Полный текст (3 122 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
كَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَالْبَدِيعِ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي، وَلَك أَلْفٌ أَوْ اخْلَعْنِي، وَلَك أَلْفٌ فَفَعَلَ فَعِنْدَهُ وَقَعَ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ، وَقَالَا يَجِبُ الْمَالُ كَذَا فِي الْكَافِي، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي، وَلَك أَلْفٌ فَقَالَ طَلَّقْتُك عَلَى الْأَلْفِ الَّتِي سَمَّيْتهَا إنْ قَبِلْت يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَجِبُ الْمَالُ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَمْ يَجِبْ عِنْدَهُ لِأَنَّهَا الْتَمَسَتْ طَلَاقًا بِغَيْرِ عِوَضٍ لِأَنَّ قَوْلَهَا، وَلَك أَلْفٌ لَمْ يَكُنْ تَعْوِيضًا عَلَى الطَّلَاقِ فَقَدْ أَعْرَضَ الزَّوْجُ عَمَّا الْتَمَسَتْ حَيْثُ أَوْقَعَ طَلَاقًا بِعِوَضٍ فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ، وَإِلَّا بَطَلَ، وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ، وَيَجِبُ الْمَالُ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوُقُوعَ مَجَّانًا مَعَ ذِكْرِ الْمَالِ لَا يَخْتَصُّ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بَلْ يَكُونُ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى مِنْهَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى عَبْدِي هَذَا فَإِذَا هُوَ حُرٌّ فَقَبِلَتْ طَلَقَتْ مَجَّانًا لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا زُفَرُ قِيمَتَهُ قِيَاسًا عَلَى تَسْمِيَةِ عَبْدِ الْغَيْرِ، وَفَرَّقْنَا بِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ بِإِجَازَةِ مَالِكِهِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَفِي الْمَقِيسِ لَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ، وَمِنْهَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ طَلَقَتْ ثَلَاثًا مَجَّانًا عِنْدَهُ لِلْمُخَالَفَةِ، وَعِنْدَهُمَا طَلَقَتْ ثَلَاثًا، وَعَلَيْهَا الْأَلْفُ بِإِزَاءِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّهُ مُجِيبٌ بِالْوَاحِدَةِ مُبْتَدِئًا بِالْبَاقِي، وَإِنْ ذَكَرَ الْأَلْفَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ عِنْدَهُ مَا لَمْ تَقْبَلْ الْمَرْأَةُ، وَإِذَا قَبِلَتْ الْكُلَّ وَقَعَ الثَّلَاثُ بِالْأَلْفِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ لَمْ تَقْبَلْ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَإِنْ قَبِلَتْ طَلَقَتْ ثَلَاثًا وَاحِدَةٌ بِأَلْفٍ، وَثِنْتَانِ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَذَا فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ وَصَحَّ خِيَارُ الشَّرْطِ لَهَا لَا لَهُ) لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مِنْ جِهَتِهَا، وَيَمِينٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَلِذَا صَحَّ رُجُوعُهَا قَبْلَ الْقَبُولِ، وَلَا تَصِحُّ إضَافَتُهَا، وَتَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ، وَانْعَكَسَتْ الْأَحْكَامُ مِنْ جَانِبِهِ، وَهُمَا مَنَعَاهُ مِنْ جَانِبِهَا أَيْضًا نَظَرًا إلَى جَانِبِ الْيَمِينِ، وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْخُلْعَ وَالطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ مِنْهَا مَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَبِلَتْ بَطَلَ الْخِيَارُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَبِلَتْ إنْ رَدَّتْ الطَّلَاقَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَطَلَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَقَعَ، وَوَجَبَ الْأَلْفُ لَهُ، وَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالْمَالُ لَازِمٌ عَلَيْهَا، وَالْخِيَارُ بَاطِلٌ فِي الْوَجْهَيْنِ كَذَا فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ بَابِ الْإِكْرَاهِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَبِلَتْ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَهَا الْخِيَارُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ.
وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ قَبْلَ إسْقَاطِ الْخِيَارِ إمَّا بِالرِّضَا أَوْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَا أَنَّهُ وَقَعَ ثُمَّ يَرْتَفِعُ بِالْفَسْخِ بِالْخِيَارِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا يَقُولَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ إنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا شُرِعَ لِلْفَسْخِ، وَالْخُلْعُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَجَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ هَذَا أَنَّ مَحَلَّ الْخِيَارِ فِي مَنْعِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا فَلَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ مُنْعَقِدًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ لِلْحَالِ بَلْ مَوْقُوفٌ إلَى وَقْتِ سُقُوطِ الْخِيَارِ فَحِينَئِذٍ يَعْمَلُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْبُيُوعِ اهـ.
فَإِنْ قُلْت هَلْ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لَهَا بَعْدَ الْخُلْعِ قُلْت لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا، وَمُقْتَضَى جَعْلِهِ كَالْبَيْعِ أَنْ يَصِحَّ لِأَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ اللَّاحِقِ بَعْدَ الْبَيْعِ كَالْمُقَارِنِ مَعَ أَنَّ فِيهِ إشْكَالًا لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ حَيْثُ كَانَ بِلَا شَرْطٍ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُدَّةِ فَشَمِلَ اشْتِرَاطُهُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ عِنْدَهُ، وَالْفَرْقُ لِلْإِمَامِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ فِي الْبَيْعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّمْلِيكَاتِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَفِي الْخُلْعِ عَلَى وَفْقِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ، وَالْمَالُ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ لَكِنَّهُ تَابِعٌ فِي الثُّبُوتِ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ كَمَا أَنَّ الثَّمَنَ تَابِعٌ فِي الْبَيْعِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَقَدَّرَ بِالثَّلَاثِ كَذَا فِي الْكَشْفِ مِنْ آخِرِ بَحْثِ الْهَزْلِ فَعَلَى هَذَا إذَا قَدَّرَا وَقْتًا، وَمَضَى بَطَلَ الْخِيَارُ سَوَاءٌ كَانَ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَزِمَ الْمَالُ، وَإِذَا أَطْلَقَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِهَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَطْلَقَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنْ يَقْبَلَ النَّقْضَ بَعْدَ التَّمَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي التَّقَايُلُ فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَهَذَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ مِنْ أَنَّ ثُبُوتَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا قَالَ لَهُ الْبَائِعُ ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَمَّا عِنْدَ الْعَقْدِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا سَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 1262
فَقَطْ فَإِنْ قَامَتْ مِنْهُ بَطَلَ اسْتِنْبَاطًا مِمَّا إذَا أَطْلَقَا فِي الْبَيْعِ لِمَا أَنَّ لَهُ شَبَهَ الْبَيْعِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ جَانِبَ الْعَبْدِ فِي الْعَتَاقِ مِثْلُ جَانِبِ الْمَرْأَةِ فِي الطَّلَاقِ حَتَّى صَحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لَهُ دُونَ الْمَوْلَى ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ نَقَلُوا هُنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا لِلْخُلْعِ لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةً مِنْ جِهَتِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ إنْ طَلَّقْتنِي ثَلَاثًا فَلَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنْ قَبِلَ فِي الْمَجْلِسِ فَلَهُ الْأَلْفُ.
وَإِنْ قَبِلَ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَعَزَاهُ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ مَعَ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ مِنْهَا لَهُ بِصَرِيحِ الشَّرْطِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَ الْقَبُولَ أَوْ الْإِيجَابَ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ خَالَعَهَا، وَقَالَتْ إنْ لَمْ أُؤَدِّ الْبَدَلَ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ فَمَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَمْ تُؤَدِّ فَهَذِهِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْخُلْعِ، وَأَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ إذَا كَانَ مِنْ جَانِبِهَا اهـ.
يَعْنِي: إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْأَدَاءِ بَطَلَ الْخُلْعُ، وَإِنْ أَدَّتْ فِي الْمُدَّةِ وَقَعَ كَمَسْأَلَةِ خِيَارِ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالثَّلَاثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ صَرِيحًا، وَقَيَّدَ بِخِيَارِ الشَّرْطِ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ، وَلَا فِي كُلِّ عَقْدٍ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَمَا ذَكَرَهُ الْعِمَادِيُّ فِي فُصُولِهِ، وَأَمَّا خِيَارُ الْعَيْبِ فِي بَدَلِ الْخُلْعِ فَثَابِتٌ فِي الْعَيْبِ الْفَاحِشِ دُونَ الْيَسِيرِ، وَالْفَاحِشُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْجَوْدَةِ إلَى الْوَسَاطَةِ، وَمِنْ الْوَسَاطَةِ إلَى الرَّدَاءَةِ. اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْأَصْلُ أَنَّ مَنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ خِطَابِهِ قَوْلًا يَبْطُلُ خِطَابُهُ بِقِيَامِهِ، وَمَنْ لَا رُجُوعَ لَهُ لَا يَبْطُلُ بِقِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِهِ يَبْطُلُ بِقِيَامِهَا لَا بِقِيَامِهِ، وَمِنْ جَانِبِهَا يَبْطُلُ بِقِيَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ طَلَّقْتُك أَمْسِ بِأَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلِي، وَقَالَتْ قَبِلْت صَدَّقَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ) .
وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ بِلَا قَبُولِ عَقْدٍ تَامٍّ، وَهُوَ عَقْدُ يَمِينٍ فَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ بِهِ إقْرَارًا بِقَبُولِ الْمَرْأَةِ أَمَّا الْبَيْعُ بِلَا قَبُولِ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ بِبَيْعٍ فَكَانَ إقْرَارُهُ بِهِ إقْرَارًا بِقَبُولِ الْمُشْتَرِي فَدَعْوَاهُ بَعْدَهُ عَدَمَ قَبُولِهِ تَنَاقُضٌ، وَمُرَادُهُ مِنْ تَصْدِيقِ الزَّوْجِ قَبُولُ قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ، وَلَوْ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي شَرْحًا لِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ مِنْ أَنَّ صُورَتَهُ مَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَمْسِ فَلَمْ تُقْبَلْ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي قَبِلْت إلَى آخِرِهِ لَشَرَحْت قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك طَلَاقَك أَمْسِ فَلَمْ تَقْبَلِي فَقَالَتْ بَلْ قَبِلْت فَقَدْ نَصَّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْقَبُولَ لَهَا لِمُنَاسَبَتِهِ لِلطَّلَاقِ، وَفِيهِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْتَقْتُك أَمْسِ عَلَى أَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ، وَبِعْتُك أَمْسِ نَفْسَك مِنْك بِأَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الزَّوْجِ لَهَا. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ أَقَامَا بَيِّنَةً أُخِذَ بِبَيِّنَةِ الْمَرْأَةِ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَى الْخُلْعَ عَلَى مَالٍ، وَالْمَرْأَةُ تُنْكِرُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِقْرَارِهِ، وَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ عَلَى حَالِهَا، وَعَكْسُهُ لَا يَقَعُ كَيْفَمَا كَانَ ادَّعَتْ الْمَهْرَ أَوْ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا، وَادَّعَى الْخُلْعَ، وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ فَفِي حَقِّ الْمَهْرِ الْقَوْلُ لَهَا، وَفِي النَّفَقَةِ قَوْلُهُ اهـ.
وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُدَّعِيًا أَنَّ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ مِنْ جُمْلَةِ بَدَلِ الْخُلْعِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَهْرَ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَدَعْوَاهُ سُقُوطَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ فَلَيْسَتْ وَاجِبَةً قَبْلَهُ، وَهِيَ تَدَّعِي اسْتِحْقَاقَهَا بِالطَّلَاقِ، وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ لَهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهَا لِأَنَّ الْخُلْعَ وَالطَّلَاقَ يُوجِبَانِ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ فَكَيْفَ تَسْقُطُ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ اخْتَلَفَا فِي كَمِّيَّةِ الْخُلْعِ فَقَالَ مَرَّتَانِ، وَقَالَتْ ثَلَاثٌ قِيلَ الْقَوْلُ لَهُ، وَقِيلَ لَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ التَّزَوُّجِ فَقَالَتْ لَمْ يَجُزْ التَّزَوُّجُ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ الْخُلْعِ الثَّالِثِ، وَأَنْكَرَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْعِدَّةِ، وَبَعْدَ مُضِيِّهَا فَقَالَ هِيَ عِدَّةُ الْخُلْعِ الثَّانِي، وَقَالَتْ هِيَ عِدَّةُ الْخُلْعِ الثَّالِثِ فَالْقَوْلُ لَهَا فَلَا يَحِلُّ النِّكَاحُ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّ زَوْجَهَا الْمَجْنُونَ خَالَعَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَأَقَامَ وَلِيُّهُ أَوْ هُوَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ بَيِّنَةً أَنَّهُ خَالَعَهَا فِي جُنُونِهِ فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ أَوْلَى اهـ.
وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ قَالَ لَهَا قَدْ طَلَّقْتُك وَاحِدَةً بِأَلْفٍ فَقَبِلْت فَقَالَتْ إنَّمَا سَأَلْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقْتنِي وَاحِدَةً فَلَكَ ثُلُثُهَا فَالْقَوْلُ لِلْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الزَّوْجِ، وَكَذَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِالْمَالِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ النُّسْخَةُ الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا الزَّيْلَعِيُّ وَالْعَيْنِيُّ وَمُنْلَا مِسْكِينٌ مُقَيَّدَةٌ بِالْمَالِ فَإِنَّ عِبَارَتَهُمْ طَلَّقْتُك أَمْسِ بِأَلْفٍ. اهـ.
قُلْت، وَكَذَلِكَ عِبَارَةُ النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ إلَخْ) أَصْلُ لِاسْتِشْكَالِ لِصَاحِبِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ
стр. 1263
لَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْجُعْلِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْخُلْعِ أَوْ قَالَتْ اخْتَلَعْتُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الزَّوْجِ أَمَّا إذَا اتَّفَقَا أَنَّهَا سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، وَقَالَتْ طَلَّقْتنِي وَاحِدَةً، وَقَالَ هُوَ ثَلَاثًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنْ كَانَا فِي الْمَجْلِسِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَجْلِسِ سُؤَالِهَا الثَّلَاثَ بِأَلْفٍ كَانَ لَهُ الْأَلْفُ فَغَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مُوقِعًا الْبَاقِيَ فِي الْمَجْلِسِ فَيَكُونَ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ لَزِمَهَا الثَّلَاثُ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ فَمِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ إلَّا ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَإِنْ قَالَتْ سَأَلْتُك أَنْ تُطَلِّقَنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقْتنِي وَاحِدَةً فَلَا شَيْءَ لَك يَعْنِي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ هُوَ بَلْ سَأَلْتنِي وَاحِدَةً عَلَى أَلْفٍ فَطَلَقْتُكهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ قَالَتْ سَأَلْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقْتنِي فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَاحِدَةً، وَالْبَاقِي فِي غَيْرِهِ، وَقَالَ بَلْ الثَّلَاثُ فِيهِ فَالْقَوْلُ لَهَا، وَإِنْ قَالَتْ سَأَلْتُك أَنْ تُطَلِّقَنِي أَنَا وَضَرَّتِي عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقْتنِي وَحْدِي، وَقَالَ طَلَّقْتهَا مَعَك، وَقَدْ افْتَرَقَا مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَالْقَوْلُ لَهَا، وَعَلَيْهَا حِصَّتُهَا مِنْ الْأَلْفِ، وَالْأُخْرَى طَالِقٌ بِإِقْرَارِهِ، وَكَذَا إذَا قَالَتْ فَلَمْ تُطَلِّقْنِي، وَلَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَفِي مَسْأَلَةِ خُلْعِ الثِّنْتَيْنِ بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ تَنْبِيهٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا خَلَعَ امْرَأَتَيْهِ عَلَى أَلْفٍ كَانَتْ مُنْقَسِمَةً عَلَى قَدْرِ مَا تَزَوَّجَهُمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ حَتَّى لَوْ سَأَلَتَاهُ طَلَاقَهُمَا عَلَى أَلْفٍ أَوْ بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَزِمَ الْمُطَلَّقَةَ حِصَّتُهَا مِنْ الْأَلْفِ عَلَى قَدْرِ مَا تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَإِنْ طَلَّقَ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَيْضًا لَزِمَهَا حِصَّتُهَا لِأَنَّ الْأَلْفَ تَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَمَا افْتَرَقُوا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْخُلْعَ، وَالزَّوْجُ يُنْكِرُهُ فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْأَلْفِ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ، وَخَمْسِمِائَةٍ أَوْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْجُعْلِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي لِلْخُلْعِ، وَالْمَرْأَةُ تُنْكِرُهُ فَشَهِدَ أَحَدُ شَاهِدَيْهِ بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ، وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالزَّوْجُ يَدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْأَلْفِ، وَإِنْ اُدُّعِيَ أَلْفٌ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ بِإِقْرَارِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِيهِ لَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ فَالْقَوْلُ لَهَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَحَالَفَانِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ دَفَعَتْ بَدَلَ الْخُلْعِ، وَزَعَمَ الزَّوْجُ أَنَّهُ قَبَضَهُ بِجِهَةٍ أُخْرَى أَفْتَى الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ أَنَّ الْقَوْلَ لَهُ، وَقِيلَ لَهَا لِأَنَّهَا الْمُمَلَّكَةُ.
(قَوْلُهُ وَيُسْقِطُ الْخُلْعُ وَالْمُبَارَأَةُ كُلَّ حَقٍّ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ حَتَّى لَوْ خَالَعَهَا أَوْ بَارَأَهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ كَانَ لِلزَّوْجِ مَا سَمَّتْ لَهُ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدِهِمَا قِبَلَ صَاحِبِهِ دَعْوَى فِي الْمَهْرِ مَقْبُوضًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الْخُلْعَ كَالْبَرَاءَةِ يَقْتَضِي الْبَرَاءَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْخُلْعِ، وَهُوَ الْفَصْلُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا لَمْ يَبْقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِبَلَ صَاحِبِهِ حَقٌّ، وَإِلَّا تَحَقَّقَتْ الْمُنَازَعَةُ بَعْدَهُ، وَالْمُبَارَأَةُ بِالْهَمْزَةِ، وَتَرْكُهَا خَطَأٌ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ بَرِئْت مِنْ نِكَاحِك بِكَذَا كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ، وَلَا يَخْفَى وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَدْ صَوَّرَهَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنْ يَقُولَ بَارَأْتُك عَلَى أَلْفٍ، وَتَقْبَلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبَزَّازِيَّةِ لَكِنْ قَالَ فِيهَا نِيَّةُ الطَّلَاقِ فِي الْخُلْعِ، وَالْمُبَارَأَةُ شَرْطُ الصِّحَّةِ إلَّا أَنَّ الْمَشَايِخَ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِي الْخُلْعِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الْخُلْعِ بَعْدَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَلَوْ كَانَتْ الْمُبَارَأَةُ أَيْضًا كَذَلِكَ لَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكِنَايَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَبَقِيَتْ مَشْرُوطَةً فِي الْمُبَارَأَةِ، وَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ عَلَى الْأَصْلِ اهـ.
وَشَمِلَ أَوَّلُ كَلَامِهِ سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ لَا يُسَمِّيَا شَيْئًا أَوْ سَمَّيَا الْمَهْرَ أَوْ مَالًا آخَرَ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مَقْبُوضًا أَوْ لَا، وَكُلٌّ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا شَيْئًا بَرِئَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبَزَّازِيَّةِ، وَعِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ لَوْ خَالَعَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِوَضَ عَلَيْهَا فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي نُسْخَتِهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ دَعْوَى صَاحِبِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَلْفَ تَنْقَسِمُ عَلَيْهَا بِالسَّوِيَّةِ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَاَلَّذِي فِي الْفَتْحِ لَا أَنَّ بِالْأَلْفِ بَعْدَ لَا، وَهِيَ الصَّوَابُ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إلَخْ) أَقُولُ: صَرَّحَ بِهِ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ أَيْضًا، وَبِأَنَّهُ بَائِنٌ حَيْثُ قَالَ فِي الْكَافِي وَإِذَا اخْتَلَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا فَالْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ ثَلَاثًا فَتَكُونَ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَكَذَلِكَ كُلُّ طَلَاقٍ يَجْعَلُ فَهُوَ بَائِنٌ فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ لَمْ أَعْنِ بِالْخُلْعِ طَلَاقًا، وَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ جُعْلًا لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْحُكْمِ، وَالْمُبَارَأَةُ بِمَنْزِلَةِ الْخُلْعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ
стр. 1264
وَذَكَرَ الْإِمَامُ خواهر زاده أَنَّ هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرٌ فَعَلَيْهَا رَدُّ مَا سَاقَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ لِأَنَّ الْمَالَ مَذْكُورٌ عُرْفًا بِذِكْرِ الْخُلْعِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ. اهـ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِمَا أَوَّلًا أَنَّ الْمَهْرَ إذَا كَانَ مَقْبُوضًا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا وَصَرِيحُ كَلَامِهِمَا ثَانِيًا الرُّجُوعُ وَقَدْ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنَّهَا تَرُدُّ مَا سَاقَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ فَحِينَئِذٍ يَبْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ مَحَلَّ الْبَرَاءَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا إذَا خَالَعَهَا بَعْدَمَا دَفَعَ لَهَا مُعَجَّلَ الْمَهْرِ وَقَدْ بَقِيَ مُؤَجَّلُهُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ مُؤَجَّلِهِ وَتَبْرَأُ هِيَ عَنْ مُعَجَّلِهِ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الْمَهْرِ مَا قَبَضَتْ الْمَرْأَةُ فَهُوَ لَهَا وَمَا كَانَ بَاقِيًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ يَسْقُطُ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ لَهَا خَالَعْتُكِ فَقَالَتْ قَبِلْتُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ الْبَائِنُ بِقَوْلِهِ إذَا نَوَى وَلَا دَخْلَ لِقَبُولِهَا حَتَّى إذَا نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ وَلَمْ تَقْبَلْ الْمَرْأَةُ يَقَعُ الْبَائِنُ وَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ وَيُصَدَّقُ قَضَاءً وَدِيَانَةً بِخِلَافِ قَوْلِهِ خَالَعْتكِ فَقَالَتْ قَبِلْت يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْبَرَاءَةُ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ خَلَعْتُكِ وَخَالَعْتُك مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّ خَلَعْتُك لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ بِخِلَافِ خَالَعْتكِ. الثَّانِي لَا يَبْرَأُ فِي الْأَوَّلِ وَيَبْرَأُ فِي الثَّانِي فَلِذَا قَالَ فِي الْكِتَابِ حَتَّى لَوْ خَالَعَهَا بِصِيغَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ إلَخْ) ، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ خَالَعْتكِ فَقَبِلَتْ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ عَنْ الْمَهْرِ الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ كَانَ عَلَيْهَا رَدُّ مَا سَاقَ إلَيْهَا مِنْ الصَّدَاقِ كَذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ الْمُخْتَصَرِ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بخواهر زاده وَبِهِ أَخَذَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَكُونُ إلَّا بِعِوَضٍ. اهـ.
وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا لَا يَبْرَأُ عَنْ الْمَهْرِ فَتَأْخُذُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَهَذَا ظَاهِرُ جَوَابِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَبْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْمَهْرِ لَا غَيْرُ فَلَا يُطَالِبُ بِهِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ مَقْبُوضًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ الثَّالِثَةُ بَرَاءَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ الْمَهْرِ، وَعَنْ دَيْنٍ آخَرَ كَذَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لِابْنِ الشِّحْنَةِ كَذَا فِي شَرْحِ الشُّرُنْبُلَالِيَّة وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا شَيْئًا بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ حَقِّ الْآخَرِ مِمَّا لَزِمَهُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَانَ الْمَهْرُ مَقْبُوضًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهَا رَدُّ مَا قَبَضَتْ لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ دَيْنٍ آخَرَ أَيْضًا اهـ.
وَقَوْلُهُ لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَيْ، وَبَعْدَهُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ مُوجِبٌ لِرَدِّ نِصْفِ الْمَهْرِ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهَا رَدُّ شَيْءٍ مِنْهُ هُنَا فَفِيمَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِالْأَوْلَى، وَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالثَّالِثَةُ يَبْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْمَهْرِ لَا غَيْرُ فَلَا يُطَالِبُ بِهِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ مَقْبُوضًا كَانَ أَوْ لَا حَتَّى لَا تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا، وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مَقْبُوضًا كُلَّهُ، وَالْخُلْعُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَالَ مَذْكُورٌ عُرْفًا بِالْخُلْعِ فَحَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَزِمَ مَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الِانْخِلَاعُ مِنْهُ. اهـ.
وَفِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ إنْ لَمْ يُسَمِّيَا شَيْئًا بَرِئَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ قَبَضَتْ الْمَهْرَ أَمْ لَا دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا. اهـ.
وَفِي مَتْنِ الْمُخْتَارِ وَالْمُبَارَأَةُ كَالْخُلْعِ يُسْقِطَانِ كُلَّ حَقٍّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَدْ قَبَضَتْ الْمَهْرَ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى مَالٍ آخَرَ لَزِمَهَا، وَسَقَطَ الصَّدَاقُ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِهِ الِاخْتِيَارَ وَلَوْ اخْتَلَعَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَهْرَ، وَلَا بَدَلًا آخَرَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْقُطُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَهْرِ، وَمَا قَبَضَتْهُ فَهُوَ لَهَا اهـ.
وَفِي مُتْنَ الْمُلْتَقَى وَالْمُبَارَأَةُ كَالْخُلْعِ يُسْقِطُ كُلٌّ مِنْهُمَا كُلَّ حَقٍّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ فَلَا تُطَالِبُ بِمَهْرٍ، وَلَا نَفَقَةٍ مَاضِيَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَلَا يُطَالِبُ هُوَ بِنَفَقَةٍ عَجَّلَهَا، وَلَمْ تَمْضِ مُدَّتُهَا، وَلَا بِمَهْرٍ سَلَّمَهُ، وَخَلَعَ قَبْلَ الدُّخُولِ اهـ.
أَقُولُ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْفَتَاوَى رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ، وَالصَّحِيحُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ هَذِهِ الشُّرُوحِ وَالْمُتُونِ مِنْ بَرَاءَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا بِلَا رُجُوعٍ لِأَحَدٍ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ لَهَا خَلَعْتُك إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا بَرِئْت مِنْ نِكَاحِك يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ. اهـ.
وَمَا اعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ لِمَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَهُوَ سَاقِطٌ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْوِقَايَةِ مُصَرِّحَةٌ بِالْعِوَضِ حَيْثُ قَالَ بِكَذَا بِخِلَافِ عِبَارَةِ النَّهْرِ (قَوْلُهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْبَرَاءَةُ اهـ) .
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ وَبَاقِي عِبَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ مَهْرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَهْرٌ يَجِبُ رَدُّ مَا سَاقَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ لِأَنَّ الْمَالَ مَذْكُورٌ عُرْفًا.
(قَوْلُهُ الْأَوَّلُ إنْ خَلَعْتُك لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ بِمُقَابَلَةِ مَالٍ، وَإِلَّا تَوَقَّفَ كَمَا قَدَّمَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْوَاقِعُ بِهِ، وَبِالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ طَلَاقٌ بَائِنٌ
стр. 1265
الْمُفَاعَلَةِ. الثَّانِي أَنْ يُصَرِّحَ بِنَفْيِ الْعِوَضِ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا اخْلَعِي نَفْسَك مِنِّي بِغَيْرِ شَيْءٍ فَفَعَلَتْ وَقَبِلَ الزَّوْجُ صَحَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْمَالِ، وَوُقُوعِ الْبَائِنِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ يَعْنِي فَلَا يَبْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ حَقِّ صَاحِبِهِ كَمَا لَا يَخْفَى الثَّالِثُ أَنْ يَقَعَ بِبَدَلٍ عَلَى الزَّوْجِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ يَجُوزُ الْخُلْعُ، وَلَا يَجُوزُ بَدَلُ الْمَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ، وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ وَطَرِيقُهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْمَهْرِ لِأَنَّ الْخُلْعَ يُوجِبُ بَرَاءَتَهُ مِنْ الْمَهْرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا قَدْرًا مِنْ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَهْرٌ يُجْعَلُ كَأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ اُسْتُثْنِيَ عَنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ فَإِنْ زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ رَادَّ عَلَى مَهْرِهَا ذَلِكَ الْقَدْرَ قَبْلَ الْخُلْعِ ثُمَّ خَالَعَ تَصْحِيحًا لِلْخُلْعِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ حُكْمُ مَا إذَا خَالَعَهَا، وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهَا بَعْضَ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ الرَّابِعُ أَنْ يَقَعَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ لِوَلَدِهَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ صَدَاقَهَا لِوَلَدِهَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ، وَالْمَهْرُ لِلزَّوْجِ لَا لِغَيْرِهِ اهـ.
وَإِنْ سَمَّيَا الْمَهْرَ فَإِنْ كَانَ مَقْبُوضًا رَجَعَ بِجَمِيعِهِ، وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ كُلُّهُ مُطْلَقًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ خَلَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا قَبَضَتْ مِنْهُ، وَكَانَتْ، وَهَبَتْهُ أَوْ بَاعَتْهُ مِنْ إنْسَانٍ، وَلَمْ تَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ ذَلِكَ إنْ عُرُوضًا، وَبِالْمِثْلِ فِي الْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ كَأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الْخُلْعِ فَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ. اهـ.
وَفِيهَا خَالَعَهَا بِغَيْرِ خُسْرَانٍ يَلْحَقُ الزَّوْجَ فَإِذَا أَبْرَأَتْهُ عَنْ مَهْرِهَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَإِلَّا لَا لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْخُسْرَانِ يَكُونُ بِسَلَامَةِ الْمَهْرِ لَهُ. اهـ.
وَإِنْ سَمَّيَا بَعْضَ الْمَهْرِ كَالْعُشْرِ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ مَقْبُوضًا رَجَعَ بِالْمُسَمَّى فَقَطْ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَسَلَّمَ لَهَا الْبَاقِيَ، وَبِنِصْفِهِ فَقَطْ إنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا سَقَطَ الْكُلُّ مُطْلَقًا الْمُسَمَّى بِحُكْمِ الشَّرْطِ، وَالْبَاقِي بِحُكْمِ لَفْظِ الْخُلْعِ، وَإِنْ سَمَّيَا مَالًا آخَرَ غَيْرَ الْمَهْرِ فَلَهُ الْمُسَمَّى، وَبَرِئَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْخُلْعُ يُسْقِطُ كُلَّ الْحُقُوقِ لَيْسَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى مَهْرِهَا أَوْ بَعْضِهِ، وَكَانَ مَقْبُوضًا فَإِنَّهَا تَرُدُّهُ، وَلَا تَبْرَأُ، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ الْبَرَاءَةَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مُرَادَهُمْ الْبَرَاءَةُ عَنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ مَا عَدَا بَدَلَ الْخُلْعِ، وَالْمَهْرُ بَدَلُ الْخُلْعِ فَلَا تَبْرَأُ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَالًا آخَرَ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ الْوُجُوهَ أَرْبَعَةٌ، وَعِشْرُونَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَسْكُتَا عَنْ الْبَدَلِ أَوْ يُنْفَى أَوْ يُشْتَرَطَ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ عَلَيْهَا أَوْ مَهْرِهَا أَوْ بَعْضِهِ.
وَكُلٌّ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا أَوْ لَا، وَكُلٌّ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ هَذَا إنْ كَانَ الْمُسَمَّى مَعْلُومًا مَوْجُودًا مُتَقَوِّمًا أَوْ مَجْهُولًا جَهَالَةً مُسْتَدْرَكَةً كَثَوْبٍ هَرَوِيٌّ أَوْ مَرْوِيٍّ، وَإِنْ فَحَشَتْ الْجَهَالَةُ كَمُطْلَقِ ثَوْبٍ أَوْ تَمَكَّنَ الْخَطَرُ بِأَنْ خَلَعَهَا عَلَى مَا يُثْمِرُ نَخْلُهَا الْعَامَ أَوْ عَلَى مَا فِي الْبَيْتِ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ، وَرَدَّتْ مَا قَبَضَتْ مِنْ الْمَهْرِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَدَّمْنَاهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ بَقِيَ هُنَا صُورَةٌ، وَهِيَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ اخْتَلَعَتْ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى مَهْرِهَا، وَنَفَقَةِ عِدَّتِهَا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَرُدُّ عَلَيْهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا صَحَّ، وَلَزِمَ الزَّوْجَ عِشْرُونَ دَلِيلُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ خَالَعَتْ عَلَى دَارٍ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَرُدُّ عَلَيْهَا أَلْفًا لَا شُفْعَةَ فِيهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إيجَابَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَيْهِ يَصِحُّ، وَفِي صُلْحِ الْقُدُورِيِّ ادَّعَتْ عَلَيْهِ نِكَاحًا، وَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ لَهَا لَمْ يَجُزْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ جَازَ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى تُخَالِفُ الْمُتَقَدِّمَ، وَالتَّوْفِيقُ أَنَّهَا إذَا خَالَعَتْ عَلَى بَدَلٍ يَجُوزُ إيجَابُ الْبَدَلِ عَلَى الزَّوْجِ أَيْضًا، وَيَكُونُ مُقَابَلًا بِبَدَلِ الْخُلْعِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ فِي الْخُلْعِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرًا لِنَفَقَةِ الْعِدَّةِ أَمَّا إذَا خَالَعَتْ عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ، وَلَمْ تَذْكُرْ عِوَضًا آخَرَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ بَدَلُ الْخُلْعِ عَلَى الزَّوْجِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنْ الْوَجْهِ اهـ.
قَيَّدَ بِالْخُلْعِ، وَالْمُبَارَأَةِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُونَ وَقَاضِي خَانْ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، والولوالجية، وَعَلَيْهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ يُجْعَلُ كَأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ اُسْتُثْنِيَ مِنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ) أَيْ إذَا كَانَ خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ يُجْعَلُ مَا شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَهَا اسْتِثْنَاءً مِنْ النَّفَقَةِ فَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ عَنْهُ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ مِنْهَا أَمَّا إذَا لَمْ يَنُصَّ فِي الْخُلْعِ عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ لَكِنْ يُجْعَلُ ذَلِكَ الْقَدْرُ تَقْدِيرًا لِنَفَقَةِ الْعِدَّةِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا فِي آخِرِ الصَّفْحَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُونَ وَقَاضِي خَانْ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ عَنْ قَاضِي خَانْ خِلَافَ هَذَا فَإِنْ قَالَ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ عِنْدَهُمَا كَالْخُلْعِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ كَقَوْلِهِمَا. اهـ.
قُلْت الَّذِي فِي قَاضِي خَانْ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنْ طَلَّقَهَا بِمَالٍ أَوْ بِمَهْرِهَا فَعِنْدَهُمَا الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْخُلْعِ عِنْدَهُمَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ الْجَوَابُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْخُلْعِ عِنْدَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ الْجَوَابُ فِيهِ مَا قُلْنَا لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخُلْعَ عِنْدَ الْإِمَامِ مُسْقِطٌ لِكُلِّ حَقٍّ، وَعِنْدَهُمَا مُسْقِطٌ لِمَا سُمِّيَ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَى وَغَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالطَّلَاقُ بِمَالٍ حُكْمُهُ عِنْدَهُمَا حُكْمُ الْخُلْعِ عِنْدَهُمَا أَيْ لَا يَسْقُطُ إلَّا الْمُسَمَّى دُونَ الْمَهْرِ، وَعِنْدَهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْخُلْعِ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةٍ أَيْ أَنَّهُ مُسْقِطٌ لِكُلِّ حَقٍّ، وَفِي
стр. 1266
الْفَتْوَى بَعْدَ أَنْ حُكِيَ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ، وَأَنَّ عِنْدَهُمَا هُوَ كَالْخُلْعِ، وَفِي مَوْضِعٍ مِنْهَا طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَهَا عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ تَسْقُطُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَتَقَاصَّا بِأَلْفٍ، وَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخَمْسِمِائَةٍ عِنْدَ الْبَلْخِيّ، وَتَرْجِعُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ هَلْ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَهْرِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَمْ لَا فَالْبَلْخِيُّ يُوجِبُهُ، وَغَيْرُهُ لَا اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى فِي التَّعْبِيرِ أَنْ يُقَالَ إنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ لَا يُسْقِطُ الْمَهْرَ فَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبَزَّازِيَّةِ، وَالْجَوْهَرَةِ بِأَنَّ النَّفَقَةَ الْمُقْتَضَى بِهَا تَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ، وَأَطْلَقُوهُ فَشَمِلَ الطَّلَاقَ بِمَالٍ، وَغَيْرِهِ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ، وَأَمَّا الْخُلْعُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ إنَّهُ لَا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْمَهْرِ إلَّا بِذِكْرِهِ اتِّفَاقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَصَحَّحَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ كَالْخُلْعِ، وَاخْتَارَهُ الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ، وَأَطْلَقَ فِي الْحَقِّ فَشَمِلَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ وَالْمَاضِيَةَ وَالْكُسْوَةَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَقِيلَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ خَالَعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَانَ لَمْ يُسَمِّ مَهْرًا تَسْقُطُ الْمُتْعَةُ بِلَا ذِكْرٍ. اهـ.
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْعُمُومِ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً قَبْلَ الْخُلْعِ لِتَسْقُطَ بِهِ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ بِالتَّنْصِيصِ قَالَ الْبَزَّازِيُّ اخْتَلَعَتْ بِمَهْرِهَا، وَنَفَقَةِ عِدَّتِهَا تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ بَعْدُ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ لِدُخُولِهَا تَبَعًا كَبَيْعِ الشِّرْبِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ صَحَّ، وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْرَأَتْ الزَّوْجَ عَنْ النَّفَقَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَصِحُّ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إنْ أَبْرَأَتْهُ عَنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ بَعْدَ الْخُلْعِ لَا يَصِحُّ، وَكَذَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَقِيلَ يَصِحُّ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ اهـ.
مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِيهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اخْتَلَعَتْ بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ عَلَى كُلِّ حَقٍّ يَجِبُ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ قَبْلَ الْخُلْعِ وَبَعْدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّدَاقَ وَنَفَقَةَ الْعِدَّةِ تَثْبُتُ الْبَرَاءَةُ عَنْهُمَا لِأَنَّ الْمَهْرَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْخُلْعِ، وَبَعْدَهُ تَثْبُتُ نَفَقَتُهَا. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الْعِدَّةِ رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ صَالَحَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ عَلَى شَيْءٍ إنْ كَانَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَشْهُرِ جَازَ الصُّلْحُ لِأَنَّ زَمَانَ الْعِدَّةِ مَعْلُومٌ، وَإِنْ كَانَتْ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُدَّةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ. اهـ.
وَأَمَّا السُّكْنَى فَلَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُهَا بِحَالٍ لَمَّا أَنَّ سُكْنَاهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ الطَّلَاقِ مَعْصِيَةٌ إلَّا إنْ أَبْرَأَتْهُ عَنْ مُؤْنَةِ السُّكْنَى بِأَنْ كَانَتْ سَاكِنَةً فِي بَيْتِ نَفْسِهَا أَوْ تُعْطِي الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِهَا فَيَصِحُّ الْتِزَامُهَا ذَلِكَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا إذَا شَرَطَا الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفَقَةِ الْوَلَدِ، وَهِيَ مُؤْنَةُ الرَّضَاعِ إنْ وَقَّتَا لِذَلِكَ وَقْتًا كَسَنَةٍ مَثَلًا صَحَّ، وَلَزِمَ، وَإِلَّا لَا يَصِحُّ، وَفِي الْمُنْتَقَى إنْ كَانَ الْوَلَدُ رَضِيعًا صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ، وَتُرْضِعُهُ حَوْلَيْنِ اهـ.
بِخِلَافِ الْفَطِيمِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْمُنْتَقَى فَإِنْ تَرَكَتْهُ عَلَى الزَّوْجِ، وَهَرَبَتْ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ النَّفَقَةِ مِنْهَا، وَلَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِكُسْوَةِ الصَّبِيِّ إلَّا إذَا اخْتَلَعَتْ عَلَى نَفَقَتِهِ وَكُسْوَتِهِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْكُسْوَةُ مَجْهُولَةً سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ رَضِيعًا أَوْ فَطِيمًا، وَلَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى نَفَقَةِ وَلَدِهِ شَهْرًا، وَهِيَ مُعْسِرَةٌ فَطَالَبَتْهُ بِنَفَقَتِهِ يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ لَا عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ سُقُوطِ النَّفَقَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْقُنْيَةِ.
وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ تَمَامِ الْوَقْتِ كَانَ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِحِصَّةِ الْأَجْرِ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ، وَالْحِيلَةُ فِي بَرَاءَتِهَا أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ خَالَعْتكِ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ نَفَقَةِ الْوَلَدِ إلَى سَنَتَيْنِ فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَهَا فَلَا رُجُوعَ لِي عَلَيْك كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ الظِّئْرَ لِلْإِرْضَاعِ سَنَةً بِكَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَهَا فَالْأَجْرُ كُلُّهُ لَهَا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ كَذَا فِي إجَارَاتِ الْخُلَاصَةِ، وَمُقْتَضَى مَسْأَلَةِ مَوْتِ الْوَلَدِ قَبْلَ الْمُدَّةِ أَنَّ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ لَوْ جُعِلَتْ بَدَلًا فِي الْخُلْعِ ثُمَّ لَمْ تَسْكُنْ فِي مَنْزِلِ الطَّلَاقِ حَتَّى صَارَتْ نَاشِزَةً، وَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا أَنْ يَرْجِعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ، وَأَنَّهُ إذَا شُرِطَ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ فَلَا رُجُوعَ أَنْ يَصِحَّ الشَّرْطُ كَمَا لَا يَخْفَى.
ــ
[منحة الخالق]
رِوَايَةٍ كَقَوْلِهَا أَيْ أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ إلَّا الْمُسَمَّى، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى نَفَقَةِ وَلَدِهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ وَلَوْ اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا بِمَهْرِهَا وَنَفَقَةِ وَلَدِهَا عَشْرَ سِنِينَ، وَهِيَ مُعْسِرَةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى نَفَقَةِ وَلَدِهَا فَلَهَا أَنْ تُطَالِبَ الزَّوْجَ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّ بَدَلَ الْخُلْعِ دَيْنٌ عَلَيْهَا فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَنْهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهَا كَمَا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ آخَرُ، وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ لَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَنْهُ قَالَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ لَا عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ سَائِرُ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ تَسْقُطُ اهـ.
стр. 1267
فَإِنْ قُلْت إذَا خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الْعِدَّةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ النَّفَقَةِ قُلْت نَعَمْ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا بِالْمَهْرِ، وَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ، وَنَفَقَةِ وَلَدِهِ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَتَزَوَّجَهَا يَرْجِعُ بِنَفَقَةِ بَقِيَّةِ الْعِدَّةِ وَبَقِيَّةِ نَفَقَةِ وَلَدِهِ سَنَةً. اهـ.
وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ النُّشُوزِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَوْتَهَا، وَعَدَمَ وُجُودِ وَلَدٍ فِي بَطْنِهَا كَمَوْتِهِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ كَوْنِهَا تَرُدُّ قِيمَةَ الرَّضَاعِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ تُمْسِكَهُ إلَى وَقْتِ الْبُلُوغِ صَحَّ فِي الْأُنْثَى لَا الْغُلَامِ، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَلَدَ، وَلَا يَتْرُكَهُ عِنْدَهَا، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا حَقُّ الْوَلَدِ، وَيُنْظَرُ إلَى مِثْلِ إمْسَاكِ الْوَلَدِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ قَصَّرَتْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ النَّفَقَةِ، وَيُنْفِقَ هُوَ عَلَيْهَا نَظَرًا لَهُ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ كِتَابِ الصُّلْحِ صَالَحَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ سَنَتَيْنِ عَلَى إنْ زَادَهَا ثَوْبًا بِعَيْنِهِ، وَقَبَضَهُ فَاسْتَهْلَكَتْهُ، وَأَرْضَعَتْ الصَّبِيَّ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ وَالْمَهْرِ سَوَاءً بِنِصْفِ قِيمَةِ الثَّوْبِ، وَبِرُبْعِ قِيمَةِ الرَّضَاعِ.
وَلَوْ زَادَتْ مَعَ ذَلِكَ شَاةً قِيمَتُهَا مِثْلُ قِيمَةِ الرَّضَاعِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِرُبْعِ الثَّوْبِ، وَبِرُبْعِ قِيمَةِ الرَّضَاعِ، وَسَلَّمَتْ لَهُ الشَّاةَ، وَتَوْضِيحُهُ فِيهَا، وَقَدْ أَطَالَ فِي بَيَانِهِ فَلْيُرَاجَعْ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ لِأَنَّهُمَا لَا يُوجِبَانِ الْبَرَاءَةَ مِنْ دَيْنٍ آخَرَ سِوَى النِّكَاحِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَقَدْ قَيَّدْنَاهُ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ لِدَلَالَةِ الْغَرَضِ، وَادَّعَى فِي الْجَوْهَرَةِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْبَرَاءَةَ عَنْ سَائِرِ الدُّيُونِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَإِنْ قُلْت لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ لَا دَعْوَى لِكُلٍّ عَلَى صَاحِبِهِ هَلْ يَشْمَلُ مَا لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ قُلْت مُقْتَضَى الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ ذَلِكَ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ لَا دَعْوَى لِكُلٍّ عَلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِنْدَهَا كَذَا مِنْ الْقُطْنِ يَصِحُّ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تَخْتَصُّ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ. اهـ.
وَكَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي ضِمْنِ الْخُلْعِ تَخَصَّصَ بِمَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَأَرَادَ بِالنِّكَاحِ مَا ارْتَفَعَ بِهَذَا الْخُلْعِ لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَهْرٍ مُسَمًّى ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنَةً بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا بِمَهْرٍ آخَرَ ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى مَهْرِهَا بَرِئَ الزَّوْجُ عَنْ الْمَهْرِ الَّذِي يَكُونُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمَهْرِ لِيُعْلَمَ سُقُوطُ بَاقِي الْحُقُوقِ بِالْأُولَى، وَأَطْلَقَ النِّكَاحَ فَانْصَرَفَ إلَى الصَّحِيحِ فَالْخُلْعُ فِي الْفَاسِدِ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِمَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ خَالَعَهَا الْمُفِيدُ لِكَوْنِهِ خَاطَبَهَا لِأَنَّهُ لَوْ خَالَعَهَا مَعَ أَجْنَبِيٍّ بِمَالٍ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُ الْمَهْرَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا، وَهُوَ خُلْعُ الْفُضُولِيِّ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ مَعَ خُلْعِ الْوَكِيلِ، وَالرَّسُولِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ وَلَوْ خَلَعَ صَغِيرَةً بِمَالِهَا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهَا) أَيْ لَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهَا فِيهِ لِعَدَمِ تَقَوُّمِ الْبُضْعِ حَالَةَ الْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا عَدَمَ الْجَوَازِ فِي كَلَامِهِ بِعَدَمِ لُزُومِ الْمَالِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطِ قَبُولِهِ فَيُعْتَبَرُ بِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ هَذَا إذَا قَبِلَ الْأَبُ فَإِنْ قَبِلَتْ، وَهِيَ عَاقِلَةٌ تَعْقِلُ أَنَّ النِّكَاحَ جَالِبٌ، وَالْخُلْعَ سَالِبٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَنْظُومَةِ إنْ خَلَعَ الصَّغِيرَةَ بِمَالٍ مَعَ الزَّوْجِ إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ يَقَعُ الْبَائِنُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ يَقَعُ الرَّجْعِيُّ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ طَلَّقَ الصَّبِيَّةَ بِمَالٍ يَقَعُ رَجْعِيًّا، وَفِي الْأَمَةِ يَصِيرُ بَائِنًا إذْ الطَّلَاقُ بِمَالٍ يَصِحُّ فِي الْأَمَةِ لَكِنَّهُ مُؤَجَّلٌ، وَفِي الصَّبِيَّةِ يَقَعُ بِلَا مَالٍ. اهـ.
وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ طَلَّقَهَا بِمَهْرِهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ عَاقِلَةٌ فَقَبِلَتْ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ، وَلَا يَبْرَأُ، وَإِنْ قَبِلَ أَبُوهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقَعُ، وَرَوَى الْهِنْدُوَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَلَوْ بَلَغَتْ، وَأَجَازَتْ جَازَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ لَوْ شَرَطَ الزَّوْجُ الْبَدَلَ عَلَيْهَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ أَهْلًا فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ اتِّفَاقًا، وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ.
وَإِنْ قَبِلَ الْأَبُ عَنْهَا صَحَّ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَوْتَهَا أَوْ عَدَمَ وُجُودِ وَلَدٍ إلَخْ) أَيْ فِيمَا إذَا اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِمَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ، وَبِرَضَاعِ وَلَدِهِ الَّذِي هِيَ حَامِلٌ بِهِ إذَا وَلَدَتْهُ إلَى سَنَتَيْنِ كَمَا فِي الْفَتْحِ
стр. 1268
نَفْعٌ مَحْضٌ لِأَنَّهَا تَتَلَخَّصُ بِلَا مَالٍ، وَلَا يَصِحُّ فِي أُخْرَى لِأَنَّ قَبُولَهَا بِمَعْنَى شَرْطِ الْيَمِينِ، وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
أَطْلَقَ فِي مَالِهَا فَشَمِلَ مَهْرَهَا الَّذِي عَلَى الزَّوْجِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَالْخُلْعُ عَلَى مَهْرِهَا وَمَالٍ آخَرَ سَوَاءٌ فِي الصَّحِيحِ. اهـ. وَقَيَّدَ بِالصَّغِيرِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَوْ خَلَعَ كَبِيرَتَهُ بِلَا إذْنِهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي حَقِّهَا، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْكَبِيرَةُ إذَا خَلَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِهَا جَازَ، وَالْمَالُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ بِلَا إذْنِهَا لَمْ يَجُزْ، وَتَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ عَلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ إنْ ضَمِنَ الْأَبُ، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ فَالْخُلْعُ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا إنْ قَبِلَتْ ثُمَّ الْخُلْعُ فِي حَقِّ الْمَالِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ، وَقِيلَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ هَاهُنَا إلَّا بِإِجَازَتِهَا. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْأَبِ لِأَنَّهُ لَوْ جَرَى الْخُلْعُ بَيْنَ زَوْجِ الصَّغِيرَةِ، وَأُمِّهَا فَإِنْ أَضَافَتْ الْأُمُّ الْبَدَلَ إلَى مَالِ نَفْسِهَا أَوْ ضَمِنَتْ تَمَّ الْخُلْعُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ لَمْ تُضِفْ، وَلَمْ تَضْمَنْ لَا رِوَايَةَ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِخِلَافِ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ الْعَاقِدُ أَجْنَبِيًّا، وَلَمْ يَضْمَنْ الْبَدَلَ إنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ تَعْقِلُ الْعَقْدَ وَالزَّوْجَ وَالصَّدَاقَ أَنَّهُ مَا هُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهَا، وَقِيلَ لَا يَتَوَقَّفُ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْأَبَ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْخُلْعَ خَيْرٌ لَهَا بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ لَا يُحْسِنُ عِشْرَتَهَا فَالْخُلْعُ عَلَى صَدَاقِهَا صَحِيحٌ فَإِنْ قَضَى بِهِ قَاضٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَفِيهَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصِحَّ خُلْعُ الصَّغِيرَةِ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ الْمَهْرَ، وَالْمُتْعَةَ عَنْ زَوْجِهَا يُخَالِعُ أَجْنَبِيٌّ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى مَالٍ قَدْرِ الْمَهْرِ، وَالْمُتْعَةِ فَيَجِبُ الْبَدَلُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِلزَّوْجِ ثُمَّ يُحِيلُ الزَّوْجُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ وَالْمُتْعَةِ لِمَنْ لَهُ وِلَايَةُ قَبْضِ صَدَاقِهَا عَلَى ذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ فَيَبْرَأُ الزَّوْجُ عَنْ الْمَهْرِ، وَيَكُونُ فِي ذِمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ. اهـ.
وَفِيهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَحِيلَةٍ أُخْرَى أَنْ يُحِيلَ الزَّوْجَ بِالصَّدَاقِ عَلَى الْأَبِ فَيَبْرَأُ الزَّوْجُ مِنْهُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى ذِمَّةِ الْأَبِ، وَالْأَبُ يَمْلِكُ قَبُولَ الْحَوَالَةِ إذَا كَانَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَمْلَأَ مِنْ الْمُحِيلِ، وَالْغَالِبُ كَوْنُ الْأَبِ أَمْلَأَ مِنْ الزَّوْجِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مِثْلَ الْمُحِيلِ فِي الْمَلَاءَةِ ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَ إِسْحَاقُ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَبُولَهَا لَوْ مِثْلَهُ فِي الْمَلَاءَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُخَالِعُ وَلِيًّا غَيْرَ الْأَبِ جَعَلَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا حَتَّى يَمْلِكَ قَبُولَهَا، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ حِيلَةً أُخْرَى، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ الْأَبُ بِقَبْضِ صَدَاقِهَا، وَنَفَقَةِ عِدَّتِهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ بَائِنًا، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْأَبِ لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ، وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ فِي الظَّاهِرِ لِإِقْرَارِ الْأَبِ لَا فِي إقْرَارِ غَيْرِهِ، وَيَكْتُبُ إقْرَارَ الْأَبِ يَقْبِضُ حَقَّهَا وَطَلَاقُ الزَّوْجِ بَائِنًا. اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِأَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ كَاذِبًا فِي الْإِقْرَارِ لَمْ يَبْرَأْ الزَّوْجُ عِنْدَ اللَّهِ، وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْحِيلَةُ شَرْعِيَّةً، وَلِذَا قَالَ فِي الظَّاهِرِ. اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا وَكَّلَتْ الصَّغِيرَةُ بِالْخُلْعِ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ فِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ، وَيَتِمُّ الْخُلْعُ، وَلَهُ الْبَدَلُ، وَفِي رِوَايَة لَا إلَّا إذَا ضَمِنَ الْوَكِيلُ الْبَدَلَ، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ الْوَكِيلُ الْبَدَلَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَالَ لَهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ إنْ غِبْت عَنْك فَأَمْرُك بِيَدِك فَطَلِّقِي نَفْسَك مِنِّي مَتَى شِئْت بَعْدَ أَنْ تُبْرِئِي ذِمَّتِي مِنْ الْمَهْرِ فَوُجِدَ الشَّرْطُ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَمَا أَبْرَأَتْهُ لَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ لِعَدَمِ صِحَّةِ إبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ، وَيَقَعُ الرَّجْعِيُّ لِأَنَّهُ كَالْقَائِلِ لَهَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى كَذَا، وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْأُنْثَى لِأَنَّهُ لَوْ خَلَعَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ خُلْعُ الصَّغِيرِ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ فِي الصَّغِيرَةِ لَا يَلْزَمُ الْمَالُ مَعَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَفِي الصَّغِيرِ لَا وُقُوعَ أَصْلًا (قَوْلُهُ وَلَوْ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ طَلَقَتْ، وَالْأَلْفُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْأَبِ الْمُلْتَزِمِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ فَعَلَى الْأَبِ أَوْلَى، وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْأَبِ فَإِذَا بَلَغَتْ تَأْخُذُ نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَّلَهُ إنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْ الزَّوْجِ، وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْأَبِ الضَّامِنِ أَوْ تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ، وَلَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا أَخَذَتْهُ مِنْ الزَّوْجِ كُلَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَنِصْفَهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْأَبِ الضَّامِنِ بِقِيمَتِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ ثُمَّ يُحِيلُ الزَّوْجُ) بِرَفْعِ الزَّوْجِ فَاعِلُ يُحِيلُ، وَقَوْلُهُ لِمَنْ لَهُ مَفْعُولُ يُحِيلُ، وَاللَّامُ زَائِدَةٌ (قَوْلُهُ وَحِيلَةٌ أُخْرَى أَنْ يُحِيلَ الزَّوْجَ) بِنَصْبِ الزَّوْجِ مَفْعُولُ يُحِيلَ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَائِدٌ إلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَقَوْلُهُ وَالْأَبُ يَمْلِكُ قَبُولَ الْحَوَالَةِ مُرْتَبِطٌ بِالْحِيلَةِ الْأُولَى
стр. 1269
كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ مَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى صَدَاقِهَا عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ فَحِينَئِذٍ إذَا رَجَعَتْ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ رَجَعَ الزَّوْجُ بِهِ عَلَى الْأَبِ لِضَمَانِهِ، وَالْكَلَامُ هُنَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى الْأَلْفِ عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا، وَحُكْمُهُ لُزُومُ الْأَلْفِ عَلَيْهِ لِلزَّوْجِ، وَإِذَا رَجَعَتْ عَلَى الزَّوْجِ بِمَهْرِهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى أَبِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ الصَّدَاقَ مَعَ أَنَّ جَامِعَ الْفُصُولَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا خَالَعَهَا أَبُوهَا عَلَى مَهْرِهَا، وَضَمِنَهُ أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ لَا عَلَى الزَّوْجِ هَذَا لَوْ ضَمِنَ مَهْرَهَا لِلزَّوْجِ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَسْقُطُ بِهَذَا الْخُلْعِ لِصِغَرِهَا. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ إنْ شَاءَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَوْ أَبِيهَا، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ خَالَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ عَلَى صَدَاقِهَا إنْ ضَمِنَ الْمُخَالِعُ تَمَّ، وَوَقَعَ كَائِنًا مَنْ كَانَ الْعَاقِدُ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ أَخَذَتْ الزَّوْجَ بِنِصْفِهِ لَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبِكُلِّهِ لَوْ بَعْدَهُ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَبِ لَا عَلَى الزَّوْجِ.
وَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ الْأَبُ لَا شَكَّ أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَسْقُطُ، وَهَلْ تَقَعُ الْبَيْنُونَةُ إنْ قَبِلَتْ الصَّغِيرَةُ، وَهِيَ أَهْلٌ لِلْقَبُولِ وَقَعَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ إنْ كَانَ الْمُخَالِعُ أَجْنَبِيًّا، وَلَمْ يَضْمَنْ لَا يَقَعُ اتِّفَاقًا، وَتَكَلَّمُوا أَنَّهُ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهَا إذَا بَلَغَتْ قِيلَ لَا يَتَوَقَّفُ، وَإِنْ كَانَ الْعَاقِدُ أَبًا، وَلَمْ يَضْمَنْ لِلزَّوْجِ قَالَ بَكْرٌ اخْتَلَفَتْ الْمَشَايِخُ فِي الْوُقُوعِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَفِي حِيَلِ الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مَا لَمْ يَضْمَنْ الْأَبُ الدَّرَكَ لَهُ، وَفِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِقَبُولِ الْأَبِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ الْبَدَلَ أَيْ الصَّدَاقَ، وَلَا يَجِبُ الْبَدَلُ عَلَى الْأَبِ، وَلَا عَلَيْهَا، وَعَنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ وَاقِعٌ بِقَبُولِ الْأَبِ، وَالْبَدَلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ، وَفِي طَلَاقِ الْأَصْلِ فِي خُلْعِ الْأَبِ عَلَى صَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَيَضْمَنُ الْأَبُ لِلزَّوْجِ نِصْفَ الصَّدَاقِ قَالُوا كَيْفَ صَحَّ الْخُلْعُ عَلَى صَدَاقِهَا، وَهُوَ مِلْكُهَا، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ فِي إبْطَالِ مِلْكِهَا، وَكَيْفَ يَصِحُّ ضَمَانُ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ عَلَيْهِ، وَلِأَيِّ مَعْنًى يَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجَةِ، وَقَدْ ضَمِنَ الزَّوْجُ ذَلِكَ لَهَا أَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخُلْعَ لَمَّا أُضِيفَ إلَى مَهْرِهَا، وَذَلِكَ مِلْكُهَا كَانَ مُضَافًا إلَى مَالِهَا، وَالْإِضَافَةُ إلَى مَالِ الْغَيْرِ بِأَنْ خَالَعَ عَلَى عَبْدِ إنْسَانٍ يَصِحُّ كَإِضَافَةِ الشِّرَاءِ إلَى مَالِ غَيْرِهِ فَلَمَّا صَحَّ إضَافَةُ الشِّرَاءِ فَلَأَنْ يَصِحَّ الْخُلْعُ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ أَوْلَى لَكِنْ فِي بَابِ الشِّرَاءِ يَجِبُ تَسْلِيمُ الْبَدَلِ عَلَى الْعَاقِدِ.
وَفِي الْخُلْعِ لَا يَجِبُ إلَّا بِضَمَانٍ لِرُجُوعِ الْحُقُوقِ إلَى مَنْ يَقَعُ لَهُ الْعَقْدُ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا ضَمِنَ رَجَعَ إلَيْهِ الْحُقُوقُ بِالضَّمَانِ فَإِذَا خَلَعَ، وَضَمِنَ صَحَّ، وَضَمِنَ الْبَدَلَ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِقَبُولِهِ، وَوَجَبَ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَسَقَطَ النِّصْفُ، وَيَجِبُ لِلزَّوْجِ عَلَى الْأَبِ نِصْفُهُ بِضَمَانِهِ تَسْلِيمَ كُلِّ الْمَهْرِ إلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولَةً فَلَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ عَلَيْهِ، وَالْأَبُ يَضْمَنُ لِلزَّوْجِ كُلَّهُ لِأَنَّهُ ضَمِنَ تَسْلِيمَ الْكُلِّ فَلَمْ يَقْدِرْ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ. اهـ.
وَلَا فَرْقَ فِي حُكْمِ ضَمَانِهِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ، وَالْكَبِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَأْذَنْ لَهُ، وَلَكِنْ إذَا أَجَازَتْهُ وَقَعَ، وَبَرِئَ مِنْ الصَّدَاقِ، وَاعْتُبِرَ هَذَا الْخُلْعُ مُعَاوَضَةً بَيْنَ الزَّوْجِ، وَالْمُخَالِعِ وَطَلَاقًا بِلَا بَدَلٍ فِي حَقِّهَا فَإِذَا بَلَغَ الْخَبَرُ إلَيْهَا فَأَجَازَتْ نَفَذَ عَلَيْهَا، وَبَرِئَ الزَّوْجُ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِمَهْرِهَا، وَالزَّوْجُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ بِحُكْمِ الضَّمَانِ، وَتَقْدِيرِ هَذَا الْخُلْعِ كَأَنَّ الْمُخَالِعَ قَالَ لَهُ إذَا بَلَغَهَا الْخَبَرُ، وَأَجَازَتْ كَانَ الْبَدَلُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تُجِزْهُ فَالْبَدَلُ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ مِنْ الضَّمَانِ إنَّمَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ لَا بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ هُنَا الْتِزَامُ الْمَالِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ بِخِلَافِ بَدَلِ الْعِتْقِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ كَلَامُ الْكَمَالِ صَحِيحٌ لَكِنَّك نَقَصْته فَإِنَّهُ عَمَّمَ الْكَلَامَ أَوَّلًا، وَقَالَ فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ سَوَاءٌ خَلَعَهَا الْأَبُ عَلَى مَهْرِهَا، وَضَمِنَهُ أَوْ أَلْفٍ مَثَلًا فَتَجِبُ الْأَلْفُ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي سَلَّمْت أَنَّهُ صَحِيحٌ مُطَابِقٌ لِمَا إذَا ضَمِنَ الْمَهْرَ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَيْهِ، وَأَنْتَ أَرْجَعْته إلَى الْأَخِيرِ مِنْ الْقِسْمَيْنِ، وَحَكَمْت عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَأَخْطَأْت مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي أَنَّ اللَّائِقَ بِالْأَدَبِ مَعَ الشَّيْخِ أَنْ يُقَالَ وَهُوَ مُشْكِلٌ أَوْ لَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ. اهـ.
شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي النَّهْرِ بَعْدَ سَوْقِ كَلَامِ الْبَحْرِ، وَأَنَّى يُفْهَمُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِي الْفَتْحِ سَوَاءٌ خَلَعَهَا الْأَبُ عَلَى مَهْرِهَا، وَضَمِنَهُ أَوْ أَلْفٍ مَثَلًا فَيَجِبُ الْأَلْفُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا يَعْنِي فِيمَا إذَا وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ حِفْظُ اللِّسَانِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَبِ لَا عَلَى الزَّوْجِ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَقِبَ هَذَا قَالَ ﵀ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ إذَا خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ مِثْلِ صَدَاقِهَا أَمَّا إذَا خَالَعَهَا عَلَى الصَّدَاقِ لَا يَجُوزُ أَصْلًا قَالَ ﵀ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى صَدَاقِهَا، وَعَلَى مِثْلِ صَدَاقِهَا سَوَاءٌ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ إلَخْ) عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ الشُّرُوطِ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَا يَسْقُطُ صَدَاقُهَا، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحِيَلِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَا ذَكَرَ فِي الشُّرُوطِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ضَمِنَ الْأَبُ بَدَلَ الْخُلْعِ تَوْفِيقًا بَيْنَ رِوَايَةِ الشُّرُوطِ وَبَيْنَ رِوَايَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ
стр. 1270
عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا لَهُ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْأَهْلِيَّةِ، وَهُوَ الْقُوَّةُ عَنْ ذَلِكَ الْإِسْقَاطِ بِخِلَافِ إسْقَاطِ الْمِلْكِ فِي الْخُلْعِ لَا يَحْصُلُ عَنْهُ لِلْمَرْأَةِ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا قَبْلَهُ فَصَارَ الْأَبُ وَالْأَجْنَبِيُّ مِثْلَهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَا ذَكَرْنَا، وَالْعِوَضُ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمُعَوَّضُ فَصَارَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَالْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِهَا اهـ.
وَبِهَذَا عُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ، وَمَا لَا يَصِحُّ، وَمِنْ صُوَرِ الِالْتِزَامِ أَيْضًا مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ بِنْتَه الْكَبِيرَةَ فَطَلَبُوا مِنْهُ وَقْتَ الدُّخُولِ أَنْ يَهَبَ لِلزَّوْجِ شَيْئًا مِنْ مَهْرِهَا يَنْبَغِي أَنْ يَهَبَ بِإِذْنِهَا، وَأَنْ يَضْمَنَ لِلزَّوْجِ عَنْهَا فَيَقُولُ إنْ أَنْكَرَتْ هِيَ الْإِذْنَ بِالْهِبَةِ، وَغَرِمَتْك مَا وَهَبْته، وَأَنَا ضَامِنٌ مَا وَهَبْته، وَيَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ لِإِضَافَتِهِ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ مِنْ زَعْمِ الْأَبِ، وَالزَّوْجِ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ فِي الْإِنْكَارِ، وَأَنَّ مَا أَخَذَتْهُ دَيْنٌ عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ فَالْأَبُ ضَمِنَ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ فَصَحَّ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّ الضَّمَانَ هُنَا بِمَعْنَى الْكَفَالَةِ لَا الْتِزَامِ الْمَالِ ابْتِدَاءً كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهَا إلَى أَنَّ الْأَبَ فُضُولِيٌّ فِي خُلْعِ الصَّغِيرَةِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ خُلْعِ الْفُضُولِيِّ وَحَاصِلُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَنْ يَدْخُلَانِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِيجَابَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ فِي الْخُلْعِ الْمَرْأَةُ فَالْمُعْتَبَرُ قَبُولُهَا سَوَاءٌ كَانَ الْبَدَلُ مُبْهَمًا أَوْ مُعَيَّنًا أَضَافَ الْبَدَلَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يُضِفْهُ لِأَنَّهَا هِيَ الْعَاقِدَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ هُوَ الْأَجْنَبِيُّ إنْ أَضَافَ الْبَدَلَ إلَى نَفْسِهِ فَالْمُعْتَبَرُ قَبُولُهُ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ تَسْلِيمِ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى نَفْسِهِ، وَلَا إلَى أَحَدٍ فَالْمُعْتَبَرُ قَبُولُهَا لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِيهِ فَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ لِلزَّوْجِ اخْلَعْ امْرَأَتَك عَلَى هَذِهِ الدَّارِ، وَهَذِهِ الْأَلْفِ فَالْقَبُولُ إلَى الْمَرْأَةِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى عَبْدِي هَذَا، وَأَلْفِي هَذِهِ فَفَعَلَ وَقَعَ الْخُلْعُ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ لَمَّا أَضَافَ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا الزَّوْجُ خَلَعْتُك عَلَى دَارِ فُلَانٍ فَالْقَبُولُ إلَيْهَا، وَلَوْ قَالَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ خَلَعْت امْرَأَتِي بِعَبْدِك، وَالْمَرْأَةُ حَاضِرَةٌ فَالْقَبُولُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِلزَّوْجِ اخْلَعْهَا عَلَى أَلْفِ فُلَانٍ هَذَا أَوْ عَلَى عَبْدِ فُلَانٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّ فُلَانًا ضَامِنٌ لَهَا فَالْقَبُولُ لِفُلَانٍ، وَلَوْ قَالَتْ اخْلَعْنِي عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّ فُلَانًا ضَامِنٌ لَهُ فَفَعَلَ وَقَعَ الْخُلْعُ، وَإِنْ ضَمِنَ فُلَانٌ أَخَذَ الزَّوْجُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِلَّا فَمِنْهَا فَقَطْ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْخُلْعُ إذَا جَرَى بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ فَإِلَيْهَا الْقَبُولُ كَانَ الْبَدَلُ مُرْسَلًا أَوْ مُطْلَقًا أَوْ مُضَافًا إلَى الْمَرْأَةِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ إضَافَةَ مِلْكٍ أَوْ ضَمَانٍ، وَمَتَى جَرَى بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالزَّوْجِ فَمَتَى كَانَ الْبَدَلُ مُرْسَلًا فَالْقَبُولُ إلَيْهَا، وَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ إضَافَةَ مِلْكٍ أَوْ ضَمَانٍ فَإِلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا إلَى الْمَرْأَةِ. اهـ.
وَأَمَّا الْوَكِيلُ بِهِ فَقَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَكِيلُ الْمَرْأَةِ بِالْخُلْعِ إذَا قَبِلَ الْخُلْعَ يَتِمُّ الْخُلْعُ، وَهَلْ يُطَالِبُ الْوَكِيلُ بِبَدَلِ الْخُلْعِ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ أَرْسَلَ الْبَدَلَ إرْسَالًا بِأَنْ قَالَ لِلزَّوْجِ اخْلَعْ امْرَأَتَك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ، وَأَشَارَ إلَى أَلْفٍ لِلْمَرْأَةِ كَانَ الْبَدَلُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَا يُطَالِبُ بِهِ الْوَكِيلُ، وَإِنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الْبَدَلَ إلَى نَفْسِهِ إضَافَةَ مِلْكٍ أَوْ ضَمَانٍ بِأَنْ قَالَ اخْلَعْ امْرَأَتَك عَلَى أَلْفِي هَذِهِ أَوْ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ، وَأَشَارَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ كَانَ الْبَدَلُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلَا تُطَالَبُ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَبَعْدَهُ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ أَمَرَتْهُ بِالضَّمَانِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ إذَا ضَمِنَ الْمَهْرَ لِلْمَرْأَةِ، وَلَمْ يَكُنْ الضَّمَانُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ. اهـ.
وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ بِهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَالْوَكِيلُ بِالطَّلَاقِ لَا يَمْلِكُ الْخُلْعَ، وَالطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ إنْ كَانَتْ مَدْخُولَةً عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ خِلَافٌ إلَى شَرٍّ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ إلَى خَيْرٍ، وَلَوْ زَعَمَ رَجُلٌ أَنَّهُ وَكِيلُهَا بِالْخُلْعِ فَخَالَعَهَا مَعَهُ عَلَى أَلْفٍ ثُمَّ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ التَّوْكِيلَ فَإِنْ ضَمِنَ فِي الْفُضُولِيِّ الْمَالَ لِلزَّوْجِ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَعَلَيْهِ الْمَالُ، وَإِلَّا إنْ لَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ التَّوْكِيلَ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ ادَّعَاهُ وَقَعَ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ، وَكَّلَهُ بِأَنْ يُخَالِعَهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَمَضَتْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ هُوَ الْأَجْنَبِيُّ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ هُوَ الزَّوْجُ (قَوْلُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْخُلْعُ إذَا جَرَى إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْمُرْسَلُ كَقَوْلِهِ اخْلَعْنِي عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَوْ عَلَى هَذَا الْأَلْفِ أَوْ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ فَإِنْ قَدَرْت عَلَى تَسْلِيمِهِ سَلَّمْته، وَإِلَّا فَالْمِثْلُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ، وَالْقِيمَةُ فِي الْقِيَمِيِّ، وَالْمُطْلَقُ كَقَوْلِهَا خَالِعْنِي عَلَى عَبْدٍ أَوْ أَلْفٍ أَوْ ثَوْبٍ، وَالْمُضَافُ عَلَى عَبْدِي هَذَا أَوْ عَبْدِك أَوْ عَبْدِ فُلَانٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ تَأَمَّلْ
стр. 1271
الْمُدَّةُ، وَلَمْ يُخَالِعْهَا الْوَكِيلُ لَا يُجْبَرُ الْوَكِيلُ عَلَى الْخُلْعِ، وَإِنْ طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ، وَبِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ أَنَّ تَوْكِيلَ الصَّبِيِّ، وَالْمَعْتُوهِ عَنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِالْخُلْعِ صَحِيحٌ الْوَاحِدُ لَا يَصْلُحُ فِي الْخُلْعِ وَكِيلًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ، وَكَّلَتْ رَجُلًا بِالْخُلْعِ فَوَكَّلَهُ الزَّوْجُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ الْبَدَلُ مُسَمًّى أَوْ لَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(بَابُ الظِّهَارِ)
هُوَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ ظَاهَرَ امْرَأَتَهُ إذَا قَالَ لَهَا أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ قِيلَ إنَّمَا خُصَّ ذَلِكَ بِذِكْرِ الظَّهْرِ؛ لِأَنَّ الظَّهْرَ مَنْ الدَّابَّةِ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ وَالْمَرْأَةُ مَرْكُوبَةٌ وَقْتَ الْغَشَيَانِ فَرُكُوبُ الْأُمِّ مُسْتَعَارٌ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ ثُمَّ شَبَّهَ رُكُوبَ الزَّوْجَةِ بِرُكُوبِ الْأُمِّ الَّذِي هُوَ مُمْتَنِعٌ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لَطِيفَةٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: رُكُوبُك لِلنِّكَاحِ حَرَامٌ عَلَيَّ وَكَانَ الظِّهَارُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةَ تَغْلِيظًا فِي النَّهْيِ اهـ.
وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً لَا رَجْعَةَ فِيهِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (هُوَ تَشْبِيهُ الْمَنْكُوحَةِ بِمُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ) أَرَادَ بِالْمَنْكُوحَةِ مَا يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِ مِنْ الزَّوْجَةِ وَهُوَ أَنْ يُشَبِّهَهَا أَوْ عُضْوًا مِنْهَا يُعَبِّرُ بِهِ عَنْهَا أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا لِمَا سَيَأْتِي وَأَرَادَ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ عُضْوًا يَحْرُمُ إلَيْهِ النَّظَرُ مِنْ عُضْوِ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ أَيْضًا، وَأَرَادَ بِالزَّوْجِ الْمُسْلِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا ظِهَارَ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَنَا وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ السَّكْرَانَ وَالْمُكْرَهَ وَالْأَخْرَسَ بِإِشَارَتِهِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَيَّدَ بِالْمَنْكُوحَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْأَمَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ عَلَى مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِشَيْءٍ لِيَشْمَلَ الْمَدْخُولَةَ وَغَيْرَهَا الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ الرَّتْقَاءَ وَغَيْرَهَا الْعَاقِلَةَ وَالْمَجْنُونَةَ الْمُسْلِمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ وَقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ بِكَوْنِ امْرَأَتِهِ فِي عِصْمَتِهِ.
وَكَذَا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَأَطْلَقَ الْحُرْمَةَ فَشَمِلَ الْحُرْمَةَ نَسَبًا وَصِهْرِيَّةً وَرَضَاعًا وَأَرَادَ بِالتَّأْبِيدِ تَأْبِيدَ الْحُرْمَةِ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ يُمْكِنُ زَوَالُهُ فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَوْ قَالَ كَظَهْرِ مَجُوسِيَّةٍ لَا يَكُونُ ظِهَارًا ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ بِاعْتِبَارِ دَوَامِ الْوَصْفِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ إسْلَامِهَا بِخِلَافِ الْأُمِّيَّةِ وَالْأُخْتِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَجُوسِيَّةِ لَيْسَتْ بِمُؤَبَّدَةٍ بَلْ هِيَ مُؤَقَّتَةٌ بِإِسْلَامِهَا أَوْ بِصَيْرُورَتِهَا كِتَابِيَّةً فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلِذَا عَلَّلَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ وَضَمَّ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ الْمُرْتَدَّةَ وَشَمِلَ كَلَامُهُ التَّشْبِيهَ الصَّرِيحَ وَالضِّمْنِيَّ فَدَخَلَ مَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: أَنْت عَلَيَّ مِثْلُ هَذِهِ يَنْوِي الظِّهَارَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَعْدَ التَّكْفِيرِ بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِ قَوْلِهِ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَالتَّشْبِيهُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ وَجْهِ الشَّبَهِ الْمُرَادِ لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِ التَّشْبِيهِ بِهَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ آخَرَ ظَاهَرَ زَوْجُهَا مِنْهَا فَقَالَ: أَنْت عَلَيَّ مِثْلُ فُلَانَةَ يَنْوِي ذَلِكَ صَحَّ وَلَوْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَكَذَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُك فِي ظِهَارِهَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ حَقِيقَةَ الظِّهَارِ الشَّرْعِيِّ تَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهَا أَوْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ بِمَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَذَا قَالُوا، وَلَوْ قَالُوا مِنْ مُحَرَّمٍ دُونَ مُحَرَّمَةٍ صِفَةٌ لِشَخْصٍ الْمُتَنَاوِلِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ الْوَاحِدُ لَا يَصْلُحُ فِي الْخُلْعِ وَكِيلًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ) تَقَدَّمَ قُبَيْلَ قَوْلِهِ فَإِنْ طَلَّقَهَا خِلَافُهُ.
[بَابُ الظِّهَارِ]
(قَوْلُهُ الْمُسْلِمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ) الْأَوْلَى الْمُسْلِمَةَ وَالْكَافِرَةَ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ الْمُحِيطِ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ فَظَاهَرَ مِنْهَا قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا صَحَّ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَجُوسِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّ التَّحْقِيقَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُمْ إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، وَلَوْ شَبَّهَهَا بِامْرَأَتِهِ الْمُلَاعَنَةِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا كَمَا فِي الْجَوَامِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يُمْكِنُ زَوَالُهُ بِأَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالُوا مِنْ مَحْرَمٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ شَرَائِطِ الظِّهَارِ الَّتِي تَرْجِعُ عَلَى الْمُظَاهَرِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي أَوْ ابْنِي لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عُرِفَ بِالشَّرْعِ وَالشَّرْعُ إنَّمَا هُوَ وَرَدَ بِهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُظَاهَرُ بِهِ امْرَأَةً اهـ.
وَبِهِ عُرِفَ جَوَابُ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ شَبَّهَهَا بِفَرْجِ أَبِيهِ وَقَرِيبِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا؛ إذْ فَرْجُهُمَا فِي الْحُرْمَةِ كَفَرْجِ أُمِّهِ وَانْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ حَيْثُ نُقِلَ مَا فِي الْمُحِيطِ وَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ بَحْثًا وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْتَ مَا هُوَ الْوَاقِعُ نَعَمْ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنْتِ عَلَيَّ كَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا نَوَى طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا فَكَمَا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَ إيلَاءً اهـ.
قُلْت:
стр. 1272
لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَفَرْجِ أَبِي أَوْ قَرِيبِي كَانَ مُظَاهِرًا؛ إذْ فَرْجُهُمَا فِي الْحُرْمَةِ كَفَرْجِ أُمِّهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْأَبِ وَالْقَرِيبِ؛ لِأَنَّ فَرْجَ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ مُحَرَّمٌ عَلَى التَّأْبِيدِ أَيْضًا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بِمُحَرَّمَةٍ إلَى أَنَّ الْمُشَبِّهَ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ امْرَأَةً بِأَنْ قَالَتْ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ أَنَا عَلَيْك كَظَهْرِ أُمِّك فَالصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَفَّارَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ وَرَجَّحَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَنَّهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِنْثِ إنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ فَإِنْ كَانَ تَعْلِيقًا يَجِبُ مَتَى تَزَوَّجَتْ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ تَجِبُ لِلْحَالِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا الْعَزْمُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ الْجِمَاعِ. اهـ. .
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ شَبَّهَهَا بِمُزَنِّيَةٍ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ ظِهَارًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ ظِهَارًا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ شَبَّهَهَا بِأُمِّ امْرَأَةٍ أَوْ ابْنَةِ امْرَأَةٍ قَدْ زَنَى بِهَا يَكُونُ ظِهَارًا. اهـ.
وَلَوْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً بِشَهْوَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِابْنَتِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فَلِذَا زَادَ فِي النِّهَايَةِ لَفْظَةَ اتِّفَاقًا فِي التَّعْرِيفِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ أَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِأُمِّ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ كَانَ مُظَاهِرًا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَكُونَ كَأُمِّ زَوْجَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ وَهِيَ حَلَالٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَيْدِ الِاتِّفَاقِ، أَمَّا فِي تَشْبِيهِهَا بِمَزْنِيَّةِ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَكُونُ مُظَاهِرًا عَلَى الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّهُ لَا اتِّفَاقَ عَلَى تَحْرِيمِهَا لِمُخَالَفَةِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ تَشْبِيهِهَا بِابْنَةِ الْمُقَبَّلَةِ بِشَهْوَةٍ فَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْبِنْتِ عَلَيْهِ لَيْسَتْ مُؤَبَّدَةً لِارْتِفَاعِهَا بِقَضَاءِ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّهَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ فَارِقًا بَيْنَ التَّقْبِيلِ وَالْوَطْءِ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْفُذْ قَضَاءُ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّ أُصُولِ الْمَزْنِيَّةِ وَفُرُوعِهَا بِخِلَافِ التَّقْبِيلِ وَعَلَى هَذَا لَوْ شَبَّهَهَا بِالْمُلَاعَنَةِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مُوَقَّتَةٌ بِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ.
وَلَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُخْتِ مِنْ لَبَنِ الْفَحْلِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ بِقَضَاءِ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّهَا فَهِيَ كَالْمُقَبَّلَةِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَغْنَى عَمَّا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَ فِي التَّشْبِيهِ فَشَمِلَ الْمُعَلَّقَ وَلَوْ بِمَشِيئَتِهَا كَالطَّلَاقِ وَالْمُوَقَّتَ كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَوْمًا أَوْ شَهْرًا فَإِنْ أَرَادَ قُرْبَانَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ وَيَرْتَفِعُ الظِّهَارُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كُلَّ يَوْمٍ فَهُوَ ظِهَارٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ، تَجَدَّدَ الظِّهَارُ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِذَا مَضَى يَوْمٌ بَطَلَ ظِهَارُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا فِي الْيَوْمِ الْآخَرِ وَلَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا لَيْلًا، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي الْيَوْمَ وَكُلَّمَا جَاءَ يَوْمٌ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا الْيَوْمَ وَإِذَا مَضَى بَطَلَ هَذَا الظِّهَارُ وَلَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا فِي اللَّيْلِ، فَإِذَا جَاءَ غَدٌ كَانَ مُظَاهِرًا ظِهَارًا آخَرَ دَائِمًا غَيْرَ مُوَقَّتٍ، وَكَذَا كُلَّمَا جَاءَ يَوْمٌ صَارَ مُظَاهِرًا ظِهَارًا آخَرَ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي رَمَضَانَ كُلَّهُ وَرَجَبَ كُلَّهُ فَكَفَّرَ فِي رَجَبٍ سَقَطَ ظِهَارُ رَجَبٍ وَظِهَارُ رَمَضَانَ اسْتِحْسَانًا وَالظِّهَارُ وَاحِدٌ وَإِنْ كَفَّرَ فِي شَعْبَانَ لَمْ يَجُزْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ كَفَّرَ إنْ كَفَّرَ فِي يَوْمِ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا يَجُوزُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إلَى شَهْرٍ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا قَبْلَهُ
ــ
[منحة الخالق]
لَا يَخْفَى أَنَّهُ سَلِمَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ أُشْكِلَ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَكَانَ مُقَوِّيًا لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِلَّا يَسْلَمْ لَمْ يَتَوَجَّهْ الْإِيرَادُ عَلَى الْمُصَنِّفِ لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَةِ الْخَانِيَّةِ الَّتِي عِنْدِي مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ نَصُّهُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَا يَكُونُ إيلَاءً وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ يَكُونُ طَلَاقًا وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ لَا يَكُونُ ظِهَارًا اهـ. بِحُرُوفِهِ.
وَهَكَذَا قَالَ فِي الشرنبلالية قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ نَوَى ظِهَارًا لَا يَكُونُ ظِهَارًا وَكَذَلِكَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقَلَ عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ كَمَا نَقَلْنَاهُ فَعُلِمَ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي نَقَلَ عَنْهَا فِي النَّهْرِ سَقَطَ مِنْهَا لَفْظَةُ لَا فَأَوْرَدَ مَا أَوْرَدَ لَكِنْ رَأَيْتُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا مَا نَصُّهُ وَلَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَمَنْكُوحَةِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا، وَكَذَا التَّشْبِيهُ بِالرَّجُلِ أَيِّ رَجُلٍ كَانَ اهـ.
وَكَذَلِكَ صَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِالرَّجُلِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا وَبِهِ تَأَيَّدَ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَبِمَا عَلِمْتَ مِنْ النَّقْلِ السَّابِقِ انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ) الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى مَا فِي الدِّرَايَةِ قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَأَنَّهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْكِلَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ وَعِنْدِي أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ فِي شَبَهِهَا إلَى الزَّانِي الْمُسْتَفَادِ مِنْ الزِّنَا وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ إذْ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا شَبَّهَهَا بِالزَّانِي وَإِكْمَالُ أَدَبِ الْكَمَالِ دَعَاهُ إلَى مَحْضِ الْإِشْكَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُخْتِ مِنْ لَبَنِ الْفَحْلِ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَأَنْ رَضَعَ عَلَى امْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ لَهُ بِنْتٌ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ فَإِنَّ الْمُرْضَعَ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَوْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِهَذِهِ الْبِنْتِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا قَالَ فِي الْفَتْحِ كَأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا
стр. 1273
كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا وَفِيهَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إذَا جَاءَ غَدٌ كَانَ بَاطِلًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَمْسِ كَانَ بَاطِلًا اهـ.
وَالْفَرْعَانِ مُشْكِلَانِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الظِّهَارِ أَوْ تَعْلِيقِهِ اهـ.
وَهُمَا صَحِيحَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالثَّانِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالطَّلَاقِ إنْ كَانَ نَكَحَهَا قَبْلَ أَمْسِ كَانَ مُظَاهِرًا الْآنَ وَإِنْ كَانَ نَكَحَهَا الْيَوْمَ كَانَ لَغْوًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْمُشَبِّهُ وَالْمُشَبَّهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ وَأَدَاةُ التَّشْبِيهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمُشَبِّهُ وَهُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ فَهُوَ الزَّوْجُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْمُسْلِمُ وَزَادَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة الْعَالِمُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمَنْكُوحَةُ أَوْ عُضْوٌ مِنْهَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّهَا أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ عُضْوٌ وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ تَأْبِيدًا، وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ الدَّالُّ عَلَيْهِ وَهُوَ رُكْنُهُ وَهُوَ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَمِنِّي وَعِنْدِي وَمَعِي كَعَلَيَّ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بِدُونِ إضَافَةٍ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهَا كَظَهْرِ أُمِّهِ عَلَى غَيْرِهِ وَأَنَا مِنْكِ مُظَاهِرٌ وَظَاهَرْتُ مِنْكِ مِنْ الصَّرِيحِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ قَالَ: أَنْت مِنِّي مُظَاهَرَةٌ أَنَّهُ يَكُونُ بَاطِلًا وَشَرْطُهُ فِي الْمَرْأَةِ كَوْنُهَا زَوْجَةً، وَلَوْ أَمَةً فَلَا يَصِحُّ مِنْ أَمَتِهِ وَلَا مِنْ مُبَانَتِهِ وَلَا مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ إلَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى التَّزَوُّجِ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي الرَّجُلِ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ ذِمِّيٍّ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة يَلْزَمُ الذِّمِّيَّ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ إذَا ظَاهَرَ، وَفِي صِحَّتِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ نَظَرٌ إنَّمَا نَقَلَهُ الْمَشَايِخُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَعَالَى قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢] .
وَلَمَّا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكَفَّارَةِ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ فَقَالَ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ لَمْ يَصِحَّ ظِهَارُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَيَّدَ الرَّقَبَةَ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يُجَوِّزْ أَنْ يَمْلِكَ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ وَصَحَّحَ ظِهَارَهُ فَكَانَ تَنَاقُضًا وَرَدَّهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّا عَيَّنَّا لِكَفَّارَتِهِ الْإِطْعَامَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الظِّهَارِ أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ أَهْلًا لِكُلِّ الْأَنْوَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِغَيْرِ الصَّوْمِ، وَلَوْ ظَاهَرَ الْمُسْلِمُ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى بَقِيَ ظِهَارُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ لَا يَحِلُّ الْقُرْبَانُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْقَى؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَيْسَ أَهْلًا لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلَهُ أَنَّ الْحَالَ حَالُ بَقَاءِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ لَا حَالُ الِانْعِقَادِ وَالْكُفْرُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْحُرْمَةِ وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ إلَى غَايَةِ الْكَفَّارَةِ.
(قَوْلُهُ حَرُمَ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ بِأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَتَّى يُكَفِّرَ) أَمَّا حُرْمَةُ الْوَطْءِ فَبِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا حُرْمَةُ الدَّوَاعِي فَلِدُخُولِهَا تَحْتَ النَّصِّ الْمُفِيدِ لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ فِيهِ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْوَطْءُ لِإِمْكَانِ الْحَقِيقَةِ وَيَحْرُمُ الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ التَّمَاسِّ فَيَحْرُمُ الْكُلُّ بِالنَّصِّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُوجِبَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ مَوْجُودٌ وَهُوَ صِدْقُ التَّمَاسِّ عَلَى الْمَسِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ اتِّفَاقًا فَالتَّحْقِيقُ خِلَافُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ التَّحْقِيقُ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْوَطْءَ إذَا حَرُمَ حَرُمَ مَا كَانَ دَاعِيًا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ وَقَدْ اسْتَمَرَّ هَذَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَالْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَخَرَجَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَيْضِ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ لِنَصٍّ صَرِيحٍ وَهُوَ أَنَّهُ «﵇ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهِيَ حَائِضٌ» وَحِكْمَتُهُ لُزُومُ الْحَرَجِ لَوْ حَرُمَتْ الدَّوَاعِي فِي الصَّوْمِ وَالْحَيْضِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ لِلْمُظَاهِرِ تَقْبِيلُهَا إذْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِلشَّفَقَةِ وَالدَّوَاعِي الْمُبَاشِرَةِ وَالتَّقْبِيلُ وَاللَّمْسُ عَنْ شَهْوَةٍ وَالنَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ
ــ
[منحة الخالق]
أَمَّا إنْ أُرِيدَ مَنْ أَرْضَعَهُ نَفْسُ الْفَحْلِ فَلَا إشْكَالَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ اهـ. وَسَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ.
(قَوْلُهُ وَالْفَرْعَانِ مُشْكِلَانِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ وَالْجَوَابُ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لِمُخَالَفَتِهَا الْمَشْهُورَ فِي الْكُتُبِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ فَلَا تَتَعَدَّى الْحُرْمَةُ مِنْ أَمْسِ إلَى الْيَوْمِ وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا فَتَدَبَّرْهُ اهـ.
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يَكُونُ ظِهَارًا مَا لَمْ يَنْوِ الظِّهَارَ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الظَّرْفِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ جَائِزٌ وَإِذَا نَوَاهُ صَحَّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فَالتَّحْقِيقُ خِلَافُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ التَّحْقِيقُ) أَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْمَسَّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ خَارِجٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا النَّظَرُ إلَيْهَا أَوْ إلَى نَحْوِ ظَهْرِهَا بِشَهْوَةٍ (قَوْلُهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِلشَّفَقَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الشَّهْوَةِ تَحْرِيفٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخُصُّ الْمُسَافِرَ
стр. 1274
وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا النَّظَرُ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَلَا إلَى الشَّعْرِ وَالصَّدْرِ، وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ أَعْنِي أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَا يَكُونُ إلَّا ظِهَارًا، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يُوصَفَ بِالنَّسْخِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ يَقْتَضِي إنْ جَعَلَهُ ظِهَارًا لَيْسَ نَاسِخًا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ شُرَّاحِهَا تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ الْبَحْثَ الثَّانِي أَنَّ الظِّهَارَ كَانَ مِنْ أَشَدِّ طَلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّحْرِيمِ أَوْكَدُ مَا يُمْكِنُ فَإِنْ كَانْ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُقَرَّرًا فِي الشَّرْعِ كَانَتْ الْآيَةُ نَاسِخَةً لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُعَدَّ نَاسِخًا فِي الشَّرْعِ إلَّا فِي عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ لَكِنَّ الَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ «﵇ قَالَ لَهَا: حَرُمْتِ أَوْ مَا أَرَاك إلَّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ شَرْعًا فَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ فَلَا يَبْطُلُ الظِّهَارُ بِزَوَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَلَا بِبُطْلَانِ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ حَتَّى لَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً وَظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا، وَكَذَا إذَا كَانَتْ حُرَّةً فَارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَتْ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، وَفِي الْمُحِيطِ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ فَظَاهَرَ مِنْهَا قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا صَحَّ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ اهـ. .
قَالُوا وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطَالِبَهُ بِالْوَطْءِ وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى التَّكْفِيرِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا بِحَبْسٍ فَإِنْ أَبَى ضَرَبَهُ وَلَا يُضْرَبُ فِي الدَّيْنِ، وَلَوْ قَالَ قَدْ كَفَّرْتَ صُدِّقَ مَا لَمْ يُعْرَفْ بِالْكَذِبِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا أَبَى عَنْ التَّكْفِيرِ عَزَّرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ أَوْ يُطَلِّقَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَعْلِيقَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى تُبْطِلُهُ، وَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَالْمَشِيئَةُ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ وَطِئَ قَبْلَهُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ فَقَطْ) أَيْ: لَوْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لِأَجْلِ الْوَطْءِ وَالْوَاجِبُ الْكَفَّارَةُ الْأُولَى لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي «الْمُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ قَالَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ» ، وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَمَنْقُولٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّوْبَةُ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ وَهِيَ حُرْمَةُ الْوَطْءِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ.
(قَوْلُهُ وَعَوْدُهُ عَزْمُهُ عَلَى وَطْئِهَا) أَيْ: عَوْدُ الْمُظَاهِرِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ عَزْمُهُ عَلَى وَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَهُوَ بَيَانٌ لِسَبَبِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى أَقْوَالٍ مَحْكِيَّةٍ فِي الْبَدَائِعِ فَالْعَامَّةُ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ مَجْمُوعُ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ حَتَّى تَتَعَلَّقَ الْعُقُوبَةُ بِالْمَحْظُورِ وَهُوَ الظِّهَارُ وَالْعِبَادَةُ بِالْمُبَاحِ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى وَطْئِهَا؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْمُنْكَرِ وَقِيلَ الظِّهَارُ سَبَبٌ لِلْإِضَافَةِ وَالْعَوْدُ شَرْطٌ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَقِيلَ هُمَا شَرْطَانِ وَالسَّبَبُ أَمْرٌ ثَالِثٌ وَهُوَ كَوْنُ الْكَفَّارَةِ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا لِإِيفَاءِ حَقِّهَا وَكَوْنُهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَهُوَ يَقْتَضِي إنْ جَعَلَهُ ظِهَارًا لَيْسَ نَاسِخًا) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَامِ فَجَعَلَهُ ظِهَارًا ثَانِيًا يَكُونُ نَسْخًا وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامَيْ الْهِدَايَةِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا سَاقَ بَعْدَهُ عِبَارَةَ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْجَوَابِ بِمَا قُلْنَا فَإِنَّ ذَلِكَ التَّوْفِيقَ يُؤْخَذُ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى التَّكْفِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ لَا فَائِدَةَ لِلْإِجْبَارِ عَلَى التَّكْفِيرِ إلَّا الْوَطْءَ وَالْوَطْءُ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ كَمَا مَرَّ فِي الْقَسَمِ وَلِهَذَا لَوْ صَارَ عِنِّينًا بَعْدَمَا وَطِئَهَا مَرَّةً لَا يُؤَجَّلُ وَاشْتِرَاطُ الْأَوَّلِ لِتَكْمِيلِ الصَّدَاقِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرْفَعَ إلَى مَنْ لَا يَرَى التَّكْمِيلَ بِالْخَلْوَةِ حَمَوِيٌّ عَنْ الْغَايَةِ قَالَ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يَطَأْهَا قَبْلَ الظِّهَارِ أَبَدًا بَعِيدٌ وَقَدْ يُقَالُ فَائِدَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى التَّكْفِيرِ رَفْعُ الْمَعْصِيَةِ قَالَ الشَّلَبِيُّ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَفَّارَاتِ إلَّا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَوَجْهُ عَدَمِ الْجَبْرِ عَلَيْهَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ اهـ.
قُلْتُ وَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْبَدَائِعِ مَا يُقَرِّبُ مَا اسْتَبْعَدَهُ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ: مِنْ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ شَرْطٌ وَسَبَبُ الْوُجُوبِ أَمْرٌ ثَالِثٌ وَهُوَ كَوْنُ الْكَفَّارَةِ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا لِإِيفَاءِ الْوَاجِبِ وَكَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى الْإِيفَاءِ؛ لِأَنَّ إيفَاءَ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ وَاجِبٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ إنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا وَلَمْ يَطَأْهَا مَرَّةً وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَقَدْ وَطِئَهَا مَرَّةً لَا يَجِبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا لِإِيفَاءِ حَقِّهَا وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ أَيْضًا حَتَّى يُجْبَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُهُ إيفَاءُ الْوَاجِبِ إلَّا بِرَفْعِ الْحُرْمَةِ وَلَا تَرْتَفِعُ الْحُرْمَةُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ فَتَلْزَمُهُ ضَرُورَةُ إيفَاءِ الْوَاجِبِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَجِبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى صَوَابُهُ يَجِبُ وَأَنَّ لَا زَائِدَةٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ لِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَانَةً أَنْ يَقْصِدَهَا بِالْوَطْءِ أَحْيَانًا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَمَنْقُولٌ فِي الْمُوَطَّإِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَأَمَّا ذِكْرُ
стр. 1275
قَادِرًا عَلَى إيفَائِهِ قِيلَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَرْطٌ وَسَبَبٌ وَمَنْ جَعَلَ السَّبَبَ الْعَزْمَ أَرَادَ بِهِ الْعَزْمَ الْمُؤَكَّدَ حَتَّى لَوْ عَزَمَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَطَأَهَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْعَزْمِ الْمُؤَكَّدِ لَا أَنَّهَا وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْعَزْمِ ثُمَّ سَقَطَتْ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ سُقُوطِهَا لَا تَعُودُ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْعَوْدَ وَحْدَهُ سَبَبًا أَنَّ الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ لَا شَرْطِهِ وَالْكَفَّارَةُ تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الظِّهَارِ لَا الْعَزْمِ وَأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَهَا عَلَى الْعَزْمِ صَحَّ، وَلَوْ كَانَ سَبَبًا لَمْ يَصِحَّ وَلَكِنْ دَفَعَ الثَّانِي بِأَنَّهَا إنَّمَا وَجَبَتْ لِرَفْعِ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ فِي الذَّاتِ فَتَجُوزُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا كَمَا قُلْنَا فِي الطَّهَارَةِ إنَّهَا جَائِزَةٌ قَبْلَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا سَبَبُهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِرَفْعِ الْحَدَثِ فَتَجُوزُ بَعْدَ وُجُودِهِ وَأَوْرَدَ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ الظِّهَارَ فَقَطْ أَنَّ السَّبَبَ مَا دَارَ بَيْنَ مَحْظُورٍ وَمُبَاحٍ وَهُوَ مَحْظُورٌ فَقَطْ فَلَا يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَسَنُجِيبُ عَنْهُ فِي الْكَفَّارَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الظِّهَارِ قَبْلَ الْعَزْمِ وَعَلَى عَدَمِهِ قَبْلَ الظِّهَارِ وَعَلَى تَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الظِّهَارِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ الْعَزْمُ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ عَزَمَ ثُمَّ تَرَكَ فَلَا إثْمَ وَعَلَى عَدَمِ الْكَفَّارَةِ لَوْ أَبَانَهَا بَعْدَهُ وَبَعْدَ الْعَزْمِ.
وَمُرَادُ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِمْ الْعَزْمُ عَلَى وَطْئِهَا الْعَزْمُ عَلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا لَا الْعَزْمُ عَلَى نَفْسِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣] بِنَقْضِ مَا قَالُوا وَرَفْعِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِاسْتِبَاحَتِهَا بَعْدَ تَحْرِيمِهَا لِكَوْنِهِ ضِدًّا لِلْحُرْمَةِ لَا نَفْسُ وَطْئِهَا وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ تَكْرَارُ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ تَعَالَى ثُمَّ يُعِيدُونَ مَا قَالُوا مِنْ الْإِعَادَةِ لَا مِنْ الْعَوْدِ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ.
(قَوْلُهُ وَبَطْنُهَا وَفَخِذُهَا وَفَرْجُهَا كَظَهْرِهَا) أَيْ: الْأُمُّ وَهِيَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ عُضْوٌ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ مُحَرَّمَةٍ تَأْبِيدًا وَهَذِهِ الْأَعْضَاءُ كَذَلِكَ فَخَرَجَ عُضْوٌ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْجَنْبِ فَلَا يَكُونُ ظِهَارًا، وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنْتِ عَلَيَّ كَرُكْبَةِ أُمِّي فِي الْقِيَاسِ يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَوْ قَالَ فَخِذُك كَفَخِذِ أُمِّي لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا اهـ. لِفَقْدِ الشَّرْطِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ جِهَةِ الْمُشَبَّهِ.
(قَوْلُهُ وَأُخْتُهُ وَعَمَّتُهُ وَأُمُّهُ رَضَاعًا كَأُمِّهِ) أَيْ: نَسَبًا لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ كَوْنُهَا مُحَرَّمَةً تَأْبِيدًا نَسَبًا أَوْ صِهْرًا أَوْ رَضَاعًا فَخَرَجَ مَنْ لَا تَحْرُمُ تَأْبِيدًا كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُلَاعَنَةِ وَالْمُقَبَّلَةِ حَرَامًا وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْأُخْتِ رَضَاعًا مِنْ لَبَنِ الْفَحْلِ خَاصَّةً كَأَنْ رَضَعَ عَلَى امْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ لَهُ بِنْتٌ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ فَإِنَّ الرَّضِيعَ بَعْدَ بُلُوغِهِ إذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِهَذِهِ الْبِنْتِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا، وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لَوْ شَبَّهَهَا بِأُمِّ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ كَانَ مُظَاهِرًا غَلِطَ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَكُونَ كَأُمِّ زَوْجَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ وَهِيَ حَلَالٌ وَالتَّعْبِيرُ بِالْغَلَطِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا فِيمَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْخَلْوَةِ خَلَا بِامْرَأَةٍ ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّ تِلْكَ الْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَالْمُرَادُ خَلَا بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لَا بِزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا حَرَامٌ بِالْعَقْدِ تَأْبِيدًا (قَوْلُهُ وَرَأْسُكِ وَوَجْهُكِ وَفَرْجُكِ وَرَقَبَتُكِ وَنِصْفُكِ وَثُلُثُكِ كَانَتْ) يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُشَبِّهَ أَنْ يَذْكُرَ
ــ
[منحة الخالق]
الِاسْتِغْفَارِ فِي الْحَدِيثِ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَلَفْظُهُ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ يُظَاهِرُ ثُمَّ يَمَسُّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ يَكُفُّ عَنْهَا حَتَّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ وَيُكَفِّرَ ثُمَّ قَالَ وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي عَلَى الدُّرَرِ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الِاخْتِيَارِ ذَكَرَ الِاسْتِغْفَارَ فِيهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْأَصْلِ فَقَالَ: بَابُ الظِّهَارِ «بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَعُودَ حَتَّى يُكَفِّرَ» وَبَلَاغَاتُ مُحَمَّدٍ مُسْنَدَةٌ لِمَنْ تَتَبَّعَهَا وَقَدْ أُسْنِدَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ «ظَاهَرَ رَجُلٌ مِنْ امْرَأَتِهِ فَأَبْصَرَهَا فِي الْقَمَرِ وَعَلَيْهَا خَلْخَالُ فِضَّةٍ فَأَعْجَبَتْهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ وَلَا يَعُودَ حَتَّى يُكَفِّرَ» وَوَصَلَهُ الْحَاكِمُ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى الْأَصْلِ مَنْ عَلِمْت فِي رِوَايَةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْبَزَّارِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. كَلَامُهُ.
(قَوْلُهُ أَرَادَ بِهِ الْعَزْمَ الْمُؤَكَّدَ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمُتَّصِلَ بِهِ الْفِعْلُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ فِي الْقِيَاسِ يَكُونُ مُظَاهِرًا) أَيْ:؛ لِأَنَّ الرُّكْبَةَ عَوْرَةٌ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ فَخِذُك كَفَخِذِ أُمِّي) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي عَامَّةِ النُّسَخِ فَخِذِي كَفَخِذِ أُمِّي وَهُوَ تَحْرِيفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَشْبِيهِ فَخِذِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَأَيْضًا عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ بِالْكَافِ كَالْأُولَى (قَوْلُهُ كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَعَمَّتِهِ) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَوُجِدَ فِي نُسْخَةٍ وَعَمَّتُهَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ وَهِيَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ الْقُدُورِيِّ إلَخْ) تَقَدَّمَ رَدُّهُ قَرِيبًا فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ
стр. 1276
ذَاتَهَا أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا أَوْ عُضْوًا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّهَا وَضَابِطُهُ مَا صَحَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِ كَانَ مُظَاهِرًا بِهِ فَخَرَجَ الْيَدُ وَالرِّجْلُ فَلَوْ قَالَ: بَطْنُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ مِنْ جِهَةِ الْمُشَبِّهِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ رَأْسُك كَرَأْسِ أُمِّي لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا اهـ. لِلِانْتِفَاءِ مِنْ جِهَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ) (نَوَى بِأَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي بِرًّا أَوْ ظِهَارًا أَوْ طَلَاقًا فَكَمَا نَوَى وَإِلَّا لَغَا) بَيَانٌ لِلْكِنَايَاتِ فَمِنْهَا أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي فَإِنْ نَوَى الْكَرَامَةَ قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ فَالتَّقْدِيرُ أَنْتِ عِنْدِي فِي الْكَرَامَةِ كَأُمِّي وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا بِكَوْنِهِ كِنَايَةً فِيهِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ صَرِيحَهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْعُضْوِ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَلَا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَغْيِيرٌ لِلْمَشْرُوعِ وَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ كَانَ بَائِنًا كَلَفْظِ الْحَرَامِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَ بَاطِلًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنِيَّةِ الْإِيلَاءِ بِهِ لِلِاخْتِلَافِ فَأَبُو يُوسُفَ جَعَلَهُ إيلَاءً؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ الظِّهَارِ وَمُحَمَّدٌ جَعَلَهُ ظِهَارًا نَظَرًا إلَى أَدَاةِ التَّشْبِيهِ وَصُحِّحَ أَنَّهُ ظِهَارٌ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مُؤَكَّدٌ بِالتَّشْبِيهِ، وَذِكْرُ عَلَيَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؛ إذْ أَنْتِ مِثْلُ أُمِّي كَذَلِكَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقُيِّدَ بِالتَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَا عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: أَنْت أُمِّي لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِقُرْبِهِ مِنْ التَّشْبِيهِ وَقِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ يَا أُخَيَّةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد الْمُصَرِّحِ بِالْكَرَاهَةِ وَلَوْلَا التَّصْرِيحُ بِهَا لَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِالظِّهَارِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كَوْنِهِ ظِهَارًا مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَدَاةِ التَّشْبِيهِ شَرْعًا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ يَا بِنْتِي يَا أُخْتِي وَنَحْوُهُ.
(قَوْلُهُ وَبِأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي ظِهَارًا أَوْ طَلَاقًا فَكَمَا نَوَى) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَادَ عَلَى الْمِثَالِ الْأَوَّلِ لَفْظَةَ التَّحْرِيمِ امْتَنَعَ إرَادَةُ الْكَرَامَةِ وَصَحَّتْ نِيَّةُ الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لِلِاخْتِلَافِ فَمُحَمَّدٌ جَعَلَهُ ظِهَارًا وَأَبُو يُوسُفَ إيلَاءً وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ (قَوْلُهُ وَبِأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي طَلَاقًا أَوْ إيلَاءً فَظِهَارٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَادَ عَلَى الْمِثَالِ الثَّانِي لَفْظَةَ الظِّهَارِ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ فَكَانَ مُظَاهِرًا سَوَاءً نَوَاهُ أَوْ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ الْإِيلَاءَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ وَلَا ظِهَارَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِهِ) أَيْ: ابْتِدَاءً أَطْلَقَهَا فَشَمِلَتْ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ وَالْمُدَبَّرَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ أَوْ بِنْتَهَا أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُسْتَسْعَاةً فَلَا يَصِحُّ مِنْ أَمَتِهِ مَوْطُوءَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ قِنَّةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ ابْنَتَهَا أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُسْتَسْعَاةً؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ إضَافَةِ النِّسَاءِ إلَى رَجُلٍ أَوْ رِجَالٍ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ مَعَ الزَّوْجَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ حَتَّى صَحَّ أَنْ يُقَالَ هَؤُلَاءِ جَوَارِيهِ لَا نِسَاؤُهُ وَلِهَذَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَصِّ الْإِيلَاءِ أَيْضًا وَلَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] حَتَّى لَا تَحْرُمَ عَلَيْهِ أُمُّ أَمَتِهِ قَبْلَ وَطْءِ أَمَتِهِ وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْإِمَاءِ تَحْتَ نِسَائِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحَرَائِرُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا صَحَّ عَطْفُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ اهـ. .
قَيَّدْنَا بِالِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَقَاءِ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَوْنِهَا زَوْجَةً كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ ثُمَّ مَلَكَهَا بَقِيَ الظِّهَارُ وَكَمَا خَرَجَتْ الْأَمَةُ خَرَجَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ وَالْمُبَانَةُ حَتَّى لَوْ عَلَّقَ الظِّهَارَ بِشَرْطٍ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْعِدَّةِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ الْمُعَلَّقَةِ، وَالْفَرْقُ فِي الْبَدَائِعِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ صَادِقٌ فِي التَّشْبِيهِ فَلَا ظِهَارَ، وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَفَائِدَةُ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِبَانَةِ تَنْقِيصُ الْعَدَدِ وَتَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْمِلْكِ أَوْ سَبَبُهُ كَالطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنْ نَكَحَهَا كَانَ مُظَاهِرًا، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْت طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَهَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَمُطَلِّقًا جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْت طَالِقٌ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَهَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَلْزَمُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَإِنْ نَوَى الْكَرَامَةَ قُبِلَ مِنْهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُصَدَّقَ قَضَاءً فِي إرَادَةِ الْبِرِّ إذَا كَانَ فِي حَالِ الْمُشَاجَرَةِ وَذِكْرِ الطَّلَاقِ وَأَقُولُ: يَنْبَغِي إذَا نَوَى الْحُرْمَةَ الْمُجَرَّدَةَ أَنْ يَكُونَ إيلَاءً؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَكُونُ ظِهَارًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَعَلَى مَا صُحِّحَ فِي نِيَّةِ الْإِيلَاءِ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا عِنْدَ الْكُلِّ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَمْ يُبَيِّنْ هُوَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا نَوَى الْإِيلَاءَ أَوْ مُجَرَّدَ التَّحْرِيمِ كَغَالِبِ الْكُتُبِ وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ وَأَقُولُ: إذَا نَوَى التَّحْرِيمَ لَا غَيْرُ وَقُلْنَا بِصِحَّةِ نِيَّتِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ يَكُونُ إيلَاءً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَظِهَارًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى مَا صُحِّحَ فِيمَا تَقَدَّمَ يَكُونُ ظِهَارًا عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مُؤَكَّدٌ بِالتَّشْبِيهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ فِي دِيَارِنَا
(قَوْلُهُ أَوْ مُسْتَسْعَاةٌ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا أَوْ مُسْتَسْعَاةٌ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ
стр. 1277
الظِّهَارُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ صَاحِبَاهُ لَزِمَاهُ جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مِائَةَ مَرَّةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ كَفَّارَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً بِغَيْرِ أَمْرِهَا فَظَاهَرَ مِنْهَا فَأَجَازَتْهُ بَطَلَ) ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي التَّشْبِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِهِ حَتَّى يَتَوَقَّفَ بِتَوَقُّفِهِ بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ لِتَوَقُّفِ الْمِلْكِ وَيَنْفُذُ بِنَفَاذِهِ كَمَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبُيُوعِ بِقَوْلِهِ وَصَحَّ عِتْقُ مُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ بِإِجَازَةِ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْعَبْدُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ أَنْ يُعْتِقَهُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا نَكَحَهَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ تَوَقَّفَ بِتَوَقُّفِهِ وَنَفَذَ بِنَفَاذِهِ مَعَ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ وَلَا تُقْبَلُ الْإِجَازَةُ وَصَارَ مَرْدُودًا وَلِهَذَا فَسَّرَ كَوْنَ الْإِعْتَاقِ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ بِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا لَهُ فِي الْعِنَايَةِ، وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ.
(قَوْلُهُ أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ظِهَارٌ مِنْهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الظِّهَارَ إلَيْهِنَّ فَكَانَ كَإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهِنَّ (قَوْلُهُ وَكَفَّرَ لِكُلٍّ) أَيْ: لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إذَا عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْحُرْمَةِ وَهِيَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِنَّ وَإِنَّمَا قَالَ وَكَفَّرَ لِكُلٍّ وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ مَالِكًا وَأَحْمَدَ قَالَا يَكُونُ مُظَاهِرًا مِنْ الْكُلِّ وَلَكِنْ اكْتَفَيَا بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ قُيِّدَ بِالظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ آلَى مِنْهُنَّ كَانَ مُولِيًا مِنْهُنَّ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا فِي الْإِيلَاءِ تَجِبُ لِهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْأَوَّلَ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ التَّعْلِيقِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الظِّهَارَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَتَى عُلِّقَ بِشَرْطٍ مُتَكَرِّرٍ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ كَمَا لَوْ قَالَ: كُلَّمَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَتَكَرَّرُ الظِّهَارُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ بِخِلَافِ الْيَمِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ فِي الْكَفَّارَةِ)
مِنْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ الذَّنْبَ مَحَاهُ وَمِنْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ إذَا فَعَلَ الْكَفَّارَةَ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْكَفَّارَةُ مَا كَفَرَ بِهِ مِنْ صَدَقَةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهَا مُنْبِئَةٌ عَنْ السَّتْرِ لُغَةً؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْكَفْرِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ قَالَ الشَّاعِرُ
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
أَيْ: سَتَرَهَا اهـ.
وَالْكَلَامُ فِيهَا يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي مَعْنَاهَا وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ، وَفِي سَبَبِهَا وَهُوَ قِسْمَانِ: سَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا فَالْأَوَّلُ: مَا هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ التَّوْبَةِ وَهُوَ إسْلَامُهُ وَعَهْدُهُ مَعَ اللَّهِ أَنْ لَا يَعْصِيَهُ وَإِذَا عَصَاهُ تَابَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلتَّكْفِيرِ، وَالثَّانِي: قَالَ فِي التَّنْقِيحِ سَبَبُهَا مَا نُسِبَتْ إلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ دَائِرٍ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ يَعْنِي بِأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مِنْ وَجْهٍ مَحْظُورًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّبَبَ يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الْحُكْمِ فَالْقَتْلُ خَطَأً مُبَاحٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ) أَيْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي صُورَةِ عَدَمِ نِيَّةِ التَّكْرَارِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْمِنَحِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْفَتْحِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ لَوْ كَرَّرَ الظِّهَارَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهِ إلَّا إنْ نَوَى بِمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ تَأْكِيدًا فَيُصَدَّقُ قَضَاءً فِيهِمَا لَا كَمَا قِيلَ فِي الْمَجْلِسِ لَا الْمَجَالِسِ وَأَصْرَحُ مِنْهَا عِبَارَةُ الشرنبلالية، وَلَوْ أَرَادَ التَّكْرَارَ صُدِّقَ فِي الْقَضَاءِ إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ لَا مَجَالِسَ كَمَا فِي السِّرَاجِ اهـ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الظِّهَارَ الْأَوَّلَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ الْأَوَّلَ إيقَاعٌ وَالثَّانِيَ إخْبَارٌ فَإِذَا نَوَى الْإِخْبَارَ حُمِلَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: إذَا قَالَ: أَرَدْتُ التَّكْرَارَ صُدِّقَ فِي الْقَضَاءِ إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الْوَجْهَيْنِ اهـ.
فَقَدْ ظَهَرَ بِمَا سَمِعْتَهُ مِنْ النُّقُولِ أَنَّ النِّزَاعَ فِيمَا إذَا نَوَى التَّكْرَارَ أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ بِلَا نِزَاعٍ فَظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ مَا مَرَّ عَنْ الرَّمْلِيِّ وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْإِيهَامِ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُلْتَقَى وَمَشَى فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ عَلَى مَا فِي الْيَنَابِيعِ فَقَالَ: فَإِنْ عَنَى التَّكْرَارَ بِمَجْلِسٍ صُدِّقَ وَإِلَّا لَأَزَادَ شَارِحُهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِلْفَتْحِ خِلَافُهُ وَجَزَمَ الْمَقْدِسِيَّ بِمَا فِي الْفَتْحِ وَلَمْ يُعَرِّجْ فِي النَّهْرِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَجْلِسِ وَالْمَجَالِسِ بَلْ أَطْلَقَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ اشْتَبَهَ عَلَى شَارِحِ التَّنْوِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ مَا فِي الْيَنَابِيعِ تَأَمَّلْ
[فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَار]
(فَصْلٌ فِي الْكَفَّارَةِ) .
стр. 1278
التَّعَمُّدِ مَحْظُورٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ التَّثَبُّتِ، وَالْإِفْطَارُ عَمْدًا مُبَاحٌ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُلَاقِي فِعْلَ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ وَمَحْظُورٌ لِكَوْنِهِ جِنَايَةً عَلَى الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَسَبَبُهَا إمَّا الْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَوْ الْحِنْثِ وَهُوَ دَائِرٌ أَيْضًا، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ سَبَبٌ وَهُوَ الظِّهَارُ وَهُوَ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ فَإِنَّمَا كَانَ دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّشْبِيهَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْكَرَامَةِ فَلَمْ يَتَمَحَّضْ كَوْنُهُ جِنَايَةً، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ السَّبَبَ مُرَكَّبًا مِنْ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ فَظَاهِرٌ لِكَوْنِ الظَّاهِرِ مَحْظُورًا وَالْعَوْدِ مُبَاحًا لِكَوْنِهِ إمْسَاكًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَقْضًا لِلْقَوْلِ الزُّورِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ لِلِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِهَا؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَجَّلَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ قَبْلَ الْعَوْدِ جَازَ، وَلَوْ كَرَّرَ الظِّهَارَ تَكَرَّرَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ الْعَزْمُ، وَلَوْ عَزَمَ ثُمَّ تَرَكَ فَلَا وُجُوبَ، وَلَوْ عَزَمَ ثُمَّ أَبَانَهَا سَقَطَتْ، وَلَوْ عَجَّلَهَا قَبْلَ الظِّهَارِ لَمْ يَصِحَّ.
وَفِي الطَّرِيقَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا اسْتِحَالَةَ فِي جَعْلِ الْمَعْصِيَةِ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ الَّتِي حُكْمُهَا أَنْ تُكَفِّرَ الْمَعْصِيَةَ وَتُذْهِبَ السَّيِّئَةَ خُصُوصًا إذَا صَارَ مَعْنَى الزَّجْرِ فِيهَا مَقْصُودًا وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ تُجْعَلَ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْجَنَّةِ وَأَمَّا رُكْنُهَا فَالْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ مِنْ إعْتَاقٍ وَصِيَامٍ وَإِطْعَامٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَأَمَّا شُرُوطُهَا فَكُلُّ مَا هُوَ شَرْطُ انْعِقَادِ سَبَبِ وُجُوبِهَا مِنْ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ وَالْقَتْلِ، وَأَمَّا شَرَائِطُ وُجُوبِهَا الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا شَرَائِطُ الصِّحَّةِ فَنَوْعَانِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ فَمَا يَعُمُّهَا النِّيَّةُ وَشَرْطُهَا الْمُقَارَنَةُ لِفِعْلِ التَّكْفِيرِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا إذَا أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ كَفَّارَتَيْنِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ شَرْطِ صِحَّةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا وَمَصْرِفِهَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ فَلَا يَجُوزُ إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَلَا مَمْلُوكِهِ وَلَا الْهَاشِمِيِّ إلَّا الذِّمِّيَّ فَإِنَّهُ مَصْرِفٌ لَهَا دُونَ الْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ عُقُوبَةٌ وُجُوبًا لِكَوْنِهَا شُرِعَتْ أَجْزِيَةً لِأَفْعَالٍ فِيهَا مَعْنَى الْحَظْرِ عِبَادَةً أَدَاءً لِكَوْنِهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ وَالْإِعْتَاقِ وَالصَّدَقَةِ وَهِيَ قُرَبٌ وَالْغَالِبُ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ إلَّا كَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ جِهَةَ الْعُقُوبَةِ فِيهَا غَالِبَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَلَا تَجِبُ مَعَ الْخَطَأِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِوُجُوبِهَا مَعَ الْخَطَأِ، وَكَذَا كَفَّارَةُ الْقَتْلِ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ فَقَالُوا: إنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا غَالِبٌ وَخَالَفَهُمْ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي الْأُصُولِ فَجَعَلَهَا كَكَفَّارَةِ الْفِطْرِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ فِيهَا غَالِبٌ لِكَوْنِهِ ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] وَرَدَّهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ فَاسِدٌ نَقْلًا وَحُكْمًا وَاسْتِدْلَالًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَصْرِيحِهِمْ بِخِلَافِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مِنْ حُكْمِ مَا تَكُونُ الْعُقُوبَةُ فِيهِ غَالِبَةً أَنْ تَسْقُطَ بِالشُّبْهَةِ وَتَتَدَاخَلَ كَكَفَّارَةِ الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ مِرَارًا لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا تَدَاخُلَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ حَتَّى لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا لَزِمَهُ بِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ جِنَايَةً لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِلْكَرَامَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ.
وَأَمَّا حُكْمُهَا فَسُقُوطُ الْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَحُصُولُ الثَّوَابِ الْمُقْتَضِي لِتَكْفِيرِ الْخَطَايَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي عَلَى الصَّحِيحِ لِكَوْنِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا حَتَّى لَا يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا وَيَتَضَيَّقُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَيَأْثَمُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ لَمْ يُوصِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ الْوَرَثَةُ جَازَ إلَّا فِي الْإِعْتَاقِ وَالصَّوْمِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَإِنْ أَوْصَى كَانَ مِنْ الثُّلُثِ اهـ. .
وَأَمَّا أَنْوَاعُهَا فَخَمْسٌ: كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ، وَكَفَّارَةُ الْفِطْرِ وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ الْإِعْتَاقُ ثُمَّ الصَّوْمُ ثُمَّ الْإِطْعَامُ إلَّا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَا إطْعَامَ بَعْدَ الصَّوْمِ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَهِيَ مُخَيَّرٌ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَكَفَّارَةُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي جِنَايَاتِ الْإِحْرَامِ وَزَادَ فِي الْبَدَائِعِ كَفَّارَةَ الْحَلْقِ وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الْفِدْيَةُ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (قَوْلُهُ وَهُوَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أَيْ: التَّكْفِيرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يُكَفِّرَ وَالتَّحْرِيرُ مِنْ حَرَّرَ الْمَمْلُوكَ عَتَقَ حِرَارًا مِنْ بَابِ لَيْسَ وَحَرَّرَهُ صَاحِبُهُ وَمِنْهُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَتَحْرِيرُ بِمَعْنَى حَرَّ قِيَاسٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ إلَخْ) تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَعَوْدُهُ عَزْمُهُ
(قَوْلُهُ فَهِيَ عُقُوبَةٌ وُجُوبًا) وُجُوبًا تَمْيِيزٌ وَمِثْلُهُ أَدَاءً فِي قَوْلِهِ عِبَادَةً أَدَاءً، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَهِيَ عُقُوبَةٌ وَوُجُوبُهَا وَهُوَ تَحْرِيفٌ
стр. 1279
فَالتَّحْرِيرُ بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَإِنَّهُ لَوْ وَرِثَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَنَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ مُقَارِنًا لِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ لَا يُجْزِيهِ عَنْهَا لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى عِنْدَ الْعِلَّةِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمِلْكِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَالرَّقَبَةُ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ فِي مَعْنَى الْمَمْلُوكِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي الْهِدَايَةِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّاتِ أَيْ: الشَّيْءِ الْمَرْقُوقِ الْمَمْلُوكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَشَمِلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَلَوْ رَضِيعًا، وَفِي الْبَدَائِعِ فَإِنْ قِيلَ الصَّغِيرُ لَا مَنَافِعَ لِأَعْضَائِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ إعْتَاقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ كَالزَّمِنِ؛ وَلِذَا لَا يَجُوزُ إطْعَامُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَكَذَا إعْتَاقُهُ، فَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ أَعْضَاءَ الصَّغِيرِ سَلِيمَةٌ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ وَهِيَ بِعَرْضِ أَنْ تَصِيرَ قَوِيَّةً فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ، وَأَمَّا إطْعَامُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَجَائِزٌ بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ لَا الْإِبَاحَةِ وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَلَوْ مَجُوسِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا أَوْ مُرْتَدَّةً أَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالْمُرْتَدُّ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ وَالْمُرْتَدَّةُ تَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ اهـ. .
وَأَمَّا إعْتَاقُ الْعَبْدِ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَغَيْرُ جَائِزٍ عَنْهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ إنْ لَمْ يُخَلِّ سَبِيلَهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ خَلَّى سَبِيلَهُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ بَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَجُوزُ اهـ.
وَشَمِلَ الصَّحِيحَ وَالْمَرِيضَ وَاسْتَثْنَى فِي الْخَانِيَّةِ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ حُكْمًا اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَأَمَّا إعْتَاقُ حَلَالِ الدَّمِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قُضِيَ بِدَمِهِ عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ لَمْ يُجِزْ الْبَقَّالِيُّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا حَلَالَ الدَّمِ قَدْ قُضِيَ بِدَمِهِ ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ أَوْ كَانَ أَبْيَضَ الْعَيْنَيْنِ فَزَالَ الْبَيَاضُ أَوْ كَانَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَفِي جَامِعِ الْجَوَامِعِ وَجَازَ الْمَدْيُونُ وَالْمَرْهُونُ وَمُبَاحُ الدَّمِ وَيَجُوزُ إعْتَاقُ الْآبِقِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ اهـ. .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ غَيْرَ الْمَرْأَةِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا لِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ أَمَةٌ تَحْتَ رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَأَعْتَقَهَا عَنْ ظِهَارِهَا قِيلَ لَمْ تَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ اهـ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ لَا يَجُوزُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ، وَلَوْ أَنَّهُ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ الْجَنِينُ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْهَا وَوَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ رَقَبَةٌ مِنْ وَجْهٍ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى يُعْتَقَ بِإِعْتَاقِ الْأُمِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَوْلُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَرْقُوقِ لَا بِالْمَمْلُوكِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قَدْ غَصَبَهُ أَحَدٌ جَازَ عَنْ الْكَفَّارَةِ إذَا وَصَلَ إلَيْهِ وَلَوْ ادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةَ زُورٍ حَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالْعَبْدِ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْهَالِكِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مَدْيُونًا عَنْ الْكَفَّارَةِ وَاخْتَارَ الْغُرَمَاءُ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ جَازَ؛ لِأَنَّ اسْتِغْرَاقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَاسْتِسْعَاءَهُ لَا يُخِلّ بِالرِّقِّ وَالْمِلْكِ فَإِنَّ السِّعَايَةَ لَمْ تُوجِبْ الْإِخْرَاجَ عَنْ الْحُرِّيَّةِ فَوَقَعَ تَحْرِيرًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِغَيْرِ بَدَلٍ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا رَهْنًا فَسَعَى الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الرِّقِّ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَجُزْ الْأَعْمَى وَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ إبْهَامَيْهِمَا أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَالْمَجْنُونُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ فَوَاتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ يَمْنَعُ الْجَوَازَ وَالِاخْتِلَالَ وَالْعَيْبُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ بِفَوَاتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ تَصِيرُ الرَّقَبَةُ فَائِتَةً مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ نُقْصَانِهَا فَيَدْخُلُ تَحْتَ عَدَمِ الْجَوَازِ سَاقِطُ الْأَسْنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَضْغِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَدَخَلَ أَشَلُّ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْمَفْلُوجُ الْيَابِسُ الشِّقِّ وَالْمُقْعَدُ وَالْأَصَمُّ الَّذِي لَا يَسْمَعُ شَيْئًا عَلَى الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَى كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَشَمِلَ مَقْطُوعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْمَشْيِ فَائِتَةٌ، وَكَذَا مِنْ كُلِّ يَدٍ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ مَقْطُوعَةٍ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ كَمَقْطُوعِ الْإِبْهَامَيْنِ وَجَازَ الْعِنِّينُ وَالْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ وَالْمَذَاكِيرِ وَالرَّتْقَاءُ وَالْقَرْنَاءُ وَالْعَوْرَاءُ وَالْعَمْشَاءُ وَالْبَرْصَاءُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
(قَوْلُهُ فَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَضَى بِدَمِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة وَرَوَى ابْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا حَلَالَ الدَّمِ قَدْ قَضَى بِدَمِهِ عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ عَفَا عَنْهُ لَمْ يَجُزْ فَقَوْلُهُ عَنْ ظِهَارِهِ مُتَعَلِّقٌ بِعَتَقَ (قَوْلُهُ الْبَقَّالِيُّ إذَا أَعْتَقَ إلَخْ) عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة، وَفِي الْبَقَّالِيِّ رِوَايَةٌ مَجْهُولَةٌ إذَا أُعْتِقَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) أَيْ: قَوْلُ الْهِدَايَةِ الْمُتَقَدِّمُ أَيْ: الشَّيْءُ الْمَرْقُوقُ الْمَمْلُوكُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَرْقُوقِ لَا بِالْمَمْلُوكِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْكَمَالَ فِي الرِّقِّ شَرْطٌ دُونَ الْمِلْكِ وَلِهَذَا لَوْ أُعْتِقَ الْمُكَاتَبُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا صَحَّ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ أُعْتِقَ الْمُدَبَّرُ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ.
стр. 1280
وَالرَّمْدَاءُ وَالْخُنْثَى وَذَاهِبُ الْحَاجِبَيْنِ وَشَعْرِ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَمَقْطُوعُ الْأَنْفِ وَالشَّفَتَيْنِ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْأَكْلِ وَالْأَصَمُّ الَّذِي يَسْمَعُ إذَا صِيحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَوَرِ وَأَرَادَ بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقَ، وَكَذَا الْمَعْتُوهُ الْمَغْلُوبُ كَمَا فِي الْكَافِي؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَقْلِ أَصْلِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عِتْقُهُ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ وَأَطْلَقَهُ وَمُرَادُهُ إذَا أَعْتَقَهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا هُنَا فَوَاتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا كَمَالَ الزِّينَةِ وَاعْتَبَرُوهُ فِي الدِّيَاتِ فَأَلْزَمُوا بِقَطْعِ الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ تَمَامَ الدِّيَةِ وَجَوَّزُوا هُنَا عِتْقَ مَقْطُوعِهِمَا إذَا كَانَ السَّمْعُ بَاقِيًا وَمِثْلُهُ فِيمَنْ حُلِقَتْ لِحْيَتُهُ فَلَمْ تَنْبُتْ لِفَسَادِ الْمَنْبَتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ كَمَالَ الزِّينَةِ مَقْصُودٌ فِي الْحُرِّ فَبِاعْتِبَارِ فَوَاتِهِ يَصِيرُ الْحُرُّ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ وَزَائِدٌ عَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْ الْمَمَالِيكِ فَبِاعْتِبَارِ فَوَاتِهِ لَا يَصِيرُ الْمَرْقُوقُ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
فَإِنْ قُلْت إنَّ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ فَاتَ فِي الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنِيَّ فَلَا نَسْلَ لَهُمَا قُلْت قَالَ فِي الْمُحِيطِ إنَّهُ لَمْ يَفُتْ خُرُوجُ الْبَوْلِ وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ النَّسْلِ عَائِدَةٌ إلَى الْعَبْدِ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمَوْلَى فِي كَوْنِ عَبْدِهِ فَحْلًا بَلْ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى بِالْخَصْيِ وَالْجَبِّ فَلَمْ تَصِرْ الرَّقَبَةُ هَالِكَةً مِنْ وَجْهٍ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّ مَنْفَعَةَ النَّسْلِ زَائِدَةٌ عَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْ الْمَمَالِيكِ وَهَاهُنَا فَرْعٌ حَسَنٌ مِنْ الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا وَقَالَ اشْتَرِ لِي جَارِيَةً بِكَذَا أَعْتِقْهَا عَنْ ظِهَارِي وَاشْتَرَى عَمْيَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَزِمَ الْآخَرُ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَلَوْ عَلِمَ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَحْرِيرُهُمَا عَنْ الْكَفَّارَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِمَا الْحُرِّيَّةَ بِجِهَةٍ فَكَانَ الرِّقُّ فِيهِمَا نَاقِصًا وَالْإِعْتَاقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الرِّقِّ كَالْبَيْعِ فَلِذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَالْمُكَاتَبُ لَمَّا كَانَ الرِّقُّ فِيهِ كَامِلًا جَازَ إعْتَاقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ حَيْثُ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا وَلَا عِبْرَةَ هُنَا بِكَمَالِ الْمِلْكِ وَنُقْصَانِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ نُقْصَانُ الْمِلْكِ نُقْصَانَ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْمِلْكِ أَعَمُّ مِنْ مَحَلِّ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْأَمْتِعَةِ وَغَيْرُ الْآدَمِيِّ دُونَ الرِّقِّ وَبِالْبَيْعِ يَزُولُ الْمِلْكُ دُونَ الرِّقِّ وَالْإِعْتَاقُ يُزِيلُهُمَا وَإِنَّمَا عَتَقَ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ دُونَ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ تَقْتَضِي مِلْكًا كَامِلًا لَا رِقًّا كَامِلًا وَالْمِلْكُ فِيهِمَا كَامِلٌ حَتَّى مَلَكَ أَكْسَابَهُمَا وَاسْتِخْدَامَهُمَا وَوَطِئَ الْمُدَبَّرَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ، وَالْمِلْكُ فِي الْمُكَاتَبِ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ نَفْسَهُ يَدًا وَلِذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى كَسْبَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالْإِعْتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الرِّقِّ فَجَازَ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ بِرِضَاهُ وَإِعْتَاقِهِ عَنْهَا وَانْعَكَسَ فِيهِمَا وَحِلُّ الْوَطْءِ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الْمِلْكِ فَحَرُمَ فِي الْمُكَاتَبِ وَانْعَكَسَ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي أَدَّى شَيْئًا) أَيْ: لَا يَجُوزُ تَحْرِيرُهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيرٌ بِعِوَضٍ وَذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَبْرَأَهُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ أَوْ وَهَبَهُ عَتَقَ فَلَوْ قَالَ: لَا أَقْبَلُ صَحَّ عِتْقُهُ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِئَ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ بِبَدَلٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ عَنْهَا بَعْدَ أَدَاءِ الْبَعْضِ صَحَّ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مُعَلَّقٌ بِأَدَاءِ كُلِّ الْبَدَلِ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْبَعْضِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَمَا فِي الْكِتَابِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ أَدَّى شَيْئًا أَوْ لَمْ يُؤَدِّ وَهِيَ الْحِيلَةُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ مُكَاتَبَهُ بَعْدَ أَدَاءِ الْبَعْضِ كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ، وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَلَوْ أَعْتَقَ عَنْهَا عَلَى جُعْلٍ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا فَإِنْ وُهِبَ لَهُ الْجُعْلُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ نَاوِيًا بِالشِّرَاءِ الْكَفَّارَةَ أَوْ حَرَّرَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ حَرَّرَ بَاقِيَهُ عَنْهَا صَحَّ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الرِّقَّ فِيهِ كَامِلٌ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ فِيهِ نَاقِصًا وَجَوَازُ الْإِعْتَاقِ عَنْهَا يَعْتَمِدُ كَمَالَ الرِّقِّ لَا كَمَالَ الْمِلْكِ أَشَارَ إلَى أَنَّ عِتْقَ الْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ عَنْهَا جَائِزٌ بِالْأَوْلَى لِوُجُودِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَإِنْ فَاتَتْ الْيَدُ وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَغَيْرِ الْآدَمِيِّ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْأَمْتِعَةِ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِئَ عَنْ الْكَفَّارَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَعْنِي لَوْ أَبْرَأَهُ نَاوِيًا بِذَلِكَ الْعِتْقَ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْإِبْرَاءَ أَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ رَدَّ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنَّ صِحَّةَ نِيَّتِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِبْرَاءِ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ وَعِنْدِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ إنَّمَا اقْتَرَنَتْ بِالشَّرْطِ وَهُوَ الْإِبْرَاءُ الْمُتَضَمِّنُ لِلِاسْتِيفَاءِ فَلَا يُعْتَبَرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ اشْتَرَيْتُكَ فَأَنْت حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ لَا يَجُوزُ لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِي لِاقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِالْعِلَّةِ وَهِيَ الْيَمِينُ فَإِنْ قُلْتَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ فَأَنْت حُرٌّ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِي فَأَبْرَأَهُ يُجْزِئُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ قُلْتَ لَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِهِمْ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي
стр. 1281
تَنْفَسِخُ بِإِعْتَاقِهِ لِرِضَاهُ بِذَلِكَ لَكِنْ قَالُوا إنَّ الِانْفِسَاخَ ضَرُورِيٌّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ جَوَازُ التَّكْفِيرِ فَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِالنَّظَرِ إلَى جَوَازِهِ لَا مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَوْلَادَ وَالْأَكْسَابَ سَالِمَةٌ لَهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ مَاتَ وَلَهُ مُكَاتَبٌ فَأَعْتَقَهُ وَارِثُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يَجُزْ إجْمَاعًا كَمَا نَقَلَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ قَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ فِيهِ ضَعِيفًا اهـ.
وَالْفَرْقُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ لِبَقَاءِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا مِلْكَ لِلْوَارِثِ فِيهِ بِخِلَافِ سَيِّدِهِ حَالَ الْكِتَابَةِ وَإِنَّمَا جَازَ إعْتَاقُ الْوَارِثِ لَهُ لِتَضَمُّنِهِ الْإِبْرَاءَ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ الْمُقْتَضِي لِلْإِعْتَاقِ، وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي مَا إذَا اشْتَرَى قَرِيبَهُ أَيْ: مَحْرَمَهُ نَاوِيًا بِالشِّرَاءِ الْكَفَّارَةَ وَمُرَادُهُ مَا إذَا دَخَلَ مَحْرَمُهُ فِي مِلْكِهِ بِصُنْعٍ مِنْهُ فَنَوَى وَقْتَ الْمِلْكِ عِتْقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ أَجْزَأَهُ شِرَاءً كَانَ أَوْ هِبَةً أَوْ قَبُولَ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةً فَخَرَجَ الْإِرْثُ فَلَوْ نَوَى وَقْتَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ إعْتَاقَهُ عَنْهَا لَمْ يَجُزْ عَنْهَا لِعَدَمِ الصُّنْعِ وَقُيِّدَ بِكَوْنِ النِّيَّةِ عِنْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْ الصُّنْعِ لَمْ يَجُزْ عَنْهَا وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ بَابِ عِتْقِ الْقَرِيبِ لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ أَبَاهُ فَيُعْتِقَهُ بَعْدَ شَهْرٍ عَنْ ظِهَارِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ يُعْتَقُ كَمَا اشْتَرَاهُ وَيُجْزِيهِ عَنْ ظِهَارِ الْآمِرِ اهـ.
فَمَبْنِيٌّ عَلَى إلْغَاءِ قَوْلِهِ بَعْدَ شَهْرٍ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْرُوعَ وَهُوَ عِتْقُ الْمَحْرَمِ عِنْدَ الشِّرَاءِ.
وَأَشَارَ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ عِنْدَ الشِّرَاءِ إلَى اشْتِرَاطِ قِرَانِهَا بِعِلَّةِ الْعِتْقِ لِكَوْنِ الشِّرَاءِ عِلَّةً لِعِتْقِ الْقَرِيبِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْت حُرٌّ نَاوِيًا كَوْنَهُ عَنْ الظِّهَارِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ النِّيَّةُ عَنْهُ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَرِّحَ بِقَوْلِهِ عَنْ ظِهَارِي أَوْ يَنْوِيَ فَلَوْ نَوَى وَقْتَ التَّعْلِيقِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ نَوَى أَنْ يَكُونَ عَنْ كَفَّارَةِ قَتْلِهِ كَانَ عَنْ الظِّهَارِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى وَقْتَهُ أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا ثُمَّ نَوَى عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنْوِيَّ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُ هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي ثُمَّ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِ فُلَانَةَ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى كَذَلِكَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَهُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِ الْأُولَى اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي إعْتَاقِهِ عَبْدَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ نَوَى قَبْلَ إعْتَاقِ الْمَأْمُورِ أَنْ يَكُونَ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ فَهُمَا مِنْ كَلَامِ الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْإِحْصَارِ لَوْ بَعَثَ الْمُحْصَرُ بِهَدْيِ الْإِحْصَارِ ثُمَّ زَالَ وَحَدَثَ آخَرُ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْهَدْيَ وَنَوَى أَنْ يَكُونَ لِإِحْصَارِهِ الثَّانِي جَازَ، وَكَذَا لَوْ دَفَعَ خَمْسَةَ أَصْوُعِ طَعَامٍ لِرَجُلٍ وَأَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ عَلَى عَشْرَةِ مَسَاكِينَ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ فَلَمْ يَتَصَدَّقْ حَتَّى كَفَّرَ الْآمِرُ وَحَنِثَ فِي أُخْرَى ثُمَّ تَصَدَّقَ الْمَأْمُورُ جَازَ عَنْ الثَّانِيَةِ إذَا نَوَاهَا الْآمِرُ، وَكَذَا لَوْ بَعَثَ هَدْيًا لِجَزَاءِ صَيْدٍ ثُمَّ أُحْصِرَ فَنَوَى أَنْ يَكُونَ لِلْإِحْصَارِ، وَلَوْ قَلَّدَ بَدَنَةً وَأَوْجَبَهَا تَطَوُّعًا ثُمَّ أُحْصِرَ فَنَوَى أَنْ تَكُونَ لِإِحْصَارِهِ جَازَ اهـ. .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمُعَلَّقَ هُنَا عِلَّةً لِلْعِتْقِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمُعَلَّقَ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْحَالِ وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ لَا تَصِحَّ النِّيَّةُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالْحُكْمُ فِيهَا بِالْعَكْسِ وَجَوَابُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ أَيْ: مَنْ اسْتَوْلَدَهَا بِنِكَاحٍ نَاوِيًا عَنْ كَفَّارَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الِاسْتِيلَادُ وَلَمْ تُقَارِنْهُ النِّيَّةُ وَأَمَّا الثَّالِثُ أَعْنِي مَا إذَا حَرَّرَ نِصْفَ عَبْدِهِ ثُمَّ حَرَّرَ بَاقِيَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلِكَوْنِهِ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةً بِكَلَامَيْنِ وَالنُّقْصَانُ مُتَمَكِّنٌ عَلَى مِلْكِهِ بِسَبَبِ التَّحْرِيرِ عَنْهَا وَمِثْلُهُ غَيْرُ مَانِعٍ كَمَنْ أَضْجَعَ شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَأَصَابَتْ السِّكِّينُ عَيْنَهَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ حَرَّرَ بَاقِيَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَرَّرَ نِصْفًا آخَرَ مِنْ رَقَبَةٍ أُخْرَى لَا يَجُوزُ فَلَا يَجُوزُ تَكْمِيلُ الْعِتْقِ بِالْعِتْقِ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا تَكْمِيلُهُ بِالْإِطْعَامِ كَمَا لَوْ حَرَّرَ عَنْهَا نِصْفَ عَبْدٍ وَأَطْعَمَ عَنْ الْبَاقِي لَمْ يَجُزْ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَأَدَّى بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ أَوْ بِإِطْعَامِ مَسَاكِينَ مُقَدَّرَةٍ وَلَمْ
ــ
[منحة الخالق]
أَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ يَقْبَلْ الْإِبْرَاءَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ بِبَدَلٍ وَإِنْ قَبِلَهُ صَحَّ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِ فُلَانَةَ) سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي إعْتَاقِهِ إلَخْ) نَقَلَهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ جَازِمًا بِهِ
(قَوْلُهُ وَجَوَابُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) نَقَلَهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَبْلَ الشَّرْطِ بِعَرْضِيَّتِهِ أَنْ يَصِيرَ عِلَّةً اُعْتُبِرَ لَهُ حُكْمُ الْعِلَّةِ حَتَّى اُعْتُبِرَتْ الْأَهْلِيَّةُ عِنْدَهُ اتِّفَاقًا فَلَوْ كَانَ مَجْنُونًا عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، وَلَوْ كَانَ مَجْنُونًا عِنْدَ التَّعْلِيقِ لَمْ يُعْتَبَرْ أَصْلًا فَلِذَا يَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ عِنْدَهُ.
стр. 1282
يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَتَكْمِيلُ الْعِتْقِ بِالْعِتْقِ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ لَا يَجُوزُ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ تَكْمِيلُهُ بِالتَّمْلِيكِ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ أَوْلَى وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ فَصَارَ مُعْتِقًا لِلْكُلِّ وَكَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْإِطْعَامِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ حَرَّرَ عَبْدَيْنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَخْلِيصُهَا عَنْ الرِّقِّ وَهُوَ مَا حَرَّرَ رَقَبَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَصْرِفْ الْعِتْقَ إلَى شَخْصٍ بَلْ حَرَّرَ نِصْفًا مِنْ كُلِّ رَقَبَةٍ كَمَا لَوْ فَرَّقَ طَعَامَ مِسْكِينٍ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَوْ كَانَ شَاتَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَذَبَحَاهُمَا عَنْ نُسُكِهِمَا أَجْزَأَهُمَا؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي النُّسُكِ جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي بَابِ النُّسُكِ مِقْدَارُ الشَّاةِ وَقَدْ وُجِدَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ حَرَّرَ بَاقِيَهُ مَا إذَا لَمْ يُحَرِّرْ بَاقِيَهُ أَصْلًا فَإِعْتَاقُ النِّصْفِ لَا يَكْفِي عَنْهَا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَمَّا أَعْتَقَ النِّصْفَ عَتَقَ الْكُلُّ بِلَا سِعَايَةٍ فَأَجْزَأَ عَنْ الْكَفَّارَةِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ وَإِنْ حَرَّرَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ وَضَمِنَ بَاقِيَهُ أَوْ حَرَّرَ نِصْفَ عَبْدِهِ ثُمَّ وَطِئَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ حَرَّرَ بَاقِيَهُ لَا) أَيْ: لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ قَدْ انْتَقَصَ عَلَى مِلْكِهِ لِتَعَذُّرِ بَاقِيهِ لِاسْتِدَامَةِ الرِّقِّ فِيهِ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَمِثْلُهُ يَمْنَعُ الْكَفَّارَةَ كَالتَّدْبِيرِ وَالْمُرَادُ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ إعْتَاقُ النِّصْفِ الْآخَرِ بَعْدَ التَّضْمِينِ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الضَّمَانِ لَا يَكْفِي لِوَضْعِ الْمَسْأَلَةِ وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَسَعَى الْعَبْدُ فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ حَتَّى عَتَقَ كُلُّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْهَا بِالْأَوْلَى، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا ضَمِنَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ أَجْزَأَهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ بِإِعْتَاقِ الْبَعْضِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا يُجْزِئُهُ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ وَعَدَمِهِ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِعِوَضٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَدَلُ حَاصِلًا لِلْمُعْتِقِ بَلْ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَانِعُ أَنْ يَلْزَمَ الْعَبْدَ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ تَحْرِيرِ رَقَبَتِهِ، وَفِي الْكَافِي فَإِنْ قِيلَ الْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ فَصَارَ نَصِيبُ السَّاكِتِ مِلْكًا لِلْمُعْتِقِ زَمَانَ الْإِعْتَاقِ فَكَانَ النُّقْصَانُ فِي مِلْكِهِ لَا فِي مِلْكِ شَرِيكِهِ قُلْنَا الْمِلْكُ فِي الْمَضْمُونِ يَثْبُتُ بِصِفَةِ الِاسْتِنَادِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ لَهُ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَتَمَكَّنَ النُّقْصَانُ فِي نَصِيبِ السَّاكِتِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا وَالْكَفَّارَةُ غَيْرُهُمَا فَلَمْ تَجُزْ اهـ. .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّقْصَانَ إنْ كَانَ عَلَى مِلْكِ الْمُعْتِقِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ التَّعْيِيبَ ضَرُورَةُ إقَامَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَيْسَ كَالتَّعْيِيبِ بِصُنْعِهِ مُخْتَارًا حَتَّى أَنَّهُ لَوْ فَقَأَ عَيْنَ الشَّاةِ مُخْتَارًا عِنْدَ الذَّبْحِ نَقُولُ لَا يُجْزِئُهُ فَكَانَ الْمُشْتَرَكُ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ مِنْ الْعَبْدِ الْمُخْتَصِّ؛ لِأَنَّ مَالِكَ النِّصْفِ لَا يَقْدِرُ عَلَى عِتْقِهِ إلَّا بِطَرِيقِ عِتْقِ نِصْفِهِ فَحَالُهُ أَشْبَهُ بِذَابِحِ الشَّاةِ مِنْ مَالِكِهِ عَلَى الْكَمَالِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ إقَامَةِ الْوَاجِبِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي عَدَمِ مَانِعِيَّتِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْوَاجِبِ إلَّا كَذَلِكَ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَطْلَقَ لَهُ الْعِتْقَ بِمَرَّةٍ وَمَرَّةٍ كَانَ لَازِمُهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ النَّقْصُ بِسَبَبِهِ مُطْلَقًا لَا يَمْنَعُ وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ قَوْلُ الْإِمَامِ لِكَوْنِهِ مُتَجَزِّئًا عَنْهُ وَشَرْطُ الْإِعْتَاقِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ بِالنَّصِّ وَإِعْتَاقُ النِّصْفِ حَصَلَ بَعْدَهُ وَعِنْدَهُمَا إعْتَاقُ النِّصْفِ إعْتَاقٌ لِلْكُلِّ فَحَصَلَ الْكُلُّ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ بَعْدَ الْمَسِيسِ مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ الثَّانِي وَبَطَلَ إعْتَاقُ ذَلِكَ النِّصْفِ عَنْهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُعْتِقُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا رَمَضَانُ وَأَيَّامٌ مَنْهِيَّةٌ) أَيْ: إنْ لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةً وَلَا ثَمَنَهَا فَاضِلًا عَنْ قَدْرِ كِفَايَتِهِ؛ لِأَنَّ قَدْرَهَا مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فَصَارَ كَالْعَدَمِ فَمَنْ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ لَهُ مَسْكَنٌ؛ لِأَنَّهُ كَلِبَاسِهِ وَلِبَاسِ أَهْلِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْخِزَانَةِ، وَفِي الْجَوْهَرَةِ لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ لِلْخِدْمَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ الثَّانِي وَبَطَلَ إلَخْ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ قَبْلَ قَوْلِهِ بَطَلَ وَعِبَارَةُ الْغَايَةِ لِلْأَكْمَلِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ الثَّانِي فَصَارَ إعْتَاقُ نِصْفِ الْعَبْدِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَأَنَّهُ قَدْ جَامَعَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُعَاوِدَ حَتَّى يُكَفِّرَ
стр. 1283
الصَّوْمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ زَمِنًا فَيَجُوزُ اهـ.
وَالضَّمِيرُ فِي يَكُنْ يَعُودُ ظَاهِرًا إلَى الْمَوْلَى، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتِقُهَا، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ زَمِنًا فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ فِي كَلَامِ الْجَوْهَرَةِ لِلْعَبْدِ وَالْمَعْنَى إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بِحَالٍ لَا يُجْزِئُ عَنْهَا وَمِنْ الْكِفَايَةِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ لِلْقُوتِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَرِفًا فَقُوتُ يَوْمِهِ وَاَلَّذِي لَا يَعْمَلُ قُوتُ شَهْرٍ، وَفِي الْمُحِيطِ مُعْسِرٌ لَهُ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ أَوْ عَبْدٌ غَائِبٌ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ يُرِيدُ بِالْغَائِبِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إعْتَاقِهِ فَأَمَّا الدَّيْنُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ مَدْيُونِهِ فَقَدْ عَجَزَ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، أَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ.
وَكَذَلِكَ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ عَلَى عَبْدٍ وَزَوْجُهَا قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ إذَا طَالَبَتْهُ بِذَلِكَ وَوَجَبَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ لَمْ يُجْزِهَا الصَّوْمُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَوَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بَعْدَ مَا قَضَى دَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَالِ فَأَمَّا قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَقِيلَ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَّلَ وَقَالَ بِأَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَالَهُ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ حُكْمًا لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقَّ الصَّرْفِ إلَى الدَّيْنِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَحَقِّ لِلْعَطَشِ وَقِيلَ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ الصَّوْمَ بِمَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَدْيُونِ فِي مَالِهِ كَامِلٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ التَّصَرُّفِ فِيهِ اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ رَقَبَةٌ صَالِحَةٌ لِلتَّكْفِيرِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُهَا سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ حَقِيقَةً اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ الْمَوْجُودَةِ وَيَمْنَعُ وُجُوبَ شَرَائِطِهَا بِمَالٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ لِامْرَأَتَيْنِ وَفِي مِلْكِهِ رَقَبَةٌ فَقَطْ فَصَامَ عَنْ إحْدَاهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارِ الْأُخْرَى هَلْ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ عَنْ الْأُولَى قُلْت لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَلَكِنْ فِي الْمُحِيطِ فِي نَظِيرِهِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِجْزَاءِ قَالَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا يَمِينٍ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ يَكْفِي لِإِحْدَاهُمَا فَصَامَ عَنْ إحْدَاهُمَا ثُمَّ أَطْعَمَ عَنْ الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ صَامَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فَلَا يُجْزِئُهُ اهـ.
وَبِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ مَنْ لَهُ عَبْدٌ غَائِبٌ فِي مِلْكِهِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ ظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اسْتِنْبَاطًا مِنْ تَعْبِيرِهِ تَعَالَى بِعَدَمِ الْوُجُودِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ إلَى الصَّوْمِ وَبِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ إلَى الْإِطْعَامِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَلَا يَصُومُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا يَنْتَظِرُ الصِّحَّةَ لِيَصُومَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا أَيْضًا فِي الصَّوْمِ لَا فِي الْإِطْعَامِ لِمَا سَيَأْتِي وَإِنْ كَانَ الْمَالُ أَعَمَّ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ قَدْرِ مَا يَشْتَرِي بِهِ وَأَرَادَ بِالْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ الْخَمْسَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَهِيَ يَوْمَا الْعِيدِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بِسَبَبِ النَّهْيِ فِيهَا نَاقِصٌ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ لَا يَسَعُ غَيْرَ فَرْضِ الْوَقْتِ قَيَّدْنَا بِالْمُقِيمِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ أَنْ يَصُومَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ، وَفِي الْمَرِيضِ رِوَايَتَانِ كَمَا عُلِمَ فِي الْأُصُولِ فِي بَحْثِ الْأَمْرِ، وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى نَفْيِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمَا وَقْتٌ نَذَرَ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ الْمُعَيَّنَ إذَا نَوَى فِيهِ وَاجِبًا آخَرَ وَقَعَ عَمَّا نَوَى بِخِلَافِ رَمَضَانَ كَمَا عُلِمَ فِي الصَّوْمِ.
وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ لَوْ دَخَلَتْ عَلَى الصَّوْمِ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ صَامَهَا أَوْ لَا لِإِمْكَانِ وُجُودِ شَهْرَيْنِ يَصُومُهُمَا خَالِيَيْنِ عَنْهَا فَلِذَا قَطَعَ النِّفَاسُ وَالْمَرَضُ التَّتَابُعَ وَكَانَ حَيْضُهَا غَيْرَ قَاطِعٍ لِصَوْمِ كَفَّارَتِهَا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِكَفَّارَةِ قَتْلِهَا وَفِطْرِهَا فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ شَهْرَيْنِ خَالِيَيْنِ عَنْ حَيْضِهَا بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا تَجِدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَالِيَةً عَنْهُ ثُمَّ رَأَيْت الْفَرْقَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْبَدَائِعِ عَلَيْهَا أَنْ تَصِلَ أَيَّامَ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْحَيْضِ بِمَا قَبْلَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ تَصِلْ وَأَفْطَرَتْ يَوْمًا بَعْدَ الْحَيْضِ اسْتَقْبَلَتْ لِتَرْكِهَا التَّتَابُعَ بِلَا ضَرُورَةٍ بِخِلَافِ نِفَاسِهَا، وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ يُرِيدُ بِالْغَائِبِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ إلَخْ) هَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَيَاتُهُ وَمَوْتُهُ كَمَا قَالُوا فِي الْآبِقِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنْ غَايَةِ السُّرُوجِيِّ وَلَا يَجُوزُ الْهَرَمُ الْعَاجِزُ وَالْغَائِبُ الْمُنْقَطِعُ الْخَبَرِ.
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِكَفَّارَةِ قَتْلِهَا) وَمِثْلُهَا كَفَّارَةُ فِطْرِهَا.
стр. 1284
النِّفَاسُ الْحَيْضَ فَإِنَّ النِّفَاسَ قَاطِعٌ لِلتَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كُلِّ كَفَّارَةٍ لَهَا بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٍ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ وَالْقَتْلِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُنْتَقَى لَوْ صَامَتْ شَهْرًا ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ أَيِسَتْ اسْتَقْبَلَتْ؛ لِأَنَّهَا قَدَرَتْ عَلَى مُرَاعَاةِ التَّتَابُعِ فَلَزِمَهَا التَّتَابُعُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا إذَا حَبِلَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي بَنَتْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ حَيْضُهَا غَيْرُ قَاطِعٍ فِي كَفَّارَةِ الشَّهْرَيْنِ إلَّا إذَا أَيِسَتْ بَعْدَهُ فَحِينَئِذٍ يَقْطَعُ وَأَمَّا صَوْمُ الْمُضَلَّلَةِ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَقَدْ اسْتَوْفَاهُ فِي الْمُحِيطِ مِنْ الْحَيْضِ وَقَدْ أَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ شُرِطَ فِيهِ التَّتَابُعُ نَصًّا فَحُكْمُهُ كَالْكَفَّارَةِ فَإِذَا أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا بَطَلَ مَا قَبْلَهُ وَلَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ كَالْمَنْذُورِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ التَّتَابُعُ مُعَيَّنًا أَوْ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ الْخَالِي عَنْ اشْتِرَاطِهِ فَإِنَّ التَّتَابُعَ فِيهِ وَإِنْ لَزِمَ لَكِنْ لَا يُسْتَقْبَلُ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا كَرَجَبٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى رَمَضَانَ وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الْأَيْمَانِ.
وَأَرَادَ بِعَدَمِ الْوُجُودِ عَدَمًا مُسْتَمِرًّا إلَى فَرَاغِ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ حَتَّى لَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِعْتَاقِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ وَكَانَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا وَالْأَفْضَلُ إتْمَامُهُ وَإِنْ أَفْطَرَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُسْقِطًا لَا مُلْتَزِمًا خِلَافًا لِزُفَرَ وَقُيِّدَ الصَّوْمُ بِعَدَمِ الْوُجُودِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ الْقَادِرِ عَلَى التَّحْرِيرِ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ؛ إذْ الْمَعْنَى فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لَا عَمَلًا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْيَسَارُ وَالْإِعْسَارُ مُعْتَبَرَانِ وَقْتَ التَّكْفِيرِ أَيْ الْأَدَاءِ لَا وَقْتَ الْوُجُوبِ كَمَذْهَبِ أَحْمَدَ وَلَا أَغْلَظُ الْحَالَيْنِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِلْأَدَاءِ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ صَامَ بِالْأَهِلَّةِ فَاتَّفَقَ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا جَازَ، وَلَوْ صَامَ بِغَيْرِ الْأَهِلَّةِ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا يَصُومُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الشَّهْرِ بِالْأَهِلَّةِ فَإِنْ غَمَّ الْهِلَالُ اُعْتُبِرَ كُلُّ شَهْرٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَاتَّفَقَ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ جَازَ لِجَوَازِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَقَدْ أَفَادَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ فَإِنْ وَطِئَ فِيهِمَا لَيْلًا أَوْ يَوْمًا نَاسِيًا أَوْ أَفْطَرَ اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ) أَيْ: وَطْءُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الشَّرْطُ عَدَمُ فَسَادِ الصَّوْمِ فَلَوْ جَامَعَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا لَا يَسْتَأْنِفُ وَالصَّحِيحُ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَا مَسِيسَ فِيهِمَا فَإِذَا جَامَعَهَا فِي خِلَالِهِمَا لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَإِذَا أَفْطَرَ فِي خِلَالِهِمَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ أَطْلَقَ فِي اللَّيْلِ فَشَمِلَ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْعَمْدِ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ اتِّفَاقِيٌّ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ كَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَجْمَعِ فَاحْتُرِزَ مِنْهُ فَإِنَّهُ غَلَطٌ وَقَدْ صَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ بِأَنَّهُ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ وَقَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ فِي الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَامَعَهَا نَهَارًا عَمْدًا اسْتَأْنَفَ اتِّفَاقًا لِوُجُودِ الْمَسِيسِ عِنْدَهُمَا وَلِفَسَادِ الصَّوْمِ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَعْفُ عَنْ النِّسْيَانِ فِي وَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا كَمَا عُفِيَ عَنْهُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّوْمِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْحَدِيثِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ جَامَعَهَا فِيهِمَا مُطْلَقًا أَوْ أَفْطَرَ اسْتَأْنَفَ لَكَانَ أَوْلَى وَمِنْ التَّطْوِيلِ أَعْرَى قَيَّدْنَا بِوَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ غَيْرَهَا فِيهِمَا فَإِنْ بَطَلَ صَوْمُهُ كَأَنْ كَانَ نَهَارًا عَامِدًا دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ أَوْ أَفْطَرَ فَيَسْتَأْنِفُ وَإِلَّا لَا وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ وَقُيِّدَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ وَطْئًا لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَمْ يَسْتَأْنِفْ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْإِفْطَارِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ لِعُذْرٍ كَسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ لَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَجُزْ لِلْعَبْدِ إلَّا الصَّوْمُ) أَيْ: إلَّا صَوْمُ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ وَالْإِعْتَاقُ وَالْإِطْعَامُ شَرْطُهُمَا الْمِلْكُ فَإِنْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى عَنْهُ أَوْ أَطْعَمَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمِلْكِ فَلَا يَصِيرُ مَالِكًا بِتَمْلِيكِهِ لِلْحَدِيثِ «لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا» وَلَا يَمْلِكُهُ مَوْلَاهُ وَلَا يَثْبُتُ عِتْقُهُ فِي ضِمْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ إنْ لَوْ كَانَ تَبَعًا، وَالْإِعْتَاقُ أَصْلُ الْأَهْلِيَّةِ فَلَا يَثْبُتُ اقْتِضَاءً كَذَا فِي الْكَافِي وَإِذَا تَعَيَّنَ الصَّوْمُ لِلْكَفَّارَةِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمَرْأَةِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْنَعَهُ بِخِلَافِ صَوْمِ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ صَوْمِهَا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ) وَعَزَاهُ فِي الشرنبلالية أَيْضًا إلَى التُّحْفَةِ وَالِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَجْمَعِ) هُوَ شَرْحُ ابْنِ مَلَكٍ، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَذَا اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ إنْ وَطِئَهَا أَيْ: الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلًا عَمْدًا كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالنَّظْمِ وَالْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالْقُدُورِيِّ وَالْمُضْمَرَاتِ وَالزَّاهِدِيِّ وَالنُّتَفِ وَغَيْرِهَا وَبِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْإِسْبِيجَابِيِّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فِي اللَّيْلِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا لَا يَلِيقُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَمْدُ فِي كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَالْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَمِنْ تَأْيِيدِهِ عَدَمُ الْتِفَاتِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ لِذَلِكَ اهـ.
قُلْتُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا فِي الْإِسْبِيجَابِيِّ صَرِيحٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ وَقَدْ قَالَ فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ الظَّاهِرُ مَا فِي الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ جَامَعَهَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ
стр. 1285
حَقِّ عَبْدٍ بِهَا، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ جِنَايَاتِ الْإِحْرَامِ وَلَا يَجُوزُ إطْعَامُ الْمَوْلَى عَنْهُ إلَّا فِي الْإِحْصَارِ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَبْعَثُ عَنْهُ لِيَحِلَّ هُوَ فَإِذَا عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ اهـ.
وَلَمْ يُعَلِّلْ لِاسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ يَكُنْ الرِّقُّ مُنَصَّفًا لِصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ مَعَ أَنَّهُ مُنَصَّفٌ نِعْمَةً وَعُقُوبَةً قُلْت لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَهِيَ لَمْ تَتَنَصَّفْ بِالرِّقِّ كَالصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي بَعْضِهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ احْتِيَاطًا ثُمَّ رَأَيْت تَعْلِيلَ مَسْأَلَةِ دَمِ الْإِحْصَارِ فَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ أُحْصِرَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى إنْفَاذُ هَدْيٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ يَلْزَمُهُ لِحَقِّ الْعَبْدِ وَلَا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلَى مَوْلَاهُ حَقٌّ فَإِذَا أَعْتَقَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ عَنْهُ هَدْيًا فِي الْحَرَمِ فَيَحِلُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ وَجَبَ لِبَلِيَّةٍ اُبْتُلِيَ بِهَا الْعَبْدُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمَوْلَى فَكَذَا دَمُ الْإِحْصَارِ اهـ. .
وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْمَيِّتِ إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَإِنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ خُيِّرَ الْوَصِيُّ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَبَيْنَ الْكِسْوَةِ وَبَيْنَ التَّحْرِيرِ، وَفِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ يَتَعَيَّنُ التَّحْرِيرُ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ الثُّلُثَ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْإِطْعَامُ وَلَا دَخْلَ لِلصَّوْمِ فِي الْكُلِّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَإِنْ قُلْت: هَلْ لَنَا حُرٌّ لَيْسَ لَهُ كَفَّارَةٌ إلَّا بِالصَّوْمِ قُلْت الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ عَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ لَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ حَتَّى لَوْ أُعْتِقَ عَنْهَا صَحَّ الْعِتْقُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا وَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ مِنْ الْحَجْرِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصَّوْمَ أَطْعَمَ سِتِّينَ فَقِيرًا كَالْفِطْرَةِ أَوْ قِيمَتِهِ) أَيْ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّوْمِ لِمَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ كِبَرٍ أَرَادَ بِالْإِطْعَامِ الْإِعْطَاءَ تَمْلِيكًا؛ لِأَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِالْإِبَاحَةِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: إذَا أَرَادَ التَّمْلِيكَ أَطْعَمَ كَالْفِطْرَةِ وَإِذَا أَرَادَ الْإِبَاحَةَ أَطْعَمَهُمْ غَدَاءً وَعَشَاءً وَقُيِّدَ بِالْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَجُوزُ إطْعَامُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ تَمْلِيكًا وَإِبَاحَةً وَمَنْ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِعَبْدٍ فَقِيرٍ فِي هَذَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَأَشَارَ بِذِكْرِ الْفَقِيرِ إلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ فَالْمِسْكِينُ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ فِيهَا وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ أَيْ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْعَامُ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَمَمْلُوكِهِ وَالْهَاشِمِيِّ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إطْعَامُ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَهَا مَصْرِفُهَا وَهُوَ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ إلَّا الذِّمِّيَّ فَإِنَّهُ مَصْرِفٌ فِيمَا عَدَا الزَّكَاةَ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ لِشَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا.
وَلَوْ دَفَعَ بِتَحَرٍّ فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا عُرِفَ فِي الزَّكَاةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دَقِيقٍ كُلٌّ كَأَصْلِهِ وَكَذَا السَّوِيقُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُعْتَبَرُ الْكَيْلُ أَوْ الْقِيمَةُ فِيهِمَا كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الْبَعْضَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالْبَعْضَ مِنْ الشَّعِيرِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا كَانَ قَدْرَ الْوَاجِبِ كَأَنْ يَدْفَعَ رُبْعَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَنِصْفًا مِنْ شَعِيرٍ وَإِنَّمَا جَازَ التَّكْمِيلُ بِالْآخَرِ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ وَلَا يَجُوزُ التَّكْمِيلُ بِالْقِيمَةِ كَمَا لَوْ أَدَّى نِصْفًا مِنْ تَمْرٍ جَيِّدٍ يُسَاوِي صَاعًا مِنْ الْوَسَطِ وَأَفَادَ بِعَطْفِ الْقِيمَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ
ــ
[منحة الخالق]
لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَفَاتَهُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى هُنَا مِنْ بَيَانِ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ وَمَسْأَلَةُ الْوَطْءِ لَيْلًا خِلَافِيَّةُ أَبِي يُوسُفَ اهـ. ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيَّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْإِطْعَامُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُهُ بِمَا دَامَ الْقَاتِلُ حَيًّا أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْإِطْعَامُ أَيْ: فِي الظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ لَا فِي الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ إذْ قَوْلُهُمْ لَا إطْعَامَ فِيهِ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ شَامِلٌ لِلْحَالَتَيْنِ مَا لَمْ يُوجَدْ صَرِيحُ النَّقْلِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فِيهِ تَأَمُّلْ اهـ.
وَانْظُرْ مَا كَتَبْنَاهُ فِي فَصْلِ الْعَوَارِضِ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ، وَكَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ إذَا تَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ يَجُوزُ (قَوْلُهُ وَمَنْ لَهُ دَيْنٌ) الْمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ فَقِيرٌ وَقَوْلُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِعَبْدٍ أَخْرَجَ بِهِ دَيْنَ الْحَقِّ تَعَالَى فَلَا يَمْنَعُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَهَا مَصْرِفُهَا) أَيْ: مَصْرِفُ الْكَفَّارَةِ مَصْرِفُ الْفِطْرَةِ وَهُوَ أَيْ مَصْرِفُ الْفِطْرَةِ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ.
(قَوْلُهُ إلَّا الذِّمِّيَّ فَإِنَّهُ مَصْرِفٌ فِيمَا عَدَا الزَّكَاةَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَفِي الْحَاوِي وَإِنْ أَطْعَمَ فُقَرَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَازَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّهُ يَمْلِكُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مُضَارِعٌ الْمُضَاعَفُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ أَيْ: وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ أَنَّ الْمُكَفِّرَ يُمَلِّكُ الْفَقِيرَ نِصْفَ صَاعٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُعْتَبَرُ الْكَيْلُ أَوْ الْقِيمَةُ فِيهِمَا) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَلَوْ أَدَّى الدَّقِيقَ أَوْ السَّوِيقَ أَجْزَأَهُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي طَرِيقِ الْجَوَازِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْتَبَرُ فِيهِ تَمَامُ الْكَيْلِ وَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ فِي دَقِيقِ الْحِنْطَةِ وَصَاعٌ فِي دَقِيقِ الشَّعِيرِ مِنْ شَعِيرِهَا وَإِلَيْهِ مَالَ الْكَرْخِيُّ وَالْقُدُورِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَمَامُ الْكَيْلِ اهـ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ وَدَقِيقُ كُلٍّ كَأَصْلِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَالْقُدُورِيِّ ثُمَّ بَعْدَ مَا جَزَمَ بِذَلِكَ بَيَّنَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا بِقَوْلِهِ وَاخْتَلَفُوا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَأَفَادَ بِعَطْفِ الْقِيمَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ)
стр. 1286
مِنْ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَوْ دُفِعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ عَنْ مَنْصُوصٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْمَدْفُوعُ الْكَمِّيَّةَ الْمُقَدَّرَةَ شَرْعًا فَلَوْ دَفَعَ نِصْفَ صَاعِ تَمْرٍ يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعِ بُرٍّ لَا يَجُوزُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ لِلَّذِينَ أَعْطَاهُمْ الْقَدْرَ الْمُقَدَّرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ الَّذِي دَفَعَهُ لَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ اسْتَأْنَفَ فِي غَيْرِهِمْ وَلَا يُقَالُ.
لَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً وَكَسَا خَمْسَةً فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ حَيْثُ تَجُوزُ الْكِسْوَةُ عَنْ الْإِطْعَامِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ وَكَسَا خَمْسَةً فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَخْرَجَهُ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ أَرْخَصَ مِنْ الْكِسْوَةِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْكِسْوَةُ أَرْخَصَ مِنْ الطَّعَامِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ تَمْلِيكٌ فَجَازَ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا عَنْ الْإِطْعَامِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْكِسْوَةِ مِثْلَ قِيمَةِ الطَّعَامِ فَقَدْ أَخْرَجَ قِيمَةَ الطَّعَامِ وَإِنْ كَانَتْ أَغْلَى فَقَدْ أَخْرَجَ قِيمَةَ الطَّعَامِ وَزِيَادَةً وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْكِسْوَةِ أَرْخَصَ لَا يَكُونُ الطَّعَامُ بَدَلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ طَعَامَ الْإِبَاحَةِ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ فَلَا يَقُومُ مَقَامَ التَّمْلِيكِ وَهُوَ الْكِسْوَةُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَقُومُ مَقَامَ مَا هُوَ فَوْقَهُ، وَلَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً وَكَسَا خَمْسَةً جَازَ وَجَعَلَ أَغْلَاهُمَا ثَمَنًا بَدَلًا عَنْ أَرْخَصِهِمَا ثَمَنًا أَيُّهُمَا كَانَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى مِسْكِينًا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ لَا يُجْزِيهِ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَنُقِلَ أَنَّ الْجَوَازَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ فَمَا نَقَلَهُ هُنَا مِنْ الْجَوَازِ إمَّا غَفْلَةً عَمَّا قَدَّمَهُ وَإِمَّا عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ كُلَّهَا لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ فَقِيرٍ فِيهَا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ حَتَّى فِدْيَةَ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ أَعْطَى عَنْ صَلَاةٍ أَقَلَّ مِنْ الْمِسْكِينِ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ فَرَّقَ فِي الْعِنَايَةِ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الضَّعِيفِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ أَعْطَى سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ الْحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ مُدًّا آخَرَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأَوَّلَيْنِ فَأَعْطَى سِتِّينَ آخَرِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا لَمْ يَجُزْ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أَعْطَى عَشْرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مُدًّا ثُمَّ اسْتَغْنَى الْمَسَاكِينُ ثُمَّ افْتَقَرُوا فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ مُدًّا مُدًّا لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ أَدَّى إلَى الْمُكَاتَبِينَ مُدًّا مُدًّا ثَمَّ رُدُّوا إلَى الرِّقِّ وَمَوَالِيهِمْ أَغْنِيَاءُ ثُمَّ كُوتِبُوا ثَانِيًا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا بِحَالٍ لَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ إلَيْهِمْ فَصَارُوا كَجِنْسٍ آخَرَ اهـ. .
(قَوْلُهُ لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ عَنْ ظِهَارِهِ فَفَعَلَ أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ التَّمْلِيكَ مَعْنًى وَالْفَقِيرُ قَابِضٌ لَهُ أَوَّلًا ثُمَّ لِنَفْسِهِ فَيَتَحَقَّقُ تَمَلُّكُهُ ثُمَّ تَمْلِيكُهُ كَهِبَةِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذَا سَلَّطَهُ عَلَى الْقَبْضِ وَلَمَّا كَانَ طَلَبُ التَّمْلِيكِ مُتَنَوِّعًا إلَى هِبَةٍ وَقَرْضٍ وَالْأَصْلُ الْبَرَاءَةُ لَا رُجُوعَ عَلَى الْآمِرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إنْ قَالَ الْآمِرُ عَلَى أَنْ لَا رُجُوعَ لِلْمَأْمُورِ فَلَا رُجُوعَ وَإِنْ قَالَ عَلَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيَّ رَجَعَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَكَتَ الْآمِرُ فَفِي الدَّيْنِ يَرْجِعُ اتِّفَاقًا، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ لَا يَرْجِعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرْجِعُ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَمْرِ بِقَضَاءِ
ــ
[منحة الخالق]
نَظَرَ فِي النَّهْرِ فِي هَذِهِ الْإِفَادَةِ بِأَنَّ الْقِيمَةَ أَعَمُّ مِنْ قِيمَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ.
قُلْتُ وَكَانَ حَقُّ التَّعْبِيرِ أَنْ يُقَالَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ إذْ لَا مَدْخَلَ هُنَا لِقِيمَةِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ قِيمَةِ الْمَنْصُوصِ بَيَانِيَّةٌ وَحَاصِلُ التَّنْظِيرِ أَنَّ قَوْلَ أَوْ قِيمَتُهُ أَيْ: قِيمَةُ الْمَنْصُوصِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مِنْ الْمَنْصُوصِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَعَطْفُهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ لَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ كَالْفِطْرَةِ أَفَادَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ مِنْ الْمَنْصُوصِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَارُ الشَّرْعِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ وَأَفَادَ أَنَّهُ يَمْلِكُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَخْ فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ أَوْ قِيمَتُهُ يَجِبُ كَوْنُ الْمُرَادِ بِهَا مِنْ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ مِنْهُ يَكُونُ قَدْ دَفَعَ الْمَنْصُوصَ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا فَإِذَا دَفَعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا كَوْنَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا وَالْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً وَكَسَا خَمْسَةً جَازَ) أَيْ: أَطْعَمَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَقْيِيدِهِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ (قَوْلُهُ وَقَدْ فَرَّقَ فِي الْعِنَايَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ أَنْ يُعْطِيَ الْوَاحِدَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ، وَفِي الْفِطْرَةِ خِلَافٌ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْجَوَازَ جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَدَدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ إنَّ هَذَا الْفَرْقَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ مَمْنُوعٌ اهـ.
وَقَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ دَفْعِ فَرْدٍ لِجَمْعٍ وَجَمْعٍ لِفَرْدٍ وَنَقَلْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهِمَا اهـ.
قُلْت وَالْعَجَبُ مِنْ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ يَقُولُ إنَّهُ ضَعِيف وَقَدْ قَالَ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بَعْدَهُ نَقَلَهُ عَنْ عِدَّةِ كُتُبٍ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ
стр. 1287
الدَّيْنِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالتَّكْفِيرِ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ وَاجِبٌ عَلَى الْآمِرِ وَقَدْ رَأَيْت الْفَرْقَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِمَامِ الْكَرْخِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِلَا شَرْطٍ رَجَعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا أُسْقِطَ عَنْ ذِمَّةِ الْآمِر، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا، وَلَوْ ثَبَتَ الرُّجُوعُ بِمُطْلَقِ الْآمِرِ لَرَجَعَ بِحَقٍّ مَضْمُونٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَسْقَطَ عَنْ ذِمَّتِهِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ ذَكَرَ ضَابِطًا حَسَنًا لِمَا يَرْجِعُ بِلَا شَرْطٍ وَمَا يَرْجِعُ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ فَانْظُرْهُ ثَمَّةَ قَيَّدَ بِالْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ فَأَعْتَقَ لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالْفَرْقُ عَلَى قَوْلِهِمَا أَنَّ التَّمْلِيكَ بِغَيْرِ بَدَلٍ هِبَةٌ وَلَا جَوَازَ لَهَا بِدُونِ الْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ فِي الْإِعْتَاقِ وَوُجِدَ فِي الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَالْإِطْعَامِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ سَمَّاهُ أَجْزَأَهُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا لِوُقُوعِهِ عَنْ الْمُعْتِقِ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَخَرَجَ الصَّوْمُ أَيْضًا فَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ فَصَامَ لَا يُجْزِئُهُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ الْإِطْعَامَ بِالْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ بِلَا أَمْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَلِعَدَمِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا تَكْفِيرُ الْوَارِثِ عَنْ الْمَيِّتِ فَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ يَجُوزُ الْإِطْعَامُ أَوْ الْكِسْوَةُ، وَفِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِالْإِطْعَامِ وَلَا يَجُوزُ التَّبَرُّعُ عَنْهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ بِالْإِعْتَاقِ غَيْرُ جَائِزٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ وَتَصِحُّ الْإِبَاحَةُ فِي الْكَفَّارَاتِ) أَيْ: فِي إطْعَامِ الْكَفَّارَاتِ (وَالْفِدْيَةُ دُونَ الصَّدَقَاتِ وَالْعُشْرِ) لِوُرُودِ الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْفِدْيَةِ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي التَّمْكِينِ مِنْ الطَّعْمِ وَإِنَّمَا جَازَ التَّمْلِيكُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَمْكِينٌ أَمَّا الْوَاجِبُ فِي الزَّكَاةِ الْإِيتَاءُ، وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ الْأَدَاءُ وَهُمَا لِلتَّمْلِيكِ حَقِيقَةً، فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّمْلِيكِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ لِبَعْضِ الْمَسَاكِينِ دُونَ الْبَعْضِ أَوْ أَنْ يُعْطِيَ نَوْعًا لِلْبَعْضِ وَنَوْعًا لِلْبَعْضِ قُلْت: أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا غَدَّاهُ وَأَعْطَاهُ مُدًّا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَاقْتَصَرَ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جَائِزَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَإِنْ غَدَّاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ الْعَشَاءِ أَوْ عَشَّاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ الْغَدَاءِ يَجُوزُ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: كَمَا إذَا مَلَكَ ثَلَاثِينَ وَأَطْعَمَ ثَلَاثِينَ غَدَاءً وَعَشَاءً فَهُوَ جَائِزٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَقَالَ فِي الْكَافِي وَيَجُوزُ تَكْمِيلُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ الْمُبَاحُ لَهُ الطَّعَامُ يَسْتَهْلِكُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ أَوْ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ؟ قُلْت: إذَا صَارَ مَأْكُولًا زَالَ مِلْكُ الْمُبِيحِ عَنْهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ أَحَدٍ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ قَيَّدْنَا بِالْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي الْكِسْوَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَا تَجُوزُ كَمَا لَوْ أَعَارَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ ثَوْبًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَجَعْلُ الْفِدْيَةِ كَالْكَفَّارَةِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْهُ كَفِدْيَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَمْلِيكِ الْأَرْشِ (قَوْلُهُ وَالشَّرْطُ غَدَاءَانِ وَعَشَاءَانِ مُشْبِعَانِ أَوْ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ) أَيْ: الشَّرْطُ فِي طَعَامِ الْإِبَاحَةِ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَالسَّحُورُ كَالْغَدَاءِ.
فَلَوْ غَدَّاهُمْ يَوْمَيْنِ أَوْ عَشَّاهُمْ كَذَلِكَ أَوْ غَدَّاهُمْ وَسَحَّرَهُمْ أَوْ سَحَّرَهُمْ يَوْمَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ غَدَّى سِتِّينَ مِسْكِينًا وَعَشَّى سِتِّينَ غَيْرَهُمْ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يُعِيدَ عَلَى أَحَدِ النَّوْعَيْنِ مِنْهُمْ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً، وَلَوْ غَدَّى وَاحِدًا وَعَشَّى آخَرَ لَمْ يَجُزْ وَقُيِّدَ بِالشِّبَعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ شَبْعَانُ قَبْلَ الْأَكْلِ أَوْ صَبِيٌّ لَيْسَ بِمُرَاهِقٍ لَا يُجْزِئُهُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَمَالَ الْحَلْوَانِيُّ إلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْأَكْلُ مَعْرُوفٌ وَالْأُكُلُ بِضَمَّتَيْنِ وَإِسْكَانِ الثَّانِي لِلتَّخْفِيفِ الْمَأْكُولُ وَالْأَكْلَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ وَبِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ وَالْغَدَاءُ بِالْمَدِّ طَعَامُ الْغَدَاةِ وَالْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ وَبِالْمَدِّ طَعَامُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَدْ رَأَيْت الْفَرْقَ فِي السِّرَاجِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَاهُ إنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وَلَوْ شَرَطَهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَرْجِعُ اهـ.
وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ الشَّرْطَ فَقَدْ الْتَزَمَهُ بِاخْتِيَارِهِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ إلَخْ) عِبَارَتُهَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ أَوْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ فَفَعَلَ يَرْجِعُ بِلَا شَرْطِ الرُّجُوعِ وَلَوْ قَالَ عِوَضٌ عَنْ هِبَتِي أَوْ أَعْطِهِ عَنْ كَفَّارَتِي أَوْ أَدِّ زَكَاةَ مَالِي أَوْ هَبْ لِفُلَانٍ عَنِّي أَلْفًا لَا يَرْجِعُ بِلَا شَرْطِ الرُّجُوعِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَلَكَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْمَالَ الْمَدْفُوعَ مُقَابَلًا بِمِلْكِ الْمَالِ فَمَأْمُورٌ يَرْجِعُ بِلَا شَرْطِ الرُّجُوعِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِلْكُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ غَيْرُ مُقَابَلٍ بِمِلْكِ الْمَالِ لَا يَرْجِعُ بِلَا شَرْطٍ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ يَمْلِكُ الْمَدْفُوعَ عَنْ الْأَمْرِ وَلَا فِي ضِمْنِ التَّمْلِيكِ مِنْ الْمَدْفُوعِ حَتَّى تُقْضَى الزَّكَاةُ وَالتَّعْوِيضُ وَالْكَفَّارَةُ فَإِذَا مَلَكَهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ مُقَابَلًا بِالْمِلْكِ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْآمِرِ أَيْضًا مُقَابِلًا لِلْمِلْكِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْمِلْكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ يَجِبُ لَهُ الْمِلْكُ أَمَّا إذَا مَلَكَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْمَدْفُوعَ لَا مُقَابَلًا بِالْمِلْكِ فَالْآمِرُ يَمْلِكُهُ أَيْضًا لَا مُقَابَلًا بِالْمِلْكِ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا فَلَا يَرْجِعُ بِلَا شَرْطِ الضَّمَانِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّالِثَةُ إلَخْ) أَقُولُ: ذَكَرَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَإِنْ أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَمُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمِصْبَاحِ الْأَكْلُ مَعْرُوفٌ إلَخْ)
стр. 1288
الْعِشَاءِ بِالْكَسْرِ وَالسَّحُورُ بِفَتْحِ السِّينِ مَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ مَا قَبْلَ الصُّبْحِ وَبِالضَّمِّ الْأَكْلُ وَقْتَهُ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بَعْدَ الشِّبَعِ إلَى مِقْدَارِ الطَّعَامِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَوْ قَدَّمَ أَرْبَعَةَ أَرْغِفَةٍ إلَى عَشْرَةِ مَسَاكِينَ وَشَبِعُوا أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ صَاعًا أَوْ نِصْفَ صَاعٍ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَإِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدَامِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ لِيُمْكِنَهُمْ الِاسْتِيفَاءُ إلَى الشِّبَعِ بِخِلَافِ خُبْزِ الْبُرِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي جَوَازِ إطْعَامِ خُبْزِ الشَّعِيرِ بِالْإِدَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا نَصَّ عَلَى خُبْزِ الْبُرِّ فِي الزِّيَادَاتِ فَقَالَ الْبَعْضُ: لَا يَجُوزُ بِخُبْزِ الشَّعِيرِ وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَهُ مَعَ الْإِدَامِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْكَرْخِيُّ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ أَطْعَمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْلَةً وَاحِدَةً مُشْبِعَةً لَمْ يُجْزِ إلَّا عَنْ نِصْفِ الْإِطْعَامِ فَإِنْ أَعَادَهُ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا أَجْزَأَهُ اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ أَوْصَى بِأَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ فَأَطْعَمَ الْوَصِيُّ الْغَدَاءَ لِلْعَدَدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتُوا قَبْلَ الْعَشَاءِ يَسْتَأْنِفُ فَيُغَدِّي وَيُعَشِّي غَيْرَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى التَّفْرِيقِ وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؛ إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْمَوْتِ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُكَفِّرَ إذَا غَدَّى الْعَدَدَ ثُمَّ غَابُوا أَنْ يَنْتَظِرَ حُضُورَهُمْ أَوْ يُعِيدَ الْغَدَاءَ مَعَ الْعَشَاءِ عَلَى عَدَدٍ غَيْرِهِمْ وَيَنْبَغِي فِي الْوَصِيِّ أَنْ يَنْتَظِرَ لِرَجَاءِ حُضُورِهِمْ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَعْطَى فَقِيرًا شَهْرَيْنِ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ خُلَّةِ الْمُحْتَاجِ وَالْحَاجَةُ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ فَتَكَرُّرُ الْمِسْكِينِ بِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ حُكْمًا فَكَانَ تَعْدَادًا حُكْمًا قُيِّدَ بِالتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا غَدَّاهُ وَعَشَّاهُ سِتِّينَ يَوْمًا لَا يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّمْلِيكِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ وَالْحَقُّ أَنْ لَا فَرْقَ عَلَى الْمَذْهَبِ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ لَوْ أَعْطَى طَعَامَ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ وَغَدَّاهُ وَعَشَّاهُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْخَلَّةُ بِالْفَتْحِ الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي يَوْمٍ لَا إلَّا عَنْ يَوْمِهِ) أَيْ: لَوْ أَعْطَى فَقِيرًا ثَلَاثِينَ صَاعًا فِي يَوْمٍ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ لِفَقْدِ التَّعَدُّدِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِعَدَمِ تَجَدُّدِ الْحَاجَةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا أَعْطَاهُ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مُتَفَرِّقًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي طَعَامِ الْإِبَاحَةِ لَا يَجُوزُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَإِنْ فَرَّقَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالْكِسْوَةُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَالْإِطْعَامِ حَتَّى لَوْ أَعْطَى مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشْرَةَ أَثْوَابٍ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ تَجَدُّدِ الزَّمَانِ، وَفِي الْبَدَائِعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَوْ غَدَّى رَجُلًا وَاحِدًا عِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ عَشَّى وَاحِدًا عِشْرِينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أَعْطَى مِسْكِينًا عَنْ فِدْيَةِ صَوْمٍ يَوْمَيْنِ عَلَيْهِ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُجْزِئُهُ قِيلَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَسْتَأْنِفُ بِوَطْئِهَا فِي خِلَالِ الْإِطْعَامِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا شَرَطَ فِي التَّحْرِيرِ وَالصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّمَاسِّ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْإِطْعَامِ وَلَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَإِنْ وَرَدَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ كَذَا فِي الْكَافِي إلَّا أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ قَبْلَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الصَّوْمِ وَالْإِعْتَاقِ فَتَنْتَقِلُ الْكَفَّارَةُ إلَيْهِمَا فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْوَطْءَ كَانَ حَرَامًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَطْعَمَ عَنْ ظِهَارَيْنِ سِتِّينَ فَقِيرًا كُلَّ فَقِيرٍ صَاعًا صَحَّ عَنْ وَاحِدٍ وَعَنْ إفْطَارٍ وَظِهَارٍ وَصَحَّ عَنْهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ زَادَ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ وَنَقَصَ عَنْ الْمَحَلِّ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِقَدْرِ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ وَفِي الْجِنْسَيْنِ مُعْتَبَرَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَطْعَمَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ عَنْ يَمِينَيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الظِّهَارَانِ لِامْرَأَتَيْنِ أَوْ لِوَاحِدَةٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّقْصَانَ عَنْ الْعَدَدِ لَا يَجُوزُ فَالْوَاجِبُ فِي الظِّهَارَيْنِ إطْعَامُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُ الْوَاجِبِ إلَى الْأَقَلِّ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ وَاحِدٍ صَاعًا فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي عَنْ ظِهَارٍ وَاحِدٍ وَالْمُرَادُ بِالْمَدْفُوعِ الْبُرُّ؛ إذْ لَوْ كَانَ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا فَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَعْطَى لِكُلِّ فَقِيرٍ صَاعَيْنِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ يَكُونَ
ــ
[منحة الخالق]
يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَعَادَهُ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا جَازَ) أَيْ: سِتِّينَ مِنْ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ.
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي فِي الْوَصِيِّ أَنْ يُنْتَظَرَ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَنْبَغِي الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ وُجُودِهِمْ فَيَسْتَأْنِفَ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ قَبْلَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ حَالَ قِيَامِ الْعَجْزِ بِالْفَقْرِ وَالْكِبَرِ وَالْمَرَضِ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ أَمْرٌ مَوْهُومٌ وَبِاعْتِبَارِ الْأُمُورِ الْمَوْهُوبَةِ لَا تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ ابْتِدَاءً بَلْ يَثْبُتُ الِاسْتِحْبَابُ وَرَعًا فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلَ الْفَصْلِ مِنْ النَّصِّ
стр. 1289
دَفَعَهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً أَمَّا لَوْ كَانَ بِدَفَعَاتٍ جَازَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْكَافِي مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ كَمِسْكِينٍ آخَرَ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّعْيِينِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِتَمْيِيزِ بَعْضِ أَشْخَاصِ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَقَدْ اعْتَبَرُوا ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ لِامْرَأَتَيْنِ فَأَعْتَقَ عَبْدًا نَاوِيًا عَنْ إحْدَاهُمَا صَحَّ تَعْيِينُهُ وَلَمْ يَلْغُ وَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَلْيَصِحَّ فِي الْإِطْعَامِ لِثُبُوتِ غَرَضِهِ وَهُوَ حِلُّهُمَا مَعًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَرَّرَ عَبْدَيْنِ عَنْ ظِهَارَيْنِ وَلَمْ يُعَيِّنْ صَحَّ عَنْهُمَا وَمِثْلُهُ الصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ) حَتَّى لَوْ صَامَ عَنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُمَا مِائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا صَحَّ عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى نِيَّةِ التَّعْيِينِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ عَنْ ظِهَارَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ وَكَفَّارَةُ قَتْلٍ فَأَعْتَقَ عَبِيدًا عَنْ الْكَفَّارَاتِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَلَوْ أَعْتَقَ كُلَّ رَقَبَةٍ نَاوِيًا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهَا جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ حَرَّرَ عَنْهُمَا رَقَبَةً أَوْ صَامَ شَهْرَيْنِ صَحَّ عَنْ وَاحِدٍ وَعَنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ لَا) ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ، وَفِي الْمُخْتَلِفِ مُفِيدٌ فَإِذَا لَغَا لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّهمَا شَاءَ وَيُجَامِعُ مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا وَأَرَادَ بِالرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةَ، أَمَّا لَوْ أَعْتَقَ كَافِرَةً عَنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ كَانَ عَنْ الظِّهَارِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَةَ لَا تَصْلُحُ لِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَجَعَلَ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ نَظِيرًا حَسَنًا هُوَ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِهَا أَوْ أُخْتِهَا وَنَكَحَهُمَا مَعًا فَإِنْ كَانَتَا فَارِغَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُتَزَوِّجَةً صَحَّ فِي الْفَارِغَةِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ سَبَبُهُ فَهُوَ الْمُخْتَلِفُ وَمَا اتَّحَدَ سَبَبُهُ فَهُوَ الْمُتَّحِدُ فَالصَّلَوَاتُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلِفِ حَتَّى الظُّهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ وَصَوْمُ أَيَّامِ رَمَضَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّحِدِ إنْ كَانَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلِفِ.
وَلَوْ نَوَى ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ لَمْ يَكُنْ شَارِعًا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِلتَّنَافِي وَعَدَمِ الرُّجْحَانِ، وَلَوْ نَوَى ظُهْرًا وَنَفْلًا لَمْ يَكُنْ شَارِعًا أَصْلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلتَّنَافِي وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى، وَلَوْ نَوَى صَوْمَ الْقَضَاءِ وَالنَّفَلِ أَوْ الزَّكَاةَ وَالتَّطَوُّعَ أَوْ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ، وَالتَّطَوُّعُ يَكُونُ تَطَوُّعًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِبُطْلَانِهِمَا بِالتَّعَارُضِ فَانْصَرَفَ إلَى النَّفْلِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ عَنْ الْأَقْوَى تَرْجِيحًا لَهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَلَوْ نَوَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَالتَّطَوُّعَ فَهُوَ عَنْ الْحَجَّةِ اتِّفَاقًا لِلْقُوَّةِ عِنْدَ الثَّانِي وَلِبُطْلَانِ الْجِهَةِ بِالتَّعَارُضِ وَهِيَ تَتَأَدَّى بِالْمُطْلَقِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتُ أَيْمَانٍ أَعْتَقَ عَنْ إحْدَاهُنَّ وَأَطْعَمَ عَنْ أُخْرَى وَكَسَا عَنْ أُخْرَى أَوْ أَعْتَقَ عَنْهَا عَبْدًا وَلَا يَنْوِي كُلَّ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا جَازَ اسْتِحْسَانًا خِلَافًا لِزُفَرَ نَظَرًا إلَى أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَنَحْنُ نَقُولُ الْجِنْسُ مُتَّحِدٌ فَهُوَ كَالصَّوْمِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ ثَمَّةَ لَمْ تُشْتَرَطْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَاجِبَ مُخْتَلِفٌ مُتَعَدِّدٌ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ إلَّا بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ تَكْفِيهِ نِيَّةُ الظُّهْرِ لَا غَيْرُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ فِي الصَّلَوَاتِ يَنْبَغِي حِفْظُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا نَوَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَدْ اعْتَبَرُوا ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ بِأَنَّ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ يَصْلُحُ كَفَّارَةً عَنْ أَحَدِ الظِّهَارَيْنِ قَدْرًا وَمَحَلًّا فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ فَأَمَّا إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا فَإِنْ صَلُحَ عَنْ الظِّهَارَيْنِ قَدْرًا لَمْ يَصْلُحْ لَهُمَا مَحَلًّا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِسْكِينًا عِنْدَ عَدَمِ التَّفْرِيقِ فَإِذَا زَادَ فِي الْوَظِيفَةِ وَنَقَصَ عَنْ الْمَحَلِّ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ قَدْرُ الْمَحَلِّ احْتِيَاطًا كَمَا لَوْ أَعْطَى ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا كُلَّ وَاحِدٍ صَاعًا اهـ.
قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ فِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّهُ لِمَ لَا يَكْفِي التَّفَرُّقُ الْحُكْمِيُّ بِنِيَّةِ التَّوْزِيعِ كَمَا كَفَى التَّعَدُّدُ الْحُكْمِيُّ فِيمَا إذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا اهـ.
وَأَصْلُ الْبَحْثِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ قِيلَ مَعْنَاهُ نَوَى التَّوْزِيعَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَكَانَتْ لَغْوًا وَإِذَا لَغَتْ صَارَ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ الظِّهَارَيْنِ وَلَمْ يَنْوِ عَنْهُمَا وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَتَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّوْزِيعَ فِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ فَكَانَتْ مُعْتَبَرَةً فَلَا يَكُونُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُحِيطِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ وَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى أَيْ: مِنْ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ إلَخْ. قَالَ: وَلِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحِيطِ لَجَازَ مَعَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ أَيْضًا لِإِمْكَانِ صَرْفِهِ إلَى الْأَوَّلِ؛ إذْ لَا يَجِبُ التَّعْيِينُ عِنْدَ التَّرْتِيبِ وَلَا يُفِيدُ اهـ.
стр. 1290
شَيْئَيْنِ فَإِنْ كَانَا فَرْضَيْنِ لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَرْضًا وَالْآخَرُ نَفْلًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ عَنْ الْأَقْوَى سَوَاءٌ كَانَ الْأَقْوَى يَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَوْ لَا كَالصَّلَاةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَوَّلِ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ النِّيَّتَانِ لِلتَّعَارُضِ بَقِيَ مُطْلَقُ النِّيَّةِ وَفِي الثَّانِي لَمْ يَصِحَّ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِمَّا يُعَكِّرُ عَلَى الْأَصْلِ الْمُمَهَّدِ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُنْتَقَى لَوْ تَصَدَّقَ عَنْ يَمِينٍ وَظِهَارٍ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا اسْتِحْسَانًا، وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مَسَائِلَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَارْجِعْ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُمْ هُنَا لَوْ نَوَى ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ بِوَاوِ الْعَطْفِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِأَوْ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ نَوَى ظُهْرًا أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ كَانَ عَنْ الظُّهْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ لِامْرَأَتَيْنِ فَأَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ إحْدَاهُمَا صَحَّ التَّعْيِينُ وَلَهُ أَنْ يَطَأَ الَّتِي كَفَّرَ عَنْهَا دُونَ الْأُخْرَى وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ نِيَّةَ تَعْيِينِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ فِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ لَغْوٌ وَقَدْ قَرَّرَ الْمُرَادَ فِي النِّهَايَةِ بِمَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ فَقَالَ أَرَادَ بِهِ تَعْمِيمَ الْجِنْسِ بِالنِّيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ ظِهَارَ إحْدَاهُمَا لِلتَّكْفِيرِ صَحَّ وَحَلَّ لَهُ قُرْبَانُهَا كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ اللِّعَانِ)
مَصْدَرُ لَاعَنَ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا يُقَالُ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا، وَتَلَاعَنَا وَالْتَعَنَا لَعَنَ بَعْضٌ بَعْضًا، وَلَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لِعَانًا حَكَمَ، وَالتَّلْعِينُ التَّعْذِيبُ وَلَعَنَهُ كَجَعَلَهُ طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ فَهُوَ لَعِينٌ وَمَلْعُونٌ وَالْجَمْعُ مَلَاعِينُ وَالِاسْمُ اللِّعَانُ وَاللِّعَانِيَةُ وَاللَّعْنُ بِالضَّمِّ مَنْ يَلْعَنُهُ النَّاسُ وَاللُّعَنَةُ كَهُمَزَةٍ الْكَثِيرُ اللَّعْنِ لَهُمْ وَاللَّعِينُ مَنْ يَلْعَنُهُ كُلُّ وَاحِدٍ كَالْمُلَعَّنِ وَالشَّيْطَانُ وَالْمَمْسُوخُ وَالْمَشْئُومُ وَالْمُسَيَّبُ وَمَا يُتَّخَذُ فِي الْمَزَارِعِ كَهَيْئَةِ الرَّجُلِ وَالْمُخْزَى الْمُهْلَكُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْآيَاتُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦] ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ هِلَالٌ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إنِّي لَصَادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] . فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمَا فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَعَظَهَا وَقَالَ إنَّهَا مُوجِبَةٌ فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ ثُمَّ قَالَتْ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فَمَضَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ شَائِعَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» .
فِي الْمِصْبَاحِ خَدَلَّجَ أَيْ: ضَخْمَ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ «جَاءَ عُوَيْمِرٌ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَدْ قَرَّرَ الْمُرَادَ فِي النِّهَايَةِ إلَخْ) وَمِثْلُهُ فِي الْكِفَايَة وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْيِينِ اللَّغْوُ تَعْيِينُ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ لَا فَرْدٍ خَاصٍّ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعِنَايَةِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالتَّوْزِيعِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا رُجِّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ
[بَابُ اللِّعَانِ]
стр. 1291
فَقَالَ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَيُقْتَلُ بِهِ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَقِيَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ إنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَابَ السَّائِلَ فَقَالَ عُوَيْمِرٌ وَاَللَّهِ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِهَا فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ إنْ انْطَلَقْتُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَصَارَتْ سُنَّةً لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ فَلَا أُرَاهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أُرَاهُ إلَّا كَاذِبًا فَجَاءَتْ بِهِ مِثْلَ النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ» وَذَكَرَ الْبِقَاعِيُّ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْآيَةِ الْوَاحِدَةِ عِدَّةُ أَسْبَابٍ مَعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا اهـ.
وَتَمَامُ الرِّوَايَاتِ بِاخْتِلَافِ طُرُقِهَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلْجَلَالِ الْأَسْيُوطِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلُهُ هِيَ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّهِ وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا) ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلرُّكْنِ فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّتِهِمَا لِلشَّهَادَةِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ لَا أَهْلِيَّةَ الْيَمِينِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ الْتَعَنَا عِنْدَ قَاضٍ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا حَتَّى مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَإِنَّ الثَّانِيَ يُعِيدُ اللِّعَانَ كَمَا لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ فَمَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَا مُطْلَقًا؛ إذْ لَوْ كَانَ مُطْلَقًا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا مَعَ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي الِاخْتِيَارِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ اللِّعَانِ أَبَدًا.
وَلَوْ قَذَفَ بِكَلِمَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ لَهُ بِالزِّنَا لَا يَكْفِيهِ لِعَانٌ وَاحِدٌ لَهُنَّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُلَاعِنَ كُلًّا مِنْهُنَّ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا قَذَفَهَا مِرَارًا حَيْثُ يَجِبُ لِعَانٌ وَاحِدٌ كَمَا لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً مِرَارًا أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ دَفْعُ الْعَارِ عَنْهُنَّ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي اللِّعَانِ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَذَفَهُنَّ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ اُكْتُفِيَ بِحَدٍّ وَاحِدٍ لِلْكُلِّ لِلتَّدَاخُلِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّوْجِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ اللِّعَانُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَا بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَلَا بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَإِذَا قَذَفَهَا إنْسَانٌ بَعْدَ اللِّعَانِ إنْ رَمَاهَا زَوْجُهَا بِالزِّنَا ثُمَّ قَذَفَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ حُدَّ؛ لِأَنَّ لِعَانَهُ كَحَدِّهِ مُؤَكِّدٌ لِعِفَّتِهَا.
وَإِنْ قَذَفَهَا بِنَفْيِ الْوَلَدِ ثُمَّ قَذَفَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لَا يُحَدُّ لِوُجُودِ أَمَارَةِ الزِّنَا وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ ثُمَّ قَذَفَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ حُدَّ الْقَاذِفُ سَوَاءٌ كَانَ اللِّعَانُ بِالزِّنَا أَوْ بِنَفْيِ الْوَلَدِ وَسَبَبُهُ قَذْفُهُ لِزَوْجَتِهِ يُوجِبُ الْحَدَّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَهْلُهُ أَهْلُ الْأَدَاءِ لِلشَّهَادَةِ.
وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الْوَطْءِ بَعْدَ التَّلَاعُنِ وَلَوْ قَبْلَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَوُجُوبُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا وَوُقُوعُ الْبَائِنِ بِالتَّفْرِيقِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ الْحَدِّ سَوَاءٌ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أَوْ إلَيْهَا أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالْإِبْرَاءَ وَالصُّلْحَ عَلَى مَالٍ حَتَّى لَوْ صَالَحَهَا عَلَى التَّرْكِ بِمَالٍ رَدَّتْ الْمَالَ وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْعَفْوِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْكِيلَ إلَّا فِي إثْبَاتِهِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ كَالْحُدُودِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَدَّيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّهِ إنْ كَانَ كَاذِبًا وَهِيَ صَادِقَةٌ وَقَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً وَهُوَ صَادِقٌ فَافْهَمْ.
[شَرَائِطُ وُجُوبِ اللِّعَانِ]
وَفِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا شَرَائِطُ وُجُوبِ اللِّعَانِ فَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاذِفِ خَاصَّةً وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْذُوفِ خَاصَّةً وَبَعْضُهَا إلَيْهِمَا جَمِيعًا وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْذُوفِ فِيهِ وَبَعْضُهَا إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاحِدٌ وَهُوَ عَدَمُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْكَارُهَا وُجُودَ الزِّنَا مِنْهَا وَعِفَّتُهَا عَنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَالزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالنُّطْقُ وَعَدَمُ الْحَدِّ فِي قَذْفٍ فَلَا لِعَانَ فِي قَذْفِ الْمَنْكُوحَةِ فَاسِدًا وَلَا
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1292
يَقْذِفُ الْمُبَانَةَ، وَلَوْ وَاحِدَةً بِخِلَافِ قَذْفِ الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، وَلَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِزِنًا كَانَ قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ وَجَبَ اللِّعَانُ وَلَا لِعَانَ بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ الْمَيِّتَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُلَاعِنُ عَلَى قَبْرِهَا، وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ فَهُوَ الزِّنَا، وَأَمَّا الْمَقْذُوفُ فِيهِ فَدَارُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْقَذْفِ فَالرَّمْيُ بِصَرِيحِ الزِّنَا وَسَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا وَصَلُحَا شَاهِدَيْنِ وَهِيَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا أَوْ نَفَى نَسَبَ الْوَلَدِ وَطَالَبَتْهُ بِمُوجِبِ الْقَذْفِ وَجَبَ اللِّعَانُ) أَيْ: بِصَرِيحِ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ فَلَوْ قَذَفَهَا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ فَلَا لِعَانَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ اللِّعَانُ بِنَاءً عَلَى الْحَدِّ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَةَ رَجُلٍ فَقَالَ الزَّوْجُ صَدَقْتَ هِيَ كَمَا قُلْت كَانَ قَاذِفًا حَتَّى يُلَاعِنَ، وَلَوْ قَالَ صَدَقْتَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا اهـ.
وَضَمِيرُ صَلُحَا لِلزَّوْجَيْنِ وَأَطْلَقَهَا فَشَمِلَ غَيْرَ الْمَدْخُولَةِ وَالْمُرَادُ صَلَاحِيَّتُهُمَا لِأَدَائِهَا عَلَى الْمُسْلِمِ لَا لِلتَّحَمُّلِ فَلَا لِعَانَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ وَإِنْ قُبِلَتْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ فَلَا يُكْتَفَى بِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ أَهْلِيَّةِ الْيَمِينِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَلَا بَيْنَ كَافِرَةٍ وَمُسْلِمٍ وَلَا بَيْنَ مَمْلُوكَيْنِ وَلَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ لِعَانُ الْأَعْمَى وَالْفَاسِقِ فَإِنَّهُ يَجْرِي بَيْنَ الْأَعْمَيَيْنِ وَالْفَاسِقَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ لِلْفِسْقِ فِي الْفَاسِقِ وَلِعَدَمِ التَّمْيِيزِ فِي الْأَعْمَى حَتَّى لَوْ قَضَى قَاضٍ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ وَالْأَعْمَى صَحَّ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَمْلُوكِ أَوْ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ الزَّوْجِيَّةُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْصُلَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْأَعْمَى لَا يُلَاعِنُ وَقُيِّدَ بِكَوْنِهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَتْ وُطِئَتْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ أَوْ زَنَتْ فِي عُمْرِهَا، وَلَوْ مَرَّةً أَوْ وُطِئَتْ وَطْئًا حَرَامًا، وَلَوْ مَرَّةً بِشُبْهَةٍ لَا يَجْرِي اللِّعَانُ.
وَتَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لَوْ قَذَفَهَا فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَادَّعَى الْأَوَّلُ الْوَلَدَ لَزِمَهُ وَحُدَّ لِلْقَذْفِ وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ الثَّانِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَبْلَ إكْذَابِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِكْذَابِ لَاعَنَ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمَقْذُوفَةُ دُونَهُ اخْتَصَّتْ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهَا مِمَّنْ يُحَدَّ قَاذِفُهَا بَعْدَ اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَلَمَّا كَانَ الزَّوْجُ لَيْسَ مَقْذُوفًا وَإِنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ اُشْتُرِطَ فِي حَقِّهِ كَمَا اُشْتُرِطَ فِي حَقِّهَا أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ وَلَمْ تُشْتَرَطْ عِفَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاسِقًا بِالزِّنَا جَرَى اللِّعَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَرَيَانِهِ بَيْنَ الْفَاسِقَيْنِ فَهَذَا وَجْهُ تَخْصِيصِهَا بِهَذَا الشَّرْطِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِحُ رَدًّا عَلَى صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَأَرَادَ بِكَوْنِهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا أَنْ تَكُونَ عَفِيفَةً عَنْ الزِّنَا فَقَطْ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ وَالْإِسْلَامِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ إلَّا الْعِفَّةُ كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ.
وَأَرَادَ بِنَفْيِ نَسَبِ الْوَلَدِ نَفْيَ نَسَبِ وَلَدِهَا وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ وَلَدَهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ الزِّنَا أَوْ هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي وَمَا إذَا صَرَّحَ مَعَهُ بِالزِّنَا أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ عَلَى مُخْتَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالشَّارِحِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْمُبْتَغَى وَالْحَقُّ الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّ قَطْعَ النَّسَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَسْتَلْزِمُ الزِّنَا فَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِهِ بِوَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ هَذَا الِاحْتِمَالُ سَاقِطٌ بِالْإِجْمَاعِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ إنْ نَفَاهُ عَنْ الْأَبِ الْمَشْهُورِ بِأَنْ قَالَ لَهُ لَسْتَ لِأَبِيكَ يَكُونُ قَاذِفًا لِأُمِّهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ حَدُّ الْقَذْفِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ لَا يَجِبُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ بِنَفْيِ الْوَلَدِ عَنْ أَبِيهِ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالزِّنَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الرِّضَا وَقَوْلُ مَنْ أَوْجَبَهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْغَضَبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ إلْزَامُ التَّنَاقُضِ عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالدِّرَايَةِ وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِمْ بِالتَّفْصِيلِ فِي بَابِ حَدِّ الْقَذْفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَجَدْت مَعَهَا رَجُلًا يُجَامِعُهَا فَإِنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَتَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ) أَيْ كَوْنُهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا وَقَوْلُهُ لَوْ قَذَفَهَا أَيْ بِنَفْيِ الْوَلَدِ كَمَا هُوَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَوْلُهُ فَادَّعَى الْوَلَدَ الْأَوَّلَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأَوَّلُ الْوَلَدُ بِتَقْدِيمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ فَاعِلُ ادَّعَى وَقَوْلُهُ لَزِمَهُ أَيْ: لَزِمَ الْوَلَدُ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ وَقَوْلُهُ وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ الثَّانِي أَيْ: وَقَذَفَهَا بِنَفْيِ الْوَلَدِ وَقَوْلُهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى الثَّانِي بِذَلِكَ الْقَذْفِ إنْ كَانَ قَبْلَ إكْذَابِ الْأَوَّلِ أَيْ: إكْذَابِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ نَفْسَهُ بِدَعْوَى الْوَلَدِ وَإِنَّمَا كَانَ لَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ لَهَا وَلَدًا لَيْسَ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ فَكَانَ شُبْهَةُ الزِّنَا أَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدَ مَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَالشُّبْهَةُ مُنْتَفِيَةٌ فَيُلَاعِنُ الزَّوْجُ الثَّانِي تَأَمَّلْ
стр. 1293
لَيْسَ بِقَذْفٍ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَسْتَلْزِمُ الزِّنَا وَقُيِّدَ بِطَلَبِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُطَالِبْهُ فَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهَا لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْهَا فَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَمُرَادُهُ طَلَبُهَا إذَا كَانَ الْقَذْفُ بِصَرِيحِ الزِّنَا إمَّا بِنَفْيِ الْوَلَدِ فَالطَّلَبُ حَقُّهُ أَيْضًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَفْيِ مَنْ لَيْسَ وَلَدُهُ عَنْهُ وَأَشَارَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِ فِي الطَّلَبِ إلَى أَنَّ سُكُوتَهَا لَا يُبْطِلُ حَقَّهَا وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ تَقَادُمَ الزَّمَانِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْحَقِّ فِي الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَزَادَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ، وَلَوْ سَكَتَتْ وَلَمْ تَرْفَعْ إلَى الْحَاكِمِ كَانَ أَفْضَلَ وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لَهَا اُتْرُكِي وَأَعْرِضِي عَنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى السَّتْرِ فَإِنْ تَرَكَتْ مُدَّةً ثُمَّ خَاصَمَتْ فَلَهَا ذَلِكَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُجُوبَ اللِّعَانِ مُقَيَّدٌ بِعَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَاهَا وَعَدَمِ إكْذَابِ نَفْسِهِ بَعْدَهُ وَعَدَمِ تَصْدِيقِهَا لَهُ.
فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى زِنَاهَا فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةَ رِجَالٍ رُجِمَتْ لَوْ مُحْصَنَةً وَجُلِدَتْ لَوْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ وَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ فَقَطْ عَلَى إقْرَارِهَا بِالزِّنَا يَنْدَرِئُ اللِّعَانُ وَلَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ، وَكَذَا لَوْ كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ شَهِدُوا عَلَى تَصْدِيقِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا وَلَا لِعَانَ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْقَذْفِ فَإِنْ أَنْكَرَهُ فَأَقَامَتْ رَجُلَيْنِ وَجَبَ اللِّعَانُ لَا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ لَا يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ ﵀ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ عَلَى زِنَاهَا مَعَ ثَلَاثَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ قَذَفَهَا وَإِلَّا فَلَا تُقْبَلُ وَتُحَدُّ الثَّلَاثَةُ حَدَّ الْقَذْفِ وَيُلَاعِنُ الزَّوْجُ، وَلَوْ لَمْ يَقْذِفْهَا وَشَهِدَ مَعَ ثَلَاثَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلَا لِعَانَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِيهِ أَيْضًا، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا أَنَّهُ قَذَفَ ضَرَّةَ أُمِّهِمَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا يَشْهَدَانِ لِأُمِّهِمَا بِخُلُوصِ الْفِرَاشِ لَهَا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَبُوهُمَا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَذْفَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ دُونَ اللِّعَانِ.
قَالَ وَلَا بُدَّ فِي وُجُوبِ اللِّعَانِ مِنْ أَنْ لَا يَقْذِفَ أُمَّهَا فَلَوْ قَالَ لَهَا يَا زَانِيَةُ بِنْتُ الزَّانِيَةِ وَجَبَ الْحَدُّ لِقَذْفِ أُمِّهَا وَاللِّعَانُ لِقَذْفِهَا فَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى الْمُطَالَبَةِ بَدَأَ بِحَدِّهِ لِيَسْقُطَ اللِّعَانُ بِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ لَمْ تُطَالِبْ الْأُمُّ وَطَالَبَتْهُ الْمَرْأَةُ وَجَبَ اللِّعَانُ وَيُحَدُّ لِلْأُمِّ بِطَلَبِهَا بَعْدَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بَعْدَ اللِّعَانِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ إقَامَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهَا مَيِّتَةً فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِمَا فَإِنْ خَاصَمَتْهُ فِيهِمَا بَدَأَ بِالْحَدِّ لِيَسْقُطَ اللِّعَانُ وَإِنْ بَدَأَتْ بِالْخُصُومَةِ لِنَفْسِهَا وَجَبَ اللِّعَانُ ثُمَّ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِقَذْفِ أُمِّهَا فَيُحَدُّ لَهُ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً بِالزِّنَا ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِاللِّعَانِ وَالْحَدِّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ قَذْفَانِ، وَفِي تَقْدِيمِ مُوجِبِ أَحَدِهِمَا إسْقَاطُ الْآخَرِ بَدَأَ بِالْمُسْقِطِ كَمَا إذَا قَذَفَهَا وَقَذَفَتْهُ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِحَدِّهَا لِيَسْقُطَ اللِّعَانُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ حَدِّ الْقَذْفِ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ وَجَبَ الْحَدُّ وَلَا لِعَانَ، وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ اهـ. .
وَلَوْ قَالَ قَذَفْتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ أَوْ قَدْ زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ فَهُوَ قَذْفٌ فِي الْحَالِ فَيُلَاعِنُ وَمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ مِنْ أَنَّهُ يُلَاعِنُ فِي قَوْلِهِ زَنَيْت وَيُحَدُّ فِي قَوْلِهِ قَذَفْتُك قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك أَوْجَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَبَى حُبِسَ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فَيُحَدُّ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ فِي اللِّعَانِ وَهُوَ التَّكَاذُبُ هَكَذَا قَالُوا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَذْفَ هُوَ السَّبَبُ فَإِنَّ التَّكَاذُبَ شَرْطُ قَيْدِ وُجُوبِ الْحَدِّ بِالْإِكْذَابِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ بِمُجَرَّدِ الِامْتِنَاعِ مِنْ اللِّعَانِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهِ سَهْوٌ لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَصْحَابِنَا وَحَمْلُهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ بَعِيدٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النَّقْلِ وَلِأَنَّ الْوَلْوَالِجِيَّ ذَكَرَ أَنَّهَا لَوْ امْتَنَعَتْ بَعْدَ لِعَانِهِ تُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَاعَنَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَالطَّلَبُ حَقُّهُ أَيْضًا) أَيْ: حَقُّ الْقَاذِفِ لَا حَقُّ الْوَلَدِ كَمَا فَهِمَهُ شَارِحُ التَّنْوِيرِ.
(قَوْلُهُ لَا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ كَمَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ فَقَوْلُهُ فِي النَّهْرِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ سَبْقُ قَلَمٍ
стр. 1294
وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَفَادَ أَنَّ لِعَانَهَا مُؤَخَّرٌ عَنْ لِعَانِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الشَّاهِدِ عَلَيْهَا بِقَذْفِهِ وَهِيَ مُسْقِطَةٌ بِشَهَادَتِهَا مَا حَقَّقَهُ عَلَيْهَا مِنْ الزِّنَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَبْتَدِئَ الْمَرْأَةُ كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يُسْقِطُ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ، وَفِي الِاخْتِيَارِ فَإِنْ الْتَعَنَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الزَّوْجُ أَعَادَتْ لِيَكُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَشْرُوعِ فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْإِعَادَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَلَاعُنُهُمَا وَقَدْ وُجِدَ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ أَبَتْ حُبِسَتْ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَقُلْ أَوْ تُصَدِّقُهُ فَتُحَدُّ لِلزِّنَا كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُورِيِّ لِكَوْنِهِ غَلَطًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً فَكَيْفَ يَجِبُ بِالتَّصْدِيقِ مَرَّةً وَهُوَ لَا يَجِبُ بِالتَّصْدِيقِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ قَصْدًا فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْحَدِّ وَيُعْتَبَرُ فِي دَرْئِهِ لِيَنْدَفِعَ بِهِ اللِّعَانُ وَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، وَلَوْ صَدَّقَتْهُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ وَهُوَ وَلَدُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ إبْطَالَ حَقِّهِ قَصْدًا وَالنَّسَبُ إنَّمَا يَنْتَفِي بِاللِّعَانِ وَلَمْ يُوجَدْ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَتَبِعَهُ شَارِحُ النُّقَايَةِ مِنْ أَنَّهَا إذَا صَدَّقَتْهُ يَنْتَفِي نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ مَا إذَا امْتَنَعَا مِنْ اللِّعَانِ بَعْدَ مَا تَرَافَعَا.
وَصَرَّحَ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُمَا يُحْبَسَانِ إذَا امْتَنَعَا مِنْ اللِّعَانِ بَعْدَ الثُّبُوتِ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَعْفُ الْمَرْأَةُ أَمَّا إذَا عَفَتْ فَإِنَّهُ لَا يَحْبِسُهُمَا كَمَا لَوْ عَفَا الْمَقْذُوفُ فَإِنَّا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَاللِّعَانِ إلَّا أَنَّهُمَا لَا يُقَامَانِ إلَّا بِطَلَبٍ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ الْآيَةِ يَشْهَدُ لِلشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا إذَا امْتَنَعَتْ مِنْ اللِّعَانِ تُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨] أَيْ: الْحَدَّ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ أَيْ: الْعَذَابِ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ وَهُوَ الْحَدُّ قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْهُدْهُدِ ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ لَأَحْبِسَنَّهُ وَالِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي قَذْفِ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْحَدُّ عَمَلًا بِالْآيَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ وَبَيَّنَ بِآيَةِ اللِّعَانِ أَنَّ الْقَاذِفَ إذَا كَانَ زَوْجًا لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْحَدَّ عَنْهُ بِاللِّعَانِ وَإِذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ زَوْجَةَ الْقَاذِفِ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ حَدَّ الزِّنَا عَنْهَا بِلِعَانِهَا فَأَيُّهُمَا امْتَنَعَ عَنْ اللِّعَانِ وَجَبَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْحَدُّ.
وَعِنْدَنَا آيَةُ اللِّعَانِ نَاسِخَةٌ لِلْأُولَى فِي حَقِّ الزَّوْجَاتِ؛ لِأَنَّ الْخَاصَّ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ الْعَامِّ يَنْسَخُ الْعَامَّ بِقَدْرِهِ فَلَمْ تَبْقَ الْآيَةُ الْأُولَى مُتَنَاوِلَةً لِلزَّوْجَاتِ فَصَارَ الْوَاجِبُ بِقَذْفِ الزَّوْجَةِ اللِّعَانَ فَأَيُّهُمَا امْتَنَعَ عَنْهُ حُبِسَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ كَالْمَدْيُونِ إذَا امْتَنَعَ عَنْ إيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ وَلِذَا «لَمَّا قَذَفَ هِلَالٌ زَوْجَتَهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ يُوجِبُ الْحَدَّ كَقَذْفِ الْأَجْنَبِيَّاتِ ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ انْتَسَخَ فِي حَقِّ الزَّوْجَاتِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ شَاهِدًا حُدَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ لَا مِنْ جِهَتِهَا صُيِّرَ إلَى الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ وَعَدَمُ صَلَاحِيَّتِهِ لِلشَّهَادَةِ بِكَوْنِهِ عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ أَوْ كَافِرًا بِأَنْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ قَذَفَهَا قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ وَالْأَصْلُ أَنَّ اللِّعَانَ إذَا سَقَطَ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ فَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ صَحِيحًا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَذْفُ صَحِيحًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَلَوْ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ شَاهِدًا وَكَانَ أَهْلًا لِلْقَذْفِ حُدَّ لَكَانَ أَوْلَى وَفِي الْيَنَابِيعِ زَوْجَانِ كَافِرَانِ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ الزَّوْجُ وَلَمْ يَعْرِضْ الْقَاضِي الْإِسْلَامَ عَلَيْهِ حَتَّى قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنْ أُقِيمَ بَعْضُ الْحَدِّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَقَذَفَهَا ثَانِيًا.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أُقِيمَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْحَدِّ ثُمَّ يُلَاعِنَا وَقَالَ زُفَرُ: لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا، وَفِي النَّافِعِ وَإِنْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فَأَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَقَذَفَهَا قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ الْإِسْلَامَ عَلَيْهِ فَلَا لِعَانَ وَيُحَدُّ الزَّوْجُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ وَإِنْ صَلُحَ وَهِيَ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ) ؛ لِأَنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ عَفِيفَةً فَهُوَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ إنَّهُمَا يُحْبَسَانِ إذَا امْتَنَعَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي فِي حَبْسِهَا بَعْدَ امْتِنَاعِهِ نَوْعُ إشْكَالٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَهُ فَقَبْلَهُ لَيْسَ امْتِنَاعًا لِحَقٍّ وَجَبَ وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إغْفَالِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ لِهَذَا فَتَدَبَّرْهُ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ إنَّهُ بَعْدَ التَّرَافُعِ مِنْهُمَا صَارَ إمْضَاءُ اللِّعَانِ مِنْ حَقِّ الشَّارِعِ وَهِيَ لَمْ تَعْفُ فَالْقَاضِي يُطَالِبُ كُلًّا فَبِإِظْهَارِهَا الِامْتِنَاعَ صَارَتْ غَيْرَ مُمْتَثِلَةٍ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَتُحْبَسُ لِامْتِثَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَى هُوَ فَقَطْ فَلَا تُحْبَسُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الِامْتِثَالِ لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا مِنْهُ
стр. 1295
صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ مَحْدُودَةً فِي قَذْفٍ فَلِفَقْدِ أَهْلِيَّتِهَا لِلشَّهَادَةِ، أَمَّا فِي الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْمَحْدُودَةِ الْعَفِيفَةِ فَلِأَنَّ قَذْفَهُ مَعَ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ إنَّمَا يُوجِبُ اللِّعَانَ، فَإِذَا امْتَنَعَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لَهُ امْتَنَعَ الْحَدُّ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا فَلَوْ قَالَ وَإِنْ صَلُحَ وَهِيَ لَيْسَتْ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَكَانَ أَوْلَى لِيُدْخِلَ الْمَحْدُودَةَ فِي قَذْفٍ وَلَمْ تَدْخُلْ فِي عِبَارَتِهِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَلَمْ يَتَعَرَّضْ صَرِيحًا لِمَا إذَا لَمْ يَصْلُحَا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَدْ فُهِمَ مِنْ اشْتِرَاطِهِ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا لِعَانَ، وَأَمَّا الْحَدُّ فَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ أَوْ مَجْنُونَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ مَمْلُوكَيْنِ فَلَا يَجِبُ، وَأَمَّا إذَا كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ هُوَ عَبْدٌ أَوْ هِيَ مَحْدُودَةٌ فِي قَذْفٍ يُحَدُّ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الْعَفِيفَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَحْدُودَةً مُوجِبٌ لِلْحَدِّ مُطْلَقًا قُيِّدَ بِنَفْيِ الْحَدِّ وَاللِّعَانِ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ آذَاهَا وَأَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهَا فَيَجِبُ حَسْمًا لِهَذَا الْبَابِ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
وَفِي الْكَافِي وَإِنْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِّعَانِ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ امْتِنَاعُ جَرَيَانِ اللِّعَانِ لِكَوْنِهَا مَحْدُودَةً؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْقَذْفِ مِنْ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ حُكْمُ الْمَانِعِ فِي حَقِّهَا بَعْدَ قِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ فِي جَانِبِهِ فَأَمَّا بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ فِي جَانِبِهِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِهَا اهـ.
وَتَحْقِيقُهُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الشَّيْءِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا إذَا وُجِدَ الْمُقْتَضِي؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُنْفَى بِهِ الْحُكْمُ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لِلِّعَانِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ وَالْقَذْفُ فِي نَفْسِهِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ فَيُحَدُّ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَتْ الْأَهْلِيَّةُ مِنْ جَانِبِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لَهُ فَإِذَا ظَهَرَ عَدَمُ أَهْلِيَّتِهَا بَطَلَ الْمُقْتَضِي فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْعَقَدَ اللِّعَانُ وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْمَانِعُ اهـ.
ثُمَّ الْإِحْصَانُ يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْقَذْفِ حَتَّى لَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ أُعْتِقَتْ لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللِّعَانَ بَعْدَ وُجُوبِهِ يَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَعُودُ اللِّعَانُ بِتَزَوُّجِهَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ وَيَسْقُطُ بِزِنَاهَا وَوَطْئِهَا بِشُبْهَةٍ وَبِرِدَّتِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ لَا يَعُودُ بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ وَلَا يُحَدُّ بِخِلَافِ مَا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ وَبِمَوْتِ شَاهِدِ الْقَذْفِ وَغَيْبَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَمِيَا أَوْ فَسَقَا أَوْ ارْتَدَّا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ أَسْنَدَ الزِّنَا بِأَنْ قَالَ زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ وَهُوَ مَعْهُودٌ وَهِيَ الْآنَ أَهْلٌ فَلَا لِعَانَ بِخِلَافِ وَأَنْتِ ذِمِّيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَعُمْرُهَا أَقَلُّ تَلَاعَنَا لِاقْتِصَارِهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ وَصِفَتُهُ مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ) أَيْ: صِفَةُ اللِّعَانِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالزَّوْجِ ثُمَّ بِالزَّوْجَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ بَدَأَتْ ثُمَّ الزَّوْجُ أَعَادَتْ، وَلَوْ فَرَّقَ الْقَاضِي قَبْلَ إعَادَتِهَا صَحَّ، وَفِي الْغَايَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ الْوَجْهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ أَعْقَبَ الرَّمْيَ بِشَهَادَةِ أَحَدِهِمْ وَشَهَادَتُهَا الدَّارِئَةُ لِلْحَدِّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ وَلِأَنَّ الْفَاءَ دَخَلَتْ عَلَى شَهَادَتِهِ عَلَى وِزَانِ مَا قُلْنَا فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ أَنَّهُ أَعْقَبَ جُمْلَةَ الْأَفْعَالِ لِلْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ فَانْظُرْهُ ثَمَّةَ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصِّفَةِ الرُّكْنَ كَقَوْلِهِمْ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَيْ: مَاهِيَّتِهَا فَيَكُونُ بَيَانًا لِلشَّهَادَاتِ الْأَرْبَعِ وَإِنَّمَا أَوَّلْنَاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِفَتَهُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ النَّصُّ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ فَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْمَشَايِخُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُقِيمُهُمَا مُتَقَابِلَيْنِ وَيَقُولُ لَهُ الْتَعِنْ فَيَقُولُ الزَّوْجُ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا يُشِيرُ إلَيْهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثُمَّ تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْغَضَبَ فِي جَانِبِهَا فِي الْخَامِسَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَ وَإِنْ صَلُحَ وَهِيَ لَيْسَتْ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَكَانَ أَوْلَى) فِيهِ إنَّهُ لَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ فَإِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لَكِنَّهَا مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي النَّهْرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مَطْوِيَّةٌ أَيْ: وَإِنْ صَلُحَ شَاهِدًا وَلَمْ تَصْلُحْ اهـ. تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْغَايَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ عَنْ الْغَايَةِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا أَوَّلْنَاهُ بِذَلِكَ إلَخْ) فَسَّرَ النَّصَّ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ أَيْ: نَصَّ الشَّارِعِ فَعَمَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ثُمَّ قَالَ وَبِهِ اسْتَغْنَى عَمَّا فِي الْبَحْرِ الظَّاهِرُ إنْ أَرَادَ إلَخْ
стр. 1296
لِأَنَّهُنَّ يَسْتَعْمِلْنَ اللَّعْنَ كَثِيرًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ يُكْثِرْنَ اللَّعْنَ فَكَانَ الْغَضَبُ أَرْدَعَ لَهَا هَكَذَا ذَكَرَ الْمَشَايِخُ وَذَكَرَ الْبِقَاعِيُّ فِي الْمُنَاسَبَاتِ أَنَّ الْغَضَبَ أَبْلَغُ مِنْ اللَّعْنِ الَّذِي هُوَ الطَّرْدُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْغَضَبِ وَسَبَبُ التَّغْلِيظِ عَلَيْهَا الْحَثُّ عَلَى اعْتِرَافِهَا بِالْحَقِّ لِمَا يُعَضِّدُ الزَّوْجَ مِنْ الْقَرِينَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَجَشَّمُ فَضِيحَةَ أَهْلِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِفَضِيحَتِهِ أَلَا وَهُوَ صَادِقٌ وَلِأَنَّهَا مَادَّةُ الْفَسَادِ وَهَاتِكَةُ الْحِجَابِ وَخَالِطَةُ الْأَنْسَابِ اهـ.
وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ الزِّنَا وَهِيَ تَقُولُ إنَّكَ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ الزِّنَا بِالْخِطَابِ؛ لِأَنَّ فِي الْغَيْبَةِ شُبْهَةً وَاحْتِمَالًا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُشِيرُ إلَى صَاحِبِهِ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ أَسْبَابِ التَّعْرِيفِ كَذَا فِي الْكَافِي.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْقَذْفُ بِالزِّنَا وَإِنْ كَانَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ ذَكَرَاهُ وَإِنْ كَانَ بِهِمَا ذَكَرَاهُمَا وَزَادَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْقَسَمِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْقِيَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا شَهَادَةٌ وَإِمَّا يَمِينٌ وَالْقِيَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِمَا إلَّا أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ «لِقَوْلِهِ ﷺ يَا عَاصِمُ قُمْ فَاشْهَدْ وَلِلْمَرْأَةِ قُومِي فَاشْهَدِي» وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنَاهَا عَلَى الشَّهْرِ فَإِنْ قُلْت هَلْ يُشْرَعُ الدُّعَاءُ بِاللَّعْنِ عَلَى الْكَاذِبِ الْمُعَيَّنِ قُلْت قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ الْعِدَّةِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَيْ: مَنْ شَاءَ الْمُبَاهَلَةَ أَيْ: الْمُلَاعَنَةَ بَاهَلْتُهُ وَكَانُوا يَقُولُونَ إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ بَهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِ مِنَّا قَالُوا هِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي زَمَانِنَا أَيْضًا اهـ.
وَقَدْ سُئِلْت فِي دَرْسِ الصرغتمشية حِينَ قَرَأْت بَابَ اللِّعَانِ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُمَا لَوْ تَلَاعَنَا ثُمَّ وَجَدَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى صِدْقِهِ هَلْ تُقْبَلُ فَأَجَبْتُ بِأَنِّي لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ أَخَذَ مُوجِبَهُ مِنْ اللِّعَانِ وَكَأَنَّهَا حُدَّتْ لِلزِّنَا فَلَا تُحَدُّ ثَانِيًا إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ الْتَعَنَا بَانَتْ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ وَلَا تَبِينُ قَبْلَهُ) أَيْ: الْحَاكِمُ الَّذِي وَقَعَ اللِّعَانُ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ الْحَاكِمُ حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَالْحَاكِمُ الثَّانِي يَسْتَقْبِلُ اللِّعَانَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَرِثَهُ الْآخَرُ، وَأَنَّهُ لَوْ زَالَتْ أَهْلِيَّةُ اللِّعَانِ فِي الْحَالِ بِمَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ بِأَنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ أَوْ قَذَفَ أَحَدُهُمَا إنْسَانًا فَحُدَّ لِلْقَذْفِ أَوْ وُطِئَتْ وَطْئًا حَرَامًا أَوْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا جُنَّ قَبْلَ التَّفْرِيقِ حَيْثُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى عَوْدُ الْإِحْصَانِ وَأَنَّهُ لَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ طَلَّقَهَا أَوْ آلَى مِنْهَا صَحَّ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَرْضَيَا بِالْفُرْقَةِ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ تَلَاعَنَا فَجُنَّ أَحَدُهُمَا يُفَرَّقُ، وَلَوْ تَلَاعَنَا فَوُكِّلَ أَحَدُهُمَا بِالتَّفْرِيقِ وَغَابَ يُفَرَّقُ، وَلَوْ زَنَتْ لَا يُفَرَّقُ لِزَوَالِ الْإِحْصَانِ وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ الْبَيْنُونَةُ عَلَى التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ الِاسْتِمْتَاعُ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ فَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ وَإِذَا لَمْ يُسَرِّحْ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ؛ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِدَفْعِ الظُّلْمِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ «﵊ لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَقَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتُهَا هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَأَوْقَعَ الثَّلَاثَ بَعْدَ التَّلَاعُنِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ﷺ » ، وَكَذَا فِي وَاقِعَةِ هِلَالٍ قَالَ الرَّاوِي فَلَمَّا فَرَغَ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا فَدَلَّ عَلَى قِيَامِ النِّكَاحِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هِيَ حُرْمَةٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ هَلْ يُشْرَعُ الدُّعَاءُ بِاللَّعْنِ عَلَى الْكَاذِبِ إلَخْ) أَقُولُ: مُقْتَضَى مَشْرُوعِيَّةِ اللِّعَانِ جَوَازُهُ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَاذِفِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيهِ الدُّعَاءُ بِاللَّعْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَكَوْنُهُ مُعَلَّقًا عَلَى تَقْدِيرِ الْكَذِبِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ أَخَذَ مُوجِبَهُ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ هَذَا مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ أَخَذَ مُوجِبَهُ مِنْ اللِّعَانِ وَكَأَنَّهُ حَدٌّ فَلَا يُحَدُّ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ أَنَّهُ يُحَدُّ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَقَعَ نِسْبَتُهُ إيَّاهَا إلَى الزِّنَا فِي شَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ يُحَدُّ لِذَلِكَ قُلْتُ هَذَا ضِمْنِيٌّ لَا قَصْدِيٌّ وَمِثْلُهُ لَا يُوجِبُ وَكَيْفَ نَقُولُ بِإِيجَابِهِ الْحَدَّ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ الشَّارِعِ ﷺ بِقَوْلِهِ «قُمْ فَاشْهَدْ» .
وَذَكَرُوا أَنَّ مَنْ قَالَ فُلَانٌ قَالَ عَنْكَ إنَّكَ زَنَيْتَ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَى الزِّنَا قَصْدًا قُلْتُ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ وَيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَةُ حِلِّ نِكَاحِهَا قَالَ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ إذَا رَجَعَ الْمُتَلَاعِنَانِ إلَى حَالٍ لَا يَتَلَاعَنَانِ فِيهِ جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حِلُّ نِكَاحِهَا لَهُ وَقَدْ عُلِّلَ فِي الْهِدَايَةِ حِلُّ نِكَاحِهَا فِيمَا إذَا كَذَّبَ نَفْسَهُ فَحُدَّ بِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ فَارْتَفَعَ بِحُكْمِهِ الْمَنُوطُ بِهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ، وَهَذَا يَتَأَتَّى هُنَا فَإِنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا غَيْرُ عَفِيفَةٍ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ فَارْتَفَعَ حُكْمُهُ فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا) هَذِهِ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ يَعْنِي إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ وَالتَّفْرِيقِ وَحُدَّ
стр. 1297
مُؤَبَّدَةٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّ عُوَيْمِرًا حِينَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ فَصَارَ كَمَنْ شَرَطَ الضَّمَانَ فِي السَّلَفِ وَهُوَ يَلْزَمُهُ شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْرِطْ بِخِلَافِ الْمُظَاهِرِ اهـ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا هُوَ بِعَدَمِ إنْكَارِهِ ﵇ عَلَيْهِ لَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيَقَعُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ زِيَادَةُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهِيَ مِنْ النُّسَّاخِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ عُوَيْمِرًا نَجَّزَ طَلَاقَهَا لَا أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْإِمْسَاكِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة
وَإِنْ أَخْطَأَ الْقَاضِي فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ وُجُودِ أَكْثَرِ اللِّعَانِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ، وَلَوْ الْتَعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ، وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ قَبْلَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ نَفَذَ حُكْمُهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِغَيْرِ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ أَمَّا هُوَ فَلَا يَنْفُذُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَطْؤُهَا حَرَامٌ بَعْدَهُ قَبْلَ التَّفْرِيقِ وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا لِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَذَفَ بِوَلَدٍ نَفَى نَسَبَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ مَقْصُودَهُ وَيَتَضَمَّنُهُ الْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ، وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلِوُجُوبِ قَطْعِ النَّسَبِ شَرَائِطُ: الْأَوَّلِ: التَّفْرِيقُ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَةِ الْوِلَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ مِنْهُ إقْرَارٌ بِهِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً كَسُكُوتِهِ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ مَعَ عَدَمِ رَدِّهِ، الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ حَيًّا وَقْتَ قَطْعِ النَّسَبِ وَهُوَ وَقْتُ التَّفْرِيقِ فَلَوْ نَفَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَاعَنَ وَلَمْ يَنْقَطِعْ نَسَبُهُ، وَكَذَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا مَيِّتٌ فَنَفَاهُمَا يُلَاعِنُ وَلَزِمَاهُ، وَكَذَا لَوْ نَفَاهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ قُتِلَ قَبْلَ اللِّعَانِ لَزِمَاهُ.
وَأَمَّا اللِّعَانُ فَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ الْخِلَافَ فَقَالَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَبْطُلُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَبْطُلُ، الْخَامِسُ: أَنْ لَا تَلِدَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ وَلَدًا آخَرَ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ فَلَوْ وَلَدَتْ فَنَفَاهُ وَلَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَلْزَمَ الْوَلَدَ أُمَّهُ ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ مِنْ الْغَدِ لَزِمَاهُ وَبَطَلَ قَطْعُ نَسَبِ الْأَوَّلِ وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ الْآنَ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ وَاللِّعَانُ مَاضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الثَّانِي ثَبَتَ الْأَوَّلُ ضَرُورَةً وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ هُمَا ابْنَايَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مُكَذِّبًا نَفْسَهُ لِاحْتِمَالِ الْإِخْبَارِ بِمَا لَزِمَهُ شَرْعًا.
السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَحْكُومًا بِثُبُوتِهِ شَرْعًا فَإِنْ كَانَ لَا يَقْطَعُ نَسَبَهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ خَمْسَ مَسَائِلَ مَسْأَلَتَانِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ التَّلْخِيصِ إحْدَاهُمَا فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ وَلَدًا فَانْقَلَبَ هَذَا الْوَلَدُ عَلَى رَضِيعٍ فَمَاتَ الرَّضِيعُ وَقُضِيَ بِدِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ ثُمَّ نَفَى الْأَبُ نَسَبَهُ يُلَاعِنُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَلَا يُقْطَعُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ قَضَاءً بِكَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهُ فَلَا يَنْقَطِعُ النَّسَبُ بَعْدَهُ الثَّانِيَةُ فِي الزِّيَادَاتِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ وَقَدْ دَخَلَ بِهِمَا إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يُبَيِّنْ حَتَّى وَلَدَتْ إحْدَاهُمَا لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ كَانَتْ الْوِلَادَةُ بَيَانًا لِوُقُوعِهِ عَلَى الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَصَلَ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَتَعَيَّنَتْ الَّتِي وَلَدَتْ لِلنِّكَاحِ فَإِنْ نَفَى الْوَلَدَ لَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَلَا يُقْطَعُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ بِكَوْنِ الْوَلَدِ بَيَانًا حُكْمٌ بِكَوْنِهِ مِنْهُ وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ لَا يَنْقَطِعُ بِاللِّعَانِ وَثَلَاثُ مَسَائِلَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى الْأُولَى امْرَأَةٌ وَلَدَتْ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ فَفَطَمَتْ وَلَدَهَا وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ وَلِلْوَلَدِ وَبَرْهَنَتْ ثُمَّ حَضَرَ
ــ
[منحة الخالق]
أَوْ لَمْ يُحَدَّ صَارَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ حَلَّتْ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدِ النِّكَاحِ كَذَا فِي الْغَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ إلَخْ اسْتَشْكَلَهُ فِي النَّهْرِ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ قَضَى فِي الثَّانِي فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَائِلٌ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِلِعَانِ الزَّوْجِ فَقَطْ بِخِلَافِهِ فِي الْأَوَّلِ وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ الْقَاضِي بِالْمُجْتَهِدِ اهـ.
وَالْمُجْتَهِدُ غَيْرُ قَيْدٍ؛ لِأَنَّ مُقَلِّدَ الشَّافِعِيِّ مِثْلُهُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مُدَّةٍ يَأْخُذُ فِيهَا التَّهْنِئَةَ وَابْتِيَاعَ آلَاتِ الْوِلَادَةِ عَادَةً فَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْتَفِي اهـ.
وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْكَافِي تَقْدِيرَ مُدَّةِ التَّهْنِئَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي رِوَايَةٍ وَبِسَبْعَةٍ فِي أُخْرَى وَسَنَذْكُرُهُ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ التَّقْدِيرِ بِمُدَّةٍ فَلِذَا قَالَ هُنَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَحَالَهُ إلَى الْعَادَةِ فَكَانَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا نَقَلَهُ (قَوْلُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْبَدَائِعِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِيهَا وَاَلَّذِي رَأَيْته بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الشَّرْطَ السَّادِسَ مَا نَصُّهُ وَصُورَتُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ وَلَمْ يُلَاعِنْ حَتَّى قَذَفَهَا أَجْنَبِيٌّ بِالْوَلَدِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ فَضَرَبَ الْقَاضِي الْأَجْنَبِيَّ الْحَدَّ فَإِنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ فَيَسْقُطُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا حَدَّ قَاذِفَهَا بِالْوَلَدِ فَقَدْ حَكَمَ بِكَذِبِهِ وَالْحُكْمُ بِكَذِبِهِ حُكْمٌ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَالنَّسَبُ الْمَحْكُومُ بِثُبُوتِهِ لَا يَحْتَمِلُ النَّفْيَ بِاللِّعَانِ كَالنَّسَبِ الْمُقَرِّ بِهِ وَإِنَّمَا سَقَطَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمَّا حَدَّ قَاذِفَهَا فَقَدْ حَكَمَ بِإِحْصَانِهَا فِي عَيْنِ مَا قُذِفَتْ بِهِ
стр. 1298
الزَّوْجُ وَنَفَى الْوَلَدَ لَاعَنَ وَقُطِعَ النَّسَبُ مَعَ أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ حَيْثُ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهُ الثَّانِيَةَ لَوْ أَنْكَرَ الدُّخُولَ بَعْدَ مَا وَلَدَتْ ثَبَتَ النَّسَبُ وَوَجَبَ لَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ فَلَوْ نَفَاهُ يُلَاعِنُ وَيُقْطَعُ النَّسَبُ مَعَ أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ حِينَ قَضَى لَهَا بِكَمَالِ الْمَهْرِ، الثَّالِثَةُ الْمُطَلَّقَةُ رَجْعِيًّا إذَا وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ تَكُونُ رَجْعَةً، وَلَوْ نَفَاهُ لَاعَنَ وَقُطِعَ نَسَبُهُ مَعَ أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ كَتَبَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ حِينَ كَانَ بِالرَّقَّةِ يَسْتَفْرِقُهُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ وَبَيْنَ الثَّلَاثِ فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ ﵀ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْقَضَاءُ بِالنَّسَبِ ضَرُورَةُ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ قَطْعَ النَّسَبِ بِاللِّعَانِ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ مِنْ بَابِ شَهَادَةِ الْمُلَاعَنَةِ بِالْوَلَدِ وَمِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَانِعَةِ مِنْ قَطْعِ النَّسَبِ أَنْ يَقْذِفَهَا أَجْنَبِيٌّ بِنَفْيِ الْوَلَدِ وَيَحُدَّهُ الْقَاضِي لَهَا فَإِنَّهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ فَإِذَا نَفَاهُ بَعْدَهُ أَبُوهُ لَا يَنْتَفِي كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَسَيَأْتِي عَنْ الذَّخِيرَةِ.
ثُمَّ إذَا قُطِعَ النَّسَبُ عَنْ الْأَبِ وَأُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالْأُمِّ يَبْقَى النَّسَبُ فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالزَّكَاةِ وَعَدَمِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأَبِ بِقَتْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِاللِّعَانِ ثَبَتَ شَرْعًا بِخِلَافِ الْأَصْلِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ وَظَنِّهِ مَعَ كَوْنِهِ مَوْلُودًا عَلَى فِرَاشِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَحْكَامِ اهـ.
وَيُزَادُ السَّابِعُ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا فَلَا لِعَانَ بِالْقَذْفِ بِنَفْيِ الْوَلَدِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ وَلَا يَنْتَفِي النَّسَبُ وَقُيِّدَ بِالزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ بِلَا لِعَانٍ وَيُزَادُ الثَّامِنُ أَنْ يَكُونَ الْعُلُوقُ فِي حَالٍ يَجْرِي فِيهِ اللِّعَانُ حَتَّى لَوْ عَلِقَ وَهِيَ كَافِرَةٌ لَا يَنْتَفِي.
وَفِي شَهَادَاتِ الْجَامِعِ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ فَنَفَاهُمَا وَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ أُمِّهِ وَأَخِيهِ وَأَخٍ مِنْهَا فَالسُّدُسُ لَهَا وَالثُّلُثُ لَهُمَا وَالْبَاقِي يُرَدُّ كَأَوْلَادِ الْعَاهِرَةِ لِانْقِطَاعِ النَّسَبِ وَفِيهَا اخْتِلَافٌ يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ اهـ.
وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى مِنْ الْفَرَائِضِ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدُ الزِّنَا فِي حُكْمِ الْمِيرَاثِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ رَشِيدَةٍ لَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا قَرَابَةُ أَبٍ فَلَا يَرِثُ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ الْأَبِ وَقَرَابَتِهِ وَلَا يَرِثُ الْأَبُ وَلَا قَرَابَتُهُ مِنْ هَذَا الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ قَوْمَ الْأَبِ تَبَعٌ لَهُ فِي قَطْعِ النَّسَبِ وَهُوَ وَلَدُ الْأُمِّ فَيَرِثُ مِنْهَا وَمِنْ قَرَابَتِهَا وَتَرِثُ الْأُمُّ وَقَرَابَتُهَا.
وَأَمَّا ابْنُ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ فَلَهُ أَبٌ وَقَوْمُ الْأَبِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ وَلَيْسَ لَهُ جَدٌّ صَحِيحٌ وَلَا قَوْمُهُ وَهُمْ الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ فَإِذَا ثَبَتَ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ثُمَّ حَدَثَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ اخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِ هَذَا الْوَلَدِ مِنْهُ لِلِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْحُرْمَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَوَلَدِ الزِّنَا كَمَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ النِّكَاحِ الْمُعَلَّقِ طَلَاقُهَا الثَّلَاثُ بِهِ فَإِنَّ النَّسَبَ فِيهِ ثَابِتٌ لِلِاخْتِلَافِ اهـ. بِاخْتِصَارٍ.
وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لَوْ مَلَكَ النَّافِي الْأُمَّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَفِي شَرْحِهِ وَصُورَتُهُ رَجُلٌ نَفَى نَسَبَ وَلَدِ امْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ وَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَقَطَعَ نَسَبَ الْوَلَدِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْإِسْلَامِ ثُمَّ سُبِيَتْ وَمَلَكَهَا الزَّوْجُ النَّافِي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ ثَابِتٌ حُكْمًا لِقِيَامِ فِرَاشِهَا وَلَا تَصِحُّ دَعْوَةُ غَيْرِ النَّافِي لِهَذَا الْوَلَدِ وَإِنْ صَدَّقَهُ الثَّانِي وَتَصِحُّ دَعْوَةُ النَّافِي مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ الْمَنْفِيُّ كَبِيرًا جَاحِدًا لِلنَّسَبِ مِنْ النَّافِي.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَا يَنْتَفِي مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ سِوَى التَّوَارُثِ وَإِيجَابِ النَّفَقَةِ وَمَا عَدَاهُمَا مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ قَائِمَةٌ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَكُلُّ نَسَبٍ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ لَهُ يَنْتَفِي بَعْدَ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رَجُلٍ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ فَلَمْ يُلَاعِنْهَا حَتَّى قَذَفَهَا أَجْنَبِيٌّ بِالْوَلَدِ فَحُدَّ فَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ وَلَا يَنْتَفِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ نَفَى وَلَدُ زَوْجَتِهِ اللِّعَانَ وَهُمَا مِمَّا لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا لَا يَنْتَفِي سَوَاءٌ وَجَبَ الْحَدُّ أَوْ لَمْ يَجِبْ، وَكَذَا إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ وَلَمْ يَتَلَاعَنَا فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي، وَكَذَا إذَا كَانَ الْعُلُوقُ فِي حَالٍ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ صَارَا بِحَالٍ يَتَلَاعَنَانِ نَحْوُ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً حَالَةَ الْعُلُوقِ فَأُعْتِقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ فَإِنَّهُمَا لَا يَتَلَاعَنَانِ وَلَا يَنْتَفِي نَسَبُ الْوَلَدِ.
وَفِي السِّغْنَاقِيِّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَيُزَادُ السَّابِعُ إلَخْ) قَالَ الْحَمَوِيُّ التَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ مِنْ شَرَائِطِ اللِّعَانِ لَا مِنْ شَرَائِطِ النَّفْيِ فَلِذَا حَذَفَهُمَا فِي الْبَدَائِعِ اهـ.
وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ وَأَقُولُ: عَلَى أَنَّ الثَّامِنَ يُغْنِي عَنْ هَذَا السَّابِعِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ قَوْلُ الْقَاضِي بَعْدَ التَّفْرِيقِ قَطَعْتُ نَسَبَ هَذَا الْوَلَدِ عَنْهُ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَفِي شَهَادَاتِ الْجَامِعِ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ إلَخْ) ذَكَرَ فِي شَرْحِ فَرَائِضِ الْمُلْتَقَى الْمُسَمَّى بِسَكْبِ الْأَنْهُرِ مَعْزِيًّا إلَى الِاخْتِيَارِ إنَّ وَلَدَيْ الزِّنَا وَاللِّعَانِ يَفْتَرِقَانِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا يَرِثُ مِنْ تَوْأَمِهِ مِيرَاثَ أَخٍ لِأُمٍّ وَوَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يَرِثُ مِنْ تَوْأَمِهِ مِيرَاثَ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ اهـ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ نَسَبَ مَا ذَكَرَهُ فِي سَكْبِ الْأَنْهُرِ إلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ وَذَكَرَ أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا قَرَابَةَ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَلَهُ قَرَابَةٌ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ قَالَ وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا وَالشَّافِعِيُّ.
стр. 1299
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ وَلَهَا وَلَدٌ مِنْهُ ثَبَتَ اللِّعَانُ وَلَا يَلْزَمُ نَفْيُ الْوَلَدِ فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَدَّهُ الْقَاضِي اهـ.
وَلِذَا قُيِّدَ النَّفْيُ بِقَذْفِ الْوَلَدِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَلَهَا مِنْهُ وَلَدٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي نَسَبُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ وَإِنْ قَطَعَ الْقَاضِي نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَى أَحَدٍ لِنَسَبِهِ وَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلَدُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ قَطْعَ النَّسَبِ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَفِي قَوْلِهِ نَفَى نَسَبَهُ أَيْ: الْقَاضِي وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا لَا يَكْفِي لِنَفْيِ نَسَبِ الْوَلَدِ فَلِذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ قَطَعْتُ نَسَبَ هَذَا الْوَلَدِ عَنْهُ بَعْدَ مَا قَالَ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا وَفِي الْمَبْسُوطِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ نَفْيُ النَّسَبِ كَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ وَلَا يَنْتَفِي نَسَبُهُ عَنْهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْمَجْمَعِ، وَلَوْ مَاتَتْ بِنْتُهُ الْمَنْفِيَّةُ عَنْ وَلَدٍ فَادَّعَاهُ فَنَسَبُهُ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْهُ أَيْ: عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا يَثْبُتُ قُيِّدَ بِمَوْتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً ثَبَتَ نَسَبُهَا بِدَعْوَةِ وَلَدِهَا اتِّفَاقًا وَقُيِّدَ بِالْبِنْتِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْمَنْفِيَّ لَوْ كَانَ ذَكَرًا فَمَاتَ وَتَرَكَ وَلَدًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمُدَّعِي وَوَرِثَ الْأَبُ مِنْهُ اتِّفَاقًا لِحَاجَةِ الْوَلَدِ الثَّانِي إلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ فَبَقَاؤُهُ كَبَقَاءِ الْأَوَّلِ وَقُيِّدَ بِدَعْوَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْبِنْتَ الْمَنْفِيَّةَ حَيَّةً ثَبَتَ نَسَبُهَا اتِّفَاقًا وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِهِ.
[اللِّعَانُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ فِي الْمَجْبُوبِ وَالْخَصِيِّ وَمَنْ لَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ]
وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يُشْرَعُ اللِّعَانُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ فِي الْمَجْبُوبِ وَالْخَصِيِّ وَمَنْ لَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ) لِإِقْرَارِهِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا اعْتَرَفَ بِهِ وَمَا إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِهِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَشَمِلَ الْإِكْذَابَ صَرِيحًا وَضِمْنًا وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ عَنْ مَالٍ فَادَّعَى الْمُلَاعِنُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيُحَدُّ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ وَلَدًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْأَبِ وَوَرِثَهُ الْأَبُ لِاحْتِيَاجِ الْحَيِّ إلَى النَّسَبِ، وَلَوْ تَرَكَ بِنْتًا وَلَهَا ابْنٌ فَأَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْإِكْذَابَ بَعْدَ اللِّعَانِ وَوُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ قَذْفِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ اللِّعَانُ بَلْ بِاعْتِبَارِ الْقَذْفِ الثَّانِي الَّذِي تَضَمَّنَهُ كَلِمَاتُ اللِّعَانِ كَشُهُودِ الزِّنَا إذَا رَجَعُوا فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونَ بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ شَهَادَتُهُمْ مِنْ الْقَذْفِ أَمَّا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ اللِّعَانِ يُنْظَرُ فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ الْإِكْذَابِ حُدَّ أَيْضًا وَإِنْ أَبَانَهَا ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ أَثَرُهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لِحُصُولِهِ بِالْإِبَانَةِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ حُكْمِهِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ وَقَعَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ فَلَا يَنْقَلِبُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ حُدَّ أَطْلَقَ فِي الْإِكْذَابِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَنْكَرَ الْوَلَدَ بَعْدَ مَا ادَّعَاهُ؛ وَلِذَا قَالَ أَيْضًا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ ادَّعَاهُ وَهُوَ يُنْكِرُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ وَيُحَدُّ اهـ.
وَفِي جَامِعِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ قَذَفَهَا بِنَفْيِ الْوَلَدِ وَلَاعَنَ فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَادَّعَاهُ صَحَّ وَيُحَدُّ فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ الثَّانِي فَنَفَاهُ لَاعَنَ وَيَنْتَفِي إنْ عَلَّقَ بَعْدَ إكْذَابِهِ وَقَبْلَهُ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُلَاعِنَ لِاسْتِنَادِهِ نَظِيرُهُ زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَبِيَّةٌ بِخِلَافِ وَأَنْتِ ذِمِّيَّةٌ أَوْ رَقِيقٌ أَوْ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَعُمْرُهَا عِشْرُونَ سَنَةً وَإِنْ تَرَدَّدَ يُقْطَعُ اسْتِحْسَانًا وَقِيَاسًا لَا نَظِيرُهُ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أُعْتِقَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ فَنَفَاهُ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا نَفَاهُ الْمَوْلَى وَقُلْنَا بِصِحَّتِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ وَلَدِ الْمَنْكُوحَةِ إذَا نُفِيَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ بَعْدَ إعْتَاقِ الْوَلَدِ وَلَا يَضَعُ أَحَدُهُمَا زَكَاتَهُ فِيهِ وَتَحْرُمُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالْقَرَابَةِ لَكِنَّ الْمَوْلَى يَرِثُ مِنْهُ بِالْوَلَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ أَقْرَبُ مِنْهُ وَتَجِبُ نَفَقَةٌ عَلَى الْمَوْلَى بَعْدَ إعْتَاقِهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ مِنْ الشَّهَادَاتِ.
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا) أَيْ: الْمُلَاعِنُ بَعْدَ التَّفْرِيقِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا حُدَّ أَوْ لَمْ يُحَدَّ فَتَقْيِيدُ الشَّارِحِ الْحِلَّ بِالْحَدِّ اتِّفَاقِيٌّ، وَكَذَا إذَا أَكْذَبَتْ نَفْسَهَا فَصَدَّقَتْهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفُرْقَةَ بِاللِّعَانِ
ــ
[منحة الخالق]
[قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ وَلَهَا وَلَدٌ مِنْهُ]
(قَوْلُهُ: وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يُشْرَعُ اللِّعَانُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ فِي الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ كَذَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الذَّخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَجْبُوبَ يَنْزِلُ بِالسَّحْقِ وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ.
أَيْ: فَمَا هُنَا عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَا يَنْزِلُ وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِدَّةِ عَنْ كَافِي الْحَاكِمِ وَالْخَصِيِّ كَالصَّحِيحِ فِي الْوَلَدِ وَالْعِدَّةِ، وَكَذَا الْمَجْبُوبُ إذَا كَانَ يُنْزِلُ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَلَدُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ فِي الْوَلَدِ وَالْعِدَّةِ اهـ. وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي أَوَّلِ بَابِ الْعِنِّينِ مَا يُؤَيِّدُهُ
стр. 1300
يَزُولُ بِهَا مِلْكُ النِّكَاحِ وَتُوجِبُ حُرْمَةَ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّزَوُّجِ مَا دَامَا عَلَى حَالِ اللِّعَانِ فَإِنْ أَكْذَبَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ جَازَ التَّنَاكُحُ وَالِاجْتِمَاعُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالثَّالِثُ وَقَالَ الثَّانِي إنَّهَا تُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً كَحُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَهُمَا أَنَّ عُوَيْمِرًا طَلَّقَ الْمُلَاعَنَةَ ثَلَاثًا فَصَارَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ كَمَا فِي الْعِنِّينِ فَكَانَتْ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُتَفَاعِلِ الْمُتَشَاغِلُ بِالْفِعْلِ وَلَمَّا فَرَغَا مِنْهُ زَالَتْ الْحَقِيقَةُ فَانْصَرَفَ الْمُرَادُ إلَى الْحُكْمِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بَاقِيًا وَبَعْدَ الْإِكْذَابِ لَمْ يَبْقَ حُكْمُهُ لِبُطْلَانِهِ فَلَمْ يَبْقَ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا.
وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠] أَيْ: مَا دَامُوا فِي مِلَّتِهِمْ أَلَا تَرَى إذَا لَمْ يَفْعَلُوا أَفْلَحُوا كَذَا هَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَدْ بَحَثَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تُمْكِنْ الْحَقِيقَةُ وَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ كَانَ لَهُ مَجَازَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ إرَادَةِ مَنْ بَيْنَهُمَا تَلَاعُنٌ قَائِمٌ حُكْمًا، وَالثَّانِي: مَنْ وُجِدَ بَيْنَهُمَا تَلَاعُنٌ فِي الْخَارِجِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَجْتَمِعَانِ بَعْدَ الْإِكْذَابِ بَيْنَهُمَا؛ إذْ ارْتِفَاعُ حُكْمِهِ لَا يُوجِبُ ارْتِفَاعَ كَوْنِهِ قَدْ تَحَقَّقَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَلَكِنْ بَقِيَ النَّظَرُ فِي أَيِّ الِاحْتِمَالَيْنِ أَرْجَحُ وَأَظُنُّ أَنَّ الثَّانِيَ أَسْرَعُ إلَى الْفَهْمِ اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ أَوْ زَنَتْ فَحُدَّتْ) يَعْنِي لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا أَيْضًا إذَا خَرَجَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا خَرِسَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ بِالزِّنَا الْوَطْءَ الْحَرَامَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زِنًا شَرْعِيًّا كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ لِزَوَالِ عِفَّتِهَا، وَلَوْ قَالَ: وَكَذَا إنْ قَذَفَ أَحَدُهُمَا فَحُدَّ لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَوْ أَسْقَطَ فَحُدَّ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ زِنَاهَا حَلَّتْ لَهُ سَوَاءٌ حُدَّتْ بِأَنْ وَقَعَ اللِّعَانُ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ زَنَتْ فَجُلِدَتْ أَوْ لَمْ تُحَدَّ لِزَوَالِ الْعِفَّةِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ كَانَ حَدُّهَا الرَّجْمَ وَهُوَ إهْلَاكٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِحِلِّهَا بَعْدَهُ وَاسْتَغْنَى بِهَا عَنْ تَغْيِيرِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا زَنَّتْ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: نَسَبَتْ غَيْرَهَا لِلزِّنَا لِمُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ زَوَالَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ بِطُرُوِّ الْفِسْقِ مَثَلًا لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ مَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي عَنْهَا فِي حَالِ قِيَامِ الْعَدَالَةِ فَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَ ذَلِكَ اللِّعَانَ السَّابِقَ الْوَاقِعَ فِي حَالِ الْأَهْلِيَّةِ لِيَبْطُلَ أَثَرُهُ مِنْ الْحُرْمَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا لِعَانَ بِقَذْفِ الْأَخْرَسِ) لِفَقْدِ الرُّكْنِ مِنْهُ وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَاتِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَحْلِفُ مَكَانَ أَشْهَدُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ قَالَ وَلَا لِعَانَ إذَا كَانَا أَخْرَسَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَكَانَ أَوْلَى لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا كَانَتْ خَرْسَاءَ وَلِاحْتِمَالِ تَصْدِيقِهَا لَوْ كَانَتْ نَاطِقَةً وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْكِتَابَةِ كَمَا لَا يَثْبُتُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ لِلشُّبْهَةِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ اللِّعَانِ وَقَبْلَ التَّفْرِيقِ فَلَا تَفْرِيقَ وَلَا حَدَّ كَمَا لَوْ ارْتَدَّ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَنْفِي الْحَمْلَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِقِيَامِهِ عِنْدَ الْقَذْفِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتِفَاخٌ، وَلَوْ تَيَقَّنَّا بِقِيَامِهِ وَقْتَهُ بِأَنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ كُنْتِ حَامِلًا فَحَمْلُكِ لَيْسَ مِنِّي وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَجْرِي اللِّعَانُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِلتَّيَقُّنِ بِقِيَامِهِ وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ وَأَمَّا الْإِرْثُ وَالْوَصِيَّةُ فَيَتَوَقَّفَانِ عَلَى الْوِلَادَةِ فَيَثْبُتَانِ لِلْوَلَدِ لَا لِلْحَمْلِ، وَأَمَّا عِتْقُهُ فَكَذَلِكَ لِقَبُولِهِ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، وَأَمَّا رَدُّ الْمَبِيعَةِ بِعَيْبِ الْحَمْلِ فَلِأَنَّ الْحَمْلَ ظَاهِرٌ وَاحْتِمَالُ الرِّيحِ شُبْهَةٌ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ لَا يَمْتَنِعُ بِالشُّبْهَةِ، وَكَذَا النَّسَبُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ إذَا ادَّعَتْ حَمْلًا فَلِقَبُولِ قَوْلِهَا فِي أَمْرِ عِدَّتِهَا وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَبْلَهَا لَا يُرَادُ بِهِ كُلُّ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ بَعْضُهَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِحِلِّهَا بَعْدَهُ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْغُنَيْمِيَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ وَجَبَ رَجْمُهَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ مَعَ أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ بِأَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْمَوْتِ بِالرَّجْمِ وَيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِرْثُ وَنَحْوُهُ فَلْيُحَرَّرْ بِالنَّقْلِ اهـ.
١ -
كَذَا فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ لِأَبِي السُّعُودِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَوْ زَنَتْ فَحُدَّتْ مَعْنَاهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ أَيْ: بَعْدَ الْحَدِّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدَّ لَوْ كَانَ الرَّجْمُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَوْتِهَا كَمَا أَفَادَهُ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ إهْلَاكٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِحِلِّهَا بَعْدَهُ.
следующие страницы →