْنَ جَمِيعًا قَدْ حِضْنَا لَا يَثْبُتُ حَيْضُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا فِي حَقِّهَا، وَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُنَّ فَيَثْبُتَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْبَعْضَ، وَكَذَّبَ الْبَعْضَ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ الْمُكَذَّبَةُ وَاحِدَةً طَلَقَتْ هِيَ وَحْدَهَا لِتَمَامِ الشَّرْطِ فِي حَقِّهَا لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا، وَقَدْ صَدَّقَ غَيْرَهَا فَتَمَّ الشَّرْطُ فِيهَا، وَلَا يُطَلِّقُ غَيْرَهَا لِأَنَّ الْمُكَذَّبَةَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّ غَيْرِهَا فَلَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ فِي حَقِّ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَذَّبَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُكَذَّبَاتِ لَمْ يَثْبُتْ حَيْضُهَا إلَّا فِي حَقِّ نَفْسِهَا فَكَانَ الْمَوْجُودُ بَعْضَ الْعِلَّةِ، وَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ حَتَّى يُصَدِّقَ غَيْرَهَا جَمِيعًا (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُصَدَّقَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْحَيْضَ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُصَدَّقَةِ دُونَ حَيْضِ صَوَاحِبِهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهَا لِتَكْذِيبِهِنَّ بَلْ ثَبَتَ حَيْضُهُنَّ فِي حَقِّهِنَّ فَقَطْ (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُوَقَّعَ عَلَى الضَّرَّةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يُنَافِيه مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ.
وَمَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا إلَخْ إذْ ذَاكَ فِيمَا إذَا أَشْكَلَ أَمْرُهَا، وَذَا فِيمَا لَمْ يُشْكِلْ بِأَنْ أَخْبَرَتْ فِي، وَقْتِ عِدَّتِهَا الْمَعْرُوفَةِ لِزَوْجِهَا وَضِرَّتِهَا، وَشُوهِدَ الدَّمُ مِنْهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَكٌّ تَأَمَّلْ
стр. 1198
بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ، وَمِنْ قَبِيلِ الدُّخُولِ وَالْكَلَامِ مَا لَوْ عَلَّقَ بِقَوْلِهِ إنْ كُنْت جَائِعَةً فِي بَيْتِي قَالَ قَاضِي خَانْ إنْ لَمْ تَكُنْ جَائِعَةً فِي غَيْرِ الصَّوْمِ لَا يَكُونُ حَانِثًا، وَمِنْهُ مَا لَوْ عَلَّقَهُ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ أُشْبِعْك مِنْ الْجِمَاعِ قَالَ الْقَاضِي إنْ جَامَعَهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ فَقَدْ أَشْبَعَهَا. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ، وَالْمَسَرَّةُ كَالْمَحَبَّةِ، وَكَذَا الْغَيْرَةُ بِاللِّسَانِ لَا بِالْقَلْبِ. اهـ.
وَقَدْ سَوَّى الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْحَيْضِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ إلَّا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَحَبَّةِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ تَخْيِيرًا حَتَّى لَوْ قَامَتْ، وَقَالَتْ أُحِبُّك لَا تَطْلُقُ، وَالتَّعْلِيقُ بِالْحَيْضِ لَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا إذَا كَانَتْ كَاذِبَةً فِي الْإِخْبَارِ تَطْلُقُ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَحَبَّةِ لِمَا قُلْنَا، وَفِي التَّعْلِيقِ بِالْحَيْضِ لَا تَطْلُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَحِلَّ وَطْؤُهَا دِيَانَةً لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ أَحَدٍ لَا مِنْ قِبَلِهَا، وَلَا مِنْ قِبَلِ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْقَلْبَ يَتَقَلَّبُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى شَيْءٍ فَلَمَّا لَمْ يُوقَفْ عَلَيْهَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِإِخْبَارِهَا لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهَا لِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لَا تُنَاطُ بِأَحْكَامٍ خَفِيَّةٍ.
وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ إنْ كُنْت أَنَا أُحِبُّ كَذَا ثُمَّ قَالَ لَسْت أُحِبُّهُ، وَهُوَ كَاذِبٌ فَهِيَ امْرَأَتُهُ يَسَعُهُ وَطْؤُهَا دِيَانَةً قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا فِي قَلْبِهِ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا فِي قَلْبِهَا لَكِنَّ الطَّرِيقَ مَا قُلْنَا إنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ إنْ كُنْت تُبْغِضِينِي، وَلَوْ قَالَ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي بِقَلْبِك فَقَالَتْ أُحِبُّك طَلَقَتْ دِيَانَةً وَقَضَاءً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِعْلُ الْقَلْبِ فَكَانَ إطْلَاقُهَا، وَتَقْيِيدُهَا بِالْقَلْبِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَطْلُقُ دِيَانَةً لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَجُعِلَ اللِّسَانُ خَلَفًا عَنْهُ، وَعِنْدَ التَّقْيِيدِ بِالْقَلْبِ تَبْطُلُ الْخَلْفِيَّةُ فَيَبْقَى الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْأَصْلِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيقِ بِمَحَبَّتِهَا إيَّاهُ أَوْ بِمَحَبَّتِهَا فِرَاقَهُ، وَذَكَرَهُ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَقَالَ: وَفِي التَّبْصِرَةِ لِلَّخْمِيِّ قَالَ لَهَا إنْ كُنْت تُحِبِّينَ فِرَاقِي فَأَنْت طَالِقٌ فَقَالَتْ أُحِبُّ ثُمَّ قَالَتْ كُنْت لَاعِبَةً قَالَ أَرَى أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ الْأَنْوَارِ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ مَسْأَلَةَ مَا إذَا قَالَ إنْ كُنْت تُحِبِّينَ الطَّلَاقَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ فَكَانَ مَنْقُولًا عَنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا، وَأَطْلَقَ فِي الْمَحَبَّةِ فَشَمِلَ مَا إذَا قَالَ إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا لِأَنَّهَا لِشِدَّةِ بُغْضِهَا إيَّاهُ قَدْ تُحِبُّ التَّخَلُّصَ مِنْهُ بِالْعَذَابِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ سَرَرْتُك فَأَنْت طَالِقٌ فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ سَرَّنِي قَالُوا لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا قَالَ مَوْلَانَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ السُّرُورَ مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِخَبَرِهَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كُنَّا نَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَأَنْت طَالِقٌ فَقَالَتْ أُحِبُّ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، وَلَوْ أُعْطِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ لَمْ يَسُرَّنِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا طَلَبَتْ الْأَلْفَيْنِ فَلَا يَسُرُّهَا الْأَلْفُ. اهـ.
قُلْت بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كُنَّا نَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا مَمْنُوعٌ لِمَا سَمِعْته عَنْ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ بِفِعْلٍ قَلْبِيٍّ، وَأَخْبَرَتْ بِهِ فَإِنْ تَيَقَّنَّا بِكَذِبِهَا لَمْ يَقَعْ، وَإِلَّا وَقَعَ، وَفِي الْبَدَائِعِ إنْ كُنْت تَكْرَهِينَ الْجَنَّةَ تَعَلَّقَ بِإِخْبَارِهَا بِالْكَرَاهَةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَصِلُ إلَى حَالَةٍ تَكْرَهُ الْجَنَّةَ فَقَدْ تَيَقَّنَّا بِكَذِبِهَا، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا تَكْرَهُ الْجَنَّةَ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْمَوْتِ، وَهِيَ تَكْرَهُهُ فَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِكَذِبِهَا، وَهَلْ تَكْفُرُ الْمَرْأَةُ بِقَوْلِهَا أَنَّا أُحِبُّ عَذَابَ جَهَنَّمَ، وَأَكْرَهُ الْجَنَّةَ قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا عَدَمُهُ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ أَشَدُّكُمَا حُبًّا لِلطَّلَاقِ، وَأَشَدُّكُمَا بُغْضًا لَهُ طَالِقٌ فَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَنَا أَشَدُّ حُبًّا فِي ذَلِكَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مُخَيَّرَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا شَاهِدَةٌ عَلَى صَاحِبَتِهَا بِمَا فِي ضَمِيرِهَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ قُلْت بَيْنَهُمَا فَرْقٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إيلَامَ الضَّرْبِ الْقَائِمِ بِهَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى كَذِبِهَا بِخِلَافِ مُجَرَّدِ مَحَبَّةِ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّيَقُّنِ بِكَذِبِهَا (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كُنَّا نَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا مَمْنُوعٌ) مُقْتَضَى كَلَامِهِ تَسْلِيمُ مَا فِي الْهِدَايَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ، وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي إلَخْ مَمْنُوعٌ تَأَمَّلْ
стр. 1199
لِأَنَّهَا تَقُولُ أَنَا أَشَدُّ حُبًّا مِنْهَا، وَهِيَ أَقَلُّ حُبًّا مِنِّي، وَهِيَ غَيْرُ مُصَدَّقَةٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى صَاحِبَتِهَا فَلَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِمَحَبَّتِهَا لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَهُ بِمَحَبَّةِ غَيْرِهَا فَظَاهِرُ مَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ إنْ لَمْ تَكُنْ أُمُّك تَهْوَى ذَلِكَ فَقَالَتْ الْأُمُّ أَنَا لَا أَهْوَى، وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ لَا تَطْلُقُ فَإِنْ صَدَّقَهَا طَلَقَتْ لِمَا عُرِفَ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ فُلَانٌ مُؤْمِنًا فَأَنْت طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ هَذَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ، وَلَا يُصَدَّقُ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ بَيْنَ مُسْلِمِينَ يُصَلِّي، وَيَحُجُّ، وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ لِي إلَيْك حَاجَةٌ فَاقْضِهَا لِي فَقَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَقْضِ حَاجَتُك فَقَالَ حَاجَتِي أَنْ تُطَلِّقَ زَوْجَتَك فَلَهُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ فِيهِ، وَلَا تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الْمَرْأَةِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ مُرَاهِقَةً لَمْ تَحِضْ بَعْدُ لِمَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمُرَاهِقَةِ إنْ حِضْت فَأَنْت طَالِقٌ فَقَالَتْ حِضْت أَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ الْمُرَاهِقِ إنْ احْتَلَمْت فَأَنْت حُرٌّ فَقَالَ احْتَلَمْت تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ، وَلَا يُصَدَّقُ الْغُلَامُ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ لِأَنَّ الْغُلَامَ يُنْظَرُ إلَيْهِ كَيْفَ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ، وَلَا يُسْتَطَاعُ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ لِأَنَّهَا تُدْخِلُ الدَّمَ فِي الْفَرْجِ فَلَا يُعْلَمُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ يُصَدَّقُ الْغُلَامُ أَيْضًا، وَهِيَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ كَالْحَيْضِ، وَلِذَلِكَ إذَا قَالَ احْتَلَمْت فِي حَالِ إشْكَالِ أَمْرِهِ يُصَدَّقُ فِيمَا لَهُ، وَفِيمَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ فَيُصَدَّقُ كَالْجَارِيَةِ. اهـ.
وَلَمْ أَرَ صَرِيحًا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قُبِلَ قَوْلُهَا فِي حَقِّهَا فِي الْحَيْضِ وَالْمَحَبَّةِ فَهَلْ يَكُونُ بِيَمِينِهَا أَوْ بِلَا يَمِينٍ، وَوَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ أَنَّهُ قَالَ صُدِّقَتْ فِي حَقِّهَا خَاصَّةً، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِإِخْبَارِهَا، وَقَدْ وُجِدَ.
وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّحْلِيفِ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِقَوْلِهَا، وَالتَّحْلِيفُ لِرَجَاءِ النُّكُولِ، وَهِيَ لَوْ أَخْبَرَتْ ثُمَّ قَالَتْ كُنْت كَاذِبَةً لَا يَرْتَفِعُ الطَّلَاقُ لِتَنَاقُضِهَا كَمَا سَيَأْتِي نَقْلُهُ عَنْ الْكَافِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ وَبِرُؤْيَةِ الدَّمِ لَا يَقَعُ فَإِنْ اسْتَمَرَّ ثَلَاثًا وَقَعَ مِنْ حِينِ رَأَتْ) يَعْنِي لَا يَقَعُ بِرُؤْيَتِهِ فِيمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِحَيْضِهَا سَوَاءٌ كَانَ بَانَ أَوْ بَقِيَ أَوْ مَعَ نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَيْضِك أَوْ مَعَ حَيْضِك أَوْ إنْ حِضْت لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ حَيْضًا حِينَئِذٍ فَإِذَا اسْتَمَرَّ حِينَئِذٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْ حِينِ رَأَتْ الدَّمَ لِأَنَّهُ بِالِامْتِدَادِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُعَيِّنَهُ فَيَقُولُ طَلَقَتْ مِنْ حِينِ رَأَتْ الدَّمَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِنَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّبْيِينِ، وَلِذَا قَالَ مِنْ حِينِ رَأَتْ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إنَّهُ تَبَيَّنَ بِالِانْتِهَاءِ أَنَّهُ حَيْضٌ مِنْ الِابْتِدَاءِ.
وَأَظْهَرُ مِنْهُ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لَهَا عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ حِضْت فَقَالَتْ رَأَيْت الدَّمَ، وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ لَا يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ حَتَّى يَسْتَمِرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَحْكُمَ بِعِتْقِهِ مِنْ حِينِ رَأَتْ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى يَسْتَمِرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالظَّاهِرُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الِاسْتِمْرَارُ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ يَكْفِي لِلدَّفْعِ فَيَدْفَعُ بِهِ الْعَبْدُ اسْتِخْدَامَ الْمَوْلَى عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَكْفِي لِلِاسْتِحْقَاقِ فَإِذَا اسْتَمَرَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيْضًا فَيَعْتِقُ مِنْ حِينِ رَأَتْ الدَّمَ حَتَّى لَوْ جَنَى أَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ كَانَ أَرْشُهُ أَرْشَ الْأَحْرَارِ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ عِتْقُهُ، وَلَا يَسْتَنِدُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ فُلَانٌ فِي الدَّارِ فَأَنْت حُرٌّ فَظَهَرَ ذَلِكَ فِي آخِرِ النَّهَارِ يَظْهَرُ عِتْقُهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتَى بِشَهْرٍ فَمَاتَ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ، وَقَدْ جَنَى الْعَبْدُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَبِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْعِتْقُ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا، وَالِاسْتِنَادُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَائِتِ، وَالْمُتَلَاشِي فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ انْقَطَعَ الدَّمُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ فَالْقَوْلُ لَهُمَا لِأَنَّ الزَّوْجَ أَقَرَّ بِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ ظَاهِرًا لِأَنَّ رُؤْيَةَ الدَّمِ فِي وَقْتِهِ يَكُونُ حَيْضًا، وَلِهَذَا تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ثُمَّ ادَّعَى عَارِضًا يَخْرُجُ الْمَرْئِيُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَلَا يُصَدَّقُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَكُنْ أُمُّك تَهْوَى ذَلِكَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ أَنَّهُ إنْ عَلَّقَ بِفِعْلِ الْغَيْرِ لَا يُصَدَّقُ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ أَمْ لَا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ الزَّوْجِ فَهُمَا أَوْ الْبَيِّنَةُ فِيمَا يَثْبُتُ بِهَا مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي يُعْلَمُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا) أَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَهَذَا فِي الْقَضَاءِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَيَنْبَغِي التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالْمَحَبَّةِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الطَّلَاقِ بِإِخْبَارِهَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمَحَبَّةِ أَمَّا فِي الْحَيْضِ فَلَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فِي الْإِخْبَارِ تَطْلُقُ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَحَبَّةِ، وَفِي التَّعْلِيقُ بِالْحَيْضِ لَا تَطْلُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَى آخِرِ مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ، وَفِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ نَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ رَمْزِ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ عَلَيْهَا الْيَمِينَ بِالْإِجْمَاعِ إذَا لَيْسَ هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ قَوْلِهِمْ كُلٌّ مِنْ قَبْلِ قَوْلِهِ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. اهـ.
قُلْت، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ كَيْفَ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهَا أَمِينَةً فِيمَا تُخْبِرُ بِهِ عَنْ الْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ، وَإِنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ شَرْعًا فِي حَقِّهَا الْإِخْبَارُ بِهِ، وَكَذَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهَا لَوْ أَخْبَرَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ لَا يَرْتَفِعُ الطَّلَاقُ فَإِنَّ هَذَا كَالصَّرِيحِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ نَعَمْ يُقَيَّدُ فِي الْحَيْضِ بِالْقَضَاءِ لَا الدِّيَانَةِ لِمَا عَلِمْت تَأَمَّلْ
стр. 1200
فَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، وَكَذَّبَهُ الْعَبْدُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَالْقَوْلُ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَالْقَوْلُ لِلْعَبْدِ. اهـ.
وَفِي الْكَافِي فِي مَسْأَلَةِ إنْ حِضْت فَعَبْدِي حُرٌّ، وَضَرَّتُك طَالِقٌ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فَقَالَتْ حِضْت وَصَدَّقَهَا أَنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِمْرَارِ يُمْنَعُ الزَّوْجُ عَنْ وَطْءِ الْمَرْأَةِ وَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ فِي الثَّلَاثَةِ لِاحْتِمَالِ الِاسْتِمْرَارِ فَلَوْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ قَالَتْ كَانَ الطُّهْرُ قَبْلَ الدَّمِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ تُصَدَّقْ لِأَنَّهُ بَعْدَ إقْرَارِهَا بِالْحَيْضِ رُجُوعٌ بِخِلَافِهِ بَعْدَ إقْرَارِهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ، وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ الدَّمَ كَانَ قَبْلَهُ الطُّهْرُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَتْ بَلْ عِشْرِينَ فَالْقَوْلُ لَهَا، وَلَوْ قَالَ: وَهِيَ حَائِضٌ إنْ طَهُرْت فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَالَتْ طَهُرْت بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ لَا يَعْتِقُ، وَإِنْ صَدَّقَهَا أَوْ مَضَتْ الْعَشَرَةُ عَتَقَ، وَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ الْعَشَرَةِ عَاوَدَنِي الدَّمُ فِي الْعَشَرَةِ، وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ وَكَذَّبَهَا الْعَبْدُ عَتَقَ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَمَا أَقَرَّتْ بِالِانْقِطَاعِ، وَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا خَمْسَةً فَقَالَ لَهَا إنْ حِضْت هَذِهِ الْمَرَّةَ سِتَّةً فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَالَتْ رَأَيْت الدَّمَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ إلَى آخِرِ الْيَوْمِ، وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ فَالْقَوْلُ لَهُ لِإِنْكَارِهِ شَرْطَ الْعِتْقِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَصْلِ الْحَيْضِ فَادَّعَى الزَّوْجُ الِانْقِطَاعَ فِي الثَّلَاثِ، وَادَّعَتْ الِامْتِدَادَ فَالْقَوْلُ لَهَا.
وَإِنْ صَدَقَهَا الزَّوْجُ بِالدَّمِ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ تَوَقَّفَ الْعِتْقُ فَإِنْ جَاوَزَ الْعَشَرَةَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا، وَلَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ عَتَقَ فَإِنْ مَضَتْ فَادَّعَتْ الِانْقِطَاعَ فِيهَا، وَادَّعَى الْمُجَاوَزَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَلَا عِتْقَ، وَلَوْ أَخْبَرَتْ فِي الْعَشَرَةِ بِالِانْقِطَاعِ ثُمَّ قَالَتْ عَاوَدَنِي الدَّمُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَطَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَحَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ خَمْسَةٍ فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ طَهُرْت عَلَى رَأْسِ الْخَمْسَةِ، وَلَا مِيرَاثَ لَك، وَقَالَتْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَأَرَى الدَّمَ فِي الْحَالِ فَالْقَوْلُ لَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ فَهِيَ تَتَمَسَّكُ بِهَذَا الظَّاهِرِ لِدَفْعِ الْحِرْمَانِ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ، وَتَمَامُهُ فِي الْكَافِي، وَمِنْ أَحْكَامِ الْوُقُوعِ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولَةٍ، وَتَزَوَّجَتْ حِينَ رَأَتْ الدَّمَ فَإِنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهَا لَا تَحْسِبُ هَذِهِ الْحَيْضَةَ مِنْ الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا بَعْضُ حَيْضَةٍ لِأَنَّهُ حِينَ كَانَ الشَّرْطُ رُؤْيَةَ الدَّمِ لَزِمَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ حَيْضِهَا، وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا حِضْت فَأَنْت طَالِقٌ فَقَالَتْ حِضْت وَتَزَوَّجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا ثُمَّ مَاتَتْ قَالَ مُحَمَّدٌ مِيرَاثُهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَقَالَ لَا يَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ حَيْضًا أَوْ لَا اهـ.
وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَيْضًا أَنَّ الطَّلَاقَ بِدْعِيٌّ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ خَالَعَهَا فِي الثَّلَاثِ بَطَلَ الْخُلْعُ لِكَوْنِهَا مُطَلَّقَةً ذَكَرَهُمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَلْحَقُ الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي آخِرِ بَابِ الْكِنَايَاتِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْأَحْكَامَ تَثْبُتُ بِطُرُقٍ أَرْبَعَةٍ الِاقْتِصَارُ كَمَا إذَا أَنْشَأَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ، وَلَهُ نَظَائِرُ جَمَّةٌ وَالِانْقِلَابُ، وَهُوَ انْقِلَابُ مَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ عِلَّةً كَمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ بِالشَّرْطِ فَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ يَنْقَلِبُ مَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ عِلَّةً، وَالِاسْتِنَادُ، وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْحَالِ ثُمَّ يَسْتَنِدَ، وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ التَّبْيِينِ وَالِاقْتِصَارِ، وَذَلِكَ كَالْمَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ، وَكَالنِّصَابِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُودِهِ، وَكَالطَّهَارَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَالتَّيَمُّمِ يُنْقَضُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَرُؤْيَةِ الْمَاءِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْحَدَثِ، وَلِذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لَهُمَا وَالتَّبْيِينُ، وَهُوَ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْحَالِ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ قَبْلُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فِي الْيَوْمِ إنْ كَانَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَتَبَيَّنَ فِي الْغَدِ وُجُودُهُ فِيهَا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْيَوْمِ، وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ مِنْهُ، وَكَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا حِضْت فَأَنْت طَالِقٌ فَرَأَتْ الدَّمَ لَا يَقْضِي بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مَا لَمْ يَمْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا امْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ حَاضَتْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّبْيِينِ وَالِاسْتِنَادِ أَنَّ التَّبْيِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ الْعِبَادُ، وَفِي الِاسْتِنَادِ لَا يُمْكِنُ، وَفِي الْحَيْضِ يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَشُقَّ بَطْنَهَا فَيَعْلَمَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ ثُمَّ قَالَتْ كَانَ الطُّهْرُ قَبْلَ الدَّمِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) أَيْ فَلَا يَكُونُ هَذَا الدَّمُ حَيْضًا لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِهِ بَعْدَ إقْرَارِهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ أَيْ إذَا قَالَتْ رَأَيْت الدَّمَ، وَلَمْ تَقُلْ حِضْت ثُمَّ قَالَتْ كَانَ الطُّهْرُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ لِأَنَّ قَوْلَهَا رَأَيْت الدَّمَ لَيْسَ إقْرَارًا بِالْحَيْضِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ إقْرَارِهَا (قَوْلُهُ وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا، وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ
стр. 1201
أَنَّهُ مِنْ الرَّحِمِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ الْمَحَلِّيَّةُ فِي الِاسْتِنَادِ دُونَ التَّبْيِينِ، وَكَذَا الِاسْتِنَادُ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْقَائِمِ دُونَ الْمُتَلَاشِي، وَأَثَرُ التَّبْيِينِ يَظْهَرُ فِيهِمَا فَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ فُلَانٌ بَعْدَ الْيَمِينِ بِشَهْرٍ فَإِنْ مَاتَ لِتَمَامِ الشَّهْرِ طَلَقَتْ مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ فَتُعْتَبَرُ الْعِدَّةُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَوْ وَطِئَهَا فِي الشَّهْرِ صَارَ مُرَاجِعًا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَغَرِمَ الْعُقْرَ لَوْ كَانَ بَائِنًا، وَيَرُدُّ الزَّوْجُ بَدَلَ الْخُلْعِ إلَيْهَا لَوْ خَالَعَهَا فِي خِلَالِهِ ثُمَّ مَاتَ فُلَانٌ، وَلَوْ مَاتَ فُلَانٌ بَعْدَ الْعِدَّةِ بِأَنْ كَانَتْ بِالْوَضْعِ أَوْ لَمْ تَجِبْ الْعِدَّةُ لِكَوْنِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِيهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ لَا بِطَرِيقِ التَّبْيِينِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ يَقَعُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْقُدُومِ لَا مُسْتَنِدًا. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَفِي إنْ حِضْت حَيْضَةً يَقَعُ حِينَ تَطْهُرُ) يَعْنِي إمَّا بِمُضِيِّ الْعَشَرَةِ مُطْلَقًا أَوْ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مَعَ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْهَا لِأَنَّ الْحَيْضَةَ اسْمٌ لِلْكَامِلَةِ، وَكَذَا إذَا قَالَ نِصْفُ حَيْضَةٍ أَوْ ثُلُثُهَا أَوْ سُدُسُهَا أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ حَيْضَتِك أَوْ فِي حَيْضَتِك بِالتَّاءِ كَقَوْلِهِ إنْ صُمْت يَوْمًا أَوْ صَلَّيْت صَلَاةً لَا يَحْنَثُ إلَّا بِصَوْمِ يَوْمٍ كَامِلٍ، وَبِشَفْعٍ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ الْحَيْضِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إنْ صُمْت أَوْ صَلَّيْت.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ حِينَ تَطْهُرُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ حِينَ رَأَتْ الدَّمَ إلَى أَنَّهُ بِدْعِيٌّ، وَإِلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَائِضًا لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَطْهُرْ ثُمَّ تَحِيضُ كَقَوْلِهِ لِطَاهِرَةٍ إذَا طَهُرْت فَأَنْت طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي شَرْطًا مُسْتَقْبَلًا، وَفِي الصِّحَاحِ الْحَيْضَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَالْحِيضَةُ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ، وَالْجَمْعُ الْحِيَضُ. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ لَهَا، وَهِيَ حَائِضٌ إذَا حِضْت فَأَنْت طَالِقٌ فَهُوَ عَلَى حَيْضٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا إنْ حِضْت غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا حَائِضٌ فَهُوَ عَلَى دَوَامِ ذَلِكَ الْحَيْضِ إلَى الْغَدِ إنْ دَامَ إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ الْغَدِ طَلَقَتْ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ الثَّانِيَةَ لَا يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا مِنْ الْغَدِ فَيُحْمَلُ عَلَى الدَّوَامِ إذَا عَلِمَ. اهـ.
وَفِي الْكَافِي لَوْ قَالَتْ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ حِضْت وَطَهُرْت، وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ تَطْلُقُ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ الْأَمَانَةِ فِي أَوَانِهَا.
وَلَوْ قَالَتْ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ إنِّي حِضْت، وَطَهُرْت ثُمَّ حِضْت حَيْضَةً أُخْرَى، وَأَنَا الْآنَ حَائِضٌ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَلَكِنْ إذَا طَهُرَتْ يَقَعُ لِأَنَّهَا أَخَّرَتْ الْإِخْبَارَ عَنْ أَوَانِهِ فَصَارَتْ مُتَّهَمَةً، وَلَوْ قَالَ إذَا حِضْت فَأَنْت طَالِقٌ فَقَالَتْ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ حِضْت، وَأَنَا حَائِضٌ السَّاعَةَ فَالْقَوْلُ لَهَا لِأَنَّ الْإِخْبَارَ فِي أَوَانِهِ، وَلَوْ قَالَتْ حِضْت وَطَهُرْت لَا تُصَدَّقُ حَتَّى تَحِيضَ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ، وَالْحَالُ مُنَافِيَةٌ لِمَا أَخْبَرَتْ. اهـ.
وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِخْبَارَ كَالْوَصِيِّ وَالْمَوْلَى وَالْمُرَاجِعِ وَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْت طَالِقٌ فَقَالَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ مُحْتَمَلَةٍ حِضْت وَطَهُرْت وَقَعَ، وَلَوْ قَالَتْ حِضْت وَطَهُرْت، وَأَنَا حَائِضٌ لَا حَتَّى تَطْهُرَ، وَلَوْ قَالَ إذَا حِضْت فَقَالَتْ حِضْت مُنْذُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ وَقَعَ، وَلَا تُتَّهَمُ فِي التَّأْخِيرِ لِلْعُذْرِ، وَلَوْ قَالَتْ وَطَهُرْت لَا. اهـ.
وَذَكَرَ فِي بَابِ الْحِنْثِ يَقَعُ بِالْحَيْضِ وَالْفِعْلِ قَالَ أَنْت طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ تَحِيضِي حَيْضَةً بِشَهْرٍ فَحَاضَتْ بَعْدَهُ طَلَقَتْ، وَلَا يُنْتَظَرُ الطُّهْرُ لِلْبَيْنُونَةِ، وَاخْتَلَفُوا، وَالْأَصَحُّ فِيهِ أَنَّهُ يُقْتَصَرُ، وَلَوْ قَالَ قَبْلَ قُدُومِ فُلَانٍ أَوْ مَوْتِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ، وَتَقَدَّمَ الْقُدُومُ يَقَعُ، وَالْمَوْتُ لَا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَدِمَ، وَمَاتَ لِلتَّعْلِيقِ اهـ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ إذَا حِضْت نِصْفَ حَيْضَةٍ فَأَنْت طَالِقٌ، وَإِذَا حِضْت نِصْفَهَا الْآخَرَ فَأَنْت طَالِقٌ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مَا لَمْ تَحِضْ، وَتَطْهُرْ فَإِذَا حَاضَتْ، وَطَهُرَتْ وَقَعَ تَطْلِيقَتَانِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا، وَهِيَ حَائِضٌ إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ وَهِيَ مَرِيضَةٌ إذَا مَرِضْت فَهَذَا عَلَى حَيْضٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَرَضٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنْ نَوَى مَا يَحْدُثُ مِنْ هَذَا الْحَيْضِ أَوْ مَا يَزِيدُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ فَهُوَ كَمَا نَوَى، وَكَذَا إذَا قَالَ لِصَاحِبَةِ الرُّعَافُ إنْ رَعَفْت، وَكَذَا إذَا قَالَ لِلْحُبْلَى إذَا حَبِلْت فَهُوَ عَلَى حَبَلٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ نَوَى الْحَبَلَ الَّذِي هِيَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَجْزَاءٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْحَيْضِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَكِنْ إذَا طَهُرَتْ يَقَعُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِخْبَارِ ثَانِيًا حَالَةَ الطُّهْرِ لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَامِعِ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا إذَا أَخْبَرَتْ عِنْدَ الطُّهْرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذِهِ الْحَيْضَةِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِإِخْبَارِهَا عَمَّا هُوَ شَرْطُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ حَالَ قِيَامِهَا (قَوْلُهُ لَا تُصَدَّقُ حَتَّى تَحِيضَ) أَيْ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطُّهْرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا إذَا حِضْت بِخِلَافِ مَا مَرَّ فَإِنَّهَا إذَا أَخْبَرَتْ بِحَيْضَتِهَا الثَّانِيَةِ لَا يُقْبَلُ حَتَّى تَطْهُرَ لِأَنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِيمَا إذَا قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً، وَهِيَ اسْمٌ لِلْكَامِلَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَدِمَ أَوْ مَاتَ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَا زَائِدَةٌ أَوْ فِيهِ سَقْطٌ، وَالْأَصْلُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إذَا قِدَمَ أَوْ مَاتَ فَلْيُرَاجَعْ
стр. 1202
وَأَخَوَاتِهِ لِأَنَّ لَهُ أَجْزَاءً. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْت طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ إنْ حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْت طَالِقٌ فَحَاضَتْ حَيْضَةً يَقَعُ وَاحِدَةٌ بِالْيَمِينِ الْأَوَّلِ فَإِذَا حَاضَتْ أُخْرَى يَقَعُ أُخْرَى بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ الْأُولَى كُلُّ الشَّرْطِ لِلْيَمِينِ الْأُولَى، وَشَطْرُ الشَّرْطِ لِلْيَمِينِ الثَّانِيَةِ فَإِذَا حَاضَتْ أُخْرَى فَقَدْ تَمَّ الشَّرْطُ لِلْيَمِينِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ قَالَ ثُمَّ إذَا حَاضَتْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ حَتَّى يُوجَدَ حَيْضَتَانِ بَعْدَ الْأُولَى لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي فَيَقْتَضِي وُجُودَ الْحَيْضَتَيْنِ بَعْدَ الْأُولَى. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَفِي إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَأَنْت طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا، وَلَمْ يَدْرِ الْأَوَّلَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً قَضَاءً وَثِنْتَيْنِ تَنَزُّهًا، وَمَضَتْ الْعِدَّةُ) لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْجَارِيَةِ ثُمَّ لَا يَقَعُ أُخْرَى بِهِ لِأَنَّهُ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ أَوَّلًا وَقَعَتْ تَطْلِيقَتَانِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْغُلَامِ ثُمَّ لَا يَقَعُ شَيْءٌ آخَرُ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِذَا فِي حَالٍ تَقَعُ وَاحِدَةً، وَفِي حَالٍ تَقَعُ ثِنْتَانِ فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ بِالشَّكِّ، وَالْأُولَى أَنْ يُؤْخَذَ بِالثِّنْتَيْنِ تَنَزُّهًا وَاحْتِيَاطًا، وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ بِيَقِينٍ لِمَا بَيَّنَّا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَدْرِ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ لِإِنْكَارِهِ.
وَأَشَارَ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ، وَلَا إرْثَ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ وَلَدْت لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ حَمْلُك غُلَامًا فَطَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ جَارِيَةً فَثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ حَمْلُك اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلُّهُ فَمَا لَمْ يَكُنْ الْكُلُّ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً لَمْ يَقَعْ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك غُلَامًا، وَالْبَاقِي بِحَالِهِ، وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ مَا فِي هَذَا الْعِدْلِ حِنْطَةٌ فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ دَقِيقًا فَطَالِقٌ فَإِذَا فِيهِ حِنْطَةٌ وَدَقِيقٌ لَا تَطْلُقُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك غُلَامٌ، وَالْبَاقِي بِحَالِهِ حَيْثُ تَقَعُ الثَّلَاثُ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ فَوَلَدَتْهُمَا أَيْ الْغُلَامَ وَالْجَارِيَةَ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَتَيْنِ، وَلَمْ يَدْرِ الْأَوَّلَ وَقَعَ الثَّلَاثُ تَنَزُّهًا وَثِنْتَيْنِ قَضَاءً، وَلَوْ وَلَدَتْ غُلَامَيْنِ وَجَارِيَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ قَضَاءً، وَثَلَاثٌ تَنَزُّهًا، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِقَوْلِهَا اتِّفَاقًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نِصَابِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ، وَامْرَأَةٌ عِنْدَهُمَا.
وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا وَلَدًا فَوَلَدَتْ مَيِّتًا طَلَقَتْ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْأَيْمَانِ، وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْت طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ طَلَقَتْ بِالْأَوَّلِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي، وَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ آخَرُ، وَلَوْ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَلَوْ وَلَدَتْ ثَلَاثًا بَيْنَ كُلِّ وَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقَعَ ثَلَاثٌ، وَتَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْحَامِلِ كُلَّمَا وَلَدْت فَأَنْت طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةً فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَقَعْ عِنْدَهُمَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا فَيَقَعَ فِي كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ طَلَقَتْ وَاحِدَةً بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْأَخِيرِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ كُلَّمَا وَلَدْتُمَا وَلَدًا فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ فَوَلَدَتْ إحْدَاهُمَا ثُمَّ الْأُخْرَى آخَرَ ثُمَّ الْأُولَى آخَرَ ثُمَّ الْأُخْرَى آخَرَ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ حَتَّى وَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدَيْنِ طَلَقَتْ الْأُولَى ثِنْتَيْنِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَلَدِهَا الثَّانِي، وَالْأُخْرَى ثَلَاثًا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَلَدِهَا الثَّانِي، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ وَلَدَيْ كُلِّ وَاحِدَةٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ إلَى سَنَتَيْنِ طَلَقَتْ الْأُولَى ثِنْتَيْنِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْوَلَدِ الثَّانِي، وَثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدَيْنِ، وَطَلَقَتْ الْأُخْرَى وَاحِدَةً، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا الثَّانِي، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْحَامِلِ إذَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ قَالَ إنْ كَانَ الْوَلَدُ الَّذِي تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْت طَالِقٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا طَلَقَتْ ثَلَاثًا.
وَلَوْ قَالَ إنْ كَانَ الْوَلَدُ الَّذِي فِي بَطْنِك غُلَامًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا طَلَقَتْ، وَتَمَامُهُ فِي الْمُحِيطِ، وَقَيَّدَ بِالْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِحَبَلِهَا فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطَأَهَا إلَّا بِالِاسْتِبْرَاءِ لِتَصَوُّرِ حُدُوثِ الْحَبَلِ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَا لَمْ تَلِدْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِحُدُوثِ الْحَبَلِ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَيُتَوَهَّمُ حُدُوثُ الْحَبَلِ قَبْلَ الْيَمِينِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَعَ الثَّلَاثُ تَنْزِيهًا وَثِنْتَيْنِ قَضَاءً) قَالَ فِي الْفَتْحِ لِأَنَّ الْغُلَامَ إنْ كَانَ أَوَّلًا أَوْ ثَانِيًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَاحِدَةً بِهِ وَثِنْتَيْنِ بِالْجَارِيَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي مَا بَقِيَ فِي الْبَطْنِ وَلَدٌ، وَإِنْ كَانَ آخِرًا يَقَعُ ثِنْتَانِ بِالْجَارِيَةِ الْأُولَى، وَلَا يَقَعُ بِالثَّانِيَةِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِالْجَارِيَةِ انْحَلَّتْ بِالْأُولَى، وَلَا يَقَعُ بِالْغُلَامِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَتَرَدَّدَ بَيْنَ ثَلَاثٍ وَثِنْتَيْنِ فَيَحْكُمُ بِالْأَقَلِّ قَضَاءً، وَبِالْأَكْثَرِ تَنَزُّهًا (قَوْلُهُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ قَضَاءً، وَثَلَاثٌ تَنَزُّهًا) قَالَ فِي الْفَتْحِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْغُلَامَانِ أَوَّلًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بِأَوَّلِهِمَا، وَلَا يَقَعُ بِالثَّانِي شَيْءٌ، وَلَا بِالْجَارِيَةِ الْأَخِيرَةِ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْجَارِيَةُ أَوَّلًا أَوْ وَسَطًا وَقَعَ ثِنْتَانِ بِهَا، وَوَاحِدَةٌ بِالْغُلَامِ بَعْدَهَا أَوْ قَبْلَهَا فَتَرَدَّدَ بَيْنَ ثَلَاثٍ، وَوَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَا لَمْ تَلِدْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَقِبَ الْوِلَادَةِ مَعَ أَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِالْحَبَلِ لَا بِالْوِلَادَةِ، وَتَعْلِيقُهُ بِالْحَبَلِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْحَبَلِ بَعْدَ الْيَمِينِ إلَّا إذَا وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ فَشَرَطْنَاهُ بِهِ فَإِذَا وَلَدَتْ ظَهَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ الْحَبَلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِمْرَارِ الدَّمِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ
стр. 1203
إلَى سَنَتَيْنِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْمَوْقِعِ فَلَا يَقَعُ بِالشَّكِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بِيَوْمٍ مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ لَا تَطْلُقُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ جَاءَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ بِيَوْمٍ طَلَقَتْ فَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يَقْرَبُهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ حَامِلًا، وَكَذَا إذَا لَمْ تَحِضْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى تَضَعَ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَالْمِلْكُ يُشْتَرَطُ لِآخِرِ الشَّرْطَيْنِ) لِأَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ بِأَهْلِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ يُشْتَرَطُ حَالَةَ التَّعْلِيقِ لِيَصِيرَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ لِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَتَصِحُّ الْيَمِينُ، وَعِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ لِيَنْزِلَ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ إلَّا فِي الْمِلْكِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ الْحَالِ حَالُ بَقَاءِ الْيَمِينِ فَيُسْتَغْنَى عَنْ قِيَامِ الْمِلْكِ إذْ بَقَاؤُهُ بِمَحَلِّهِ، وَهُوَ الذِّمَّةُ فَالْمُرَادُ مِنْ اشْتِرَاطِهِ لِآخِرِهِمَا بَيَانُ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ لِأَوَّلِهِمَا فَلَا يُنَافِي اشْتِرَاطَهُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ، وَأَيْضًا عُلِمَ الِاشْتِرَاطُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ فَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ زُرْت فَأَنْت طَالِقٌ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ فِي الْقُنْيَةِ قُبَيْلَ النَّفَقَاتِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُلْتَقِطِ قَالَ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَا تَطْلُقُ، حَجّ طَلَقَتْ. اهـ.
وَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَرَادَ مِنْ الشَّرْطَيْنِ أَمْرَيْنِ يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِهِمَا، وَلَا يَقَعُ بِأَحَدِهِمَا سَوَاءٌ كَانَا شَرْطَيْنِ حَقِيقَةً بِتَعَدُّدِ أَدَاةِ الشَّرْطِ أَوْ لَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِأَنْ عَطَفَ شَرْطًا عَلَى آخَرَ، وَأَخَّرَ الْجَزَاءَ نَحْو إذَا قَدَمَ فُلَانٌ، وَإِذَا قَدَمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ حَتَّى يَقْدَمَا لِأَنَّهُ عَطَفَ شَرْطًا مَحْضًا عَلَى شَرْطٍ لَا حُكْمَ لَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْجَزَاءَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَصَارَا شَرْطًا وَاحِدًا فَلَا يَقَعُ إلَّا بِوُجُودِهِمَا فَإِنْ نَوَى الْوُقُوعَ بِأَحَدِهِمَا صَحَّتْ نِيَّةُ تَقْدِيمِ الْجَزَاءِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَفِيهِ تَغْلِيظٌ أَوْ بِأَنْ كَرَّرَ أَدَاةَ الشَّرْطِ بِغَيْرِ عَطْفٍ كَقَوْلِهِ إنْ أَكَلْت أَوْ لَبِسْت فَأَنْت طَالِقٌ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَلْبَسْ ثُمَّ تَأْكُلْ فَيُقَدَّمُ الْمُؤَخَّرُ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَهِيَ طَالِقٌ يُقَدَّمُ الْمُؤَخَّرُ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، وَاسْتَغْنَى عَنْ الْفَاءِ بِتَقْدِيرِ الْجَزَاءِ فَالْكَلَامُ شَرْطُ الِانْعِقَادِ، وَالتَّزَوُّجُ شَرْطُ الِانْحِلَالِ، وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] فَالْمَعْنَى إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ، وَوَجْهُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّرْطَانِ شَرْطًا وَاحِدًا لِنُزُولِ الْجَزَاءِ لِعَدَمِ الْعَطْفِ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَأَقَرَّ كُلَّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالْكَلَامُ فِي مُوجِبِ اللَّفْظِ، وَلَا الشَّرْطُ الثَّانِي مَعَ مَا بَعْدَهُ هُوَ الْجَزَاءُ لِلْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْفَاءِ الرَّابِطَةِ، وَنِيَّةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَحَقُّ مِنْ إضْمَارِ الْحَرْفِ لِأَنَّهُ تَصْحِيحٌ لِلْمَنْطُوقِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ شَيْءٍ آخَرَ فَكَانَ قَوْلُهُ إنْ أَكَلْت مُقَدَّمًا مِنْ تَأْخِيرٍ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ الْجَوَابِ الْمُتَأَخِّرِ، وَالتَّقْدِيرُ إنْ لَبِسْت فَإِنْ أَكَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ لُزُومِ التَّنْجِيزِ فِي مِثْلِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ لُزُومِ إضْمَارِ الْفَاءِ يَجِبُ أَنْ لَا يُعْكَسَ التَّرْتِيبَ.
وَفِي التَّجْرِيدِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمِلْكِ عِنْدَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ كَلَّمَتْ فُلَانًا، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ طَلَقَتْ. اهـ.
وَهُوَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَكَانَ الْمُتَقَدِّمُ شَرْطَ الِانْحِلَالِ فَيُعْتَبَرُ الْمِلْكُ عِنْدَهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إنْ أَعْطَيْتُك إنْ وَعَدْتُك إنْ سَأَلْتِينِي فَأَنْت طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَسْأَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَعِدَهَا ثُمَّ يُعْطِيَهَا لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَطِيَّةِ الْوَعْدَ، وَفِي الْوَعْدِ السُّؤَالَ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ سَأَلْتِينِي إنْ وَعَدْتُك إنْ أَعْطَيْتُك كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ الثَّانِي مُتَرَتِّبًا عَلَى الْأَوَّلِ عَادَةً فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ كُلُّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ نَحْوُ إنْ أَكَلْت إنْ شَرِبْت فَأَنْتِ كَذَا كَانَ الْأَكْلُ مُقَدَّمًا وَالشُّرْبُ مُؤَخَّرًا حَتَّى إذَا شَرِبَ ثُمَّ أَكَلَ لَمْ يَعْتِقْ
ــ
[منحة الخالق]
فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطَأَهَا إلَّا بِاسْتِبْرَاءٍ لِتَصَوُّرِ حُدُوثِ الْحَبَلِ.
(قَوْلُهُ فَلَا يُنَافِي اشْتِرَاطُهُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ) أَيْ فِي صُورَةِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ (قَوْلُهُ وَلَا الشَّرْطُ الثَّانِي) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّرْطَانِ شَرْطًا وَاحِدًا
стр. 1204
وَإِنْ أَكَلَ ثُمَّ شَرِبَ عَتَقَ، وَلَوْ قَالَ إنْ شَرِبْت إنْ أَكَلْت يُؤَخَّرُ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ قَالَ إنْ دَعَوْتنِي إنْ أَجَبْتُك يُقِرُّ كُلُّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَوْ قَالَ إنْ أَجَبْتُك إنْ دَعَوْتنِي تُؤَخَّرُ الْإِجَابَةُ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَبِسْت طَيْلَسَانًا إنْ أَتَيْتنِي يَقِرُّ كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَوْ قَالَ إنْ أَتَيْتنِي إنْ لَبِسْت طَيْلَسَانًا يُؤَخَّرُ الْإِتْيَانُ، وَلَوْ قَالَ إنْ رَكِبْت الدَّابَّةَ إنْ أَتَيْتنِي يَقِرُّ كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ بِخِلَافِ إنْ أَتَيْتنِي إنْ رَكِبْت الدَّابَّةَ لِأَنَّهُمَا مَتَى كَانَا مُرَتَّبَيْنِ عُرْفًا أُضْمِرَتْ كَلِمَةُ ثُمَّ، وَإِذَا لَمْ يَكُونَا مُرَتَّبَيْنِ عُرْفًا لَمْ يَثْبُتْ الْعَطْفُ بَيْنَهُمَا لَا عُرْفًا وَلَا ذِكْرًا فَمَتَى أَقَرَّ كُلَّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ لَا يَتَّصِلُ الْجَزَاءُ بِأَحَدِ الشَّرْطَيْنِ اهـ. كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِي الْفَارِسِيَّةِ الْمُقَدَّمُ مُقَدَّمٌ، وَالْمُؤَخَّرُ مُؤَخَّرٌ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] شَرْطٌ وَدَلِيلُ جَوَابٍ، وَالْجُمْلَةُ دَلِيلُ جَوَابٍ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] تَقْدِيرُ الْكَلَامِ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَإِنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ لَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي. اهـ.
وَجَعَلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] قَالَ فَالْمَعْنَى إنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ أَحْلَلْنَاهَا اهـ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] شَرْطٌ لِلشَّرْطِ الْأَوَّلِ فِي اسْتِيجَابِ الْحِلِّ فَإِنَّ وَهَبْتَهَا نَفْسَهَا مِنْهُ لَا تُوجِبُ لَهُ حِلًّا إلَّا بِإِرَادَتِهِ نِكَاحَهَا فَإِنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْقَبُولِ اهـ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ إرَادَةَ النَّبِيِّ مُتَأَخِّرَةٌ فَإِنَّهَا كَالْقَبُولِ، وَيَحْتَمِلُ تَقَدُّمُ إرَادَةِ النَّبِيِّ فَإِذَا فَهِمْت ذَلِكَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ اهـ.
وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا إذَا أَخَّرَ الْجَزَاءَ عَنْ الشَّرْطَيْنِ، وَالثَّانِي إذَا قَدَّمَهُ، وَالثَّالِثُ إذَا وَسَّطَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي فَعَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُقِرُّ كُلَّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُعْتَرِضَةِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ الْجَزَاءُ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ بِحَرْفِ الْوَصْلِ، وَهُوَ الْفَاءُ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِي شَرْطُ الْحِنْثِ. اهـ.
وَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ فِي مَسْأَلَةِ تَوَسُّطِ الْجَزَاءِ فَقَالَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الدُّخُولُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدُّخُولَ شَرْطَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الدُّخُولِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَالْيَمِينُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا فِي الْمِلْكِ، وَمُضَافَةً إلَى الْمِلْكِ فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ صَحَّتْ الْيَمِينُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَلَامِ فَإِذَا كَلَّمْت يَقَعُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ بِأَنْ طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ دَخَلَتْ لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، وَإِنْ كَلَّمَتْ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ دَخَلَتْ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ كَلَّمَتْ فِيهَا طَلَقَتْ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَزَاءَ إذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْمِلْكِ عِنْدَ الشَّرْطَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ يَقِرُّ فِي مَوْضِعِهِ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَاخِلَةً تَحْتَ قَوْلِهِ وَالْمِلْكُ يُشْتَرَطُ لِآخِرِ الشَّرْطَيْنِ إلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ هُوَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمِلْكَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ فَحِينَئِذٍ لَيْسَ مُعَلَّقًا إلَّا بِشَرْطٍ وَاحِدٍ فَجَعَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قِسْمِ تَقْدِيمِ الْمُؤَخَّرِ مِنْهُمَا مِنْ كَلَامِ التَّجْرِيدِ، وَهُمْ لِمَا عَلِمْت أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الشَّرْطُ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ عَيْنَهُ فَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَهُمَا وَاحِدٌ فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْحِنْثِ حَتَّى تَدْخُلَ دَخْلَتَيْنِ فِيهَا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ بِدُخُولِ وَاحِدٍ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي تَكْرَارًا، وَإِعَادَةً، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَوْ جَعَلَ الثَّانِيَ تَكْرَارًا لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ حَالًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَيَصِيرُ الثَّانِي فَاصِلًا كَمَا فِي أَنْتَ حُرٌّ، وَحُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيُجَابُ بِأَنْ يُجْعَلَ الثَّانِي تَكْرَارًا مَعْنًى لَا لَفْظًا لِأَنَّ الثَّانِيَ عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْبَابِ لِلَّفْظِ فَإِذَا انْتَفَى التَّكْرَارُ لَفْظًا كَانَ الثَّانِي حَشْوًا فَصَارَ فَاصِلًا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ الثَّانِي غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَوَّلِ فَأَمْكَنَ جَعْلُ الثَّانِي تَكْرَارًا فَكَانَ وَاحِدًا مَعْنًى فَلَا يُفْصَلُ، وَنَظِيرُهُ حُرٌّ حُرٌّ إنْ شَاءَ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1205
اللَّهُ تَعَالَى. اهـ.
وَقَدَّمْنَا عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك، وَإِنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْت طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا مَرَّتَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ أَوْ وَسَّطَهُ اهـ فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ بِالْوَاوِ، وَبِدُونِهِ فِيمَا إذَا أَخَّرَ الْجَزَاءَ، وَكَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَلْيُحْفَظْ، وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ إذَا دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَدْخُلْ مَرَّتَيْنِ، وَلَا تَطْلُقُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْ مَرَّتَيْنِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِلَا عَطْفٍ فَإِنْ تَأَخَّرَ الْجَزَاءُ عَنْهُمَا فَالشَّرْطُ أَحَدُهُمَا.
وَإِنْ تَوَسَّطَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفِعْلِ مَرَّتَيْنِ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْأَمْرَيْنِ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ، وَأَخَّرَ الشَّرْطَ ثُمَّ ذَكَرَ شَرْطًا آخَرَ بِعِطْفٍ فَإِنَّ الطَّلَاقَ فِيهِ مُعَلَّقٌ بِأَحَدِهِمَا نَحْوُ أَنْت طَالِقٌ إذَا قَدَمَ فُلَانٌ، وَإِذَا قَدَمَ فُلَانٌ أَوْ ذُكِرَ بِكَلِمَةِ إنْ أَوْ مَتَى فَأَيُّهُمَا قَدَمَ أَوَّلًا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَا يَنْتَظِرُ قُدُومَ الْآخَرِ، وَلَوْ قَدَمَا مَعًا لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْمِلْكِ عِنْدَ أَيِّهِمَا وُجِدَ، وَكَذَا لَوْ وَسَّطَ الْجَزَاءَ مَعَ الْعَطْفِ نَحْوُ إنْ قَدَمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا قَدَمَ فُلَانٌ فَأَيُّهُمَا سَبَقَ وَقَعَ ثُمَّ لَا يَقَعُ عِنْدَ الشَّرْطِ الثَّانِي شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَقَعَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ تَطْلِيقَةٌ فَتَقَعُ أُخْرَى عِنْدَ الثَّانِي، وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي مَا لَيْسَا شَرْطَيْنِ حَقِيقَةً، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مُتَعَلِّقًا بِشَيْئَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا نَحْوُ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ، وَهَذِهِ أَوْ إنْ كَلَّمْت أَبَا عَمْرٍو، وَأَبَا يُوسُفَ فَكَذَا فَإِنَّهُمَا شَرْطٌ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْوُقُوعَ بِأَحَدِهِمَا فَاشْتُرِطَ لِلْوُقُوعِ قِيَامُ الْمِلْكِ عِنْدَ آخِرِهِمَا، وَكَذَا إذَا كَانَ فِعْلًا قَائِمًا بِاثْنَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَائِمٌ بِهِمَا نَحْوُ إذَا جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَكَذَا فَإِنَّ الشَّرْطَ مَجِيئُهُمَا فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَصْرُ الشَّارِح كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِمَّا لَا يَنْبَغِي، وَاعْتِرَاضُ الْكَمَالِ عَلَى الشَّارِحِ فِي جَعْلِهِ مَسْأَلَةَ الْكَلَامِ مِنْ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ سَهْوٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى وَصْفَيْنِ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ لَا مِنْ قَبِيلِ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ أَدَاةَ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ فَإِنَّ الْوُقُوعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِمَا سَوَاءٌ قَدَّمَ الْجَزَاءَ عَلَيْهِمَا أَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُمَا أَوْ وَسَّطَهُ لَكِنْ إنْ قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ فَالْمِلْكُ يُشْتَرَطُ عِنْدَ آخِرِهِمَا، وَهُوَ الْمَلْفُوظُ بِهِ أَوَّلًا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَإِنْ وَسَّطَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمِلْكِ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِالْعَطْفِ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَحَدِهِمَا إنْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ أَوْ وَسَّطَهُ، وَأَمَّا إذَا أَخَّرَهُ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْ أَدَاةَ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّيْئَيْنِ قَدَّمَ الْجَزَاءَ عَلَيْهِمَا أَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُمَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَالطَّلَاقُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثُ بِالشَّرْطِ الثَّانِي حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ طَلَقَتْ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَلَوْ كَلَّمَهُ طَلَقَتْ وَاحِدَةً لَا أَنْ يَصِيرَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ شَرْطَ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَالثَّانِي شَرْطَ الِانْحِلَالِ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِأَنَّا لَوْ عَلَّقْنَا الْجَزَاءَ الثَّانِيَ بِالدُّخُولِ كَانَ الْجَزَاءُ مُؤَخَّرًا عَنْ الشَّرْطِ، وَلَوْ عَلَّقْنَاهُ بِالْكَلَامِ كَانَ الْجَزَاءُ مُقَدَّمًا عَلَى الشَّرْطِ، وَالْأَصْلُ فِي الشَّرْطِ هُوَ التَّقْدِيمُ فَمَهْمَا أَمْكَنَ حِفْظُهُ عَلَى الْأَصْلِ لَا يُغَيَّرُ.
وَلَوْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ، وَعَبْدِي حُرٌّ، وَعَلَى الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَالطَّلَاقُ عَلَى الدُّخُولِ وَالْعِتْقِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْكَلَامِ أَلْحَقَ الْجَزَاءَ الْمُتَوَسِّطَ بِالشَّرْطِ الْأَخِيرِ هُنَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْكَلَامُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَطَفَ الِاسْمَ عَلَى الِاسْمِ فَصَارَ الْوَصْلُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ لِضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الْمُتَخَلِّلِ أَمَّا هُنَا فَالْكَلَامُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّهُ عَطَفَ الِاسْمَ عَلَى الْفِعْلِ فَلَا يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ إلَّا لِضَرُورَةٍ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إلْحَاقُهُ بِالثَّانِي انْتَهَى، وَتَمَامُ تَفْرِيعَاتِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالتَّزَوُّجِ وَبِالْكَلَامِ مَذْكُورٌ فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى مِنْ فَصْلِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْمِلْكِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْأَيْمَانِ، وَالطَّلَاقُ الْمُضَافُ إلَى وَقْتَيْنِ يَنْزِلُ عِنْدَ أَوَّلِهِمَا، وَالْمُعَلَّقُ بِالْفِعْلَيْنِ عِنْدَ آخِرِهِمَا، وَالْمُضَافُ إلَى أَحَدِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْأَمْرَيْنِ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِهِمَا) أَيْ حَيْثُ قَالَ فِي صَدْرِ الْمَقُولَةِ، وَأَرَادَ مِنْ الشَّرْطَيْنِ أَمْرَيْنِ يَتَعَلَّقُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَاعْتِرَاضُ الْكَمَالِ عَلَى الشَّارِحِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ دَعْوَاهُ أَيْ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ كَمَا فَهِمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ سَهْوٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي إذَا كَانَ الشَّرْطُ ذَا وَصْفَيْنِ إلَخْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا مِنْ تَعَدُّدِ الشَّرْطَيْنِ، وَكَانَ الْعُذْرُ لِلشَّارِحِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ كُلُّ شَرْطَيْنِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا، وَسَّطَ الْجَزَاءَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ لِأَوَّلِهِمَا بِخِلَافِ كُلِّ شَرْطٍ ذِي وَصْفَيْنِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الْمِلْكِ لِآخِرِهِ صَحِيحٌ فَتَدَبَّرْ. اهـ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطَيْنِ أَمْرَانِ يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِهِمَا، وَلَا يَقَعُ بِأَحَدِهِمَا سَوَاءٌ كَانَا شَرْطَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ لَا فَقَدْ أَدْخَلَ بِهَذَا التَّعْمِيمِ مَسْأَلَةَ الْكَلَامِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَمَا فِي الشَّرْحُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ لَا مِنْ قَبِيلِ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ فِيهِ نَظَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا مَهَّدَهُ نَفْسِهِ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُ الْكَمَالِ عَلَى الشَّارِحِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الشَّرْطِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ مُرَاجَعَةِ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عَطَفَ الِاسْمَ عَلَى الْفِعْلِ) فِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ
стр. 1206
الْوَقْتَيْنِ كَقَوْلِهِ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ يَنْزِلُ بَعْدَ غَدٍ، وَلَوْ عَلَّقَ بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ يَنْزِلُ عِنْدَ أَوَّلِهِمَا، وَالْمُعَلَّقُ بِفِعْلٍ وَوَقْتٍ يَقَعُ بِأَيِّهِمَا سَبَقَ انْتَهَى، وَقَدَّمْنَاهُ فِي فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ يَدْخُلُ فِي دَارِك فَأَنْت طَالِقٌ فَدَخَلَتْ الْمَرْأَةُ دَارَ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ لَمْ يَدْخُلْ دَارَهَا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِالْيَمِينِ أَحَدُهُمَا دُونَ الْجَمْعِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ تَنْجِيزُ الثَّلَاثِ تَعْلِيقُهُ) أَيْ تَعْلِيقُ الثَّلَاثِ عَلَى مَا يُشِيرُ إلَيْهِ أَكْثَرُ الْكُتُبِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَعُودَ إلَى الزَّوْجِ لِيَشْمَلَ مَا دُونَ الثَّلَاثِ كَذَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ قُلْت الْأَوْلَى أَنْ يَعُودَ إلَى الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ قَالَ وَاحِدَةً أَوْ قَالَ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ دَخَلَتْ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ الْجَزَاءَ طَلْقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَانِعُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ مَا يَحْدُثُ، وَالْيَمِينُ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ أَوْ الْحَمْلِ وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ فَاتَ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ الْمُبْطِلِ لِلْمَحَلِّيَّةِ فَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ. قَيَّدَ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّهُ لَوْ نَجَّزَ أَقَلَّ مِنْهَا لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ لِأَنَّ الْجَزَاءَ بَاقٍ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ فَلَوْ طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ، وَقَدْ كَانَ عَلَّقَ الثَّلَاثَ ثُمَّ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ طَلَقَتْ ثَلَاثًا اتِّفَاقًا أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِوُقُوعِ الْمُعَلَّقِ كُلِّهِ لِأَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ هَدَمَ الْوَاقِعَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِوُقُوعِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُعَلَّقِ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُهْدَمُ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلْقَةً، وَالْمُنَجَّزُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُحَرَّمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً بِالْمُنَجَّزِ، وَالْمُعَلَّقِ، وَعِنْدَهُمَا لَا تُحَرَّمُ إذْ يَمْلِكُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ ثِنْتَيْنِ لِهَدْمِ الثَّانِي مَا نَجَّزَهُ الْأَوَّلُ، وَقَيَّدَ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْمِلْكَ إذَا زَالَ بَعْدَ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثُمَّ دَخَلَ عَتَقَ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِصِفَةِ الرِّقِّ مَحَلٌّ لِلْعِتْقِ وَبِالْبَيْعِ لَمْ تُفْتِ تِلْكَ الصِّفَةُ حَتَّى لَوْ فَاتَتْ بِالْعِتْقِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَ ثُمَّ مَلَكَهُ الْمَوْلَى، وَدَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَصَوَابُهُ حَتَّى لَوْ ارْتَدَّتْ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُمْلَكُ بِالسَّبْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمَةِ، وَقَيَّدَ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ تَنْجِيزَ الثَّلَاثِ لَا يُبْطِلُ الظِّهَارَ مُنَجَّزًا كَانَ أَوْ مُعَلَّقًا كَمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلَتْ بَعْدَمَا عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ كَانَ مُظَاهِرًا لِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ لَا تَحْرِيمُ الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ لَكِنْ قِيَامُ النِّكَاحِ شَرْطٌ لَهُ فَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ لِبَقَاءِ الْمَشْرُوطِ كَالشُّهُودِ فِي النِّكَاحِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْحِلِّ الْأَصْلِيِّ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَوْرَدَ بَعْضُ أَفَاضِلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ إلَّا وَاحِدَةٌ كَقَوْلِ زُفَرَ لِقَوْلِهِمْ الْمُعَلَّقُ تَطْلِيقَاتٌ هَذَا الْمِلْكِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ هَذَا الْمِلْكِ لَيْسَ إلَّا وَاحِدَةٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّمَا يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مِلْكِهِ سِوَاهَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ مَشْرُوطَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُعَلَّقَ طَلْقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ الثَّلَاثُ مَا دَامَ مِلْكُهُ لَهَا فَإِذَا زَالَ بَقِيَ الْمُعَلَّقُ ثَلَاثًا مُطْلَقَةً كَمَا هُوَ اللَّفْظُ لَكِنْ بِشَرْطِ بَقَائِهَا مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ فَإِذَا نَجَّزَ ثِنْتَيْنِ زَالَ مِلْكُ الثَّلَاثِ فَبَقِيَ الْمُعَلَّقُ ثَلَاثًا مُطْلَقَةً مَا بَقِيَتْ مَحَلِّيَّتُهَا، وَأَمْكَنَ وُقُوعُهَا، وَهَذَا ثَابِتٌ فِي تَنْجِيزِهِ الثِّنْتَيْنِ فَيَقَعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مِمَّا يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ لَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ قَالَ فِي الْمَجْمَعِ فَلَحَاقُهُ مُرْتَدًّا مُبْطِلٌ لِتَعْلِيقِهِ أَيْ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا لَا لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُهُ، وَلَهُ أَنَّ إبْقَاءَ تَعْلِيقِهِ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ أَهْلِيَّتِهِ، وَبِالِارْتِدَادِ ارْتَفَعَتْ الْعِصْمَةُ فَلَمْ يَبْقَ تَعْلِيقُهُ لِفَوَاتِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ الَّذِي حَكَمَ بِسُقُوطِهِ لِاسْتِحَالَةِ عَوْدِ السَّاقِطِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ، وَمِمَّا يُبْطِلُهُ فَوْتُ مَحَلِّ الشَّرْطِ كَفَوْتِ مَحَلِّ الْجَزَاءِ كَمَا إذَا قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ فُلَانٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
وَمِنْهُ مَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَجُعِلَتْ الدَّارُ بُسْتَانًا كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مِمَّا يُبْطِلُهُ زَوَالُ إمْكَانِ الْبِرِّ، وَذَكَرْنَا فُرُوعًا عَلَيْهِ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ بَعْدَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ قُلْت الْأَوْلَى أَنْ يَعُودَ إلَى الطَّلَاقِ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ إضَافَةَ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ هِيَ الْأَصْلُ (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَوْرَدَ إلَخْ) هَذَا وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَوْ طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ إلَخْ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ هُنَاكَ
стр. 1207
الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا، وَفِي الْقُنْيَةِ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ بُخَارَى إلَّا بِإِذْنِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فَجُنَّ أَحَدُهُمْ لَا يَخْرُجُ لِأَنَّهُ إنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ حَنِثَ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَحْنَثْ لِبُطْلَانِ الْيَمِينِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَلَّقَ الثَّلَاثَ أَوْ الْعِتْقَ بِالْوَطْءِ لَمْ يَجِبْ الْعُقْرُ بِاللُّبْثِ) أَيْ لَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُعْتَقَةِ بِالْمُكْثِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ لِأَنَّ الْجِمَاعَ هُوَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ، وَلَيْسَ لَهُ دَوَامٌ حَتَّى يَكُونَ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا لَا يَحْنَثُ بِاللُّبْثِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُدْخِلَ دَابَّتَهُ الْإِصْطَبْلَ وَهِيَ فِيهِ فَأَمْسَكَهَا فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ الْجِمَاعُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُسَاعَدَةِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مَا يَقُولُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَلَسْتُمْ جَامَعْتُمُونَا فِي كَذَا أَيْ وَافَقْتُمُونَا، وَحُكِيَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُمْلِي عَلَى ابْنَتِهِ مَسَائِلَ يَقُولُ فِي إمْلَائِهِ أَلَسْنَا قَدْ جَامَعْنَاكُمْ عَلَى كَذَا أَوَلَسْتُمْ قَدْ جَامَعْتُمُونَا عَلَى كَذَا فَتَبَسَّمَتْ ابْنَتُهُ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهَا فَقَالَ مَا شَأْنُك فَتَبَسَّمَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَأَحَسَّ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا ذَهَبَتْ إلَى الْجِمَاعِ الْمَعْرُوفِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ أَوَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا فَاحْتَرَقَ غَضَبًا، وَقَطَعَ الْإِمْلَاءَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا أُرِيدُ حَيَاةً بَعْدَ هَذَا فَتَمَنَّى الْمَوْتَ فَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ أَشَارَ بِنَفْيِ الْعُقْرِ فَقَطْ إلَى ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِاللُّبْثِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ النَّزْعُ لِلْحَالِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَتَذَكَّرَ وَدَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ نَزَعَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا، وَقَيَّدْنَا الْمُكْثَ بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ لِأَنَّهُ لَوْ تَحَرَّكَ لَزِمَهُ مَهْرٌ بِهِ لِأَنَّهُ كَالْإِيلَاجِ، وَلِذَا قَالُوا أَوْلَجَ ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ جَامَعْتُك فَأَنْت طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ إنْ نَزَعَ أَوْ لَمْ يَنْزِعْ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ حَتَّى أَنْزَلَ لَا تَطْلُقُ، وَلَا تَعْتِقُ، وَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ طَلَقَتْ وَعَتَقَتْ، وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالْحَرَكَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَجِبُ لِلْأَمَةِ الْعُقْرُ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ جَامَعَ عَامِدًا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَطَلَعَ الْفَجْرُ وَجَبَ النَّزْعُ فِي الْحَالِ فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ قَضَى، وَكَفَّرَ كَمَا لَوْ حَرَّكَ بَعْدَ التَّذَكُّرِ فِي الْأُولَى كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّوْمِ، وَفِي الْمِعْرَاجِ، وَلَوْ قَالَ إنْ وَطِئْتُك فَيَمِينُهُ عَلَى الْجِمَاعِ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ يَمِينُهُ عَلَى الْوَطْءِ بِالْقَدَمِ، وَلَوْ قَالَ أَرَدْت بِهِ الْجِمَاعَ، وَلَمْ يُقْبَلْ، وَقَدْ غَلَّطَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي النَّقْلِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي أَيْمَانِ الْجَامِعِ لَوْ قَالَ لَهَا إنْ وَطِئْتُك فَهُوَ عَلَى الْجِمَاعِ فِي فَرْجِهَا بِذَكَرِهِ، وَلَوْ نَوَى الدَّوْسَ بِالْقَدَمِ لَا يُصَدَّقُ فِي الصَّرْفِ عَنْ الْجِمَاعِ، وَيَحْنَثُ بِالدَّوْسِ بِالْقَدَمِ أَيْضًا لِاعْتِرَافِهِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ إنْ وَطِئْت مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ امْرَأَةٍ فَهُوَ عَلَى الدَّوْسِ بِالْقَدَمِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا. اهـ.
، وَالْعُقْرُ بِالضَّمِّ مَهْرُ الْمَرْأَةِ إذَا وُطِئَتْ عَلَى شُبْهَةٍ، وَبِالْفَتْحِ الْجَرْحُ مِنْ عَقَرَهُ أَيْ جَرَحَهُ فَهُوَ عَقِيرٌ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْعُقْرُ بِالضَّمِّ دِيَةُ الْفَرْجِ الْمَغْصُوبِ، وَصَدَاقُ الْمَرْأَةِ. اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْعُقْرُ بِالضَّمِّ دِيَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ إذَا غُصِبَتْ عَلَى نَفْسِهَا ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَهْرِ انْتَهَى، وَاللُّبْثُ مِنْ لَبِثَ بِالْمَكَانِ لَبَثًا مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَجَاءَ فِي الْمَصْدَرِ السُّكُونُ لِلتَّخْفِيفِ، وَاللَّبْثَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ، وَبِالْكَسْرِ الْهَيْئَةُ وَالنَّوْعُ، وَالِاسْمُ اللُّبْثُ بِالضَّمِّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ اللَّبْثُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُكْثُ مِنْ لَبِثَ كَسَمِعَ، وَهُوَ نَادِرٌ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنْ فَعِلَ بِالْكَسْرِ قِيَاسُهُ التَّحْرِيكُ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ انْتَهَى، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْمِصْبَاحِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ الْمَصْدَرَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَأَنَّ السُّكُونَ جَائِزٌ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُرَاجِعًا فِي الرَّجْعِيِّ إلَّا إذَا أَوْلَجَهُ ثَانِيًا) أَيْ لَمْ يَصِرْ بِاللُّبْثِ مُرَاجِعًا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ بِتَعَرُّضٍ لِلْبُضْعِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ مُرَاجِعًا لِوُجُودِ الْمِسَاسِ بِشَهْوَةٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَجَزْمُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَلَيْسَ لِآخِرِهِ حُكْمُ فِعْلٍ عَلَى حِدَةٍ، وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ مُرَاجِعًا عِنْدَ الْكُلِّ لِوُجُودِ الْمِسَاسِ بِشَهْوَةٍ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَيَنْبَغِي تَصْحِيحُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَاجِعٌ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1208
إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِذَا أَوْلَجَ ثَانِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَصَارَ مُرَاجِعًا فَجَعْلُ الشَّارِحِ إيَّاهُ رَاجِعًا إلَى الثَّانِيَةِ قُصُورٌ، وَقَيَّدَ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ ثَانِيًا وَإِنْ كَانَ جِمَاعًا لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ أَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ بِالنَّظَرِ إلَى اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ كَانَ أَوَّلُهُ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ فَلَا يَكُونُ آخِرَهُ مُوجِبًا لَهُ، وَإِنْ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَوَجَبَ الْمَهْرُ لِأَنَّ الْبُضْعَ الْمُحْتَرَمَ لَا يَخْلُو عَنْ عُقْرٍ أَوْ عُقْرٍ، وَفِي الْمِعْرَاجِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا أَخْرَجَ ثَمَّ أَوْلَجَ فِي الْعِتْقِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ لِأَنَّهُ وَطِئَ لَا فِي مِلْكٍ، وَلَا فِي شُبْهَةٍ، وَهِيَ الْعِدَّةُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ لِوُجُودِ الْعِدَّةِ، وَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِابْتِدَاءِ فِعْلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَالْمَقْصُودِ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالتَّعْلِيقِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنْ لَبِثَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْزِعْ وَجَبَ مَهْرَانِ مَهْرٌ بِالْوَطْءِ، وَمَهْرٌ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْ الْإِدْخَالَ لِأَنَّ دَوَامَهُ عَلَى ذَلِكَ فَوْقَ الْخَلْوَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ كَذَا نَقَلُوا، وَتَخْصِيصُ الرِّوَايَةِ بِمُحَمَّدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافٍ بَلْ لِأَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا فَاسْتَلْقَى وَجَاءَتْ وَقَضَتْ مِنْهُ حَاجَتَهَا يَحْنَثُ فِيمَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَوْ نَائِمًا لَا يَحْنَثُ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ جَامَعْتُك فَأَنْت حُرَّةٌ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا وَيَطَأَهَا فَتَنْحَلُّ لَا إلَى جَزَاءٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ فَيَطَؤُهَا فَلَا تَعْتِقُ. حَلَفَ لَا يَغْشَاهَا، وَهُوَ عَلَيْهَا فَالْيَمِينُ عَلَى الْإِخْرَاجِ ثُمَّ الْإِدْخَالِ فَإِنْ دَامَ عَلَيْهَا لَا يَحْنَثُ، وَذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْجِمَاعِ لَا يَحْنَثُ بِالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَإِنْ أَنْزَلَ إلَّا إذَا نَوَى انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَلَا تَطْلُقُ فِي إنْ نَكَحْتهَا عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ فَنَكَحَ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ) يَعْنِي لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ الْجَدِيدَةُ فِيمَا إذَا قَالَ لِلَّتِي تَحْتَهُ إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ عَلَيْهَا أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا مَنْ يُنَازِعُهَا فِي الْفِرَاشِ، وَيُزَاحِمُهَا فِي الْقَسْمِ، وَلَمْ يُوجَدْ. قَيَّدَ بِالْبَائِنِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا طَلَقَتْ كَمَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ جَعَلَ أَمْرَ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهَا بِأَنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك امْرَأَةً فَأَمْرُهَا بِيَدِك أَوْ قَالَ مَا دُمْت امْرَأَتِي ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا أَوْ خَالَعَهَا وَتَزَوَّجَ أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ بِالْأُولَى لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ حَالُ الْمُنَازَعَةِ فِي الْقَسْمِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَقْتَ الْإِدْخَالِ، وَإِنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَأَمْرُهَا بِيَدِك فَأَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ بِأُخْرَى صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك امْرَأَةً فَأَمْرُهَا بِيَدِك ثُمَّ دَخَلَتْ الْمَرْأَةُ فِي نِكَاحِهِ بِنِكَاحِ الْفُضُولِيِّ، وَأَجَازَ بِالْفِعْلِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَهَا، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ فِي نِكَاحِي فَلَهَا ذَلِكَ، وَكَذَا فِي التَّوْكِيلِ بِذَلِكَ انْتَهَى، وَفِي آخِرِ الْأَيْمَانِ إنْ سَكَنْت فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَخَرَجَ فِي الْفَوْرِ، وَخَلَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ سَكَنَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لَا تَطْلُقُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِامْرَأَتِهِ وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ لِفِعْلِ الْآخَرِ فَفَعَلَ أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ حَتَّى بَانَتْ امْرَأَتُهُ ثُمَّ فَعَلَ الْآخَرَ فَقِيلَ لَا يَقَعُ الثَّانِي لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِامْرَأَتِهِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَقِيلَ يَقَعُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ انْتَهَى، وَفِي الْقُنْيَةِ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ إنْ أَمْسَكْت امْرَأَتِي إلَى مَمَاتِي فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَتْرُكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ يَوْمٍ لَا يَقَعُ لِأَنَّهَا بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ امْرَأَتُهُ فَبِالنِّكَاحِ لَمْ يُمْسِكْ امْرَأَتَهُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَلَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) أَيْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» ، وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ قَيَّدَ بِالِاتِّصَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُكُوتٌ كَثِيرٌ بِلَا ضَرُورَةٍ ثَبَتَ حُكْمُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ السُّكُوتُ بِالْجُشَاءِ أَوْ التَّنَفُّسِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَوْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِأَنَّ دَوَامَهُ عَلَى ذَلِكَ فَوْقَ الْخَلْوَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَهَذَا يُشْكِلُ عَلَى مَا مَرَّ إذْ قَدْ جَعَلَ لِآخِرِ هَذَا الْفِعْلِ الْوَاحِدِ حُكْمٌ عَلَى حِدَةٍ. اهـ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مَا مَرَّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَمَا هُنَا رِوَايَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِعَنْ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ سُقُوطُ الْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ آخِرِ الْفِعْلِ هُنَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَلْوَةً فَأَوْجَبَتْ الْمَهْرَ، وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِيمَا مَرَّ لِإِيجَابِ الْحَدِّ
стр. 1209
بِإِمْسَاكِ غَيْرِهِ فَمَهُ أَوْ كَانَ بِلِسَانِهِ ثِقَلٌ فَطَالَ فِي تَرَدُّدِهِ، وَالْفَاصِلُ اللَّغْوُ يُبْطِلُ الْمَشِيئَةَ فَلِذَا طَلَقَتْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَاحِدَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَقَوْلِهِ عَبْدُهُ حُرٌّ وَحُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْوَاوِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِدُونِهَا لِلتَّأْكِيدِ، وَبِخِلَافِ حُرٍّ وَعَتِيقٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْأَوَّلِ، وَبِخِلَافِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَوْنِهِ أَفَادَ التَّكْمِيلَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِي الْمُجْتَبَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ رَجْعِيًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ بَائِنًا لَا يَقَعُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَغْوٌ دُونَ الثَّانِي، وَفِي الْقُنْيَةِ بَعْدَهُ، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ فَإِنْ عَنَى الرَّجْعِيَّ لَا يَقَعُ، وَإِنْ عَنَى الْبَائِنَ يَقَعُ، وَلَا يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ انْتَهَى، وَصَوَابُهُ إنْ عَنَى الرَّجْعِيَّ يَقَعُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْفَاصِلِ، وَإِنْ عَنَى الْبَائِنَ لَمْ يَقَعْ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَقَعُ، وَصُرِفَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْوَصْفِ، وَكَذَا أَنْت طَالِقٌ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَا أَنْت طَالِقٌ يَا صَبِيَّةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يُصْرَفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْكُلِّ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ كَأَنَّهُ قَالَ يَا فُلَانَةُ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إذَا كَانَ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ أَوْ يَلْزَمُ بِهِ حَدٌّ كَقَوْلِهِ يَا طَالِقُ يَا زَانِيَةُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ انْتَهَى، وَأَطْلَقَ فَشَمِلَ مَا إذَا أَتَى بِالْمَشِيئَةِ عَنْ قَصْدٍ أَوْ لَا فَلَا يَقَعُ فِيهِمَا، وَكَذَا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ الْمَعْنَى فَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مُتَّصِلًا، وَهُوَ لَا يَذْكُرُهُ قَالُوا إنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَدْرِي مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ لِغَضَبٍ جَازَ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا لَا، وَشَمِلَ مَا إذَا ادَّعَى الِاسْتِثْنَاءَ وَأَنْكَرَتْهُ، وَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ وَكَذَا فِي دَعْوَى الشَّرْطِ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ خَالَعَ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ أَوْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ تُقْبَلُ، وَهَذَا مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ضَمِّ الشَّفَتَيْنِ عَقِيبَ التَّكَلُّمِ بِالْمُوجِبِ، وَإِنْ قَالُوا أَطْلَقَ، وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ كَلِمَةِ الْخُلْعِ، وَالزَّوْجُ يَدَّعِي الِاسْتِثْنَاءَ فَالْقَوْلُ لَهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ قَالَهُ، وَلَمْ يَسْمَعُوهُ، وَالشَّرْطُ سَمَاعُهُ لَا سَمَاعُهُمْ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي الصُّغْرَى إذَا ذَكَرَ الْبَدَلَ فِي الْخُلْعِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ طَلَّقْتُك أَمْسِ، وَقُلْت إنْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَصَوَابُهُ إنْ عَنَى الرَّجْعِيَّ يَقَعُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: بَلْ الصَّوَابُ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَحَدُ هَذَيْنِ وَبِهَذَا لَا يَكُونُ الرَّجْعِيُّ لَغْوًا وَإِنْ نَوَاهُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْبَائِنَ وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَيْسَ لَغْوًا عَلَى كُلِّ حَالٍ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، وَأَنَا أَقُولُ: الْحَقُّ مَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الرَّجْعِيَّ فَجُمْلَةُ أَنْتِ طَالِقٌ تُفِيدُهُ فَكَأَنَّ قَوْلَهُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى أَحَدِ هَذَيْنِ لَغْوًا بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْبَائِنَ فَإِنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ لَا تُفِيدُهُ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا لَغْوًا فَإِنْ قُلْت لَمَّا نَوَى الْبَائِنَ كَانَ قَوْلُهُ رَجْعِيًّا لَغْوًا إذْ كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا.
قُلْت هُوَ تَرْكِيبٌ صَحِيحٌ لُغَةً وَشَرْعًا كَمَا فِي إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ وَحَيْثُ كَانَ مَقْصُودُهُ الْبَائِنَ وَكَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْبَائِنِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَيَنْوِيَ الْبَائِنَ وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا. قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ يَا طَالِقُ يَا زَانِيَةُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ قَالَ الرَّمْلِيُّ هُنَا غَلَطٌ وَلَعَلَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ إلَخْ وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي نُسَخِ الْبَحْرِ الَّتِي عِنْدِي، وَلَا فِي نُسَخِ الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ اهـ.
قُلْت وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا صَبِيَّةُ صَوَابُهُ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ إلَخْ وَيُوَضِّحُ الْأَمْرَ، عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة وَنَصُّهَا وَفِي نَوَادِرِ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ الْقَذْفُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ يَا خَبِيثَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ كَأَنَّهُ قَالَ يَا فُلَانَةُ وَذَكَرَ ثَمَّةَ أَصْلًا فَقَالَ الْمَذْكُورُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إذَا كَانَ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ أَوْ يَجِبُ بِهِ حَدٌّ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ وَيَا طَالِقُ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ يَا خَبِيثَةُ انْتَهَتْ.
وَاعْلَمْ أَنَّا كَتَبْنَا أَوَائِلَ فَصْلِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَنْ شَرْحِ التَّلْخِيصِ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ إنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ أَوْ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ كَانَ قَذْفًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُعَدُّ الْمُتَخَلِّلُ فَاصِلًا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْحَالِ وَيَجِبُ اللِّعَانُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ وَيَجِبُ اللِّعَانُ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ يَا زَانِيَةُ وَإِنْ كَانَ جَزَاءً إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّفْيُ دُونَ التَّحْقِيقِ وَلِأَنَّهُ نِدَاءٌ لِلْإِعْلَامِ فَلَا يُفْصَلُ فَيَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ فَكَذَا الْقَذْفُ بِالْأَوْلَى لِقُرْبِهِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعِبَارَةُ مَتْنِ التَّلْخِيصِ قَدَّمَهَا الْمُؤَلِّفُ أَوَّلَ بَابِ التَّعْلِيقِ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ خِلَافًا إلَى قَوْلِهِ انْتَهَى) قَالَ الرَّمْلِيُّ هُوَ بِجُمْلَتِهِ مَنْقُولُ الْخَانِيَّةِ عَنْ النَّوَادِرِ فَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ مِنْ كَلَامِ النَّوَادِرِ لَا مِنْ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ اهـ.
стр. 1210
شَاءَ اللَّهُ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ.
وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَالْفَتْوَى احْتِيَاطًا فِي أَمْرِ الْفُرُوجِ فِي زَمَنٍ غَلَبَ عَلَى النَّاسِ الْفَسَادُ انْتَهَى.
وَأَشَارَ بِصِحَّةِ الْمَشِيئَةِ فِي الطَّلَاقِ إلَى صِحَّتِهَا فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ صِيَغِ الْإِخْبَارِ، وَإِنْ كَانَتْ إنْشَاءَاتٍ شَرْعًا فَدَخَلَ الْبَيْعُ وَالِاعْتِكَافُ وَالْعِتْقُ وَالنَّذْرُ بِالصَّوْمِ، وَخَرَجَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَلَوْ قَالَ اعْتِقُوا عَبْدِي مِنْ بَعْدِ مَوْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَذَا بِعْ عَبْدِي مِنْ بَعْدِ مَوْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَذَا بِعْ عَبْدِي هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَبِعْهُ، وَخَرَجَ مَا لَمْ يَخْتَصَّ بِاللِّسَانِ كَالنِّيَّةِ فَلَوْ قَالَ نَوَيْت أَنْ أَصُومَ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ صَوْمُهُ.
وَأَشَارَ بِإِسْنَادِ الْمَشِيئَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يُوقَفُ لَهُ عَلَى مَشِيئَةٍ كَإِنْ شَاءَ الْجِنُّ أَوْ الْإِنْسُ أَوْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ الْحَائِطُ فَلَا يَقَعُ فِي الْكُلِّ فَخَرَجَ مَنْ يُوقَفُ لَهُ عَلَيْهَا كَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ فَهُوَ تَمْلِيكٌ لَهُ مُعْتَبَرٌ فِيهِ مَجْلِسُ عِلْمِهِ فَإِنْ شَاءَ فِيهِ طَلَقَتْ، وَإِلَّا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ، وَصُورَةُ مَشِيئَتِهِ أَنْ يَقُولَ شِئْت مَا جَعَلَهُ إلَيَّ فُلَانٌ، وَلَا تُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةُ الطَّلَاقِ، وَلَا ذِكْرُهُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَمَشِيئَةِ مَنْ يُوقَفُ عَلَى مَشِيئَتِهِ كَمَا إذَا قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَشَاءَ زَيْدٌ فَلَا وُقُوعَ، وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَقَدَّمْنَا عَنْ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ حُكْمُ مَا إذَا قَالَ أَمْرُهَا بِيَدِ اللَّهِ وَبِيَدِك، وَأَشَارَ بِكَلِمَةِ إنْ إلَى مَا كَانَ بِمَعْنَاهَا فَدَخَلَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ إذَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَبِالْمَشِيئَةِ إلَى مَا كَانَ بِمَعْنَاهَا كَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا بِجَمِيعِ الْأَدَوَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ إنْ، وَالْبَاءِ فَخَرَجَ مَا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنَاهَا كَأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ وَإِذْنِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ لِلْحَالِ إنْ كَانَ بِالْبَاءِ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى الْعَبْدِ، وَخَرَجَ أَيْضًا مَا إذَا كَانَ بِاللَّامِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى الْعَبْدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَقِيَ، وَأَضَافَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا إلَّا فِي قَوْلِهِ طَالِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَإِلَّا فِي قَوْلِهِ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إنْ أَرَادَ بِالْقُدْرَةِ ضِدَّ الْعَجْزِ لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى مَوْجُودَةٌ قَطْعًا كَالْعِلْمِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَلَا يَعْلَمُ تَقْدِيرَهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ أَتَى بِالْبَاءِ لَمْ يَقَعْ فِي
ــ
[منحة الخالق]
وَكَتَبَ قَبْلَهُ أَقُولُ: وَحَيْثُمَا وَقَعَ خِلَافٌ وَتَرْجِيحٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَصْحَابِنَا، وَأَيْضًا كَمَا غَلَبَ الْفَسَادُ فِي الرِّجَالِ غَلَبَ فِي النِّسَاءِ فَقَدْ تَكُونُ كَارِهَةً لَهُ فَتَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهُ فَتَفْتَرِي عَلَيْهِ فَيُفْتِي الْمُفْتِي بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي هُوَ الْمَذْهَبُ، وَيُفَوِّضُ بَاطِنَ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ وَأَنْصِفْ مِنْ نَفْسِك (قَوْلُهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ فِي مَا شَاءَ اللَّهُ مُسَلَّمٌ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ مَا مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً لَا مَا إذَا قَدَّرْت مَوْصُولًا اسْمِيًّا أَيْ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْوَاقِعِ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَلَا شَكَّ فِي أَنْتِ طَالِقٌ الْمَذْكُورِ هُنَا فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بِتَقْدِيرِ إرَادَةِ الْمِقْدَارِ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ الطَّلَاقُ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَشِيئَتُهُ لَا تُعْلَمُ فَلَمْ يَقَعْ إذْ الْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ.
(قَوْلُهُ إلَّا فِي قَوْلِهِ طَالِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ لِأَنَّ فِي بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَلَا يَقَعُ إلَّا فِي الْعِلْمِ لِأَنَّهُ يَذْكُرُ لِلْمَعْلُومِ، وَهُوَ وَاقِعٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ تَعَالَى بِحَالٍ فَكَانَ تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ فَيَكُونُ تَنْجِيزًا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقُدْرَةُ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا هُنَا التَّقْدِيرُ، وَقَدْ يُقَدِّرُ شَيْئًا، وَقَدْ لَا يُقَدِّرُهُ حَتَّى إذَا أَرَادَ حَقِيقَةَ قُدْرَتِهِ تَعَالَى يَقَعُ فِي الْحَالِ كَذَا فِي الْكَافِي، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُرَادَ الْعِلْمُ عَلَى مَفْهُومِهِ، وَإِذَا كَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهَا طَالِقٌ فَهُوَ فَرْعُ تَحَقُّقِ طَلَاقِهَا، وَكَذَا نَقُولُ الْقُدْرَةُ عَلَى مَفْهُومِهَا، وَلَا يَقَعُ لِأَنَّ مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إنَّ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَى وُقُوعُهُ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ سَبْقَ تَحَقُّقِهِ يُقَالُ لِلْفَاسِدِ الْحَالُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ صَلَاحُهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي الْحَالِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَيْ فِي الْكَافِي، وَإِنْ أَضَافَ إلَى الْعَبْدِ بِفِي كَانَ تَمْلِيكًا فِي الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ، وَمَا بِمَعْنَاهُ مِنْ الْهَوَى، وَالرُّؤْيَةِ تَعْلِيقًا فِي السِّتَّةِ الْأَوَاخِرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّنْجِيزِ بِقَوْلِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فِي إرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ فَيَلْزَمُ الْوُقُوعُ بِخِلَافِ تَوْجِيهِنَا (قَوْلُهُ وَإِنْ أَتَى بِالْبَاءِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَعْنِي مَا إذَا لَمْ يُعَلِّقْ بِأَنَّ عَلَيَّ سِتِّينَ وَجْهًا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْعَشَرَةِ إمَّا أَنْ يُضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الْعَبْدِ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْبَاءِ أَوْ اللَّامِ أَوْ بِفِي اهـ.
وَإِذَا ضُرِبَتْ هَذِهِ السِّتُّونَ فِي الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ مَا إذَا تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ كَتَبَهَا أَوْ كَتَبَ الْأَوَّلَ فَقَطْ أَوْ بِالْعَكْسِ بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَبِضَمِّ إنْ إلَى الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ تَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَرُبَّمَا بَلَغَتْ أَضْعَافَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ
стр. 1211
الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ، وَوَقَعَ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ أَتَى بِفِي لَمْ يَقَعْ إلَّا فِي عَلِمَ اللَّهُ، وَإِنْ أَتَى بِاللَّامِ وَقَعَ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى الْعَبْدِ كَانَ تَمْلِيكًا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى، وَهِيَ الْمَشِيئَةُ وَأَخَوَاتِهَا، وَمَا بِمَعْنَاهَا كَالْهُوِيَّةِ وَالرُّؤْيَةِ تَعْلِيقًا فِي السِّتَّةِ، وَهِيَ الْأَمْرُ، وَأَخَوَاتُهُ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ، وَالِاسْتِثْنَاءَ أَوْ كَتَبَ الطَّلَاقَ، وَاسْتَثْنَى بِلِسَانِهِ أَوْ طَلَّقَ بِلِسَانِهِ، وَاسْتَثْنَى بِالْكِتَابَةِ يَصِحُّ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَأَشَارَ بِإِنْ بِدُونِ الْوَاوِ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ، وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
وَلَوْ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ صَحَّتْ الْمَشِيئَةُ، وَلَا تَطْلُقُ لِكَوْنِهِ إبْطَالًا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى أَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْمَجْمَعِ خِلَافًا فِيهِ فَقَالَ وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ يَجْعَلُهُ تَعْلِيقًا، وَهُمَا تَطْلِيقًا فَأَفَادَ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا عِنْدَهُ، وَالشَّرْطُ فِيهِ الْفَاءُ فِي الْجَوَابِ الْمُتَأَخِّرِ فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ لَا يَتَعَلَّقُ فَيُنَجَّزُ، وَلَغَتْ الْمَشِيئَةُ، وَلَا يَقَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ هَذَا مَا يَقْتَضِيه مَا فِي الْمَتْنِ، وَقَرَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ الْهُمَامِ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ خَالَفَ شَارِحُ الْمَجْمَعِ فَنَسَبَ إلَى أَبِي يُوسُفَ الْقَائِلِ بِالتَّعْلِيقِ عَدَمَ الْوُقُوعِ، وَإِلَيْهِمَا الْوُقُوعَ نَظَرًا إلَى مَا نَقَلَهُ قَاضِي خَانْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ فِي الْجَوَابِ، وَيُصَدَّقُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُقُوعِ دِيَانَةً أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَلَوْ أَجَابَ بِالْوَاوِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ إجْمَاعًا.
وَفِي الْإِسْبِيجَابِيِّ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِذِكْرِ الْوَاوِ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَتَظْهَرُ أَيْضًا فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ إنْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا ثُمَّ قَالَ أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ حَنِثَ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعْلِيقِ لَا الْإِبْطَالِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّهُ عُزِيَ إلَيْهِ الْإِبْطَالُ فَتَحَصَّلَ عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إبْطَالٌ اهـ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ، وَفِيمَا إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ إنْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا ثُمَّ حَلَفَ مُسْتَثْنِيًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي الْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَصَرَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ أَيْ قَاضِي خَانْ عَزَا إلَيْهِ أَيْ إلَى أَبِي يُوسُفَ الْإِبْطَالَ سَهْوًا، وَإِنَّمَا عُزِيَ إلَيْهِ الْيَمِينُ، وَلَا
ــ
[منحة الخالق]
تَقْدِيمِ الْمَشِيئَةِ أَوْ تَأْخِيرِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ إبْطَالًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ هُوَ عِلَّةٌ لِصِحَّةِ الْمَشِيئَةِ مَعَ تَقْدِيمِهَا، وَعَدَمِ الْإِيتَانِ بِالْفَاءِ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَيْ عَلَى صِحَّةِ الْمَشِيئَةِ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ لَا عَلَى عَكْسِهِ الَّذِي هُوَ الْوُقُوعُ، وَعَدَمُ صِحَّتِهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ) كَأَنَّهُ عَزَاهُ إلَى الْخَانِيَّةِ مُجَارَاةً لِصَاحِبِ الْفَتْحِ، وَإِلَّا فَسَيَذْكُرُ قَرِيبًا أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لَا إبْطَالٌ.
(قَوْلُهُ هَذَا مَا يَقْتَضِيه مَا فِي الْمَتْنِ) أَيْ مَتْنِ الْمَجْمَعِ قَالَ فِي النَّهْرِ يَأْبَاهُ قَوْلُهُ وَهُمَا تَطْلِيقًا إذْ مُقَابَلَةُ التَّعْلِيقِ بِالتَّطْلِيقِ تَقْتَضِي عَدَمَ الْوُقُوعِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْوُقُوعَ عَلَى الثَّانِي فَنِسْبَةُ صَاحِبِ الْفَتْحِ الْغَلَطَ إلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاجْتَنِبْهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الْمَتْنِ أَيْضًا اهـ. مُلَخَّصًا.
يَعْنِي: أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ هُوَ مَا ذَكَرَ شَارِحُهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَعْلِيقٌ فَلَا يَقَعُ، وَعِنْدَهُمَا تَطْلِيقٌ فَيَقَعُ مُنَجَّزًا لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ بِسَبَبِ إسْقَاطِ الْفَاءَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ حَيْثُ شَرَحَ مَتْنَهُ بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُهُ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَدْرَى، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ أَوَّلًا بِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَجْعَلُهُ تَعْلِيقًا لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْإِيجَابِ أَبْطَلَ حُكْمَهُ ثُمَّ قَالَ وَجَعَلَاهُ تَنْجِيزًا لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى رَابِطُ الْجُمْلَتَيْنِ، وَهُوَ الْفَاءُ هُنَا بَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُنَجَّزًا إلَخْ، وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَإِنْ ذَكَرَ الطَّلَاقَ بِدُونِ حَرْفِ الْفَاءِ بِأَنْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْقَضَاءِ، وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الْقُدُورِيِّ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا تَطْلُقُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَتَطْلُقُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. اهـ.
قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ قَبْلَ هَذَا فِي أَوَائِلِ بَابِ التَّعْلِيقِ عَكْسَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا هَذِهِ، وَمِنْهَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْت طَالِقٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْجَزَاءِ لَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ إلَّا بِحُرُوفِ الْجَزَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْت طَالِقٌ يَكُونُ تَنْجِيزًا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ لِأَنَّ عِنْدَهُ الِاسْتِثْنَاءُ إبْطَالٌ، وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ فَيَصِحُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ إلَخْ) أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ إلَخْ فَلَا مَعْنَى لِلرَّدِّ هُنَا فَكَانَ الْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ لَمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ
стр. 1212
بَأْسَ بِسَوْقِ عِبَارَتِهِ بِتَمَامِهَا قَالَ وَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَتَطْلُقُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمَقْرُونَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَكُونُ يَمِينًا حَتَّى لَوْ قَالَ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ حَنِثَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَلَا يَحْنَثُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ جَمِيعًا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ اهـ.
فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَائِلٌ بِأَنَّهَا يَمِينٌ لَا إبْطَالٌ، وَإِنْ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعْلِيقِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقَ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ فِي الْجَزَاءِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَإِنَّ شَارِحَ الْمَجْمَعِ قَدْ غَلِطَ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ الْقَائِلَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ فِي الْأُولَى قَائِلٌ بِالْوُقُوعِ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لَا إبْطَالٌ، وَلَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى التَّعْلِيقِ الْوُقُوعُ عِنْدَ عَدَمِ الْفَاءِ لِعَدَمِ الرَّابِطِ، وَمِمَّا يَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ كُنْت طَلَّقْتُك أَمْسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي هَذِهِ، وَفِيمَا إذَا أَخَّرَ الْجَوَابَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ أَوْ أَتَى بِالْوَاوِ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْلِفَ أَوْ تَعَقَّبَ جُمَلًا، وَقَيَّدَ بِمَوْتِهَا لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ يُرِيدُهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَتُعْلَمُ إرَادَتُهُ بِأَنْ ذَكَرَ لِآخَرَ قَصْدَهُ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَوْتِهَا وَمَوْتِهِ أَنَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ خَرَجَ الْكَلَامُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا، وَالْمَوْتُ يُنَافِي الْمُوجِبَ دُونَ الْمُبْطِلِ بِخِلَافِ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْت طَالِقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ، وَيَقَعُ الثَّانِي عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِمَا عِنْدَهُ، وَلَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْت طَالِقٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَالِحٌ لِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا، وَلِتَعْلِيقِ الْأَخِيرِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْفَاءُ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ، وَأَخَّرَ الْجَزَاءَ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْفَاءِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِلِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّا لَوْ أَوْقَعْنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ لِأَنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَائِلٌ بِأَنَّهَا يَمِينٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِبْطَالِ الْمُقَابِلِ لِلتَّعْلِيقِ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فَقَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ إلَّا أَنَّهُ عَزَى إلَيْهِ الْإِبْطَالَ أَيْ الْمُومِي إلَيْهِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ لَا خُصُوصُ هَذَا اللَّفْظِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ سَهْوٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَخْرُجَ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعْلِيقِ إذْ لَا يُعْرَفُ ثُبُوتُهُ مَعَ عَدَمِ الرَّابِطِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْإِبْطَالِ فَعَلَيْك أَبَدًا بِالتَّدَبُّرِ فِي كَلَامِ هَذَا الْإِمَامِ مَخَافَةَ أَنْ تَزِلَّ بِك الْأَقْدَامُ، وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الثَّانِي مِنْ الْحِنْثِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَحْلِفُ مُخَرَّجٌ عَلَى التَّعْلِيقِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا نَسَبَهُ إلَيْهِ، وَمَا فِيهَا أَيْضًا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ، وَيَقَعُ الثَّانِي، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَكَذَا أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْت طَالِقٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي التَّعْلِيقَ وَالْإِبْطَالَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْأُولَى، وَتَوَهَّمَ فِي الْبَحْرِ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ التَّعْلِيقُ مَعَ عَدَمِ الرَّابِطِ، وَلَا يَقَعُ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْوَاقِعُ.
(قَوْلُهُ وَلَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ جَوَابُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إعْدَامُ الْحُكْمِ لَا التَّعْلِيقِ، وَفِي الْإِعْدَامِ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَرْفِ الْجَزَاءِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّعْلِيقُ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَقَدْ فَرَّقَ بِذَلِكَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فِي الْفَصْلِ الثَّلَاثِينَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَاضِي خَانْ مِنْ قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ إبْطَالًا صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ أَيْضًا. اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَالْإِبْطَالُ مُرَادِفٌ لِلتَّعْبِيرِ بِالتَّعْلِيقِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ إبْطَالُ الْإِيجَابِ السَّابِقِ لِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا عَلَى غَيْرِ مَعْلُومِ الثُّبُوتِ، وَبِهِ يَصِحُّ مَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ نِسْبَةِ الْإِبْطَالِ إلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ زُفَرَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ لَا مِنْ كَلَامِ الْبَزَّازِيِّ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيمَا اسْتَدَلَّ لِأَنَّهُ فِيمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى جَزَاءٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا كَذَلِكَ هُنَا، وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ لِلْمُتَأَمِّلِ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ النَّهْرِ أَتَى بِمِثْلِ مَا ذَكَرْته فَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ
стр. 1213
الْمَشِيئَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاقِعٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ عَلَّقَ فِي الثَّانِي بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وَعَلَا فَيَبْطُلُ الْإِيقَاعُ ضَرُورَةً.
وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ الْيَوْمَ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَثِنْتَيْنِ فَمَضَى الْيَوْمُ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا طَلَقَتْ ثِنْتَيْنِ لِأَنَّ وُقُوعَ ثِنْتَيْنِ تَعَلَّقَ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاحِدَةِ فِي الْيَوْمِ، وَبِمُضِيِّهِ بِلَا طَلَاقٍ وُجِدَ الشَّرْطُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ نَوَاهُ، وَعَلِمَ مَعْنَاهُ أَوْ لَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ يَقَعُ مُطْلَقًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ نَوَاهُ، وَعَلِمَهُ لَا يَقَعُ، وَإِلَّا يَقَعُ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إنْ كَانَ يُمْسِكُهَا بِمَعْرُوفٍ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ يُسِيءُ مُعَاشَرَتَهَا يَقَعُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْأَوَّلِ حَرَامٌ، وَالْقَبَائِحُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الثَّانِي وَاجِبٌ، وَبِهِ تَتَعَلَّقُ مَشِيئَتُهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْسُنُ وَلَا يَضُرُّ فَالطَّلَاقُ مُبَاحٌ، وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاحِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ رَجْعِيَّةً كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَقَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَعِنْدَ الْهِنْدُوَانِيُّ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَفِي الِاثْنَتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَفِي الْأَثْلَاثِ ثَلَاثٌ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ وَضْعِيٌّ وَعُرْفِيٌّ فَالْعُرْفِيُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ وَالْوَضْعِيُّ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَهُوَ بَيَانٌ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَمْ يُرَدْ بِحُكْمِ الصَّدْرِ. قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ إلَّا لَمْ يُرَدْ بِحُكْمِ الصَّدْرِ فَالْمُقِرُّ بِهِ لَيْسَ إلَّا سَبْعَةٌ فِي عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ أُرِيدَ مَا بَعْدَ إلَّا بِالصَّدْرِ فَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ، وَكَلِمَةُ إلَّا قَرِينَةٌ عَلَيْهِ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ مَا بَعْدَ الْإِثْمِ أُخْرِجَ ثُمَّ حُكِمَ عَلَى الْبَاقِي، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أُرِيدَ عَشَرَةٌ فِي هَذَا الْمِثَالِ، وَحَكَمَ عَلَى سَبْعَةٍ فَأَرَادَ الْعَشَرَةَ بَاقٍ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَمَا نُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُعَارَضَةِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَسْنَدَ الْحُكْمَ إلَى الْعَشَرَةِ مَثَلًا ثُمَّ نَفَى الْحُكْمَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَتَعَارَضَا صُورَةً ثُمَّ تَرَجَّحَ الثَّانِي فَيُحْكَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا سِوَاهُ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ حَقِيقَةَ النِّسْبَةِ إلَيْهِمَا لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّنَاقُضِ لَمْ يَقُلْ بِهِ عَاقِلٌ فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَتَمَامُهُ فِي التَّحْرِيرِ لِابْنِ الْهُمَامِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ بِالِاتِّصَالِ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ فِيمَا قَبْلَهُ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِثْنَاءٌ.
وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ بِأَرْبَعَةٍ بِالسَّكْتَةِ اخْتِيَارًا، وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا أَرْبَعًا وَبِالْمُسَاوَاةِ، وَبِاسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الطَّلَاقِ كَأَنْتِ طَالِقٌ إلَّا نِصْفَهَا كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَزَادَ فِي الْخَانِيَّةِ خَامِسًا فَقَالَ وَالْخَامِسُ مَا يُؤَدِّي إلَى تَصْحِيحِ بَعْضِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِبْطَالِ الْبَعْضِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ إلَّا ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا فُلَانَةُ إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَتْ ثِنْتَانِ، وَلَا يَصِيرُ النِّدَاءُ فَاصِلًا لِأَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ.
وَأَشَارَ بِاسْتِثْنَاءِ الثِّنْتَيْنِ إلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ، وَفِي إلَّا ثَلَاثًا ثَلَاثٌ عَدَمُ جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ بِمُسَاوٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ اسْتِثْنَاءٌ آخَرُ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَاطِلٌ فَالْأَوَّلُ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَكَقَوْلِهِ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي، وَكَمَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، وَمِنْ الْمُسَاوِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً أَوْ إلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ آخِرِ الْعِتْقِ قَالَ لِعَبِيدِهِ الثَّلَاثِ أَنْتُمْ أَحْرَارٌ إلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا يَقَعُ الْعِتْقُ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ اهـ.
وَفِي قِيَاسِهِ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ، وَلَيْسَ لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُسَاوِي بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ الْمُسَاوِي كَقَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ إلَّا هَذِهِ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَاهَا لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْوُجُودِ لَا تَمْنَعُ صِحَّتَهُ إنْ عَمَّ وَضْعًا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صِيَغِيٌّ كَقَوْلِهِ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَإِذَا حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ صَحَّ إذَا تَكَلَّمَ بِالْحُرُوفِ سَوَاءٌ كَانَ مَسْمُوعًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الِاسْتِثْنَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا اهـ. فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَرْجَحِيَّةِ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ اهـ.
لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ مَا ذَكَرَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ فَتَعَارَضَا صُورَةً) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ نَفْيًا وَإِثْبَانًا، وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَرَجَّحَ الثَّانِي أَيْ النَّفْيُ، وَقَوْلُهُ فَيُحْكَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ أَيْ الَّذِي هُوَ الْعَشَرَةُ، وَقَوْلُهُ مَا سِوَاهُ أَيْ مَا سِوَى الْمُسْتَثْنَى الَّذِي هُوَ الثَّلَاثَةُ (قَوْلُهُ فَقَالَ: وَالْخَامِسُ مَا يُؤَدِّي إلَى تَصْحِيحِ بَعْضِ الِاسْتِثْنَاءِ) كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَيْسَ مَا نَقَلَهُ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ بَلْ هِيَ هَكَذَا، وَالْخَامِسُ إبْطَالُ الْبَعْضِ كَمَا لَوْ قَالَ إلَخْ
стр. 1214
وَهِنْدًا وَعَمْرَةَ وَبَكْرَةَ، وَأَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي إلَّا أَلْفًا، وَالثُّلُثُ أَلْفٌ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا هُمَا، وَفِي الْجَوْهَرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ رُجُوعٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ فَاسِدٌ، وَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمُوصِي إذَا اسْتَثْنَى جَمِيعَ الْمُوصَى بِهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَالْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ، وَلَوْ كَانَ رُجُوعًا لَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِيهَا جَائِزٌ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ إلَّا ثِنْتَيْنِ إنْ نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ عَنْ إحْدَى الثِّنْتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ.
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مِنْ الْأُولَى، وَوَاحِدَةً مِنْ الْأُخْرَى يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ ثِنْتَانِ خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنْ يَصْرِفَ إلَى كِلَا الْعَدَدَيْنِ فَيَصِيرَ مُسْتَثْنًى مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَصْرِفَ إلَيْهِمَا تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ.
وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَثِنْتَيْنِ إلَّا ثَلَاثًا أَوْ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعًا إلَّا خَمْسًا وَقَعَ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَصْحِيحُ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الثَّلَاثِ مِنْ الثِّنْتَيْنِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَلَا اسْتِثْنَاءُ نِصْفِ الثَّلَاثِ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءَ جَمِيعِ الثِّنْتَيْنِ لِأَنَّ ذِكْرَ نِصْفِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ، وَلَا اسْتِثْنَاءُ وَاحِدَةِ مِنْ إحْدَى الثِّنْتَيْنِ لِأَنَّهُ يَبْقَى ثِنْتَيْنِ اسْتِثْنَاءً مِنْ الْأُخْرَى، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ طَلَقَتْ وَاحِدَةً فِي رَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَقَعُ ثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ عَشْرًا إلَّا تِسْعًا يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرِدُ عَلَى اللَّفْظِ فَيَكُونُ الْعِبْرَةُ لِلَّفْظِ لَا لِلْحُكْمِ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَا اللَّفْظِ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ، وَلَوْ قَالَ إلَّا ثَمَانِيًا تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ إلَّا سَبْعًا يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَلَوْ قَالَ لِلْمَدْخُولَةِ أَنْت طَالِقٌ أَنْت طَالِقٌ أَنْت طَالِقٌ إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ وَاحِدَةٌ وَوَاحِدَةٌ وَوَاحِدَةٌ إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ ذَكَرَ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةً فَيُعْتَبَرُ كُلُّ كَلَامٍ فِي حَقِّ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ بَائِنٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ غَيْرُ بَائِنٍ إلَّا تِلْكَ الْبَائِنَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ هَذِهِ طَالِقٌ، وَهَذِهِ، وَهَذِهِ إلَّا هَذِهِ وَلَوْ قَالَ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إلَّا هَذِهِ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ. اهـ.
وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ اسْتِثْنَاءٌ آخَرُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَهُ مَا يَكُونُ جَبْرًا لِلصَّدْرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ الِاسْتِثْنَاءُ بِلَا وَاوٍ كَانَ كُلٌّ إسْقَاطًا مِمَّا يَلِيه فَوَقَعَ ثِنْتَانِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً، وَلَزِمَهُ خَمْسَةٌ فِي قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً إلَّا ثَمَانِيَةً إلَّا سَبْعَةً إلَّا سِتَّةً إلَّا خَمْسَةً إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً.
وَفِي الْمُحِيطِ، وَطَرِيقَةٌ أُخْرَى لِمَعْرِفَتِهَا أَنْ تَأْخُذَ الثَّلَاثَ بِيَمِينِك وَالثِّنْتَيْنِ بِيَسَارِك، وَالْوَاحِدَةَ بِيَمِينِك ثُمَّ تُسْقِطَ مَا اجْتَمَعَ فِي يَسَارِك مِمَّا اجْتَمَعَ فِي يَمِينِك فَمَا بَقِيَ فَهُوَ الْوَاقِعُ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ وَاحِدَةٍ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَوَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا بَائِنَةً إلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا أَلْبَتَّةَ إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَ ثِنْتَانِ رَجْعِيَّتَانِ، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ إلَّا وَاحِدًا بَائِنًا تَطْلُقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَلْبَتَّةَ إلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً غَدًا أَوْ قَالَ إلَّا وَاحِدَةً إنْ كَلَّمْت فُلَانًا يَصِيرُ قَائِلًا أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ غَدًا أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً لِلسُّنَّةِ كَانَتْ طَالِقًا اثْنَتَيْنِ لِلسُّنَّةِ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَتَمَامُهُ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ قَالَ أَنْت بَائِنٌ يَنْوِي ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً طَلَقَتْ ثِنْتَيْنِ بَائِنَتَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ طَلَقَتْ وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَهَا يَقَعُ ثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْصَافَهُنَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ تَمَامُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا قُبَيْلَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ الْأَصْلِ فِي الْوَصْفِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَصْفًا يَلِيقُ بِالْمُسْتَثْنَى أَوْ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ بِهِمَا، وَأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ وَصْفًا أَصْلِيًّا، وَتَارَةً يَكُونُ زَائِدًا، وَقَدْ ذَكَرَ مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ هُنَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ.
стр. 1215
يَقَعُ الثَّلَاثُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
(بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ)
لَمَّا كَانَ الْمَرَضُ مِنْ الْعَوَارِضِ أَخَّرَهُ، وَمَعْنَاهُ ضَرُورِيٌّ فَتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفٌ بِالْأَخْفَى، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ بِحَوَائِجِهِ خَارِجَ الْبَيْتِ كَعَجْزِ الْفَقِيهِ عَنْ الْإِتْيَانِ إلَى الْمَسْجِدِ وَعَجْزِ السُّوقِيِّ عَنْ الْإِتْيَانِ إلَى دُكَّانِهِ فَأَمَّا مَنْ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَيُحَمُّ فَلَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا فِي حَقِّهِ أَمَّا فِي حَقِّهَا فَيُعْتَبَرُ عَجْزُهَا عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهَا دَاخِلَ الْبَيْتِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنْ لَا تَقْدِرَ عَلَى الصُّعُودِ إلَى السَّطْحِ، وَفِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ هُنَا مَقْصُورًا عَلَى الْمَرِيضِ بَلْ الْمُرَادُ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ الْمَرِيضِ التَّطْلِيقُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ إلَّا إذَا رَضِيَتْ بِهِ (قَوْلُهُ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَمَاتَ فِي عِدَّتِهَا وَرِثَتْ وَبَعْدَهَا لَا) لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ سَبَبُ إرْثِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَالزَّوْجُ قَصَدَ إبْطَالَهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ إلَى زَمَنِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، وَقَدْ أَمْكَنَ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ يَبْقَى فِي حَقِّ بَعْضِ الْآثَارِ فَجَازَ أَنْ يَبْقَى فِي حَقِّ إرْثِهَا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ لِأَنَّهُ لَا مَكَانَ، وَالزَّوْجِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِإِرْثِهِ عَنْهَا فَيَبْطُلُ فِي حَقِّهِ خُصُوصًا إذَا رَضِيَ بِهِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ فِي الْمَرَضِ مُسْتَحَاضَةً، وَكَانَ حَيْضُهَا مُخْتَلِفًا فَفِي الْمِيرَاثِ يُؤْخَذُ بِالْأَقَلِّ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يُسْتَوْجَبُ بِالشَّكِّ اهـ.
أَطْلَقَ الرَّجْعِيَّ لِيُفِيدَ أَنَّهَا تَرِثُ، وَإِنْ طَلَّقَ فِي الصِّحَّةِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ لِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً حَتَّى حِلِّ الْوَطْءِ، وَوَرِثَهَا إذَا مَاتَتْ فِيهَا.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّتُهَا لِلْإِرْثِ وَقْتَ الطَّلَاقِ بَلْ وَقْتَ مَوْتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ فِي الرَّجْعِيِّ مَمْلُوكَةً أَوْ كِتَابِيَّةً ثُمَّ أُعْتِقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَتْهُ، وَأَطْلَقَ الْبَائِنَ فَشَمِلَ الْوَاحِدَةَ وَالثَّلَاثَ، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَيْدَ الطَّوَاعِيَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا الْبَائِنِ لَا تَرِثُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَتْ عَلَى سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ فَإِنَّهَا تَرِثُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ، وَذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ خِلَافًا فِيهِ، وَقَيَّدَ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَرَضِهِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا طَلَّقَ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ، وَمَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا تَرِثُ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ صَحِيحٌ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ بَيَّنَ فِي مَرَضِهِ فِي إحْدَاهُمَا صَارَ فَارًّا بِالْبَيَانِ، وَتَرِثُ لِأَنَّهُ كَالْإِنْشَاءِ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِلتُّهْمَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْكَافِي، وَأَرَادَ بِهِ الْمَرَضَ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ لِأَنَّ حَقَّهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ إلَّا بِهِ فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا تَرِثُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرَضِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ فَلَهَا الْمِيرَاثُ لِأَنَّهُ قَدْ اتَّصَلَ الْمَوْتُ بِمَرَضِهِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَا بُدَّ فِي الْبَائِنِ أَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِلْمِيرَاثِ وَقْتَ الطَّلَاقِ، وَالْمَوْتِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَسَيَأْتِي، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَهْلِيَّتِهَا لِلْمِيرَاثِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا فِي مَرَضِهِ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدُهَا أَعْتَقَهَا قَبْلُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الزَّوْجُ كَانَ فَارًّا.
وَكَذَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ فَأَسْلَمَتْ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهَا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِأَمَتِهِ أَنْت حُرَّةٌ غَدًا، وَقَالَ الزَّوْجُ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْدَ غَدٍ إنْ عَلِمَ الزَّوْجُ بِكَلَامِ الْمَوْلَى كَانَ فَارًّا، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
[بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ]
(قَوْلُهُ وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنْ لَا تَقْدِرَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهَا لَوْ قَدَرَتْ عَلَى نَحْوِ الطَّبْخِ دُونَ صُعُودِ السَّطْحِ لَمْ تَكُنْ مَرِيضَةً، وَهُوَ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِ قَصْدَهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا إلَّا بِصُورَةِ الْإِبْطَالِ لَا بِحَقِيقَتِهِ فَتَدَبَّرْ. اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَصْدُ مَحْظُورًا لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ الشَّارِعُ كَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ (قَوْلُهُ أَطْلَقَ الرَّجْعِيَّ لِيُفِيدَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي حَذْفُ الرَّجْعِيِّ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهَا فِيهِ تَرِثُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ مَا بَقِيَتْ الْعِدَّةُ بِخِلَافِ الْبَائِنِ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْمَرَضِ، وَقَدْ أَحْسَنَ الْقُدُورِيُّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَائِنِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا (قَوْلُهُ، وَذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ خِلَافًا فِيهِ) ، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَسُئِلَ عَمَّنْ أُكْرِهَ عَلَى التَّطْلِيقِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ قَالَ تَرِثُهُ إذْ الْإِكْرَاهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الطَّلَاقِ بِدَلِيلِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، وَلَا رِوَايَةَ لِهَذَا فِي الْكُتُبِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَرِثَهُ لِلْجَبْرِ إذْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ مُوَرِّثِهِ فَقَتَلَهُ يَرِثُهُ لَا الْمُكْرِهُ لَوْ، وَارِثًا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَتْلُ قَالَ صط بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَرِثُهُ فَإِنِّي وَجَدْت رِوَايَةً فِي الْفَرَائِضِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْإِرْثِ. اهـ.
(قَوْلُهُ صَارَ فَارًّا بِالْبَيَانِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ حَنِثَ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَبَيَّنَهُ فِي وَاحِدَةٍ أَنَّهُ يَكُونُ فَارًّا أَيْضًا، وَلَمْ أَرَهُ (قَوْلُهُ إنْ عَلِمَ الزَّوْجُ بِكَلَامِ الْمَوْلَى كَانَ فَارًّا، وَإِلَّا فَلَا) ظَاهِرُ هَذَا
стр. 1216
وَقْتَ التَّعْلِيقِ لَمْ يَقْصِدْ إبْطَالَ حَقِّهَا حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ صَارَتْ أَهْلًا قَبْلَ نُزُولِ الطَّلَاقِ، وَلَمْ تَكُنْ حُرَّةً وَقْتَ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ عِتْقَهَا مُضَافٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ حُرَّةً وَقْتَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا الْبَائِنَ بِعِتْقِهَا كَانَ فَارًّا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِمَرَضِهِ كَمَا إذَا قَالَ إنْ مَرِضْت فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا يَكُونُ فَارًّا لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْحِنْثِ الْمَرَضَ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إذَا وَكَّلَ بِطَلَاقِهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ مَرِضَ فَطَلَّقَ الْوَكِيلُ بِشَرْطِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى عَزْلِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ عَزْلَهُ حَتَّى طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ لَا تَرِثُ مِنْهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ قَالَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ طَلَّقَنِي فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، وَكَذَّبَهَا الْوَرَثَةُ فِي الطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْهُ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ عَلَيْهَا الْحِرْمَانَ بِالطَّلَاقِ فِي الصِّحَّةِ، وَهِيَ تُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ طَلَّقَنِي، وَهُوَ نَائِمٌ، وَقَالُوا فِي الْيَقَظَةِ كَانَ الْقَوْلُ لَهَا، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً قَدْ عَتَقَتْ، وَمَاتَ الزَّوْجُ فَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْعِتْقَ فِي حَيَاةِ الزَّوْجِ، وَادَّعَتْ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ مَوْلَاهَا كَمَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ فِي حَيَاتِهِ، وَقَالَ الْوَرَثَةُ أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ، وَالْقَوْلُ لَهَا فِي أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مَعَ الْيَمِينِ فَإِنْ نَكَلَتْ لَا إرْثَ لَهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ قَالَتْ لَمْ تُنْقَضْ عِدَّتِي لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَلَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ لَكِنَّهَا قَالَتْ أَيِسْت ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ إقْرَارِهَا لَا مِيرَاثَ لَهَا اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا كُفْرٌ فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ كُنْت كِتَابِيَّةً، وَأَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ، وَهِيَ تَقُولُ مَا زِلْت مُسْلِمَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَدَّعُونَ بُطْلَانَ حَقِّهَا، وَهِيَ تُنْكِرُ، وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ كَافِرًا فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِي، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ بَلْ كُنْت مُسْلِمَةً قَبْلَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بُطْلَانُ حَقِّهَا حَيْثُ كَانَتْ مُسْلِمَةً لِلْحَالِ فَهِيَ تَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّهَا فِي مَالِهِ، وَالْوَرَثَةُ يُنْكِرُونَهُ. اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي عِدَّتِهَا إلَى أَنَّهَا مَدْخُولَةٌ فَلَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إبْقَاءُ الزَّوْجِيَّةِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْعِدَّةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَقُيِّدَ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يَرِثْهَا الزَّوْجُ بِحَالٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ بِالطَّلَاقِ رَضِيَ بِبُطْلَانِ حَقِّهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ طَلَّقَهَا فِي الْمَرَضِ فَمَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ فَالْمُشْكِلُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ لِوَارِثِ الزَّوْجِ إذَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا يَدٌ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْعِدَّةِ فَالْمُشْكِلُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا تَرِثُ فَلَمْ تَكُنْ أَجْنَبِيَّةً فَكَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الطَّلَاقِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ أَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِهِ لَمْ تَرِثْ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِبْطَالِ حَقِّهَا لِلْأَمْرِ مِنْهَا بِالْعِلَّةِ فِي الْأُولَى، وَلِمُبَاشَرَتِهَا الْعِلَّةَ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَمَّا فِي التَّخْيِيرِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْهَا، وَأَمَّا فِي الْخُلْعِ فَلِأَنَّ الْتِزَامَ الْمَالِ عِلَّةُ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ شَرَى الطَّلَاقَ قَيْدٌ بِالْبَائِنِ لِأَنَّهَا لَوْ سَأَلَتْهُ الرَّجْعِيَّ فَطَلَّقَهَا لَا يَمْتَنِعُ إرْثُهَا لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهَا زَوْجَةٌ حَقِيقَةً، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ طَلَّقَ بِأَمْرِهَا لِأَنَّهَا لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بَائِنًا فَأَجَازَ تَرِثُ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِلْإِرْثِ أَجَازَتْهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ، وَأَرَادَ بِالْأَمْرِ الرِّضَا بِالطَّلَاقِ فَخَرَجَ مَا لَوْ أُكْرِهَتْ عَلَى سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ فَإِنَّهَا تَرِثُ لِعَدَمِ الرِّضَا، وَشَمِلَ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِتَمْكِينِ ابْنِ الزَّوْجِ فَلَا تَرِثُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَقَرَّبَهَا مُكْرَهَةً لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ كَالْمُبَاشِرِ، وَشَمِلَ مَا إذَا فَارَقَتْهُ بِسَبَبِ الْجَبِّ أَوْ الْعُنَّةِ أَوْ خِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ فَلَا تَرِثُ لِرِضَاهَا، وَكَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ، وَهُوَ مَرِيضٌ، وَأَشَارَ بِاخْتِلَاعِهَا مِنْهُ إلَى مُبَاشَرَتِهَا لِعِلَّةِ الطَّلَاقِ فَدَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ قَالَ لَهَا إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ حَيْثُ لَا تَرِثُ لِأَنَّهُ مَوْتٌ فِي عِدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ فَأَبْطَلَ حُكْمَ الْفِرَارِ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَالطَّلَاقِ
ــ
[منحة الخالق]
أَنَّ الْوَاقِعَ عَلَيْهَا ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذْ لَا فِرَارَ فِي الرَّجْعِيِّ وَمُقْتَضَى مَا مَرَّ فِي التَّعْلِيقِ، وَيَأْتِي أَيْضًا أَوَّلَ بَابِ الرَّجْعَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا فَدَخَلَتْ وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ هُنَا أَيْضًا ثِنْتَيْنِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِلْإِرْثِ إجَازَتُهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا لَا يُجْدِي نَفْعًا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِي مَرَضِهِ إذْ دَلِيلُ الرِّضَا فِيهِ قَائِمٌ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا إنَّمَا رَضِيَتْ بِطَلَاقٍ غَيْرِ مُبْطِلٍ لِحَقِّهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ رِضَاهَا بِمَا يُبْطِلُهُ، وَعِبَارَةُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا كَطَلَاقِ سُؤَالِهَا إذْ لَمْ تَرْضَ بِعَمَلِ الْمُبْطِلِ إذْ قَوْلُهَا طَلَّقْت نَفْسِي لَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ فَإِذَا أَجَازَ فِي مَرَضِهِ فَكَأَنَّهُ أَنْشَأَ الطَّلَاقَ فَفَرَّ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَخَرَجَ مَا لَوْ أُكْرِهَتْ عَلَى سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَهَا ابْنُهُ مُكْرَهَةً فَإِنَّهَا تَرِثُ. اهـ.
وَرَدَّهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِمَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ لَا تَرِثُ مُطَاوِعَةً كَانَتْ أَوْ لَا اهـ.
فَالْجِمَاعُ أَوْلَى ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَنَصُّهُ جَامَعَهَا ابْنُ مَرِيضٍ مُكْرَهَةً لَمْ تَرِثْهُ إلَّا إنْ أَمَرَهُ الْأَبُ بِذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ فِعْلُ الِابْنِ إلَى الْأَبِ فِي حَقِّ الْفُرْقَةِ فَيَكُونُ فَارًّا
стр. 1217
الثَّانِي.
وَإِنْ وَقَعَ إلَّا أَنَّ شَرْطَهُ، وَهُوَ التَّزَوُّجُ حَصَلَ بِفِعْلِهَا فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَقَيَّدَ بِاخْتِلَاعِهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَعَهَا أَجْنَبِيٌّ مِنْ زَوْجِهَا الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فَلَهَا الْإِرْثُ لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهَذَا الطَّلَاقِ فَيَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِمَا لَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِمَا لَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهَا فَلَوْ بَاشَرَتْ سَبَبَ الْفُرْقَةِ، وَهِيَ مَرِيضَةٌ، وَمَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَرِثَهَا كَمَا إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ أَوْ بِتَقْبِيلِهَا ابْنَ زَوْجِهَا، وَهِيَ مَرِيضَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ قِبَلِهَا، وَلِذَا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ بِسَبَبِ الْجَبِّ أَوْ الْعُنَّةِ أَوْ اللِّعَانِ، وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَمَشَى الشَّارِحُ عَلَى أَنَّهَا كَالْأَوَّلِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَنَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَنْ الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا لِأَنَّهَا طَلَاقٌ فَكَانَتْ مُضَافَةً إلَيْهِ، وَعَزَاهُ فِي الْمُحِيطِ إلَى الْجَامِعِ أَيْضًا مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ فِي الصِّحَّةِ لَا يَرِثُهَا زَوْجُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَرَضِ وَرِثَهَا زَوْجُهَا اسْتِحْسَانًا بِخِلَافِ مَا إذَا ارْتَدَّ فَقُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ ارْتَدَّا مَعًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا إنْ مَاتَ الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي مَاتَ مُرْتَدًّا هُوَ الزَّوْجُ وَرِثَتْهُ الْمُسْلِمَةُ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُرْتَدَّةُ قَدْ مَاتَتْ فَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهَا فِي الْمَرَضِ وَرِثَهَا الزَّوْجُ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ لَمْ تَرِثْ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي الْكَافِي الْأَصْلُ أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِالطَّلَاقِ بِغَيْرِ بَدَلٍ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْإِيقَاعِ، وَالْمَأْمُورِينَ بِالطَّلَاقِ بِالْبَدَلِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْإِيقَاعِ بَلْ يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَأَنَّ التَّمْلِيكَ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَالتَّوْكِيلَ لَا، وَمَنْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مَالِكٌ، وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ وَكِيلٌ، وَامْرَأَةُ الْفَارِّ لَمْ تَرِثْ إنْ بَاشَرَتْ عِلَّةَ الْفُرْقَةِ أَوْ شَرْطَهَا أَوْ أُخِّرَ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ أَوْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ، وَإِنْ بَاشَرَتْ بَعْضَ الْعِلَّةِ أَوْ بَعْضَ الشَّرْطِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهَا مِنْ الْإِرْثِ قَالَ الْمَرِيضُ لِامْرَأَتَيْهِ بَعْدَ الدُّخُولِ طَلِّقَا أَنْفُسَكُمَا ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ كُلٌّ نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا عَلَى التَّعَاقُبِ طَلَقَتَا ثَلَاثًا بِتَطْلِيقِ الْأُولَى وَتَطْلِيقِ الْأُخْرَى نَفْسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَصَاحِبَتَهَا بَاطِلٌ فَإِذَا طَلَقَتْ الْأُولَى نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا طَلَقَتَا وَوَرِثَتْ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى بِخِلَافِ مَا إذَا ابْتَدَأَتْ الْأُولَى فَطَلَقَتْ صَاحِبَتُهَا دُونَ نَفْسِهَا حَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى صَاحِبَتِهَا، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا مَالِكَةً، وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ فَإِذَا بَدَأَتْ بِطَلَاقِ صَاحِبَتِهَا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَوَرِثَتْ، وَكَذَا لَوْ ابْتَدَأَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِتَطْلِيقِ صَاحِبَتِهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ طَلَقَتْ بِتَطْلِيقِ غَيْرِهَا، وَإِنْ طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ نَفْسَهَا، وَصَاحِبَتَهَا مَعًا طَلَقَتَا، وَلَمْ يَرِثَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ طَلَقَتْ بِتَطْلِيقِ نَفْسِهَا.
وَإِنْ طَلَقَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا طَلَّقْت نَفْسِي، وَقَالَتْ الْأُخْرَى طَلَّقْت صَاحِبَتِي، وَخَرَجَ الْكَلَامَانِ مَعًا طَلَقَتْ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ، وَلَا تَرِثُ، وَإِنْ طَلَّقَتْ إحْدَاهُمَا نَفْسَهَا ثُمَّ طَلَّقَتْهَا صَاحِبَتُهَا طَلَقَتْ، وَلَا تَرِثُ، وَعَلَى الْعَكْسِ تَرِثُ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتَا فِي مَجْلِسِهِمَا ذَلِكَ فَإِنْ قَامَتَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا ذَلِكَ ثُمَّ طَلَّقَتْ كُلٌّ نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ أَوْ طَلَّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَاحِبَتَهَا وَرِثَتَا، وَلَوْ طَلَّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَفْسَهَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ طَلِّقَا أَنْفُسَكُمَا ثَلَاثًا إنْ شِئْتُمَا فَطَلَّقَتْ إحْدَاهُمَا نَفْسَهَا، وَصَاحِبَتَهَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تُطَلِّقَ الْأُخْرَى نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا فَلَوْ طَلَّقَتْ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا ثَلَاثًا طَلَقَتَا، وَوَرِثَتْ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ قَامَتَا عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ كِلَيْهِمَا مُتَعَاقِبًا أَوْ مَعًا لَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ أَمْرُكُمَا بِأَيْدِيكُمَا نَاوِيًا التَّفْوِيضَ صَارَ تَمْلِيكًا حَتَّى لَا تَنْفَرِدَ إحْدَاهُمَا بِالطَّلَاقِ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَهُوَ كَالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ إلَّا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا عَلَى طَلَاقِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1218
وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَقَعُ، وَفِي قَوْلِهِ إنْ شِئْتُمَا لَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ طَلِّقَا أَنْفُسَكُمَا بِأَلْفٍ فَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلَّقْت نَفْسِي وَصَاحِبَتِي بِأَلْفٍ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبًا بَانَتَا بِأَلْفٍ، وَيَقْسِمُ عَلَى مَهْرَيْهِمَا، وَلَمْ يَرِثْ، وَلَوْ طَلَقَتْ إحْدَاهُمَا طَلَقَتْ بِحِصَّتِهَا مِنْ الْأَلْفِ، وَإِنْ قَامَتَا مِنْ الْمَجْلِسِ بَطَلَ الْأَمْرُ. اهـ. مُخْتَصَرٌ.
(قَوْلُهُ وَفِي طَلِّقْنِي رَجْعِيَّةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَرِثَتْ) لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ فَلَمْ تَكُنْ بِسُؤَالِهَا رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ حَقِّهَا، وَأَرَادَ مِنْ ذِكْرِ الرَّجْعِيَّةِ نَفْيَ سُؤَالِهَا الْبَائِنَ فَدَخَلَ مَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي، وَلَمْ تَزِدْ عَلَيْهِ فَطَلَّقَهَا بَائِنًا فَإِنَّهَا تَرِثُ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الرَّجْعِيِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَكَذَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ فِي الْوَكَالَةِ وَالتَّفْوِيضِ وَالْإِنْشَاءِ فَلَمْ تَكُنْ بِسُؤَالِهَا رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ حَقِّهَا، وَالْمُرَادُ بِالثَّلَاثِ الْبَائِنُ فَدَخَلَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً أَيْضًا، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا سَأَلَتْهُ وَاحِدَةً بَائِنَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَظَاهِرُ الْمُحِيطِ أَنَّهَا تَرِثُ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَرِثَتْ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهَا سَأَلَتْهُ فِي الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا انْتَهَى، وَلَمْ يُعَلِّلْ بِالرَّجْعِيِّ، وَإِنَّمَا عَلَّلَ بِالْوَاحِدَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهَا لِرِضَاهَا بِالْبَائِنِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ تَصَادَقَا عَلَيْهَا فِي الصِّحَّةِ، وَمَضَى الْعِدَّةُ فَأَقَرَّ أَوْ أَوْصَى لَهَا فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْهَا، وَمِنْ إرْثِهَا) أَيْ لَهَا الْأَقَلُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ، وَالْمُوصَى بِهِ، وَمِنْ إرْثِهَا مِنْهُ لِأَنَّ الْعِدَّةَ بَاقِيَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهِيَ سَبَبُ التُّهْمَةِ، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ التُّهْمَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ الْإِمَامُ بِبَقَاءِ التُّهْمَةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَخْتَارُ الطَّلَاقَ لِيَنْفَتِحَ بَابُ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ فَيَزِيدُ حَقُّهَا وَالزَّوْجَانِ قَدْ يَتَوَاضَعَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْفُرْقَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَهَذِهِ التُّهْمَةُ فِي الزِّيَادَةِ فَرَدَدْنَاهَا، وَلَا تُهْمَةَ فِي قَدْرِ الْمِيرَاثِ فَصَحَّحْنَاهُ، وَهُمَا قَالَا فِي الثَّانِيَةِ بِنَفْيِ التُّهْمَةِ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً لِعَدَمِ الْعِدَّةِ بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا، وَجَوَازِ وَضْعِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَتَزَوُّجِهَا بِزَوْجٍ آخَرَ، وَأَجَابَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ ﵁ بِأَنَّهُ لَا مُوَاضَعَةَ عَادَةً فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَالشَّهَادَةِ وَالتَّزَوُّجِ فَلَا تُهْمَةَ هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَقَرَّرَهُ الشَّارِحُونَ مِنْ غَيْرِ تَعَقُّبٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ مُنْذُ زَمَانٍ، وَصَدَّقَتْهُ أَنَّ الْعِدَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهَا وَشَهَادَتُهُ لَهَا وَتَزَوُّجُهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْعِدَّةِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَلَا تَزَوُّجُهُ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا أَيْضًا فَحِينَئِذٍ ظَهَرَتْ التُّهْمَةُ فِي إقْرَارِهِ وَوَصِيَّتِهِ.
وَانْدَفَعَ بِهِ مَا ذَكَرَهُ السُّرُوجِيُّ فِي غَايَتِهِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَحْكِيمُ الْحَالِ فَإِنْ كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ، وَتَرَكَتْ خِدْمَتَهُ فِي مَرَضِهِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُوَاضَعَةِ فَلَا تُهْمَةَ، وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ لِلتُّهْمَةِ، وَقَدْ رَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِوَجْهٍ آخَرَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخُصُومَةِ لَيْسَتْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَدَخَلَ مَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي، وَلَمْ تَزِدْ عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قَالَتْ لَهُ فِي مَرَضِهِ طَلِّقْنِي فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَمَاتَ فِي الْعِدَّةِ تَرِثُهُ إذْ صَارَ مُبْتَدِئًا فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهَا فِي الْإِرْثِ كَقَوْلِهَا طَلِّقْنِي رَجْعِيًّا فَأَبَانَهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهَا لِرِضَاهَا بِالْبَائِنِ) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ سَابِقًا، وَإِنْ أَبَانَهَا بِأَمْرِهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي النَّهْرِ لَكِنْ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْمَذْكُورُ آنِفًا يُفِيدُ أَنَّهَا تَرِثُ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ إذْ صَارَ مُبْتَدِئًا أَيْ أَوْقَعَ شَيْئًا لَمْ تَطْلُبْهُ فَكَأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ ابْتِدَاءً بِدُونِ طَلَبٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَانْدَفَعَ بِهِ مَا ذَكَرَهُ السُّرُوجِيُّ إلَخْ) أَيْ آخِذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا عَنْ الذَّخِيرَةِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَقَدْ رَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِوَجْهٍ آخَرَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ اعْتِزَالَهَا عَنْهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هُوَ زَمَانٌ لِلرَّحْمَةِ، وَالشَّفَقَةِ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِي خُصُومَتِهِ، وَالْإِيصَاءُ لَهَا بِالْأَكْثَرِ قَدْ يَكُونُ طَمَعًا فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، وَتَذْكِيرًا بِسَبْقِ مَوَدَّتِهِ، وَقَدْ قَرَّرَ فِي الْعِدَّةِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَمَشَايِخِنَا يَعْنِي مَشَايِخَ بُخَارَى سَمَرْقَنْدَ يُفْتُونَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ اهـ.
يَعْنِي: فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ لَهَا بِالدَّيْنِ أَوْ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا، وَإِذَا كَانَ مُخَالَفَةُ هَذَا الْحُكْمِ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى بِهِ مَحَالَّ التُّهْمَةِ، وَالنَّاسَ الَّذِينَ هُمْ مَظَانُّهَا، وَلِذَا فَصَّلَ السُّغْدِيُّ حَيْثُ قَالَ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مِنْ ابْتِدَائِهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَا مُتَفَرِّقَيْنِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي أُسْنِدَ الطَّلَاقُ إلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ فَالْكَذِبُ فِي كَلَامِهِ ظَاهِرٌ فَلَا يُصَدَّقَانِ فِي الْإِسْنَادِ. اهـ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى ظَاهِرٌ فِي تَحْكِيمِ الْحَالِ، وَإِذَا ثَبَتَ التُّهْمَةُ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لَهَا أَيْضًا قُلْت وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ إنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِاتِّهَامِ الزَّوْجَيْنِ بِالْمُوَاضَعَةِ.
أَمَّا الَّذِينَ اعْتَبَرُوهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ تَظْهَرْ تُهْمَةٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ حَيْثُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَمَشَايِخُنَا يُفْتُونَ
стр. 1219
ظَاهِرَةً إذْ الْإِيصَاءُ لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ الْمِيرَاثِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ تِلْكَ الْخُصُومَةَ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحِيَلِ لِلْأَغْرَاضِ انْتَهَى، وَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا سَهْوُ الشُّمُنِّيِّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا بُدَّ مِنْ تَحْكِيمِ الْحَالِ فَإِنْ كَانَ حَالَ خُصُومَةٍ وَغَضَبٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْإِقْرَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ انْتَهَى فَإِنَّ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ إنَّمَا ذَكَرَ تَحْكِيمَ الْحَالِ فِيمَا إذَا قَالَتْ لَك امْرَأَةٌ غَيْرِي أَوَتَزَوَّجْت عَلَيَّ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ فَإِنَّهُ قَالَ قِيلَ الْأَوْلَى تَحْكِيمُ الْحَالِ إنْ كَانَ قَدْ جَرَى بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ وَخُصُومَةٌ تَدُلُّ عَلَى غَضَبِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ انْتَهَى فَقَاسَ السُّرُوجِيُّ مَسْأَلَتَنَا هُنَا عَلَى مَا فِي الذَّخِيرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ لَا يَقَعُ إلَّا فِي الْخُصُومَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا فَكَيْفَ تُنْسَبُ إلَيْهِ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَةَ إذَا اخْتَلَعَتْ بِمَهْرِهَا الَّذِي عَلَى الزَّوْجِ، وَلَمْ يَكُنْ قَرِيبًا لَهَا فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْمُسَمَّى فِي بَدَلِ الْخُلْعِ، وَإِلَى ثُلُثِ مَالِهَا إنْ مَاتَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِلَى الْمُسَمَّى فِي بَدَلِ الْخُلْعِ، وَإِلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهَا إنْ مَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَكُونُ لَهُ الْأَقَلُّ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْخُلْعِ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ مِنْهُ لَهُ شَبَهٌ بِالدَّيْنِ، وَشَبَهٌ بِالْمِيرَاثِ فَلِلْأَوَّلِ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ عَيْنِ التَّرِكَةِ لَيْسَ عَلَى الْوَرَثَةِ ذَلِكَ بَلْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهَا مِنْ مَالٍ آخَرَ اعْتِبَارًا لِزَعْمِهَا أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ دَيْنٌ، وَلِلثَّانِي لَوْ هَلَكَ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ عَلَى الْكُلِّ، وَلَوْ طَلَبَتْ أَنْ تَأْخُذَهُ دَنَانِيرَ، وَالتَّرِكَةُ عُرُوضٌ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَفِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ عِدَّتُهَا لَمْ تَنْقَضِ أَمَّا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ ثُمَّ مَاتَ فَلَهَا جَمِيعُ مَا أَقَرَّ لَهَا بِهِ أَوْ أَوْصَى انْتَهَى، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِهِ قَدْ كُنْت أَبَنْتُك فِي صِحَّتِي أَوْ جَامَعْت أُمَّ امْرَأَتِي أَوْ بِنْتَ امْرَأَتِي أَوْ تَزَوَّجْتهَا بِلَا شُهُودٍ أَوْ بَيْنَنَا رَضَاعٌ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ تَزَوَّجْتُك فِي الْعِدَّةِ، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَرِثُهُ لَا لَوْ صَدَّقَتْهُ انْتَهَى، وَفِيهِ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا الْمَرِيضِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَجَحَدَ، وَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ ثُمَّ صَدَّقَتْهُ، وَمَاتَ تَرِثُهُ لَوْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لَا لَوْ بَعْدَهُ انْتَهَى، وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّ حَرْفَ مِنْ فِي قَوْلِهِ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْهُ، وَمِنْ الْإِرْثِ لَيْسَ صِلَةً لِأَفْعَلْ التَّفْضِيلِ إذْ لَوْ كَانَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَقَلَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَرْفُ مِنْ لِلْبَيَانِ، وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ اُسْتُعْمِلَ بِاللَّامِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ أَوْ مِنْ الْإِرْثِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ الْأَقَلُّ بَيَّنَهُ بِأَحَدِهِمَا، وَصِلَةُ الْأَقَلِّ مَحْذُوفَةٌ، وَهِيَ مِنْ الْآخَرِ أَيْ فَلَهَا أَحَدُهُمَا الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْآخَرِ فَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَوْ تَكُونُ الْوَاوُ عَلَى مَعْنَاهَا لَكِنْ لَا يُرَادُ بِهَا الْمَجْمُوعُ بَلْ الْأَقَلُّ الَّذِي هُوَ الْإِرْثُ تَارَةً، وَالْمُوصَى بِهِ أُخْرَى فَتَكُونُ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَقَلِّيَّةَ ثَابِتَةٌ لَكِنْ بِحَسَبِ زَمَانَيْنِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَمَنْ بَارَزَ رَجُلًا أَوْ قَدَّمَ لِيُقْتَلَ بِقَوَدٍ أَوْ رَجْمٍ فَأَبَانَهَا وَرِثَتْ إنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ قُتِلَ) بَيَانٌ لِحُكْمِ الصَّحِيحِ الْمُلْحَقِ بِالْمَرِيضِ هُنَا، وَهُوَ مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ الْهَلَاكَ كَمَا فِي النُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ غَالِبًا عَلَى أَنَّ الْغَلَبَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْخَوْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَاقِعُ غَلَبَةَ الْهَلَاكِ، وَأَنَّ فِي الْمُبَارَزَةِ لَا يَكُونُ الْهَلَاكُ غَالِبًا إلَّا أَنْ يَبْرُزَ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَقْرَانِهِ بِخِلَافِ غَلَبَةِ خَوْفِ الْهَلَاكِ، وَدَخَلَ تَحْتَهُ مَنْ كَانَ رَاكِبَ السَّفِينَةِ إذَا
ــ
[منحة الخالق]
فِي الطَّلَاقِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ يَعْنِي أَنَّ مَشَايِخَ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ يُفْتُونَ بِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقٍ سَابِقٍ، وَصَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ، وَهُمَا مِنْ مَظَانِّ التُّهْمَةِ لَا يُصَدَّقَانِ فِي الْإِسْنَادِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ، وَلَا نَفَقَةَ، وَلَا سُكْنَى لِلزَّوْجَةِ لِتَصْدِيقِهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ السُّغْدِيُّ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مِنْ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَا مُتَفَرِّقَيْنِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي أُسْنِدَ الطَّلَاقُ إلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ فَالْكَذِبُ فِي كَلَامِهِمَا ظَاهِرٌ فَلَا يُصَدَّقَانِ فِي الْإِسْنَادِ اهـ.
كَلَامُ الشَّيْخِ قَاسِمٍ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُفْتِي بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ أَوْ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ حَتَّى يَحْكُمَ الْحَالُ فَإِنْ رَأَى الْمُفْتِي التُّهْمَةَ ظَاهِرَةً أَفْتَى بِالثَّانِي، وَإِلَّا أَفْتَى بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ السُّرُوجِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَحْكِيمُ الْحَالِ نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ السُّرُوجِيُّ مِنْ شَهَادَةِ الْخُصُومَةِ بِقَصْدِ التُّهْمَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلِذَا بَحَثَ مَعَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِفْتَاءَ بِكَوْنِ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ حَيْثُ ظَهَرَتْ التُّهْمَةُ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْوَصِيَّةِ لِكَيْ لَا تَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا، وَلَا يَلْزَمُ اعْتِبَارُهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَلِذَا لَمْ تَجِبْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا سُكْنَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَكَذَا يُعْتَبَرُ وُجُوبُهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ كَالشَّهَادَةِ وَدَفْعِ الزَّكَاةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ التَّصْرِيحِ سَابِقًا بِأَنَّهُ لَا عَادَةَ فِي الْمُوَاضَعَةِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ غَلَبَةِ خَوْفِ الْهَلَاكِ) أَيْ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الْمُبَارَزَةِ لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ فَلِذَا كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَنْ يُخَافُ
стр. 1220
انْكَسَرَتْ، وَبَقِيَ عَلَى لَوْحٍ أَوْ افْتَرَسَهُ السَّبُعُ، وَبَقِيَ فِي فَمِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَدْ يُوهِمُ أَنَّ الِانْكِسَارَ شُرِطَ لِكَوْنِهِ فَارًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنْ تَلَاطَمَتْ الْأَمْوَاجُ، وَخِيفَ الْغَرَقُ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ، وَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَيَّدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِأَنْ يَمُوتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْجِ أَمَّا لَوْ سَكَنَ ثُمَّ مَاتَ لَا تَرِثُ انْتَهَى، وَالْحَامِلُ لَا تَكُونُ فَارَّةً إلَّا فِي حَالِ الطَّلْقِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الطَّلْقِ فَقِيلَ الْوَجَعُ الَّذِي لَا يَسْكُنُ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلِدَ وَقِيلَ وَإِنْ سَكَنَ لِأَنَّ الْوَجَعَ يَسْكُنُ تَارَةً وَيَهِيجُ أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. اهـ.
وَالْمَسْلُولُ وَالْمَفْلُوجُ، وَالْمُقْعَدُ مَا دَامَ يَزْدَادُ مَا بِهِ فَهُوَ غَالِبُ الْهَلَاكِ، وَإِلَّا فَكَالصَّحِيحِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِيهِ أَقْوَالًا فَنَقَلَ أَوَّلًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا فَهُوَ كَمَرِيضٍ، وَلَوْ قَدِيمًا فَكَصَحِيحٍ.
وَثَانِيًا لَوْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ بِتَدَاوٍ فَكَصَحِيحٍ، وَإِلَّا فَكَمَرِيضٍ، وَثَالِثًا لَوْ طَالَ، وَصَارَ بِحَالٍ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ فَكَصَحِيحٍ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ التَّطَاوُلِ فَقِيلَ سَنَةٌ، وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرُوا الْعُرْفَ فَمَا يُعِدُّهُ تَطَاوُلًا فَتَطَاوُلٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَرَابِعًا إنْ لَمْ يَصِرْ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَمَرِيضٌ، وَخَامِسًا لَوْ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ فَهُوَ مَرِيضٌ، وَلَوْ يَنْتَقِصُ مَرَّةً، وَيَزْدَادُ أُخْرَى فَلَوْ مَاتَ بَعْدَ سَنَةٍ فَكَصَحِيحٍ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ سَنَةٍ فَكَمَرِيضٍ. اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ قُتِلَ إلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ بَعْدَمَا قُدِّمَ لِلْقَتْلِ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ أَوْ حُبِسَ ثُمَّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ تَرِثُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِرَارُهُ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ ثُمَّ تَرَتَّبَ مَوْتُهُ فَلَا يُبَالِي بِكَوْنِهِ بِغَيْرِهِ كَالْمَرِيضِ إذَا طَلَّقَ ثُمَّ قُتِلَ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا فِي حَالِ فُشُوِّ الطَّاعُونِ فَهَلْ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ الْأَصِحَّاءِ حُكْمُ الْمَرَضِ فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَمْ أَرَهُ لِمَشَايِخِنَا. اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ثُمَّ مَنْ لَهُ حُكْمُ الْمَرِيضِ لَوْ طَلَّقَهَا، وَمَاتَ فِي الْعِدَّةِ تَرِثُهُ مَاتَ بِهَذِهِ الْجِهَةِ أَوْ بِجِهَةٍ أُخْرَى، وَلِذَا قَالَ الْأَصْلُ مَرِيضٌ صَاحِبُ الْفِرَاشِ لَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ قَتَلَ تَرِثُهُ طَعَنَ فِيهِ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فَقَالَ لَا تَرِثُهُ إذْ مَرَضُ الْمَوْتِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَكِنَّا نَقُولُ قَدْ اتَّصَلَ الْمَوْتُ بِمَرَضِهِ حِينَ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْمَوْتِ سَبَبَانِ فَلَا يَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّ مَرَضَهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ مَوْتِهِ، وَأَنَّ حَقَّهَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي مَالِهِ. اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ بَرَزَ الشَّيْءُ بُرُوزًا مِنْ بَابِ قَعَدَ ظَهَرَ، وَبَارَزَ فِي الْحَرْبِ مُبَارَزَةً وَبِرَازًا فَهُوَ مُبَارِزٌ اهـ، وَفِيهِ وَالسِّلُّ بِالْكَسْرِ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ، وَأَسَلَّهُ اللَّهُ بِالْأَلِفِ أَمْرَضَهُ بِذَلِكَ فَسُلَّ هُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَهُوَ مَسْلُولٌ مِنْ النَّوَادِرِ، وَلَا يَكَادُ صَاحِبُهُ يَبْرَأُ مِنْهُ، وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ إنَّهُ مِنْ أَمْرَاضِ الشَّبَابِ لِكَثْرَةِ الدَّمِ فِيهِمْ، وَهُوَ قُرُوحٌ تَحْدُثُ فِي الرِّئَةِ. اهـ.
وَفِيهِ وَالْفَالِجُ مَرَضٌ يَحْدُثُ فِي أَحَدِ شِقَّيْ الْبَدَنِ طُولًا فَيُبْطِلُ إحْسَاسَهُ وَحَرَكَتَهُ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي الشِّقَّيْنِ، وَيَحْدُثُ بَغْتَةً إلَى آخِرِهِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ مَحْصُورًا أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ لَا) أَيْ لَا تَرِثُ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ خَوْفُ الْهَلَاكِ، وَكَذَا رَاكِبُ السَّفِينَةِ قَبْلَ خَوْفِ الْغَرَقِ، وَالْحَامِلُ قَبْلَ الطَّلْقِ، وَالْمَحْصُورُ الْمَمْنُوعُ سَوَاءٌ كَانَ فِي حِصْنٍ أَوْ حَبْسٍ لِقَتْلٍ أَوْ رَجْمٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَا مَنْ نَزَلَ بِمَسْبَعَةٍ أَوْ مُخِيفٍ مِنْ عَدُوٍّ، وَفِي الْمِصْبَاحِ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ حَصْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ أَحَاطُوا بِهِ، وَمَنَعُوهُ مِنْ الْمُضِيِّ لِأَمْرِهِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ، وَالتَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي مَرَضِهِ أَوْ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَهُمَا فِي مَرَضِهِ أَوْ الشَّرْطُ فَقَطْ أَوْ بِفِعْلِهَا، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، وَهُمَا فِي الْمَرَضِ أَوْ الشَّرْطِ وَرِثَتْ، وَفِي غَيْرِهَا لَا) لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي مَرَضِهِ وَجْهَ الْقَصْدِ إلَى الْفِرَارِ
ــ
[منحة الخالق]
عَلَيْهِ الْهَلَاكُ غَالِبًا، وَكَذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ وَمَنْ بَارَزَ رَجُلًا إذْ لَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ كَوْنَ الْهَلَاكِ غَالِبًا لَقَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنْهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَيِّدَ الْمُبَارِزَ بِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنْهُ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّنْوِيرِ نَعَمْ ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَيَّدَ بِهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ غَلَبَةِ الْهَلَاكِ (قَوْلُهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إنْ مَاتَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي قَوْلِهِ إنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ قُتِلَ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ دَلَالَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِهَذَا السَّبَبِ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ، وَلِذَا قَالَ فِي الْأَصْلِ مَرِيضٌ صَاحِبُ فِرَاشٍ أَبَانَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ قَتَلَ وَرَثَتَهُ، وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ تَلَاطُمَ الْأَمْوَاجِ قَيَّدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنْ يَمُوتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْجِ أَمَّا لَوْ سَكَنَ ثُمَّ مَاتَ لَا تَرِثُ مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَمُتْ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُدِّمَ لِلْقَتْلِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ ثُمَّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ اهـ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَوْ قُتِلَ بَعْدَمَا خُلِّيَ سَبِيلُهُ لَمْ يَمُتْ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ فَإِنَّ الْوَجْهَ الْمُشَارَ إلَيْهِ هُوَ كَوْنُهُ قُدِّمَ لِلْقَتْلِ، وَهُوَ حَالَةُ غَلَبَةِ الْهَلَاكِ، وَبَعْدَمَا خُلِّيَ سَبِيلُهُ زَالَتْ تِلْكَ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا سَكَنَ الْمَوْجُ ثُمَّ مَاتَ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ وَالْبَحْرِ تَبِعَا فِيهِ فَتْحَ الْقَدِيرِ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ أُعِيدَ الْمُخْرَجُ لِلْقَتْلِ إلَى الْحَبْسِ أَوْ رَجَعَ الْمُبَارِزُ
стр. 1221
عَنْ الْمِيرَاثِ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَصِيرُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَا قَصْدًا، وَلَا ظُلْمَ إلَّا عَنْ قَصْدٍ فَلَا يُرَدُّ تَصَرُّفُهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ عَلَّقَ طَلَاقَهَا الْبَائِنَ لِأَنَّ حُكْمَ الْفِرَارِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِ، وَأَطْلَقَ فِي فِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ كَدُخُولِ الدَّارِ أَوَّلًا كَصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَلِوُجُودِ قَصْدِ الْإِبْطَالِ إمَّا بِالتَّعْلِيقِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمَرَضِ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنْهُ أَوْ لَا فَإِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ فِعْلِ الشَّرْطِ فَلَهُ مِنْ التَّعْلِيقِ أَلْفُ بُدٍّ فَيُرَدُّ تَصَرُّفُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، وَشَمِلَ مَا إذَا فَوَّضَ طَلَاقَهَا لِرَجُلٍ فِي صِحَّتِهِ فَطَلَّقَهَا الْأَجْنَبِيُّ فِي الْمَرَضِ، وَكَانَ يَقْدِرُ الزَّوْجُ عَلَى عَزْلِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمْكَنَهُ عَزَلَهُ فِي الْمَرَضِ، وَلَمْ يَفْعَلْ صَارَ كَأَنَّهُ أَنْشَأَ التَّوْكِيلَ فِي الْمَرَضِ، وَدَخَلَ فِي الْأَوَّلِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ عَزْلُهُ، وَدَخَلَ فِي التَّعْلِيقِ بِفِعْلِهِ مَا إذَا قَالَ فِي صِحَّتِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَمْ يَأْتِهَا حَتَّى مَاتَ وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ، وَبَقِيَ الزَّوْجُ وَرِثَهَا لِأَنَّهَا مَاتَتْ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعَلِّقَ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِفِعْلِهَا أَوْ بِفِعْلِهِ، وَكُلٌّ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ أَوْ كَانَا فِي الْمَرَضِ فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ لَا يَكُونُ فَارًّا إلَّا إذَا كَانَ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَارًّا حَيْثُ يَكُونُ الشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهَا فَقَطْ فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَا يُمْكِنُهَا تَرْكُهُ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهَا تَرْكُهُ لَا يَكُونُ فَارًّا، وَلَوْ قَالَ لَهَا إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْت طَالِقٌ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا حَتَّى مَاتَ وَرِثَتْهُ، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ، وَبَقِيَ الزَّوْجُ لَمْ يَرِثْهَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ وَرِثَتْهُ، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ، وَبَقِيَ الزَّوْجُ لَمْ يَرِثْهَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي صِحَّتِهِ إنْ شِئْت أَنَا وَفُلَانٌ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ مَرِضَ فَشَاءَ الزَّوْجُ وَالْأَجْنَبِيُّ الطَّلَاقَ مَعًا أَوْ شَاءَ الزَّوْجُ ثُمَّ الْأَجْنَبِيُّ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ لَا تَرِثُ، وَإِنْ شَاءَ الْأَجْنَبِيُّ أَوَّلًا ثُمَّ الزَّوْجُ وَرِثَتْ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ عَلَى مَشِيئَتِهِمَا فَإِذَا شَاءَا مَعًا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ تَمَامَ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ فَارًّا بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَخَّرَتْ مَشِيئَةُ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَمَّتْ الْعِلَّةُ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ، وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَالْفِعْلِ مِمَّا لَهَا بُدٌّ مِنْهُ كَكَلَامِ زَيْدٍ لَمْ تَرِثْ لِرِضَاهَا، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ طَبْعًا كَالْأَكْلِ أَوْ شَرْعًا كَصَلَاةِ الظُّهْرِ فَلَهَا الْمِيرَاثُ لِاضْطِرَارِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ مُطْلَقًا لِفَوَاتِ الصُّنْعِ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ، وَعِنْدَهُمَا تَرِثُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، وَصَحَّحُوا قَوْلَ مُحَمَّدٍ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ فَصَحَّ فَمَاتَ أَوْ أَبَانَهَا فَارْتَدَّتْ فَأَسْلَمَتْ فَمَاتَ لَمْ تَرِثْ) لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ مَرَضَ الْمَوْتِ فَإِذَا صَحَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قَبْلَ هَذَا إنْ كَانَ بِهِ حُمَّى رِبْعٍ فَزَالَتْ ثُمَّ صَارَ بِهِ حُمَّى غِبٍّ أَمَّا إذَا كَانَ بِهِ حُمَّى رِبْعٍ فَزَالَتْ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تُجْعَلُ عَيْنَ الْأُولَى، وَيَكُونُ لَهَا الْمِيرَاثُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا لَمَّا زَالَتْ لَمْ يَبْقَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِمَالِهِ. اهـ.
وَفِي قَانُونْ شَاهْ فِي الطِّبِّ وَأَمَّا حُمَّى السَّوْدَاوِيَّةِ خَارِجَ الْعُرُوقِ، وَدَاخِلَهَا فَهِيَ حُمَّى الرِّبْعِ فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِيهَا حِفْظُ الْقُوَّةِ، وَأَمَّا حُمَّى الْغِبِّ بِكَسْرِ الْغَيْنِ فَفِي الْمِصْبَاحِ هِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمًا وَتَغِيبُ يَوْمًا. اهـ.
وَإِنَّ فِي الْبَائِنِ لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَمِرَّ أَهْلِيَّتُهَا لِلْإِرْثِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ أَطْلَقَ الْبَائِنَ فَشَمِلَ الثَّلَاثَ وَالْوَاحِدَةَ.
وَأَشَارَ بِارْتِدَادِهَا إلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً وَقْتَ الطَّلَاقِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ أُعْتِقَتْ لَا تَرِثُ، وَقَيَّدَ بِالْبَائِنِ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ رَجْعِيًّا إنَّمَا
ــ
[منحة الخالق]
بَعْدَ الْمُبَارَزَةِ إلَى الصَّفِّ أَوْ سَكَنَ الْمَوْجُ صَارَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ كَالْمَرِيضِ إذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا لَمَّا زَالَتْ لَمْ يَبْقَ لَهَا تَعْلِيقٌ بِمَالِهِ) أَقُولُ: إنْ كَانَتْ زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ عَادَتْ فَهَذَا ظَاهِرٌ.
أَمَّا إذَا كَانَتْ ذَاتَ نَوْبَةٍ فَإِنَّهَا إذَا جَاءَتْ نَوْبَتُهَا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْمَرِيضَ هُوَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا صَارَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا زَالَ مَرَضُهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَحْمُومُ عَاجِزًا عَنْهَا فَهُوَ مَرِيضٌ، وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ يَشْكُلُ مَا إذَا عَجَزَ فِي يَوْمِ النَّوْبَةِ، وَقَدَرَ فِي غَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ ذَلِكَ الْقَائِلِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ تُجْعَلُ عَيْنَ الْأُولَى أَنَّهُ بِالْمُعَاوَدَةِ عُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ فَتُجْعَلُ حُمَّى وَاحِدَةً، وَلَعَلَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي يَوْمِ النَّوْبَةِ مَرِيضًا، وَفِي غَيْرِ يَوْمِهَا غَيْرَ مَرِيضٍ فَكُلُّ نَوْبَةٍ عَجَزَ فِيهَا ثُمَّ قَدَرَ بَعْدَهَا زَالَ حُكْمُهَا فَإِذَا جَاءَتْ نَوْبَةٌ أُخْرَى عَادَ مَرِيضًا فَيُعْطَى حُكْمَهُ إنْ مَاتَ فِيهَا فَإِذَا قَدَرَ زَالَ حُكْمُهَا، وَهَكَذَا، وَنَظِيرُهُ الْحَامِلُ إذَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ صَارَتْ مَرِيضَةً إنْ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَإِذَا سَكَنَ ثُمَّ جَاءَ طَلْقٌ آخَرُ فَقَدْ زَالَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَأْخُذَهَا طَلْقٌ يَتَّصِلُ بِهِ الْمَوْتُ كَمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنَّ فِي الْبَائِنِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ
стр. 1222
يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّتُهَا لِلْإِرْثِ وَقْتَ الْمَوْتِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَمَاتَ لَا تَرِثُ مِنْهُ لِأَنَّهَا مُرْتَدَّةٌ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ مُرْتَدًّا وَرِثَتْهُ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ قَدْ وَقَعَتْ بِبَقَاءِ الزَّوْجِ عَنْ الرِّدَّةِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ ارْتِدَادِهِ ابْتِدَاءً، وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ فَمَاتَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَتْ، وَلَوْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ فَمَاتَتْ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ مُعْتَدَّةً لَمْ يَرِثْ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةً فَارْتَدَّتْ ثُمَّ مَاتَتْ وَرِثَ الزَّوْجُ مِنْهَا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بَعْدَمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمَالِهَا، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا غَدًا ثُمَّ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ مِنْهُ فِي الْحَالِ، وَلَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى حَالَةٍ يَثْبُتُ لَهَا الْإِرْثُ فِيهَا فَلَا يَصِيرُ فَارًّا، وَلَوْ قَالَ إنْ أَسْلَمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَرِثَتْ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى مَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ حَالَةُ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهَا تَرِثُ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ الْكَافِرِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَمَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا تَرِثُ لِأَنَّ التَّطْلِيقَ حَصَلَ فِي حَالَةٍ لَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْإِرْثَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أُعْتِقَ لَا تَرِثُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَإِنْ طَاوَعَتْ ابْنَ الزَّوْجِ أَوْ لَاعَنَ أَوْ آلَى مَرِيضًا وَرِثَتْ) يَعْنِي لَوْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ طَاوَعَتْ ابْنَ الزَّوْجِ تَرِثُ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلْإِرْثِ لَمْ تَبْطُلْ بِالْمُطَاوَعَةِ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ لَا تُنَافِي الْإِرْثَ قَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُطَاوَعَةِ بَعْدَ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِتَقْبِيلِ ابْنِ زَوْجِهَا لَا تَرِثُ مُطَاوِعَةً كَانَتْ أَوْ مُكْرَهَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مُطَاوِعَةً فَلِرِضَاهَا بِإِبْطَالِ حَقِّهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ إبْطَالُ حَقِّهَا الْمُتَعَلِّقِ بِالْإِرْثِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ اقْتِصَارِ الشَّارِحِينَ عَلَى الْمُطَاوَعَةِ لَا يَنْبَغِي، وَخَرَجَ مَا لَوْ طَاوَعَتْهُ بَعْدَ الرَّجْعِيِّ، وَأَنَّهَا لَا تَرِثُ كَمَا لَوْ طَاوَعَتْهُ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا، وَهِيَ مَرِيضَةٌ ثُمَّ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَهَا الزَّوْجُ اسْتِحْسَانًا. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْمُطَاوَعَةِ لِأَنَّهَا لَوْ قَبَّلَتْهُ لَا تَرِثُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إنَّمَا وَرِثَتْ، وَإِنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ بِفِعْلِهَا، وَهُوَ آخِرُ اللَّعَّانِينَ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِالتَّعْلِيقِ بِفِعْلٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ إذْ هِيَ مُلْجَأَةٌ إلَى الْخُصُومَةِ لِدَفْعِ عَارِ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهَا، وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْقَذْفُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِكَوْنِ اللِّعَانِ فِي الْمَرَضِ، وَفِيهِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ، وَأَرَادَ بِالْإِيلَاءِ فِي الْمَرَضِ أَنْ يَكُونَ مَضَى الْمُدَّةُ فِي الْمَرَضِ أَيْضًا لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي مَعْنَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ حَالِيَّةٍ عَنْ الْوِقَاعِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِالتَّعْلِيقِ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ، وَالشَّرْطُ فِي مَرَضِهِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ آلَى فِي صِحَّتِهِ، وَبَانَتْ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ لَا) أَيْ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ فِي مَرَضِهِ لَا تَرِثُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ، وَالشَّرْطُ فِي مَرَضِهِ، وَهُنَا، وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إبْطَالِهِ بِالْفَيْءِ لَكِنْ بِضَرَرٍ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مُطْلَقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ عَزْلِهِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ قَالَ لَهَا إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ طَلَقَتْ ثَلَاثًا فَإِنْ مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَهَذَا مَوْتٌ فِي عِدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَيَبْطُلُ حُكْمُ ذَلِكَ الْفِرَارُ بِالتَّزَوُّجِ، وَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا فَلَا يَكُونُ فَارًّا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِتَمَامِ الْعِدَّةِ الْأُولَى فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ فِي الصِّحَّةِ لَمْ تَرِثْ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الرَّجْعَةِ]
بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَفِي الْمِصْبَاحِ، وَأَمَّا الرَّجْعَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَبِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَبَعْضُهُمْ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ، وَهُوَ أَفْصَحُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ، وَالرَّجْعَةُ مُرَاجَعَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ، وَقَدْ تُكْسَرُ، وَهُوَ يَمْلِكُ
ــ
[منحة الخالق]
بَابُ الرَّجْعَةِ) .
стр. 1223
الرَّجْعَةَ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَطَلَاقٌ رَجْعِيٌّ بِالْوَجْهَيْنِ أَيْضًا. اهـ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ، وَمَا فِي حُكْمِهِ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ، وَضَبَطَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ صَرِيحًا بَعْدَ الدُّخُولِ حَقِيقَةً غَيْرُ مَقْرُونٍ بِعِوَضٍ، وَلَا بِعَدَدِ الثَّلَاثِ نَصًّا، وَلَا إشَارَةً، وَلَا مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ تُنْبِئُ عَنْ الْبَيْنُونَةِ أَوْ تَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ، وَلَا مُشَبِّهَ بَعْدُ أَوْ صِفَتُهُ تَدُلُّ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ هِيَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ الْقَائِمِ فِي الْعِدَّةِ) أَيْ الرَّجْعَةُ إبْقَاءُ النِّكَاحِ عَلَى مَا كَانَ مَادَامَتْ فِي الْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ الْقَائِمِ لَا إعَادَةُ الزَّائِلِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ رِضَاهَا، وَعَلَى اشْتِرَاطِ الْعِدَّةِ إذْ لَا يَكُونُ بَعْدَهَا بَعْلًا، وَالرَّدُّ يَصْدُقُ حَقِيقَةً بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَائِلًا بَعْدُ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الرَّجْعَةِ مَهْرٌ وَلَا عِوَضٌ لِأَنَّهَا اسْتِبْقَاءُ مِلْكٍ، وَالْمَهْرُ يُقَابِلُهُ ثُبُوتًا لِإِبْقَاءٍ، وَلَوْ قَالَ رَاجَعْتُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إنْ قَبِلَتْ الْمَرْأَةُ صَحَّ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَا لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْمَهْرِ، وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ، وَالْحَاوِي قَالَ رَاجَعْتُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْأَلْفُ، وَلَا تَصِيرُ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ كَمَا فِي الْإِقَالَةِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا زِدْتُك فِي مَهْرِك لَا يَصِحُّ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَأَفَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْأَمَةَ رَجْعِيًّا ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَ الْأَمَةَ.
وَلَوْ كَانَتْ الرَّجْعَةُ اسْتِحْدَاثَ مِلْكٍ لَمَا كَانَ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا لِحُرْمَةِ إدْخَالِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا فِي حَقِّ الْإِرْثِ، وَالْإِيلَاءِ، وَالظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَيَتَنَاوَلُهَا قَوْلُهُ زَوْجَاتِي طَوَالِقُ، وَجَوَازِ الِاعْتِيَاضِ بِالْخُلْعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى صَحَّ الْخُلْعُ وَالطَّلَاقُ بِمَالٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَمِنْ أَحْكَامِهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إضَافَتُهَا إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَمَا إذَا قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ رَاجَعْتُك أَوْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَقَدْ رَاجَعْت امْرَأَتِي، وَتَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَاللَّعِبِ وَالْخَطَأِ كَالنِّكَاحِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَبِالطَّلَاقِ يَتَعَجَّلُ الْمُؤَجَّلُ، وَلَوْ رَاجَعَهَا لَا يَتَأَجَّلُ، وَصَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ لَا يَكُونُ حَالًّا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، وَقَيَّدَ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَالْقَوْلُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ، وَلَا تُصَدَّقُ فِي انْقِضَائِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ كَذَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَإِذَا أَسْقَطَتْ تَامَّ الْخَلْقِ أَوْ نَاقِصَ الْخَلْقِ بَطَلَ حَقُّ الرَّجْعَةِ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ قَالَتْ وَلَدْت لَا تُقْبَلُ بِلَا بَيِّنَةٍ فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهَا بِاَللَّهِ تَعَالَى لَقَدْ أَسْقَطْت بِهَذِهِ الصِّفَةِ حَلَفَتْ اتِّفَاقًا. اهـ.
وَفِيهَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الْخَلْوَةِ بِهَا وَطِئْتُك، وَأَنْكَرَتْ فَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الْوَطْءَ لَا رَجْعَةَ لَهُ. اهـ.
وَأَشَارَ بِالِاسْتِدَامَةِ إلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ يَصِحُّ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَتَصِحُّ فِي الْعِدَّةِ إنْ لَمْ يُطَلَّقْ ثَلَاثًا، وَلَوْ لَمْ تَرْضَ بِرَاجَعْتُكِ أَوْ رَاجَعْت امْرَأَتِي، وَبِمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ) بَيَانٌ لِشَرْطِهَا وَرُكْنِهَا فَشَرْطُهَا أَنْ لَا يَكُونَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا كَمَا ذَكَرَهُ، وَمُرَادُهُ أَنْ لَا يَكُونَ بَائِنًا سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَقَدَّمْنَا الرَّجْعِيَّ، وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي الْحُرَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ رِقُّهَا ثَابِتًا بِإِقْرَارِهَا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ اللَّقِيطُ امْرَأَةً مُتَزَوِّجَةً، وَقَدْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ فَلَهُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي إبْطَالِ حَقِّهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَلَاقُهَا ثِنْتَيْنِ لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَتَمَامُهُ فِي الْخَانِيَّةِ فِي بَابِ اللَّقِيطِ، وَفِي الْقُنْيَةِ قُبَيْلَ النَّفَقَةِ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا فَدَخَلَتْ وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَفِي جَامِعِ الْكَرْخِيِّ طَلَقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَمَلَكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ انْتَهَى، وَأَطْلَقَ فِي الْمَرْأَةِ فَشَمِلَ الْمُسْلِمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ وَالْحُرَّةَ وَالْمَمْلُوكَةَ لِإِطْلَاقِ الدَّلَائِلِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا رُكْنُهَا فَقَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ فَالْأَوَّلُ صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَاجَعْتُك وَرَاجَعْت امْرَأَتِي، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيُفِيدَ مَا إذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فَخَاطَبَهَا أَوْ غَائِبَةً، وَارْتَجَعْتُك وَرَجَعْتُك
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ أَنْ لَا يَكُونَ بَائِنًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا مَعَ قَوْلِهِ اسْتِدَامَةُ الْقَائِمِ لِأَنَّ الْبَائِنَ لَيْسَ فِيهِ مِلْكٌ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْكَلَامُ فِي الرَّجْعِيِّ لَا فِي الْبَائِنِ فَتَأَمَّلْ فَقَدْ غَفَلَ أَكْثَرُهُمْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (قَوْلُهُ وَرَدَدْتُك) قَالَ فِي النَّهْرِ اشْتَرَطَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ذِكْرَ الصِّلَةِ بِأَنْ يَقُولَ إلَى أَوْ إلَى نِكَاحِي أَوْ إلَى عِصْمَتِي قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ حَسَنٌ إذْ مُطْلَقُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي ضِدِّ الْقَبُولِ
стр. 1224
وَرَدَدْتُك، وَأَمْسَكْتُك وَمَسَكْتُك فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِلَا نِيَّةٍ، وَمِنْهُ النِّكَاحُ وَالتَّزَوُّجُ.
فَلَوْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ كَانَ رَجْعَةً فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ فَقَوْلُ الشَّارِحِينَ إنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَعُلِمَ أَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ يُسْتَعَارُ لِلرَّجْعَةِ، وَهَلْ يُسْتَعَارُ لَفْظُ الرَّجْعَةِ لِلنِّكَاحِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ قَالَ إنْ رَاجَعْتُك فَأَنْت طَالِقٌ فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجَهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا تَطْلُقُ، وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَحَلًّا انْصَرَفَ إلَى النِّكَاحِ مَجَازًا انْتَهَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ انْصِرَافُ اللَّفْظِ إلَى حَقِيقَتِهِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ، وَانْصَرَفَ إلَيْهِ لَا يَصِيرُ بَعْدَهُ مَجَازًا، وَإِلَّا صَارَ مَجَازًا، وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَنَحْوُ أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْت أَوْ أَنْتِ امْرَأَتِي فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي الْفِعْلَ فَأَفَادَ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ أَوْجَبَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ تَصِحُّ بِهِ، وَسَوَّى بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِي الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْكَرَاهَةِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ بِالْفِعْلِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ فَدَخَلَ الْوَطْءُ وَالتَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ عَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ فَمًا أَوْ خَدًّا أَوْ ذَقَنًا أَوْ جَبْهَةً أَوْ رَأْسًا أَوْ الْمَسُّ بِلَا حَائِلٍ أَوْ بِحَائِلٍ يَجِدُ الْحَرَارَةَ مَعَهُ بِشَهْوَةٍ، وَالنَّظَرُ إلَى دَاخِلِ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مُتَّكِئَةً وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ مَسٍّ بِشَهْوَةٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ التَّقْبِيلِ، وَالْمَسِّ، وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا بِشَرْطِ أَنْ يُصَدِّقَهَا سَوَاءٌ كَانَ بِتَمْكِينِهِ أَوْ فَعَلَتْهُ اخْتِلَاسًا أَوْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مَعْتُوهًا أَمَّا إذَا ادَّعَتْهُ وَأَنْكَرَهُ لَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ، وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ التَّعْلِيقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا إنْ جَامَعْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَجَامَعَهَا وَمَكَثَ بَعْدَمَا جَامَعَهَا فَهُوَ رَجْعَةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَكُونُ رَجْعَةً إلَّا أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهَا، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلِهَا لِأَنَّ الشَّهْوَةَ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِقَوْلِهَا، وَخَرَجَ مَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ نَظَرٍ إلَى غَيْرِ دَاخِلِ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ، وَلَوْ إلَى حَلْقَةِ الدُّبُرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُرَاجِعًا لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَفِي الْجَوْهَرَةِ، وَلَوْ صَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهَا لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ كَانَ ذَلِكَ رَجْعَةً انْتَهَى، وَفِي الْمِعْرَاجِ وَالْأَمَةُ لَوْ فَعَلَتْ بِالْبَائِعِ فِي الْخِيَارِ كَانَ فَسْخًا لِأَنَّ الْفَسْخَ قَدْ يَحْصُلُ بِفِعْلِهَا كَمَا لَوْ زَنَتْ أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا وَأَبُو يُوسُفَ سَوَّى بَيْنَ الْخِيَارِ وَالرَّجْعَةِ فِي أَنَّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ بِفِعْلِهَا وَمُحَمَّدٌ أَثْبَتَ الرَّجْعَةَ دُونَ الْفَسْخِ، وَفِي الْبَدَائِعِ أَبُو حَنِيفَةَ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الثُّبُوتِ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ قَالَ أَبْطَلْت رَجْعَتِي أَوْ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك لَا تَبْطُلُ الرَّجْعَةُ انْتَهَى، وَفِي الْقُنْيَةِ أَجَازَ مُرَاجَعَةَ الْفُضُولِيِّ صَحَّ، وَيَصِيرُ مُرَاجِعًا بِوُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْمُرَاجَعَةِ انْتَهَى، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا طَلَّقَ رَجْعِيًّا ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ رَاجَعَهَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ بِهِمَا، وَقِيلَ يَصِحُّ بِهِمَا، وَقِيلَ تَصِحُّ بِالْفِعْلِ دُونَ الْقَوْلِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَاقْتَصَرَ الْبَزَّازِيُّ عَلَى الْأَخِيرِ، وَلَعَلَّهُ الرَّاجِحُ لَمَّا عُرِفَ أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِأَفْعَالِهِ دُونَ أَقْوَالِهِ، وَعَلَّلَهُ فِي الصَّيْرَفِيَّةِ بِأَنَّهُ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ وَالرِّضَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلِهَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ يَصِحُّ انْتَهَى، وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَإِذَا رَاجَعَهَا بِقُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْإِشْهَادِ ثَانِيًا اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَيُكْرَهُ التَّقْبِيلُ وَاللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ إذَا لَمْ يُرِدْ الرَّجْعَةَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَرَاهَا مُتَجَرِّدَةً لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَشْتَهِيَ فَيَصِيرَ بِهِ مُرَاجِعًا ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى الطَّلَاقِ فَيُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ) (وَالْإِشْهَادُ مَنْدُوبٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الرَّجْعَةِ وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى الْأَظْهَرِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِلنَّدْبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِشَيْئَيْنِ الْإِمْسَاكِ وَالْمُفَارَقَةِ فَلَوْ كَانَ الْإِشْهَادُ وَاجِبًا فِي الرَّجْعَةِ مَنْدُوبًا فِي الْمُفَارَقَةِ لَلَزِمَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَنَا، وَاحْتِرَازًا عَنْ التَّجَاحُدِ، وَعَنْ الْوُقُوفِ فِي مَوَاضِعِ التُّهَمِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ إلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ فَالسُّنِّيُّ أَنْ يُرَاجِعَهَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهَلْ يُسْتَعَارُ لَفْظُ الرَّجْعَةِ لِلنِّكَاحِ) أَقُولُ: قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ لِمُبَانَتِهِ رَاجَعْتُك بِكَذَا (قَوْلُهُ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ بِالْفِعْلِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ هَذَا الشَّارِحِ الْآتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ. اهـ.
قُلْت وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْقَوْلِ.
стр. 1225
بِالْقَوْلِ، وَيُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا، وَيُعْلَمَهَا، وَلَوْ رَاجَعَهَا بِالْقَوْلِ، وَلَمْ يُشْهِدْ أَوْ أَشْهَدَ، وَلَمْ يُعْلِمْهَا كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْعِدَّةِ رَاجَعْتُك فِيهَا فَصَدَّقَتْهُ تَصِحُّ، وَإِلَّا لَا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فِي الْحَالِ، وَهِيَ تُنْكِرُهُ فَكَانَ الْقَوْلُ لَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ لِمَا عُرِفَ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ صَحَّتْ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا فَالرَّجْعَةُ أَوْلَى، وَنَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا قَالَ قَبْلَ الْعَزْلِ كُنْت بِعْته مِنْ فُلَانٍ صُدِّقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَهُ بَعْدَ الْعَزْلِ كَذَا فِي الْكَافِي، وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِخْبَارَ كَالْوَصِيِّ وَالْمَوْلَى وَالْمَرَاجِعِ وَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ انْتَهَى، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ الْعِدَّةِ أَنَّهُ قَالَ فِي عِدَّتِهَا قَدْ رَاجَعْتهَا أَوْ أَنَّهُ قَالَ قَدْ جَامَعْتهَا كَانَ رَجْعَةً لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبْ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُ يُثْبِتُ إقْرَارَ نَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ بِمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ فِي الْحَالِ لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْعِدَّةِ كُنْت رَاجَعْتُك أَمْسِ ثَبَتَتْ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ لِمِلْكِهِ الْإِنْشَاءَ فِي الْحَالِ.
(قَوْلُهُ كَرَاجَعْتُكِ فَقَالَتْ مُجِيبَةً مَضَتْ عِدَّتِي) يَعْنِي لَوْ قَالَ لَهَا رَاجَعْتُك فَأَجَابَتْهُ بِقَوْلِهَا مَضَتْ عِدَّتِي لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا تَصِحُّ، وَقَالَا تَصِحُّ، وَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ الْعِدَّةَ لِبَقَائِهَا ظَاهِرًا مَا لَمْ تُخْبِرْ بِالِانْقِضَاءِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الرَّجْعَةُ خَبَرَهَا بِالِانْقِضَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ طَلَّقْتُك فَقَالَتْ مُجِيبَةً انْقَضَتْ عِدَّتِي فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَكَالْمُوَكِّلِ إذَا قَالَ لِلْوَكِيلِ عَزَلْتُك فَقَالَ الْوَكِيلُ مُجِيبًا لَهُ بِعْت لَا يَصِحُّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَهُ أَنَّ قَوْلَهُ رَاجَعْتُك إنْشَاءٌ، وَهُوَ إثْبَاتُ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَسْتَدْعِي سَبْقَ الرَّجْعَةِ، وَقَوْلُهَا انْقَضَتْ عِدَّتِي إخْبَارٌ، وَهُوَ إظْهَارُ أَمْرٍ قَدْ كَانَ فَيَقْتَضِي سَبْقَ الِانْقِضَاءِ ضَرُورَةً، وَمَسْأَلَةُ الطَّلَاقِ قِيلَ عَلَى الْخِلَافِ فَلَا يَقَعُ عِنْدَهُ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ انْقِضَاءِ عِدَّتِك، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ لِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِالْوُقُوعِ كَمَا لَوْ قَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كُنْت طَلَّقْتهَا فِي الْعِدَّةِ كَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ قَيَّدَ بِكَوْنِهَا إجَابَتَهُ مِنْ غَيْرِ سُكُوتٍ لِأَنَّهَا لَوْ سَكَتَتْ سَاعَةً تَصِحُّ الرَّجْعَةُ اتِّفَاقًا.
وَأَشَارَ بِكَوْنِ الزَّوْجِ بَدَأَهَا إلَى أَنَّهَا لَوْ بَدَأَتْ فَقَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَقَالَ الزَّوْجُ مُجِيبًا لَهَا مَوْصُولًا بِكَلَامِهَا رَاجَعْتُك لَا يَصِحُّ بِالْأُولَى، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِيهَا خِلَافًا، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَا تُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى أَنَّ الْيَمِينَ فَائِدَتُهَا النُّكُولُ، وَهُوَ بَذْلٌ عِنْدَهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَحْلِيفُهَا عَلَى الرَّجْعَةِ، وَبَذْلُهَا لَا يَجُوزُ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَحْلِيفُهَا عَلَى مُضِيِّ عِدَّتِهَا، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَنْ التَّزَوُّجِ، وَالِاحْتِبَاسُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ، وَبَذْلُهُ جَائِزٌ، وَأَمَّا مَذْهَبُهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ صِحَّةُ الرَّجْعَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ تُسْتَحْلَفُ الْمَرْأَةُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَلَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهَا تُسْتَحْلَفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبَدَائِعِ، وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَالْأَقْطَعِ وَالْخُلَاصَةِ والولوالجية فَكَانَ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ سَهْوًا.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ الْعِدَّةِ رَاجَعْت فِيهَا فَصَدَّقَ سَيِّدُهَا وَكَذَّبَتْهُ أَوْ قَالَتْ مَضَتْ عِدَّتِي، وَأَنْكَرَا فَالْقَوْلُ لَهَا) أَيْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ، وَالْمَوْلَى، وَقَبُولُ قَوْلِهَا فِي الْأُولَى قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ تُبْتَنَى عَلَى قِيَامِ الْعِدَّةِ، وَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُهَا، وَقَالَا الْقَوْلُ لِلْمَوْلَى لِأَنَّ الْبُضْعَ حَقُّهُ كَإِقْرَارِهِ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ قَيَّدَ بِتَصْدِيقِ السَّيِّدِ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَوْ كَذَّبَهُ، وَصَدَّقَتْهُ الْأَمَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ ظَهَرَ لِلْحَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِاعْتِرَافِهِ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَا يَظْهَرُ مِلْكُهُ مَعَهَا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ التَّصْوِيرُ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا قَالَتْ مَضَتْ عِدَّتِي لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ وَلَدْت يَعْنِي انْقَضَتْ عِدَّتِي بِالْوِلَادَةِ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ أَسْقَطْت سُقْطًا مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَطْلُبَ يَمِينَهَا عَلَى أَنَّهَا أَسْقَطَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لَوْ قَالَتْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِمَا عُرِفَ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ) بَلْ التِّسْعَةُ، وَهِيَ الرَّجْعَةُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْفَيْءُ، وَالِاسْتِيلَادُ، وَالرِّقُّ، وَالنَّسَبُ، وَالْوَلَاءُ، وَالْحَدُّ، وَاللِّعَانُ لَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى التَّحْلِيفِ فِي السَّبْعَةِ الْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُهُمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الدَّعْوَى.
(قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى) الْمُرَادُ بِالْأُولَى الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَتْنِ، وَهِيَ مَا إذَا قَالَ بَعْدَ الْعِدَّةِ رَاجَعْتُك فِيهَا، وَلَمْ تُصَدِّقْهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ
стр. 1226
انْقَضَتْ عِدَّتِي ثُمَّ قَالَتْ لَمْ تَنْقَضِ كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِكَذِبِهَا فِي حَقٍّ عَلَيْهَا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَتَنْقَطِعُ إنْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ الْأَخِيرِ لِعَشَرَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، وَلِأَقَلَّ لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ) أَيْ، وَتَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ إنْ حَكَمَ بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ إنْ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ الثَّانِيَةِ إنْ كَانَتْ أَمَةً لِتَمَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الطَّهَارَةِ هُنَا الِانْقِطَاعُ لِأَنَّهَا بِمُضِيِّ الْعَشَرَةِ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ.
وَأَشَارَ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ لِتَصِيرَ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَهُوَ ذَلِكَ الزَّمَنُ الْيَسِيرُ الَّذِي تَقْدِرُ فِيهِ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ لَا مَا دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا حَتَّى يَخْرُجَ جَمِيعُهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ طَهُرَتْ فِي وَقْتٍ مُهْمَلٍ كَبُعْدِ الشُّرُوقِ لَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَأَطْلَقَ الِاغْتِسَالَ فَشَمِلَ مَا إذَا اغْتَسَلَتْ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ لِاحْتِمَالِ طَهَارَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُصَلِّي بِهِ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَلِذَا لَا يَقْرَبُهَا الزَّوْجُ، وَلَا تَتَزَوَّجُ بِآخَرَ احْتِيَاطًا كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَإِنَّمَا شُرِطَ فِي الْأَقَلِّ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ عَوْدَ الدَّمِ لِبَقَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَقَوَّى الِانْقِطَاعُ بِحَقِيقَةِ الِاغْتِسَالِ أَوْ يَلْزَمَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ فَخَرَجَتْ الْكِتَابِيَّةُ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَقَّعُ فِي حَقِّهَا أَمَارَةٌ زَائِدَةٌ فَاكْتَفَى بِالِانْقِطَاعِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَاطِعَ لِلرَّجْعَةِ الِانْقِطَاعُ لَكِنْ بِمَا كَانَ غَيْرَ مُحَقَّقٍ اشْتَرَطَ مَعَهُ مَا يُحَقِّقُهُ فَأَفَادَ أَنَّهَا لَوْ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ، وَلَوْ يُجَاوِرُ الْعَشَرَةَ كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَمْ تَنْقَطِعْ بِالْغُسْلِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لِلْأَقَلِّ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَمَضَى الْوَقْتُ تَبَيَّنَ صِحَّةُ النِّكَاحِ هَكَذَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَاطِعَ لِلرَّجْعَةِ الِانْقِطَاعُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَدَلَّ كَلَامُهُ أَيْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا فِيمَنْ تُخَاطَبُ بِالْغُسْلِ، وَالصَّلَاةِ أَمَّا الْكِتَابِيَّةُ فَبِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ تَنْقَطِعُ رَجْعَتُهَا لِعَدَمِ خِطَابِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَجْنُونَةُ وَالْمَعْتُوهَةُ كَذَلِكَ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ اشْتِرَاطُ الْغُسْلِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لِتَمَامِ الْعَادَةِ قَبْلَ الْعَشَرَةِ يَرُدُّهُ الدَّلِيلُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لِخُلُوِّهِ عَنْ اشْتِرَاطِهِ، وَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ تَيَقُّنَ الِانْقِطَاعِ مُنْتَفٍ لِغَرَضِ أَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَاحْتِمَالُ عَوْدِ الدَّمِ دُفِعَ بِأَنَّ هَذَا الِاغْتِسَالَ الزَّائِدَ لَا يُجْدِي قَطْعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا فِي الْوَاقِعِ، وَلَا شَرْعًا لِأَنَّهَا لَوْ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ، وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ بَعْدَ أَنْ قُلْنَا انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ فَكَانَ الْحَالُ مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ بَعْدَ الْغُسْلِ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ قَبْلَهُ، وَلَوْ رَاجَعَهَا بَعْدَ هَذَا الْغُسْلِ الَّذِي قُلْنَا إنَّ بِهِ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ ثُمَّ عَاوَدَهَا، وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي التَّيَمُّمِ فَلَيْسَ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا مُقَيَّدًا هَكَذَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ، وَلَمْ يُعَاوِدْهَا أَوْ عَاوَدَهَا، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهَا ظَهَرَ انْقِطَاعُ الرَّجْعَةِ مِنْ وَقْتِ الِانْقِطَاعِ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إذْ ذَاكَ حَتَّى لَوْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الْغُسْلِ ظَهَرَ صِحَّتُهُ، وَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ، وَلَمْ يُجَاوِزْ فَالْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ بِالْعَكْسِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا أَعْنِي صِحَّةَ الرَّجْعَةِ وَالنِّكَاحِ فِيمَا إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ كَذَا أَفَادَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَحْثًا، وَهُوَ وَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ الْمُتُونِ لَكِنَّ الْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ. اهـ.
وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْت بِأَنَّ الْبَحْثَ لَيْسَ إلَّا فِي اشْتِرَاطِ الْغُسْلِ فَقَطْ، وَلَا نُسَلِّمُ الْمُخَالَفَةَ لِظَاهِرِ الْمُتُونِ لِأَنَّهُ لَوْ عَاوَدَهَا تَبَيَّنَ عَدَمُ انْقِطَاعِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْبَحْثَ فِي اشْتِرَاطِ الْغُسْلِ يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لِلْأَقَلِّ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَكَذَا يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ، وَعَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ لَوْ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ عَاوَدَهَا، وَلَمْ يُجَاوِزْ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ فَمَا مَعْنَى الرَّدِّ عَلَى الْمُؤَلِّفِ فِي النَّقْلِ ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ، وَلِأَقَلَّ لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ يُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ لَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا الدَّمُ، وَكَذَا يُفِيدُ عَدَمَ صِحَّةِ تَزَوُّجِهَا قَبْلَ الْغُسْلِ، وَبَحْثُ صَاحِبِ الْفَتْحِ بِخِلَافِ هَذَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا أَعْنِي صِحَّةَ الرَّجْعَةِ وَالنِّكَاحِ إلَخْ الظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ سَقْطًا، وَالْأَصْلُ وَعَدَمُ صِحَّةِ النِّكَاحِ تَأَمَّلْ بَقِيَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَتْنِ هُنَا أَنَّ الِاغْتِسَالَ فِيمَا لَوْ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ يَقْطَعُ الرَّجْعَةَ، وَلَوْ كَانَ لِدُونِ الْعَادَةِ، وَظَاهِرُ صَدْرِ عِبَارَةِ الْفَتْحِ السَّابِقَةِ تَخْصِيصُهُ بِالْعَادَةِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الْحَيْضِ مَا نَصُّهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمَرْأَةِ دُونَ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ اغْتَسَلَتْ حَتَّى تَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَصَلَّتْ وَاجْتَنَبَ زَوْجُهَا قُرْبَانَهَا احْتِيَاطًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى عَادَتِهَا لَكِنْ تَصُومُ رَمَضَانَ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيْضَةُ هِيَ الثَّالِثَةُ مِنْ الْعِدَّةِ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ احْتِيَاطًا، وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ احْتِيَاطًا فَإِنْ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ إنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا الدَّمُ جَازَ، وَإِنْ عَاوَدَهَا إنْ كَانَ فِي الْعَشَرَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَسَدَ نِكَاحُ الثَّانِي، وَكَذَا صَاحِبُ الِاسْتِبْرَاءِ يَجْتَنِبُهَا احْتِيَاطًا اهـ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَفْهُومُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ إذَا زَادَ لَا يَفْسُدُ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْعَوْدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ أَمَّا قَبْلَهَا فَيَفْسُدُ، وَإِنْ زَادَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ الرَّدَّ إلَى الْعَادَةِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَاوَدَهَا فِيهَا فَظَهَرَ أَنَّ النِّكَاحَ
стр. 1227
أَفَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَحْثًا، وَهُوَ إنْ خَالَفَ ظَاهِرَ الْمُتُونِ لَكِنَّ الْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ، وَالْقَوَاعِدُ لَا تَأْبَاهُ (قَوْلُهُ أَوْ تَتَيَمَّمُ وَتُصَلِّي) أَيْ لَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ حَتَّى تَتَيَمَّمَ وَتُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّيَمُّمِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُؤَكِّدٍ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمَا فِي بَابِ الْإِمَامَةِ إنَّهَا طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ حَتَّى جَوَّزَ اقْتِدَاءَ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ لِأَنَّ مُرَادَهُمَا بِالْإِطْلَاقِ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ إلَى غَايَةِ وُجُودِ الْمَاءِ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ضَرُورِيَّةً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَكَذَا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْكُلِّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَيْضًا إنَّهَا مُطْلَقَةٌ لَمَّا عُلِمَتْ، وَلَا تَنَافِيَ هُنَا أَيْضًا بَيْنَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ هُنَا إنَّهَا مُطْلَقَةٌ حَتَّى اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ التَّيَمُّمِ لِانْقِطَاعِهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ إنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ حَتَّى مَنَعَ اقْتِدَاءَ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ لَمَّا عَلِمْت أَنَّ الْإِطْلَاقَ مِنْ جِهَةٍ، وَالضَّرُورَةَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَكِنَّ مُحَمَّدًا عَمِلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا، وَقَدْ رَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلَهُمَا فِي الْإِمَامَةِ وَقَوْلَهُ فِي الرَّجْعَةِ.
وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِيهِ قَيْدُ تَوَقُّفِ الِانْقِطَاعِ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ حِلَّ قُرْبَانِ الزَّوْجِ لَهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَيْهَا بَلْ يَجُوزُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ حِلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صَلَاتِهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ حَتَّى تُصَلِّيَ إلَى أَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي أَثْنَائِهَا فَتَبْطُلُ، وَقَيَّدَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا لَوْ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ أَوْ مَسَّتْ الْمُصْحَفَ أَوْ دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ لَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا اتِّبَاعُ الصَّلَاةِ فَلَا يُعْطَى لَهَا حُكْمُهَا، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ (قَوْلُهُ وَلَوْ اغْتَسَلَتْ، وَنَسِيَتْ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ تَنْقَطِعُ، وَلَوْ عُضْوًا لَا) لِأَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ لِقِلَّتِهِ فَلَا يَتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ قَيَّدَ بِالِانْقِطَاعِ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ مَا لَمْ تَغْسِلْ تِلْكَ اللُّمْعَةِ أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاغْتِسَالِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْعُضْوِ نَحْوُ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَبِمَا دُونَهُمَا نَحْوُ الْإِصْبَعِ، وَالْإِصْبَعَيْنِ، وَبَعْضِ الْعُضْوِ، وَالسَّاعِدِ، وَأَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ، وَتَرْكُ الْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ كَتَرْكِ عُضْوٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَتَرْكِ مَا دُونَ الْعُضْوِ، وَقَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَمَّدَتْ إخْلَاءَ مَا دُونَ الْعُضْوِ لَا تَنْقَطِعُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ طَلَّقَ ذَا حَمْلٍ أَوْ وَلَدٍ، وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا رَاجَعَ) يَعْنِي لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ بَعْدَ مَا وَلَدَتْ فِي عِصْمَتِهِ، وَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا فَلَهُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الدُّخُولِ، وَقَدْ ثَبَتَ حُكْمًا لِثُبُوتِ النَّسَبِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِظُهُورِ الْحَمْلِ بِأَنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ لَمْ أَطَأْهَا لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا، وَمَنْ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا بَطَلَ زَعْمُهُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِإِقْرَارِهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَلَا يُرَدُّ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَافِي بِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِعَبْدٍ لِآخَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا لِكَوْنِهِ تَعَلَّقَ بِإِقْرَارِهِ حَقُّ الْغَيْرِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الرَّجْعَةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ فُرُوعِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِ الْعَقَارِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْته بِأَلْفٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْته بِأَلْفَيْنِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهَا بِأَلْفَيْنِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ كَذَّبَ الْمُشْتَرِيَ فِي إقْرَارِهِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ لِكَوْنِهِ صَارَ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ حِينَ قَضَى الْقَاضِي بِهِ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَالْفَرْعَانِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَمِنْهُ مَا فِي التَّلْخِيصِ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ كَفَالَةً مُعَيَّنَةً فَأَنْكَرَهَا فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي، وَقُضِيَ عَلَى الْكَفِيلِ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَدْيُونِ إذَا كَانَتْ بِأَمْرِهِ عِنْدَنَا لِكَوْنِهِ صَارَ مُكَذَّبًا فِي إنْكَارِهَا حِينَ قَضَى الْقَاضِي بِهَا عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ فِي الْخُلَاصَةِ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ بِالْبَيِّنَةِ أَمَّا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُكَذَّبًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، وَأَقَرَّ أَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ
ــ
[منحة الخالق]
قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَيْضَةِ اهـ.
كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ هُنَاكَ (قَوْلُهُ لِأَنَّ حِلَّ قُرْبَانِ الزَّوْجِ لَهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَيْهَا إلَخْ) مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ تَصْحِيحُهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَعِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ هُنَاكَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُوجِبُ حِلَّ وَطْئِهَا، وَانْقِطَاعَ الرَّجْعَةِ، وَحِلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنُقِلَ تَصْحِيحُهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَأَنَّهُ عِنْدَ الْكُلِّ ثُمَّ قَالَ لَكِنْ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ لَمْ تُصَلِّ، وَلَا تَتَزَوَّجُ زَوْجًا آخَرَ مَا لَمْ تُصَلِّ، وَفِي انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ الْخِلَافُ
стр. 1228
وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فَقَضَى الْقَاضِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُ الْمُشْتَرِي بِالْعِتْقِ حَتَّى يَعْتِقَ عَلَيْهِ.
وَكَذَا الْمَدْيُونُ إذَا ادَّعَى الْإِيفَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَجَحَدَ الدَّائِنُ، وَحَلَفَ، وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالدَّيْنِ عَلَى الْغَرِيمِ لَا يَصِيرُ الْغَرِيمُ مُكَذَّبًا حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ بَيِّنَةُ الْإِيفَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ تُقْبَلُ اهـ.
فَكَانَ دَلَالَةً عَلَى الْوَطْءِ، وَدَلَالَةُ الشَّرْعِ أَقْوَى مِنْ صَرِيحِ الْعَبْدِ لِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ مِنْ الْعَبْدِ دُونَ الشَّارِعِ فَعُلِمَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْحَمْلَ يَثْبُتُ قَبْلَ الْوَضْعِ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِهِ قَبْلَهُ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ خِيَارِ الْعَيْبِ أَنَّ حَمْلَ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ يَثْبُتُ بِظُهُورِهِ قَبْلَ الْوَضْعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ حَتَّى كَانَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا بِعَيْبِ الْحَبَلِ قَبْلَ الْوَضْعِ، وَفِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْحَبَلِ الظَّاهِرِ فَانْدَفَعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْمَشَايِخِ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَهُ الرَّجْعَةُ تَسَاهُلٌ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ وَقْتَ الطَّلَاقِ إنَّمَا يُعْرَفُ إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَإِذَا وَلَدَتْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَلَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ رَاجَعَ قَبْلَ وَضْعِ الْحَمْلِ فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ السَّابِقَةِ، وَلَا يُرَادُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الرَّجْعَةُ قَبْلَ، وَضْعِ الْحَمْلِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ الْوَطْءَ، وَالشَّرْعُ لَا يَحْكُمُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الطَّلَاقِ بَلْ إنَّمَا يَحْكُمُ بِهِ إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يُوجَدْ تَكْذِيبُ الشَّرْعِ قَبْلَ، وَضْعِ الْحَمْلِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ وَمَنْ طَلَّقَ حَامِلًا مُنْكِرًا، وَطْأَهَا فَرَاجَعَهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوِلَادَةِ فَصُورَتُهَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الَّتِي وَلَدَتْ قَبْلَ الطَّلَاقِ مُنْكِرًا وَطْأَهَا فَلَهُ الرَّجْعَةُ. اهـ.
وَقَدْ يَكُونُ الْوِلَادَةُ قَبْلَ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ بَعْدَهُ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ فَتَسْتَحِيلُ الرَّجْعَةُ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ خَلَا بِهَا ثُمَّ قَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَا) أَيْ لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَتَأَكَّدُ بِالْوَطْءِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِعَدَمِهِ فَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالرَّجْعَةُ حَقُّهُ، وَلَمْ يَصِرْ مُكَذَّبًا شَرْعًا لِأَنَّ تَأْكِيدَ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى يُبْتَنَى عَلَى تَسْلِيمِ الْمُبْدَلِ لَا عَلَى الْقَبْضِ، وَالْعِدَّةُ تَجِبُ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ الْوَطْءِ فَلَمْ يَكُنْ الْقَضَاءُ بِهَا قَضَاءً بِالدُّخُولِ قَيَّدَ بِإِنْكَارِهِ الْجِمَاعَ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ جَامَعْتهَا، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ فَلَهُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ فَإِنَّ الْخَلْوَةَ دَلَالَةُ الدُّخُولِ فَإِنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ فَإِنْ قِيلَ الظَّاهِرُ حُجَّةٌ لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالزَّوْجُ إنَّمَا يُرِيدُ اسْتِحْقَاقَ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الزَّوْجُ إنَّمَا يُسْتَبْقَى مِلْكُهُ بِمَا يَقُولُ، وَيَدْفَعُ اسْتِحْقَاقَهَا نَفْسَهَا، وَالظَّاهِرُ يَكْفِي لِذَلِكَ (قَوْلُهُ وَإِنْ رَاجَعَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَهَا لِأَقَلَّ مِنْ عَامَيْنِ صَحَّتْ تِلْكَ الرَّجْعَةُ) يَعْنِي رَاجَعَهَا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ ظُهُورُ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَمَّا وَجَبَتْ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَظَهَرَ أَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ سَابِقًا عَلَى الطَّلَاقِ فَنَزَلَ وَاطِئًا قَبْلَ الطَّلَاقِ دُونَ مَا بَعْدَهُ لِأَنَّ عَلَى الِاعْتِبَارِ الثَّانِي يَزُولُ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ قَبْلَهُ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَفْعَلُ الْحَرَامَ، وَهُوَ إنْ كَانَ لَا يَكْذِبُ لَكِنْ لَمَّا لَزِمَ أَحَدُ الِاعْتِبَارَيْنِ مِنْ الزِّنَا أَوْ كَذِبِهِ فَجَعْلُهُ كَاذِبًا أَخَفُّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الزِّنَا.
(قَوْلُهُ إنْ وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ فِي بَطْنٍ آخَرَ فَهِيَ رَجْعَةٌ) يَعْنِي ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ إذَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِأَنَّهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَيَكُونُ الْوَلَدُ الثَّانِي مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا حَمْلًا لِأَمْرِهَا عَلَى الصَّلَاحِ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مِنْ بَطْنٍ آخَرَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَكُونُ رَجْعَةً لِأَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَانْدَفَعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ إلَخْ) رَدَّهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَمَا نَقَلَ كَلَامَ الصَّدْرِ وَهَذَا تَحْقِيقٌ بِالْقَبُولِ حَقِيقٌ، وَقَوْلُ مَنْ رَدَّهُ بِأَنَّ الْحَمْلَ يَثْبُتُ قَبْلَ الْوَضْعِ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِهِ قَبْلَهُ مَرْدُودٌ أَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي بَابِ الْعَيْبِ فَرِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُرَدُّ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ بِالْعَيْبِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا لِلْخُصُومَةِ لَا لِلرَّدِّ.
وَأَمَّا فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ قَوْلِهِمْ الْحَمْلُ الظَّاهِرُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالْفِرَاشِ، وَالْوِلَادَةُ بِقَوْلِ الْمَرْأَةِ، وَالْخِلَافُ هُنَا مَعْرُوفٌ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ إذَا جَحَدَ الزَّوْجُ وِلَادَةَ الْمُعْتَدَّةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ ظَاهِرًا فَيَثْبُتُ مَعَهُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ، وَهِيَ الْقَابِلَةُ فَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّ الْحَبَلَ يَثْبُتُ، وَإِنَّمَا ظُهُورُهُ يُؤَيِّدُ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا ثُبُوتُهُ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى الْوِلَادَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَا لَوْ قَالَ إنْ حَبَلْت فَطَالِقٌ فَقَالَ لَوْ وَطِئَهَا مَرَّةً فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا ثُمَّ قَالَ إنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالْوَلَدِ فَلَمْ يُثْبِتْهُ إلَّا بِالْوِلَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ، وَظُهُورُهُ لَا يُسَمَّى ثُبُوتًا، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الثُّبُوتِ اهـ.
стр. 1229
بِحَادِثٍ بَعْدَ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ كُلَّمَا وَلَدْت فَأَنْت طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثَلَاثًا فِي بُطُونٍ فَالْوَلَدُ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ رَجْعَةٌ) لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْأَوَّلِ، وَثَبَتَتْ الرَّجْعَةُ بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَيَقَعُ بِكُلِّ طَلْقَةٍ أُخْرَى فَتَحْرُمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً، وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْأَوْلَادِ مِنْ الزَّوْجِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ قَيَّدَ بِكَوْنِهِمْ فِي بُطُونٍ أَيْ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مُدَّةُ الْحَمْلِ فَأَكْثَرَ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوِلَادَتَيْنِ أَقَلُّ مِنْهَا لَا يَكُونُ رَجْعَةً، وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ بِالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي، وَلَا يَقَعُ بِالثَّالِثِ شَيْءٌ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلَانِ فِي بَطْنٍ، وَالثَّالِثُ فِي بَطْنٍ تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْأُولَى لَا غَيْرُ، وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالثَّانِي، وَلَا يَقَعُ بِالثَّالِثِ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ فِي بَطْنٍ، وَالثَّانِي، وَالثَّالِثُ فِي بَطْنٍ يَقَعُ ثِنْتَانِ بِالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي، وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالثَّالِثِ فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَقَعَ بِالْأَوَّلِ، وَلَا يَقَعُ بِالثَّانِي لِمُصَادَفَتِهِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْوَلَدِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ رَجْعَةً أَنَّهُ ظَهَرَ صِحَّةُ الرَّجْعَةِ السَّابِقَةِ بِهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ بِوَطْءٍ حَادِثٍ.
(قَوْلُهُ) (، وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَزَيَّنُ) يَعْنِي لِزَوْجِهَا إذَا كَانَتْ الرَّجْعَةُ مَرْجُوَّةً لِأَنَّهَا حَلَالٌ لِلزَّوْجِ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الرَّجْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالتَّزَيُّنُ حَامِلٌ عَلَيْهَا فَيَكُونُ مَشْرُوعًا قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ لِزَوْجِهَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَائِبًا فَلَا تَتَزَيَّنُ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ، وَقَيَّدْنَا بِالرَّجْعِيَّةِ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ لَا يَجُوزُ لَهَا التَّزَيُّنُ مُطْلَقًا لِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهَا، وَعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الرَّجْعَةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَخَرَجَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ، وَفَاةٍ فَإِنَّهَا تُحَدُّ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهَا مَرْجُوَّةً لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرَاجِعُهَا لِشِدَّةِ بُغْضِهَا فَإِنَّهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ عَلَى تَرْكِهَا الزِّينَةَ إذَا طَلَبَهَا مِنْهَا لِأَنَّهَا حَقُّهُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا.
(قَوْلُهُ) (وَنُدِبَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا) أَيْ يُعْلِمَهَا بِدُخُولِهِ إمَّا بِخَفْقِ النَّعْلِ أَوْ بِالتَّنَحْنُحِ أَوْ بِالنِّدَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَصَدَ رَجْعَتَهَا أَوَّلًا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ إنْ بَرِئَ الْفَرْجُ بِشَهْوَةٍ فَتَكُونُ رَجْعَةً بِالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا بِأَنْ يَصِيرَ مُرَاجِعًا بِالنَّظَرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِهَا فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَمْلِ الْمُتُونِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ رَجْعَتَهَا كَمَا فَعَلَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى إطْلَاقِهَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْإِطْلَاقِ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوَاهُ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُسَافِرُ بِهَا) يَعْنِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَلِحُرْمَتِهِ لَمْ يَكُنْ رَجْعَةً لِأَنَّ الرَّجْعَةَ مَنْدُوبَةٌ، وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا حَرَامٌ، وَمُرَادَةٌ إذَا كَانَ يُصَرِّحُ بِعَدَمِ رَجْعَتِهَا أَمَّا إذَا سَكَتَ كَانَتْ رَجْعَةً دَلَالَةً كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي، وَفَتَاوِيهِ، وَالْبَدَائِعِ، وَغَايَةِ الْبَيَانِ مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ السَّفَرَ دَلَالَةُ الرَّجْعَةِ فَانْتَفَى بِهِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ دَلَالَةَ الرَّجْعَةِ، وَأَوْرَدَ أَنَّ التَّقْبِيلَ بِشَهْوَةٍ يَكُونُ رَجْعَةً، وَإِنْ نَادَى عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ الرَّجْعَةِ، وَجَوَابُهُ الْفِرَاقُ بِالْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ كَمَا نَقَلْنَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَجَابَ الشُّمُنِّيُّ بِأَنَّ التَّقْبِيلَ رَجْعَةٌ حَقِيقَةً لَا دَلَالَةً بِخِلَافِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ رَجْعَةٌ دَلَالَةً لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ شَيْئًا تَثْبُتُ بِهِ الرَّجْعَةُ قَيَّدَ بِالسَّفَرِ أَيْ بِإِنْشَائِهِ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي السَّفَرِ لَهَا أَنْ تَمْشِيَ مَعَهُ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَمُرَادُهُ مِنْ الْمُسَافَرَةِ بِهَا إخْرَاجُهَا مِنْ بَيْتِهَا لَا السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ الْمُقَدَّرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ إخْرَاجُهَا إلَى مَا دُونَهُ أَيْضًا لِلنَّهْيِ الْمُطْلَقِ لَكِنْ لَا يَكُونُ رَجْعَةً دَلَالَةً، وَاعْلَمْ أَنَّ الْهِدَايَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُسَافَرَةِ بِهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا فِي عِدَّتِهَا لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَتَيْنِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بِالْفِعْلِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بِدُونِ إشْهَادٍ، وَنَظَرَ فِي الْأُولَى فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، وَلَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا فَالنَّظَرُ مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ اهـ.
نَعَمْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَرُدَّ رَجْعَتَهَا، وَلَيْسَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَالْإِشْهَادُ مَنْدُوبٌ مِنْ قَوْلِهِ وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَيُكْرَهُ التَّقْبِيلُ، وَاللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ إذَا لَمْ يَرُدَّ الرَّجْعَةَ (قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِالْإِطْلَاقِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ) أَقُولُ: الَّذِي رَأَيْته فِيهَا مَا نَصُّهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَرَاهَا مُتَجَرِّدَةً إنْ لَمْ يَرُدَّ الرَّجْعَةَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَأْتِي بِشَيْءٍ يَصِيرُ بِهِ مُرَاجِعًا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَطُولُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يُرَاجِعَهَا فَأَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَهَا بِدُخُولِهِ عَلَيْهَا بِالتَّنَحْنُحِ وَخَفْقِ النَّعْلِ كَيْ تَتَأَهَّبَ لِدُخُولِهِ كَيْ لَا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى فَرْجِهَا فَيَصِيرَ مُرَاجِعًا لَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا، وَكَذَا إنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُعْلِمَهَا كَيْ لَا يَصِيرَ مُرَاجِعًا بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَكَذَا يُكْرَهُ التَّقْبِيلُ وَاللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ اهـ.
فَمَا نَسَبَهُ إلَيْهَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِالْإِطْلَاقِ لَيْسَ مَوْجُودًا كَمَا رَأَيْت، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ التَّقْبِيلُ وَاللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَهُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يُرِدْ مُرَاجَعَتَهَا أَيْضًا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ.
стр. 1230
تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُبْطِلَ لِلْعِصْمَةِ عَمَلٌ عَمِلَهُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ حَتَّى احْتَسَبَتْ الْأَقْرَاءَ الْمَاضِيَةَ مِنْ الْعِدَّةِ فَكَانَتْ الْمُسَافَرَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ أَمَّا إذَا رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُ فَزَالَتْ الْحُرْمَةُ.
(قَوْلُهُ وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْآيَاتِ، وَالْمَعْنَى أَوَّلَ الْبَابِ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ عُقْرٌ وَالشَّافِعِيُّ لَمَّا حَرَّمَهُ أَوْجَبَ لَهُ الْعُقْرَ، وَفِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الرَّوْضَةِ لِلشَّافِعِيَّةِ لَوْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَا يَجِبُ التَّعْزِيرُ إنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ، وَلَوْ وَطِئَهَا، وَلَمْ يُرَاجِعْهَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَوْ رَاجَعَهَا فَالنَّصُّ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَيْضًا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي خَمْسِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي آيَةِ الْمِيرَاثِ، وَالْإِيلَاءِ، وَالظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالطَّلَاقِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَكَذَا فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي الرَّجْعَةِ، وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ لَفْظَةِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ، وَرِضَاهَا عِنْدَ الْكُلِّ. اهـ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا لَا تَحْرُمُ لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الْمُرَاجَعَةُ، وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا الْقَسْمُ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَهَا الْقَسْمُ فَخَلَا بِهَا فَرُبَّمَا أَدَّى إلَى الْمِسَاسِ بِشَهْوَةٍ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا، وَهُوَ لَا يُرِيدُهَا فَيُطَلِّقُهَا فَتَطُولُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ الْمُرَاجَعَةُ كَانَ لَهَا الْقَسْمُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ فِيمَا تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ]
(قَوْلُهُ وَيَنْكِحُ مُبَانَتَهُ فِي الْعِدَّةِ، وَبَعْدَهَا) أَيْ الْمُبَانَةُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ بَاقِيَةٌ لِأَنَّ زَوَالَهَا مُعَلَّقٌ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فَيَنْعَدِمُ قَبْلَهَا، وَمَنَعَ الْغَيْرُ فِي الْعِدَّةِ لِاشْتِبَاهِ النَّسَبِ، وَلَا اشْتِبَاهَ فِي الْإِطْلَاقِ لَهُ (قَوْلُهُ لَا الْمُبَانَةُ بِالثَّلَاثِ لَوْ حُرَّةً، وَبِالثِّنْتَيْنِ لَوْ أَمَةً حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ، وَلَوْ مُرَاهِقًا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَتَمْضِي عِدَّتُهُ لَا بِمِلْكِ يَمِينٍ) أَيْ لَا يَنْكِحُ مُبَانَتَهُ بِالْبَيْنُونَةِ الْغَلِيظَةَ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَصْلِ، وَأَمَّا مَا عَنْ الْمُشْكِلَاتِ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثَلَاثًا فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِلَا تَحْلِيلٍ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا اهـ.
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَةً فَلَا يَقَعُ إلَّا بِالْأُولَى لَا الثَّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْبُخَارِيُّ شَارِحُ الدُّرَرِ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهَا زَلَّةٌ عَظِيمَةٌ إلَى أَنْ قَالَ لَا يَبْعُدُ إكْفَارُ مُخَالِفِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ﵁ رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الدُّخُولَ بِهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صَيْرُورَتِهَا حَلَالًا لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ قَضَى بِهِ قَاضٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فَإِنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ ثَبَتَ بِالْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ م فع يَحْتَالُ فِي التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ، وَيَأْخُذُ الرِّشَى بِذَلِكَ، وَيُزَوِّجُهَا لِلْأَوَّلِ بِدُونِ دُخُولِ الثَّانِي هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَالُوا أَنْ يُسَوَّدَ وَجْهُهُ، وَيُبْعَدَ فع فَقِيهٌ يُفْتِي بِمَذْهَبِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَيُزَوِّجُ لِلْأَوَّلِ قَالَ بَقِيَتْ مُطَلَّقَةً بِثَلَاثٍ، وَيُعَزَّرُ الْفَقِيهُ. اهـ. وَشَمِلَ مَا إذَا طَلَّقَهَا أَزْوَاجُ كُلِّ زَوْجٍ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ فَدَخَلَ بِهَا تَحِلُّ لِلْكُلِّ.
وَأَشَارَ بِالْوَطْءِ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْإِيلَاجُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَنْ قُوَّةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مَلْفُوفًا بِخِرْقَةٍ إذَا كَانَ يَجِدُ لَذَّةَ حَرَارَةِ الْمَحَلِّ فَلَوْ أَوْلَجَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ لَا بِقُوَّتِهِ بَلْ بِمُسَاعَدَةِ الْيَدِ لَا يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ إلَّا إنْ انْتَعَشَ، وَعَمِلَ بِخِلَافِ مَنْ فِي آلَتِهِ فُتُورٌ، وَأَوْلَجَهَا فِيهَا حَتَّى الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِهِ، وَخَرَجَ الْمَجْبُوبُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ يُولِجُ فِي مَحَلِّ الْخِتَانِ فَلَا تَحِلُّ بِسَحْقِهِ حَتَّى تَحْبَلَ، وَدَخَلَ الْخَصِيُّ الَّذِي مِثْلُهُ يُجَامِعُ فَيُحِلُّهَا، وَأَرَادَ بِالْمُرَاهِقِ الَّذِي مِثْلُهُ يُجَامِعُ، وَتَتَحَرَّكُ آلَتُهُ، وَيَشْتَهِي الْجِمَاعَ، وَقَدَّرَهُ شَمْسُ الْإِسْلَامِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَلَا يُحِلُّهَا، وَأَطْلَقَ الْوَطْءَ فَشَمِلَ مَا إذَا وَطِئَهَا فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ
ــ
[منحة الخالق]
فَصْلٌ فِيمَا تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ) .
(قَوْلُهُ وَشَمِلَ مَا إذَا طَلَّقَهَا أَزْوَاجٌ) يُوجَدُ قَبْلَ هَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا نَصُّهُ وَفِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الرَّوْضَةِ لِلشَّافِعِيَّةِ لَوْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَا يَجِبُ التَّعْزِيرُ إنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ، وَلَوْ وَطِئَهَا، وَلَمْ يُرَاجِعْهَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَوْ رَاجَعَهَا فَالنَّصُّ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَيْضًا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي خَمْسِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي آيَةِ الْمِيرَاثِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالطَّلَاقِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَكَذَا فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي الرَّجْعَةِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ لَفْظَةِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَرِضَاهَا عِنْدَ الطَّلَاقِ اهـ مَا يُوجَدُ، وَلَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا (قَوْلُهُ إلَّا إنْ انْتَعَشَ، وَعَمِلَ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُحِلُّهَا كَذَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ (قَوْلُهُ وَأَرَادَ بِالْمُرَاهِقِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي شَرْحِ النَّافِعِ لِلْمُصَنِّفِ إذَا جَامَعَهَا الْمُرَاهِقُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ غَيْرُ وَاقِعٍ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى
следующие страницы →