Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
فَسَدَتْ وَإِلَّا فَإِنْ قَالَ أَجَّرْتُك بِكَذَا بِأَنْ تَكْرُبَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَتَرُدُّهَا عَلَيَّ مَكْرُوبَةً فَلَا تَفْسُدُ، وَإِنْ قَالَ عَلَى أَنْ تَكْرُبَهَا بَعْدَهَا فَهِيَ فَاسِدَةٌ الْكُلُّ مِنْ فَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْإِجَارَةِ لَوْ قَالَ لِغَاصِبٍ دَارِهِ فَرِّغْهَا وَإِلَّا فَأَجْرُ كُلِّ شَهْرٍ كَذَا فَسَكَتَ وَلَمْ يُفَرِّغْهَا وَجَبَ الْمُسَمَّى مَعَ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِعَدَمِ التَّفْرِيغِ.
قَوْلُهُ (وَالْإِجَازَةُ) بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ بِأَنْ بَاعَ فُضُولِيٌّ عَبْدَهُ فَقَالَ أَجَزْته بِشَرْطِ أَنْ تُقْرِضَنِي أَوْ تُهْدِيَ إلَيَّ أَوْ عَلَّقَهَا بِشَرْطٍ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَعْنًى كَذَا ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ فَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ إجَازَةِ الْبَيْعِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِجَازَةُ الْبَيْعِ لَكَانَ أَوْلَى فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ إجَازَةَ الْقِسْمَةِ وَالْإِجَارَةِ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ إذَا انْعَقَدَ مَوْقُوفًا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ إجَازَتِهِ بِالشَّرْطِ حَتَّى النِّكَاحِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَتَعْلِيقُ الْإِجَازَةِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ كَقَوْلِهِ: إنْ زَادَ فُلَانٌ فِي الثَّمَنِ فَقَدْ أَجَزْت، وَلَوْ زَوَّجَ بِنْتِهٍ الْبَالِغَةَ بِلَا رِضَاهَا فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَقَالَتْ أَجَزْت إنْ رَضِيَتْ أُمِّي بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ إذْ التَّعْلِيقُ يُبْطِلُ الْإِجَازَةَ اعْتِبَارًا بِابْتِدَاءِ الْعَقْدِ اهـ.
قَوْلُهُ (وَالرَّجْعَةُ) بِأَنْ قَالَ لِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ رَاجَعْتُك عَلَى أَنْ تُقْرِضِينِي كَذَا أَوْ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فَتَكُونُ مُعْتَبَرَةً بِابْتِدَائِهِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ ابْتِدَائِهِ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَهُوَ سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَخَطَأٌ صَرِيحٌ فَسَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ
ــ
[منحة الخالق]
إمَّا أَنْ يَقُولَ أَجَّرْتُك بِكَذَا بِأَنْ تَكْرُبَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَتَرُدَّهَا عَلَيَّ مَكْرُوبَةً أَوْ قَالَ أَجَّرْتهَا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَكْرُبَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَفِي الْأَوَّلِ جَازَتْ وَفِي الثَّانِي لَمْ تَصِحَّ فَلَوْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ وَبِأَنْ تَرُدَّهَا عَلَيَّ مَكْرُوبَةً يَجِبُ أَنْ تَصِحَّ وَيُصْرَفُ إلَى الْكِرَابِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَهَذَا التَّفْصِيلُ صَحِيحٌ. اهـ.
بِحَذْفِ التَّعْلِيلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي النُّسْخَةِ تَحْرِيفًا تَأَمَّلْ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرُدَّهَا مَكْرُوبَةً بِكِرَابٍ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَمَّا إذَا قَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَجَّرْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِكَذَا وَبِأَنْ تَكْرُبَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْعَقْدُ جَائِزٌ أَمَّا إذَا قَالَ أَجَّرْتُك بِكَذَا عَلَى أَنْ تَكْرُبَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَفَاسِدٌ فَإِنْ أَطْلَقَ الْكِرَابَ يَنْصَرِفُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَيَصِحُّ وَلَكِنَّ جَوَابَ هَذَا الْفَصْلِ يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا وَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ قَالَ جُزَافًا لِظَاهِرِ أَنَّهُ عَثَرَ عَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ هُنَا اهـ.
(قَوْلُهُ: فَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ إجَازَةِ الْبَيْعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ فَإِنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ (قَوْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ) كَأَنَّهُ عَدَلَ عَمَّا اسْتَظْهَرَهُ أَوَّلًا لَمَّا رَأَى مَا فِي الْجَامِعِ وَلَكِنَّ الِاسْتِقَامَةَ أَحْسَنُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِهِ وَإِجَازَةُ النِّكَاحِ كَالنِّكَاحِ لَيْسَتْ مِنْ مُعَاوَضَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَوَّلًا أَنَّ مَا كَانَ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ قَالَ لِمُطَلَّقَتِهِ إلَخْ) هَذَا مِثَالٌ لِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِدُونِ تَعْلِيقٍ وَقَوْلُهُ أَوْ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ مِثَالٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَخَطَأٌ صَرِيحٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَمَّا كَوْنُ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ سَهْوًا وَخَطَأً فَمَمْنُوعٌ إذْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّوْجِيهِ مَأْخُوذٌ مِمَّا فِي الشَّرْحِ وَهُوَ تَوْجِيهٌ صَحِيحٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَعْلِيقِهَا كَمَا أَنَّ النِّكَاحَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا بُطْلَانُهَا بِالشَّرْطِ فَمَسْكُوتٌ عَنْ تَوْجِيهِهِ وَحَيْثُ ذَكَرَ الثِّقَاتُ بُطْلَانَهَا بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَمْ يَبْقَ الشَّأْنُ إلَّا فِي السَّبَبِ الدَّاعِي لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النِّكَاحِ وَكَأَنَّهُ لِأَنَّهَا فَارَقَتْهُ كَمَا مَرَّ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا شُهُودٌ وَلَا يَجِبُ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ وَلَهُ أَنْ يُرَاجِعَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا وَتَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ. اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَتِهَا النِّكَاحُ فِي أَحْكَامٍ أَنْ تُخَالِفَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ. اهـ.
وَسَبَقَهُ إلَيْهِ فِي الشرنبلالية عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ صُورَةَ النِّزَاعِ فِي الْمُفَارَقَةِ وَلَكِنْ يُقَالُ أَيْضًا لَا يَلْزَمُ مِنْ مُوَافَقَتِهَا النِّكَاحَ فِي أَحْكَامٍ أَنْ تُوَافِقَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا كَيْفَ وَقَدْ وُجِدَتْ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُمَا فِيمَا عَلِمْت وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّصْرِيحِ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ أَنْ تُشَارِكَ النِّكَاحَ فِيهِ مَعَ تَصْرِيحِ الثِّقَاتِ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ بَلْ لَوْ صَرَّحَ غَيْرُهُمْ بِخِلَافِهِ لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى تَخْطِئَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُ قَوْلِهِمْ تَأَمَّلْ وَقَدْ رَأَيْت فِي الْحَوَاشِي الْعَزْمِيَّةِ عَلَى الدُّرَرِ مَا نَصُّهُ قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ الْأُسْرُوشَنِيُّ بِأَنَّ فِي كَوْنِ الرَّجْعَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ رِوَايَتَيْنِ. اهـ.
لَكِنْ كَتَبَهُ تَحْتَ قَوْلِ الدُّرَرِ وَالْوَقْفِ فَلْتُرَاجَعْ نُسْخَةٌ أُخْرَى فَلَعَلَّهُ تَحْرِيفٌ وَالْجَوَابُ الْحَاسِمُ لِمَادَّةِ الْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ أَنْ يُقَالَ مَا تَرْجَمَ بِهِ الْمَاتِنُ بِقَوْلِهِ مَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ هُوَ قَاعِدَتَانِ الْأُولَى مَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَالثَّانِيَةُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ لَا قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَأَشَرْنَا إلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَاتِنُ مِنْ الْفُرُوعِ إمَّا دَاخِلٌ تَحْتَ الْقَاعِدَتَيْنِ أَوْ تَحْتَ إحْدَاهُمَا وَالرَّجْعَةُ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ فَتَكُونُ دَاخِلَةً تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَصْرِيحِ أَحَدٍ بِذَلِكَ حَتَّى تَدْخُلَ
стр. 2102
بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَالْمَذْكُورُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ مِنْ الرَّجْعَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ وَلَا إضَافَتُهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِهِ وَأَصْلُ النِّكَاحِ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ فِيمَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بَلْ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْبُيُوعِ وَالْعِمَادِيُّ فِي فُصُولِهِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الْبُيُوعِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا نَبَّهَ عَلَى هَذَا، وَقَدْ تَوَقَّفْت فِي تَخْطِئَةِ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ جَزَمْت بِهَا وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَذْكُرَ الرَّجْعَةَ مَعَ النِّكَاحِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَافَقَهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ كِتَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَاللَّعِبِ وَالْخَطَأِ كَالنِّكَاحِ. اهـ.
فَلَوْ كَانَتْ تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَمْ تَصِحَّ مَعَ الْهَزْلِ؛ لِأَنَّ مَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ وَمَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْل تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي بَحْثِ الْهَزْلِ مِنْ قِسْمِ الْعَوَارِضِ وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَتَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
قَوْلُهُ (وَالصُّلْحُ عَنْ مَالٍ) أَيْ بِمَالٍ بِأَنْ قَالَ صَالَحْتُك عَلَى أَنْ تُسْكِنَنِي فِي الدَّارِ مَثَلًا سَنَةً أَوْ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ فَيَكُونُ بَيْعًا كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بَيْعًا إذَا كَانَ الْبَدَلُ خِلَافَ جِنْسِ الْمُدَّعَى بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى جِنْسِهِ وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الْمُدَّعَى فَهُوَ حَطٌّ وَإِبْرَاءٌ وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِهِ فَهُوَ قَبْضٌ وَاسْتِيفَاءٌ وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ فَضْلٌ وَرِبًا كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الصُّلْحِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّصَ هُنَا وَظَاهِرُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ الْإِطْلَاقُ فِي عَدَمِ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ قَالَ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفٌ صَالَحَ عَلَى مِائَةٍ إلَى شَهْرٍ وَعَلَيَّ مِائَتَيْنِ إنْ لَمْ يُعْطِهِ إلَى شَهْرٍ لَا يَصِحُّ لِجَهَالَةِ الْمَحْطُوطِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِعْطَاءِ تِسْعُ مِائَةٍ وَعَلَى تَقْدِير عَدَمِهِ ثَمَانِ مِائَةٍ اهـ.
قَوْلُهُ (وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ) بِأَنْ قَالَ أَبْرَأْتُك عَنْ دَيْنِي عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا أَوْ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِالتَّمْلِيكَاتِ فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ قَيَّدَ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْكَفَالَةِ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ كَقَوْلِهِ إنْ وَافَيْت بِهِ غَدًا فَأَنْتَ بَرِيءٌ فَوَافَاهُ بِهِ بَرِئَ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَوْجَهُ. مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لَا تَمْلِيكٌ ذَكَرَهُ فِي الْكَفَالَةِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا وَبَطَلَ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ فَصْلٍ فِي هِبَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ الزَّوْجِ، وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ لِمَدْيُونِهِ إذَا مِتّ فَأَنْت بَرِيءٌ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك جَازَ وَتَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ، وَلَوْ قَالَ إنْ مِتّ فَأَنْت بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَا يَبْرَأُ وَهُوَ مُخَاطِرُهُ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت بَرِيءٌ مِمَّا لِي
ــ
[منحة الخالق]
تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى أَيْضًا وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ لَا تَدْخُلُ وَحِينَئِذٍ فَلَا خَطَأَ فِي كَلَامِ الْمَاتِنِ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا الْعَيْنِيَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الرَّجْعَةُ مِمَّا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَوَّلَ الْبَحْثِ مِنْ الْأَصْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ إلَخْ) قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ وَفِي الْخُلَاصَةِ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ وَكَذَا إضَافَتُهَا إلَى مُسْتَقْبَلٍ كَالنِّكَاحِ كَمَا إذَا قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ رَاجَعْتُك وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ وَلَا يَحْلِفُ بِالرَّجْعَةِ يَقُولُ الْحَقِيرُ فِي إطْلَاقِ كَلَامِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ عَدَمَ التَّحْلِيفِ فِي الرَّجْعَةِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَيَحْلِفُ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ فِي فَصْلِ التَّحْلِيفِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِالشَّرْطِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ. كَلَامُ نُورِ الْعَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يُحْلَفُ بِهِ كَالْحَجِّ فَيُقَالُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجٌّ وَالرَّجْعَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ فَكَوْنُهَا مِمَّا يُحْلَفُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِنْكَارِ كَالْخِلَافِ فِي النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الدَّيْنِ لَيْسَ مِنْ مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَكَوْنُهُ مُعْتَبَرًا بِالتَّمْلِيكَاتِ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى بُطْلَانِ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ وَلِذَلِكَ فَرَّعَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي. اهـ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ النَّهْرِ مِنْ مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ لَكِنْ فِي الْحَوَاشِي الْعَزْمِيَّةِ عَنْ الْإِيضَاحِ الْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِأَنْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ أَبْرَأْت ذِمَّتَك عَنْ دَيْنِي بِشَرْطِ أَنَّ لِي الْخِيَارَ فِي رَدِّ الْإِبْرَاءِ وَتَصْحِيحِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت أَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَقَدْ أَبْرَأْتُك. اهـ.
أَقُولُ: وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَذِكْرُهُ هُنَا مُنَاسِبٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا يَبْطُلُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ لَا يَبْرَأُ وَهُوَ مُخَاطَرَةٌ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمُخَاطَرَةَ فِي مَوْتِهِ مَدْيُونًا وَإِلَّا فَالْمَوْتُ مُحَقَّقُ الْوُجُودِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى مَوْتِ الدَّائِنِ فَإِنَّ فِيهِ مُخَاطَرَةً مِنْ حَيْثُ مَوْتِهِ وَالدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّعْلِيقَ عَلَى مَوْتِهِ يُجْعَلُ وَصِيَّةً وَالْوَصِيَّةُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ
стр. 2103
عَلَيْك لَا يَبْرَأُ. اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا لَوْ قَالَتْ الْمَرِيضَةُ لِزَوْجِهَا إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَمَهْرِي عَلَيْك صَدَقَةٌ أَوْ أَنْت فِي حِلٍّ مِنْ مَهْرِي فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ كَانَ مَهْرُهَا عَلَى زَوْجِهَا لِأَنَّ هَذِهِ مُخَاطَرَةٌ فَلَا تَصِحُّ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَوْتِ الدَّائِنِ صَحِيحٌ إلَّا إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ وَارِثًا لَهُ وَعَلَّقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الدَّعْوَى قَالَ الْمَدْيُونُ دَفَعْت إلَى فُلَانٍ فَقَالَ إنْ كُنْت دَفَعْت إلَيْهِ فَقَدْ أَبْرَأْتُك صَحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِأَمْرٍ كَائِنٍ. اهـ.
وَمِنْ فُرُوعِ عَدَمِ صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْخَصْمِ إنْ حَلَفْت فَأَنْت بَرِيءٌ فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ بِخَطَرٍ وَهِيَ لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الْهِبَةِ امْرَأَةٌ قَالَتْ لِزَوْجِهَا وَهَبْت مَهْرِي مِنْك عَلَى أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ تَتَزَوَّجُهَا تَجْعَلُ أَمْرَهَا بِيَدِي فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الزَّوْجُ ذَلِكَ بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ جَازَتْ الْهِبَةُ، ثُمَّ إنْ فَعَلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ فَالْهِبَةُ مَاضِيَةٌ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْبَعْضِ كَمَنْ أَعْتَقَ أَمَةً عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فَقَبِلَتْ عَتَقَتْ تَزَوَّجَتْ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ امْرَأَةٌ قَالَتْ لِزَوْجِهَا وَهَبْت مَهْرِي إنْ لَمْ تَظْلِمْنِي فَقَبِلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ وَأَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ الْهِبَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِالشَّرْطِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ وَهَبْت مِنْك مَهْرِي عَلَى أَنْ لَا تَظْلِمَنِي فَقَبِلَ صَحَّتْ الْهِبَةُ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِالْقَبُولِ، فَإِذَا قَبِلَتْ تَمَّتْ الْهِبَةُ فَلَا يَعُودُ الْمَهْرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَدْخُلْ، وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ عَلَى دُخُولِك الدَّارَ فَقَالَتْ قَبِلْت وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ فِي مَسْأَلَةِ الظُّلْمِ مَهْرُهَا عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ إذَا ظَلَمَهَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَرْضَ بِالْهِبَةِ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا فَاتَ الشَّرْطُ فَاتَ الرِّضَا، أَمَّا الطَّلَاقُ فَالرِّضَا فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إذَا تَرَكَتْ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا عَلَى الزَّوْجِ عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا فَقَبِلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَلَمْ يَحُجَّ بِهَا كَانَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ مَوْلَانَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْحَجِّ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الظُّلْمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ لَمَّا شَرَطَتْ الْحَجَّ بِهَا فَقَدْ شَرَطَتْ نَفَقَةَ الْحَجِّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْعِوَضُ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ، أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الظُّلْمِ شَرَطَتْ عَلَيْهِ تَرْكَ الظُّلْمِ وَتَرْكُ الظُّلْمِ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا قَالَ مَوْلَانَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ثُمَّ ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ إذَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَظْلِمَهَا فَقَبِلَ الزَّوْجُ، ثُمَّ ضَرَبَهَا وَأَجَابَا كَمَا ذُكِرَ وَعِنْدِي إذَا ضَرَبَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا إذَا ضَرَبَهَا لِتَأْدِيبٍ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهَا لَا يَعُودُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ حَقًّا لَا يَكُونُ ظُلْمًا.
امْرَأَةٌ وَهَبَتْ مَهْرَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِيَقْطَعَ لَهَا فِي كُلِّ حَوْلٍ ثَوْبًا مَرَّتَيْنِ وَقَبِلَ الزَّوْجُ فَمَضَى حَوْلَانِ وَلَمْ يَقْطَعْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ فَمَهْرُهَا عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْعِوَضُ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ سَقَطَ مَهْرُهَا وَلَا يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ وَهَبَتْ مَهْرَهَا عَلَى أَنْ يُحْسِنَ إلَيْهَا وَلَمْ يُحْسِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بَاطِلَةً وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ.
رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَبْرِئِينِي مِنْ مَهْرِك حَتَّى أَهَبَ لَك كَذَا فَأَبْرَأَتْهُ، ثُمَّ أَبَى الزَّوْجُ أَنْ يَهَبَ مِنْهَا مَا قَالَ كَانَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ.
امْرَأَةٌ وَهَبَتْ مَهْرَهَا مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا وَلَا يُطَلِّقَهَا فَقَبِلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقَّتَ لِلْإِمْسَاكِ وَقْتًا لَا يَعُودُ مَهْرُهَا عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ وَقَّتَ وَقْتًا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ فَقِيلَ لَهُ إذَا لَمْ يُوَقِّتْ لِذَلِكَ وَقْتًا كَانَ قَصْدُهَا أَنْ يُمْسِكَهَا مَا عَاشَ قَالَ نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا رَجُلٌ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَقَبِلَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِزَمَانٍ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ.
امْرَأَةٌ وَهَبَتْ مَهْرَهَا مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فَقَبِلَ الزَّوْجُ قَالَ خَلَفٌ صَحَّتْ الْهِبَةُ طَلَّقَهَا
ــ
[منحة الخالق]
بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ عَلَى مَوْتِ الْمَدِينِ فَإِنَّهُ إبْرَاءٌ مَحْضٌ فَيَبْقَى مُعَلَّقًا عَلَى مَا فِيهِ مُخَاطَرَةٌ فَلَا يَصِحُّ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ: كَانَ مَهْرُهَا عَلَى زَوْجِهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ تَصِحُّ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ كَوْنُهُ وَارِثًا. اهـ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمَانِعَ إلَخْ مَعَ قَوْلِ الْخَانِيَّةِ لِأَنَّ هَذِهِ مُخَاطَرَةٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَرَثَةٌ غَيْرُهُ لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ لَمْ يُجْعَلْ التَّعْلِيقُ بِمَوْتِ الدَّائِنِ مُخَاطَرَةً بَلْ جُعِلَ وَصِيَّةً فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْمُخَاطَرَةِ هُنَا كَوْنُهُ وَقْتَ الْمَوْتِ مِمَّنْ تَصِحُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِأَنْ يُطْلِقَهَا وَيَصِيرُ أَجْنَبِيًّا أَوْ تُجِيزُ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَعَدَمِهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الدَّعْوَى قَالَ الْمَدْيُونُ إلَخْ) وَمِثْلُهُ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ إنْ كَانَ لِي عَلَيْك دَيْنٌ فَقَدْ أَبْرَأْتُك وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَرِئَ إذَا عَلَّقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ فَتَنَجَّزَ. اهـ.
стр. 2104
أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الطَّلَاقِ لَا يَكُونُ عِوَضًا بَقِيَتْ هَذِهِ هِبَةً بِشَرْطٍ فَاسِدٍ وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
وَذُكِرَ فِي النَّوَازِلِ إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا تَرَكْت مَهْرِي عَلَيْك عَلَى أَنْ تَجْعَلَ أَمْرِي بِيَدِي فَفَعَلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ قَالَ مَهْرُهَا عَلَيْهِ مَا لَمْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا، وَلَوْ وَهَبَتْ مَهْرَهَا الَّذِي عَلَى الْمُطَلِّقِ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ أَبَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَالُوا مَهْرُهَا عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ تَزَوَّجَهَا أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا؛ لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْمَالَ عَلَى نَفْسِهَا عِوَضًا عَنْ النِّكَاحِ وَفِي النِّكَاحِ الْعِوَضُ لَا يَكُونُ عَلَى الْمَرْأَةِ. اهـ.
مَا فِي الْخَانِيَّةِ فَإِنْ قُلْتُ: إنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ إبْرَاءٌ فَكَيْفَ صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قُلْتُ: الْإِبْرَاءُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ الْمُتَعَارَفِ وَبِهَذَا يَجِبُ تَقْيِيدُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ أَطْلَقَ فَفِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا الَّتِي قَالُوا فِيهَا بِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُتَعَارَفِ وَمَا قَالُوا فِيهَا بِعَدَمِهَا فَإِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمُتَعَارَفِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ أَيْضًا مَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ مَسَائِلِ الْإِبْرَاءِ بِالطَّلَاقِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ مُطَلَّقَتُهُ بِشَرْطِ الْإِمْهَارِ صَحَّ التَّعْلِيقُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُتَعَارَفٌ وَتَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ مُتَعَارَفٍ جَائِزٌ فَإِنْ قَبِلَ الْإِمْهَارَ وَهَمَّ بِأَنْ يُمْهِرَهَا فَأَبَتْ وَلَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا مِنْهُ لَا يَبْرَأُ لِفَوَاتِ الْإِمْهَارِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ الْمَبْتُوتَةُ بِشَرْطِ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ بِمَهْرٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةٌ، فَلَوْ جَدَّدَ لَهَا نِكَاحًا بِدِينَارٍ فَأَبَتْ لَا يَبْرَأُ بِدُونِ الشَّرْطِ قَالَتْ الْمُسَرِّحَةُ لِزَوْجِهَا تَزَوَّجْنِي فَقَالَ لَهَا هَبِي لِي الْمَهْرَ الَّذِي لَك عَلَيَّ فَأَتَزَوَّجُك فَأَبْرَأَتْهُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطِ التَّزَوُّجِ يَبْرَأُ إذَا تَزَوَّجَهَا وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ دَلَالَةً وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا لِأَنَّ هَذَا الْإِبْرَاءَ عَلَى سَبِيلِ الرِّشْوَةِ فَلَا يَصِحُّ أَبْرَأَتْهُ بِشَرْطِ أَنْ يُمْسِكَهَا بِمَعْرُوفٍ وَيُحْسِنُ مُعَاشَرَتَهَا وَلَا يُؤْذِيهَا وَلَا يُطَلِّقُهَا فَقَبِلَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَأَغَارَ عَلَى مَالِهَا وَأَذَاهَا وَطَلَّقَهَا فَالْإِبْرَاءُ بِهَذَا الشَّرْطِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَسَاقَ فِيهَا فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي بَعْضِهَا لَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ وَفِي بَعْضِهَا يَصِحُّ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ قَالَ كُلُّ حَقٍّ لِي عَلَيْك فَقَدْ أَبْرَأْتُك لَا يَصِحُّ وَكَذَا إضَافَةُ الْإِبْرَاءِ إلَى مَا يَجِبُ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ الدَّنَانِيرُ الْعَشَرَةُ الَّتِي لِي عَلَيْك اعْطِنِي مِنْهَا خَمْسَةً وَوَهَبْت مِنْك الْخَمْسَةَ صَحَّ الْإِبْرَاءُ سَوَاءٌ أَعْطَاهُ الْخَمْسَةَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ تَنْجِيزُ الْإِبْرَاءِ لَا تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك عَنْ الْخَمْسَةِ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ الْخَمْسَةَ حَالَّةً فَإِنْ كَانَتْ الْعَشَرَةُ حَالَّةً صَحَّ الْإِبْرَاءُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْخَمْسَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ حَالًّا فَلَا يَكُونُ هَذَا تَعْلِيقَ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطِ تَعْجِيلِ الْخَمْسَةِ، وَلَوْ مُؤَجَّلَةً بَطَلَ الْإِبْرَاءُ إذَا لَمْ يُعْطِهِ الْخَمْسَةَ حَالًّا. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ هُوَ تَعْلِيقًا وَعَلَيْهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ هُنَاكَ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ لَا تَعْلِيقُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّرْحِ فَاغْتَنِمْهُ وَاحْفَظْ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الْإِبْرَاءِ.
قَوْلُهُ (وَعَزْلُ الْوَكِيلِ) بِأَنْ قَالَ لِوَكِيلِهِ عَزَلْتُك عَلَى أَنْ تُهْدِيَ إلَيَّ شَيْئًا أَوْ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَحْلِفُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، كَذَا ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ وَتَعْلِيلُهُ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا خَطَأٌ أَيْضًا وَأَنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ لَيْسَ مِنْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ دَلَالَةً) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفٌ فَقَالَ أَدِّ إلَيَّ غَدًا نِصْفَهُ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ الْفَضْلِ فَفَعَلَ بَرِئَ، وَلَوْ قَالَ إنْ أَوْ إذَا أَوْ مَتَى أَدَّيْت لَا يَصِحُّ وَفَرَّقَ الشَّارِحُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يُعَلِّقْ الْبَرَاءَةَ بِصَرِيحِ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالتَّقْيِيدِ وَفِي الثَّانِي بِصَرِيحِهِ وَهِيَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ. اهـ.
أَقُولُ: قَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي الصُّلْحِ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي خَمْسَمِائَةٍ غَدًا يَبْرَأُ مُطْلَقًا أَدَّى خَمْسَمِائَةٍ فِي الْغَدِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِالْإِطْلَاقِ أَوَّلًا فَلَا تَتَغَيَّرُ بِمَا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي آخِرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْأُولَى أَعْنِي قَوْلَهُ أَدِّ غَدًا نِصْفَهُ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ الْفَضْلِ فَفَعَلَ بَرِئَ وَإِلَّا لَا وَحَاصِلُ الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كَلِمَةَ " عَلَى " تَكُونُ لِلشَّرْطِ كَمَا تَكُونُ لِلْمُعَاوَضَةِ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْإِبْرَاءُ يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالشَّرْطِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّمَ الْإِبْرَاءَ لِأَنَّهُ بَرِئَ بِالْبُدَاءَةِ فَلَا يَعُودُ الدَّيْنُ بِالشَّكِّ وَفِي الْأُولَى لَمْ يَبْرَأْ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ فَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ بِالشَّكِّ وَهَذَا لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَى مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ وَأَنْ تَكُونَ لِلْعِوَضِ فَيَبْرَأُ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْرَأُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّقْرِيرُ) الَّذِي تَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الدَّيْنِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إلَّا إذَا عَلَّقَ بِمَوْتِ الدَّائِنِ وَلَمْ يَكُنْ الْمَدْيُونُ وَارِثًا أَوْ عَلَّقَهُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ أَوْ بِشَرْطٍ مُتَعَارَفٍ وَتَحَصَّلَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ فَهُوَ مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كَلَامِ الْمَاتِنِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا خَطَأٌ أَيْضًا إلَخْ) نُقِلَ فِي الْحَوَاشِي الْعَزْمِيَّةِ عَنْ الْإِيضَاحِ
стр. 2105
هَذَا الْقَبِيلِ وَهُوَ مَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَكِنْ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الرَّجْعَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مِنْ قِسْمِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَعْلِيقُ عَزْلِ الْوَكِيلِ بِالشَّرْطِ يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ الصُّغْرَى وَلَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الَّذِي يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّمْلِيكِ وَالْعَزْلُ لَيْسَ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فَيَجِبُ إلْحَاقُهُ بِالْقِسْمِ الثَّانِي، وَأَرْجُو مِنْ كَرَمِ الْفَتَّاحِ الظَّفَرَ بِالنَّقْلِ فِي الرَّجْعَةِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ مُوَافِقًا لِمَا قُلْتُهُ وَقَيَّدَ بِالْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ عَزْلِ الْقَاضِي اخْتِلَافًا فَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ إذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَأَنْت مَعْزُولٌ يَنْعَزِلُ بِوُصُولِهِ وَقِيلَ لَا. اهـ.
وَسَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ صَرِيحًا أَنَّ عَزْلَ الْقَاضِي مِمَّا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْعَبْدِ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَالِاعْتِكَافُ) بِأَنْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ إنْ شَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضِي أَوْ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُحْلَفُ بِهِ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، كَذَا ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاعْتِكَافِ النَّذْرُ بِهِ وَالْتِزَامُهُ لِيَكُونَ قَوْلًا يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ وَعِنْدِي أَنَّ ذِكْرَهُ هَذَا فِي هَذَا الْقِسْمِ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ كَوْنِهِ يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَمِنْ كَوْنِهِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، أَمَّا الثَّانِي فَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ بَابُ الِاعْتِكَافِ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَدَخَلَ فَعَلَيْهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ عِنْدَ عُلَمَائِنَا. اهـ.
فَإِذَا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَمْ يَبْطُلْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَمَا جَازَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ. اهـ.
لَكِنَّهُ ذَكَرَ إيجَابَ الِاعْتِكَافِ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ، وَذُكِرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ إيجَابَ الِاعْتِكَافِ فَقَالَ وَتَعْلِيقُ وُجُوبِ الِاعْتِكَافِ بِالشَّرْطِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَيْثُ جَعَلَ إيجَابَ الِاعْتِكَافِ مِمَّا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَعَزَاهُ إلَى الْخُلَاصَةِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَمْ يَقُلْ فِي رِوَايَةٍ مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ هُوَ الْمَنْذُورُ تَنْجِيزًا أَوْ تَعْلِيقًا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ وَالْعَجَبُ مِنْ الْعَيْنِيِّ كَيْفَ مَشَى هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مِنْ بَابِ الِاعْتِكَافِ وَالْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ يُعَلِّقَهُ بِشَرْطٍ فَيَقُولُ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي. اهـ.
فَقَدْ أَتَى بِعَيْنِ مَا مَثَّلَ بِهِ هُنَا وَتَنَاقَضَ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْمَنْذُورِ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَيِّ عِبَادَةٍ كَانَتْ حَتَّى أَنَّ الْوَقْفَ كَمَا سَيَأْتِي لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، وَلَوْ عَلَّقَ النَّذْرَ بِهِ بِشَرْطٍ صَحَّ التَّعْلِيقُ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ مِنْ الْفَصْلِ السَّابِعِ فِي النَّذْرِ بِالصَّدَقَةِ رَجُلٌ ذَهَبَ لَهُ شَيْءٌ فَقَالَ إنْ وَجَدْته فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقِفَ أَرْضِي عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ فَوَجَدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ وَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ وَاجِبٌ، وَقَالَ قَبْلَهُ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ فَدَخَلَ الدَّارَ وَهُوَ يَنْوِي بِدُخُولِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَدَخَلَ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَمِينٌ وَالْيَمِينُ لَازِمٌ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهَا، فَإِذَا دَخَلَ الدَّارَ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِهَا بِجِهَةِ الْيَمِينِ. اهـ.
فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمَنْذُورَ الْمُعَلَّقَ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ وَحِينَئِذٍ صَحَّ التَّعْلِيقُ وَبِهَذَا ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ الشَّارِحِينَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَحْلِفُ بِهِ وَصَرَّحَ فِي النَّذْرِ بِالصَّوْمِ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ يَجِبُ بِالنَّذْرِ وَالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَالشُّرُوعِ فِيهِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ رَجَبَ فَعَجَّلَ شَهْرًا قَبْلَهُ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّذْرَ
ــ
[منحة الخالق]
مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ فَسَادُ عَزْلِ الْوَكِيلِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ عَزَلْت فُلَانًا عَنْ الْوَكَالَةِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي خُلْعَةً وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْطِي الْوَكِيلُ الْمُوَكِّلَ لِأَجْلِ الْعَزْلِ شَيْئًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَالْوَكَالَةُ بَاقِيَةٌ لِفَسَادِ الْعَزْلِ وَتَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ أَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ عَزَلْتُك غَدًا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَذَا قَالَ قَاضِي خَانْ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ. اهـ.
فَقَوْلُهُ وَالْوَكَالَةُ بَاقِيَةٌ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِهِ بِالشَّرْطِ إذْ لَوْ صَحَّ الْعَزْلُ لَمْ تَكُنْ الْوَكَالَةُ بَاقِيَةً عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عَدَمُ بُطْلَانِهِ بِالشَّرْطِ فَذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَحِلِّ لَيْسَ بِخَطَأٍ بَلْ صَحِيحٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ التَّرْجَمَةَ قَاعِدَتَانِ لَا وَاحِدَةٌ.
стр. 2106
لَوْ كَانَ مُعَلَّقًا بِأَنْ قَالَ إنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا فَعَجَّلَ شَهْرًا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ. اهـ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ بِوَضْعِهَا دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّ النَّذْرَ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ إذَا وُجِدَ شَرْطُهُ، وَأَمَّا تَعْجِيلُهُ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ مِمَّا أَخْطَئُوا فِيهِ فِي بَيَانِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَالْخَطَأُ هُنَا أَقْبَحُ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ وَأَفْحَشُ لِكَثْرَةِ الصَّرَائِحِ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِهِ وَأَنَا مُتَعَجِّبٌ لِكَوْنِهِمْ تَدَاوَلُوا هَذِهِ الْعِبَارَاتِ مُتُونًا وَشُرُوحًا وَفَتَاوَى وَلَمْ يَتَنَبَّهُوا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَأِ بِتَغَيُّرِ الْأَحْكَامِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. وَقَدْ يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مُؤَلِّفًا يَذْكُرُ شَيْئًا خَطَأً فِي كِتَابِهِ فَيَأْتِي مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ فَيَنْقُلُونَ تِلْكَ الْعِبَارَةَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ وَلَا تَنْبِيهٍ فَيَكْثُرُ النَّاقِلُونَ لَهَا وَأَصْلُهَا لِوَاحِدٍ مُخْطِئٍ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا عَيْبَ بِهَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مَوْلَانَا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ضَابِطَ الْمَذْهَبِ لَمْ يَذْكُرْ جُمْلَةَ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَمَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي قَوْلِ قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْأَمَانَاتِ تَنْقَلِبُ مَضْمُونَةً بِالْمَوْتِ عَنْ تَجْهِيلٍ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ.
ثُمَّ إنِّي تَتَبَّعْت كَلَامَهُمْ فَوَجَدْت سَبْعَةً أُخْرَى زَائِدَةً عَلَى الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ إنِّي نَبَّهْت عَلَى أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِلنَّاطِقِيِّ أَخْطَأَ فِيهَا، ثُمَّ تَدَاوَلُوهَا وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَقِّقَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى جَمْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَوَضَعَهَا فِي كِتَابِهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ ضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ، وَلَوْ حَذَفَهَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكَانَ أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ (وَالْمُزَارَعَةُ) بِأَنْ قَالَ زَارَعْتُك أَرْضِي عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي كَذَا أَوْ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَالْإِجَارَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْمُزَارَعَةِ شَرْطًا فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْمُزَارِعِ أَوْ رَبِّ الْأَرْضِ مَا لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْمُزَارَعَةِ فَسَدَتْ وَمَا يَنْبُتُ وَمَا يَنْمِي الْخَارِجَ أَوْ يَزِيدُ فِي وُجُودِ الْخَارِجِ فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ وَمَا لَا يَنْبُتُ وَلَا يَنْمِي وَلَا يَزِيدُ فِي الْخَارِجِ فَلَيْسَ مِنْ أَعْمَالِهَا، فَإِذَا شَرَطَ عَلَى الْمُزَارِعِ أَوْ رَبِّهَا الْحَصَادَ أَوْ الدِّيَاسَةَ فَسَدَتْ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. اهـ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَفْرِيعَاتٍ كَثِيرَةٍ هَذَا كُلُّهُ فِي الشَّرْطِ النَّافِعِ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ شَرَطَ أَلَّا يَنْفَعَ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَسْقِي أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ لَا تَفْسُدُ الْمُزَارَعَةُ وَفِيمَا إذَا كَانَ شَرْطًا مُفْسِدًا لَوْ أَبْطَلَاهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا وَإِلَّا عَادَ جَائِزًا إلَى آخِرِ مَا فِيهَا.
قَوْلُهُ (وَالْمُعَامَلَةُ) وَهِيَ الْمُسَاقَاةُ بِأَنْ قَالَ سَاقَيْتُك شَجَرِي أَوْ كَرْمِي عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي كَذَا أَوْ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ أَيْضًا، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ.
قَوْلُهُ (وَالْإِقْرَارُ) بِأَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا إنْ أَقْرَضَنِي كَذَا أَوْ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُحْلَفُ بِهِ عَادَةً فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِمَوْتِهِ أَوْ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجُحُودِ أَوْ دَعْوَى الْأَجَلِ فَيَلْزَمُهُ لِلْحَالِ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَمِنْ فُرُوعِ تَعْلِيقِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْطَئُوا فِيهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ تَعَقَّبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ بِأَنَّ مَا هُنَا فِي تَعْلِيقِ الِاعْتِكَافِ لَا فِي تَعْلِيقِ النَّذْرِ بِهِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا فِي هِبَةِ النِّهَايَةِ جُمْلَةُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا وَعَدَّ مِنْهَا تَعْلِيقَ إيجَابِ الِاعْتِكَافِ بِالشَّرْطِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا إذَا قَالَ أَوْجَبْت عَلَى الِاعْتِكَافِ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَتَدَبَّرْهُ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالتَّأَدُّبُ مَعَ سَادَاتِنَا الْأَعْلَامِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ وَاجِبٌ بِلَا كَلَامٍ وَالْحَقُّ أَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةٍ فِي الِاعْتِكَافِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى هِيَ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَكْثَرُ وَكَوْنُ مُحَمَّدٍ لَمْ يَذْكُرْهَا مَجْمُوعَةً لَا يَقْدَحُ فِي ثُبُوتِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا لِذِكْرِهِ لَهَا مُتَفَرِّقَةً وَالْعُذْرُ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا مَجْمُوعَةً أَنَّهُ الْتَزَمَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقُدُورِيِّ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَيْسَ فِيهِمَا ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ حَذَفَهَا فِي الْمَجْمَعِ لِالْتِزَامِهِ الْمَنْظُومَةَ وَالْقُدُورِيُّ. اهـ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ مَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ مَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَتَعْلِيقُ الِاعْتِكَافِ بِالشَّرْطِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُهُ، كَذَا ذُكِرَ فِي صَوْمِ الْأَصْلِ. اهـ.
وَالْأَصْلُ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي الْحَوَاشِي الْعَزْمِيَّةِ فَسَادُ الِاعْتِكَافِ بِالشَّرْطِ بِأَنْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ اعْتِكَافُ أَيَّامٍ نَوَيْت أَنْ أَعْتَكِفَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِأَجَلِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا أَصُومَ أَوْ أُبَاشِرَ امْرَأَتِي فِي الِاعْتِكَافِ أَوْ أَنْ أَخْرُجَ عَنْهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت بِحَاجَةٍ أَوْ بِغَيْرِ حَاجَةٍ يَكُونُ الِاعْتِكَافُ فَاسِدًا وَتَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ بِأَنْ يَقُولَ نَوَيْت أَنْ أَعْتَكِفَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. اهـ.
وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ أَوَّلًا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُ بَعْضِهِمْ بِإِيجَابِ الِاعْتِكَافِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَالَ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ مَثَلًا ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ نَوَيْت الِاعْتِكَافَ الْمَنْذُورَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ أَوْجَبَ الِاعْتِكَافَ مُعَلَّقًا فَلَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَعْلِيقِ إيجَابِهِ تَعْلِيقَ النَّذْرِ بِهِ بَلْ تَعْلِيقُ الشُّرُوعِ فِيهِ فَلَا خَطَأَ فِي كَلَامِهِمْ أَصْلًا وَإِنَّمَا الْخَطَأُ فِي فَهْمِ مَرَامِهِمْ وَحَيْثُ ثَبَتَ بُطْلَانُ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ صَحَّ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ
стр. 2107
مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَالْوَلْوالِجِيَّة فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَقَالَ لَهُ الْمَطْلُوبُ إنْ لَمْ آتِك غَدًا فَهُوَ عَلَيَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ غَدًا لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ بِالْخَطَرِ وَتَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ. اهـ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ بِكَذَا وَإِلَّا فَعَلَيْهِ كَذَا لَوْ قَالَ قَدْ ابْتَعْت مِنْ فُلَانٍ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلِفُلَانٍ عَلَيَّ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ إنْ أَقَرَّ رَبُّ الْعَبْدِ بِبَيْعِ الْعَبْدِ لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَادًّا لِإِقْرَارِهِ حِينَ أَنْكَرَ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْهُ وَإِقْرَارُهُ بِالْخَمْسِمِائَةِ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ. اهـ.
وَقَالَ فِي بَابِ الْيَمِينِ وَالْإِقْرَارِ رَجُلٌ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إنْ حَلَفَ أَوْ عَلَى أَنْ يَحْلِفَ أَوْ إذَا حَلَفَ أَوْ مَتَى يَحْلِفُ أَوْ حِينَ حَلَفَ أَوْ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ فِي يَمِينِهِ أَوْ بَعْدَ يَمِينِهِ فَحَلَفَ فُلَانٌ عَلَى ذَلِكَ وَجَحَدَ الْمُقِرُّ الْمَالَ لَمْ يُؤْخَذْ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَاطَرَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلَّقَ الْإِقْرَارَ بِشَرْطٍ فِيهِ خَطَرٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَصْمِ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يُخْرِجُ كَلَامَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا. اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الْإِقْرَارِ الْإِقْرَارُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا مُقِرٌّ بِطَلَاقِهَا أَوْ بِعِتْقِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِهِمَا وَبَيْنَ الْإِنْشَاءِ قُلْتُ: ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ الدُّخُولُ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَيَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَا نَقَلْنَاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إنْشَاءِ الطَّلَاقِ فَطَلَّقَ وَقَعَ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ فَأَقَرَّ لَمْ يَقَعْ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْإِقْرَارِ ادَّعَى مَالًا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كُلُّ مَا يُوجَدُ فِي تَذْكِرَةِ الْمُدَّعِي بِخَطِّهِ فَقَدْ الْتَزَمْته لَا يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَقَرَّ فُلَانٌ عَلَيَّ فَأَنَا مُقِرٌّ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ فُلَانٌ وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَخْذٌ وَعَطَاءٌ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لِلطَّالِبِ مَا تَقُولُ فَهُوَ كَذَلِكَ أَوْ مَا يَكُونُ فِي جَرِيدَتِك فَهُوَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إقْرَارًا إلَّا إذَا كَانَ فِي الْجَرِيدَةِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ أَوْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي شَيْئًا مَعْلُومًا فَقَالَ الْمُدَّعِي مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ تَصْدِيقًا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ لَا يَلْحَقُ بِالْمَجْهُولِ وَكَذَا إذَا أَشَارَ لِلْجَرِيدَةِ، وَقَالَ مَا فِيهَا فَهُوَ عَلَيَّ كَذَلِكَ يَصِحُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُشَارًا إلَيْهِ لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ. اهـ.
وَقَدْ حَكَى الشَّارِحُ الِاخْتِلَافَ فِيمَا إذَا عَلَّقَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِشَرْطٍ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فَنُقِلَ عَنْ النِّهَايَةِ كَمَا هُنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ الْمُعَلَّقَ بَاطِلٌ وَنُقِلَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْإِقْرَارَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَنُقِلَ عَنْ الْمَبْسُوطِ مَا يَشْهَدُ لِلْمُحِيطِ فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُهُ وَالْحَقُّ تَضْعِيفُهُ لِتَصْرِيحِهِمْ هُنَا بِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَالْوَقْفَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
قَوْلُهُ (وَالْوَقْفُ) بِأَنْ قَالَ وَقَفْت دَارِي إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ وَقَفْت دَارِي عَلَيْك إنْ أَخْبَرْتنِي بِقُدُومِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُحْلَفُ بِهِ أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْوَقْفُ فِي رِوَايَةٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ رِوَايَتَيْنِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ، فَلَوْ قَالَ إنْ قَدِمَ وَلَدِي فَدَارِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَجَاءَ وَلَدُهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا. اهـ.
وَفِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ، وَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ قَالَ إذَا كَلَّمْت فُلَانًا أَوْ إذَا تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ يَكُونُ الْوَقْفُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَالْوَقْفُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالْخَطَرِ لِكَوْنِهِ مِمَّا لَا يُحْلَفُ بِهِ بِخِلَافِ النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ وَيُحْلَفُ بِهِ، فَلَوْ قَالَ إنْ بَرِئْت مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِعَيْنِهَا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، وَلَوْ قَالَ هِيَ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ إنْ شِئْت أَوْ أَحْبَبْت أَوْ رَضِيت أَوْ هَوِيت كَانَ بَاطِلًا اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَيْنِيُّ صُورَةَ بُطْلَانِهِ بِالشَّرْطِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَقَالَ الْمَطْلُوبُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ عَلَى خَطَرٍ وَلَمْ يَتَضَمَّنْ دَعْوَى أَجَلٍ بَاطِلٌ وَأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ مَسَائِلِ تَعْلِيقِ الْإِقْرَارِ فِي بَابِ دَعْوَى الرَّجُلَيْنِ (قَوْلُهُ فَقَالَ الْمُدَّعِي مَا ذَكَرْنَا) لَعَلَّهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ حَكَى الشَّارِحُ الِاخْتِلَافَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا النَّقْلُ عَنْ الشَّارِحِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ النِّهَايَةِ فَرْعًا هُوَ غَصَبْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ أَمْسِ إنْ شَاءَ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِحْسَانًا يَعْنِي لِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ وَالْقِيَاسُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ بَاطِلٌ وَذَكَرَ عِلَّةَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، وَقَالَ بَعْدَهُ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى مَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ يَعْنِي لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ يَقُولُ وَقَدْ حَكَى الِاخْتِلَافَ إلَخْ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْ. اهـ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْمُحِيطِ يُفِيدُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ لَازَمَ بُطْلَانَ التَّعْلِيقِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ هُنَاكَ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ يُفِيدُ صِحَّةَ التَّعْلِيقِ فَبَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ. (قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ تَضْعِيفُهُ لِتَصْرِيحِهِمْ هُنَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ وَالِاعْتِكَافِ. اهـ. أَيْ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِيهِمَا وَإِنْ صَرَّحَ غَيْرُهُمْ بِخِلَافِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَيْنِيُّ صُورَةَ بُطْلَانِهِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ إلَخْ) أَقُولُ: فِي كَوْنِهِ مِمَّا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ مُبَادَلَةَ
стр. 2108
الْفَاسِدِ وَصُورَتُهُ مَا فِي الْإِسْعَافِ وَقَفَهَا عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلَهَا أَوْ عَلَى لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَ أَصْلَهَا وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا كَانَ الْوَقْفُ بَاطِلًا. اهـ. وَقَدَّمْنَا فِي الْوَقْفِ أَنَّ شَرْطَ الِاسْتِبْدَالِ صَحِيحٌ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ.
قَوْلُهُ (وَالتَّحْكِيمُ) بِأَنْ يَقُولَ الْمُحَكِّمَانِ إذَا أَهَلَّ الشَّهْرُ أَوْ قَالَا لِعَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ إذَا أُعْتِقْت أَوْ أَسْلَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَنَا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ وَإِضَافَتُهُ إلَى زَمَانٍ كَالْوَكَالَةِ وَالْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ وَلَهُ أَنَّ التَّحْكِيمَ تَوْلِيَةٌ صُورَةً وَصُلْحٌ مَعْنًى فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صُلْحٌ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَلَا إضَافَتُهُ وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَوْلِيَةٌ يَصِحُّ فَلَا يَصِحُّ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ الْقَضَاءِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ فَاتَ الْمُصَنِّفَ إبْطَالُ الْأَجَلِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِبْطَالُ الْأَجَلِ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِأَنْ قَالَ كُلَّمَا حَلَّ نَجْمٌ وَلَمْ تُؤَدِّ فَالْمَالُ حَالٌّ صَحَّ وَصَارَ حَالًّا. اهـ.
وَعِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ وَإِبْطَالُ الْأَجَلِ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا دَخَلَ نَجْمٌ فَلَمْ تُؤَدِّ فَالْمَالُ حَالٌّ صَحَّ وَالْمَالُ يَصِيرُ حَالًّا. اهـ.
فَجَعَلَهُمَا مَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِأَنْ قَالَ تَصْوِيرًا لِلْأَوَّلِ فَسَهْوٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَقِيَ الْأَجَلُ فَكَيْفَ يَقُولُ صَحَّ فَلْيُتَأَمَّلْ وَفَاتَهُ أَيْضًا تَعْلِيقُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ وَلَهُ الرَّدُّ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ فَهُوَ كَالنِّكَاحِ، وَبِهَذَا اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَاتَهُ بَيَانُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَمَا فَاتَهُ مَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ.
قَوْلُهُ (وَمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ الْقَرْضُ) بِأَنْ قَالَ أَقْرَضْتُك هَذِهِ الْمِائَةَ بِشَرْطِ أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ مِنْ بَابِ الرِّبَا وَأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُبَادَلَةِ الْمَالِيَّةِ وَهَذِهِ الْعُقُودُ كُلُّهَا لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فَيُقَالُ لَهُ فَكَيْفَ بَطَلَ عَزْلُ الْوَكِيلِ وَالِاعْتِكَافُ وَالرَّجْعَةُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ الْمُبَادَلَةِ الْمَالِيَّةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَعْلِيقُ الْقَرْضِ حَرَامٌ وَالشَّرْطُ لَا يَلْزَمُ.
قَوْلُهُ (وَالْهِبَةُ) بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَمْلُهَا لِي قَوْلُهُ (وَالنِّكَاحُ) بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَك مَهْرٌ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَفْسُدُ الشَّرْطُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَوْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ وَيَجُوزُ النِّكَاحُ وَلَا يَصِحُّ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ مَا عَلَّقَ النِّكَاحَ بِالشَّرْطِ فَيُبْطِلُ الْخِيَارَ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَسَيَأْتِي أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَعَلَيْهِ تَفَرَّعَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ تَزَوَّجْتُك إنْ أَجَازَ أَبِي أَوْ رَضِيَ فَقَالَتْ قَبِلْت لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَالنِّكَاحُ
ــ
[منحة الخالق]
مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ كَانَ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ لَا يُبْطِلُ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ وَالْوَقْفُ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَفِي الْعَزْمِيَّةِ عَلَى الدُّرَرِ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ. اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ إنَّمَا لَا يُبْطِلُ التَّبَرُّعَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبُهُ نَقْضَ عَقْدِ التَّبَرُّعِ مِنْ أَصْلِهِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ أَنْ تَبْقَى رَقَبَةُ الْأَرْضِ لَهُ أَوْ أَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا أَوْ أَنَّهُ يَبِيعُ أَصْلَهَا بِلَا اسْتِبْدَالِ شَيْءٍ مَكَانَهَا نَقْضٌ لِلتَّبَرُّعِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ لَمْ يُوجَدْ التَّبَرُّعُ أَصْلًا كَمَا إذَا قَالَ فِي الْهِبَةِ وَهَبْتُك هَذِهِ الدَّارَ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرُجَ عَنْ مِلْكِي بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِشَرْطِ أَنْ تَخْدُمَنِي سَنَةً تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ بَاطِلٌ وَلَهُ الرَّدُّ) أَيْ فَإِنَّ التَّعْلِيقَ يَبْطُلُ وَيَلْغُو وَيَبْقَى الْمُعَلَّقُ عَلَى أَصْلِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلَهُ الرَّدُّ وَفِي كَوْنِ هَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا ذَكَرَهُ الْمَاتِنُ نَظَرٌ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ لَا أَنَّهُ يَبْطُلُ نَفْسُ تَعْلِيقِهِ وَيَبْقَى هُوَ صَحِيحًا. (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَاتَهُ بَيَانُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إلَخْ) أَيْ فَاتَهُ بَيَانُ الصَّرِيحِ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ النِّكَاحَ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَالطَّلَاقُ وَهُوَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ) أَيْ يَصِحُّ وَلَا يَبْطُلُ وَإِنْ قَيَّدَ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ أَوَّلًا مَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ أَوَّلًا وَيَبْطُلُ تَعْلِيقُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ الْفُرُوعِ فَإِنَّ مِنْهَا مَا يَبْطُلُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَمِنْهَا مَا لَا يَبْطُلُ وَأَكْثَرُهَا مِمَّا لَا تَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ كَالطَّلَاقِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوِصَايَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْقَرْضِ وَالرَّهْنِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَالَةِ وَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ وَدَعْوَةِ الْوَلَدِ فَهَذِهِ كُلُّهَا مِمَّا لَا يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ كَمَا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْقَرْضُ) أَقُولُ: فِي صَرْفِ الْبَزَّازِيَّةِ أَقْرَضَهُ عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ بِالْعِرَاقِ فَسَدَ. اهـ. فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَيُقَالُ لَهُ فَكَيْفَ بَطَلَ عَزْلُ الْوَكِيلِ إلَخْ) وَكَذَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِبْرَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَالْإِقْرَارُ وَالْوَقْفُ وَالتَّحْكِيمُ وَإِبْطَالُ الْأَجَلِ الَّذِي قَدَّمَهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ فَإِنَّ جَمْعَ ذَلِكَ لَيْسَ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ لَكِنْ ذَكَرَهَا الْمَاتِنُ هُنَا بِاعْتِبَارِ بُطْلَانِ تَعْلِيقِهَا بِأَدَاةِ الشَّرْطِ لَا بِاعْتِبَارِ فَسَادِهَا بِالشُّرُوطِ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إلَخْ) عَجِيبٌ مَا فِي النَّهْرِ حَيْثُ ذُكِرَ مِنْ أَمْثِلَةِ قَوْلِهِ وَالنِّكَاحُ مَسْأَلَةٌ إنْ أَجَازَ أَبِي، فَيَقْتَضِي عَدَمَ بُطْلَانِهِ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا لَا يَبْطُلُ
стр. 2109
لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ زَادَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ فَقَبِلَ جَازَ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهُ مَدَنِيٌّ، فَإِذَا هُوَ قَرَوِيٌّ يَجُوزُ النِّكَاحُ إنْ كَانَ كُفُؤًا لَا خِيَارَ لَهَا رَجُلٌ طَلَبَ مِنْ امْرَأَةٍ نِكَاحًا بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لِي زَوْجٌ فَقَالَ الرَّجُلُ لَيْسَ لَك زَوْجٌ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِي زَوْجٌ فَقَدْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك وَقَبِلَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ قَالُوا يَجُوزُ هَذَا النِّكَاحُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ. اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ تَعْلِيقُ النِّكَاحِ بِكَائِنٍ تَنْجِيزٌ لَوْ قَالَ الْأَبُ زَوَّجْتُك ابْنَتِي إنْ لَمْ أَكُنْ زَوَّجْتهَا فَقَبِلَ صَحَّ.
قَوْلُهُ (وَالطَّلَاقُ) بِأَنْ قَالَ طَلَّقْتُك عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي قَوْلُهُ (وَالْخُلْعُ) بِأَنْ قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي الْخِيَارُ مُدَّةً سَمَّاهَا بَطَلَ الشَّرْطُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْخُلْعِ لَهَا فَصَحِيحٌ عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا مَضَى.
قَوْلُهُ (وَالْعِتْقُ) بِأَنْ قَالَ أَعْتَقْتُك عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ قَوْلُهُ (وَالرَّهْنُ) بِأَنْ قَالَ رَهَنْت عِنْدَك عَبْدِي بِشَرْطِ أَنْ أَسْتَخْدِمَهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا فِي رَهْنِ الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ أَخَذَ بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَاعَ ضَاعَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ نَعَمْ صَارَ رَهْنًا وَبَطَلَ الشَّرْطُ وَهَلَكَ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ إنْ أَوْفَيْتُك مَتَاعَك إلَى كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَالِك بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الرَّهْنُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَبْطُلُ الرَّهْنُ أَيْضًا اهـ.
قَوْلُهُ (وَالْإِيصَاءُ وَالْوَصِيَّةُ) بِأَنْ قَالَ أَوْصَيْت لَك بِثُلُثِ مَالِي إنْ أَجَازَ فُلَانٌ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِثَالُ تَعْلِيقِهَا بِالشَّرْطِ وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ إثْبَاتُ الْخِلَافَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ. اهـ.
وَمَعْنَى صِحَّةِ التَّعْلِيقِ أَنَّ الشَّرْطَ إنْ وُجِدَ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ الْمَالُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَقَدَّمْنَا عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي بَحْثِ الْإِبْرَاءِ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأُمِّ وَلَدِهِ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَقَبِلَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِزَمَانٍ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ. اهـ.
مَعَ أَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّرْطِ عَدَمَ تَزَوُّجِهَا عَقِبَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا عَدَمَهُ إلَى الْمَوْتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِزَمَانٍ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ تَزَوُّجِهَا عَقِبَ الِانْقِضَاءِ، وَأَمَّا الْإِيصَاءُ فَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَك مِائَةُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ وَصِيًّا عَنِّي فَهُوَ وَصِيٌّ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْمِائَةُ لَهُ وَصِيَّةٌ اهـ.
وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ كَأَنَّهُ قَالَ جَعَلْتُك وَصِيًّا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَك مِائَةٌ وَمَعْنَى بُطْلَانِ الشَّرْطِ مَعَ قَوْلِهِ وَالْمِائَةُ وَصِيَّةٌ لَهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْإِيصَاءِ فَيَبْطُلُ جَعْلُهَا لَهُ وَتَبْقَى وَصِيَّةً إنْ قَبِلَهَا كَانَتْ لَهُ وَإِلَّا فَلَا وَفِيهَا مِنْ الْبُيُوعِ وَتَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ وَالْوِصَايَةِ جَائِزٌ اهـ.
قَوْلُهُ (وَالشَّرِكَةُ) بِأَنْ قَالَ شَارَكْتُك عَلَى أَنْ تُهْدِينِي كَذَا وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا فِي شَرِكَةِ الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ شَرَطَا الْعَمَلَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا مَالًا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ الشَّرْطُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. اهـ.
وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ تَوَهَّمَ بَعْضُ حَنَفِيَّةِ الْعَصْرِ أَنَّهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هِيَ تَفَاضُلًا فِي الْمَالِ وَشَرَطَا الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ تَبَرَّعَ أَفْضَلُهُمَا مَالًا بِالْعَمَلِ فَأَجَبْت بِأَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَمَلِ عَلَى أَكْثَرِهِمَا مَالًا وَالتَّبَرُّعُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ
ــ
[منحة الخالق]
بِالشَّرْطِ لَا فِيمَا يَبْطُلُ وَلَا فِي التَّعْلِيقِ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا. (قَوْلُهُ: زَادَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَالْحَقُّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ. اهـ.
قُلْتُ: مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا بَعْدَمَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِنَحْوِ وَرَقَةٍ وَنِصْفٍ وَجَعَلَهُ جَوَابَ الِاسْتِحْسَانِ وَنَصُّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ تَزَوَّجْتُك بِأَلْفٍ إنْ رَضِيَ فُلَانٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي الْأَمَالِي إنْ كَانَ فُلَانٌ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ وَرَضِيَ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ رَضِيَ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْخُلْعِ لَهَا) لَعَلَّهُ الْخِيَارُ لَهَا
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّرْطِ إلَخْ) أَقُولُ: بِقُرْبِ هَذَا الْجَوَابِ مَا فِي هِبَةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا ضَيْعَةً عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا وَلَا يُطَلِّقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ شَرَطَتْ لِذَلِكَ وَقْتًا فَطَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِيِّهِ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ مَا وَفَّى بِالشَّرْطِ وَإِلَّا فَصَحِيحَةٌ لِأَنَّهُ وَفَّى بِهِ وَتَمَامُهُ فِيهَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِيصَاءُ فَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) الْأُولَى مَا صَوَّرَهُ الْعَيْنِيُّ أَوْصَيْت إلَيْك عَلَى أَنْ تُزَوِّجَ ابْنَتِي إذْ الْكَلَامُ فِي الشَّرْطِ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَمَا هُنَا صَحِيحٌ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ شَارَكْتُك عَلَى أَنْ تُهْدِينِي كَذَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الشَّرِكَةُ تَبْطُلُ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ دُونَ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ شَرَطَ التَّفَاضُلَ فِي الْوَضِيعَةِ لَا تَبْطُلُ الشَّرِكَةُ وَتَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ عَشَرَةٍ لِأَحَدِهِمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِأَكْثَرِ الشُّرُوطِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا فِي شَرِكَةِ الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِيمَا إذَا شَرَطَ صَاحِبُ الْأَلْفِ الْعَمَلَ عَلَى صَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ وَالرِّبْحُ نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ الشَّرْطُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. اهـ.
يَعْنِي عَلَى قَدْرِ مَالَيْهِمَا أَعْنِي الْأُلُوفَ الثَّلَاثَةَ فَكَوْنُهُ أَثْلَاثًا لَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ أَكْثَرَ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَرْبَاعًا إذَا كَانَ مِنْ جَانِبٍ أَلْفًا وَمِنْ آخَرَ ثَلَاثَةً كَذَا بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ
стр. 2110
الشَّرْطِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا فِي بُيُوعِ الذَّخِيرَةِ اشْتَرَى حَطَبًا فِي قَرْيَةٍ شِرَاءً صَحِيحًا، وَقَالَ مَوْصُولًا بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي الشِّرَاءِ احْمِلْهُ إلَى مَنْزِلِي لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْبَيْعِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ فَلَا يُوجِبُ فَسَادَهُ. اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ قَرْيَةً أَوْ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَمَامِهَا: إنَّ الْحَرْثَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَرْطًا لَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ الْحَرْثَ عَلَيْهِ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ.
قَوْلُهُ (وَالْمُضَارَبَةُ) بِأَنْ قَالَ ضَارَبْتُك فِي أَلْفٍ عَلَى النِّصْفِ فِي الرِّبْحِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَهُوَ مِثَالٌ لِتَعْلِيقِهَا بِالشَّرْطِ وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ لِلْعَيْنِيِّ هُنَا دَلِيلٌ عَلَى كَسَلِهِ وَعَدَمِ تَصَفُّحِ كَلَامِهِمْ فَإِنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي الْأَبْوَابِ لَكَانَ أَنْسَبَ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَلَوْ شَرَطَ مِنْ الرِّبْحِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَسَدَتْ لَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ بَلْ لِقَطْعِ الشَّرِكَةِ. اهـ.
وَفِيهَا دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْمُضَارِبِ أَرْضًا بِزَرْعِهَا سَنَةً أَوْ دَارًا لِلسُّكْنَى بَطَلَ الشَّرْطُ وَجَازَتْ الْمُضَارَبَةُ، وَلَوْ شَرَطَ الْمُضَارِبُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ أَرْضًا أَوْ دَارًا سَنَةً فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نِصْفَ الرِّبْحِ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ وَأُجْرَةِ دَارِهِ. اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ شَرَطَ عَلَى أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُضَارِبِ إذَا خَرَجَ إلَى السَّفَرِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَجَازَتْ. اهـ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهَا.
قَوْلُهُ (وَالْقَضَاءُ) بِأَنْ قَالَ الْخَلِيفَةُ وَلَّيْتُك قَضَاءَ مَكَّةَ مَثَلًا عَلَى أَنْ لَا تُعْزَلَ أَبَدًا وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ شَرَطَ فِي التَّقْلِيدِ أَنَّهُ مَتَى فَسَقَ يَنْعَزِلُ انْعَزَلَ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا اسْتَخْلَفَ رَجُلًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْتَشِيَ وَلَا يَشْرَبَ الْخَمْرَ وَلَا يَمْتَثِلَ أَمْرَ أَحَدٍ صَحَّ التَّقْلِيدُ وَالشَّرْطُ وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ انْعَزَلَ وَلَا يَبْطُلُ قَضَاؤُهُ فِيمَا مَضَى قَلَّدَ السُّلْطَانُ رَجُلًا الْقَضَاءَ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْمَعَ قَضِيَّةَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ يَصِحُّ الشَّرْطُ وَلَا يَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي هَذَا الرَّجُلِ وَيَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُفَصِّلَ قَضِيَّةً إنْ اعْتَرَاهُ قَضِيَّتَهُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَالْإِمَارَةُ) بِأَنْ قَالَ الْخَلِيفَةُ وَلَّيْتُك إمَارَةَ الشَّامِ مَثَلًا عَلَى أَنْ لَا تَرْكَبَ فَهَذَا الشَّرْطُ فَاسِدٌ وَلَا تَبْطُلُ أَمْرِيَّتُهُ بِهَذَا وَالْإِمَارَةُ مَصْدَرٌ كَالْإِمْرَةِ بِالْكَسْرِ يُقَالُ فُلَانٌ أَمَّرَ وَأُمِّرَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ وَالِيًا، وَقَدْ كَانَ سَوْقُهُ أَيْ أَنَّهُ يُجَرِّبُ وَالتَّأْمِيرُ تَوْلِيَةُ الْإِمَارَةِ يُقَالُ هُوَ أَمِيرٌ مُؤَمَّرٌ وَتَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَيْ تَسَلَّطَ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَوْلُهُ (وَالْكَفَالَةُ) بِأَنْ قَالَ كَفَلْت غَرِيمَك إنْ أَقْرَضْتنِي كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَهُوَ مِثَالٌ لِتَعْلِيقِهَا بِالشَّرْطِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ قَالَ كَفَلْت بِهِ عَلَى أَنَّهُ مِنِّي طُولِبْت بِهِ أَوْ كُلَّمَا طُولِبْت بِهِ فَلِي أَجَلُ شَهْرٍ صَحَّتْ، فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ فَلَهُ أَجَلُ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِ الْمُطَالَبَةِ الْأُولَى، فَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ الْأُولَى لَزِمَ التَّسْلِيمُ وَلَا يَكُونُ لِلْمُطَالَبَةِ الثَّانِيَةِ تَأْجِيلٌ. اهـ.
ثُمَّ قَالَ كَفَلَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ يَصِحُّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوَسُّعِ. اهـ.
وَأَمَّا تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْبُيُوعِ وَتَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ إنْ مُتَعَارَفًا كَقُدُومِ الْمَطْلُوبِ يَصِحُّ وَإِنْ شَرْطًا مَحْضًا كَأَنْ دَخَلَ الدَّارَ أَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ لَا وَالْكَفَالَةُ إلَى هُبُوبِ الرِّيحِ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَنَصُّ النَّسَفِيِّ أَنَّ الشَّرْطَ إنْ لَمْ يُتَعَارَفْ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَالْحَوَالَةُ كَهِيَ.
قَوْلُهُ (وَالْحَوَالَةُ) بِأَنْ قَالَ أَحَلْتُك عَلَى فُلَانٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَرْجِعَ عَلَيَّ عِنْدَ الْتِوَاءِ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ يَعْنِي تَصِحُّ الْحَوَالَةُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّوَاءِ وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ وَمِنْهُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِلْمُحْتَالِ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَبْطُلُ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمِنْ صُوَرِ فَسَادِ الْحَوَالَةِ مَا إذَا شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ أَنْ يُعْطِيَ الْمَالَ الْمُحَالَ بِهِ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ لِلْمُحْتَالِ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْمُلْتَزَمِ بِخِلَافِ مَا إذَا الْتَزَمَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ الْإِعْطَاءَ مِنْ ثَمَنِ دَارِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا فِي بُيُوعِ الذَّخِيرَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي حَمْلُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ أَنَّهُمَا لَوْ أَلْحَقَا بِهِ شَرْطًا فَاسِدًا لَا يَلْتَحِقُ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْتَحِقُ بَقِيَ مُجَرَّدُ وَعْدٍ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ. فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ) أَيْ تَعْلِيقُ الْعَزْلِ لَا الْقَضَاءِ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ نَعَمْ سَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ جَوَازَ تَعْلِيقِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِلْمُحْتَالِ) فِي كَوْنِ ذَلِكَ مِنْ التَّعْلِيقِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ تَأَمَّلْ
стр. 2111
قَادِرٌ عَلَى بَيْعِ دَارِ نَفْسِهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ دَارِهِ كَمَا إذَا كَانَ قَبُولُهَا بِشَرْطِ الْإِعْطَاءِ عِنْدَ الْحَصَادِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْأَدَاءِ قَبْلَ الْأَجَلِ. اهـ. وَهَذِهِ وَارِدَةٌ عَلَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَالْوَكَالَةُ) بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُك إنْ أَبْرَأْتنِي عَمَّا لَك عَلَيَّ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَهُوَ مِثَالُ تَعْلِيقِهَا بِالشَّرْطِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ تَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ وَتَعْلِيقُ الْعَزْلِ بِهِ بَاطِلٌ وَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْت وَكِيلِي أَنَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ التَّوْكِيلِ بِالْعَزْلِ وَسَيَأْتِي طَرِيقُ عَزْلِهِ، وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا وَكَّلْتُك فَأَنْت مَعْزُولٌ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْعَزْلِ بِالشَّرْطِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْوَكَالَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ أَيُّ شَرْطٍ كَانَ.
قَوْلُهُ (وَالْإِقَالَةُ) بِأَنْ قَالَ أَقَلْتُك عَنْ هَذَا الْبَيْعِ إنْ أَقْرَضْتنِي كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَفِي الْقُنْيَةِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِقَالَةِ بِالشَّرْطِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا لَوْ تَقَايَلَا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ بِجِنْسٍ آخَرَ لَمْ تَفْسُدْ وَوَجَبَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مِثَالُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فَمِثَالُ تَعْلِيقِهَا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهَا.
قَوْلُهُ (وَالْكِتَابَةُ) بِأَنْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ عَلَى أَنْ لَا تُعَامِلَ فُلَانًا أَوْ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ فَإِنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ تَصِحُّ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ وَيَعْمَلَ مَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ مَعَ أَيِّ شَخْصٍ شَاءَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَأَمَّا إذَا كَانَ دَاخِلًا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ بِأَنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْبَدَلِ كَالْكِتَابَةِ عَلَى خَمْرٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا تَفْسُدُ بِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَاتَبَهَا وَهِيَ حَامِلٌ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ وَلَدُهَا فِي الْكِتَابَةِ فَسَدَتْ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
قَوْلُهُ (وَإِذْنُ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ) بِأَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَذِنْت لَك فِي التِّجَارَةِ عَلَى أَنْ تَتَّجِرَ إلَى شَهْرٍ أَوْ عَلَى أَنْ تَتَّجِرَ فِي كَذَا فَإِنَّ إذْنَهُ لَهُ يَكُونُ عَامًّا فِي التِّجَارَاتِ وَالْأَوْقَاتِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
قَوْلُهُ (وَدَعْوَةُ الْوَلَدِ) بِأَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ الَّتِي وَلَدَتْ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي إنْ رَضِيَتْ امْرَأَتِي بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ) بِأَنْ صَالَحَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَمْدًا الْقَاتِلَ عَلَى شَيْءٍ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ أَوْ يُهْدِيَ إلَيْهِ شَيْئًا فَإِنَّ الصُّلْحَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطَ فَاسِدٌ وَيَسْقُطُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ فَلَا يَحْتَمِلُ الشَّرْطَ قَوْلُهُ (وَعَنْ الْجِرَاحَةِ) بِأَنْ صَالَحَ عَنْهَا بِشَرْطِ إقْرَاضِ شَيْءٍ أَوْ إهْدَائِهِ.
قَوْلُهُ (وَعَقْدُ الذِّمَّةِ) بِأَنْ قَالَ الْإِمَامُ لِحَرْبِيٍّ يَطْلُبُ عَقْدَ الذِّمَّةِ ضَرَبْت عَلَيْك الْجِزْيَةَ إنْ شَاءَ فُلَانٌ مَثَلًا فَإِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ (وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ) بِأَنْ قَالَ إنْ وَجَدْت بِالْمَبِيعِ عَيْبًا أَرُدُّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهَذِهِ وَارِدَةٌ عَلَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ الْمُحْتَالِ وَعْدٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. اهـ.
وَمُرَادُهُ مِنْ الْمُحْتَالِ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ تُحْذَفُ صِلَتُهُ وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ كَوْنَهُ وَعْدًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْعَيْنِيِّ أَقَلْتُك عَنْ هَذَا الْبَيْعِ إنْ أَقْرَضْتنِي كَذَا وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْعَيْنِيِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ مَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمِثَالِ تَعْلِيقٌ بِالشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لَا يَصِحُّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الْإِقَالَةِ أَنَّ فَائِدَةَ كَوْنِ الْإِقَالَةِ فَسْخًا تَظْهَرُ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ الثَّانِيَةُ مِنْهَا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَأَنْ بَاعَ ثَوْرًا مِنْ زَيْدٍ فَقَالَ اشْتَرَيْته رَخِيصًا فَقَالَ زَيْدٌ إنْ وَجَدْت مُشْتَرِيًا بِالزِّيَادَةِ فَبِعْهُ مِنْهُ فَوَجَدَ فَبَاعَ بِأَزْيَدَ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ الثَّانِي لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْإِقَالَةِ لَا الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَاتَبَهَا وَهِيَ حَامِلٌ) مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ الْعَيْنِيِّ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَالْأُسْرُوشَنِيَّة أَنَّ تَعْلِيقَ الْكِتَابَةِ بِالشَّرْطِ لَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَكِنْ حَمَلَهُ فِي الدُّرَرِ عَلَى كَوْنِ الْفَسَادِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمَا ثَانِيًا الْكِتَابَةُ بِشَرْطٍ مُتَعَارَفٍ وَغَيْرِ مُتَعَارَفٍ تَصِحُّ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَرُدَّ بِهَذَا التَّوْفِيقِ عَلَى صَاحِبِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ تَأَمَّلْ ثُمَّ عَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي عَدُّ الْكِتَابَةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ بِأَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ الَّتِي وَلَدَتْ إلَخْ) فِيهِ إنَّ هَذَا مِنْ التَّعْلِيقِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ بِأَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ بَعْدَمَا وَلَدَتْ: هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي بِشَرْطِ رِضَا زَوْجَتِي. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنْ يَقُولَ الْمَوْلَى إنْ كَانَ لِهَذِهِ الْأَمَةِ حَمْلٌ فَهُوَ مِنِّي قَالَ فِي الْعَزْمِيَّةِ كَوْنُ هَذَا الشَّرْطِ فَاسِدًا مَحَلُّ تَدَبُّرٍ وَصُوَرُ ذَلِكَ فِي إيضَاحِ الْكَرْمَانِيِّ بِأَنْ ادَّعَى نَسَبَ التَّوْأَمَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ نِسْبَةُ الْآخَرِ مِنْهُ أَوْ ادَّعَى نَسَبَ وَلَدٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِثَ مِنْهُ يَثْبُتُ نَسَبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التَّوْأَمَيْنِ وَيَرِثُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ لِأَنَّهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ لِمَا عُرِفَ وَشَرْطُ أَنْ لَا يَرِثَ شَرْطٌ فَاسِدٌ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْعَ وَالنَّسَبُ لَا يَفْسُدُ بِهِ. اهـ.
وَمَا صَوَّرَ بِهِ فِي الدُّرَرِ رَدَّهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة أَيْضًا بِمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ إنْ وَجَدْت بِالْمَبِيعِ عَيْبًا أَرُدُّهُ عَلَيْك إنْ شَاءَ فُلَانٌ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ التَّعْلِيقِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى فُلَانٌ بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ
стр. 2112
عَلَيْك إنْ شَاءَ فُلَانٌ مَثَلًا قَوْلُهُ (وَبِخِيَارِ الشَّرْطِ) أَيْ وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِهِ بِأَنْ قَالَ مَنْ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ رَدَدْت الْبَيْعَ أَوْ قَالَ أَسْقَطْت خِيَارِي إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
قَوْلُهُ (وَعُزِلَ الْقَاضِي) بِأَنْ قَالَ الْخَلِيفَةُ لِلْقَاضِي عَزَلْتُك عَنْ الْقَضَاءِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ قَالَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْإِسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَبِالِالْتِزَامَاتِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا كَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالتَّوْلِيَاتِ كَالْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ. اهـ.
وَقَدْ فَاتَهُ الْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لِكَوْنِهِ مِنْ
ــ
[منحة الخالق]
الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَقَدْ عَدَّ مِنْهُ تَعْلِيقَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَبِخِيَارِ الشَّرْطِ فَالْمُرَادُ عَدَمُ بُطْلَانِ التَّعْلِيقَيْنِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَا الرَّدَّيْنِ أَنْفُسَهُمَا، ثُمَّ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ شَاءَ فُلَانٌ قَيْدٌ لِلرَّدِّ لِأَنَّ جَوَابَ هَذَا الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ بِهِ أَيْ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَأَنَا أَرُدُّهُ عَلَيْك وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ جَعْلُ الشَّرْطِ قَيْدًا لِلتَّعْلِيقِ لَا لِلرَّدِّ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي لَهُ مِثَالٌ وَعَنْ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَسْقَطَ فِي الدُّرَرِ لَفْظَ التَّعْلِيقِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَبِخِيَارِ الشَّرْطِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْعَزْمِيَّةِ قَالَ قَدْ عَبَّرَ فِي الْعِمَادِيَّةِ وَالْأُسْرُوشَنِيَّة وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَعْلِيقِ الرَّدِّ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْكَنْزِ وَقَدْ غَيَّرَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ إلَى مَا تَرَى وَهُوَ مُسْتَبِدٌّ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَفٍ أَثَرَ أَحَدٍ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ مَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ هُوَ الرَّدُّ لَا تَعْلِيقُهُ وَهُوَ مَحَلُّ تَدَبُّرٍ بَعْدُ. اهـ.
وَتَمَامُهُ فِيهِ وَعَبَّرَ صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِقَوْلِهِ وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِعَيْبٍ بِشَرْطٍ وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِخِيَارِ شَرْطٍ بِشَرْطٍ. اهـ.
هَذَا وَفِي أَوَّلِ خِيَارِ الْعَيْبِ مِنْ الْبَحْرِ التَّنْبِيهُ الثَّامِنَ عَشَرَ عَلَى عَيْبٍ فَقَالَ لِلْبَائِعٍ إنْ لَمْ أَرُدَّهُ عَلَيْك الْيَوْمَ رَضِيت قَالَ مُحَمَّدٌ الْقَوْلُ بَاطِلٌ وَلَهُ الرَّدُّ. اهـ.
وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ بِالتَّعْلِيقِ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ تَأَمَّلْ وَكَتَبَ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا فِي بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ مِنْ الْبَحْرِ مَا نَصُّهُ فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُ إبْطَالِهِ وَإِضَافَتُهُ قُلْتُ: قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ أَبْطَلْت خِيَارِي كَانَ بَاطِلًا وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ إنْ لَمْ أَرُدَّهُ الْيَوْمَ فَقَدْ أَبْطَلْت خِيَارِي وَلَمْ يَرُدَّهُ الْيَوْمَ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهُ قَالَ أَبْطَلْت غَدًا أَوْ قَالَ أَبْطَلْت خِيَارِي إذَا جَاءَ غَدٌ فَجَاءَ ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُ قَالَ وَلَيْسَ هَذَا كَالْأَوَّلِ لِأَنَّ هَذَا وَقْتُهُ يَجِيءُ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. اهـ.
فَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالْإِضَافَةِ فِي الْمُحَقِّقِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُسَوُّوا بَيْنَهُمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَقَالَ إنْ لَمْ أَفْسَخْ الْيَوْمَ فَقَدْ رَضِيت وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَقَدْ رَضِيت لَا يَصِحُّ. اهـ. كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِي بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ أَيْ لَا يَصِحُّ إبْطَالُ الْخِيَارِ بِذَلِكَ بَلْ يَبْقَى خِيَارُهُ عَلَى حَالِهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ قَالَ عَزَلْتُك عَنْ الْقَضَاءِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ) هَذَا أَيْضًا مِنْ التَّعْلِيقِ وَالْعَجَبُ أَنَّهُ كَرَّرَ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْعَيْنِيِّ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَوَقَعَ فِيهِ مِرَارًا وَمَثَّلَ لَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ لِلْقَاضِي إذَا وَصَلَ كِتَابِي إلَيْك فَأَنْتَ مَعْزُولٌ، وَقَالَ قِيلَ يَصِحُّ الشَّرْطُ وَيَكُونُ مَعْزُولًا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ وَلَا يَكُونُ مَعْزُولًا وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَالْأُسْرُوشَنِيَّة. اهـ.
وَفِيهِ مَا مَرَّ لَكِنْ قَالَ فِي الْعَزْمِيَّةِ وَعِبَارَتُهُمَا أَيْ الْعِمَادِيَّةِ وَالْأُسْرُوشَنِيَّة قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ نَحْنُ لَا نُفْتِي بِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ وَهُوَ فَتْوَى شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيِّ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الشَّرْطَ هُنَا بِمَعْنَى التَّعْلِيقِ بَقِيَ أَنَّ كَوْنَ الْعَزْلِ مِمَّا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ غَيْرُ مُتَأَتٍّ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَكَانَ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ غَيْرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَلْيُنْظَرْ إلَى كُتُبِ الْقَوْمِ. اهـ.
وَإِنَّمَا كَانَ غَيْرَهُمَا لِأَنَّهُمَا فِي التَّعْلِيقِ وَمَا فِي مَتْنِ الدُّرَرِ فِيمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ أَيْ بِاقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالشَّرْطِ مَا يَعُمُّ التَّعْلِيقَ فَالْمَذْكُورَاتُ لَا تَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ بَلْ تَصِحُّ مَعَهُ وَلَا تَبْطُلُ بِاقْتِرَانِهَا بِشَرْطٍ بَلْ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ وَحِينَئِذٍ يُوَافِقُ كَلَامَ الدُّرَرِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَتَصِحُّ تَصْوِيرَاتُ الْعَيْنِيِّ بِالتَّعْلِيقِ وَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ عَنْهُ وَعَنْ الْمُؤَلِّفِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ) أَيْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ وَإِلَّا فَأَغْلَبُ مَا قَدَّمَهُ مِمَّا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ سَابِقًا. (قَوْلُهُ: وَلَدَخَلَ تَعْلِيقُ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ فِي الشُّفْعَةِ تَعْلِيقُ إبْطَالِهَا بِالشَّرْطِ جَائِزٌ حَتَّى لَوْ قَالَ سَلَّمْتهَا إنْ كُنْت اشْتَرَيْتهَا لِنَفْسِك فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ. اهـ.
أَقُولُ: فَلَوْ قَالَ الشَّفِيعُ قَبْلَ الْبَيْعِ لِمَنْ يُرِيدُ الشِّرَاءَ إنْ اشْتَرَيْت فَقَدْ سَلَّمْتهَا هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا وَلَا شُبْهَةَ أَنَّهُ تَعْلِيقُ الْإِسْقَاطِ قَبْلَ الْوُجُوبِ بِوُجُودٍ سَبَبِهِ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ التَّطْبِيقُ بِالشَّرْطِ الْمَحْضِ يَجُوزُ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ الْمَحْضِ وَقَوْلِهِمْ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَقَوْلِهِمْ مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ لَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ إلَّا إذَا عَلَّقَهُ بِالْمِلْكِ أَوْ سَبَبِهِ صِحَّةُ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ وَكَأَنَّهُ نَجَّزَهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَقَدْ عَلَّقَهُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ فَتَأَمَّلْ لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ إسْقَاطًا مَحْضًا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى تَعْلِيقُ إبْطَالِ الشُّفْعَةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ، حَتَّى لَوْ
стр. 2113
الْإِسْقَاطَاتِ لَكِنْ لَا يَحْلِفُ بِهِ، فَلَوْ حَذَفَ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا لَدَخَلَ وَلَدَخَلَ تَعْلِيقُ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ لِكَوْنِهِ إسْقَاطًا لَكِنْ لَا يَحْلِفُ بِهِ، وَقَدْ فَاتَ الْمُصَنِّفَ الرَّهْنُ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفَاتَهُ أَيْضًا مَسْأَلَةُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَمَا فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْهِبَةَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ الْمُلَائِمِ نَحْوَ وَهَبْتُك عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي كَذَا، كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْدَرِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ مَعْزِيًّا إلَى النَّاصِحِيِّ لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً فَقَدْ مَلَكْتهَا مِنْك يَصِحُّ وَمَعْنَاهُ إذَا قَبَضَهُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ. اهـ.
مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ مُلَائِمٌ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْبُيُوعِ وَتَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِإِنْ بَاطِلٌ وَبِعَلَى أَنْ مُلَائِمًا كَهِبَتِهِ عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ يَجُوزُ وَإِنْ مُخَالِفًا بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّتْ الْهِبَةُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا تَعْلِيقُ دَعْوَةِ الْوَلَدِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ إنْ كَانَتْ جَارِيَتِي حَامِلًا فَمَتَى صَحَّ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَيْسَ مِمَّا ذَكَرَهُ وَكَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْكَفَالَةَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَلَا الشَّارِحُ مَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ الْجَائِزِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَتَقْيِيدُهُ بِالْفَاسِدِ يُخْرِجُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ الشَّرْطِ الْجَائِزِ يُفْسِدُهُ الْفَاسِدُ مِنْ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَالٍ وَالْقِسْمَةِ وَعَقْدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَائِزِ، فَالْفَاسِدُ مِنْ الشَّرْطِ لَا يُبْطِلُهُ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ فَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِبَدَلٍ مَنْطُوقٍ مَعْلُومٍ يَجْرِي فِيهِ التَّمْلِيكُ وَالتَّمَلُّكُ وَالثَّانِي يَصِحُّ بِبَدَلٍ وَبِدُونِهِ وَبِبَدَلٍ مَجْهُولٍ وَحَرَامٍ وَحَلَالٍ وَعَقْدٍ يَتَعَلَّقُ بِالْجَائِزِ مِنْهُ وَالْفَاسِدُ مِنْهُ عَلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٌ يُفْسِدُهُ وَنَوْعٌ لَا وَهُوَ الْكِتَابَةُ إلَى آخِرِ مَا فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَى زَمَانٍ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِجَارَاتِ فَإِذَا وَصَلْنَا إلَيْهِ شَرَحْنَاهُ بِأَتَمَّ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا وَنُنَبِّهُ عَلَى مَا فَاتَهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كِتَابُ الصَّرْفِ) .
تَقَدَّمَ وَجْهُ تَأْخِيرِهِ وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ صَرْفَ
ــ
[منحة الخالق]
قَالَ سَلَّمْت لَك شُفْعَةَ هَذِهِ الدَّارِ إنْ كُنْت اشْتَرَيْت لِنَفْسِك فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا لِغَيْرِهِ كَانَ الشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ إسْقَاطٌ مَحْضٌ فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى هَذِهِ مَسْأَلَةٌ إشْكَالًا وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي بَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْجِنَايَاتِ وَكِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ إسْقَاطِهِ بِالشَّرْطِ وَلَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ إسْقَاطًا مَحْضًا، وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ فَأَسْقَطَ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ فِي الشُّفْعَةِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ لَيْسَ بِإِسْقَاطٍ مَحْضٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إسْقَاطًا لَصَحَّ مَعَ الْإِكْرَاهِ اعْتِبَارًا بِعَامَّةِ الْإِسْقَاطَاتِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي إكْرَاهِ الْمَبْسُوطِ. اهـ.
وَعَلَيْهِ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ قَبْلَ الشِّرَاءِ كَمَا لَا يَصِحُّ التَّنْجِيزُ قَبْلَهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ كَثِيرًا لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ فِيهَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الظَّفَرَ بِهَا فِي كَلَامِهِمْ فَهُوَ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ فَاتَ الْمُصَنِّفُ الرَّهْنُ) فِيهِ أَنَّ الرَّهْنَ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَتَقَدَّمَ مَشْرُوحًا وَقَوْلُهُ وَفَاتَهُ أَيْضًا مَسْأَلَةُ الْإِسْلَامِ سَيَأْتِي عَنْ الْغَزِّيِّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْإِقْرَارِ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ الَّذِي فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ سُئِلَ إذَا قَالَ ذِمِّيٌّ أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ ثُمَّ فَعَلَهُ أَوْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا غَيْرَ هَلْ يَصِيرُ مُسْلِمًا أَجَابَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَذَا أَفْتَى عُلَمَاؤُنَا، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِيَارَهُ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ. اهـ.
وَهُوَ كَمَا لَا يَخْفَى لَا يُفِيدُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فَإِنَّ إفْتَاءَهُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لَيْسَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّعْلِيقِ وَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الذِّمِّيِّ أَنَا مُسْلِمٌ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّبَرِّي كَمَا عَلِمْت تَفَاصِيلَهُ فِي الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ عَدَمُ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى بِعَدَمِ صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْهِبَةَ إلَخْ) أَيْ يَرُدُّ عَلَى الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ وَقَدْ فَاتَ الْمُصَنِّفَ إلَخْ وَلَا يَصِحُّ إرْجَاعُ الضَّمِيرِ لِلْمُصَنِّفِ لِمَا قَدْ مَرَّ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّ مَا جَازَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ وَالْمُصَنِّفُ عَدَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِمَّا لَا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَوَازُ تَعْلِيقِهَا وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا أَنَّ تَعْلِيقَ الْوَصِيَّةِ وَالْإِيصَاءِ جَائِزٌ وَكَذَا تَعْلِيقُ الْعَزْلِ عَنْ الْقَضَاءِ وَكَذَا تَعْلِيقُ الْحَوَالَةِ وَالْوَكَالَةِ فَهَذِهِ قَدْ فَاتَتْ الشَّارِحَ أَيْضًا وَذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِمَّا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ إذْنُ الْقِنِّ وَكَذَا تَعْلِيقُ النِّكَاحِ وَالْبَرَاءَةِ بِشَرْطٍ كَائِنٍ حَالٍّ، وَلَوْ قَالَ بِعْته إنْ رَضِيَ فُلَانٌ جَازَ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ. اهـ. لَكِنْ إذَا وَقَّتَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا مَرَّ فَرَاجِعْهُ.
[كِتَابُ الصَّرْفِ]
стр. 2114
الْحَدِيثِ أَنْ يُزَادَ فِيهِ وَيَحْسُنَ مِنْ الصَّرْفِ فِي الدَّرَاهِمِ وَهُوَ فَضْلُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِيمَةِ وَكَذَلِكَ صَرْفُ الْكَلَامِ، وَأَمَّا الصَّرْفُ فِي الْحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» فَالصَّرْفُ التَّوْبَةُ وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ أَوْ هُوَ النَّافِلَةُ وَالْعَدْلُ الْفَرِيضَةُ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ هُوَ الْوَزْنُ وَالْعَدْلُ الْكَيْلُ أَوْ هُوَ الِاكْتِسَابُ وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ أَوْ الْحِيَلُ. اهـ.
وَفِي الصِّحَاحِ يُقَالُ صَرَفْت الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ وَبَيْنَ الدِّرْهَمَيْنِ صَرْفٌ أَيْ فَضْلٌ لِجَوْدَةِ فِضَّةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. اهـ.
وَالثَّانِي: فِي مَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ وَقَدْ أَفَادَ بِقَوْلِهِ (هُوَ بَيْعُ بَعْضِ الْأَثْمَانِ بِبَعْضٍ) كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إذَا بِيعَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَيْ بِيعَ مَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بِهِ وَلَمْ نُبْقِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِيَدْخُلَ فِيهِ بَيْعُ الْمَصُوغِ بِالْمَصُوغِ أَوْ بِالنَّقْدِ فَإِنَّ الْمَصُوغَ بِسَبَبِ مَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الصَّنْعَةِ لَمْ يَبْقَ ثَمَنًا صَرِيحًا وَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ وَمَعَ ذَلِكَ بَيْعُهُ صَرْفٌ الثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ فَمَا هُوَ رُكْنُ كُلِّ بَيْعٍ فَهُوَ رُكْنُهُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ أَوْ التَّعَاطِي وَالرَّابِعُ فِي شَرَائِطِهِ فَأَرْبَعَةٌ، الْأَوَّلُ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ بِالْأَبْدَانِ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَاتًّا لَا خِيَارَ فِيهِ فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ خِيَارٌ وَأَبْطَلَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ صَحَّ وَبَعْدَهُ لَا، وَأَمَّا خِيَارُ الْعَيْبِ فَثَابِتٌ فِيهِ، وَأَمَّا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَثَابِتٌ فِي الْعَيْنِ دُونَ الدَّيْنِ، وَإِذَا رَدَّهُ بِعَيْبٍ انْفَسَخَ الْعَقْدُ سَوَاءٌ رَدَّهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَرَدَّهَا فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَنْفَسِخْ، فَإِذَا رَدَّ بَدَلَهُ بَقِيَ الصَّرْفُ وَإِنْ رَدَّ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ بَطَلَ وَتَمَامُهُ فِي الْبَدَائِعِ، الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ بَدَلُ الصَّرْفِ مُؤَجَّلًا فَإِنْ أَبْطَلَ صَاحِبُ الْأَجَلِ الْأَجَلَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَنَقَدَ مَا عَلَيْهِ ثُمَّ افْتَرَقَا عَنْ قَبْضٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ انْقَلَبَ جَائِزًا وَبَعْدَ التَّفَرُّقِ لَا، الرَّابِعُ التَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ إنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنْ تَبَايَعَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةً بِفِضَّةٍ مُجَازَفَةً لَمْ يَجُزْ فَإِنْ عَلِمَا التَّسَاوِيَ فِي الْمَجْلِسِ وَتَفَرَّقَا عَنْ قَبْضٍ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ اقْتَسَمَا الْجِنْسَ مُجَازَفَةً لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا عُلِمَ التَّسَاوِي فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ كَالْبَيْعِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ تَجَانَسَا شُرِطَ التَّمَاثُلِ وَالتَّقَابُضِ) أَيْ النَّقْدَانِ بِأَنْ بِيعَ أَحَدُهُمَا بِجِنْسِ الْآخَرِ فَلَا بُدَّ لِصِحَّتِهِ مِنْ التَّسَاوِي وَزْنًا وَمَنْ قَبَضَ الْبَدَلَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، أَمَّا التَّسَاوِي فَقَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الرِّبَا وَلَوْ تَصَارَفَا جِنْسًا بِجِنْسٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَتَقَابَضَا وَتَفَرَّقَا ثُمَّ زَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا أَوْ حَطَّ عَنْهُ شَيْئًا وَقَبِلَهُ الْآخَرُ فَسَدَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُمَا بَاطِلَانِ وَالصَّرْفُ صَحِيحٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ وَالْحَطُّ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، وَاخْتِلَافُهُمْ هَذَا فَرْعُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ الْعَقْدِ فِي الذِّكْرِ إذَا أُلْحِقَ بِهِ هَلْ يُلْتَحَقُ أَمْ لَا فَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْتِحَاقُهُ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَمِنْ أَصْلِهِمَا عَدَمُ الْتِحَاقِهِ فَطَرَدَهُ أَبُو يُوسُفَ هُنَا وَمُحَمَّدٌ فَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ وَلَوْ زَادَ أَوْ حَطَّ فِي صَرْفٍ بِخِلَافِ الْجِنْسِ جَازَ إجْمَاعًا لَكِنْ يُشْتَرَطُ قَبْضُ الزِّيَادَةِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لِالْتِحَاقِهَا بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَلَوْ حَطَّ مُشْتَرِي الدِّينَارِ قِيرَاطًا مِنْهُ فَبَائِعُ الدِّينَارِ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ فِي الدِّينَارِ وَلَوْ زَادَ مُشْتَرِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى دِينَارًا جَازَ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لِصَرْفِ الزِّيَادَةِ إلَى النَّصْلِ وَالْحَمَائِلِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا التَّقَابُضُ فَالْمُرَادُ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ بِأَبْدَانِهِمَا بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا فِي جِهَةٍ وَهَذَا فِي جِهَةٍ فَإِنْ مَشَيَا مِيلًا أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يُفَارِقْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَلَيْسَا بِمُتَفَرِّقَيْنِ وَلَا يَبْطُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتَفَرَّعَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنٌ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا فَقَالَ بِعْتُك الدَّنَانِيرَ الَّتِي لِي عَلَيْك بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي لَك عَلَيَّ، وَقَالَ قَبِلْت فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ بَلْ بِالْمُرْسِلِ وَهُمَا مُتَفَرِّقَانِ بِأَبْدَانِهِمَا، وَكَذَا لَوْ نَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مِنْ وَرَاءَ جِدَارٍ أَوْ نَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمَا مُفْتَرِقَانِ بِأَبْدَانِهِمَا وَالْمُعْتَبَرُ افْتِرَاقُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا مَالِكَيْنِ أَوْ نَائِبَيْنِ كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ لِأَنَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عُلِمَ التَّسَاوِي إلَخْ) وَفِي الْكِفَايَةِ الْعِلْمُ بِتَسَاوِيهِمَا حَالَةَ الْعَقْدِ شَرْطُ صِحَّتِهِ حَتَّى لَوْ تَبَايَعَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُجَازَفَةً وَافْتَرَقَا بَعْدَ التَّقَابُضِ ثُمَّ عَلِمَا بِالْوَزْنِ أَنَّهُمَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَابْنِ مَالِكٍ عَلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ
стр. 2115
الْقَبْضَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَحُقُوقُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِمَا وَلَا اعْتِبَارَ بِالْمَجْلِسِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ الْأَبُ اشْهَدُوا أَنِّي اشْتَرَيْت هَذَا الدِّينَارَ مِنْ ابْنِي الصَّغِيرِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَزِنَ الْعَشَرَةَ فَهُوَ بَاطِلٌ، كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الْعَاقِدُ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ فَيُعْتَبَرُ الْمَجْلِسُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فِي الصَّرْفِ فَتَصَارَفَا ثُمَّ ذَهَبَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَبَضَ الْآخَرُ بَطَلَ فِي حِصَّةِ الذَّاهِبِ فَقَطْ كَالْمَالِكَيْنِ إذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقْبِضْ الْآخَرُ بِخِلَافِ الْوَكِيلَيْنِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَتَفَرَّعَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِبْرَاءُ عَنْ بَدَلِ الصَّرْفِ وَلَا هِبَتُهُ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ بِدُونِ قَبُولِ الْآخَرِ فَإِنْ قَبِلَ انْتَقَضَ الصَّرْفُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُنْتَقَضْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْفَسْخِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا فَلَوْ أَبَى الْوَاهِبُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وُهِبَ أُجْبِرَ عَلَى الْقَبْضِ وَتَفَرَّعَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَسَيَأْتِي، وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الْمُقَاصَّةُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ إذَا وَجَبَ الدَّيْنُ بِعَقْدٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ عَقْدِ الصَّرْفِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قِصَاصًا بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّ فِي السَّلَمِ وَلَوْ قَبَضَ بَدَلَ الصَّرْفِ ثُمَّ انْتَقَضَ الْقَبْضُ فِيهِ لِمَعْنًى أَوْجَبَ انْتِقَاضُهُ أَنْ يَبْطُلَ الصَّرْفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَدَائِعِ ثُمَّ إنْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُ بَدَلَيْ الصَّرْفِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَإِنْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ وَالْبَدَلُ قَائِمٌ أَوْ ضَمِنَ النَّاقِدُ وَهُوَ هَالِكٌ جَازَ الصَّرْفُ وَإِنْ اسْتَرَدَّهُ وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ ضَمِنَ الْقَابِضُ قِيمَتَهُ وَهُوَ هَالِكٌ بَطَلَ الصَّرْفُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ قَيَّدْنَا التَّمَاثُلَ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنِ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ عَدَدًا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا جَوْدَةً وَصِيَاغَةً) لِقَوْلِهِ ﵇ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ» إلَى أَنْ قَالَ «مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالْمَصُوغِ وَالتِّبْرِ أَوْ لَا يَتَعَيَّنَانِ كَالْمَضْرُوبِ أَوْ يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَفِي الذَّخِيرَةِ مِنْ الْبُيُوعِ مِنْ الْفَصْلِ السَّادِسِ، وَإِذَا بَاعَ دِرْهَمًا كَبِيرًا بِدِرْهَمٍ صَغِيرٍ أَوْ دِرْهَمًا جَيِّدًا بِدِرْهَمٍ رَدِيءٍ يَجُوزُ لِأَنَّ لَهُمَا فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا، فَأَمَّا إذَا كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فَبَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ هَلْ يَجُوزُ وَهَلْ يَصِيرُ مِثْلُهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ اخْتَلَفُوا بَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَجُوزُ وَأَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي أَبُو حَاتِمٍ الْإِمَامُ أَبُو أَحْمَدَ. اهـ.
قَيَّدَ إسْقَاطَ الصِّفَةِ بِالْأَثْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ إنَاءً نُحَاسًا بِإِنَاءٍ نُحَاسٍ أَحَدُهُمَا أَثْقَلُ مِنْ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَزْنًا مَعَ أَنَّ النُّحَاسَ وَغَيْرَهُ مِمَّا يُوزَنُ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ أَيْضًا وَذَلِكَ لِأَنَّ صِفَة الْوَزْنِ فِي النَّقْدَيْنِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالصَّنْعَةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَوْزُونًا بِتَعَارُفِ جَعْلِهِ عَدَدِيًّا لَوْ تُعُورِفَ ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّ الْوَزْنَ فِيهِ بِالتَّعَارُفِ فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَوْزُونًا بِتَعَارُفِ عَدَدِيَّتِهِ إذَا صِيَغَ وَصُنِعَ وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الذَّخِيرَةِ حَتَّى قَالُوا لَوْ اعْتَادُوا بَيْعَ الْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْوَزْنِ لَا بِالْعَدَدِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ الْمَصْنُوعِ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا مُتَسَاوِيًا وَزْنًا، وَإِذَا تَعَامَلُوا بَيْعَهَا عَدًّا لَا وَزْنًا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ الْجَيِّدِ كَكَيِّسٍ ضِدِّ الرَّدِيءِ وَالْجَمْعُ جِيَادٌ وَجِيَادَاتٌ وَجَيَايِدُ وَجَادَ يَجُودُ جَوْدَةً صَارَ جَيِّدًا اهـ.
وَفِيهِ وَالصِّيَاغَةُ بِالْكَسْرِ حِرْفَةُ الصَّائِغِ اهـ. قَوْلُهُ (وَإِلَّا شُرِطَ التَّقَابُضُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَجَانَسَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ دُونَ التَّمَاثُلِ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى فَوَائِدِ الْقُدُورِيِّ الْمُرَادُ بِالْقَبْضِ هُنَا الْقَبْضُ بِالْبَرَاجِمِ لَا بِالتَّخْلِيَةِ يُرِيدُ بِالْيَدِ. اهـ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْقَبْضِ فَقِيلَ شَرْطُ انْعِقَادِهِ صَحِيحًا فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ الْقِرَانِ أَوْ التَّقَدُّمِ وَالْقَبْضُ مُتَأَخِّرٌ فَكَانَ حُكْمًا لَهُ لَا شَرْطًا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُودَ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ حُكْمًا وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ شَرْطُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَزْنًا) عِبَارَةُ الْفَتْحِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَإِنْ تَفَاضَلَا وَزْنًا مَعَ أَنَّ النُّحَاسَ إلَخْ فَالصَّوَابُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَزْنًا وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
стр. 2116
بَقَائِهِ عَلَى الصِّحَّةِ لَا شَرْطُ انْعِقَادِهِ وَقَدْ أَشَارَ مُحَمَّدٌ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي قَوْلُهُ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ فَلَوْلَا أَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مَا بَطَلَ بِالِافْتِرَاقِ، كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ الْفَسَادُ فِيمَا هُوَ صَرْفٌ فَهَلْ يَفْسُدُ فِيمَا لَيْسَ بِصَرْفٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَعَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ يَتَعَدَّى الْفَسَادُ وَعَلَى الْأَصَحِّ لَا يَتَعَدَّى، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ فِضَّةً بِفُلُوسٍ أَوْ ذَهَبٍ بِفُلُوسٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبْضُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لَا قَبَضَهُمَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَقَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الرِّبَا وَصَحَّ بَيْعُ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا غَصَبَ قَلْبَ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَصُوغًا مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْقِيمَةِ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَعِنْدَنَا هُوَ صَرْفٌ حُكْمًا لِلضَّمَانِ الْوَاجِبِ بِالْغَصْبِ لَا مَقْصُودًا فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبْضُ سَوَاءٌ كَانَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِالصُّلْحِ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ وَقُبِضَ الدَّنَانِيرُ وَافْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يُجَدِّدَ الْمُودِعُ قَبْضًا فِي الْوَدِيعَةِ بَطَلَ الصَّرْفُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَغْصُوبَةً لِأَنَّ قَبْضَ الْغَصْبِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ اهـ.
قَوْلُهُ (فَلَوْ بَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً صَحَّ إنْ تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ) لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ الْقَبْضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ دُونَ التَّسْوِيَةِ لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَضُرُّهُ الْجُزَافُ وَلَوْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا أَوْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا بَطَلَ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ قَيَّدَ بِبَيْعِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْجِنْسَ بِالْجِنْسِ مُجَازَفَةً فَإِنْ عَلِمَا تَسَاوِيهِمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ وَبَعْدَهُ لَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلَوْ بَاعَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الثَّوْبِ) أَيْ فِي أَحَدِ بَدَلَيْ الصَّرْفِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَمَنٌ فَلَا تَجُوزُ هِبَتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَا بِبَيْعِ شَيْءٍ بِهِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ إنْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَبْرَأَهُ فَإِنْ قَبِلَ الْآخَرُ انْفَسَخَ الصَّرْفُ لِتَعَذُّرِ وُجُودِ الْقَبْضِ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَصُورَتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى اشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَالْبَيْعُ فِي الثَّوْبِ فَاسِدٌ لِأَنَّ قَبْضَ الْعَشَرَةِ مُسْتَحَقٌّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ الثَّوْبِ وَالصَّرْفُ عَلَى حَالِهِ يَقْبِضُ بَدَلَهُ مِنْ عَاقِدِهِ مَعَهُ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ فَسَادَ الصَّرْفِ حِينَئِذٍ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَصِحَّةُ بَيْعِ الثَّوْبِ حَقُّ الْعَبْدِ فَتَعَارَضَا فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْعَبْدِ لِتَفَضُّلِ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقَّيْنِ وَلَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْعَبْدِ بَعْدُ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ اللَّهِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ فَيَمْتَنِعُ لَا أَنَّهُ يَرْتَفِعُ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ زُفَرَ صِحَّةُ بَيْعِ الثَّوْبِ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي بَيْعِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ بَدَلَ الصَّرْفِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَعَيَّنُ فَإِضَافَةُ الْعَقْدِ إلَى بَدَلِ الصَّرْفِ كَعَدَمِ إضَافَتِهِ فَيَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ بِدَرَاهِمَ لَمْ يَصِفْهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ قَبْضَ بَدَلِ الصَّرْفِ وَاجِبٌ وَالِاسْتِبْدَالُ يُفَوِّتُهُ فَكَانَ شَرْطُ إيفَاءِ ثَمَنِ الثَّوْبِ مِنْ بَدَلِ الصَّرْفِ شَرْطًا فَاسِدًا فَيَمْتَنِعُ الْجَوَازُ، وَقَدْ رَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَرَّرُوا هُنَا كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ الْبَدَلَيْنِ فِي بَابِ الصَّرْفِ كُلٌّ مِنْهُمَا ثَمَنٌ قَبْلَ الْعَقْدِ وَحَالَتُهُ فَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا فِي مِلْكِ الْمُتَصَارِفَيْنِ وَلَا يَتَعَيَّنَانِ بِالْإِشَارَةِ وَمُثْمَنٌ مِنْ وَجْهٍ بَعْدَ الْعَقْدِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَقْدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُثْمَنٍ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ لِكَوْنِهِ بَيْعَ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ إلَى آخِرِهِ وَبِهِ انْدَفَعَ تَرْجِيحُ ابْنِ الْهُمَامِ قَوْلَ زُفَرَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَالدَّرَاهِمُ بِيضٌ فَأَعْطَاهُ مَكَانَهَا سُودًا أَوْ رَضِيَ بِهَا الْبَائِعُ جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِاسْتِبْدَالٍ وَالسُّودُ وَالْبِيضُ مِنْ الدَّرَاهِمِ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا أَبْرَأَهُ عَنْ صِفَةِ الْجَوْدَةِ حِينَ تَجُوزُ بِالسُّودِ فَكَانَ مُسْتَوْفِيًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ لَا مُسْتَبْدِلًا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَمُرَادُهُ مِنْ السُّودِ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ مِنْ النُّقُودِ السُّودِ لَا الدَّرَاهِمُ الْبُخَارِيَّةُ لِأَنَّ أَخْذَ الْبُخَارِيَّةِ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ الْبِيضِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا لِاخْتِلَافِ
ــ
[منحة الخالق]
[التَّصَرُّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ]
(قَوْلُهُ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ زُفَرَ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْبِيَاعَاتِ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُ الثَّوْبِ كَقَوْلِنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ انْدَفَعَ تَرْجِيحُ ابْنِ الْهُمَامِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمُحَقِّقَ قَدْ أَجَابَ عَنْ هَذَا وَكَأَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يُكْمِلْ النَّظَرَ عِبَارَتُهُ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ النَّهْرِ لَخَّصَ جَوَابَ الْمُحَقِّقِ وَاعْتَرَضَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ زُفَرَ إنَّمَا قَالَ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَعَيُّنِ بَدَلِ الصَّرْفِ ثَمَنًا فَجَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْ غَيْرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِذَا قَالَ بِصِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ لِمَا قُلْنَاهُ كَانَ بِالضَّرُورَةِ قَائِلًا بِأَنَّ الْبَيْعَ انْعَقَدَ مُوجِبًا دَفْعَ مِثْلِهِ وَتَكُونُ تَسْمِيَتُهُ بَدَلَ الصَّرْفِ تَقْدِيرًا لِلثَّمَنِ سَوَاءٌ سَمَّيْته بَيْعًا أَوْ ثَمَنًا
стр. 2117
الْجِنْسِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ مُشْتَرِي الدَّرَاهِمِ الدَّرَاهِمَ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ ضَرْبًا آخَرَ مِنْ الدَّنَانِيرِ سِوَى مَا شَرَطَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ، وَإِذَا رَضِيَ بِهِ صَاحِبُهُ كَانَ مُسْتَوْفِيًا لَا مُسْتَبْدِلًا لِكَوْنِ الْجِنْسِ وَاحِدًا قِيلَ هَذَا إذَا أَعْطَى ضَرْبًا دُونَ الْمُسَمَّى فَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُ ضَرْبًا فَوْقَ الْمُسَمَّى فَلَا حَاجَةَ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ. اهـ.
وَقَدَّمْنَا جَوَازَ الرَّهْنِ بِبَدَلِ الصَّرْفِ فَإِنْ هَلَكَ وَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ هَلَكَ بِمَا فِيهِ وَجَازَ الْعَقْدُ وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ بَطَلَ الصَّرْفُ وَلَا يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا وَقَدَّمْنَا جَوَازَ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ بِهِ فَإِنْ سَلَّمَ الْكَفِيلُ أَوْ الْأَصِيلُ أَوْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ وَإِنْ افْتَرَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ بَطَلَ وَإِنْ بَقِيَ الْكَفِيلُ أَوْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَاقِدِينَ، كَذَا فِي شَرْحِ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ بَاعَ أَمَةً مَعَ طَوْقٍ قِيمَةُ كُلٍّ أَلْفٌ بِأَلْفَيْنِ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ أَلْفًا فَهُوَ ثَمَنُ الطَّوْقِ وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِأَلْفَيْنِ أَلْفٌ نَقْدٌ وَأَلْفٌ نَسِيئَةٌ فَالنَّقْدُ ثَمَنُ الطَّوْقِ) لِأَنَّ حِصَّةَ الطَّوْقِ يَجِبُ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ بَدَلَ الصَّرْفِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ فَيُصْرَفُ الْمُتَأَخِّرُ إلَى الْجَارِيَةِ وَالْمَقْبُوضُ وَالْحَالُّ إلَى الطَّوْقِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ خُذْ مِنْهُمَا صَرْفًا إلَى الطَّوْقِ وَصَحَّ الْبَيْعُ فِيهِمَا تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَرَّحَ فَقَالَ خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ حِينَئِذٍ عَارَضَهُ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ ثُمَّ افْتَرَقَا بَطَلَ فِي الطَّوْقِ كَمَا إذَا لَمْ يَقْبِضْهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَ بِتَأْجِيلِ الْبَعْضِ لِأَنَّهُ لَوْ أَجَّلَ الْكُلَّ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَفْسُدُ فِي الطَّوْقِ دُونَ الْجَارِيَةِ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حِصَّتِهَا فَيَتَقَدَّرُ الْفَسَادُ بِقَدْرِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْفَسَادَ مُقَارِنٌ فَيَتَعَدَّى إلَى الْجَمِيعِ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَحُرٍّ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْفَسَادِ فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ طَارِئٌ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ الشَّارِحُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ بِالتَّسَامُحِ فِي عِبَارَتِهِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ الْقِيمَةَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي الطَّوْقِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْقَدْرُ حِينَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ وَكَذَا لَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ لِأَنَّ قَدْرَ الطَّوْقِ مُقَابَلٌ بِهِ وَالْبَاقِي بِالْجَارِيَةِ قَلَّتْ قِيمَتُهَا أَوْ كَثُرَتْ فَلَا فَائِدَةَ فِي بَيَانِ قِيمَتِهَا إلَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ الثَّمَنَ بِخِلَافِ جِنْسِ الطَّوْقِ فَحِينَئِذٍ يُفِيدُ بَيَانَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا اهـ.
وَقَدْ أَجَابَ الْعَيْنِيُّ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَقَدْ وَقَعَ الْإِفْرَاطُ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ جُعِلَ طَوْقُهَا أَلْفَ مِثْقَالِ فِضَّةٍ فَإِنَّهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِالْمِصْرِيِّ وَوَضْعُ هَذَا الْمِقْدَارِ فِي الْعُنُقِ بَعِيدٌ عَنْ الْعَادَةِ بَلْ نَوْعُ تَعْذِيبٍ وَكَوْنُ قِيمَتِهَا مَعَ مِقْدَارِ الطَّوْقِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا بِيعَ نَقْدٌ مَعَ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ الثَّمَنُ عَلَى النَّقْدِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ اهـ.
[بَاعَ سَيْفًا حِلْيَتُهُ خَمْسُونَ بِمِائَةٍ وَنَقَدَ خَمْسِينَ]
قَوْلُهُ (وَمَنْ بَاعَ سَيْفًا حِلْيَتُهُ خَمْسُونَ بِمِائَةٍ وَنَقَدَ خَمْسِينَ فَهِيَ حِصَّتُهَا وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَوْ قَالَ مِنْ ثَمَنِهِمَا) أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَمْرَهُمَا يُحْمَلُ عَلَى الصَّلَاحِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ خُذْ هَذَا مِنْ ثَمَنِهِمَا فَلِأَنَّ التَّثْنِيَةَ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْوَاحِدُ مِنْهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وَالنَّاسِي أَحَدُهُمَا، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا وَفِي الْحَدِيثِ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ حَالِهِمَا بِالْإِسْلَامِ وَنَظِيرُهُ فِي الْفِقْهِ إذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً أَوْ وَلَدْتُمَا وَلَدًا عُلِّقَ بِأَحَدِهِمَا لِلِاسْتِحَالَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْمَفْعُولَ بِهِ لِلْإِمْكَانِ وَقَدْ فَاتَهُ صُورَتَانِ الْأُولَى أَنْ يُبَيِّنَ وَيَقُولَ خُذْ هَذَا نِصْفُهُ مِنْ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ وَنِصْفُهُ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَجْعَلَ الْكُلَّ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ وَفِيهِمَا يَكُونُ الْمَقْبُوضُ ثَمَنَ الْحِلْيَةِ لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ عَنْ الْحِلْيَةِ لِحُصُولِ مُرَادِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَفِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ لَوْ قَالَ خُذْ هَذِهِ الْخَمْسِينَ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ خَاصَّةً، وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ أَوْ قَالَ لَا وَتَفَرَّقَا
ــ
[منحة الخالق]
إنَّمَا يَلْزَمُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ إذَا لَزِمَ بِتَسْمِيَتِهِ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ هُنَا هَكَذَا فَبُطْلَانُ بَيْعِ الثَّوْبِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ مُشْكِلٌ هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ تَرْجِيحٌ لِقَوْلِ زُفَرَ وَدَفَعَهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا لَا يَصْلُحُ دَفْعًا حَذَفْنَاهُ خَوْفَ الْإِطَالَةِ بِلَا فَائِدَةٍ.
[بَاعَ أَمَةً مَعَ طَوْقٍ قِيمَةُ كُلٍّ أَلْفٌ بِأَلْفَيْنِ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ أَلْفًا]
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ إلَخْ) أَقُولُ: وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَإِذَا اشْتَرَى قَلْبًا بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَقَبَضَ الْقَلْبَ وَغَصَبَهُ الْآخَرُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ افْتَرَقَا فَهِيَ قِصَاصٌ بِثَمَنِ الْقَلْبِ وَإِنْ تَفَرَّقَا عَلَى غَيْرِ رِضًا وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ، وَلَوْ اشْتَرَى الْقَلْبَ مَعَ ثَوْبٍ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَقَبَضَ الْقَلْبَ وَنَقَدَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ تَفَرَّقَا جَعَلْت مَا نَقَدَهُ ثَمَنَ الْقَلْبِ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ نَقَدَهُ الْعَشَرَةَ فَقَالَ هِيَ مِنْ ثَمَنِهِمَا جَمِيعًا فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَإِنْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ خَاصَّةً، وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ أَوْ قَالَ لَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ يَجْعَلُهَا قَضَاءً مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ دِينَارًا وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلَّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَقَبَضَ السَّيْفَ وَنَقَدَهُ خَمْسِينَ
стр. 2118
عَلَى ذَلِكَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي الْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعَقْدِ أَوْ الْإِضَافَةِ وَلَا مُسَاوَاةَ بَعْدَ تَصْرِيحِ الدَّافِعِ بِكَوْنِ الْمَدْفُوعِ ثَمَنَ السَّيْفِ خَاصَّةً وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُمَلِّكُ فَالْقَوْلُ لَهُ فِي بَيَانِ جِهَتِهِ. اهـ.
وَهَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ قَالَ هَذَا الَّذِي عَجَّلْته حِصَّةُ السَّيْفِ كَانَ عَنْ الْحِلْيَةِ وَجَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ اسْمٌ لِلْحِلْيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ تَبَعًا، وَلَوْ قَالَ هَذَا مِنْ ثَمَنِ الْجَفْنِ وَالنَّصْلِ خَاصَّةً فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَأَزَالَ الِاحْتِمَالَ فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ اهـ.
وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنْ يُحْمَلَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَلَى مَا إذَا قَالَ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ وَلَمْ يَقُلْ خَاصَّةً فَيُوَافِقُ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَأَمَّا مَا فِي الْمَبْسُوطِ وَإِنَّمَا قَالَ خَاصَّةً وَحِينَئِذٍ كَأَنَّهُ قَالَ خُذْ هَذَا عَنْ النَّصْلِ فَلْيَتَأَمَّلْ وَسَيَتَّضِحُ بَعْدُ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِخَمْسِينَ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لِلرِّبَا وَإِنْ بَاعَهُ بِفِضَّةٍ لَمْ يَدْرِ وَزْنَهَا لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِشُبْهَةِ الرِّبَا فَفِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَفِي وَاحِدٍ يَجُوزُ وَهُوَ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الثَّمَنَ أَزِيدُ مِمَّا فِي الْحِلْيَةِ لِيَكُونَ مَا كَانَ قَدْرُهَا مُقَابِلًا لَهَا وَالْبَاقِي فِي مُقَابَلَةِ النَّصْلِ هَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ الْحِلْيَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهَا زَكَّى فَمَا كَانَ لِجَوَازِ التَّفَاصِيلِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْحِلْيَةِ مَعَ السَّيْفِ وَالطَّوْقِ مَعَ الْجَارِيَةِ بَلْ الْمُرَادُ إذَا جَمَعَ مَعَ الصَّرْفِ غَيْرَهُ فَإِنَّ النَّقْدَ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ صَرْفًا بِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا بَيْعُ الْمُزَرْكَشِ وَالْمُطَرَّزِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ بَيْعَهُ بِجِنْسِهِ وَبِهِ نَأْخُذُ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالْأَوْلَى بَيْعُهُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ افْتَرَقَا بِلَا قَبْضٍ صَحَّ فِي السَّيْفِ دُونَهَا إنْ تَخَلَّصَ بِلَا ضَرَرٍ وَإِلَّا بَطَلَا) أَيْ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ حِصَّةَ الصَّرْفِ يَجِبُ قَبْضُهَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى افْتَرَقَا بَطَلَ فِيهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَكَذَا فِي السَّيْفِ إنْ كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ إلَّا بِضَرَرٍ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ بِدُونِ ضَرَرٍ كَبَيْعِ جِذْعٍ مِنْ سَقْفٍ وَإِنْ كَانَ يَتَخَلَّصُ بِدُونِهِ جَازَ لِمَقْدِرَةٍ عَلَى التَّسْلِيمِ فَصَارَ كَالْجَارِيَةِ مَعَ الطَّوْقِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ هُنَا مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ سَابِقًا ثُمَّ قَالَ: قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ كَالْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْحِلْيَةِ وَمِنْ أَنَّهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ تَتَخَلَّصُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ صَحَّ فِي السَّيْفِ خَاصَّةً وَإِلَّا بَطَلَ فِي الْكُلِّ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ النَّصْلِ خَاصَّةً فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّمْيِيزُ إلَّا بِضَرَرٍ
ــ
[منحة الخالق]
دِرْهَمًا، وَقَالَ هِيَ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ أَوْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ وَالْحِلْيَةِ أَوْ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ دُونَ الْحِلْيَةِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْقَابِضُ أَوْ لَمْ يَرْضَ فَهُوَ سَوَاءٌ وَاَلَّذِي نُقِدَ مِنْ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ اسْتِحْسَانًا. اهـ.
وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ خَاصَّةً وَقَوْلُهُ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ دُونَ الْحِلْيَةِ حَيْثُ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ هُوَ أَنَّ الثَّوْبَ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مَبِيعًا قَصْدًا فَيَتَعَيَّنُ عِنْدَ التَّنْصِيصِ بِخِلَافِ السَّيْفِ إذَا كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْ الْحِلْيَةِ إلَّا بِضَرَرٍ فَلَوْ صَحَّ النَّصُّ لَزِمَ فَسَادُ الْبَيْعِ؛؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَبَيْعِ جِذْعٍ مِنْ سَقْفٍ وَلَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ هُنَا عَنْ الْمَبْسُوطِ فَإِنَّ قَوْلَهُ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ دُونَ الْحِلْيَةِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ خَاصَّةً فَلْيُتَأَمَّلْ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَرْقِ قَوْلُهُ فِي الْكَافِي أَيْضًا وَلَوْ بَاعَ قَلْبَ فِضَّةٍ فِيهِ عَشَرَةٌ وَثَوْبًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَنَقَدَهُ عَشَرَةً، وَقَالَ نِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الْقَلْبِ وَنِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ ثُمَّ تَفَرَّقَا وَقَدْ قَبَضَ الْقَلْبَ وَالثَّوْبَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا السَّيْفُ إذَا سَمَّى فَقَالَ نِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ وَنِصْفُهَا مِنْ ثَمَنِ نَصْلِ السَّيْفِ ثُمَّ تَفَرَّقَا لَمْ يَفْسُدْ الْمَبِيعُ. اهـ.
وَلِذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ جَازَ كَيْفَمَا كَانَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْفُوعُ مُسَاوِيًا لِقِيمَةِ الْحِلْيَةِ أَوْ لِوَزْنِهَا أَوْ لَا وَلَا لِجَوَازِ التَّفَاضُلِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يُصْرَفُ الْمَدْفُوعُ إلَى الْحِلْيَةِ فَيَكُونُ ثَمَنًا لَهَا وَيَكُونُ بَاقِي الثَّمَنِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَدْفُوعِ ثَمَنَ النَّصْلِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا بَيْعُ الْمُزَرْكَشِ وَالْمُطَرَّزِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ حِلْيَةِ السَّيْفِ نَاقِلًا عَنْ الْمُحِيطِ وَإِنْ كَانَ مُمَوَّهًا جَازَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ بِالتَّمْوِيهِ صَارَتْ مُسْتَهْلَكَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُصُ بَعْدَ التَّمْوِيهِ وَلَكِنْ بَقِيَ لَوْنُهَا، أَلَا تَرَى لَوْ اشْتَرَى دَارًا مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ بِذَهَبٍ مُؤَجَّلٍ يَجُوزُ وَلَوْ بَقِيَ عَيْنُ الذَّهَبِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ. اهـ.
وَأَقُولُ: الْمُمَوَّهُ الْمَطْلِيُّ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَالتَّمْوِيهُ الطَّلْيُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَمْوِيهِ الْكَلَامِ أَيْ تَلْبِيسِهِ وَأَقُولُ: يَجِبُ تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا لَمْ تَكْثُرْ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ الْمُمَوَّهُ أَمَّا إذَا كَثُرَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ يَدْخُلُ فِي الْمِيزَانِ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ يَجِبُ حِينَئِذٍ اعْتِبَارُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا لَكِنْ رَأَيْته لِلشَّافِعِيَّةِ وَقَوَاعِدُنَا شَاهِدَةٌ بِهِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَغَالِبُ الْغِشِّ لَيْسَ فِي حُكْمِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ، وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَإِذَا اشْتَرَى لِجَامًا مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ أَقَلَّ مِمَّا فِيهِ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّمْوِيهَ لَا يَخْلُصُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الدَّارَ الْمُمَوَّهَةَ بِالذَّهَبِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ
стр. 2119
يَكُونُ الْمَنْقُودُ ثَمَنَ الصَّرْفِ وَيَصِحَّانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ صِحَّةَ الْبَيْعِ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِصَرْفِ الْمَنْقُودِ إلَى الصَّرْفِ فَحَكَمْنَا بِجَوَازِهِ تَصْحِيحًا لِلْبَيْعِ وَإِنْ أَمْكَنَ تَمْيِيزُهَا بِغَيْرِ ضَرَرٍ بَطَلَ الصَّرْفُ فَعَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ تَتَخَلَّصُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا صَرَّحَ بِالنَّصْلِ دُونَ السَّيْفِ وَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ انْصِرَافِهِ إلَى الْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَتَخَلَّصَ بِلَا ضَرَرٍ وَإِلَّا صَرَفْنَاهَا إلَى الْحِلْيَةِ وَتَرَكْنَا الصَّرِيحَ تَصْحِيحًا؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ بَطَلَ فِي الْكُلِّ وَمَا فِي الْمَبْسُوطِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ خُذْ هَذَا مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ خَاصَّةً فَذَكَرَ السَّيْفَ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّصْلَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ ذَكَرَ السَّيْفَ وَلَمْ يَقُلْ خَاصَّةً صُرِفَ إلَى الْحِلْيَةِ مُطْلَقًا، أَعْنِي سَوَاءً أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ بِلَا ضَرَرٍ أَوْ لَا، وَإِنْ زَادَ خَاصَّةً أَمْ لَمْ يَذْكُرْ السَّيْفَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّصْلَ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا وَيُصْرَفُ إلَى النَّصْلِ إنْ أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ بِلَا ضَرَرٍ وَإِلَّا صَرَفْنَاهُ إلَى الْحِلْيَةِ، وَفِي الْبَدَائِعِ إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ يَقَعُ عَنْ الْحِلْيَةِ وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ ثَمَنِ النَّصْلِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ بِلَا ضَرَرٍ يَقَعُ عَنْ الْمَذْكُورِ وَيَبْطُلُ الصَّرْفُ بِالِافْتِرَاقِ وَإِلَّا فَالْمَنْقُودُ ثَمَنُ الصَّرْفِ وَيَصِحَّانِ. اهـ.
وَفِي الْمُغْرِبِ الْحِلْيَةُ الزِّينَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ فِضَّةٍ يُقَالُ حِلْيَةُ السَّيْفِ وَالسَّرْجِ وَغَيْرِهِ وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] أَيْ اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ اهـ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ وَقَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهِ وَافْتَرَقَا صَحَّ فِيمَا قَبَضَ وَالْإِنَاءُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي إذَا بَاعَهُ بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَهُوَ يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَتَقَدَّرُ الْفَسَادُ بِقَدْرِ مَا لَمْ يَقْبِضْ وَلَا يَشِيعُ؛ لِأَنَّهُ طَارِئٌ وَلَا يَكُونُ هَذَا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ لَا مِنْ الْعَاقِدِ وَلَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ عَيْبِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ مِنْهُ وَهُوَ عَدَمُ النَّقْدِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا هَلَكَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ حَيْثُ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الْبَاقِي لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ الْإِنَاءِ أَخَذَ الْمُشْتَرِي مَا بَقِيَ بِقِسْطِهِ أَوْ رَدَّ) ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْإِنَاءِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ التَّشْقِيصَ يَضُرُّهُ وَهَذَا الْعَيْبُ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْبَائِعِ مُقَارِنًا فَإِنْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ جَازَ الْعَقْدُ وَكَانَ الثَّمَنُ لَهُ يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ الْإِجَازَةِ وَيَصِيرُ الْعَاقِدُ وَكِيلًا لِلْمُجِيزِ فَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُجِيزِ حَتَّى لَوْ افْتَرَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ قَبْلَ إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ بَطَلَ الْعَقْدُ وَإِنْ فَارَقَهُ الْمُسْتَحِقُّ قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَالْمُتَعَاقِدَانِ بَاقِيَانِ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ الْعَقْدُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَطْلَقَ الْخِيَارَ فَشَمِلَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ. قَوْلُهُ (وَلَوْ بَاعَهُ قِطْعَةً فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا أَخَذَ مَا بَقِيَ بِقِسْطِهِ بِلَا خِيَارٍ) ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِيهَا لَيْسَتْ بِعَيْبٍ إذْ التَّشْقِيصُ فِيهَا لَا يَضُرُّهَا بِخِلَافِ الْإِنَاءِ أَطْلَقَهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَعْدَ قَبْضِهَا أَمَّا إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْضُ النُّقْرَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَإِنَّ لَهُ الْخِيَارَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَامِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ لِتَمَامِهَا وَفِي الْمُغْرِبِ النُّقْرَةُ الْقِطْعَةُ الْمُذَابَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَيُقَالُ نُقْرَةُ فِضَّةٍ عَلَى الْإِضَافَةِ لِلْبَيَانِ. اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ هِيَ قِطْعَةُ فِضَّةٍ مُذَابَةٍ، كَذَا فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ وَعَلَى هَذَا فَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَوْقَافِ الْمِصْرِيَّةِ كالشيخونية والصرغتمشية مِنْ الدَّرَاهِمِ النُّقْرَةُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْفِضَّةُ لَكِنْ وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ فِي أَنَّهَا فِضَّةٌ خَالِصَةٌ أَوْ مَغْشُوشَةٌ وَكُنْت اسْتَفْتَيْت بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ عَنْهَا فَأَفْتَى
ــ
[منحة الخالق]
مَا فِي سُقُوفِهَا مِنْ التَّمْوِيهِ بِالذَّهَبِ أَكْثَرَ مِنْ الذَّهَبِ فِي الثَّمَنِ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) أَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ النَّصْلَ أَخَصُّ مِنْ السَّيْفِ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ يُطْلَقُ عَلَى الْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لَهَا وَلِلْمُنْصَلِ بِخِلَافِ النَّصْلِ، فَإِذَا قَالَ خُذْ هَذَا مِنْ ثَمَنِ النَّصْلِ خَاصَّةً وَلَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ إلَّا بِضَرَرِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ يَجْعَلُ النَّصْلَ عِبَارَةً عَنْ السَّيْفِ، فَإِذَا ذَكَرَ السَّيْفَ بَدَلَ النَّصْلِ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ بِالْأَوْلَى فَقَوْلُ الْمَبْسُوطِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي الْحِلْيَةِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا أَمْكَنَ تَمْيِيزُهُ بِلَا ضَرَرٍ وَإِلَّا خَالَفَهُ مَا فِي الْمُحِيطِ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّوْفِيقِ لِدَفْعِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ، نَعَمْ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ وَإِلَّا بَطَلَ فِي الْكُلِّ لَا يُنَاسِبُ هَذَا التَّوْفِيقَ لِمَا عَلِمْته مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ لَا تَتَخَلَّصُ إلَّا بِضَرَرٍ صَحَّ فِي الْكُلِّ فَكَيْفَ يَحْمِلُ مَسْأَلَةَ الْمَبْسُوطِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يَتَمَيَّزُ بِضَرَرٍ أَوْ بِدُونِ ضَرَرٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى حُكْمِهِ تَأَمَّلْ.
[بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ وَقَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهِ وَافْتَرَقَا]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقَّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عَازِيًا إلَى الْغَزِّيِّ هَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِقَوْلِ الْخَصَّافِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْتَقِضُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ بِخِلَافِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فَارَقَ الْمُسْتَحِقُّ قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَالْمُتَعَاقِدَانِ بَاقِيَانِ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ الْعَقْدُ) صَوَابُهُ صَحَّ الْعَقْدُ كَمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الْجَوْهَرَةِ. (قَوْلُهُ: وَكُنْت اسْتَفْتَيْت بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ)
стр. 2120
بِأَنَّهُ سَمِعَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ أَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْهَا يُسَاوِي نِصْفًا وَثَلَاثَةَ فُلُوسٍ فَلْيُعَوَّلْ عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يُوجَدْ خِلَافُهُ. اهـ.
وَقَدْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا وَلَكِنَّ الْأَدْنَى مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَكِنَّ الْأَوْفَقَ بِفُرُوعِ مَذْهَبِنَا وُجُوبُ دِرْهَمٍ وَسَطٍ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ دَعْوَى النَّقْرَةِ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمِ نَقْرَةٍ وَلَمْ يَصِفْهَا صَحَّ الْعَقْدُ فَلَوْ ادَّعَتْ مِائَةَ دِرْهَمٍ مَهْرًا وَجَبَ لَهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ وَسَطٌ اهـ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَصَحَّ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ وَكُرِّ بُرٍّ وَشَعِيرٍ بِضَعْفِهِمَا) أَيْ بِأَنْ يَبِيعَهُمَا بِكُرَّيْ بُرٍّ وَكُرَّيْ شَعِيرٍ وَإِنَّمَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ كُلُّ جِنْسٍ مُقَابِلًا بِخِلَافِ جِنْسِهِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ وَلَوْ صُرِفَ إلَى جِنْسِهِ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي مُطْلَقَ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَيْدٍ لَا مُقَابَلَةِ الْكُلِّ بِالْكُلِّ شَائِعًا وَلَا فَرْدًا مُعَيَّنًا فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى نَصِيبِهِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ وَكَانْصِرَافِ النَّقْدِ إلَى الْمُتَعَارَفِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا مَا لَوْ اشْتَرَى قَلْبًا بِعَشَرَةٍ وَثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُمَا مُرَابَحَةً بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُ الرِّبْحِ إلَى الثَّوْبِ؛ لِأَنَّا لَوْ صَرَفْنَاهُ لَصَارَ تَوْلِيَةً فِي الْقَلْبِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُرَابَحَةِ فَكَانَ إبْطَالًا لَهُ، وَكَذَا لَا يَرِدُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفٍ ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ النَّقْدِ مَعَ آخَرَ مِنْ الْبَائِعِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْمُشْتَرَى بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ التَّصْحِيحِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِإِمْكَانِ صَرْفِ الْأَلْفِ وَمِائَةٍ إلَيْهِ أَوْ مِائَتَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصُّورِ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الطُّرُقَ مُتَعَدِّدَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لِجَوَازِ أَنْ يُصْرَفَ الدِّينَارُ إلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ إلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارُ إلَى الدِّرْهَمِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ الدِّرْهَمَانِ إلَى الدِّينَارَيْنِ وَالدِّينَارُ إلَى الدِّرْهَمِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَقَلُّ تَغْيِيرًا فَكَانَ أَوْلَى وَكَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْنَا مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ، وَقَالَ بِعْتُك أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلتَّنْكِيرِ وَإِنْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِصَرْفِهِ إلَى عَبْدِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيْعَ أُضِيفَ إلَى مُنَكَّرٍ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمُعَيَّنِ لِلتَّضَادِّ إذْ الْمُنَكَّرُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلْبَيْعِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مَكِّيًا النَّكِرَةِ فَإِنَّ زَيْدًا يَصْدُقُ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ عَبْدِي أَوْ حِمَارِي حُرٌّ أَنَّهُ يُعْتَقُ الْعَبْدُ وَيُجْعَلُ اسْتِعَارَةُ الْمُنَكَّرِ لِلْمُعَرَّفِ، وَكَذَا مَا قِيلَ إنَّ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ يَجِبُ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ وَهُوَ لَمْ يُضَفْ إلَى الْمُعَيَّنِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أُورِدَ عَلَى دَفْعِ النُّقُوضِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْخَطَّ لَهُ جَوَابٌ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّك النَّقْضُ فِي إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ خَطَأٌ فِي مَحَلٍّ آخَرَ إذَا اعْتَرَفَ بِخَطَئِهِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ خَطَأً فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. اهـ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا وَثَوْبًا بِدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ وَافْتَرَقَا بِلَا قَبْضٍ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ صَحِيحًا وَإِنَّمَا طَرَأَ الْفَسَادُ بِالِافْتِرَاقِ وَالصَّرْفُ لِدَفْعِ الْفَسَادِ وَقَدْ انْعَقَدَ بِلَا فَسَادٍ وَكَلَامُنَا لَيْسَ فِي الْفَسَادِ الطَّارِئِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ بَاعَ عَشَرَةً وَثَوْبًا بِعَشَرَةٍ وَثَوْبٍ وَافْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الدِّرْهَمِ وَلَوْ صَرَفَ الْجِنْسَ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ لَمْ يَبْطُلْ وَلَكِنْ قِيلَ فِي الْعُقُودِ يَحْتَالُ لِلتَّصْحِيحِ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا يَحْتَالُ لِلْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ. اهـ.
وَفِي الْإِيضَاحِ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى إبْدَالٍ وَجَبَ قِسْمَةُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَتَظْهَرُ الْفَائِدَةُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَوُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَفَاوَتُ فَالْقِسْمَةُ عَلَى الْأَجْزَاءِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَفَاوَتُ فَالْقِسْمَةُ عَلَى الْقِيمَةِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ الرِّبَا فَإِنَّمَا تَجِبُ الْقِسْمَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الْعَقْدُ مِثَالُهُ بَاعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ يَصِحُّ الْعَقْدُ فَإِنَّ الْخَمْسَةَ بِالْخَمْسَةِ وَالْخَمْسَةَ الْأُخْرَى بِالدِّينَارِ وَكَذَا لَوْ قَابَلَ جِنْسَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ. اهـ.
وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ وَهِيَ. قَوْلُهُ (وَأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ) أَيْ صَحَّ بَيْعٌ فَتَكُونُ الْعَشَرَةُ
ــ
[منحة الخالق]
قَدَّمْنَا فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَلَّامَةُ عَصْرِهِ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيِّ. - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
[بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ وَكُرِّ بُرٍّ وَشَعِيرٍ بِضَعْفِهِمَا]
(قَوْلُهُ: وَالصَّرْفُ لِدَفْعِ الْفَسَادِ) أَيْ صَرْفُ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ
стр. 2121
بِمِثْلِهَا وَالدِّينَارُ بِالدِّرْهَمِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ عُلِمَتْ مِمَّا قَبْلَهَا لِبَيَانِ أَنَّ الصَّرْفَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ لَا يَتَفَاوَتُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ جُزْءٍ وَاحِدٍ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
قَوْلُهُ (وَدِرْهَمٍ صَحِيحٍ وَدِرْهَمَيْنِ غَلَّةٍ بِدِرْهَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَدِرْهَمٍ غَلَّةٍ) أَيْ يَصِحُّ بَيْعٌ لِلِاتِّحَادِ فِي الْجِنْسِ فَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ دُونَ الْوَصْفِ وَالْغَلَّةُ هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمُقَطَّعَةُ وَقِيلَ مَا يَرُدُّهُ بَيْتُ الْمَالِ وَيَأْخُذُهُ التُّجَّارُ لَا تَنَافِيَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُقَطَّعَةُ وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ تَبَايَعَا فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ وَمَعَ أَقَلِّهِمَا شَيْءٌ آخَرُ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ بَاقِي الْفِضَّةِ جَازَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ فَمَعَ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِتَحَقُّقِ الرِّبَا إذْ الزِّيَادَةُ لَا يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فَيَكُونُ رِبًا. اهـ.
وَصَرَّحَ فِي الْإِيضَاحِ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِي الْمُحِيطِ إنَّمَا كَرِهَهُ مُحَمَّدٌ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَأْلَفَهُ النَّاسُ وَيَسْتَعْمِلُوهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ وَقِيلَ: لِأَنَّهُمَا بَاشَرَا الْحِيلَةَ لِإِسْقَاطِ الرِّبَا كَبَيْعِ الْعَيِّنَةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اشْتَرَى تُرَابَ الْفِضَّةِ بِفِضَّةٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي التُّرَابِ شَيْءٌ فَظَاهِرٌ وَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِتُرَابِ فِضَّةٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَيْنِ هُمَا الْفِضَّةُ لَا التُّرَابُ وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِتُرَابِ ذَهَبٍ جَازَ لِعَدَمِ لُزُومِ الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَلَوْ ظَهَرَ أَنْ لَا شَيْءَ فِي التُّرَابِ لَا يَجُوزُ وَكُلَّمَا جَازَ فَمُشْتَرِي التُّرَابِ بِالْخِيَارِ إذَا رَأَى؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ. اهـ.
قَوْلُهُ (وَدِينَارٍ بِعَشَرَةٍ عَلَيْهِ أَوْ بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةً وَدَفَعَ الدِّينَارَ وَتَقَاصَّا الْعَشَرَةَ بِالْعَشَرَةِ) أَيْ صَحَّ بَيْعٌ، أَمَّا إذَا قَابَلَ الدِّينَارَ بِالْعَشَرَةِ الَّتِي عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فَلِأَنَّهُ جَعَلَ ثَمَنَهُ دَرَاهِمَ لَا يَجِبُ قَبْضُهَا وَلَا تَعْيِينُهَا بِالْقَبْضِ وَهُوَ جَائِزٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الرِّبَا وَلَا رِبًا فِي دَيْنٍ سَقَطَ وَإِنَّمَا الرِّبَا فِي دَيْنٍ يَقَعُ الْخَطَرُ فِي عَاقِبَتِهِ وَلِذَا لَوْ تَصَارَفَا دَرَاهِمَ دَيْنًا بِدَنَانِيرَ دَيْنًا صَحَّ لِفَوَاتِ الْخَطَرِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةً ثُمَّ تَقَاصَّا فَالْمَذْكُورُ هُنَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِكَوْنِهِ اسْتِبْدَالًا بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا لَمَّا تَقَاصَّا انْفَسَخَ الْأَوَّلُ وَانْعَقَدَ صَرْفٌ آخَرُ مُضَافًا إلَى الدَّيْنِ فَتَثْبُتُ الْإِضَافَةُ اقْتِضَاءً كَمَا لَوْ جَدَّدَ الْبَيْعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَنَحْنُ نَقُولُ مُوجِبُ الْعَقْدِ عَشَرَةٌ مُطْلَقَةٌ تَصِيرُ مُتَعَيِّنَةً بِالْقَبْضِ وَبِالْإِضَافَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ إلَى الْعَشَرَةِ الدَّيْنِ صَارَتْ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ بِقَبْضٍ سَابِقٍ وَلَا يُبَالِيَ بِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّعْيِينِ بِالْقَبْضِ بِالْمُسَاوَاةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ فَسْخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعَشَرَةِ الدَّيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ بِأَلْفٍ ثُمَّ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّ الْفَسْخَ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَصْدُقْ عَلَى الْآخَرِ بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ مُطْلَقًا مَعَ هَذِهِ الْعَشَرَةِ لِلصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ لَيْسَ قَيْدًا فِي الْعَقْدِ بِهَا وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ قَضَاؤُهَا أَصْلًا إذْ لَا وُجُودَ لِلْمُطْلَقِ بِقَيْدِ الْإِطْلَاقِ، وَعَلَى هَذَا مَشَوْا أَوْ تَقْرِيرُهُ أَنَّهُمَا لَمَّا غَيَّرَا مُوجِبَ الْعَقْدِ فَقَدْ فَسَخَاهُ إلَى عَقْدٍ آخَرَ اقْتِضَاءً. اهـ.
أَطْلَقَ فِي الْعَشَرَةِ الدَّيْنَ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ عَقْدِ الصَّرْفِ أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَهُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ التَّقَاصُّ بِدَيْنٍ حَادِثٍ بَعْدَهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّقَاصَّ هُوَ الْمُتَضَمِّنُ لِفَسْخِ الْأَوَّلِ وَإِنْشَاءِ صَرْفٍ آخَرَ فَيَكْتَفِي بِالدَّيْنِ عِنْدَ التَّقَاصِّ، بِخِلَافِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ قِصَاصًا بِدَيْنٍ آخَرَ مُطْلَقًا مُتَقَدِّمًا كَانَ أَوْ مُتَأَخِّرًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ وَلَوْ صَحَّتْ الْمُقَاصَّةُ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ لَافْتَرَقَا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلِذَا لَا يَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَى الدَّيْنِ ابْتِدَاءً بِأَنْ يُجْعَلَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ بِخِلَافِ الصَّرْفِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا اسْتَقْرَضَ بَائِعُ الدِّينَارِ عَشَرَةً مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ غَصَبَ مِنْهُ فَقَدْ صَارَ قِصَاصًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرَاضِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الْقَبْضُ. اهـ.
وَقَوْلُهُ وَتَقَاصَّا رَاجِعٌ إلَى الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الْأُولَى فَتَقَعُ الْمُقَاصَصَةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا حَدَثَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: أَطْلَقَ فِي الْعَشَرَةِ الدَّيْنَ فَشَمِلَ إلَخْ) هَذَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ أَوْ بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ أَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُقَيَّدَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَادِثًا بَعْدَ عَقْدِ الصَّرْفِ.
стр. 2122
بَعْدَ الصَّرْفِ فَإِنْ كَانَ بِقَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ وَإِنْ لَمْ يَتَقَاصَّا، وَإِنْ حَدَثَ بِالشِّرَاءِ بِأَنْ بَاعَ مُشْتَرِي الدِّينَارِ مِنْ بَائِعِ الدِّينَارِ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ إنْ لَمْ يَجْعَلَاهُ قِصَاصًا لَا يَصِيرُ قِصَاصًا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَإِنْ جَعَلَاهُ قِصَاصًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَمِنْ مَسَائِلِ الْمُقَاصَّاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الصَّرْفِ مَا فِي الْمُنْتَقَى لَهُ وَدِيعَةٌ وَلِلْمُودَعِ عَلَى صَاحِبِهَا دَيْنٌ مِنْ جِنْسِهَا لَمْ تَصِرْ قِصَاصًا بِالدَّيْنِ قَبْلَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ لَا تَصِيرُ الْوَدِيعَةُ قِصَاصًا مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى أَهْلِهِ فَيَأْخُذُهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ فَاجْتَمَعَا عَلَى جَعْلِهَا قِصَاصًا لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الْمَغْصُوبِ كَالْوَدِيعَةِ سَوَاءٌ وَالدَّيْنَانِ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ لَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَتَقَاصَّا، وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَلَّةً وَالْآخَرُ صَحِيحًا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الْمُدَايَنَاتِ أَنَّ الدَّيْنَيْنِ إذَا كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ لَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ حَتَّى يَتَقَاصَّا وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْوَصْفِ يَمْنَعُ الْمُقَاصَّةَ بِنَفْسِهِ وَلَا يَمْنَعُ إذَا جَعَلَاهُ قِصَاصًا. اهـ.
وَفِي الصِّحَاحِ تَقَاصَّ الْقَوْمُ إذَا قَاصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِي حِسَابٍ أَوْ غَيْرِهِ. اهـ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَتَقَاصَّا كَأَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَلِلْمَدْيُونِ مِائَةُ دِينَارٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَقَاصَّا تَصِيرُ الدَّرَاهِمُ قِصَاصًا بِمِائَةٍ مِنْ قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ وَيَبْقَى لِصَاحِبِ الدَّنَانِيرِ عَلَى صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ مَا بَقِيَ مِنْهَا، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ مِنْ النَّفَقَاتِ، وَإِذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ النَّفَقَةَ وَكَانَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَقَالَ الزَّوْجُ احْسِبُوا لَهَا نَفَقَتَهَا مِنْهُ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ عِنْدَ التَّرَاضِي فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سَائِرِ الدُّيُونِ فَإِنَّ هُنَاكَ الْمُقَاصَّةُ تَقَعُ مِنْ غَيْرِ التَّرَاضِي وَهُنَا شَرَطَ التَّرَاضِي وَالْفَرْقُ أَنَّ دَيْنَ النَّفَقَةِ أَدْنَى لِمَا ذَكَرْنَا فَلَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ إلَّا بِالتَّرَاضِي، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ جَيِّدًا وَالْآخَرُ رَدِيئًا بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّرَاضِي. اهـ.
وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ فَوَائِدِ التَّقَاصِّ فِي بَابِ أُمِّ الْوَلَدِ فَارْجِعْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَغَالِبُ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ) يَعْنِي فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْخَالِصَةِ بِهَا وَلَا بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إلَّا مُتَسَاوِيًا وَزْنًا وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِقْرَاضُ بِهَا إلَّا وَزْنًا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْلُوَانِ عَنْ قَلِيلِ غِشٍّ إذْ هُمَا لَا يَنْطَبِعَانِ عَادَةً بِدُونِهِ وَقَدْ يَكُونُ خِلْقِيًّا فَيَعْسُرُ التَّمْيِيزُ فَصَارَ كَالرَّدِيءِ وَهُوَ وَالْجَيِّدُ سَوَاءٌ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ فَيُجْعَلُ الْغِشُّ مَعْدُومًا فَلَا اعْتِبَارَ لَهُ أَصْلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا غَلَبَ الْغِشُّ فَإِنَّ لِلْمَغْلُوبِ اعْتِبَارًا كَمَا سَيَأْتِي. اهـ.
(قَوْلُهُ وَغَالِبُ الْغِشِّ لَيْسَ فِي حُكْمِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَيَصِحُّ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا) أَيْ وَزْنًا وَعَدَدًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ فَلَا يَضُرُّ التَّفَاضُلُ لِجَعْلِ الْغِشِّ مُقَابَلًا بِالْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ الَّذِي فِي الْآخَرِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِي الْبَعْضِ لِوُجُودِ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْغِشِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ إلَّا بِضَرَرٍ، وَكَذَا إذَا بِيعَتْ بِالْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ أَوْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ الَّذِي فِي الْمَغْشُوشِ حَتَّى يَكُونَ قَدْرُهُ بِمِثْلِهِ وَالزَّائِدُ بِالْغِشِّ عَلَى مِثَالِ بَيْعِ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ فَاعْتُبِرَ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ الْمَغْلُوبُ بِالْمَغْشُوشِ بِالْغَالِبِ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِبَارِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْغِشُّ الْمَغْلُوبُ بِهِمَا فَجُعِلَ كَأَنَّهُ كُلَّهُ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ وَمُنِعَ بَيْعُهُ مُتَفَاضِلًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِضَّةَ أَوْ الذَّهَبَ الْمَغْلُوبَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً حَالًّا بِالْوَزْنِ وَمَآلًا بِالْإِذَابَةِ لِكَوْنِهِمَا يَخْلُصَانِ مِنْهُ بِالْإِذَابَةِ فَكَانَا مَوْجُودَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا حَتَّى يُعْتَبَرَا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ بِخِلَافِ الْغِشِّ الْمَغْلُوبِ لِأَنَّهُ يَحْتَرِقُ وَيَهْلِكُ وَلَا لَوْنَ حَتَّى لَوْ عَرَفَ أَنَّ الْفِضَّةَ أَوْ الذَّهَبَ الَّذِي فِي الْغِشِّ الْغَالِبِ يَحْتَرِقُ وَيَهْلِكُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النُّحَاسِ الْخَالِصِ فَلَا يُعْتَبَرَانِ أَصْلًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا إنْ كَانَ مَوْزُونًا لِلرِّبَا وَفِي الْهِدَايَةِ وَمَشَايِخِنَا يَعْنِي مَشَايِخَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مِنْ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ لَمْ يُفْتُوا بِجَوَازِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ إلَّا بِضَرَرٍ) أَيْ اشْتِرَاطُ قَبْضِ الْغِشِّ لَيْسَ لِذَاتِهِ بَلْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ عَنْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ قَبْضُهَا، لَا يُقَالُ إنَّ النُّحَاسَ الَّذِي هُوَ الْغِشُّ مَوْزُونٌ أَيْضًا فَقَدْ وُجِدَ الْقَدْرُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ لِذَاتِهِ لَا لِضَرَرِ تَخَلُّصِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وَزْنُ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ وَزْنِ النُّحَاسِ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَجْمَعْهُمَا قَدْرٌ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ الْقُطْنِ وَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُوزَنُ إلَّا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَقْبُوضًا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا السَّلَمُ. (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِضَّةَ أَوْ الذَّهَبَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفِضَّةَ الْمَغْلُوبَةَ أَوْ الذَّهَبَ الْمَغْلُوبَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً مِنْ حَيْثُ اللَّوْنِ وَمَآلًا بِالْإِذَابَةِ فَإِنَّ
стр. 2123
ذَلِكَ أَيْ بِبَيْعِهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا فِي الْعَدَالِي وَالْغَطَارِفَةِ مَعَ أَنَّ الْغِشَّ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَعَزُّ الْأَمْوَالِ فِي دِيَارِنَا فَلَوْ أُبِيحَ التَّفَاضُلُ فِيهَا يَنْفَتِحُ بَابُ الرِّبَا الصَّرِيحِ فَإِنَّ النَّاسَ حِينَئِذٍ يَعْتَادُونَ فِي الْأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ فَيَتَدَرَّجُونَ ذَلِكَ فِي النُّقُودِ الْخَالِصَةِ وَالْغَطَارِفَةُ دَرَاهِمُ مَنْسُوبَةٌ إلَى غِطْرِيفٍ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا الْيَاءُ وَآخِرُهَا الْفَاءُ ابْنُ عَطَاءٍ الْكِنْدِيُّ أَمِيرُ خُرَاسَانَ أَيَّامَ الرَّشِيدِ وَقِيلَ هُوَ خَالُ الرَّشِيدِ وَالْعَدَالِي بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِاللَّامِ الْمَكْسُورَةِ وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الْعَدَالِ وَكَأَنَّهُ اسْمُ مَلِكٍ نُسِبَ إلَيْهِ دِرْهَمٌ فِيهِ غِشٌّ، كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَالْغِشُّ بِمَعْنَى الْمَغْشُوشِ وَهُوَ غَيْرُ الْخَالِصِ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّبَايُعُ وَالِاسْتِقْرَاضُ بِمَا يَرُوجُ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا أَوْ بِهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ الْعَادَةُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِغَلَبَةِ الْغِشِّ كَالْفُلُوسِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَادَةُ كَالْفُلُوسِ فَإِنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِالْوَزْنِ فَبِهِ وَبِالْعَدِّ فَبِهِ وَبِهِمَا فَبِكُلٍّ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ (وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لِكَوْنِهَا أَثْمَانًا) يَعْنِي مَا دَامَتْ تَرُوجُ؛ لِأَنَّهَا بِالِاصْطِلَاحِ صَارَتْ أَثْمَانًا فَمَا دَامَ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحُ مَوْجُودًا لَا تَبْطُلُ الثَّمَنِيَّةُ لِقِيَامِ الْمُقْتَضَى. قَوْلُهُ (وَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ إنْ كَانَتْ لَا تَرُوجُ) لِزَوَالِ الْمُقْتَضَى لِلثَّمَنِيَّةِ وَهُوَ الِاصْطِلَاحُ وَهَذَا لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ سِلْعَةٌ وَإِنَّمَا صَارَتْ أَثْمَانًا بِالِاصْطِلَاحِ فَإِذَا تَرَكُوا الْمُعَامَلَةَ بِهَا رَجَعَتْ إلَى أَصْلِهَا وَإِنْ كَانَ يَأْخُذُهَا الْبَعْضُ فَهِيَ مِثْلُ الدَّرَاهِمِ لَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا بَلْ بِجِنْسِهَا إنْ كَانَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ بِحَالِهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِحَالِهَا وَبَاعَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا دَرَاهِمُ جِيَادٌ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالْجِيَادِ لِوُجُودِ الرِّضَا بِهَا فِي الْأَوَّلِ وَعَدَمِهِ فِي الثَّانِي وَأَشَارَ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَ عَدَمِ رَوَاجِهَا وَبِعَدَمِهِ عِنْدَ رَوَاجِهَا إلَى أَنَّهَا إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ إنْ كَانَتْ رَائِجَةً وَيَبْطُلُ إنْ لَمْ تَكُنْ وَأَطْلَقَ فِي تَعْيِينِهَا وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَا يَعْلَمَانِ بِحَالِهَا وَيَعْلَمُ كُلٌّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنَّ الْآخَرَ يَعْلَمُ فَإِنْ كَانَا لَا يَعْلَمَانِ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَحَدُهُمَا أَوْ يَعْلَمَانِ وَلَا يَعْلَمُ كُلٌّ أَنَّ الْآخَرَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَتَعَلَّقُ بِالدَّرَاهِمِ الرَّائِجَةِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لَا بِالْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي لَا تَرُوجُ وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُهَا الْبَعْضُ وَيَرُدُّهَا الْبَعْضُ فَهِيَ فِي حُكْمِ الزُّيُوفِ وَالنَّبَهْرَجَةِ فَيَتَعَلَّقُ الْبَيْعُ بِجِنْسِهَا لَا بِعَيْنِهَا كَمَا هُوَ فِي الْمُرَابَحَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ خَاصَّةً ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ وَأَدْرَجَ نَفْسَهُ فِي الْبَعْضِ الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ تَعَلَّقَ الْعَقْدُ عَلَى الْأُرُوجِ فَإِنْ اسْتَوَتْ فِي الرَّوَاجِ جَرَى التَّفْصِيلُ الَّذِي أَسْلَفْنَاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَسَاوِي كَغَالِبِ الْفِضَّةِ فِي التَّبَايُعِ وَالِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الصَّرْفِ كَغَالِبِ الْغِشِّ) يَعْنِي فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهَا وَلَا إقْرَاضُهَا إلَّا بِالْوَزْنِ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ لِأَنَّ الْفِضَّةَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا حَقِيقَةً وَلَمْ تَصِرْ مَغْلُوبَةً فَيَجِبُ الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ شَرْعًا، وَإِذَا أَشَارَ إلَيْهَا فِي الْمُبَايَعَةِ كَانَ بَيَانًا لِقَدْرِهَا وَوَضْعِهَا وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِهَلَاكِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَيُعْطِيه مِثْلَهَا لِكَوْنِهَا ثَمَنًا لَمْ تَتَعَيَّنْ، وَأَمَّا فِي الصَّرْفِ فَيَجِبُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ وَلَوْ بَاعَهَا بِالْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَكُونَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ الْفِضَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا غَلَبَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُمَا، وَفِي الْخَانِيَّةِ إنْ كَانَ نِصْفُهَا صُفْرًا وَنِصْفُهَا فِضَّةً لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِيمَا إذَا بِيعَتْ بِجِنْسِهَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ هُنَا وَوَجْهُهُ أَنَّ فِضَّتَهَا لَمَّا لَمْ تَصِرْ مَغْلُوبَةً جُعِلَتْ كَأَنَّ كُلَّهَا فِضَّةٌ فِي حَقِّ الصَّرْفِ احْتِيَاطًا.
(قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَى بِهَا أَوْ بِفُلُوسٍ نَافِقَةٍ شَيْئًا وَكَسَدَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ) أَيْ اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي غَلَبَ عَلَيْهَا الْغِشُّ أَوْ بِالْفُلُوسِ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَافِقًا حَتَّى جَازَ الْبَيْعُ لِقِيَامِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى الثَّمَنِيَّةَ وَلِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْإِشَارَةِ لِالْتِحَاقِهَا بِالثَّمَنِ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ ثُمَّ كَسَدَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالِانْقِطَاعُ
ــ
[منحة الخالق]
الْفِضَّةَ أَوْ الذَّهَبَ يَخْلُصَانِ مِنْهُ بِالْإِذَابَةِ فَكَانَا مَوْجُودِينَ حَقِيقَةً وَحُكْمًا حَتَّى يُعْتَبَرَ مَا فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مِنْ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْغِشِّ الْمَغْلُوبِ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَرِقُ وَيَهْلِكُ وَلَا لَوْنَ لَهُ فِي الْحَالِ أَيْضًا إلَخْ وَهُوَ أَفْهَمُ لِلْمَقْصُودِ مِمَّا هُنَا
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ اشْتَرَى بِهَا أَوْ بِفُلُوسٍ نَافِقَةٍ شَيْئًا وَكَسَدَ بَطَلَ الْبَيْعُ) أَيْ انْفَسَخَ إنْ فَسَخَهُ مَنْ لَهُ الدَّرَاهِمُ لَا مُطْلَقًا كَمَا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ نَحْوِ وَرَقَةٍ وَتَأَمَّلْهُ مَعَ التَّعْلِيلِ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الْآتِي. اهـ.
قُلْتُ: وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّمَا بَطَلَ الْعَقْدُ إذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إبْطَالَهُ فَسْخًا؛ لِأَنَّ كَسَادَهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ فِيهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (قَوْلُهُ: وَالِانْقِطَاعُ
стр. 2124
عَنْ أَيْدِي النَّاسِ كَالْكَسَادِ وَحُكْمُ الدَّرَاهِمِ كَذَلِكَ، فَإِنْ اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ كَسَدَتْ أَوْ انْقَطَعَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ هَالِكًا وَكَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا فَلَا حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ أَصْلًا وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَذِّرَ إنَّمَا هُوَ التَّسْلِيمُ بَعْدَ الْكَسَادِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْفَسَادَ لِاحْتِمَالِ الزَّوَالِ بِالرَّوَاجِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِالرُّطَبِ ثُمَّ انْقَطَعَ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ وَتَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَوْمَ الْبَيْعِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الْكَسَادِ وَهُوَ آخِرُ مَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهَا، وَفِي الذَّخِيرَةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْمُحِيطِ وَالتَّتِمَّةِ وَالْحَقَائِقِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ يُفْتَى رِفْقًا بِالنَّاسِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ بِالِاصْطِلَاحِ فَتَبْطُلُ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ فَيَبْقَى الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ وَالْعَقْدُ بِمَا تَنَاوَلَ عَيْنَهَا بِصِفَةِ الثَّمَنِيَّةَ، وَقَدْ انْعَدَمَتْ بِخِلَافِ انْقِطَاعِ الرُّطَبِ فَإِنَّهُ يَعُودُ غَالِبًا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ بِخِلَافِ النُّحَاسِ فَإِنَّهُ بِالْكَسَادِ رَجَعَ إلَى أَصْلِهِ فَكَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ الْعَوْدِ.
وَالْكَسَادُ لُغَةً كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ مِنْ كَسَدَ الشَّيْءُ يَكْسُدُ مِنْ بَابِ فَتَلَ لَمْ يُنْفَقْ لِقِلَّةِ الرَّغَبَاتِ فَهُوَ كَاسِدٌ وَكَسَدَ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ أَكْسَدَهُ اللَّهُ وَكَسَدَتْ السُّوقُ فَهِيَ كَاسِدٌ بِغَيْرِ هَاءٍ فِي الصِّحَاحِ وَبِالْهَاءِ فِي التَّهْذِيبِ وَيُقَالُ أَصْلُ الْكَسَادِ الْفَسَادُ. اهـ.
وَفِقْهًا أَنْ يَتْرُكَ الْمُعَامَلَةَ بِهَا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَإِنْ كَانَتْ تَرُوجُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا يَبْطُلُ لَكِنَّهُ تُعَيَّبُ إذَا لَمْ تَرُجْ فِي بَلَدِهِمْ فَتَخَيَّرَ الْبَائِعُ إذَا شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهُ وَحْدًا لِانْقِطَاعِ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي السُّوقِ وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي يَدِ الصَّيَارِفَةِ وَفِي الْبُيُوتِ هَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا ذَكَرَ لِلْكَسَادِ ذَكَرَهُ فِي الْعُيُونِ وَقَالُوا: إنَّهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَفِيَ الْبَيْعُ بِالْكَسَادِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْبَيْعُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي بَيْعِ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لِاصْطِلَاحِ بَعْضِ النَّاسِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ فَالْكَاسِدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَيْضًا وَمِثْلُهُ فِي الِانْقِطَاعِ وَالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ إذَا كَسَدَتْ كَذَلِكَ. اهـ.
قَيَّدَ بِالْكَسَادِ وَمِثْلُهُ الِانْقِطَاعُ لِأَنَّهَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْبَائِعُ وَعَكْسُهُ لَوْ غَلَتْ قِيمَتُهَا وَازْدَادَتْ فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي وَيُطَالِبُ بِأَلْفٍ بِذَلِكَ الْمِعْيَارِ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْبَيْعِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْمِصْبَاحِ نَفَقَتْ الدَّرَاهِمُ نَفْقًا مِنْ بَابِ تَعَبَ نُقِدَتْ وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ أَنْفَقْتهَا قَيَّدْنَا بِكَوْنِهَا لَمْ تُقْبَضْ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ قَبَضَهَا ثُمَّ كَسَدَتْ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْمُحِيطِ دَلَّالٌ بَاعَ مَتَاعَ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ وَاسْتَوْفَاهَا فَكَسَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ لَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْقَبْضِ لَهُ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُنْتَقَى غَلَتْ الْفُلُوسُ الْقَرْضُ أَوْ رَخُصَتْ فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي أَوَّلًا لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، وَقَالَ الثَّانِي ثَانِيًا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخُلَاصَةِ بِالْعَزْوِ إلَى الْمُنْتَقَى وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ يَلْزَمُهُ الْمِثْلُ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ قَالَ: وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْقِيمَةِ وَلَكِنْ صَوَّرَهَا بِمَا إذَا بَاعَ مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ وَقَوْلُهُمْ عَنْ الْمُنْتَقَى يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ لَعَلَّهُ بِالتَّوْزِيعِ فَقَوْلُهُ يَوْمَ الْبَيْعِ عَائِدٌ إلَى الْبَيْعِ وَقَوْلُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ عَائِدٌ إلَى الْقَرْضِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ وَالدَّيْنِ عَلَى هَذَا وَفِي النِّكَاحِ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَ نَقَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ دُونَ بَعْضٍ فَسَدَ فِي الْبَاقِي.
ــ
[منحة الخالق]
عَنْ أَيْدِي النَّاسِ كَالْكَسَادِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَلْحَقَ هَذَا الشَّارِحُ الِانْقِطَاعَ بِالْكَسَادِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ قَالَ فَإِنْ انْقَطَعَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قِيمَتُهُ فِي آخِرِ يَوْمٍ انْقَطَعَ هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الذَّخِيرَةِ الِانْقِطَاعُ كَالْكَسَادِ وَحَدُّ الِانْقِطَاعِ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي السُّوقِ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِي يَدِ الصَّيَارِفَةِ فَلَيْسَ بِمُنْقَطِعٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. اهـ.
ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَحُكْمُ الدَّرَاهِمِ كَذَلِكَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُرِيدُ بِهِ الدَّرَاهِمَ الَّتِي لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهَا الْغِشُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِغَالِبِ الْغِشِّ وَلَا بِالْفُلُوسِ فَالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِمَا دُونَ الدَّرَاهِمِ الْجَيِّدَةِ لِغَلَبَةِ الْكَسَادِ فِيهِمَا دُونَهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَقَالُوا إنَّهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَاعْتَرَضَهُمْ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا لَا يَقُولُ بِأَنَّ الْكَسَادَ يُوجِبُ الْفَسَادَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ أَقُولُ: وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ لَا يَقُولُ بِهِ أَيْضًا كَمَا قَدْ عَلِمْت فَكَيْفَ يَكْتَفِي لِلْفَسَادِ بِالْكَسَادِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ التَّأَمُّلِ أَنَّ مِمَّا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ أَنَّ مَا فِي الْعُيُونِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مِنْ أَنَّ الْفَسَادَ بِالْكَسَادِ فِي الْفُلُوسِ قَوْلُ الْكُلِّ وَأَنَّ الْخِلَافَ الْأَوَّلَ مَقْصُورٌ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ وَسَوَّى الْقُدُورِيُّ بَيْنَ الْكُلِّ وَهُوَ الْوَجْهُ إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ وَالدَّيْنِ عَلَى هَذَا إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
стр. 2125
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ) لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مَعْلُومَةٌ وَصَارَتْ أَثْمَانًا بِالِاصْطِلَاحِ فَجَازَ بِهَا الْبَيْعُ وَوَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ كَالنَّقْدَيْنِ وَلَا تَتَعَيَّنُ وَإِنْ عَيَّنَهَا كَالنَّقْدِ إلَّا إذَا قَالَا أَرَدْنَا تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهَا فَحِينَئِذٍ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ فَلْسًا بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا حَيْثُ يَتَعَيَّنُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَفَسَدَ الْبَيْعُ وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَتَعَيَّنُ وَإِنْ صَرَّحَا وَأَصْلُهُ أَنَّ اصْطِلَاحَ الْعَامَّةِ لَا يَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا عَلَى خِلَافِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ فِي حَقِّهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
قَوْلُهُ (وَبِالْكَاسِدَةِ لَا حَتَّى بِعَيْنِهَا) ؛ لِأَنَّهَا سِلَعٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَيُّنِهَا. قَوْلُهُ (وَلَوْ كَسَدَتْ أَفْلَسَ الْقَرْضُ يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهَا) أَيْ عَدَدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهَا لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا كَمَا قَبَضَهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ ثَمَنٌ وَالْمَرْدُودُ لَا فَفَاتَتْ الْمُمَاثَلَةُ فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَقْرَضَ مِثْلِيًّا فَانْقَطَعَ لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الْكَسَادِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ اُنْظُرْ فِي حَقِّ الْمُسْتَقْرِضِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ أَقَلُّ، وَكَذَا فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْقَبْضِ مَعْلُومَةٌ وَيَوْمَ الْكَسَادِ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِحَرَجٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةٌ وَمُوجِبُهَا رَدُّ الْعَيْنِ مَعْنًى وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ مِثْلِهِ وَالثَّمَنِيَّةُ زِيَادَةٌ فِيهِ وَالِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ غَصَبَ مِثْلِيًّا كَالرُّطَبِ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ إجْمَاعًا، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَوْمَ الْخُصُومَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَوْمَ الْغَصْبِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَالْبَزَّازِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَفِي الْمِصْبَاحِ الْفَلْسُ الَّذِي يَتَعَامَلُ بِهِ وَجَمْعُهُ فِي الْقِلَّةِ أَفْلُسٌ وَفِي الْكَثْرَةِ فُلُوسٌ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَأَمَّا إذَا اسْتَقْرَضَ دَرَاهِمَ غَالِبَةَ الْغِشِّ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ مِثْلُهَا وَلَسْت أَرْوِي ذَلِكَ عَنْهُ وَلَكِنْ لِرِوَايَتِهِ فِي الْفُلُوسِ إذَا أَقْرَضَهَا ثُمَّ كَسَدَتْ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَكَذَا الْخِلَافُ إنْ أَقْرَضَهُ طَعَامًا بِالْعِرَاقِ وَأَخَذَهُ بِمَكَّةَ فَعِنْدَ الثَّانِي عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ بِالْعِرَاقِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قِيمَتُهُ بِالْعِرَاقِ يَوْمَ اخْتَصَمَا، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْفُلُوسِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا كَسَدَتْ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ وَكَذَا الْعَدَالِيُّ، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ اشْتَرَى بِالنَّقْدِ الرَّائِجِ وَتَقَابَضَا ثُمَّ تَقَايَلَا بَعْدَ كَسَادِهِ رَدَّ الْبَائِعُ الْمِثْلَ لَا الْقِيمَةَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَوْ اشْتَرَى بِالنَّقْدِ الْكَاسِدِ بِلَا إشَارَةٍ وَتَعْيِينٍ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ كَالْكَسَادِ الطَّارِئِ، وَقَالُوا لَوْ كَانَ مَكَانَهُ نِكَاحٌ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ لَوْ قِيمَةُ الْكَاسِدِ عَشَرَةٌ أَوْ أَكْثَرُ فَهِيَ لَهَا وَإِنْ أَقَلَّ فَتَمَامُ الْعَشَرَةِ وَإِنْ طَرَأَ الْكَسَادُ الْعَامُّ فِي كُلِّ الْأَقْطَارِ ثُمَّ رَاجَتْ قَبْلَ فَسْخِ الْبَيْعِ يَعُودُ الْبَيْعُ جَائِزًا لِعَدَمِ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِلَا فَسْخٍ. اهـ. فَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا بَطَلَ الْبَيْعُ أَيْ انْفَسَخَ إنْ فَسَخَهُ مَنْ لَهُ الدَّرَاهِمُ لَا مُطْلَقًا. اهـ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِنِصْفِ دِرْهَمِ فُلُوسٍ صَحَّ) وَعَلَيْهِ فُلُوسٌ تُبَاعُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بِثُلُثِ دِرْهَمٍ أَوْ بِرُبُعِهِ أَوْ بِدَانَقِ فُلُوسٍ أَوْ بِقِيرَاطِ فُلُوسٍ؛ لِأَنَّ التَّبَايُعَ بِهَذَا الطَّرِيقِ مُتَعَارَفٌ فِي الْقَلِيلِ مَعْلُومٌ بَيْنَ النَّاسِ لَا تَفَاوَتَ فِيهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ قَيَّدَ بِمَا دُونَ الدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بِدِرْهَمِ فُلُوسٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ فُلُوسٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ الْعُرْفِ وَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْكُلِّ لِلْعُرْفِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، كَذَا فِي الْكَافِي وَالْمُجْتَبَى وَالدَّانَقُ سُدُسُ دِرْهَمٍ وَالْقِيرَاطُ نِصْفُ السُّدُسِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَعْطَى صَيْرَفِيًّا دِرْهَمًا فَقَالَ أَعْطِنِي بِهِ نِصْفَ دِرْهَمِ فُلُوسٍ وَنِصْفًا إلَّا حَبَّةً صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الدِّرْهَمَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ وَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةِ مِنْ الْفِضَّةِ فَيَكُونُ نِصْفُ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً بِمُقَابَلَةِ الْفِضَّةِ وَنِصْفَ دِرْهَمٍ وَحَبَّةٍ بِمُقَابَلَةِ الْفُلُوسِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً بَطَلَ فِي الْكُلِّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ وَعِنْدَهُمَا صَحَّ فِي الْفُلُوسِ وَبَطَلَ فِيمَا قَابَلَ الْفِضَّةَ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ عِنْدَ هُمَا عِنْدَ التَّفْصِيلِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمُفْسِدِ وَعِنْدَهُ يَتَعَدَّى وَأَصْلُهُ أَنَّ
ــ
[منحة الخالق]
لِأَنَّ الْبَزَّازِيَّ إنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ فِي الْمُنْقَطِعِ الْمُسَاوِي حُكْمَهُ لِلْكَسَادِ، كَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا. اهـ. أَبُو السُّعُودِ.
[الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ]
(قَوْلُهُ: وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَمَّا إذَا اسْتَقْرَضَ دَرَاهِمَ غَالِبَةَ الْغِشِّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ تَقْيِيدَ الِاخْتِلَافِ فِي رَدِّ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ بِالْكَسَادِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا إذَا غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ وَجَبَ رَدُّ الْمِثْلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِيمَا إذَا اشْتَرَى بِغَالِبِ الْغِشِّ أَوْ بِفُلُوسٍ نَافِقَةٍ وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ تَقْيِيدَ الْكَسَادِ بِأَفْلَسِ الْقَرْضِ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا بِدَلِيلِ أَنَّهُ حَكَى
стр. 2126
الْعَقْدَ يَتَكَرَّرُ عِنْدَهُ بِتَكْرَارِ اللَّفْظِ وَعِنْدَهُمَا بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ حَتَّى لَوْ قَالَ اعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَأَعْطِنِي بِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً جَازَ فِي الْفُلُوسِ وَبَطَلَ فِي الْفِضَّةِ بِالْإِجْمَاعِ فَهُنَا صُوَرٌ الْأُولَى مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ أَعْطِنِي بِهِ نِصْفَ دِرْهَمِ فُلُوسٍ وَنِصْفًا إلَّا حَبَّةً صَحَّ اتِّفَاقًا الثَّانِيَةُ أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً فَسَدَ فِي الْكُلِّ عِنْدَهُ وَفِي الْفِضَّةِ فَقَطْ عِنْدَهُمَا، الثَّالِثَةُ أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَأَعْطِنِي بِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً جَازَ فِي الْفُلُوسِ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْقَبْضَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا قَدَّمَهُ وَحَاصِلُهُ إنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ فِي النِّصْفِ إلَّا حَبَّةً لِكَوْنِهِ صَرْفًا لَاقَى الْفُلُوسَ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فَيَكْفِي قَبْضُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ وَلَوْ لَمْ يُعْطِهِ الدِّرْهَمَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْفُلُوسَ حَتَّى افْتَرَقَا بَطَلَ فِي الْكُلِّ لِلِافْتِرَاقِ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَقَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الْفُلُوسِ فِي بَابِ الرِّبَا وَهَذَا الْبَابِ، وَإِلَى هُنَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَمْوَالَ ثَلَاثَةٌ ثَمَنٌ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ النَّقْدَانِ صَحِبَهُ الْبَاءُ أَوْ لَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ أَوْ لَا وَمَبِيعٌ بِكُلِّ حَالٍ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْمِثْلِيَّاتِ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ كَانَ مَبِيعًا وَإِلَّا وَصَحِبَهُ الْبَاءُ وَقُوبِلَ بِمَبِيعٍ فَهُوَ ثَمَنٌ وَثَمَنٌ بِاصْطِلَاحٍ وَهُوَ سِلْعَةٌ فِي الْأَصْلِ كَالْفُلُوسِ فَإِنْ كَانَتْ رَائِجَةً فَهِيَ ثَمَنٌ وَإِلَّا فَسِلْعَةٌ وَمِنْ حُكْمِ الثَّمَنِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ وُجُودِهِ فِي مِلْكِ الْعَاقِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَا يَبْطُلُ بِهَلَاكِهِ وَيَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَحُكْمُ الْمَبِيعِ خِلَافُهُ فِي الْكُلِّ وَمِنْ حُكْمِهَا وُجُوبُ التَّسَاوِي عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ إلَى آخِرِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الرِّبَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كِتَابُ الْكَفَالَةِ) ذَكَرَهَا عَقِبَ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّهَا غَالِبًا تَكُونُ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْمَبِيعِ وَمُنَاسَبَتُهَا لِلصَّرْفِ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ آخِرًا عِنْدَ الرُّجُوعِ مُعَاوَضَةً عَمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ الْإِثْمَانِ وَقَدَّمَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْبُيُوعِ وَالْكَلَامُ فِيهَا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهَا لُغَةً قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ كَفَلْت بِالْمَالِ وَبِالنَّفْسِ كِفْلًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَكُفُولًا أَيْضًا، وَالِاسْمُ الْكَفَالَةُ وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ سَمَاعًا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ بَابَيْ تَعِبَ وَقَرُبَ وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّاعِ كَفَلْت وَكَفَلْت بِهِ وَعَنْهُ إذَا تَحَمَّلْت بِهِ وَيَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولٍ ثَانٍ بِالتَّضْعِيفِ وَالْهَمْزَةِ فَيُحْذَفُ الْحَرْفُ فِيهِمَا وَقَدْ يَثْبُت مَعَ الْمُثْقَلِ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ تَكَفَّلْت بِالْمَالِ الْتَزَمْت بِهِ وَأَلْزَمْته نَفْسِي، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ تَحَمَّلْت بِهِ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ كَفَلْت بِهِ كِفْلَةً وَكَفَلْت عَنْهُ بِالْمَالِ لِغَرِيمِهِ حُقُوقٌ بَيْنَهُمَا وَكَفَلْت الرَّجُلَ وَالصَّغِيرَ مِنْ بَابِ قَتَلَ كَفَالَةً أَيْضًا عُلْته وَقُمْت بِهِ وَيَتَعَدَّى بِالتَّضْعِيفِ إلَى مَفْعُولٍ ثَانٍ يُقَالُ كَفَلْت زَيْدًا الصَّغِيرَ وَالْفَاعِلُ مِنْ كَفَالَةِ الْمَالِ كَفِيلٌ بِهِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَكَافِلٌ أَيْضًا مِثْلُ ضَمِينٌ وَضَامِنٌ وَفَرَّقَ اللَّيْثِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْكَفِيلُ الضَّامِنُ وَالْكَافِلُ هُوَ الَّذِي يَعُولُ إنْسَانًا وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَالْكِفْلُ وِزَانُ حِمْلٍ الضِّعْفُ مِنْ الْأَجْرِ أَوْ الْإِثْمِ وَالْكَفَلُ بِفَتْحَتَيْنِ الْعَجُزُ. اهـ.
وَفِي الْمُغْرِبِ الْكَفِيلُ الضَّامِنُ وَتَرْكِيبُهُ دَالٌّ عَلَى الضَّمِّ وَالتَّضَمُّنِ وَالْكَفَالَةُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ اهـ.
الثَّانِي: فِي مَعْنَاهَا شَرْعًا قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَصَحِّ بِقَوْلِهِ (هِيَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْمُطَالَبَةِ) الضَّمُّ الْجَمْعُ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ جَعَلَ الضَّمَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الضَّمِّ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ؛ لِأَنَّ نُونَ الضَّمَانِ أَصْلِيَّةٌ وَالضَّمَّ لَا نُونَ فِيهِ فَهُمَا مَادَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ وَالضَّمَانُ، وَقَوْلُهُمْ فِي ذِمَّتِي كَذَا أَيْ فِي ضَمَانِي وَالْجَمْعُ ذِمَمٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٌ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَقَالَ الْأُصُولِيُّونَ: إنَّ الْآدَمِيَّ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَفِي التَّحْرِيرِ وَالذِّمَّةُ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ بِهِ
ــ
[منحة الخالق]
الْخِلَافَ فِي رَدِّ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَرْضُ الَّذِي كَسَدَ مِمَّا غَلَبَ غِشُّهُ، وَانْظُرْ حُكْمَ مَا إذَا اقْتَرَضَ مِنْ فِضَّةٍ خَالِصَةٍ أَوْ غَالِبَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لِلْغِشِّ ثُمَّ كَسَدَتْ هَلْ هُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَوْ يَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ بِالِاتِّفَاقِ أَبُو السُّعُودِ.
[أَعْطَى صَيْرَفِيًّا دِرْهَمًا فَقَالَ أَعْطِنِي بِهِ نِصْفَ دِرْهَمِ فُلُوسٍ وَنِصْفًا إلَّا حَبَّةً]
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ قَالَ أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية لَكِنْ قَالُوا فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَعْطِنِي مُسَاوَمَةً كَلَفْظِ بِعْنِي وَبِالْمُسَاوِمَةِ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ فَكَيْفَ يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِهِ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ تَكْرَارُ أَعْطِنِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ تَفْرِيقُ الْعَقْدِ فَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا عَقَدَا عَقْدَيْنِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
[كِتَابُ الْكَفَالَةِ]
стр. 2127
الْأَهْلِيَّةُ لِوُجُوبِ مَالَهُ وَعَلَيْهِ وَفَسَّرَهَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِالنَّفْسِ وَالرَّقَبَةُ الَّتِي لَهَا عَهْدٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا الْعَهْدُ فَقَوْلُهُمْ فِي ذِمَّتِهِ أَيْ فِي نَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ عَهْدِهَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْحَالِّ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ اهـ.
وَالْمُطَالَبَةُ مِنْ طَالَبْتُهُ مُطَالَبَةً وَطِلَابَا مِنْ بَابِ قَاتَلَ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكَفِيلَ وَالْمَكْفُولَ عَنْهُ صَارَا مَطْلُوبَيْنِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْ أَحَدِهِمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْآخَرِ كَمَا فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ أَوْ لَا كَمَا فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْأَصِيلِ الْمَالُ وَمِنْ الْكَفِيلِ إحْضَارُ النَّفْسِ وَلَفْظُ الْمُطَالَبَةِ بِإِطْلَاقِهِ يَنْتَظِمُهُمَا هَذَا عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ.
وَجَزَمَ مِسْكِينٌ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ تَسْلِيمُ النَّفْسِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ وَالْكَفِيلُ قَدْ الْتَزَمَهُ وَقَيَّدَ بِالْمُطَالَبَةِ لِدَفْعِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا الضَّمُّ فِي الدَّيْنِ فَيَثْبُتُ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ مِنْ غَيْرِ سُقُوطٍ عَنْ الْأَصِيلِ وَلَمْ يُرَجَّحْ فِي الْمَبْسُوطِ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَمَا يَظُنُّ مَانِعًا مِنْ لُزُومِ صَيْرُورَةِ الدَّيْنِ الْوَاحِدِ دَيْنَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ دَفَعَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي الْأَمْنَ أَحَدُهُمَا كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ فَإِنَّ كُلًّا ضَامِنٌ لِلْقِيمَةِ وَلَيْسَ حَقُّ الْمَالِكِ إلَّا فِي قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي إلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا وَاخْتِيَارُهُ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ بَرَاءَةَ الْآخَرِ فَكَذَا هُنَا لَكِنَّ هُنَا بِالْقَبْضِ لَا بِمُجَرَّدِ اخْتِيَارِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِلْكَفِيلِ صَحَّ وَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ مَعَ أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَصِحُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ اعْتِبَارٌ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَجَازَ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ فِي ذِمَّتَيْنِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ فِي عَيْنٍ تَثْبُتُ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ فِي طَرَفَيْنِ حَقِيقِيَّيْنِ وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ فِي مُجَرَّدِ الْمُطَالَبَةِ لَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِي ذِمَّتَيْنِ وَإِنْ أَمْكَنَ شَرْعًا لَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِوُقُوعِ كُلِّ مُمْكِنٍ إلَّا بِمُوجِبٍ وَلَا مُوجِبَ؛ لِأَنَّ التَّوَثُّقَ يَحْصُلُ بِالْمُطَالَبَةِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ اعْتِبَارِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ يُطَالِبُ بِالثَّمَنِ وَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ.
كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَذَا الْوَصِيُّ وَالْوَلِيُّ وَالنَّاظِرُ يُطَالَبُونَ بِمَا لَزِمَ دَفْعُهُ وَلَا شَيْءَ فِي ذِمَّتِهِمْ، وَكَذَا كُلُّ أَمِينٍ يُطَالَبُ بِرَدِّ الْأَمَانَةِ وَلَا شَيْءَ فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَا سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ مُطَالَبٌ بِبَيْعِهِ أَوْ فِدَائِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ فَإِنَّا جَعَلْنَاهُ فِي حُكْمِ دَيْنَيْنِ تَصْحِيحًا لَتَصَرُّفِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَذَلِكَ عِنْدَهُ أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا ضَرُورَةَ وَلَا دَاعِيَ إلَى ذَلِكَ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا نُقِلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّيْنَ فِعْلٌ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ إذْ فِعْلُ الْأَدَاءِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِإِسْقَاطِ الْمُطَالَبَةِ عَنْهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إنَّمَا جَعَلَهُ فِعْلًا لِسُقُوطِهِ عَنْ الْمَيِّتِ إذْ لَا يَتَأَتَّى الْفِعْلُ مِنْهُ فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ حَقِيقَتَهُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالذِّمَّةِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفِعْلُ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَدْ صَرَّحُوا فِي مَوَاضِعَ بِأَنَّهُ وَصْفٌ وَلِذَا قَالُوا الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَفِي الْإِيضَاحِ أَخْذًا مِنْ الْغَايَةِ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِالضَّمِّ فِي الدَّيْنِ لَا يَنْتَظِمُ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ وَالْكَفَالَةَ بِالْعَيْنِ وَالْكَفَالَةَ بِالْفِعْلِ. اهـ.
قُلْتُ: نَعَمْ لَا يَشْمَلُ لَكِنَّ الْمُعَرِّفَ لَهَا بِذَلِكَ إنَّمَا أَرَادَ تَعْرِيفَ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَإِنَّ أَصْلَ الْخِلَافِ نَشَأَ مِنْ أَنَّ الْكَفِيلَ هَلْ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ الْمَالُ أَوْ لَا ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْبَدَائِعِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي بَيَانِ حُكْمِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُونَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ ثَمَرَةً فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَنَّ الْكَفِيلَ مُطَالَبٌ وَأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ لَهُ صَحِيحَةٌ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ وَلَوْ اشْتَرَى الطَّالِبُ بِالدَّيْنِ شَيْئًا مِنْ الْكَفِيلِ صَحَّ مَعَ أَنَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْبَدَائِعِ إلَخْ) قَالَ الْغَزِّيِّ قُلْتُ: وَرَأَيْت بِخَطٍّ قَدِيمٍ عَلَى حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمُجْمَعِ لِابْنِ مَالِكٍ مَا صُورَتُهُ وَفَائِدَةُ كَوْنِ الْكَفَالَةِ ضَمُّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ فِي الْمُطَالَبَةِ لَا فِي الدَّيْنِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْكَفِيلُ بَعْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْأَصِيلِ يَأْخُذُ الْمُطَالِبُ الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَةِ الْكَفِيلِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهُ مَدْيُونٌ عَلَى قَوْلِهِمْ وَلَا يَأْخُذُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ فَحَسْبُ وَكَذَا إذَا أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْأَصِيلَ بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَلَا يَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ بِإِبْرَاءِ الطَّالِبِ عَنْ أَحَدِهِمَا بَلْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الْكَفِيلِ إذَا أَبْرَأَ الْأَصِيلَ وَكَذَا عَكْسُهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَدْيُونٌ وَمُطَالَبٌ. اهـ. بِلَفْظِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ إلَى كِتَابٍ فَلْيُحَرَّرْ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ أَقُولُ: وَجْهُهُ ظَاهِرٌ وَسَيَأْتِي مَتْنًا أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْأَصِيلُ أَوْ آخَرُ عَنْهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ وَلَا يَنْعَكِسُ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا الضَّمُّ فِي الْمُطَالَبَةِ وَسَيَأْتِي هُنَاكَ عَنْ الْغَزِّيِّ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ أَنَّ الْمَالَ يَحِلُّ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ
стр. 2128
الشِّرَاءَ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَصِحُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا حَلَفَ الْكَفِيلُ أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَعَلَى الْأَصَحِّ لَا يَحْنَثُ وَعَلَى الضَّعِيفِ يَحْنَثُ وَجُهْدُ الْمُقِلِّ دُمُوعُهُ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَطَلَ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالشَّرْطِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ثَمَرَةً وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ عَنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيْك هَذَا الْمَالُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِي، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ عَرَضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيْك هَذَا الْمَالُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِي وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ مَا ضَمِنَ وَالتَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَضْمَنُ مَالًا ثُمَّ يُؤَدِّي أَوْ يُبَرِّئُهُ الطَّالِبُ أَوْ يُؤَدِّيه الْمَضْمُونُ عَنْهُ فَيَبْرَأُ الضَّامِنُ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّهَا لِلضَّمِّ فِي الدَّيْنِ وَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَا يَخْفَى وَمِمَّا يُضَعِّفُ أَنَّهَا الضَّمُّ فِي الدَّيْنِ أَنَّ الْمَدْيُونَ لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ ثُمَّ كَفَلَ بِهِ إنْسَانٌ قَالُوا لَا يَصِحُّ مَعَ قَوْلِهِمْ بِبَقَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ الدَّفْعِ وَأَنَّ السَّاقِطَ الْمُطَالَبَةُ بِالْأَلْفَاظِ الْآتِيَةِ وَلَمْ يَجْعَلْ أَبُو يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ الْقَبُولَ رُكْنًا فَجَعَلَهَا تَتِمُّ بِالْكَفِيلِ وَحْدَهُ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ رُكْنِهَا قَالُوا: هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِالْأَلْفَاظِ الْآتِيَةِ وَلَمْ يَجْعَلْ أَبُو يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ الْقَبُولَ رُكْنُهَا فَجَعَلَهَا تَتِمُّ بِالْكَفِيلِ وَحْدَهُ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ.
وَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِهِ فَقِيلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الطَّالِبِ وَقِيلَ تَنْفُذُ، وَلِلطَّالِبِ الرَّدُّ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ فَمَنْ قَالَ بِالتَّوَقُّفِ قَالَ لَا يُؤَاخَذُ الْكَفِيلُ الرَّابِعُ فِي شَرَائِطِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ وَالطَّالِبِ وَالْمَكْفُولِ بِهِ ثُمَّ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطُ النَّفَاذِ، أَمَّا شَرَائِطُ الْكَفِيلِ فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَهُمَا شَرْطَانِ لِلِانْعِقَادِ فَلَا يَنْعَقِدُ كَفَالَةُ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ إلَّا إذَا اسْتَدَانَ الْوَلِيُّ دَيْنًا فِي نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ عَنْهُ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَلَوْ أَمَرَهُ بِكَفَالَةِ نَفْسِهِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الدَّيْنِ قَدْ لَزِمَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا تَأْكِيدًا فَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فَأَمَّا ضَمَانُ النَّفْسِ وَهُوَ تَسْلِيمُ نَفْسِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا وَهْمٌ مَنْشَؤُهُ تَوَهُّمُ أَنَّ قَوْلَهُ مَالَهُ عَلَيْك هَذَا الْمَالِ يُفِيدُ مَا ادَّعَاهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَعْنَاهُ مَالَهُ عَلَيْك الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَكَيْفَ يَصِحُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ أَنْ يَكُونَ مَا عَنْ الثَّانِي مُفَرَّعًا عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ يُوَافِقُهُ فِيمَا إذَا عَرَضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَارَةً يُفَرَّعُ عَلَى الْأَوَّلِ وَتَارَةً عَلَى الثَّانِي مَا هَذَا الْتَوَانِي.
(قَوْلُهُ: الثَّالِثُ فِي بَيَانِ رُكْنِهَا قَالُوا هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: أَيْ عِنْدَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا حَتَّى أَنَّهَا لَا تَتِمُّ بِالْكَفِيلِ وَحْدَهُ مَا لَمْ يُوجَدْ قَبُولُ الْمَكْفُولِ لَهُ أَوْ قَبُولُ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ خِطَابُ الْمَكْفُولِ لَهُ أَوْ خِطَابُ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ الطَّالِبُ اُكْفُلْ بِنَفْسِ فُلَانٍ لِي فَقَالَ كَفَلْت أَوْ قَالَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لِغَيْرِهِ اُكْفُلْ بِنَفْسِ فُلَانٍ أَوْ قَالَ عَنْ فُلَانٍ لِفُلَانٍ فَيَقُولُ ذَلِكَ الْغَيْرُ كَفَلْت تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَتَقِفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ عَلَى إجَازَةِ الْمَكْفُولِ لَهُ وَلِلْكَفِيلِ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ الْكَفَالَةِ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْغَائِبُ كَفَالَتَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ الْكَفِيلُ كَفَلْت بِنَفْسِ فُلَانٍ لِفُلَانٍ أَوْ بِمَا لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مِنْ الدُّيُونِ فَإِنَّهَا لَا تَقِفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ بَلَغَ الطَّالِبُ فَقَبِلَ لَمْ تَصِحَّ تَتَارْخَانِيَّةٌ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْكَفَالَةُ لِلصَّبِيِّ لَمْ تَجُزْ قِيلَ لَهُ هُوَ حَجْرٌ عَلَى الْمَضَارِّ لَا الْمَنَافِعِ بِدَلِيلِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَفِي هَذَا مَنْفَعَةٌ فَتَجُوزُ قَالَ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ تَصِحُّ بِالْفِعْلِ وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ، وَأَمَّا هُنَا فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلٍ وَقَوْلُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْكَفَالَةِ وَذَكَرَ فِي الْأَحْكَامِ لَوْ كَانَ الصَّبِيُّ تَاجِرًا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ وَلَوْ خَاطَبَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ وَقَبِلَ عَنْهُ تَوَقَّفَتْ عَلَى إجَازَةِ وَكِيلِهِ فَإِنْ لَمْ يُخَاطِبْ أَجْنَبِيٌّ وَلَا وَلِيُّهُ وَإِنَّمَا خَاطَبَ الصَّبِيُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا تَصِحُّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ. اهـ.
وَالْوَلِيُّ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ الْوَصِيُّ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ الْقَاضِي لَوْلَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَلَا وَصِيٌّ مِنْهُمَا. (قَوْلُهُ: وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَجْلِسِ بَلْ يَصِحُّ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَيْضًا صِحَّتُهُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ الْكَفِيلِ وَالْمَكْفُولِ عَنْهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا اسْتَدَانَ الْوَلِيُّ دَيْنًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمُحِيطِ عَزَا الْمَسْأَلَةَ إلَى الْمَبْسُوطِ وَلَفْظُهُ فِي كَفَالَةِ الصَّبِيِّ، وَإِذَا اسْتَدَانَ لَهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ وَأَمَرَ أَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ فِي الدَّيْنِ وَبِنَفْسِهِ جَازَتْ الْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ مَتَى اسْتَدَانَ عَلَى الصَّبِيِّ لِلنَّفَقَةِ كَانَ لَهُمَا الرُّجُوعُ بِذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ فَكَانَ أَدَاءُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّبِيِّ إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْأَدَاءِ فَإِذَا أَمَرَ بِالضَّمَانِ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ بِالْأَدَاءِ وَهُوَ يَمْلِكُ الْأَدَاءَ بِإِذْنِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الضَّمَانُ تَبَرُّعًا. اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الصَّبِيَّ يُطَالَبُ بِهَذَا الْمَالِ بِمُوجِبِ الْكَفَالَةِ وَلَوْلَاهَا لَكَانَ الطَّلَبُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَلِيِّ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ بَطَلَ قَوْلُ عَصْرِيٍّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُسْتَدْرَكٌ بَلْ لَا تَصِحُّ كَفَالَةُ الصَّبِيِّ مُطْلَقًا فَتَدَبَّرْهُ. اهـ.
قُلْتُ: وَمِثْلُ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ مَذْكُورٌ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ
стр. 2129
فَكَانَ مُتَبَرِّعًا بِهِ فَلَمْ يَجُزْ وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطُ نَفَاذِهَا فَلَمْ يَنْفُذْ كَفَالَةُ الْعَبْدِ وَلَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَيُؤَاخَذُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا فَإِنْ أَذِنَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَتْ وَبِيعَ فِيهَا إلَّا إنْ فَدَاهُ وَلَمْ تَجُزْ كَفَالَةُ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ أَذِنَ مَوْلَاهُ وَيُطَالَبُ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَتَصِحُّ كَفَالَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ عَنْ مَوْلَاهُمَا.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْكَفِيلُ صَحِيحًا فَتَصِحُّ كَفَالَةُ الْمَرِيضِ لَكِنْ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ، وَأَمَّا شَرَائِطُ الْأَصِيلِ فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا فَلَوْ كَفَلَ بِمَا عَلَى وَاحِدٍ لَمْ تَصِحَّ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا، وَأَمَّا شَرَائِطُ الْمَكْفُولِ لَهُ فَالْأَوَّلُ - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، الثَّانِي - وُجُودُهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَهُوَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ الرُّكْنِ وَتَفَرَّعَ عَلَى اشْتِرَاطِ قَبُولِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَقْلِهِ لَا حُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا شَرَائِطُ الْمَكْفُولِ بِهِ: فَالْأَوَّلُ - أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا أَوْ نَفْسًا أَوْ فِعْلًا وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْنِ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً لِنَفْسِهَا. الثَّانِي - أَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ مِنْ الْكَفِيلِ فَلَا تَجُوزُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. الثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لَازِمًا وَهُوَ خَاصٌّ بِالْكَفَالَةِ فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ الْكُلُّ مِنْ الْبَدَائِعِ مُخْتَصَرًا.
الْخَامِسُ فِي سَبَبِهَا قَالُوا سَبَبُ وُجُودِهَا تَضْيِيقُ الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَعَ قَصْدِ الْخَارِجِ دَفْعُهُ عَنْهُ إمَّا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إزَالَةً لِلْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِمَّنْ يُهِمُّهُ مَا أَهَمَّهُ وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهَا رَفْعُ هَذِهِ الْحَاجَةِ وَالضَّرَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ السَّادِسُ فِي حُكْمِهَا فَفِي الْبَدَائِعِ لَهَا حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ بِمَا عَلَى الْأَصِيلِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ طُولِبَ بِكُلِّهِ الْكَفِيلُ إنْ كَانَ وَاحِدًا وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ طُولِبَ كُلُّ وَاحِدٍ بِنِصْفِهِ، وَفِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ يُطَالَبُ بِإِحْضَارِهِ إنْ أَمْكَنَ كَمَا سَيَأْتِي وَالْكَفِيلُ بِالْعَيْنِ يُطَالَبُ بِتَسْلِيمِهَا حَالَ قِيَامِهَا وَبِبَدَلِهَا حَالَ هَلَاكِهَا وَبِالتَّسْلِيمِ يُطَالَبُ بِهَا وَبِالْفِعْلِ جَمِيعًا وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِيمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ قُبَيْلَ الصَّرْفِ السَّابِعُ فِي صِفَتِهَا فَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ بِهِ لَازِمٌ وَسَيَأْتِي أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَنْهَا فِي مَسْأَلَةِ بَايَعَ فُلَانًا فَمَا بَايَعْته فَهُوَ عَلَى، الثَّامِنُ فِي مَحَاسِنِهَا وَمَسَاوِئِهَا فَمَحَاسِنُهَا جَلِيلَةٌ وَهِيَ تَفْرِيجُ كَرْبِ الطَّالِبِ الْخَائِفِ عَلَى مَالِهِ وَالْمَطْلُوبِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ كَفَاهُمَا مُؤْنَةَ مَا أَهَمَّهُمَا وَهُوَ نِعْمَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلِذَا كَانَتْ مِنْ الْأَفْعَالِ الْعَالِيَةِ حَتَّى امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا حَيْثُ قَالَ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ الْمُتَضَمَّنِ لِلِامْتِنَانِ عَلَى مَرْيَمَ إذْ جَعَلَ لَهَا مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهَا وَيَقُومُ بِهَا وَمَسَاوِئُهَا كَمَا فِي الْمُجْتَبَى قَالَ الِامْتِنَاعُ عَنْ التَّكَفُّلِ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاة وَالزَّعَامَةُ أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا غَرَامَةٌ. اهـ.
التَّاسِعُ فِي أَنْوَاعِهَا سَيَأْتِي أَنَّهَا نَوْعَانِ كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ وَكَفَالَةٌ بِالْمَالِ الْعَاشِرُ فِي دَلِيلِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَقَوْلُهُ ﷺ «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ وَغَارِمٌ مِنْ الْغُرْمِ وَهُوَ أَدَاءُ شَيْءٍ لَازِمٍ. اهـ.
وَيُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَسَامِي أَرْبَعَةٍ الْمَكْفُولُ عَنْهُ وَهُوَ الْمَدْيُونُ وَالْمَكْفُولُ لَهُ وَهُوَ الدَّائِنُ وَالْكَفِيلُ وَهُوَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ كَفَالَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ عَنْ مَوْلَاهُمَا) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَتْ بِأَمْرِهِ ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي عِقْدِ الْفَرَائِدِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ وَكَفَالَةُ الْعَبْدِ التَّاجِرِ عَنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ أَوْ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَاطِلٌ. (قَوْلُهُ: الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَأَمَّا الْمَكْفُولُ عَنْهُ فَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ كَفَلَ لِهَذَا الرَّجُلِ بِنَفْسِ رَجُلٍ نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَلَكِنْ لَا نَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ قَالَ اُكْفُلْ بِنَفْسِ رَجُلٍ لَا نَعْرِفُهُ لَا بِوَجْهِهِ وَلَا بِاسْمِهِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ وَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَذِكْرُ نَسَبِهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُعْلَمُ بِذَلِكَ جَوَابُ وَاقِعَةِ الْفَتْوَى وَهِيَ الْكَفَالَةُ بِالْمُسْلِمِ فِيهِ فِي السَّلَمِ الْفَاسِدِ وَهُوَ عَدَمُ صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْأَصْلِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ شَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ صَحِيحًا وَسَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَصَحَّ لَوْ ثَمَنًا أَنَّهُ لَوْ كَفَلَ بِالثَّمَنِ ثُمَّ ظَهَرَ فَسَادُ الْبَيْعِ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ بِمَا دَفَعَهُ وَكَيْفَ صَحَّ بِهِ وَهُوَ لَا يُطَالَبُ بِهِ الْأَصْلَ فَأَنَّى يُطَالَبُ بِهِ الْكَفِيلُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَجُوزُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الْكَفَالَةُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهَا أَوْ الْمُضِيِّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِهَا وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ دَيْنٌ إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَمَا لَيْسَ دَيْنًا أَوْلَى وَقَدْ أَفْتَيْت بِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْكَفِيلُ وَهُوَ الْمُلْتَزِمُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَيُسَمَّى الْمُلْتَزِمُ لِذَلِكَ ضَامِنًا وَضَمِينًا وَحَمِيلًا وَزَعِيمًا وَكَافِلًا وَكَفِيلًا وَصَبِيرًا وَقَبِيلًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ غَيْرَ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ الضَّمِينَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحَمِيلَ فِي الدِّيَاتِ وَالزَّعِيمَ فِي الْأَمْوَالِ
стр. 2130
الْمُلْتَزِمُ وَالْمَكْفُولُ بِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ وَيُقَالُ لِلْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ مَكْفُولٌ بِهِ وَلَا يُقَالُ مَكْفُولٌ عَنْهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
قَوْلُهُ (وَتَصِحُّ بِالنَّفْسِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ) أَيْ الْكَفَالَةُ بِأَنْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا ثُمَّ كَفِيلًا ثُمَّ آخَرُ وَجَازَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى النَّفْسِ بِأَنْ كَفَلَ وَاحِدٌ نُفُوسًا كَمَا يَجُوزُ بِالدُّيُونِ الْكَثِيرَةِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ وَالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَلَا يُقَالُ لَا غُرْمَ فِي كَفَالَةِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْغُرْمُ لُزُومُ ضَرَرٍ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] وَيُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهَا بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكْفُولِ أَوْ يُرَافِقَهُ إذَا دَعَاهُ أَوْ يُكْرِهَهُ بِالْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اسْتَعَانَ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْأَصِيلِ وَهُوَ حُضُورُهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا تَعَدَّدَ الْكَفِيلُ فَسَلَّمَ الْبَعْضُ هَلْ يَبْرَأُ الْبَاقِي فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ قُلْتُ: يُجْبَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا أَوْ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَّا إذَا كَانَ غَرِيبًا وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَفِي الْقُنْيَةِ لَيْسَ لِلْمُدَّعِي وَلَا لِلْقَاضِي طَلَبُ الْكَفِيلِ بِقَوْلِهِ لِي عَلَيْهِ دَعْوَى قَبْلَ بَيَانِ الدَّعْوَى، وَإِذَا طَلَبَ الْقَاضِي مِنْهُ كَفِيلًا وَامْتَنَعَ لَا يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَإِنَّمَا يَأْمُرُهُ بِالْمُلَازَمَةِ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ وَأَرَادَ الْمَدْيُونُ السَّفَرَ لَا يَجِبُ إعْطَاءُ الْكَفِيلِ وَفِي الصُّغْرَى لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْكَفِيلِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْمُؤَجَّلِ، وَقَالَ الثَّانِي لَوْ قِيلَ لَهُ طَلَبُ الْكَفِيلِ قِيَاسًا عَلَى نَفَقَةِ شَهْرٍ لَا يَبْعُدُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ رَبُّ الدَّيْنِ مَدْيُونِي يُرِيدُ السَّفَرَ لَهُ التَّكْفِيلُ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَتْ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَغِيبَ فَخُذْ بِالنَّفَقَةِ كَفِيلًا لَا يُجِيبُهَا الْحَاكِمُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ وَاسْتَحْسَنَ الْإِمَامُ الثَّانِي أَخْذَ الْكَفِيلِ رِفْقًا بِهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ كَفَلَ بِمَا ذَابَ لَهَا عَلَيْهِ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أَفْتَى يَقُولُ الثَّانِي فِي سَائِرِ الدُّيُونِ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ كَانَ حَسَنًا رِفْقًا بِالنَّاسِ وَفِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ وَهَذَا تَرْجِيحٌ مِنْ صَاحِبِ الْمُحِيطِ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ إنْ عُرِفَ الْمَدْيُونُ بِالْمَطْلِ وَالتَّسْوِيفِ يَأْخُذُ الْكَفِيلَ وَإِلَّا فَلَا، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ تَعَدُّدِهَا أَنْ يَكُونَ لِلْكَفِيلِ كَفِيلٌ، وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ إذَا أَعْطَى الطَّالِبَ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ فَمَاتَ الْأَصِيلُ بَرِئَ الْكَفِيلَانِ وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْكَفِيلُ الْأَوَّلُ بَرِئَ الْكَفِيلُ الثَّانِي. اهـ.
وَأَشَارَ بِجَوَازِ تَعَدُّدِهَا إلَى أَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ إذَا أَخَذَ مِنْ الْأَصِيلِ كَفِيلًا آخَرَ بَعْدَ الْأَوَّلِ لَمْ يَبْرَأْ الْأَوَّلُ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ فَلِقَوْلِهِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
قَوْلُهُ (بِكَفَلْتُ بِنَفْسِهِ وَبِمَا عَبَّرَ عَنْ الْبَدَنِ وَيُجْزِئُ شَائِعٌ) أَيْ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ كَفَلْت بِنَفْسِ فُلَانٍ أَوْ بِرَأْسِهِ أَوْ وَجْهِهِ وَرَقَبَتِهِ وَعُنُقِهِ وَكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ رُبْعِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ ذَكَرُوا صِحَّةَ الْكَفَالَةِ بِالرُّوحِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الطَّلَاقِ وَيَنْبَغِي الْوُقُوعُ بِهِ وَذَكَرُوا فِي الطَّلَاقِ الْفَرْجَ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَا، وَيَنْبَغِي صِحَّةُ الْكَفَالَةِ بِهِ إذَا كَانَتْ امْرَأَةً، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا إذَا كَفَلَ بِعَيْنِهِ قَالَ الْبَلْخِيّ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْبَدَنَ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ كَالطَّلَاقِ إذَا تَعَيَّنَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ يُقَالُ عَيْنُ الْقَوْمِ وَهُوَ عَيْنٌ فِي النَّاسِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي زَمَانِهِمْ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ وَيَتَأَتَّى فِي دَمِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ جُزْءَ الْكَفِيلِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ أَضَافَ الْجُزْءَ إلَيْهِ بِأَنْ قَالَ الْكَفِيلُ كَفَلَ لَك نِصْفِي أَوْ ثُلُثِي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَكَرَهُ فِي الْكَرْخِيِّ فِي بَابِ الرَّهْنِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ. (قَوْلُهُ وَبِضَمِنْتُهُ) أَيْ تَصِحُّ بِقَوْلِهِ ضَمِنْت لَك فُلَانًا؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَاهَا
ــ
[منحة الخالق]
الْعِظَامِ وَالْكَفِيلَ فِي النُّفُوسِ وَالصَّبِيرَ فِي الْجَمِيعِ وَكَالضَّمِينِ فِيمَا قَالَهُ الضَّامِنُ وَكَالْكَفِيلِ الْكَافِلُ وَكَالصَّبِيرِ الْقَبِيلُ قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالزَّعِيمُ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحَمِيلُ لُغَةُ أَهْلِ مِصْرَ وَالْكَفِيلُ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، كَذَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَلَا يُقَالُ مَكْفُولٌ عَنْهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ وَجَدْنَا بَعْضَهُمْ يَقُولُهُ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِيمَا كَتَبْنَاهُ فِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة بِعَزْوِهِ لِلذَّخِيرَةِ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِكَفَلْتُ بِنَفْسِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ كَفَلَ بِفَتْحِ الْفَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَقَالَ فَإِنْ قُلْتُ: كَفَّلَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] فَلِمَ عَدَّاهُ الْمُصَنِّفُ بِغَيْرِهِ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ كَفَلَ بِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ قُلْتُ: ذَلِكَ بِمَعْنَى عَالَ وَمَا هُنَا بِمَعْنَى ضَمِنَ وَالْتَزَمَ وَاسْتِعْمَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَهُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ مُؤَوَّلٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَغَيْرَهُمَا مِنْ
стр. 2131
قَيَّدَ بِقَوْلِهِ ضَمِنْته لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ حَتَّى تَجْتَمِعَا أَوْ تَلْتَقِيَا لَا يَكُونُ كَفِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ الْمَضْمُونَ نَفْسًا أَوْ مَالًا، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَوْ قَالَ عَلَيَّ حَتَّى تَجْتَمِعَا أَوْ تَلْتَقِيَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُوَ عَلَيَّ ضَمَانٌ مُضَافٌ إلَى الْعَيْنِ وَجَعَلَ الِالْتِقَاءَ غَايَةً لَهُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة هُوَ عَلَيَّ حَتَّى نَجْتَمِعَا فَهُوَ كَفِيلٌ إلَى الْغَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَعَلَى هَذَا فَلَوْ قَالَ حَتَّى تَلْتَقِيَا فَهُوَ كَفِيلٌ إلَى الْغَايَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَبِعَلَيَّ) ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَى لِلْوُجُوبِ فَهِيَ صِيغَةُ الْتِزَامٍ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ لَك عِنْدِي هَذَا الرَّجُلُ أَوْ قَالَ دَعْهُ إلَيَّ كَانَتْ كَفَالَةٌ. قَوْلُهُ (وَإِلَيَّ) بِمَعْنَاهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ» أَيْ يَتِيمًا فَإِلَيَّ «وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» . (قَوْلُهُ: وَأَنَا زَعِيمٌ) ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ يُسَمَّى زَعِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ صَاحِبِ يُوسُفَ ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أَيْ كَفِيلٌ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُونَ لَكِنْ ذَكَرَ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أَنَّ ذَلِكَ كَفَالَةً وَلَيْسَ مِنْهَا فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ مُسْتَأْجِرٌ لِمَنْ جَاءَ بِهِ وَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْأُجْرَةِ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا لِمَنْ جَاءَ بِهِ وَلَيْسَ ضَمَانًا عَنْ أَحَدٍ وَجَوَابُهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَسُولًا مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ وَالرَّسُولُ سَفِيرٌ فَلَا تَجِبُ الْأَحْكَامُ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَقُولَ إنَّ الْمَلِكَ قَالَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ثُمَّ يَقُولُ مِنْ جِهَتِهِ وَأَنَا بِذَلِكَ الْحِمْلِ عَلَى الْمَلِكِ كَفِيلٌ، وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ بَعْدَمَا قَرَّرَ أَنَّهَا دَلِيلُ الْكَفَالَةِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ كَفَالَةً لِرَدِّ مَالِ السَّرِقَةِ وَهُوَ كَفَالَةٌ مَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلَى رَدِّ السَّرِقَةِ وَلَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكَفَالَةِ كَانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ. اهـ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْجَعَالَةِ وَضَمَانِ الْجُعَلِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ. اهـ.
وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلْأَسْيُوطِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] قَالَ الزَّعِيمُ هُوَ الْمُؤَذِّنُ الَّذِي قَالَ أَيَّتُهَا الْعِيرُ اهـ.
قَوْلُهُ (وَقَبِيلٌ بِهِ) أَيْ بِفُلَانٍ لِأَنَّ الْقَبِيلَ هُوَ الْكَفِيلُ وَلِذَا سُمِّيَ الصَّكُّ قُبَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الْحَقَّ فَمَعْنَاهُ الْقَابِلُ لِلضَّمَانِ وَفِي الصِّحَاحِ الْقَبِيلُ الْكَفِيلُ وَالْعَرِيفُ وَقَدْ قِبَلَ بِهِ يَقْبَلُ بِهِ قُبَالَةً وَنَحْنُ فِي قُبَالَتِهِ أَيْ فِي عَرَافَتِهِ وَالْقَبِيلُ الْجَمَاعَةُ تَكُونُ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا مِنْ قَوْمٍ شَتَّى مِثْلُ الرُّومِ وَالزِّنْجِ وَالْعَرَبِ وَالْجَمْعُ قُبُلٌ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَا قَبِيلٌ لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ كَانَ كَفِيلًا كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ آتِيك بِهِ سَوَاءٌ. قَوْلُهُ (لَا بِأَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ) أَيْ لَا تَصِحُّ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْعُرْفِ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ الْكَفَالَةَ وَجْهُ مَا فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ الْتَزَمَ مَعْرِفَتَهُ دُونَ الْمُطَالَبَةِ فَصَارَ كَالْتِزَامِهِ دَلَالَةً عَلَيْهِ أَوْ قَالَ أُوقِفُك عَلَيْهِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَالظَّاهِرُ مَا عَنْهُمَا وَفِي خِزَانَةِ الْوَاقِعَاتِ وَبِهِ يُفْتَى أَيْ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَيَّدَ بِالْمَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِتَعْرِيفِهِ أَوْ عَلَى تَعْرِيفِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْوَجْهُ اللُّزُومُ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مُتَعَدٍّ إلَى اثْنَيْنِ فَقَدْ الْتَزَمَ أَنْ يَعْرِفَهُ الْغَرِيمُ بِخِلَافِ مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي إلَّا مَعْرِفَةَ الْكَفِيلِ لِلْمَطْلُوبِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِوَجْهِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لَهُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا أَعْرِفُهُ لَا يَكُونُ كَفِيلًا كَمَا فِي السِّرَاجِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ لِمَعْرِفَةِ فُلَانٍ لَا يَكُونُ كَفِيلًا وَلَوْ قَالَ مَعْرِفَةُ فُلَانٍ عَلَيَّ قَالُوا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَلْفَاظُ الْكَفَالَةِ كُلُّ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْعُهْدَةِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ثُمَّ قَالَ لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ
ــ
[منحة الخالق]
أَئِمَّةِ اللُّغَةِ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ إلَّا مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِهِ. اهـ.
أَقُولُ: فَلِذَا أَتَى النَّسَفِيُّ بِالْبَاءِ فِي بِنَفْسِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَوْ ضَمِنْت بِغَيْرِ ضَمِيرٍ قَالَ الْغَزِّيِّ أَقُولُ: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْبَيَانِ. اهـ. كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فَلَوْ قِيلَ أَتَضْمَنُ هَذَا الرَّجُلَ فَقَالَ ضَمِنْت أَوْ أَنَا ضَامِنٌ صَحَّ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ مَعَادٌ فِي الْجَوَابِ فَحَصَلَ الْبَيَانُ. اهـ.
هَذَا وَنَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ الشَّلَبِيِّ قَدْ رَاجَعْت نُقُولًا كَثِيرَةً مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى فَبَعْضُهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّ ضَمِنْت مِنْ أَلْفَاظِ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ لَا الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ مَشَايِخِنَا ذَكَرَهَا فِي أَلْفَاظِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ إلَّا قَطَعَ عِنْدَ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ضَمِنْته أَوْ هُوَ عَلَيَّ أَوْ إلَيَّ أَوْ أَنَا زَعِيمٌ بِهِ أَوْ قَبِيلٌ بِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يَصِحُّ الضَّمَانُ بِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ضَمَانِ النَّفْسِ وَضَمَانِ الْمَالِ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ إنْ أُطْلِقَتْ تُحْمَلُ عَلَى الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ عَلَى الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَتَتَمَحَّضُ حِينَئِذٍ لِلْكَفَالَةِ بِهِ. اهـ.
قُلْتُ: وَمُفَادُهُ أَنَّ الْبَيَانَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَإِنَّهَا عِنْدَ عَدَمِهِ تُحْمَلُ عَلَى الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي السِّرَاجِ لِوُجُودِ الْبَيَانِ بِالْإِضَافَةِ فِيهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أَنَا ضَامِنٌ وَبَيْنَ هُوَ عَلَيَّ خِلَافًا لِمَا فِي الْمِنَحِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَانَتْ كَفَالَةٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ كَانَتْ كَفَالَةً بِالنَّفْسِ
стр. 2132
رَجُلٍ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ وَبَرِئَ ثُمَّ إنَّ الطَّالِبَ لَزِمَ الْمَطْلُوبَ فَقَالَ لَهُ الْكَفِيلُ دَعْهُ وَأَنَا عَلَى كَفَالَتِي أَوْ عَلَى مِثْلِ كَفَالَتِي لَا شَكَّ أَنَّهُ كَفَالَةٌ مُبْتَدَأَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْكَفَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِالْوَقْتِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَصِيرُ كَفِيلًا بَعْدَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَصِيرُ مُطَالَبًا بِالثَّمَنِ بَعْدَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ كَفِيلًا فِي الْحَالِ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ أَيْضًا، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يَصِيرُ كَفِيلًا فِي الْحَالِ قَالَ وَذَكَرَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا لِتَأْخِيرِ الْكَفَالَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ قَبْلَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ يُجْبَرُ الطَّالِبُ عَلَى الْقَبُولِ كَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ كَفِيلًا مُطَالَبًا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرُهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَقَالُوا لَا يَصِيرُ كَفِيلًا لِلْحَالِ، فَإِذَا مَضَتْ قَبْلَ تَسْلِيمِ النَّفْسِ كَانَ كَفِيلًا أَبَدًا إلَى أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِذَا قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِ فُلَانٍ مِنْ الْيَوْمِ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ صَارَ كَفِيلًا فِي الْحَالِ، فَإِذَا مَضَتْ الْعَشَرَةُ خَرَجَ عَنْهَا، وَلَوْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا مَضَتْ الْعَشَرَةُ فَإِنِّي بَرِيءٌ قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ بِهَا لَا فِيهَا وَلَا بَعْدَهَا وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ كَفَلْت بِنَفْسِ فُلَانٍ شَهْرًا كَانَ كَفِيلًا أَبَدًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ شَهْرًا، وَلَوْ قَالَ: عَلَى نَفْسُهُ إلَى شَهْرٍ. عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ وَلَوْ قَالَ: نَفْسُهُ عَلَى إلَى شَهْرٍ. فَإِذَا مَضَى شَهْرٌ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ قَالَ هَذَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا كَفَلَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَانَ كَفِيلًا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ وَلَا يُطَالَبُ فِي الْحَالِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي السِّرَاجِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي الصُّغْرَى وَبِهِ يُفْتَى وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَفَلَ بِنَفْسِهِ إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ إذَا مَضَى شَهْرٌ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ كَفِيلًا وَفِي الْوَاقِعَاتِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ كَفِيلًا كَفَلَ إلَى شَهْرٍ طَالَبَهُ بَعْدَ شَهْرٍ وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ أَنَّهُ كَفِيلٌ فِي الْحَالِ مُؤَجَّلًا إلَى شَهْرٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ عِصَامٌ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ يَقَعُ بَعْدَ الْأَجَلِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ كَفِيلًا فِي الْحَالِ وَبِهِ يُفْتَى، بِخِلَافِ أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِهَا إلَى شَهْرٍ حَيْثُ يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي الْحَالِ إلَى شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ وَالْأَمْرُ يَحْتَمِلُهُ، وَكَذَا الْكَفَالَةُ تَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ وَلَا نَعْنِي بِقَوْلِهِ أَنَّهُ كَفِيلٌ بَعْدَ شَهْرٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَفِيلٍ لِلْحَالِ. أَلَا تَرَ أَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ سَلَّمَ لِلْحَالِ يَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ الْقَبُولُ وَلَوْ لَمْ يَصِرْ كَفِيلًا إلَّا بَعْدَ الشَّهْرِ لَمَا أُجْبِرَ فِي الْحَالِ لَكِنَّ ذِكْرَ الشَّهْرِ تَأْجِيلٌ لِلْكَفِيلِ حَتَّى لَا يُطَالِبَ لِلْحَالِ وَيُطَالِبَ بَعْدَ الْأَجَلِ اهـ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ أَحْضَرَهُ فِيهِ إنْ طَلَبَهُ) ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالشَّرْطِ فِي الْكَفَالَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ طَلَبَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إذَا حَلَّ. قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ) لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إيفَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ حَتَّى يَظْهَرَ مَطْلُهُ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَهُوَ لَيْسَ بِظَالِمٍ قَبْلَ الْمَطْلِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفَصِّلَ كَمَا فَصَّلَ فِي الْحَبْسِ بِالدَّيْنِ مِنْ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يُعَجِّلْ بِحَبْسِهِ وَإِلَّا عَجَّلَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى نَقْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَقَرَّ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ أَوْ ثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَالَ الْخَصَّافُ لَا يَحْبِسُهُ فِيهِمَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ، وَأَمَّا فِي الْبَيِّنَةِ يَحْبِسُهُ وَلَوْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. اهـ.
وَهَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَصَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّهُ كَالدِّينِ وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ فَإِنْ ظَهَرَ فَلَا مَعْنَى لِحَبْسِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا بَلْ يُلَازِمُهُ كَالْمَدْيُونِ، وَفِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ لَوْ ادَّعَى الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى وَكِيلِ الطَّالِبِ وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ حَلَفَ عَلَى عِلْمِهِ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْبَتَاتِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ثَلَاثَةٌ كَفَلُوا رَجُلًا بِنَفْسِهِ كَفَالَةً وَاحِدَةً فَأَحْضَرَهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ إلَخْ) أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَقْصِدُونَ غَيْرَهُ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ لَفْظَ عِنْدِي لِلضَّمَانِ لِلْعُرْفِ مَعَ أَنَّهُ لِلْأَمَانَةِ، وَقَالُوا أَيْضًا يُحْمَلُ كَلَامُ كُلِّ عَاقِدٍ وَحَالِفٍ وَوَاقِفٍ عَلَى عُرْفِهِ وَلُغَتِهِ وَإِنْ خَالَفَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ.
стр. 2133
أَحَدُهُمْ بَرَءُوا جَمِيعًا وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُتَفَرِّقَةً لَمْ يَبْرَأْ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً فَالْإِحْضَارُ الْمُسْتَحَقُّ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا سَلَّمَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ إحْضَارُ أَحَدٍ، وَأَمَّا إذَا تَفَرَّقَتْ فَكُلُّ عَقْدٍ أَوْجَبَ إحْضَارًا عَلَى حِدَةٍ فَإِحْضَارٌ وَاحِدٌ لَا يُسْقِطُ إحْضَارَ غَيْرِهِ وَلَوْ تَكَفَّلُوا بِمَالٍ كَفَالَةً وَاحِدَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً فَأَدَّى وَاحِدٌ جَمِيعَ الْمَالِ بَرِئَ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مَالٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا أَدَّاهُ وَاحِدٌ لَمْ يَبْقَ عَلَى غَيْرِهِ مَالٌ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ لِرَجُلَيْنِ فَسَلَّمَهُ إلَى أَحَدِهِمَا بَرِئَ لَهُ وَالْآخَرُ عَلَى حَقِّهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ نَائِبَ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ غَابَ أَمْهَلَهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) يَعْنِي وَلَا يَحْبِسُهُ لِعَدَمِ ظُهُورِ مَطْلِهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَرَادَ الْكَفِيلُ السَّفَرَ إلَيْهِ فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ لِلْحَالِ مِنْ غَيْرِ إمْهَالٍ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ عُذْرٌ لَا يُؤَاخَذُ الْكَفِيلُ بِهِ وَالْإِيَابُ بِالْكَسْرِ الرُّجُوعُ مِنْ آبَ يَئُوبُ أَوْبًا وَأَوْبَةً وَإِيَابًا، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَفَلَ بِنَفْسٍ مَحْبُوسٍ أَوْ غَائِبٍ صَحَّ، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ غَابَ أَيْ وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الْكَفِيلَ غَائِبٌ بِبَلَدٍ آخَرَ بِعِلْمِ الْقَاضِي أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْكَفِيلُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَسَافَةَ الْقَرِيبَةَ وَالْبَعِيدَةَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَحْضُرْهُ حَبَسَهُ) ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مَطْلُهُ إلَى أَنْ يُظْهِرَ لِلْقَاضِي تَعَذُّرُ إحْضَارِهِ بِشُهُودٍ أَوْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ فَيُطْلِقُهُ كَالْمَدْيُونِ الْمُفْلِسِ وَيَنْظُرُهُ إلَى وَقْتِ قُدُومِهِ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّالِبِ فَيُلَازِمُهُ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَشْغَالِهِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِنْ أَضَرَّتْهُ مُلَازَمَتُهُ اسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِكَفِيلٍ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. قَوْلُهُ (فَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ لَا يُطَالِبُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ أَنَّهُ غَائِبٌ لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ إمَّا بِتَصْدِيقِ الطَّالِبِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْكَفِيلُ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ عَنْ عَلِيٍّ السُّغْدِيِّ إذَا غَابَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ فَلِلدَّائِنِ أَنْ يُلَازِمَ الْكَفِيلَ حَتَّى يُحْضِرَهُ وَالْحِيلَةُ فِي دَفْعِهِ أَنْ يَدَّعِيَ الْكَفِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ خَصْمَك غَائِبٌ غَيْبَةً لَا تُدْرَى فَبَيِّنْ لِي مَوْضِعَهُ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْخُصُومَةُ. اهـ.
وَفِي مُلَازَمَةِ الطَّالِبِ الْكَفِيلَ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إحْضَارِ الْأَصِيلِ اخْتِلَافٌ ذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ يُلَازِمُهُ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يُلَازِمُهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَإِنْ اخْتَلَفَا وَلَا بَيِّنَةَ فَقَالَ الْكَفِيلُ لَا أَعْرِفُ مَكَانَهُ، وَقَالَ الطَّالِبُ تَعْرِفُهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ خُرْجَةٌ مَعْلُومَةٌ لِلتِّجَارَةِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ فَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ وَيُؤْمَرُ الْكَفِيلُ بِالذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِلْكَفِيلِ لِتَمَسُّكِهِ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْجَهْلُ وَقَوْلُهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُبَرْهِنْ الطَّالِبُ عَلَى أَنَّهُ بِمَوْضِعِ كَذَا فَإِنْ بَرْهَنَ أَمَرَ الْكَفِيلَ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ وَإِحْضَارِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَكَانَهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ يُؤَجَّلُ الْكَفِيلُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَلَا تَبْطُلُ بِاللِّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَوْتًا حُكْمًا لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَالِهِ وَإِلَّا فَهُوَ حَيٌّ مُطَالَبٌ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ هَكَذَا أَطْلَقَهُ فِي النِّهَايَةِ وَقَيَّدَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِمَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ قَادِرًا عَلَى رَدِّهِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُوَاعَدَةٌ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ إلَيْنَا الْمُرْتَدَّ وَإِلَّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ. اهـ.
وَهُوَ تَقْيِيدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: إنَّهُ يُؤْمَرُ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ لِلطَّالِبِ أَنْ يَسْتَوْثِقَ بِكَفِيلٍ مِنْ الْكَفِيلِ حَتَّى لَا يَغِيبَ الْآخَرُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ إذَا مَنَعَ الْمَكْفُولَ بِهِ عَنْ السَّفَرِ إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ حَالَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْ عُهْدَةِ الْكَفَالَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُؤَجَّلَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ. اهـ.
ظَاهِرُهُ أَنَّ لِلْكَفِيلِ مُلَازَمَةَ الْأَصِيلِ إذَا كَانَتْ حَالَّةً وَإِنْ لَمْ يُلَازِمْهُ الطَّالِبُ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ سَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ الْمَكْفُولُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ كَمِصْرٍ بَرِئَ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ إذْ لَمْ يَلْتَزِمْ تَسْلِيمُهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَحَصَلَ مَقْصُودُ الطَّالِبِ فَلَمْ تَبْقَ الْكَفَالَةُ كَمَا لَوْ تَكَفَّلَ بِمَالٍ فَقَضَاهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ لِلتَّسْلِيمِ وَقْتٌ فَسَلَّمَهُ قَبْلَهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الْكَفِيلِ فَلَهُ إسْقَاطُهُ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إذَا قَضَاهُ الْمَدْيُونُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الْكَفِيلَ) صَوَابُهُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِلْكَفِيلِ إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ أَنَّهُ غَائِبٌ لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي قَوْلُ الْكَفِيلِ لَا أَعْرِفُ مَكَانَهُ تَأَمَّلْ
стр. 2134
قَبْلَ الْحُلُولِ وَالتَّسْلِيمِ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْمِ وَذَلِكَ بِرَفْعِ الْمَوَانِعِ فَيَقُولُ لَهُ هَذَا خَصْمُك فَخُذْهُ إنْ شِئْت فَإِنْ سَلَّمَهُ بَعْدَ طَلَبِهِ بَرِئَ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَلَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ سَلَّمْته إلَيْك بِجِهَةِ الْكَفَالَةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ كَانَ الْمَكْفُولُ لَهُ جَالِسًا مَعَ قَوْمٍ فِي مَدْرَسَةٍ فَجَاءَ الْكَفِيلُ بِالْمَكْفُولِ عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ هُوَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ فَلَمْ يَجْلِسْ بَلْ مَرَّ وَخَرَجَ إلَى بَابٍ آخَرَ فَهَذَا الْقَدْرُ تَسْلِيمٌ مِنْهُ اهـ.
قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ فِي سَوَادٍ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ سَوَاءٌ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَوْ لَا، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا سَلَّمَ الْمَدْيُونُ الدَّيْنَ لِلطَّالِبِ حِينَ خَرَجَ اللُّصُوصُ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ، وَفِي الْقُنْيَةِ سَلَّمَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ الْمَكْفُولَ عَنْهُ إلَى الطَّالِبِ لَيْلًا فِي مَكَانِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْعِصْمَةُ وَفَرَّ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ التَّسْلِيمُ بِطَلَبِهِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ اهـ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي سَلَّمَهُ ثَمَّ) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُفِيدٌ فَإِنْ سَلَّمَهُ فِي مَجْلِسِهِ بَرِئَ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ سَلَّمَهُ إلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَإِنْ سَلَّمَهُ فِي السُّوقِ لَمْ يَبْرَأْ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَبِهِ يُفْتَى فِي زَمَانِنَا لِتَهَاوُنِ النَّاسِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِي بَلْدَةٍ لَمْ يَعْتَادُوا نَزْعَ الْغَرِيمِ يَدَ خَصْمِهِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا بِقَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمِنْهَا قُعُودُ الْمَرِيضِ فِي صَلَاتِهِ كَقُعُودِ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ، وَمِنْهَا سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ مِنْ امْرَأَةِ الْغَائِبِ لِيُقَرِّرَ الْقَاضِي لَهَا نَفَقَةً وَمِنْهَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَا يَلِي الْقَبْضَ وَمِنْهَا تَضْمِينُ السَّاعِي إذَا سَعَى بِهِ إلَى السُّلْطَانِ وَغَرَّمَهُ شَيْئًا، وَمِنْهَا أَنَّ رُؤْيَةَ الْبَيْتِ مِنْ الصَّحْنِ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ دَاخِلِهِ وَمِنْهَا أَنَّ رُؤْيَةَ ظَاهِرِ الثَّوْبِ مَطْوِيًّا لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَشْرِهِ فَهِيَ سَبْعٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرُ وَفِي الْقُنْيَةِ كَفَلَ بِنَفْسِهِ فِي الْبَلَدِ وَسَلَّمَهُ فِي الرَّسَاتِيقِ صَحَّ إنْ كَانَ فِيهَا حَاكِمٌ، وَقَالَ الْعَلَاءُ التَّاجِرِيُّ وَالْبَدْرُ الظَّاهِرُ لَا يَصِحُّ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجَوَابُهُمَا حَسَنٌ؛ لِأَنَّ أَغْلَبَ قُضَاةِ رَسَاتِيقِ خُوَارِزْمَ ظَلَمَةٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ دُونَ رَسَاتِيقِهِمْ. اهـ.
وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ غَيْرَ الْمِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ بَرِئَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ فِيهِ سُلْطَانٌ أَوْ قَاضٍ وَكَانَتْ الْكَفَالَةُ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِمِصْرٍ وَإِلَّا فَلَا يَبْرَأُ اتِّفَاقًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة لِإِمْكَانِ إحْضَارِهِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَا يَبْرَأُ عِنْدَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَوْلُهُمَا أَوْجُهُ قِيلَ: إنَّهُ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ ضَمِنَ نَفْسَ رَجُلٍ وَحُبِسَ الْمَطْلُوبُ فِي السِّجْنِ فَسَلَّمَ لَا يَبْرَأُ وَلَوْ ضَمِنَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فَسَلَّمَهُ فِيهِ يَبْرَأُ وَلَوْ أُطْلِقَ ثُمَّ حُبِسَ ثَانِيًا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فِيهِ أَنَّ الْحَبْسَ الثَّانِي مِنْ أُمُورِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا صَحَّ الدَّفْعُ وَإِنْ فِي أُمُورِ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهَا لَا، حَبَسَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ ثُمَّ طَالَبَ الْكَفِيلَ بِهِ فَدَفَعَهُ وَهُوَ فِي حَبْسِهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ بَرِئَ. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَهُوَ غَيْرُ مَحْبُوسٍ ثُمَّ حُبِسَ فَخَاصَمَ الطَّالِبُ الْكَفِيلَ إلَى الْقَاضِي الَّذِي حَبَسَهُ فَقَالَ الْكَفِيلُ كَفَلْت بِهِ وَأَنْتَ حَبَسْتَهُ بِدَيْنِ فُلَانٍ آخَرَ لَهُ عَلَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُ بِإِحْضَارِ الْمَطْلُوبِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ الْكَفِيلُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ ثُمَّ يُعَادُ إلَى الْحَبْسِ. اهـ. وَلَوْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَهَذَا الْقَدْرُ تَسْلِيمٌ مِنْهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ التَّسْلِيمُ بَعْدَ الطَّلَبِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ سَلَّمَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ ضَعْفُهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ الْحَامِيَةِ جَعَلَ هَذَا رَأْيًا لِمُتَأَخِّرِينَ لَا قَوْلًا لِزُفَرَ وَلَفْظُهُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ جَوَابُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَبْرَأُ إذَا سَلَّمَهُ فِي السُّوقِ أَوْ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ فِي الْمِصْرِ بِنَاءً عَلَى عَادَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُعَيِّنُونَ الْمَطْلُوبَ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ الْحُضُورِ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ فَكَانَ الشَّرْطُ مُفِيدًا فَيَصِحُّ وَبِهِ يُفْتَى. اهـ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ إذْ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ مَعَ أَنَّ زُفَرَ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ كَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا الْإِمَامُ وَأَصْحَابُهُ وَجَعَلُوا الْخِلَافَ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ كَمَسْأَلَةِ الِاكْتِفَاءِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا وَبَعْدَ نَقْلِ الثِّقَاتِ ذَلِكَ عَنْ زُفَرَ كَيْفَ يَنْفِي بِكَلَامٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ) كَانَ حَقُّ التَّعْبِيرِ أَنْ يُقَالَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ شُهُودُهُ فِي الْمِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ وَإِلَّا فَفِي التَّعْيِينِ لَا يَبْرَأُ اتِّفَاقًا كَمَا ذَكَرَهُ. (قَوْلُهُ: قِيلَ أَنَّهُ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ حِينَ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْعُمَّالُ كَانُوا يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَلَا يَمِيلُونَ إلَى الرِّشْوَةِ فَلَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بَيْنَ مِصْرٍ وَمِصْرٍ آخَرَ وَهُمَا قَالَا ذَلِكَ بَعْدَ مَا ظَهَرَ الْفَسَادُ وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْقَضَاءِ وَالْعُمَّالِ حَتَّى لَا يُقِيمُوا الْحَقَّ إلَّا بِالرِّشْوَةِ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مِصْرُهُ أَسْهَلُ لِإِثْبَاتِ حُقُوقِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ ضَمِنَ نَفْسَ رَجُلٍ وَحُبِسَ الْمَطْلُوبُ فِي السِّجْنِ لَا يَبْرَأُ) أَيْ وَيُطَالَبُ الْكَفِيلُ لِمَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا جَلَسَ الْمَكْفُولُ بِهِ بِدَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ أَخَذْت الْكَفِيلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَفُكَّهُ مِمَّا حُبِسَ بِهِ بِأَدَاءِ حَقِّ الَّذِي حَبَسَهُ اهـ.
стр. 2135
سَلَّمَهُ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ الْقَاضِي وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِهِ لَا يَبْرَأُ، وَلَوْ سَلَّمَهُ قُدَّامَ الْحَاكِمِ بَرِئَ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ فِي الْحَبْسِ دَفَعْت نَفْسِي إلَيْك بِالْكَفَالَةِ بَرِئَ الْكَفِيلُ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْكَفِيلُ لَا يُحْبَسُ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا شَرَطَ تَسْلِيمَهُ عِنْدَ الْقَاضِي فَسَلَّمَهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ أَوْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي فَسَلَّمَهُ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ جَازَ.
قَوْلُهُ (وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ وَالْكَفِيلِ لَا الطَّالِبِ) لِعَجْزِهِ عَنْ إحْضَارِهِ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَا بَعْدَ مَوْتِ الْكَفِيلِ وَوَارِثُهُمَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ فِيمَا لَهُ لَا فِيمَا عَلَيْهِ وَمَالُهُ لَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ هَذَا الْحَقِّ وَهُوَ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فِي بُطْلَانِهَا بِمَوْتِ الْكَفِيلِ، وَفِي الْكَرْخِيِّ فِي بَابِ الصُّلْحِ عَنْ الْحُقُوقِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَيُطَالَبُ وَارِثُهُ بِإِحْضَارِهِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ قَيَّدَ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ لِأَنَّ الْكَفِيلَ بِالْمَالِ إذَا مَاتَ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ مُمْكِنٌ فَيُوَفَّى مِنْ مَالِهِ ثُمَّ تَرْجِعُ الْوَرَثَةُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إنْ كَانَتْ بِأَمْرِهِ وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَا رُجُوعَ لَهُمْ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَإِلَّا فَلَا كَأَدَائِهِ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَوْتُ الطَّالِبِ فَلَا يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّ وَصِيَّهُ وَوَارِثَهُ يَخْلُفُونَهُ، أَطْلَقَ الْمَطْلُوبَ فَشَمِلَ الْعَبْدَ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ الْعَبْدِ فَمَاتَ الْعَبْدُ بَرِئَ الْكَفِيلُ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ الْمَالَ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ نَفْسَ الْعَبْدِ لَا يَبْرَأُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ. اهـ.
وَأَشَارَ بِاقْتِصَارِهِ فِي بُطْلَانِهَا عَلَى مَوْتِ الْمَطْلُوبِ وَالْكَفِيلِ إلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِإِبْرَاءِ الْأَصِيلِ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسٍ ثُمَّ أَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قَبْلَ الْمَكْفُولِ بِهِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ بِتَسْلِيمِهِ وَلَا يَبْرَأُ، وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ لَا حَقَّ لِي قَبْلَ الْمَكْفُولِ بِهِ لَا مِنْ جِهَته وَلَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ لَا بِوَكَالَةٍ وَلَا بِوِصَايَةٍ وَلَا بِوِلَايَةٍ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ. اهـ.
فَقَوْلُهُمْ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ صُورَةَ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ أَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرَهُ فَحِينَئِذٍ الْكَلَامُ عَلَى عُمُومِهِ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ لَمْ تَبْطُلْ وَيُسَلِّمُهُ الْكَفِيلُ إلَى وَرَثَتِهِ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى بَعْضِهِمْ بَرِئَ مِنْهُمْ خَاصَّةً وَلِلْبَاقِينَ مُطَالَبَتُهُ بِإِحْضَارِهِ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا فَلِوَصِيِّهِمْ مُطَالَبَتُهُ بِإِحْضَارِهِ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ بَرِئَ فِي حَقِّهِ وَلِلْآخَرِ مُطَالَبَتُهُ، كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ. اهـ.
وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ وَعَزَاهُ فِي الشَّرْحِ إلَى النُّتَفِ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الطَّالِبِ وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ الْكَفَالَةُ عَلَى الْكَفَالَةِ جَائِزَةٌ وَبِمَوْتِ الْأَصِيلِ يَبْطُلَانِ وَبِمَوْتِ الْكَفِيلِ الْأَوَّلِ يَبْرَأُ الثَّانِي وَالْحَوَالَةُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لِلتَّوَثُّقِ وَالثَّانِيَةَ تَزِيدُهُ وَالْحَوَالَةَ نَفْلٌ وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ. اهـ. .
قَوْلُهُ (وَبَرِئَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إذَا دَفَعْته إلَيْك فَأَنَا بَرِيءٌ) لِأَنَّ مُوجِبَ الدَّفْعِ إلَيْهِ الْبَرَاءَةُ فَثَبَتَ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا كَالْمَدْيُونِ إذَا سَلَّمَ الدَّيْنَ وَالْغَاصِبِ إذَا سَلَّمَ الْمَغْصُوبَ وَالْبَائِعَ إذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَالَ سَلَّمْته إلَيْك بِجِهَةِ الْكَفَالَةِ أَوْ لَا إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِذَا أَقَرَّ الطَّالِبُ بِقَبْضِ الْمَكْفُولِ بَرِئَ الْكَفِيلُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ وَلَوْ سَلَّمَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ إلَى الطَّالِبِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُنْزَلُ قَابِضًا كَالْغَاصِبِ إذَا رَدَّ الْعَيْنَ وَالْمَدْيُونِ إذَا دَفَعَ الدَّيْنَ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَهُ فُضُولِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ، كَمَا إذَا قَضَى الدَّيْنَ فُضُولِيٌّ أَيْ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِذَلِكَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ إلَيْهِ رَاجِعٌ إلَى الطَّالِبِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ غَيْرَ صَاحِبِ الْحَقِّ كَمَا إذَا كَانَ الْآخِذُ لِلْكَفِيلِ وَكِيلَ الدَّائِنِ فَيَبْرَأُ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ مُطْلَقًا وَإِلَى الْوَكِيلِ إنْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى مُوَكِّلِهِ لَمْ يَبْرَأْ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
[تَبْطُلُ الْكَفَالَة بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ وَالْكَفِيلِ لَا الطَّالِبِ]
(قَوْلُهُ: الْكَفَالَةُ عَلَى الْكَفَالَةِ جَائِزَةٌ إلَخْ) تَقَدَّمَ هَذَا مُوَضَّحًا عَنْ الْخَانِيَّةِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِكَفَلْتُ بِنَفْسِهِ.
стр. 2136
رَسُولٌ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَكَمَا إذَا أَخَذَ الْقَاضِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلًا بِالنَّفْسِ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي أَوْ بِغَيْرِ طَلَبِهِ وَسَلَّمَهُ الْكَفِيلُ إلَى الْقَاضِي بَرِئَ وَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُدَّعِي لَا يَبْرَأُ هَذَا إذَا لَمْ يُضِفْهُ الْقَاضِي فَإِنْ أَضَافَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي إنَّ الْمُدَّعِيَ يَطْلُبُ مِنْك كَفِيلًا بِالنَّفْسِ فَأَعْطِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِك فَسَلَّمَ الْكَفِيلُ لِلْقَاضِي لَا يَبْرَأُ وَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُدَّعِي يَبْرَأُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَرَسُولُ الْقَاضِي وَأَمِينُهُ كَالْقَاضِي، وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسِهِ إلَى الْوَصِيِّ فَسَلَّمَهُ إلَى الْوَرَثَةِ أَوْ الْغَرِيمِ لَا يَبْرَأُ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْقُنْيَةِ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ مَتَى طَالَبَهُ بِهِ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ يَبْرَأُ لِأَنَّ حُكْمَ الْكَفَالَةِ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ وَقَوْلُهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ مَتَى طَالَبَهُ بِهِ يُذْكَرُ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلتَّعْلِيقِ فَقَدْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ كَفِيلًا فَيَبْرَأُ. اهـ.
وَإِنَّمَا ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ مَعَ ظُهُورِهَا كَمَا قَالَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْكَفِيلَ تَسْلِيمُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ مَا أُرِيدَتْ إلَّا لِلتَّوَثُّقِ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ فَمَا لَمْ يَسْتَوْفِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ بِبَيَانِ أَنَّ عَقْدَ الْكَفَالَةِ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ مَرَّةً لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. قَوْلُهُ (وَبِتَسْلِيمِ الْمَطْلُوبِ نَفْسَهُ مِنْ كَفَالَتِهِ وَبِتَسْلِيمِ وَكِيلِ الْكَفِيلِ وَرَسُولِهِ) أَيْ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يُطَالِبُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَلَا مَعْنَى لِبَقَائِهَا كَالْمُحِيلِ إذَا قَضَى الدَّيْنَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَبِلَ الطَّالِبُ أَوْ لَا وَفِعْلُ نَائِبِ الْكَفِيلِ كَفِعْلِهِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ كَفَالَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ حَتَّى يَقُولَ الْمَكْفُولُ سَلَّمْت نَفْسِي إلَيْك مِنْ الْكَفَالَةِ وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ وَالرَّسُولَ كَالْمَكْفُولِ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ عَنْهَا وَإِلَّا لَا يَبْرَأُ وَقَيَّدَ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْمَدْيُونَ لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى الْكَفِيلِ قَبْلَ أَنْ يُوفِيَ عَنْهُ وَلَمْ يَقُلْ أَنَّهُ عَنْ كَفَالَتِك كَانَ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ وَتَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَقَيَّدَ بِالْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَهُ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْكَفِيلِ، وَقَالَ سَلَّمْت إلَيْك عَنْ الْكَفِيلِ وَقَفَ عَلَى قَبُولِهِ فَإِنْ قَبِلَهُ الطَّالِبُ بَرِئَ الْكَفِيلُ وَإِنْ سَكَتَ لَا، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِالنَّفْسِ نَفْسَهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ بِجِهَةِ الْكَفَالَةِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ حَتَّى يَبْرَأَ الْكَفِيلُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِالْأَمْرِ أَمَّا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ الْأَمْرِ لَا يَبْرَأُ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ. اهـ.
وَلَمْ يَظْهَرْ هَذَا التَّفْصِيلُ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ أَمْرُ الْمَطْلُوبِ وَأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ تَكُونَ بِأَمْرِ الْمَطْلُوبِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا مُطَالَبَةَ لِلْكَفِيلِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ فَيُسَلِّمَهُ فَيَبْرَأَ. اهـ.
فَعَلَى هَذَا إذَا ضَمَّنَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَأْثَمُ بِعَدَمِ التَّمْكِينِ مِنْهُ فَلَهُ الْهَرَبُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِأَمْرِهِ وَعَلَى هَذَا فَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَنْعِهِ مِنْ السَّفَرِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ بِأَمْرِهِ، وَزَادَ فِي الْإِصْلَاحِ عَلَى رَسُولِهِ إلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْإِيضَاحِ وَإِنَّمَا قَالَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَهُ إلَى غَيْرِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة يُشْتَرَطُ التَّسْلِيمُ عَنْ الْكَفَالَةِ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ عَنْ كَفَالَةِ فُلَانٍ إنَّمَا يَحْتَاجُ تَعْيِينُهُ إذَا كَانَ كَفَّلَهُ لِرَجُلَيْنِ وَلَوْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَرَسُولِهِ وَكَفِيلِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كَفِيلَ الْكَفِيلِ لَوْ سَلَّمَهُ بَرِئَ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلَوْ قَالَ وَبِتَسْلِيمِ نَائِبِ الْكَفِيلِ عَنْهُ لَكَانَ أَحْسَنَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ أُوَافَ بِهِ غَدًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَافَ بِهِ أَوْ مَاتَ الْمَطْلُوبُ ضَمِنَ الْمَالَ) ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ وَهُوَ مُتَعَارَفٌ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِهِ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ الْمَالُ وَلَا يَبْرَأُ عَنْ كَفَالَةِ النَّفْسِ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَهَا وَلَا تُنَافِيهَا كَمَا لَوْ جَمَّلَهُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُوَافِ بِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا عَجَزَ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ أَوْ جُنُونِهِ وَمَوْتَ الْمَطْلُوبِ وَإِنْ أَبْطَلَ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ تَسْلِيمِهِ إلَى الطَّالِبِ لَا فِي حَقِّ الْمَالِ وَقَيَّدَ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ مَاتَ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْكَفَالَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ أَمْرُ الْمَطْلُوبِ إلَخْ) وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْوَجْهُ فِيهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يُلْزَمُ الْمَطْلُوبُ بِالْحُضُورِ فَلَيْسَ مُطَالَبًا بِالتَّسْلِيمِ، فَإِذَا سَلَّمَهُ نَفْسَهُ لَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ.
стр. 2137
الْمُعَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَوْتِ الطَّالِبِ فَإِنَّ الْكَفِيلَ إذَا سَلَّمَهُ إلَى وَارِثِهِ وَلَوْ أَبْرَأَهُ الطَّالِبُ عَنْ كَفَالَةِ النَّفْسِ فَلَمْ يُوَافَ بِهِ لَا يَجِبُ الْمَالُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَلَوْ اخْتَلَفَ فَقَالَ الْكَفِيلُ وَافَيْتُك بِهِ، وَقَالَ الطَّالِبُ لَمْ تُوَافِنِي بِهِ فَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ وَالْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْمَالِ الْتِزَامُ الْمَالِ بِالْكَفَالَةِ إلَّا أَنَّ الْمُوَافَاةَ شَرْطٌ لِلْبَرَاءَةِ فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْكَفِيلِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِيمَا إذَا عَلَّقَ الْمَالَ بِعَدَمِ الْمُوَافَاةِ لَا يُصَدَّقُ الْكَفِيلُ عَلَى الْمُوَافَاةِ إلَّا بِحُجَّةٍ وَبَيَانُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي نَظْمِ الْفِقْهِ قَالَ الْكَفِيلُ دَفَعْته إلَيْك الْيَوْمَ الْمَشْرُوطَ وَأَنْكَرَهُ الطَّالِبُ فَالْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ: الْكَفِيلُ الْبَرَاءَةَ وَالطَّالِبُ الْوُجُوبَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَنَا. اهـ.
وَفِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ رَجُلٌ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافَ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ الْمَالُ فَلَمْ يُوَافَهُ لَكِنَّ الْمُدَّعِي وَجَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَازَمَهُ حَتَّى اللَّيْلَ يَلْزَمُهُ الْمَالُ، وَكَذَا لَوْ تَغَيَّبَ الطَّالِبُ فَلَمْ يَجِدْهُ لَزِمَهُ الْمَالُ، هُنَا فُصُولٌ الثَّانِي لَوْ شَرَطَ عَلَى الْكَفِيلِ مَكَانًا فَجَاءَ الْكَفِيلُ بِالْمَكْفُولِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَتَغَيَّبَ الطَّالِبُ لَزِمَ الْمَالُ الْكَفِيلَ الثَّالِثُ لَوْ اشْتَرَى بِالْخِيَارِ فَتَوَارَى الْبَائِعُ الرَّابِعُ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ الْيَوْمَ فَتَغَيَّبَ الدَّائِنُ الْخَامِسُ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا إنْ لَمْ تَصِلْ نَفَقَتُهَا فَتَغَيَّبَتْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْصِبُ الْقَاضِي قَيِّمًا فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لَا فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ مُتَعَنِّتٌ فِيهِمَا لَا فِي الْأَوَّلِ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا تَوَارَى الطَّالِبُ وَالْبَائِعُ نَصَبَ الْقَاضِي وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ فَعَلَ الْقَاضِي فَهُوَ حَسَنٌ. اهـ.
وَجَعَلَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ الْمَسَائِلَ كُلَّهَا عَلَى الْخِلَافِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ يَنْصِبُ وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ عَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. اهـ.
وَلَمْ يُصَوِّرْ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ بِالْأَلْفِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لِبَيَانِ أَنَّ مَعْلُومِيَّةَ الْقَدْرِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا، فَإِذَا قَالَ بِمَا عَلَيْهِ فَمَهْمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ لَزِمَهُ كَمَا سَيَأْتِي، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَعَلَيَّ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَأَقَرَّ الْمَطْلُوبُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةٍ كَانَ الْكَفِيلُ ضَامِنًا لِمَا أَقَرَّ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا ادَّعَيْت عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَادَّعَى الطَّالِبُ عَلَيْهِ مَالًا لَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَمَا ادَّعَيْت عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَيَّ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَادَّعَى الطَّالِبُ عَلَيْهِ مَالًا لَا يَلْزَمُهُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ أَدْفَعْهُ إلَيْك غَدًا بِمَنْزِلَةِ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَالَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ إنْ غَابَ عَنْك الْمَكْفُولُ فَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ فَغَابَ الْمَكْفُولُ إلَى الْكُوفَةِ وَلَمْ يَطْلُبْهُ الطَّالِبُ ثُمَّ دَفَعَهُ الْكَفِيلُ إلَيْهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ الْكُوفَةِ فَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهَا بِالْغَيْبَةِ، وَلَوْ قَالَ قَدْ كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ فَإِنْ غَابَ وَلَمْ أُوَافِك فَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ فَغَابَ قَبْلَ أَنْ يُوَافِيَ لَزِمَهُ الْمَالُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ إنْ غَابَ قَبْلَ أَنْ أُوَافِيك بِهِ، وَلَوْ قَالَ إنْ غَابَ فَلَمْ أُوَافِك بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ فَهَذَا عَلَى أَنْ يُوَافِيَهُ بَعْدَ الْغَيْبَةِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِيهَا أَيْضًا وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُوَافِيَ بِهِ إذَا جَلَسَ الْقَاضِي فَإِنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ الَّتِي لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجْلِسْ الْقَاضِي أَيَّامًا وَطَلَبَ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ بِعَدَمِ الْمُوَافَاةِ إذَا جَلَسَ الْقَاضِي. اهـ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فَأَنَا ضَامِنٌ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَفِي الْخَانِيَّةِ إنْ لَمْ أُوَافِ بِهِ فَعِنْدِي لَك هَذَا الْمَالُ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدِي إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الدَّيْنِ يُرَادُ بِهِ الْوُجُوبُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إلَيَّ هَذَا الْمَالُ وَقَيَّدَ بِعَدَمِ الْمُوَافَاةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا فِي الْبَزَّازِيَّةِ كَفَلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى طَالَبَهُ سَلَّمَهُ فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ فَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ وَمَاتَ الْمَطْلُوبُ وَطَالَبَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَعَجَزَ لَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تَصِحُّ، فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ الْمُطَالَبَةُ لَمْ يَتَحَقَّقْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَمَا ادَّعَيْت عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَيَّ إلَخْ) ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْخَانِيَّةِ قَبْلَ هَذَا مُوَضَّحَةً فَقَالَ رَجُلٌ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ مَا ادَّعَى الطَّالِبُ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ وَادَّعَى الطَّالِبُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَصَدَّقَهُ الْمَطْلُوبُ وَجَحَدَهَا الْكَفِيلُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْكَفِيلِ مَعَ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ. اهـ.
стр. 2138
الْعَجْزُ الْمُوجِبُ لِلُّزُومِ الْمَالِ فَلَا يَجِبُ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ كَفَلَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ: إنْ عَجَزْت عَنْ تَسْلِيمِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَعَلَيَّ الْمَالُ ثُمَّ حُبِسَ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ مَرَضَ مَرَضًا يَتَعَذَّرُ إحْضَارُهُ يَلْزَمُهُ الْمَالُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ. اهـ.
وَفِي وَكَالَةِ مُنْيَةِ الْمُفْتِي قَالَ إنْ وَافَيْتُك بِهِ غَدًا فَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِ ثُمَّ وَافَى بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَزِمَهُ إنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ. اهـ. يَعْنِي: أَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِغَيْرِ الْمُتَعَارَفِ فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مِائَةَ دِينَارٍ فَقَالَ رَجُلٌ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ الْمِائَةُ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ الْمِائَةُ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ فَلَزِمَ الْمَالُ قَيَّدَ بِبَيَانِ الْمَالِ عِنْدَ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ رَجُلٌ بِآخَرَ، وَقَالَ لِي عَلَيْك دَعْوَى وَلَمْ يُبَيِّنْهَا فَكَفَلَهُ إنْسَانٌ بِالنَّفْسِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ غَدًا فَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَا إذَا لَمْ يُوَافِهِ بِهِ لَزِمَتْهُ إذَا ادَّعَاهَا الْمُدَّعِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُبَيِّنْهَا وَقْتَ الدَّعْوَى لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى فَلَمْ يَجِبْ حُضُورُهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فَلَمْ تَصِحَّ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا وَلَهُمَا أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْإِبْهَامِ فِي الدَّعَاوَى فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ ثُمَّ يُبَيِّنُوهَا عِنْدَهُ دَفْعًا لِلْحِيَلِ فَصَحَّتْ الدَّعْوَى وَالْمُلَازَمَةُ عَلَى احْتِمَالِ الْبَيَانِ، فَإِذَا بَيَّنَ بَعْدَهُ انْصَرَفَ إلَى الْبَيَانِ أَوَّلًا فَظَهَرَ بِهِ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَصَحَّتْ بِالْمَالِ حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْكَفِيلَ كَانَ يَعْلَمُ خُصُوصَ الْمَالِ الْمُدَّعَى بِهِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ مَا أَمْكَنَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَا نَحْكُمُ حَالَ صُدُورِهَا بِالْفَسَادِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ عَلَى ظُهُورِ الدَّعْوَى بِذَلِكَ الْقَدْرِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ ظَهَرَ أَنَّهُ إنَّمَا كَفَلَ بِالْقَدْرِ الْمُدَّعَى بِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ الَّتِي عَلَيْهِ فَمَضَى الْغَدُ وَلَمْ يُوَافِ بِهِ وَفُلَانٌ يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَيَّ وَالطَّالِبُ يَدَّعِي أَلْفًا وَالْكَفِيلُ يُنْكِرُ وُجُوبَهُ عَلَى الْأَصِيلِ فَعَلَى الْكَفِيلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. اهـ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَاصِلَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَحْدَهُ وَيُسْتَفَادُ بِهَا أَنَّ الْأَلْفَ تَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمَكْفُولِ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْكَفِيلُ يُنْكِرُ وُجُوبَهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمَالِ عَلَى الْمَكْفُولِ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ فِي يَوْمِ كَذَا فَعَلَيْهِ مَا لِلطَّالِبِ عَلَى فُلَانٍ آخَرَ جَازَ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَفِي الْمُحِيطِ جَعَلَ الْخِلَافَ عَلَى الْعَكْسِ وَجَعَلَ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَكَذَا لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا كَانَ كَفِيلًا بِنَفْسِ رَجُلٍ آخَرَ كَانَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافُ. اهـ.
وَلَا بُدَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ مِنْ إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ لِمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَوْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: قَيَّدَ بِبَيَانِ الْمَالِ عِنْدَ الدَّعْوَى) أَرَادَ بِالْبَيَانِ ذِكْرَهُ وَالتَّنْصِيصَ عَلَيْهِ لَا بَيَانَ صِفَتِهِ أَنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ مَثَلًا ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ وِفَاقِيَّةٌ وَالثَّانِي خِلَافِيَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ صُورَتُهَا فِي الْجَامِعِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ لَزِمَ رَجُلًا وَادَّعَى عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ فَبَيَّنَهَا أَوْ لَمْ يُبَيِّنْهَا أَوْ لَزِمَهُ وَلَمْ يَدَّعِ مِائَةَ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ دَعْهُ فَأَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ إلَى غَدٍ فَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَعَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ فَرَضِيَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا قَالَ عَلَيْهِ الْمِائَةُ دِينَارٍ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إذَا ادَّعَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّهُ لَهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ ادَّعَى وَلَمْ يُبَيِّنْهَا حَتَّى كَفَلَ بِالْمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ ادَّعَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أَلْتَفِتْ إلَى دَعْوَاهُ وَأَرَادَ بِالْوَجْهَيْنِ مَا إذَا بَيَّنَهَا أَيْ ذَكَرَ أَنَّهَا جَيِّدَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ أَوْ وَسَطٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ كَذَا قِيلَ وَإِلَّا فَوَدَّ أَنْ يُرَادَ بِالْوَجْهَيْنِ مَا إذَا ادَّعَى أَيْ ذَكَرَ أَنَّهَا مِائَةٌ بَيَّنَهَا أَوْ لَا وَمَا إذَا لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا حَتَّى كَفَلَ لَهُ ثُمَّ ادَّعَى الْمِقْدَارَ الَّذِي سَمَّاهُ. اهـ. وَقَالَ فِي النَّهْرِ: وَقَدْ جَمَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَيْنَهُمَا وَلَوْ تَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ مِنْ إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ إلَخْ) يُخَالِفُ هَذَا مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ حَيْثُ قَالَ: فَإِذَا بَيَّنَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي يَنْصَرِفُ بَيَانُهُ إلَى ابْتِدَاءِ الدَّعْوَى وَالْمُلَازَمَةِ فَيَظْهَرُ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْكَفَالَةِ كَمَنْ كَفَلَ لِرَجُلٍ فِي غَيْبَتِهِ فَلَمَّا حَضَرَ الْغَائِبُ قَالَ إنَّك أَقْرَرْت لِي بِالْكَفَالَةِ فِي الْحَالِ الَّتِي كُنْت غَائِبًا، وَقَالَ الْكَفِيلُ لَا بَلْ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءُ كَفَالَةٍ فِي غَيْبَتِك وَلَمْ تَصِحَّ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْكَفَالَةِ وَالْكَفِيلُ يَدَّعِي الْفَسَادَ. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ فِي هَذَا الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَالْكَفِيلُ يَدَّعِي الْفَسَادَ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ عِنْدَ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ قَرِيبًا قَوْلُهُ وَيُسْتَفَادُ بِهَا أَنَّ الْأَلْفَ تَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمَكْفُولِ لَهُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَهُوَ
стр. 2139
ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَهُوَ عَلَيَّ فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ عَنْهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوُجُودِ الْمَالِ وَلَا اعْتَرَفَ الْكَفِيلُ بِهَا أَيْضًا فَصَارَ هَذَا مَالًا مُتَعَلِّقَا بِخَطَرٍ فَلَا يَجُوزُ. اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا عَلَّقَ الْكَفِيلُ بِالْمَالِ بَرَاءَتَهُ بِمُوَافَاتِهِ غَدًا بِأَنْ قَالَ كَفَلْت لَك مِمَّا عَلَيْهِ عَلَى أَنِّي إنْ وَافَيْتُك بِهِ غَدًا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْمَالِ فَوَافَاهُ بِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ يَبْرَأُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى تَعْلِيقِ بَرَاءَةِ الْكَفِيلِ بِالشَّرْطِ وَسَتَأْتِي فِي الْكِتَابِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فِي حَدٍّ وَقَوَدٍ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا بِالْجَبْرِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ دُونَ غَيْرِهِمَا قَيَّدَ بِالْجَبْرِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ بِرِضَاهُ بِلَا طَلَبٍ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا لَهُمَا أَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْأَصِيلِ فَصَحَّتْ بِهِ كَمَا فِي دَعْوَى الْمَالِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ إطْلَاقُ قَوْلِهِ ﵊ «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ» وَلِأَنَّهَا لِلِاسْتِيثَاقِ وَمَبْنَاهُمَا عَلَى الدَّرْءِ وَأَلْحَقَ التُّمُرْتَاشِيُّ حَدَّ السَّرِقَةِ بِهِمَا فِي جَوَازِ التَّكْفِيلِ بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا وَفِي الْإِجْبَارِ عَلَيْهَا عِنْدَ هُمَا وَجَعَلَهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِكَوْنِ الدَّعْوَى فِيهِ شَرْطًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا وَلَا يَجِبُ الْحُضُورُ بِسَبَبِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكْفُلْ عِنْدَهُ يُلَازِمُهُ إلَى قِيَامِ الْقَاضِي مِنْ مَجْلِسِهِ فَإِنْ بَرْهَنَ وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ وَلَيْسَ تَفْسِيرُ الْجَبْرِ عِنْدَهُمَا الْجَبْرُ بِالْحَبْسِ وَإِنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِالْمُلَازَمَةِ. قَوْلُهُ (وَلَا يُحْبَسُ فِيهِمَا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ مَسْتُورَانِ أَوَعَدْلٌ) أَيْ فِي الْحُدُودِ وَالْقَوَدِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ لِتُهْمَةِ الْفَسَادِ وَشَهَادَةِ الْمَسْتُورَيْنِ أَوْ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ تَكْفِي لِإِثْبَاتِهَا؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي الدِّيَانَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ فَتُثْبِتُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ التُّهْمَةَ وَإِنْ لَمْ تُثْبِتْ أَصْلَ الْحَقِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ مَسْتُورٍ وَاحِدٍ وَالْحَبْسُ بِتُهْمَةِ الْفَسَادِ مَشْرُوعٌ؛ لِأَنَّهُ ﵊ حَبَسَ رَجُلًا بِتُهْمَةٍ بِخِلَافِ دَعْوَى الْأَمْوَالِ حَيْثُ لَا يُحْبَسُ فِيهَا قَبْلَ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ نِهَايَةُ عُقُوبَتِهَا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ كَالْحَدِّ نَفْسِهِ وَكَلَامُهُمْ هُنَا يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُعَزِّرُ الْمُتَّهَمَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَتَبْت فِيهَا رِسَالَةً وَحَاصِلُهَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ التَّعْزِيرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى وَلَا عَلَى الثُّبُوتِ بَلْ إذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي عَدْلٌ بِمَا يَقْتَضِيه أَحْضَرَهُ الْقَاضِي وَعَزَّرَهُ لِتَصْرِيحِهِمْ هُنَا بِحَبْسِ الْمُتَّهَمِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ وَالْحَبْسُ تَعْزِيرٌ وَصَرَّحْنَا بِجَوَازِ الْهَجْمِ عَلَى بَيْتِ الْمُفْسِدِ وَجَوَازِ إخْرَاجِهِ مِنْ الْبَيْتِ وَجَوَازِ نَفْيِهِ عَنْ الْبَلَدِ وَتَخْلِيدِ حَبْسِهِ إلَى أَنْ يَتُوبَ، وَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا سُمِعَ صَوْتُ غِنَاءٍ فِي بَيْتِهِ أَوْ أُخْبِرَ الْقَاضِي بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الشَّرَابِ أَوْ كَانَ يُؤْذِي النَّاسَ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَازُ التَّعْزِيرِ بِالْقَتْلِ وَجَوَازُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إمْسَاكُهُ عَنْهُ إلَى أَنْ يَتُوبَ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الِابْتِدَاءُ بِطَلَبِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَالدُّيُونِ اهـ فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ بِهِ كَالْحُدُودِ.
(قَوْلُهُ:
ــ
[منحة الخالق]
الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِمْ لَزِمَتْهُ إذَا ادَّعَاهَا الْمُدَّعِي وَلَمْ يَقُولُوا وَأَثْبَتَهَا بِالْبُرْهَانِ وَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ فَعَلَيْهِ الْمِائَةُ أَيْ الَّتِي بَيَّنَهَا الْمُدَّعِي إمَّا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي مَبْنِيٌّ عَلَى عَلَى مَا فِي السِّرَاجِ وَزَادَ الْبَيِّنَةَ إذْ لَا فَرْقَ، وَقَدْ عَلِمْت مُخَالَفَتَهُ لِلشُّرُوحِ وَلِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ كَالْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَالْمَجْمَعِ وَغَيْرِهَا وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْغَزِّيِّ الَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّ هَذَا أَيْ مَا فِي السِّرَاجِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى قَوْلِ الثَّانِي ثَانِيًا يُعْلَمُ هَذَا بِمُرَاجَعَةِ الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ وَالْخُلَاصَةِ اهـ
[الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي حَدٍّ وَقَوَدٍ]
(قَوْلُهُ: بَلْ إذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي عَدْلٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَإِنْ قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى رَأْيِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ جَوَازِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ أَمَّا عَلَى رَأْيِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي زَمَانِنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى الثُّبُوتِ قُلْتُ: يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْخِلَافُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقْضِي فِيهَا بِعِلْمِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ الرَّجُلُ إذَا كَانَ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَضُرُّ النَّاسَ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَذَكَرَ بِمَا فِيهِ لَا يَكُونُ غِيبَةً وَإِنْ أَخْبَرَ السُّلْطَانَ بِذَلِكَ لِيَزْجُرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ اهـ.
قُلْت: مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ بَعْدَ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ وَالْمُخْتَارُ الْآنَ عَدَمُ حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا لِفَسَادِ أَحْوَالِ الْقُضَاةِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ عَلِمَهُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُعَزَّرُ مَنْ بِهِ أَثَرُ السُّكْرِ لِلتُّهْمَةِ اهـ.
وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ ابْنُ الْهُمَامِ قُبَيْلَ بَابِ التَّحْكِيمِ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُسَاوِي الْقَاضِي فِيهِ وَغَيْرُ الْقَاضِي إذَا عَلِمَ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةَ الْحَدِّ فَكَذَا هُوَ ثُمَّ قَالَ إلَّا فِي السَّكْرَانِ أَوْ مَنْ بِهِ أَمَارَةُ
стр. 2140
وَبِالْمَالِ وَلَوْ مَجْهُولًا إذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا) أَيْ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْمَالِ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ مَجْهُولًا وَصِحَّتُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَصَحَّتْ مَعَ جَهَالَةِ الْمَالِ لِبِنَائِهَا عَلَى التَّوَسُّعِ، وَلِذَا جَازَ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمَاعُهُمْ عَلَى صِحَّتِهَا بِالدَّرْكِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَمْ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْمَبِيعِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ وَالدَّيْنُ الصَّحِيحُ مَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ فَلَمْ تَصِحَّ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِدُونِهِمَا بِالتَّعْجِيزِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ بِبَدَلِ السِّعَايَةِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إذْ هُوَ لَا يَقْبَلُ التَّعْجِيزَ، وَكَذَا لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِدَيْنٍ هُوَ عَلَى ابْنِ الْمُكَاتَبِ أَوْ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي مُكَاتَبَتِهِ فَهُوَ مُكَاتِبٌ لِمَوْلَاهُ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِخِلَافِ أَرْشِ الشَّجَّةِ وَقَطْعِ الطَّرَفِ فَإِنَّهُ دَيْنٌ صَحِيحٌ فَصَحَّتْ بِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا نُوقِضَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَفَلْت لَك بَعْضَ مَالِك عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَمْنُوعٌ بَلْ يَصِحُّ عِنْدَنَا وَالْخِيَارُ لِلضَّامِنِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَيَّ مِقْدَارٍ شَاءَ. اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَأَمَّا كَوْنُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَعْلُومَ الذَّاتِ فِي أَنْوَاعِ الْكَفَالَاتِ أَوْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ كَفَلَ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ غَيْرَ عَيْنٍ بِأَنْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفٌ جَازَ وَعَلَيْهِ أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا شَاءَ، وَكَذَا إذَا كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ أَوْ بِنَفْسِ رَجُلٍ جَازَ آخَرُ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ جَازَ وَيَبْرَأُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الطَّالِبِ وَلَوْ كَفَلَ عَنْ رَجُلٍ بِمَا لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَوْ بِمَا يُدْرِكُهُ فِي هَذَا الْبَيْعِ جَازَ. اهـ.
قَيَّدَ بِجَهَالَةِ الْمَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ جَهَالَةِ الْأَصِيلِ وَالْمَكْفُولِ فَإِنَّهَا مَانِعَةٌ حَتَّى لَوْ قَالَ مَنْ غَصَبَك مِنْ النَّاسِ أَوْ بَايَعَك أَوْ قَتَلَك فَأَنَا كَفِيلٌ لَك عَنْهُ أَوْ قَالَ مَنْ غَصَبْتَهُ أَنْتَ أَوْ قَتَلْته فَأَنَا كَفِيلٌ لَهُ عَنْك لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ كَفَالَةً يَسِيرَةً فِي الْمَكْفُولِ عَنْهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ كَفَلْت لِكُلٍّ بِمَا لَك عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ فَيَجُوزُ وَالتَّعْيِينُ لِلْمَكْفُولِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ إنْ جَاءَ بِهِ لَكِنْ لَا نَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ يَجُوزُ، كَمَا لَوْ قَالَ عِنْدَ الْقَاضِي كَفَلْت لِرَجُلٍ أَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْإِقْرَارِ لَا تَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَيُقَالُ لَهُ أَيُّ رَجُلٍ أَتَيْت بِهِ وَقُلْت: إنَّهُ هَذَا وَحَلَفْت عَلَيْهِ بَرِئْت مِنْ الْكَفَالَةِ. اهـ.
وَأَطْلَقَ صِحَّتَهَا فَشَمِلَ كُلَّ مَنْ عَلَيْهِ الْمَالُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا أَوْ مَحْجُورًا صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، وَكُلُّ مَنْ لَهُ الْمَالُ لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الْكَفَالَةُ لِلصَّبِيِّ التَّاجِرِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَلَيْهِ وَلِلصَّبِيِّ الْعَاقِلِ غَيْرِ التَّاجِرِ رِوَايَتَانِ وَدَخَلَ تَحْتَ الدَّيْنِ الصَّحِيحِ بَدَلُ الْعِتْقِ، فَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَكَفَلَهُ بِهِ رَجُلٌ جَازَ كَذَا
ــ
[منحة الخالق]
السُّكْرِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُ لِلتُّهْمَةِ وَلَا يَكُونُ حَدًّا. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ التَّعْزِيرَ لَيْسَ بِقَضَاءٍ وَلِذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى وَنَحْوِهَا.
[الْكَفَالَةُ بِالْمَالِ]
(قَوْلُهُ: وَالدَّيْنُ الصَّحِيحُ مَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ) دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلَمُ فِيهِ فَفِي فَتَاوَى الْحَانُوتِيِّ الْكَفَالَةُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَا مَبِيعٌ وَمِمَّنْ نَقَلَ صِحَّتَهُ الْوَالِدُ عَنْ شَرْحِ التَّكْمِلَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِالنَّقْلِ عَزِيزٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِمْ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنْ لَا يَسْقُطَ إذْ هُوَ لَا يَقْبَلُ التَّعْجِيزَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَأَنَّهُ أُلْحِقَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ أَرْشِ الشَّجَّةِ وَقَطْعِ الطَّرَفِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَالْكَفَالَةُ بِالدِّيَةِ لَا تَصِحُّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَالدِّيَةِ لَا تَجُوزُ. اهـ.
وَنَقَلَهَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَلَمْ يَنْقُلْ فِيهِ خِلَافًا وَنَقَلَهَا صَاحِبُ النُّقُولِ عَنْ الْخُلَاصَةِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّعْيِينُ لِلْمَكْفُولِ لَهُ) مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ عَنْ الْبَدَائِعِ حَيْثُ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْكَفِيلِ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَصُّهُ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ كَفَلْت بِمَالَك عَلَى فُلَانٍ أَوْ مَالَك عَلَى فُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ جَازَ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةُ الْمَكْفُولِ عَنْهُ فِي غَيْرِ تَعْلِيقٍ وَيَكُونُ الْخِيَارُ لِلْكَفِيلِ. اهـ.
وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ لَوْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ كَانَ جَائِزًا يَدْفَعُ أَيُّهُمَا شَاءَ الْكَفِيلُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَفَلَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ كَفَالَةً بِنَفْسِ رَجُلٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ لَا نَعْرِفُهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة (وَ) لَوْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَفَلَ لِهَذَا الرَّجُلِ بِنَفْسِ رَجُلٍ نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ لَكِنْ لَا نَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ قَالَا كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَلَا نَعْرِفُهُ لَا بِوَجْهِهِ وَلَا بِاسْمِهِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ وَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ بِالْكَفَالَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ كَفَلَ لِهَذَا بِنَفْسِ رَجُلٍ ثُمَّ يُقَالُ بَيَّنَ أَيَّ رَجُلٍ فَإِنْ بَيَّنَ فَكَذَّبَهُ، وَقَالَ الْمَكْفُولُ بِهِ هَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَبَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ إنْ صَدَّقَهُ الْمَكْفُولُ فِيمَا بَيَّنَ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَّبَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَفِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ كَذَّبَهُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الدَّعْوَى لِلْإِنْكَارِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي دَعْوَى الْكَفَالَةِ لَا تُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَذِكْرُ نَسَبِهِ، وَقَدْ قِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَصْلُحُ دَلِيلًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) وَفِي إحْكَامَاتِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ كَفَلَ رَجُلٌ لِصَبِيٍّ لَوْ كَانَ الصَّبِيُّ تَاجِرًا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ وَلَوْ خَاطَبَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ وَقَبِلَ عَنْهُ تَوَقَّفَتْ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ فَإِنْ لَمْ يُخَاطِبْ أَجْنَبِيٌّ وَلَا وَلِيُّهُ وَإِنَّمَا خَاطَبَ الصَّبِيَّ عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ
следующие страницы →