Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وَالْمُشَاهَدَةُ الْمُعَايَنَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالْعِيَانُ بِالْكَسْرِ الْمُعَايَنَةُ كَمَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ فَهُوَ تَأْكِيدٌ وَالتَّخْمِينُ الْحَدْسُ وَالْحِسْبَانُ بِالْكَسْرِ الظَّنُّ وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ الشَّهَادَةَ بِالتَّسَامُعِ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَأَجَابَ فِي الْإِيضَاحِ بِأَنَّ جَوَازَهَا إنَّمَا هُوَ لِلِاسْتِحْسَانِ وَالتَّعْرِيفَاتُ الشَّرْعِيَّةُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ وَلِكَوْنِهَا إخْبَارًا عَنْ مُعَايَنَةٍ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ صَكٌّ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا فِيهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا فِيهِ كَذَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَفِي الْمُلْتَقَطِ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَرَ شَخْصَهَا فَشَهِدَ اثْنَانِ عِنْدَهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا وَإِنْ رَأَى شَخْصَهَا وَأَقَرَّتْ عِنْدَهُ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا اهـ.
وَتَمَامُ مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ بِمَا فِي الصَّكِّ فِي شَهَادَاتِ الْبَزَّازِيَّةِ، وَأَمَّا مَعْنَاهَا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ إخْبَارٌ صَادِقٌ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ فَالْإِخْبَارُ كَالْجِنْسِ وَقَوْلُهُ صَادِقٌ يُخْرِجُ الْأَخْبَارَ الْكَاذِبَةَ وَمَا بَعْدَهُ يُخْرِجُ الْأَخْبَارَ الصَّادِقَةَ غَيْرَ الشَّهَادَاتِ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَائِلِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَشْهَدُ بِرُؤْيَةِ كَذَا لِبَعْضِ الْعُرْفِيَّاتِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ لِإِثْبَاتِ حَقٍّ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يَقُولُوا بَعْدَ دَعْوَى لِتَخَلُّفِهَا عَنْهَا فِي نَحْوِ عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الزَّوْجَةِ فَلَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى شَرْطًا لِصِحَّتِهَا مُطْلَقًا وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهَا إخْبَارٌ بِحَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ بِحَقٍّ عَلَى نَفْسِهِ لِلْغَيْرِ وَالدَّعْوَى فَإِنَّهَا إخْبَارٌ بِحَقٍّ لِنَفْسِهِ عَلَى الْغَيْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ لِمَا إذَا أَخْبَرَ بِمَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ شَهَادَةٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ وَكَأَنَّهُ لَاحَظَ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِحَقٍّ لِلْغَيْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِسُقُوطِ الْمَهْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّ سُقُوطَهُ عَنْ الزَّوْجِ عَائِدٌ إلَى أَنَّهُ لَهُ فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ بِالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ بِحَقٍّ لِلْمَدْيُونِ وَهُوَ السُّقُوطُ عَنْهُ وَكَذَا هُنَا وَجَعَلَ الْأَخْبَارَ أَرْبَعَةً وَالرَّابِعُ الْإِنْكَارُ وَعَزَاهُ إلَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَأَمَّا الثَّانِي فَرُكْنُهَا لَفْظُ أَشْهَدُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ دُونَ الْقَسَمِ كَذَا فِي الشَّرْحِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي آخِرِهَا بِمَا يُوجِبُ الشَّكَّ فَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ بِكَذَا فِيمَا أَعْلَمُ لَا تُقْبَلُ كَمَا لَوْ قَالَ فِي ظَنِّي بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَشْهَدُ بِكَذَا قَدْ عَلِمْت وَلَوْ قَالَ لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ فِيمَا أَعْلَمُ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْحَصِيرِيُّ وَلَوْ قَالَ الْمُعَدِّلُ هُوَ عَدْلٌ فِيمَا أَعْلَمُ لَا يَكُونُ تَعْدِيلًا ذَكَرَهُ فِي بَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ بَعْدَ الْإِخْبَارِ مُوجِبٌ لِلشَّكِّ فِيهِ عُرْفًا فَيَبْطُلُ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَشَرْطُهَا الْعَقْلُ الْكَامِلُ وَالضَّبْطُ وَالْوِلَايَةُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ هَكَذَا فِي الشَّرْحِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْعِنَايَةِ وَلَكِنْ زَادَ فِيهَا الْإِسْلَامَ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَفِي كَلَامِهِمْ قُصُورٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الشَّرَائِطِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ قَرَابَةُ الْوِلَادِ وَلَا زَوْجِيَّةٌ وَأَنْ لَا يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا وَأَنْ لَا يَجْلِبَ لِنَفْسِهِ مَغْنَمًا وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَدَاوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي مُفَصَّلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا هَذِهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بَيَانُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلِذَا تَرَى بَعْضَهُمْ تَرَكَ قَيْدَ الْإِسْلَامِ لِجَوَازِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى مِثْلِهِ وَالْأَحْسَنُ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ شَرَائِطَهَا نَوْعَانِ مَا هُوَ شَرْطُ تَحَمُّلِهَا وَمَا هُوَ شَرْطُ أَدَائِهَا فَالْأَوَّلُ ثَلَاثَةٌ الْعَقْلُ وَقْتَ التَّحَمُّلِ وَالْبَصَرُ فَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا مِنْ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ وَأَعْمَى وَأَنْ يَكُونَ التَّحَمُّلُ بِمُعَايَنَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ إلَّا فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ فِيهَا بِالتَّسَامُعِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحَمُّلِ الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ حَتَّى لَوْ كَانَ وَقْتَ التَّحَمُّلِ صَبِيًّا عَاقِلًا أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَابَ الْفَاسِقُ فَشَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي تُقْبَلُ وَأَمَّا شَرَائِطُ أَدَائِهَا فَأَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى الشَّاهِدِ وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى مَكَانِهَا وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَشْهُودِ بِهِ. فَمَا يَرْجِعُ إلَى الشَّاهِدِ الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبَصَرُ وَالنُّطْقُ وَالْعَدَالَةُ لَكِنْ هِيَ شَرْطُ وُجُوبِ الْقَبُولِ عَلَى الْقَاضِي لَا جَوَازُهُ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَأَنْ لَا يَجُرَّ الشَّاهِدُ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَمَا يَرْجِعُ إلَى الشَّاهِدِ الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ إلَخْ) تَرَكَ السَّمْعَ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الشُّرُوحِ وَبِهِ تَصِيرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ
стр. 2277
عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِأَصْلِهِ وَالْأَصْلِ لِفَرْعِهِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَأَنْ لَا يَكُونَ خَصْمًا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِلْيَتِيمِ وَالْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمَشْهُودِ بِهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ ذَاكِرًا لَهُ فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ عَلَى خَطِّهِ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَأَمَّا مَا يَخُصُّ بَعْضَهَا فَالْإِسْلَامُ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَالذُّكُورَةُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ وَتَقَدُّمُ الدَّعْوَى فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَمُوَافَقَتُهَا لِلدَّعْوَى فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهَا فَإِنْ خَالَفَتْهَا لَمْ تُقْبَلْ إلَّا إذَا وَافَقَ الْمُدَّعِي عِنْدَ إمْكَانِهِ وَقِيَامُ الرَّائِحَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَكُنْ سَكْرَانًا لَا لِبُعْدِ مَسَافَةٍ وَالْأَصَالَةُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَتَعَذُّرُ حُضُورِ الْأَصْلِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَمَا يَرْجِعُ إلَى الشَّهَادَةِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدُ فِي الشَّهَادَةِ بِمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَاتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ وَمَا يَرْجِعُ إلَى مَكَانِهَا وَاحِدٌ وَهُوَ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ وَمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَشْهُودِ بِهِ قَدْ عُلِمَ مِنْ الشَّرَائِطِ الْخَاصَّةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ شَرَائِطَهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ: شَرَائِطُ التَّحَمُّلِ ثَلَاثَةٌ وَشَرَائِطُ الْأَدَاءِ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْهَا عَشْرُ شَرَائِطَ عَامَّةٌ وَمِنْهَا سَبْعَةُ شَرَائِطَ خَاصَّةٌ وَشَرَائِطُ نَفْسِ الشَّهَادَةِ ثَلَاثَةٌ وَشَرْطُ مَكَانِهَا وَاحِدٌ وَسَيَأْتِي صِفَةُ الشَّاهِدِ الَّذِي يَنْصِبُهُ الْقَاضِي شَاهِدًا لِلنَّاسِ، وَالرَّابِعُ سَبَبُ وُجُوبِهَا طَلَبُ ذِي الْحَقِّ أَوْ خَوْفُ فَوْتِ حَقِّهِ فَإِنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ وَخَافَ فَوْتَ الْحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ بِلَا طَلَبٍ. الْخَامِسُ حُكْمُهَا وُجُوبُ الْحُكْمِ عَلَى الْقَاضِي. السَّادِسُ فِي صِفَتِهَا تَحَمُّلًا وَأَدَاءً وَسَيَأْتِي. السَّابِعُ فِي بَيَانِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ قَبُولِهَا لِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ لَكِنْ لَمَّا شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ تَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ وَوَرَدَتْ النُّصُوصُ بِالِاسْتِشْهَادِ جُعِلَتْ مُوجِبَةً. الثَّامِنُ مَحَاسِنُهَا كَثِيرَةٌ مِنْهَا امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] وَهُوَ حَسَنٌ. التَّاسِعُ فِي دَلِيلِهَا وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. الْعَاشِرُ فِي أَهْلِهَا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الشَّرَائِطِ.
(قَوْلُهُ وَتَلْزَمُ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي) أَيْ وَيَلْزَمُ أَدَاؤُهَا الشَّاهِدَ إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعِي فَيَحْرُمُ كِتْمَانُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ الْكِتْمَانِ فَيَكُونُ أَمْرًا بِضِدِّهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ بِأَدَائِهَا وَلِذَا أَسْنَدَ الْإِثْمَ إلَى رَأْسِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ الْآلَةُ الَّتِي وَقَعَ بِهَا أَدَاؤُهَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى مَحَلِّهِ أَقْوَى مِنْ الْإِسْنَادِ إلَى كُلِّهِ فَقَوْلُهُ أَبْصَرْته بِعَيْنِي آكَدُ مِنْ قَوْلِهِ أَبْصَرْته وَفَسَّرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ الْكِتْمَانَ بِعَقْدِ الْقَلْبِ عَلَى تَرْكِ الْأَدَاءِ بِاللِّسَانِ وَفَسَّرَ الْبَغَوِيّ آثِمٌ بِفَاجِرٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَمْسَخُ قَلْبَهُ بِالْكِتْمَانِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَعِيدٌ أَشَدَّ مِنْهُ وَاسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ إيرَادَ نَهْيِ الْمَدِينِينَ عَنْ كِتْمَانِهَا كَمَا احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ نَهْيُ الشُّهُودِ قَالَ الْقَاضِي وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ أَيُّهَا الشُّهُودُ أَوْ الْمَدِينُونَ وَالشَّهَادَةُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ اهـ.
فَعَلَى الثَّانِي الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ كِتْمَانِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال عَلَى فَرْضِيَّتِهَا بِالْإِجْمَاعِ وَاحْتَمَلَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ تَلْزَمُ عَائِدٌ إلَى الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى تَحَمُّلِهَا لَا بِمَعْنَى أَدَائِهَا فَإِنَّ تَحَمُّلَهَا عِنْدَ الطَّلَبِ وَالتَّعْيِينِ فَرْضٌ كَمَا سَيَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهَا تَحَمُّلُهَا فَالنَّهْيُ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ الَّتِي مَرْجِعُهَا خِلَافُ الْأَوْلَى مُشْكِلٌ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] عَامٌّ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ لَكِنْ فِي التَّحَمُّلِ عَلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْحُضُورُ إلَيْهِمَا لِلْإِشْهَادِ وَلَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَيْنِ الْحُضُورُ إلَيْهِمَا وَفِي الْأَدَاءِ يَلْزَمُهُمَا الْحُضُورُ إلَى الْقَاضِي لَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْتِي إلَيْهِمَا لِيُؤَدِّيَا ثُمَّ قَالَ إنَّ الشَّهَادَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَتَتَعَيَّنُ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا شَاهِدَانِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِلتَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا يُقَالُ إنَّهَا تَلْزَمُ أَيْ تُفْتَرَضُ كِفَايَةً ثُمَّ صَرَّحَ بِأَنَّ عَلَيْهِمَا الْكِتَابَةَ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا إذَا كَانَ الْحَقُّ مُؤَجَّلًا وَإِلَّا فَلَا ثُمَّ إنَّمَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهَا بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ طَلَبُ الْمُدَّعِي فِيمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ وَخَافَ فَوْتَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ بِلَا طَلَبٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ شَرَائِطَهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ إلَخْ) هَذَا الْحَاصِلُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِمَا مَرَّ بَلْ الْمُوَافِقُ لَهُ أَنْ يُقَالَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ شَرَائِطَهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَرَائِطُ التَّحَمُّلِ ثَلَاثَةٌ وَشَرَائِطُ الْأَدَاءِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا شَرَائِطُ الشَّاهِدِ سَبْعَةَ عَشَرَ عَشَرَةٌ عَامَّةٌ وَسَبْعَةٌ خَاصَّةٌ وَمِنْهَا شَرَائِطُ نَفْسِ الشَّهَادَةِ ثَلَاثَةٌ وَشَرْطُ مَكَانِهَا وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَنَظَرَ فِيهِ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي هَذَا إعْلَامُ الْمُدَّعِي بِمَا يَشْهَدُ فَإِنْ طَلَبَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ وَإِلَّا لَا إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ حَقَّهُ
стр. 2278
لِكَوْنِهِ طَالِبًا لِأَدَائِهِ حُكْمًا وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِحُقُوقِ الْعِبَادِ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ أَجَابَ الْمَشَايِخُ فِي شُهُودٍ شَهِدُوا بِالْحُرْمَةِ الْمُغَلَّظَةِ بَعْدَمَا أَخَّرُوا شَهَادَتَهُمْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إنْ كَانُوا عَالِمِينَ بِأَنَّهُمَا يَعِيشَانِ عَيْشَ الْأَزْوَاجِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْعَلَاءِ الْحَمَّامِيِّ وَالْخَطِيبِ الْأَنْمَاطِيِّ وَكَمَالِ الْأَئِمَّةِ الْبَيَّاعِيِّ شَهِدُوا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ لَا تُقْبَلُ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِعَيْشِهِمْ عَيْشَ الْأَزْوَاجِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَجَابُوا كَذَلِكَ فِي جِنْسِ هَذَا وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهُمْ بِعُذْرٍ تُقْبَلُ مَاتَ عَنْ امْرَأَةٍ وَوَرَثَةٍ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ كَانَ أَقَرَّ بِحُرْمَتِهَا حَالَ صِحَّتِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ حَالَ حَيَاتِهِ لَا تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ وَسَكَتُوا؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقُوا إلَى آخِرِ مَا فِيهَا.
الثَّانِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا لَا يَلْزَمُهُ. الثَّالِثُ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأَنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَأَدَّى غَيْرُهُ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَقُبِلَتْ لَمْ يَأْثَمْ بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّى غَيْرُهُ وَلَمْ تُقْبَلْ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ مِمَّنْ يُقْبَلُ يَأْثَمُ بِامْتِنَاعِهِ وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ أَسْرَعَ قَبُولًا مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ أَسْرَعَ وَجَبَ الْأَدَاءُ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. الرَّابِعُ أَنْ لَا يُخْبِرَ عَدْلَانِ بِبُطْلَانِ الْمَشْهُودِ بِهِ فَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ الشَّاهِدِ عَدْلَانِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَبَضَ دَيْنَهُ أَوْ أَنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالدَّيْنِ وَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْقَتْلِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُخْبِرُ عُدُولًا فَالْخِيَارُ لِلشُّهُودِ إنْ شَاءُوا شَهِدُوا بِالدَّيْنِ وَأَخْبَرُوا الْقَاضِيَ بِخَبَرِ الْقَضَاءِ وَإِنْ شَاءُوا امْتَنَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ.
كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا عَدْلًا لَا يَسَعُهُ تَرْكُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَكَذَا لَوْ قَالَا عَايَنَّا إرْضَاعَهُمَا مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَا لَوْ عَايَنَا وَاحِدًا يَتَصَرَّفُ فِي شَيْءٍ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ وَشَهِدَ عَدْلَانِ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لِفُلَانٍ آخَرَ لَا يَشْهَدَانِ أَنَّهُ لِلْمُتَصَرِّفِ بِخِلَافِ إخْبَارِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ ذِي الْيَدِ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا عَلِمَ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِهِمَا كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا وَفِيهَا فِي الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ إذَا شَهِدَ عِنْدَك عَدْلَانِ بِخِلَافِ مَا سَمِعْته مِمَّنْ وَقَعَ فِي قَلْبِك صِدْقُهُ لَمْ يَسَعْ لَك الشَّهَادَةُ إلَّا إذَا عَلِمْت يَقِينًا أَنَّهُمَا كَاذِبَانِ وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَك عَدْلٌ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ فِي قَلْبِك مِنْ سَمَاعِ الْخَبَرِ لَك أَنْ تَشْهَدَ بِالْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِك صِدْقُ الْوَاحِدِ فِي الْأَمْرِ الثَّانِي اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءَانِ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى. الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي الَّذِي طَلَبَ الشَّاهِدَ لِلْأَدَاءِ عِنْدَهُ عَدْلًا لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَأَجَابَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ فِيمَنْ لَهُ شَهَادَةٌ فَرُفِعَتْ إلَى قَاضِي غَيْرِ عَدْلٍ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْأَدَاءِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضٍ عَدْلٍ اهـ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي السِّرَاجِيَّةِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يُقْبَلُ وَيُجْرَحُ اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقْبَلُهُ لِشُهْرَتِهِ مَثَلًا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ وَكَذَا الْمُعَدِّلُ لَوْ سَأَلَ عَنْ الشَّاهِدِ فَأُخْبِرَ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَدِّلَهُ عِنْدَهُ وَهِيَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ.
السَّادِسُ أَنْ لَا يَقِفَ الشَّاهِدُ عَلَى أَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ خَوْفًا فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَا يَشْهَدُ فَإِنْ قَالَ الْمُقِرُّ أَقْرَرْت خَوْفًا وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ سُلْطَانًا فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ عَوْنٍ مِنْ أَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ بِخَوْفِهِ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ عَوْنٍ مِنْ أَعْوَانِ السُّلْطَانِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. السَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الشَّاهِدِ قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَغْدُوَ إلَى الْقَاضِي لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَيَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ قَالُوا لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ لِلرُّكُوبِ فَأَرْكَبَهُ الْمُدَّعِي مِنْ عِنْدِهِ قَالُوا لَا بَأْسَ بِهِ وَتُقْبَلُ بِهِ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِكْرَامِ لِلشُّهُودِ وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ» وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ وَأَرْكَبَهُ الْمُدَّعِي مِنْ عِنْدِهِ قَالُوا لَا تُقْبَلُ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَفِي الْقُنْيَةِ الشُّهُودُ فِي الرُّسْتَاقِ وَاحْتِيجَ إلَى أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ هَلْ يَلْزَمُهُمْ كِرَاءُ الدَّابَّةِ قَالَ لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَلَكِنِّي سَمِعْت مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ وَضَعَ لِلشُّهُودِ طَعَامًا فَأَكَلُوا إنْ كَانَ مُهَيَّأً مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ تُقْبَلُ وَإِنْ صَنَعَهُ لِأَجْلِهِمْ لَا تُقْبَلُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا تُقْبَلُ فِيهِمَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تُقْبَلُ فِيهِمَا لِلْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بِإِطْعَامِ مَنْ حَلَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ أَسْرَعَ وَجَبَ الْأَدَاءُ إلَخْ) فِيهِ تَأَمُّلٌ مَقْدِسِيٌّ وَكَأَنَّهُ لِعَدَمِ ظُهُورِ وَجْهِ الْوُجُوبِ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِهِ الْحَقُّ حَمَوِيٌّ كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَلَكِنَّهُ بَحَثَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْقُولِ فَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ السَّادِسُ أَنْ لَا يَقِفَ الشَّاهِدُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَكَذَا إذَا خَافَ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا وَسِعَهُ الِامْتِنَاعُ اهـ.
стр. 2279
مَحَلَّ الْإِنْسَانِ مِمَّنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ شَاهِدًا أَوْ لَا وَيُؤْنِسُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْإِهْدَاءَ إذَا كَانَ بِلَا شَرْطٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ تَجُوزُ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَدَاءَ فَرْضٌ بِخِلَافِ الذَّهَابِ إلَى الْأَمِيرِ اهـ.
وَجَزَمَ فِي الْمُلْتَقَطِ بِالْقَبُولِ مُطْلَقًا وَفِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لِلْمُصَنِّفِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ ﵀ إلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا لَزِمَهُ الْأَدَاءُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ فَلَمْ يُؤَدِّ بِلَا عُذْرٍ ظَاهِرٍ ثُمَّ أَدَّى فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِتَمَكُّنِ التُّهْمَةِ فِيهِ إذْ يُمْكِنُ أَنَّ تَأْخِيرَهُ لِعُذْرٍ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ لِاسْتِجْلَابِ الْأُجْرَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ وَالْوَجْهُ الْقَبُولُ وَيُحْمَلُ عَلَى الْعُذْرِ مِنْ نِسْيَانٍ ثُمَّ تَذَكُّرٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ.
وَإِلَى أَنَّ التَّحَمُّلَ كَالْأَدَاءِ فَيَلْزَمُ عِنْدَ خَوْفِ الضَّيَاعِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَتَحَمُّلِهَا، طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَكْتُبَ شَهَادَتَهُ أَوْ يَشْهَدَ عَلَى عَقْدٍ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ الْأَدَاءُ إنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ فَلَهُ الِامْتِنَاعُ وَإِلَّا لَا اهـ.
وَفِي الْمُلْتَقَطِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْمُدَايَنَاتِ وَالْبُيُوعِ فَرْضٌ كَذَا رَوَاهُ نَصِيرٌ اهـ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْمُبَايَعَاتِ وَالْمُدَايَنَاتِ مَنْدُوبٌ إلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ كَالْخُبْزِ وَالْمَاءِ وَالْبَقْلِ وَأَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ حَتَّى فِي الْبَقْلِ
(قَوْلُهُ وَسَتْرُهَا فِي الْحُدُودِ أَحَبُّ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِلَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ «لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» وَالْمُخَاطَبُ هَزَّالٌ وَالضَّمِيرُ فِي سَتَرْته لِمَاعِزٍ ﵁ وَتَعَقَّبَ الِاسْتِدْلَالَ بِذَلِكَ فَإِنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ بِالزِّنَا وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا هَزَّالٌ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَزَّالٍ ذَلِكَ قَالَ لَمْ أَدْرِ أَنَّ فِي الْأَمْرِ سَعَةً وَلِلْحَدِيثِ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ تَلْقِينِ الدَّرْءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ السَّتْرِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ: أَحَبُّ أَنَّ عَدَمَهُ جَائِزٌ إقَامَةً لِلْحِسِّيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْفَسَادِ أَوْ تَقْلِيلِهِ فَكَانَ حَسَنًا وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] الْآيَةَ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ إيمَانِهِمْ وَذَلِكَ صِفَةُ الْكَافِرِ وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّاهِدِ ارْتِفَاعُهَا لَا إشَاعَتُهَا وَكَذَا لَا يُعَارِضُ أَفْضَلِيَّةَ السَّتْرِ آيَةُ النَّهْيِ عَنْ كِتْمَانِهَا لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذْ الْحُدُودُ لَا مُدَّعِيَ فِيهَا وَرُدَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهَا فِي الدُّيُونِ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّازِيّ أَوْ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِأَحَادِيثِ السَّتْرِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
فَإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ صَحَّ لَك الْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ عَامِّ الْكِتَابِ بِهَذِهِ وَهِيَ أَخْبَارُ آحَادٍ وَأَيْضًا شَرْطُ التَّخْصِيصِ عِنْدَكُمْ الْمُقَارَنَةُ وَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ لَك ذَلِكَ قُلْتُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي طَلَبِ السَّتْرِ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا يَنْحَطُّ بِهَا عَنْ دَرَجَةِ الشُّهْرَةِ لِتَعَدُّدِ مُتُونِهَا مَعَ قَبُولِ الْأُمَّةِ لَهَا فَصَحَّ التَّخْصِيصُ بِهَا أَوْ هِيَ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَخْيِيرِ الشَّاهِدِ فِي الْحُدُودِ فَثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ دَلِيلُ ثُبُوتِ الْمُخَصِّصِ.
وَأَمَّا الْمُقَارَنَةُ فَإِنَّمَا هِيَ شَرْطُ التَّخْصِيصِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهَذَا التَّخْصِيصُ الَّذِي ادَّعَيْنَاهُ لَيْسَ بِذَلِكَ بَلْ هُوَ جَمْعٌ لِلْمُعَارَضَةِ عَلَى مَا كَتَبْنَاهُ فِي التَّعَارُضِ فِي كِتَابِ تَحْرِيرِ الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ إذَا تَعَارَضَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِهِ فَإِذَا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَضَمَّنَ الْحُكْمُ مِنَّا بِأَنَّهُ كَانَ مُقَارِنًا أَوْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخَصِّصَاتٍ أُوَلُ كَمَا إذَا رَجَّحْنَا فِي التَّعَارُضِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُبِيحِ وَثَبَتَ صِحَّتُهَا تَضَمَّنَ حُكْمُنَا بِأَنَّ الْمُبِيحَ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمُحَرَّمِ فَنَسَخَ حُكْمُ الْوُجُوبِ تَرْجِيحَ الْمُحَرَّمِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَقَدُّمَهُ بِعِلْمِ تَارِيخِهِ وَكَثِيرًا مَا يَعْتَرِضُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّارِحِينَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَحْكُومِ فِيهَا بِالتَّخْصِيصِ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَلَا يَثْبُتُ التَّخْصِيصُ وَمُرَادُهُمْ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ مَا ذَكَرْنَا هَذَا كُلُّهُ إذَا نَظَرْنَا إلَى مُجَرَّدِ إطْلَاقِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ شَارِحُهَا الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ نَقْلًا عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُحِيطِ لِلْخَبَّازِيِّ أَخْرَجَ الشُّهُودَ إلَى ضَيْعَةٍ اشْتَرَاهَا فَاسْتَأْجَرَ لَهُمْ دَوَابَّ لِيَرْكَبُوهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةُ الْمَشْيِ وَلَا طَاقَةُ الْكَرْيِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ أَكَلَ طَعَامًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الْجَوَابُ فِي الرُّكُوبِ مَا قَالَ أَمَّا فِي الطَّعَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ لَهُ هَيَّأَ طَعَامَهُ لِلشَّاهِدِ بَلْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ فَقَدَّمَهُ إلَيْهِمْ وَأَكَلُوهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ هَيَّأَ لَهُمْ طَعَامًا فَأَكَلُوهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ هَذَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ لِلِاسْتِشْهَادِ وَهَيَّأَ لَهُمْ طَعَامًا أَوْ بَعَثَ لَهُمْ دَوَابَّ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمِصْرِ فَرَكِبُوا وَأَكَلُوا طَعَامَهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ الثَّانِي فِي الرُّكُوبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَتُقْبَلُ فِي أَكْلِ الطَّعَامِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تُقْبَلُ فِيهِمَا وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الثَّانِي لِجَرْيِ الْعَادَةِ بِهِ سِيَّمَا فِي الْأَنْكِحَةِ وَنَثْرِ السُّكَّرِ وَالدَّرَاهِمِ وَلَوْ كَانَ قَادِحًا فِي الشَّهَادَةِ لَمَا فَعَلُوهُ كَذَا فِي الْفَجْرِيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ وَعِنْدِي أَنَّ الْوَجْهَ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِيَّمَا وَقَدْ فَسَدَ الزَّمَانُ وَعَلِمَ مِنْ حَالِ الشُّهُودِ التَّوَقُّفَ وَهَذَا مُطْلَقٌ عَنْ مَسَائِلِ الْفُرُوجِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ حِرْفَةٍ لَا يَتَوَجَّهُ فِيهَا تَأْوِيلٌ (قَوْلُهُ وَفِي الْمُلْتَقَطِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْمُدَايَنَاتِ وَالْبُيُوعِ فَرْضٌ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْمُدَايَنَةِ وَالْبَيْعِ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ إلَّا إذَا كَانَ شَيْئًا حَقِيرًا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفَ وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ مَنْدُوبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ.
стр. 2280
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَمَّا إذَا قَيَّدْنَاهُ بِمَا إذَا دُعُوا لِلشَّهَادَةِ فِي الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْآيَةِ فَظَاهِرٌ. اهـ.
وَالْأَخِيرُ مَرْدُودٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ وَإِذَا كَانَ السَّتْرُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِهِ خِلَافَ الْأَوْلَى الَّتِي مَرْجِعُهَا إلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ النَّدْبِ فِي جَانِبِ الْفِعْلِ وَكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ فِي جَانِبِ التَّرْكِ وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدْ الزِّنَا وَلَمْ يَتَهَتَّكْ بِهِ أَمَّا إذَا وَصَلَ الْحَالُ إلَى إشَاعَتِهِ وَالتَّهَتُّكِ بِهِ بَلْ بَعْضُهُمْ رُبَّمَا افْتَخَرَ بِهِ فَيَجِبُ كَوْنُ الشَّهَادَةِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا؛ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الشَّارِعِ إخْلَاءُ الْأَرْضِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْفَوَاحِشِ بِالْخِطَابَاتِ الْمُفِيدَةِ لِذَلِكَ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْغَافِلِينَ وَبِالزَّجْرِ لَهُمْ فَإِذَا ظَهَرَ حَالُ الشُّهْرَةِ فِي الزِّنَا مَثَلًا وَالشُّرْبِ وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِهِ وَإِشَاعَتُهُ فَإِخْلَاءُ الْأَرْضِ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ بِالتَّوْبَةِ احْتِمَالٌ يُقَابِلُهُ ظُهُورُ عَدَمِهَا مِمَّنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَيَجِبُ تَحْقِيقُ السَّبَبِ الْآخَرِ لِلْإِخْلَاءِ وَهُوَ الْحُدُودُ خِلَافُ مَنْ زَنَى مَرَّةً أَوْ مِرَارًا مُسْتَتِرًا مُتَخَوِّفًا مُتَنَدِّمًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ سَتْرِ الشَّاهِدِ وَقَوْلُهُ ﵊ لِهَزَّالٍ فِي مَاعِزٍ لَوْ كُنْت سَتَرْته بِثَوْبِك الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي كَانَ فِي مِثْلِ مَنْ ذَكَرْنَا وَعَلَى هَذَا ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِمَنْزِلَةِ الْغَيْبَةِ فِيهِ فَيَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنْهَا وَيَحِلُّ مِنْهُ مَا يَحِلُّ مِنْهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَقُولُ فِي السَّرِقَةِ أُخِذَ لَا سُرِقَ) إحْيَاءً لِحَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَلَا يَقُولُ سُرِقَ مُحَافَظَةً عَلَى السَّتْرِ وَلِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ السَّرِقَةُ لَوَجَبَ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ لَا يُجَامِعُ الْقَطْعَ فَلَا يَحْصُلُ إحْيَاءُ حَقِّهِ وَصَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ قَوْلَهُ أُخِذَ أَوْلَى مِنْ سُرِقَ وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ وَجَبَ أَنْ يَقُولَ أُخِذَ عَلَى مَعْنَى ثَبَتَ لَا الْوُجُوبِ الْفِقْهِيِّ وَقَوْلُهُ فِي الْعِنَايَةِ فَتَعَيُّنُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ أَيْ أَنْ يَقُولَ سُرِقَ تَسَامُحٌ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَفْضَلِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا جَائِزٌ وَحَكَى الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ كَانَ مَعَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ وَفِيهِمْ أَبُو يُوسُفَ فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ بِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ مِنْ بَيْتِهِ فَأَقَرَّ بِالْأَخْذِ فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ فَأَفْتَوْا بِقَطْعِ يَدِهِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِالسَّرِقَةِ وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِالْأَخْذِ فَادَّعَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ سَرَقَ فَأَقَرَّ بِهَا فَأَفْتَوْا بِالْقَطْعِ وَخَالَفَهُمْ أَبُو يُوسُفَ فَقَالُوا لَهُ لِمَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ أَوَّلًا بِالْأَخْذِ وَثَبَتَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْقَطْعُ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بَعْدَهُ بِمَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْهُ فَعَجِبُوا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَشَرَطَ لِلزِّنَا أَرْبَعَةَ رِجَالٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وَلَفْظُ أَرْبَعَةٍ نَصٌّ فِي الْعَدَدِ وَالذُّكُورَةِ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَأَوْرَدَ إنَّكُمْ لَا تَقُولُونَ بِالْمَفْهُومِ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ عَدَمُ جَوَازِ الْأَقَلِّ فَأَجَابَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ وَأَوْرَدَ الْمُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ وَأَجَابَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهَا مُبِيحَةٌ وَتِلْكَ مَانِعَةٌ وَالتَّقْدِيمُ لِلْمَانِعِ وَقَدَّمْنَا فِي الْحُدُودِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الزَّوْجِ أَحَدَهُمْ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ أَنْ يَقْذِفَهَا الزَّوْجُ أَوَّلًا ثُمَّ يَشْهَدَ مَعَ ثَلَاثَةٍ وَأَنْ يَشْهَدَ مَعَهُمْ عَلَى زِنَاهَا بِابْنِهِ مُطَاوَعَةً ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِتْقَ الْمُعَلَّقَ بِالزِّنَا يَقَعُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَحُدَّ الْمَوْلَى وَيُسْتَحْلَفُ الْمَوْلَى إذَا أَنْكَرَهُ لِلْعِتْقِ وَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَأَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ اعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ ابْنُ زَوْجِهَا وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ وَلِإِحْدَاهُمَا خَمْسُ بَنِينَ فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَخِيهِمْ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةِ أَبِيهِمْ تُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَ الْأَبُ مُدَّعِيًا أَوْ كَانَتْ أُمُّهُمْ حَيَّةً.
(قَوْلُهُ وَلِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ رَجُلَانِ) أَيْ وَشَرَطَ لَهَا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيهَا لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ» وَلِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَقِيقَةُ الْبَدَلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِالْبَدَلِ مَعَ إمْكَانِ الْأَصْلِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ مَعَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِشَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَهُوَ يَرَاهُ أَوْ لَا يَرَاهُ ثُمَّ رُفِعَ إلَى آخَرَ أَمْضَاهُ اهـ.
ــ
[منحة الخالق]
[سَتْر الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُود]
(قَوْلُهُ وَحَكَى الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي التَّفْسِيرِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مَالِي أَوْ دَابَّتِي تُسْمَعُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْأَخْذِ اهـ. ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ
[شَرَطَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا أَرْبَعَةَ رِجَالٍ]
(قَوْلُهُ وَأَوْرَدَ الْمُعَارَضَةَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عِبَارَةُ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] فَقَبُولُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ ثَلَاثَةٍ مُخَالِفٌ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ الْعَدَدِ وَالْمَعْدُودِ وَغَايَةُ الْأَمْرِ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ عُمُومٍ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَبَيْنَ هَذِهِ فَتُقَدَّمُ هَذِهِ؛ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ وَتِلْكَ مُبِيحَةٌ اهـ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ وَالْإِيهَامِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ رَجُلَانِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَالْعُضْوِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ أَوْ بِقَتْلٍ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ مُوجِبَ هَذِهِ الْجِنَايَةِ الْمَالُ فَقَبِلَ فِيهِ شَهَادَةَ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ. اهـ.
أَقُولُ: عُلِمَ بِهِ قَبُولُ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي طَرَفِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَكُلِّ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ وَكَانَ مُوجِبُهُ الْمَالَ وَيُعْلَمُ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْوَقَائِعِ الْحَالِيَّةِ.
стр. 2281
وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إنْ لَمْ يَشْهَدَا حَالَ كَوْنِهِمَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَلَوْلَا هَذَا التَّأْوِيلُ لَمَا اُعْتُبِرَ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ وَشَهَادَتُهُنَّ مُعْتَبَرَةٌ مَعَهُمْ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ حَتَّى إذَا شَهِدَ رِجَالٌ وَنِسْوَةٌ بِشَيْءٍ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْكُلِّ حَتَّى يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى الْكُلِّ عِنْدَ الرُّجُوعِ اهـ.
وَذَكَرَ الْبِقَاعِيُّ فِي الْمُنَاسَبَاتِ مَعْزِيًّا إلَى الْحَرَّانِيِّ وَفِي عُمُومِ مَعْنَى الْكَوْنِ إشْعَارٌ بِتَطَرُّقِ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ إمْكَانِ طَلَبِ الرَّجُلِ بِوَجْهٍ مَا مِنْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ قَالَ إنْ شَرِبْت الْخَمْرَ فَمَمْلُوكِي حُرٌّ فَشَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ عَتَقَ الْعَبْدُ وَلَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَا مَجَالَ لَهَا فِي الْحُدُودِ وَلَوْ قَالَ إنْ سَرَقْت مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا فَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَيَعْتِقَ الْعَبْدُ وَلَا يُقْطَعُ اهـ.
وَعَزَا الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْخَانِيَّةِ إلَى أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَالَ وَالْفَتْوَى فِيهِمَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ فِي مَسْأَلَةِ السَّرِقَةِ أَضْمَنُهُ وَلَا أُعْتِقُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِأَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ فَأَعْتَقَهُ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَمَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْكُلُّ ضَمِنَ شَاهِدَا الْإِعْتَاقِ قِيمَتَهُ لِمَوْلَاهُ وَشُهُودُ الزِّنَا دِيَتَهُ لِمَوْلَاهُ أَيْضًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ وَلِلْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رَجُلٌ امْرَأَةٌ) أَيْ وَشَرْطُ امْرَأَةٍ أَيْ شَهَادَتِهَا لِلْحَدِيثِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرَ إلَيْهِ وَالْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ فَيَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ وَهُوَ الْوَاحِدُ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ الذُّكُورَةُ لِيَخِفَّ النَّظَرُ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ أَخَفُّ فَكَذَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْمَثْنَى وَالثَّلَاثَ أَحْوَطُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ ثُمَّ حُكْمُهَا فِي الْوِلَادَةِ شَرَحْنَاهُ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَفِي الْبَكَارَةِ شَرَحْنَاهُ فِي بَابِ الْعِنِّينِ مِنْ أَنَّهُنَّ إنْ شَهِدْنَ بِبَكَارَتِهَا يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً وَيُفَرَّقُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ إذْ الْبَكَارَةُ أَصْلٌ وَكَذَا فِي رَدِّ الْبَيْعِ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ وَإِنْ قُلْنَ إنَّهَا ثَيِّبٌ يَحْلِفُ الْبَائِعُ لِيَنْضَمَّ نُكُولُهُ إلَى قَوْلِهِنَّ وَالْعَيْبُ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِنَّ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْعَيْبُ بِقَوْلِهِنَّ لَمْ يَحْلِفْ الْبَائِعُ بَلْ نَرُدُّ عَلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَكَيْفَ يَكُونُ تَحْلِيفُ الْبَائِعِ نَتِيجَةً لِثُبُوتِ الْعَيْبِ فِي الْجَارِيَةِ بَلْ ثُبُوتُ الْعَيْبِ بِقَوْلِهِنَّ يَثْبُتُ الرَّدُّ لَا التَّحْلِيفُ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِقَوْلِهِنَّ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى وَفِي حَقِّ التَّحْلِيفِ إذْ لَوْلَا شَهَادَتُهُنَّ لَمْ يَحْلِفْ الْبَائِعُ وَكَانَ الْقَوْلُ لَهُ بِلَا يَمِينٍ لِتَمَسُّكِهِ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْبَكَارَةُ اهـ.
وَظَاهِرُ اقْتِصَارِهِ عَلَى الثَّلَاثَةِ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَ الْمَرْأَةِ بَلْ النِّسَاءِ لَا يُقْبَلُ فِي غَيْرِهَا وَلَكِنْ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ نِسْوَةٌ عُدُولٌ أَنَّهَا امْرَأَةُ فُلَانٍ أَوْ ابْنَتُهُ وَسِعَتْهُ الشَّهَادَةُ اهـ.
وَفِيهَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ الْمَرْأَةِ وَلَا تُقْبَلُ تَرْجَمَتُهَا وَأَطْلَقَ فِي الْوِلَادَةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الشَّهَادَةُ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فِي حَقِّ الْإِرْثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رَجُلٌ إنْ كَانَ قَيْدًا فِي الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ رُجُوعَهُ إلَى الْأَخِيرِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْإِرْثِ أَيْضًا وَبِقَوْلِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَهُوَ أَرْجَحُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَقَدَّمَتْ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رَجُلٌ إلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ شَهِدَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَيْ وَشَرَطَ امْرَأَةً أَيْ شَهَادَتَهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهَا لِثُبُوتِ سَمَاعِ الدَّعْوَى لَا لِثُبُوتِ الرَّدِّ بِهَا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَفِيمَا لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْقَرَنِ وَالرَّتْقِ وَنَحْوِهِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ وَآخِرُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ عَيْبٌ لَا يَحْدُثُ تُرَدُّ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَالْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ وَالْمَرْأَتَانِ سَوَاءٌ وَالْمَرْأَتَانِ أَوْثَقُ، وَأَمَّا الْحَبَلُ فَيَثْبُتُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ فِي حَقِّ الْخُصُومَةِ وَلَا تُرَدُّ بِشَهَادَتِهِنَّ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ اقْتِصَارِهِ عَلَى الثَّلَاثَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَالْوِلَادَةُ وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْبَكَارَةُ وَعُيُوبُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ اهـ.
فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ وَعُيُوبُ النِّسَاءِ الْحَبَلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يُرَدُّ بِهَا الْمَبِيعُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رَجُلٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْمُعْتَدَّةُ إنْ جَحَدَتْ وِلَادَتَهَا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إلَخْ أَنَّهُ أَفَادَ بِقَوْلِهِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ قَبُولَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ عَلَى الْوِلَادَةِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَنَّهُمْ لَا يَفْسُقُونَ بِالنَّظَرِ إلَى عَوْرَتِهَا إمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ نَظَرٍ وَلَا تَعَمُّدٍ أَوْ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي شُهُودِ الزِّنَا وَفِي مِنَحِ الْغَفَّارِ نَقْلًا عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا وَإِنْ قَالَ تَعَمَّدْت النَّظَرَ إلَيْهَا. اهـ.
وَأَقُولُ: فَثَبَتَ الْخِلَافُ فِي التَّعَمُّدِ ظَاهِرٌ أَوْ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ النَّافِي عَلَى التَّعَمُّدِ لَا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَالْمُثْبِتِ عَلَى التَّعَمُّدِ لَهَا إحْيَاءً لِلْحُقُوقِ بِإِيصَالِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا بِوَاسِطَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَفِي كَلَامِهِمْ نَوْعُ إشَارَةٍ إلَيْهِ وَرُبَّمَا أَفْهَمَ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ شُهُودُ الزِّنَا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ قُبِلَتْ أَرْجَحِيَّةُ الْقَبُولِ وَأَيْضًا عِبَارَتُهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا قَالَ تَعَمَّدْت النَّظَرَ قَالَ بَعْضُهُمْ تُقْبَلُ كَمَا فِي الزِّنَا لِطَرْحِهِ ذِكْرَ مُقَابِلِهِ وَقِيَاسِهِ عَلَى الزِّنَا وَالرَّاجِحُ فِيهِ الْقَبُولُ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَا إذَا دُعِيَ إلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا يَشْتَهِي فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ لَا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ ذَلِكَ
стр. 2282
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَالَ تَعَمَّدْت النَّظَرَ أَمَّا إذَا شَهِدَ بِالْوِلَادَةِ وَقَالَ فَاجَأْتُهَا فَاتَّفَقَ نَظَرِي عَلَيْهَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكَافِرَةِ وَالْمَمْلُوكَةِ وَإِنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ.
(قَوْلُهُ وَلِغَيْرِهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لِلْآيَةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَالَ وَغَيْرَهُ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْقَبُولُ لِوُجُودِ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الْمُشَاهَدَةُ وَالضَّبْطُ وَالْأَدَاءُ وَنُقْصَانُ الضَّبْطِ بِزِيَادَةِ النِّسْيَانِ انْجَبَرَ بِضَمِّ الْأُخْرَى إلَيْهَا فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الشُّبْهَةُ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَهَذِهِ الْحُقُوقُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ وَإِنَّمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعِ مِنْ غَيْرِ رَجُلٍ كَيْ لَا يَكْثُرَ خُرُوجُهُنَّ وَحُكِيَ أَنَّ أُمَّ بِشْرٍ شَهِدَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَقَالَ الْحَاكِمُ فَرِّقُوا بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ لَيْسَ لَك ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَسَكَتَ الْحَاكِمُ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَقَدْ حَقَّقَ الْأَكْمَلُ فِي الْعِنَايَةِ هُنَا تَحْقِيقًا حَسَنًا كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فَقَالَ لَا نُقْصَانَ فِي عَقْلِهِنَّ فِيمَا هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ وَبَيَانُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ: الْأُولَى اسْتِعْدَادُ الْعَقْلِ وَيُسَمَّى الْعَقْلُ الْهَيُولَانِيُّ وَهُوَ حَاصِلٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَبْدَأِ فِطْرَتِهِمْ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُحَصِّلَ الْبَدِيهِيَّاتِ بِاسْتِعْمَالِ الْحَوَاسِّ فِي الْجُزْئِيَّاتِ فَتَتَهَيَّأَ لِاكْتِسَابِ الْفِكْرِيَّاتِ وَيُسَمَّى الْعَقْلَ بِالْمَلَكَةِ وَهُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَالثَّالِثَةُ أَنْ تُحَصِّلَ النَّظَرِيَّاتِ الْمَفْرُوغَ عَنْهَا مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى اكْتِسَابٍ بِالْفِكْرَةِ وَيُسَمَّى الْعَقْلَ بِالْفِعْلِ، وَالرَّابِعَةُ هُوَ أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا وَيَلْتَفِتَ إلَيْهَا مُشَاهَدَةً وَيُسَمَّى الْعَقْلَ الْمُسْتَفَادَ وَلَيْسَ فِيمَا هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ مِنْهَا وَهُوَ الْعَقْلُ بِالْمَلَكَةِ فِيهِنَّ نُقْصَانٌ بِمُشَاهَدَةِ حَالِهِنَّ فِي تَحْصِيلِ الْبَدِيهِيَّاتِ بِاسْتِعْمَالِ الْحَوَاسِّ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَبِالنِّسْبَةِ إنْ ثَبَتَتْ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ نُقْصَانٌ لَكَانَ تَكْلِيفُهُنَّ دُونَ تَكْلِيفِ الرِّجَالِ فِي الْأَرْكَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ «نَاقِصَاتُ عَقْلٍ» الْمُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ بِالْفِعْلِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْنَ لِلْوِلَايَةِ وَالْخِلَافَةِ وَالْإِمَارَةِ اهـ.
وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ التَّوْضِيحِ وَمِثْلُ الْأَوَّلِ فِي التَّلْوِيحِ بِقُوَّةِ الطِّفْلِ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالثَّانِي بِاسْتِعْدَادِ الرَّجُلِ الْأُمِّيِّ لِلْكِتَابَةِ وَالثَّالِثُ بِاسْتِعْدَادِ الْقَادِرِ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالرَّابِعُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْكِتَابَةِ حَالَةَ الْكِتَابَةِ أُورِدَتْ عَلَى قَوْلِهِ وَلِغَيْرِهَا الشَّهَادَةُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ وَكَأَنَّهُ لِكَوْنِهَا تَجُرُّ إلَى قَتْلِهِ إذَا أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِالرَّجُلِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ امْرَأَةً فَإِنَّهَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِإِسْلَامِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ إذَا كَانَ رَجُلًا لَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الْكُفَّارِ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِرِدَّةِ الْمُسْلِمِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ مِنْ السِّيَرِ.
(قَوْلُهُ لِلْكُلِّ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَالَةِ) أَيْ وَشَرَطَ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا لَفْظَ أَشْهَدُ بِالْمُضَارِعِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَهَا وَقَدَّمْنَا أَنَّ لَفْظَهَا رُكْنٌ فَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِيَشْمَلَ الرُّكْنَ وَالشَّرْطَ وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِهَا فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلْعِرَاقِيِّينَ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ لَا الشَّهَادَةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا الْحُرِّيَّةُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطٍ آخَرَ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَهُوَ التَّفْسِيرُ حَتَّى لَوْ قَالَ أَشْهَدُ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ لَا تُقْبَلُ وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ مِثْلَ شَهَادَةِ صَاحِبِي لَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْخَصَّافِ وَعِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا تُقْبَلُ وَقَيَّدَهُ الْأُوزْجَنْدِيُّ بِمَا إذَا قَالَ لِهَذَا الْمُدَّعِي عَلَى هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنْ كَانَ فَصِيحًا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ وَإِنْ كَانَ عَجَمِيًّا يُقْبَلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ إنْ اُسْتُفْسِرَ بَيَّنَ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ إنْ أَحَسَّ الْقَاضِي بِخِيَانَتِهِ كَلَّفَهُ التَّفْسِيرَ وَإِلَّا لَا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلُهُ فَقَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ بِمَا ادَّعَاهُ هَذَا الْمُدَّعِي عَلَى هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ قَالَ الْمُدَّعِي فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ يَصِحُّ عِنْدَنَا اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرَهُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ كَلَفْظِ الشَّهَادَةِ تَسْوِيَةً مِنْهُمْ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ شَرْطٌ
ــ
[منحة الخالق]
ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ.
(قَوْلُهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَالَ وَغَيْرَهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَالشَّهَادَةُ عَلَى قَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ مِنْ قَبِيلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَالِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ أَوْ بِقَتْلٍ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ تُقْبَلُ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ.
стр. 2283
لِصِحَّةِ الْأَدَاءِ بَلْ رُكْنُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا ظُهُورُهَا شَرْطُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ صَحَّ عِنْدَنَا زَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَانَ الْقَاضِي عَاصِيًا قَالَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا كَانَ وَجِيهًا فِي النَّاسِ كَمُبَاشِرِي السُّلْطَانِ وَالْمَكَسَةِ وَغَيْرِهِمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْجَرُ لِشَهَادَةِ الزُّورِ لِوَجَاهَتِهِ وَيَمْتَنِعُ عَنْ الْكَذِبِ لِمُرُوءَتِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ لِمُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ اهـ.
وَفَسَّرَ فِي الْعِنَايَةِ الْوَجِيهَ بِأَنْ يَكُونَ ذَا قَدْرٍ وَشَرَفٍ وَفَسَّرَ الْمُرُوءَةَ بِالْإِنْسَانِيَّةِ قَالَ وَالْهَمْزَةُ وَتَشْدِيدُ الْوَاوِ فِيهِمَا لُغَتَانِ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْقُنْيَةِ شَارِبُ الْخَمْرِ يَسْتَحْيِ وَيَرْتَدِعُ إذَا زُجِرَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَتَهُ إنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وَتَحَرَّى فِي مَقَالَتِهِ فَوَجَدَهُ صَادِقًا اهـ. مَحْمُولٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(قَوْلُهُ وَسَأَلَ عَنْ الشُّهُودِ سِرًّا وَعَلَنًا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ) أَيْ وَسَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُجَّةِ وَهِيَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ فَيَتَعَرَّفُ عَنْ الْعَدَالَةِ وَفِيهِ صَوْنُ قَضَائِهِ عَنْ الْبُطْلَانِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْتَصِرُ الْحَاكِمُ عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُسْلِمِ وَلَا يَسْأَلُ حَتَّى بِطَعْنِ الْخَصْمِ لِقَوْلِهِ ﵊ «النَّاسُ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ» وَمِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الِانْزِجَارُ عَمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ دَيْنُهُ وَبِالظَّاهِرِ كِفَايَةً إذْ لَا وُصُولَ إلَى الْقَطْعِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْهُمْ لِلِاحْتِيَالِ فِي إسْقَاطِهَا فَيَسْتَقْصِي وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهَا دَارِئَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ طَعَنَ الْخَصْمُ سَأَلَ عَنْهُمْ فِي الْكُلِّ وَإِلَّا سَأَلَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَفِي غَيْرِهَا مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَحَلُّ السُّؤَالِ عَلَى قَوْلِهِمَا عِنْدَ جَهْلِ الْقَاضِي بِحَالِهِمْ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ الْقَاضِي إذَا عَرَفَ الشُّهُودَ بِجَرْحٍ أَوْ عَدَالَةٍ لَا يَسْأَلُ عَنْهُمْ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ صِفَةَ السُّؤَالِ وَصَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ لَا وَفِي الْمُلْتَقَطِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّزْكِيَةُ بِدْعَةٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِغَيْرِ تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ أَجْزَأَتْ. اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ بِشَرْطِ صِحَّةٍ عِنْدَهُمَا خُصُوصًا قَدَّمْنَا عَنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ يَصِحُّ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ فَكَيْفَ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ فَلَوْ قَضَى ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ لَمْ يُنْقَضْ الْقَضَاءُ وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ مِنْ الْحُدُودِ لَوْ قَضَى بِالْحَدِّ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُمْ فُسَّاقٌ بَعْدَمَا رُجِمَ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ الْخَطَأُ بِيَقِينٍ اهـ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى فِي الْحُدُودِ قَبْلَ السُّؤَالِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ آثِمًا فَقَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْصَاءُ مَعْنَاهُ يَجِبُ وَمَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ يَقْتَصِرُ الْحَاكِمُ يَجُوزُ اقْتِصَارُهُ لَا أَنَّهُ يَجِبُ اقْتِصَارُهُ وَفِي التَّهْذِيبِ لِلْقَلَانِسِيِّ وَفِي زَمَانِنَا لَمَّا تَعَذَّرَتْ التَّزْكِيَةُ بِغَلَبَةِ الْفِسْقِ اخْتَارَ الْقُضَاةُ كَمَا اخْتَارَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى اسْتِحْلَافَ الشُّهُودِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ اهـ.
قُلْتُ: وَلَا يُضَعِّفُهُ مَا فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ كَالْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ عَدَالَتِهِ وَالْكَلَامُ عِنْدَ خَفَائِهَا خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا أَنَّ الشَّاهِدَ مَجْهُولُ الْحَالِ وَكَذَا الْمُزَكِّي غَالِبًا وَالْمَجْهُولُ لَا يَعْرِفُ الْمَجْهُولَ وَفِي الْمُلْتَقَطِ عَنْ غَسَّانِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ قَدِمْت الْكُوفَةَ قَاضِيًا عَلَيْهَا فَوَجَدْت فِيهَا مِائَةً وَعِشْرِينَ عَدْلًا فَطَلَبْت أَسْرَارَهُمْ فَرَدَدْتهمْ إلَى سِتَّةٍ ثُمَّ أَسْقَطْت أَرْبَعَةً فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ اسْتَعْفَيْت وَاعْتَزَلْت.
قَالَ الْفَقِيهُ لَوْ اسْتَقْصَى الْقَاضِي مِثْلَ ذَلِكَ لَضَاقَ الْأَمْرُ وَلَا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ بِغَيْرِ عَيْبٍ كَمَا قِيلَ
فَلَسْت بِمُسْتَبِقٍ أَخًا لَا تَلُمْهُ ... عَلَى شُعْثٍ أَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذِّبُ
وَقَالَ عُمَرُ ﵁ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنْكُمْ السَّرَائِرَ وَذَوَى عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ اهـ.
ثُمَّ التَّزْكِيَةُ
ــ
[منحة الخالق]
[شَرَطَ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا لَفْظَ أَشْهَدُ بِالْمُضَارِعِ الشَّهَادَة]
(قَوْلُهُ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ صَحَّ عِنْدَنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَأَمَّا شَهَادَةُ الْفَاسِقِ فَإِنْ تَحَرَّى الْقَاضِي الصِّدْقَ فِي شَهَادَتِهِ تُقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْتَصِرُ الْحَاكِمُ عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ لَا الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ وَلَا يَسْأَلُ حَتَّى يَطْعَنَ الْخَصْمُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَلَوْ بِالْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي وَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ عَلَى جَرْحٍ مُجَرَّدٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهَا لِعَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ الْحُكْمِ وَإِلَّا فَالْخَبَرُ عَنْ فِسْقِ الشُّهُودِ يَمْنَعُ الْقَاضِيَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَالْحُكْمِ بِهَا فَالطَّعْنُ بِهِ مَسْمُوعٌ مِنْهُ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ وَسَيَظْهَرُ مِنْ مَسَائِلِ الطَّعْنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِغَيْرِ تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ أَجْزَأَتْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْثَمُ بِتَرْكِ السُّؤَالِ وَلَا يُنَافِيهِ الْإِجْزَاءُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي التَّهْذِيبِ لِلْقَلَانِسِيِّ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِي التَّهْذِيبِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ وَلَا يُقَالُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مَجْهُولٌ كَالْمُزَكِّي غَالِبًا وَالْمَجْهُولُ لَا يَعْرِفُ الْمَجْهُولَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ الْفَقِيهُ لَوْ اسْتَقْصَى مِثْلَ ذَلِكَ لَضَاقَ الْأَمْرُ وَلَا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ بِغَيْرِ عَيْبٍ كَمَا قِيلَ
وَمَنْ ذَا الَّذِي تَرْضَى سَجَايَاهُ كُلَّهَا ... كَفَى الْمَرْءُ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ
نَقَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ
стр. 2284
فِي السِّرِّ أَنْ يَبْعَثَ الْمَسْتُورَةَ إلَى الْمُعَدِّلِ فِيهَا النَّسَبُ وَالْحُلِيُّ وَالْمُصَلِّي وَيَرُدُّهَا الْمُعَدِّلُ كُلُّ ذَلِكَ فِي السِّرِّ كَيْ لَا يَظْهَرَ فَيُخْدَعَ أَوْ يَقْصِدَ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُعَدِّلِ وَالشَّاهِدِ لِتَنْتَفِي شُبْهَةُ تَعْدِيلِ غَيْرِهِ وَقَدْ كَانَتْ الْعَلَانِيَةُ وَحْدَهَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَوَقَعَ الِاكْتِفَاءُ بِالسِّرِّ فِي زَمَانِنَا تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ وَيُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ ثُمَّ قِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يُعَدَّلُ وَقِيلَ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَابِتَةٌ بِأَصْلِ الدَّارِ وَهَذَا أَصَحُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَسْأَلُ فِي السِّرِّ وَقَدْ تُرِكَتْ التَّزْكِيَةُ فِي الْعَلَانِيَةِ فِي زَمَانِنَا كَيْ لَا يَخْدَعَ الْمُزَكِّي وَلَا يَخُونَ اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ عَلَى خِلَافِ الْمُفْتَى بِهِ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى السِّرِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَيْضًا وَالْمَسْتُورَةُ اسْمُ الرُّقْعَةِ الَّتِي كَتَبَهَا الْقَاضِي وَيَبْعَثُهَا سِرًّا بِيَدِ أَمِينِهِ إلَى الْمُزَكِّي سُمِّيَتْ الْمَسْتُورَةُ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَرُ عَنْ نَظَرِ الْعَوَامّ.
كَذَا فِي النِّهَايَةِ فَمَنْ عَرَفَ الشَّاهِدَ بِالْعَدَالَةِ كَتَبَ تَحْتَ اسْمِهِ هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِشَيْءٍ كَتَبَ هُوَ مَسْتُورٌ وَمَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ لَمْ يُصَرِّحْ بَلْ يَسْكُتُ احْتِرَازًا عَنْ هَتْكِ السَّتْرِ أَوْ يَكْتُبُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ إلَّا إذَا عَدَّلَهُ غَيْرُهُ وَخَافَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَيَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ أَيْ عَنْ عَدَالَتِهِمْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَإِنَّمَا قَدَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ عَنْ حُرِّيَّةِ الشَّاهِدِ وَإِسْلَامِهِ مَا لَمْ يُنَازِعْهُ الْخَصْمُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ مِنْ أَنَّ النَّاسَ أَحْرَارٌ إلَّا فِي الشَّهَادَةِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْعَقْلِ فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الْحُرِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَلْ يُسْأَلُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ بِالرِّقِّ كَمَا قَيَّدَهُ الْقُدُورِيُّ ﵀ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَثُبُوتُ حُرِّيَّةِ الشَّاهِدِ إمَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا أَوْ بِالْإِخْبَارِ لِلْقَاضِي كَالْعَدَالَةِ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ وَأَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلشَّهَادَةِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْحُرِّيَّةِ وَتَثْبُتُ بِدُونِ الْعَدَالَةِ وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالرِّقَّ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ تَجْرِي فِيهَا الْخُصُومَةُ وَطَرِيقُ الْإِثْبَاتِ فِي مِثْلِهَا لِلْبَيِّنَةِ فَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَلَا تَجْرِي فِيهَا الْخُصُومَةُ فَيُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالسُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الشَّاهِدِ أَنَّهُ كَافِرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ الْإِيمَانِ إنْ اتَّهَمَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ وَلَسْت بِكَافِرٍ وَلَوْ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ فَذَكَرَ فِي خِلَالِ سُؤَالِهِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ لِلتَّجْرِبَةِ فَهَذَا جَهْلٌ مِنْ الْقَاضِي وَحُمْقٌ وَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا فَعَلَ وَلَوْ جُوِّزَ هَذَا كَانَ وَبَالًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ خُصُوصًا فِي قُضَاةِ أَهْلِ الرَّسَاتِيقِ فَلَوْ أَنَّهُ تَحَمَّقَ وَفَعَلَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ. اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الشُّهُودِ فَشَمِلَ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ فَيَسْأَلُ عَنْ النَّصْرَانِيِّ إذَا شَهِدَ عَلَى مِثْلِهِ وَفِي فَتَاوَى عُمَرَ قَارِئِ الْهِدَايَةِ تَزْكِيَةُ الذِّمِّيِّ أَنْ يُزَكِّيَهُ بِالْأَمَانَةِ فِي دِينِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَأَنَّهُ صَاحِبُ يَقَظَةٍ اهـ.
وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَفِي الْمُلْتَقَطِ نَصْرَانِيٌّ عَدْلٌ ثُمَّ أَسْلَمَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ اهـ. وَفِيهِ إذَا سَكِرَ الذِّمِّيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ اهـ.
وَشَمِلَ السُّؤَالُ عَنْهُ إذَا شَهِدَ حِينَ بَلَغَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَانِيَّةِ وَفِي الْمُلْتَقَطِ صَبِيٌّ احْتَلَمَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ مَا لَمْ أَسْأَلْ عَنْهُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَأَتَّى بَعْدَ الْبُلُوغِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِ أَهْلِ مَسْجِدِهِ وَمَحَلَّتِهِ كَمَا فِي الْغَرِيبِ أَنَّهُ صَالِحٌ أَوْ غَيْرُهُ اهـ.
وَفَرَّقَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ كَانَ لَهُ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَدَالَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ مَا يَقُولُهُ الْمُزَكِّي إذَا سُئِلَ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَقُولُ هُوَ عَدْلٌ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَدِّلَ قَطْعًا وَلَا يَقُولَ هُمْ عُدُولٌ عِنْدِي لِإِخْبَارِ الثِّقَاتِ بِهِ وَلَوْ قَالَ لَا أَعْلَمُ مِنْهُمْ إلَّا خَيْرًا فَهُوَ تَعْدِيلٌ فِي الْأَصَحِّ وَفِي النَّوَازِلِ التَّعْدِيلُ أَنْ يَقُولَ هُمْ عُدُولٌ عِنْدِي جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ الْمُزَكِّي لَا أَعْلَمُ فِيهِ إلَّا خَيْرًا يَكْفِي وَإِذَا جَرَحَ الْجَارِحُ الشُّهُودَ يَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي زِدْنِي شُهُودًا أَوْ يَقُولَ لَمْ تَحْمَدْ شُهُودَك وَيَكْتُبُ الْقَاضِي أَسْمَاءَ الشُّهُودِ أَوَّلًا ثُمَّ اسْمَ مَنْ عُدِّلَ. اهـ.
وَفِي الْمُلْتَقَطِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ التَّزْكِيَةُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَسْأَلُ فِي السِّرِّ) قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ تَزْكِيَةَ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ وَتَزْكِيَةُ السِّرِّ أَحْدَثَهَا شُرَيْحٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهِ وَيَشْكُلُ مَا فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ يَسْأَلُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ قُلْتُ: يُمْكِنُ إرْجَاعُهُ إلَى قَوْلِهِ يَسْأَلُ أَيْ لَا يَكْتَفِي بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ فَهُوَ تَرْجِيحٌ لِقَوْلِهِمَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا قَدَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ عَنْ حُرِّيَّةِ الشَّاهِدِ وَإِسْلَامِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمْنَا أَنَّ سُؤَالَهُ عَنْ الْعَدَالَةِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ فَنَفَى سُؤَالَهُ عَنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ يَنْفِي الْوُجُوبَ أَيْضًا حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ عَنْهُمَا كَانَ حَسَنًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفَرَّقَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بَيْنَهُمَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ بَيْنَ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَ وَكَانَ عَدْلًا حَيْثُ تُقْبَلُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ وَيَتَأَتَّى بِقَدْرِ مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِ أَهْلِ مَسْجِدِهِ وَمَحَلَّتِهِ أَنَّهُ صَالِحٌ
стр. 2285
أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ عَدَّلَهُ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَنْ يَقُولَ هَذَا عِنْدِي عَدْلٌ مَرْضِيٌّ جَائِزُ الشَّهَادَةِ اهـ.
وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ فِي قَذْفٍ بَعْدَ التَّوْبَةِ عَدْلٌ غَيْرُ جَائِزِ الشَّهَادَةِ وَكَذَا الْأَبُ إذَا شَهِدَ لِابْنِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ جَائِزِ الشَّهَادَةِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الشُّرُوطِ جَوَابُ الْمُزَكِّي عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ أَعْلَاهَا جَائِزُ الشَّهَادَاتِ أَوْ عَدْلٌ خِلَافًا لِلسَّرَخْسِيِّ فِي الثَّانِي وَالثَّانِيَةِ ثِقَةٌ وَهُوَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَا لِفِسْقِهِ وَلَكِنْ لِغَفْلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَبَعْضُ الْقُضَاةِ يُقِيمُونَ كُلَّ ثِقَتَيْنِ مَقَامَ عَدْلٍ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ مَسْتُورٌ وَالْمَسْتُورُ هُوَ الْفَاسِقُ وَفِي عُرْفِ مَشَايِخِنَا مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ. اهـ.
وَيَكْتَفِي بِالسُّكُوتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ فَيَكُونُ سُكُوتُهُ تَزْكِيَةً لِلشَّاهِدِ لِمَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ مُسَاوِرٍ قَاضِيًا فَاحْتَاجَ إلَى تَعْدِيلِ شَاهِدٍ وَكَانَ الْمُزَكِّي مَرِيضًا فَعَادَهُ الْقَاضِي وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاهِدِ فَسَكَتَ الْمُعَدِّلُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَسَكَتَ فَقَالَ أَسْأَلُك وَلَا تُجِيبُنِي فَقَالَ الْمُعَدِّلُ أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ مِثْلِي السُّكُوتُ وَلَمَّا اسْتَقْضَى أَبُو مُطِيعٍ أَرْسَلَ الْأَمِيرُ إلَى يَعْقُوبَ الْقَارِئِ يُشَاوِرُهُ فَسَأَلَهُ الرَّسُولُ فِي الطَّرِيقِ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ فَقَالَ يَعْقُوبُ أَبُو مُطِيعٍ أَبُو مُطِيعٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ إذَا كَانَ الْمُعَدِّلُ مِثْلَ يَعْقُوبَ الْقَارِئِ فَلَا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذَا التَّعْدِيلِ. اهـ.
وَسَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ الطَّعْنِ فِي الشَّاهِدِ عِنْدَ بَيَانِ الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ وَلَكِنْ يُحْتَاجُ هُنَا إلَى بَيَانِ مَسَائِلَ تَعَارُضِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فَإِذَا سَأَلَ الْقَاضِي عَنْ الشَّاهِدِ وَلَمْ يُزَكَّ طَلَبَ غَيْرَهُ فَإِنْ زَكَّاهُ وَاحِدٌ وَجَرَحَهُ وَاحِدٌ فَقَدْ تَعَارَضَا فَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَإِنْ عَدَّلَهُ أَحَدُهُمَا وَجَرَحَهُ الْآخَرُ تَعَارَضَا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا وَإِنْ عَدَّلَهُ الثَّالِثُ فَالتَّعْدِيلُ أَوْلَى وَإِنْ جَرَحَهُ الثَّالِثُ فَالْجَرْحُ أَوْلَى وَذَكَرَ الصَّدْرُ إذَا جَرَحَ وَاحِدٌ وَعَدَّلَ وَاحِدٌ فَعِنْدَ الْإِمَامَيْنِ الْجَرْحُ أَوْلَى كَمَا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا لَمْ يَتِمَّ بِالْوَاحِدِ تَوَقَّفَ الشَّهَادَةَ وَلَا يُجِيزُ حَتَّى يَسْأَلَ الْآخَرَ فَإِنْ جَرَحَهُ تَمَّ الْجَرْحُ وَإِنْ عَدَّلَهُ تَمَّ التَّعْدِيلُ فَإِنْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ فَالتَّعْدِيلُ أَوْلَى عِنْدَهُمْ وَإِنْ جَرَحَهُ اثْنَانِ وَعَدَّلَهُ عَشَرَةٌ فَالْجَرْحُ أَوْلَى فَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي بَعْدَ الْجَرْحِ أَنَا أَجِيءُ بِقَوْمٍ صَالِحِينَ يُعَدِّلُونَهُمْ قَالَ فِي الْعُيُونِ قُبِلَ ذَلِكَ وَفِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ظَهِيرِ الدِّينِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُقْبَلُ إذَا جَاءَ بِقَوْمٍ ثِقَةٍ يُعَدِّلُونَهُمْ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الْجَارِحِينَ فَلَعَلَّهُمْ جَرَحُوا بِمَا لَا يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ الْقَاضِي لَا يُلْتَفَتُ إلَى جَرْحِهِمْ هَذَا أَلْطَفُ الْأَقَاوِيلِ وَلَوْ عَدَّلَ الشُّهُودَ سِرًّا فَقَالَ الْخَصْمُ أَجِيءُ فِي الْعَلَانِيَةِ بِمَنْ يُبَيِّنُ فِيهِمْ مَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُمْ لَا تُقْبَلُ مَقَالَتُهُ إلَى أَنْ قَالَ إنَّ الْجَرْحَ أَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ تَعَصُّبٌ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ جَرْحَهُمْ لِأَنَّ أَصْلَ الشَّهَادَةِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ التَّعَصُّبِ فَالْجَرْحُ أَوْلَى. اهـ.
وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ إطْلَاقِ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الْجَرْحَ يُقَدَّمُ عَلَى التَّعْدِيلِ سَوَاءٌ كَانَ مُجَرَّدًا أَوْ لَا عِنْدَ سُؤَالِ الْقَاضِي عَنْ الشَّاهِدِ وَالتَّفْصِيلُ الْآتِي مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُجَرَّدًا لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بِهِ أَوْ لَا فَتُسْمَعُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ طَعْنِ الْخَصْمِ فِي الشَّاهِدِ عَلَانِيَةً لَكِنْ فِي الْمُلْتَقَطِ فَلَوْ عُدِّلَ فَقَالَ قَوْمٌ إنَّا رَأَيْنَاهُ أَمْسِ سَكْرَانَ أَوْ يُبَايِعُ بِالرِّبَا أَوْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ إنْ كَانَ شَيْئًا يَلْزَمُهُ فِيهِ حَقٌّ مِنْ حَدٍّ أَوْ مَالٍ يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَإِلَّا لَا اهـ.
وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَانِيَةً أَمَّا إذَا أَخْبَرُوهُ سِرًّا فَلَا وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ مَا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا وَلَا يَجِدُ مُعَدِّلًا فَإِنَّهُ يَكْتُبُ إلَى قَاضِي بَلَدِهِ لِيُخْبِرَهُ عَنْ حَالِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَحْثِ الْمُجْمَلِ أَنَّهُ عَلَى مِثَالِ رَجُلٍ دَخَلَ بَلْدَةً لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُهَا بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ بَلْ بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ بَلْدَتِهِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ لَا يَحِلُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِ وَلَا لِلْمُزَكِّي أَنْ يُعَدِّلَهُ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ بَلْدَتِهِ لِيَعْرِفَ اهـ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ شَهِدُوا فِيهَا لَكِنْ قَالُوا لَوْ عُدِّلَ فِي حَادِثَةٍ وَقَضَى بِهِ ثُمَّ شَهِدَ فِي أُخْرَى فَإِنْ بَعُدَتْ الْمُدَّةُ أُعِيدَ وَإِلَّا لَا وَكَذَا غَرِيبٌ نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانِي قَوْمٍ لَا يُعَدِّلُهُ قَبْلَ مُضِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَكَذَا إذَا تَخَلَّلَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالتَّعْدِيلِ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْمَاضِيَةِ وَكَانَ الْإِمَامُ الثَّانِي يَقُولُ ذَلِكَ الزَّمَانُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى سَنَةٍ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يُقَدِّرْهُ بَلْ عَلَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَيَكْتَفِي بِالسُّكُوتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ فَيَكُونُ سُكُوتُهُ تَزْكِيَةً لِلشَّاهِدِ) مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ قَوْلِهِ وَمَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَلْ يَسْكُتْ احْتِرَازًا عَنْ هَتْكِ السِّتْرِ أَوْ يَكْتُبْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ إلَخْ ثُمَّ رَأَيْت بِخَطِّ ثِقَةٍ مَعْزِيًّا إلَى الْمَقْدِسِيَّ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِي الْمُلْتَقَطِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ كَانَ سُكُوتُهُ مِنْهُ طَعْنًا فِي الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقْبَلُ إلَخْ) جَزَمَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ فَإِنْ عَدَلُوهُمْ سَأَلَ الْقَاضِي الطَّاعِنِينَ بِمَ يَطْعَنُونَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ طَعَنُوا بِمَا لَا يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنْ بَيَّنُوا مَا يَكُونُ طَعْنًا فَإِنَّ الْجَرْحَ أَوْلَى وَإِلَّا فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ وَيَقْضِي بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْمُدَّعِي وَكَذَا لَوْ عَدَّلَ الْمُزَكِّي الشُّهُودَ وَطَعَنَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَقَالَ لِلْقَاضِي سَلْ عَنْهُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَسَمَّى قَوْمًا يَصْلُحُونَ إلَخْ (قَوْلُهُ عِنْدَ سُؤَالِ الْقَاضِي عَنْ الشَّاهِدِ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ أَوْ عِنْدَ طَعْنِ الْخَصْمِ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ سِرًّا لِأَنَّهُ تُقْبَلُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْسُقُوا بِإِظْهَارِ الْفَاحِشَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَرْهَنَ عَلَانِيَةً لَا يُقْبَلُ بُرْهَانُهُ لِفِسْقِ شُهُودِهِ بِإِظْهَارِ الْفَاحِشَةِ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ الْآتِي وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ الْجَوَابُ الْآتِي عَمَّا فِي الْمُلْتَقَطِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ مِنْ بَحْثِ الْمُجْمَلِ أَنَّهُ) أَيْ الْمُجْمَلُ
стр. 2286
مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ الْوُثُوقُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِيهَا أَيْضًا وَفِي الْمُنْتَقَى شَهِدُوا بِمَالٍ فَلَمْ يُعَدَّلُوا فَطَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ وَثِيقَةً وَيَحْكُمَ بِأَنَّهُ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ قَاضٍ آخَرُ حَكَمَ وَكَتَبَ بِهِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي الْآخَرُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَحْكُمْ بِرَدِّ شَهَادَتِهِمْ لِلثَّانِي أَنْ يَقْبَلَ إذَا عَدَّلُوا اهـ.
وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَإِذَا أَبْطَلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ فِي دَارٍ فَجَاءَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً فَشَهِدَ بِهَا أَيْضًا لِآخَرَ فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي حَادِثَةٍ لِعِلَّةٍ ثُمَّ زَالَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ فَشَهِدَ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْأَعْمَى إذَا شَهِدُوا فَرُدَّتْ ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ فَشَهِدُوا تُقْبَلُ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَرْدُودِ لِتُهْمَةٍ وَبَيْنَ الْمَرْدُودِ لِشُبْهَةٍ فَالثَّانِي يُقْبَلُ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا أَشَارَ إلَيْهِ فِي النَّوَازِلِ وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ سِرًّا ثُمَّ عَلَنًا بِثُمَّ دُونَ الْوَاوِ لَكَانَ أَوْلَى وَإِنْ أَمْكَنَ حَمْلُهَا عَلَيْهَا لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَزْكِيَةِ السِّرِّ عَلَى الْعَلَانِيَةِ لِمَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا أَقْبَلُ تَزْكِيَةَ الْعَلَانِيَةِ حَتَّى يُزَكَّى فِي السِّرِّ اهـ.
وَشَمِلَ الشَّاهِدَ الْأَصْلِيَّ وَالْفَرْعِيَّ فَيَسْأَلُهُ عَنْ الْكُلِّ كَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَسْأَلُ عَنْ الْأَوَّلَيْنِ فَإِنْ زُكِّيَا سَأَلَ عَنْ الْآخَرَيْنِ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا تَجُوزُ التَّزْكِيَةُ إلَّا أَنْ تَعْرِفَهُ أَنْتَ أَوْ وُصِفَ لَك أَوْ عَرَفْت أَنَّ الْقَاضِيَ زَكَّاهُ أَوْ زُكِّيَ عِنْدَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ كَمْ مِنْ رَجُلٍ أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَلَا أَقْبَلُ تَعْدِيلَهُ يَعْنِي أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَلَا كَذَلِكَ التَّعْدِيلُ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ فَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِهَا شُرُوطٌ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عِنْدَ قَاضٍ عَدْلٍ عَالِمٍ الثَّانِي أَنْ تَعْرِفَهُ وَتَخْتَبِرَهُ بِشَرِكَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ سَفَرٍ الثَّالِثُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ مُلَازِمٌ لِلْجَمَاعَةِ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِصِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ فِي الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلْأَمَانَةِ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ صَدُوقَ اللِّسَانِ السَّابِعُ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ الثَّامِنُ أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُ اجْتِنَابَ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَمَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَالْكُلُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ وَفِي النَّوَازِلِ مَنْ قَالَ لَا أَدْرِي أَنَا مُؤْمِنٌ أَمْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ لَا تُعَدِّلُهُ وَلَا تُصَلِّي خَلْفَهُ اهـ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ عَرَفَ فِسْقَ الشَّاهِدِ فَغَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً ثُمَّ قَدِمَ وَلَا يُدْرَى مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحُ لَا يَجْرَحُهُ الْمُعَدِّلُ وَلَا يُعَدِّلُهُ وَلَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ فَغَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً ثُمَّ حَضَرَ فَهُوَ عَلَى الْعَدَالَةِ وَالشَّاهِدَانِ لَوْ عُدِّلَا بَعْدَمَا تَابَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَكَذَا لَوْ غَابَا ثُمَّ عُدِّلَا وَلَوْ خَرِسَا أَوْ عَمِيَا لَا يَقْضِي تَابَ الْفَاسِقُ لَا يُعَدَّلُ كَمَا تَابَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ زَمَانٍ يَقَعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ فِي التَّوْبَةِ اهـ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) وَلَوْ زُكِّيَ مَنْ فِي السِّرِّ عَلَنًا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَالْخَصَّافُ شَرَطَ تَغَايُرَهُمَا كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْمَصَابِيحِ عَلَنَ الْأَمْرُ عُلُونًا مِنْ بَابِ قَعَدَ ظَهَرَ وَانْتَشَرَ فَهُوَ عَالِنٌ وَعَلَنَ عَلَنًا مِنْ بَابِ تَعِبَ لُغَةً فَهُوَ عَلَنٌ وَعَلِينٌ وَالِاسْمُ الْعَلَانِيَةُ مُخَفَّفًا اهـ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ الشُّهُودِ الذِّمَّةِ عُدُولَ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَيَسْأَلُ عَنْهُمْ عُدُولَ الْكُفَّارِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ لَا يَصِحُّ) أَيْ تَزْكِيَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشَّاهِدَ بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الْخَصْمَ كَاذِبٌ فِي إنْكَارِهِ مُبْطِلٌ فِي إصْرَارِهِ فَلَا يَصْلُحُ مُعَدِّلًا وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ إذَا قَالَ هُمْ عُدُولٌ إلَّا أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا أَوْ نَسُوا أَمَّا إذَا قَالَ صَدَقُوا أَوْ هُمْ عُدُولٌ صَدَقَةٌ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِقَوْلِهِ صَدَقُوا فِيمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيَّ وَبِقَوْلِهِ هُمْ عُدُولٌ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيَّ أَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي التَّعْدِيلِ فَإِنْ كَانَ صَحَّ قَوْلُهُ وَشَمِلَ الْخَصْمُ الْمُدَّعِيَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَعَدَمُ صِحَّتِهِ مِنْ الْمُدَّعِي بِأَوْلَى كَتَعْدِيلِ الشَّاهِدِ نَفْسَهُ، وَأَمَّا جَرْحُ الشَّاهِدِ نَفْسَهُ فَمَقْبُولٌ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَوْلُ الشَّاهِدِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ اهـ.
وَظَاهِرُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ حَيْثُ كَانَ صَادِقًا فِي شَهَادَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ ﵀ تَعْدِيلَ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ صَاحِبَهُ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ شَاهِدَانِ شَهِدَ الرَّجُلُ وَالْقَاضِي يُعْرَفُ أَحَدُهُمَا بِالْعَدَالَةِ وَلَا يُعْرَفُ الْآخَرُ فَعَدَّلَهُ الَّذِي
ــ
[منحة الخالق]
وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ لَا يَصِحُّ.
стр. 2287
عَرَفَهُ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ قَالَ نَصِيرٌ ﵀ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي تَعْدِيلَهُ وَلِابْنِ سَلَمَةَ فِيهِ قَوْلَانِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ فِي ثَلَاثَةٍ شَهِدُوا وَالْقَاضِي يَعْرِفُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَلَا يَعْرِفُ الثَّالِثَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُ تَعْدِيلَهُمَا لَوْ شَهِدَ هَذَا الثَّالِثُ شَهَادَةً أُخْرَى وَلَا يَقْبَلُ تَعْدِيلَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ الْأُولَى وَهُوَ كَمَا قَالَ نَصِيرٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ.
وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا عَدَّلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ فَإِنَّهُ قَبْلَ الدَّعْوَى لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَذِبٌ فِي إنْكَارِهِ وَقْتَ التَّعْدِيلِ وَكَانَ الْفِسْقُ الطَّارِئَ عَلَى الْمُعَدَّلِ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَالْمُقَارِنِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا يَسْأَلُ رَجُلًا لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُفْلِسٌ لَا تُقْبَلُ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ مِنْ دَفْعِ الدَّعَاوَى مَعْزِيًّا إلَى الْأُوزْجَنْدِيِّ إذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ لِي دَفْعٌ لَا يَكُونُ تَعْدِيلًا لِلشُّهُودِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِالطَّعْنِ فِي الشَّاهِدِ اهـ.
قُلْتُ: بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَوَابِ دَعْوَى الْوَكِيلِ بِالدَّيْنِ دَفَعْته إلَى الْمُوَكِّلِ أَوْ أَبْرَأَنِي فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا بِالْوَكَالَةِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ كَمَا سَيَأْتِي فِيهَا
[وَالْوَاحِدُ يَكْفِي لِلتَّزْكِيَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالتَّرْجَمَةِ الشَّهَادَةُ]
(قَوْلُهُ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي لِلتَّزْكِيَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالتَّرْجَمَةِ) وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ إلَّا اثْنَانِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي تَنْبَنِي عَلَى ظُهُورِ الْعَدَالَةِ وَهُوَ بِالتَّزْكِيَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْعَدَالَةِ وَتُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي الْمُزَكَّى فِي الْحُدُودِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسُ الْقَضَاءِ وَاشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ أَمْرٌ تَحَكُّمِيٌّ أَيْ تَعَبُّدِيٌّ فِي الشَّهَادَةِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَرْضَ الْخَصْمُ بِتَزْكِيَةِ وَاحِدٍ فَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِتَزْكِيَةِ وَاحِدٍ فَزَكَّى جَازَ إجْمَاعًا كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَأَطْلَقَ فِي التَّزْكِيَةِ وَالْمُرَادُ تَزْكِيَةُ السِّرِّ وَلَوْ قَالَ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ الْمُسْلِمُ لَكَانَ أَوْلَى لِاشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهَا وَالْإِسْلَامِ فِي الْمُزَكِّي لَوْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَأَطْلَقَ فِي الْوَاحِدِ فَشَمِلَ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ وَالْأَعْمَى وَالْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ وَالصَّبِيَّ وَأَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَالْوَالِدَ لِوَلَدِهِ وَعَكْسَهُ وَالْعَبْدَ لِمَوْلَاهُ وَعَكْسَهُ وَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ تَزْكِيَةُ الشَّاهِدِ بِحَدِّ الزِّنَا فَلَا بُدَّ فِي الْمُزَكِّي فِيهَا مِنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدِ الْأَرْبَعَةِ إجْمَاعًا وَلَمْ أَرَ الْآنَ حُكْمَ تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ بِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ وَمُقْتَضَى مَا قَالُوهُ اشْتِرَاطُ رَجُلَيْنِ لَهَا.
وَقَيَّدْنَا بِالتَّزْكِيَةِ السِّرَّ احْتِرَازًا عَنْ تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا جَمِيعُ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا لَفْظَ الشَّهَادَةِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِيهَا أَظْهَرُ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَكَذَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْخَصَّافُ وَأَطْلَقَ فِي الرِّسَالَةِ فَشَمِلَ رَسُولَ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكِّي وَرَسُولَ الْمُزَكِّي إلَى الْقَاضِي كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَا الْأَوَّلَ كَمَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ وَأَطْلَقَ فِي التَّرْجَمَةِ فَشَمِلَ الْمُتَرْجِمَ عَنْ الشُّهُودِ أَوْ عَنْ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا الْأَوَّلَ كَمَا تَوَهَّمَهُ الشَّارِحُ قَالُوا وَالْأَحْوَطُ فِي الْكُلِّ اثْنَانِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا يُعْلِمُهُ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْهُ وَعَلَّلَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ بِأَنَّهُ إذَا أَعْلَمَهُ رُبَّمَا خَدَعَ الْمُزَكِّيَ أَوْ أَخَافَهُ وَلَا يُعْلِمُهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ سِرًّا إنَّمَا يَطْلُبُ مِنْهُ تَزْكِيَةَ الْعَلَانِيَةِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ مَنْ هُوَ أَخْبَرُ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَأَكْثَرُهُمْ اخْتِلَاطًا بِالنَّاسِ مَعَ عَدَالَتِهِ عَارِفًا بِمَا لَا يَكُونُ جَرْحًا وَمَا يَكُونُ جَرْحًا غَيْرَ طَمَّاعٍ وَلَا فَقِيرٍ كَيْ لَا يُخْدَعَ بِالْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جِيرَانِهِ وَلَا أَهْلِ سُوقِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ سَأَلَ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِيهِمْ ثِقَةً اعْتَبَرَ فِيهِمْ تَوَاتُرَ الْأَخْبَارِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَخَصَّ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لِسُؤَالٍ مِنْ الْأَصْدِقَاءِ
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَبُولِ قَوْلِ الْوَاحِدِ فِي التَّزْكِيَةِ إلَى قَبُولِ قَوْلِهِ فِي الْجَرْحِ وَسَيَأْتِي وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ التَّسْوِيَةُ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدِ وَبَيْنَ التَّزْكِيَةِ وَالتَّرْجَمَةِ فَرْقٌ فَإِنَّ التُّرْجُمَانَ لَوْ كَانَ أَعْمَى لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيَجُوزُ عِنْدَ الثَّانِي وَقَدَّمْنَا أَنَّ تَزْكِيَةَ الْأَعْمَى جَائِزَةٌ وَلَا يَكُونُ الْمُتَرْجِمُ امْرَأَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخِزَانَةِ وَتَصْلُحُ لِلتَّزْكِيَةِ وَشَرَطَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْمُتَرْجِمِ عَنْ الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ أَعْجَمِيًّا وَعَنْ الْخَصْمِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَانَ عَارِفًا بِلِسَانِ الشَّاهِدِ وَالْخَصْمِ لَمْ تَجُزْ تَرْجَمَةُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَأَطْلَقَ فِي الْوَاحِدِ فَشَمِلَ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ وَالْأَعْمَى) سَيَأْتِي بِذِكْرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْأَعْمَى لَا تَجُوزُ تَرْجَمَتُهُمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِطْلَاقُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّزْكِيَةِ.
стр. 2288
الْوَاحِدِ وَفِي الْمِصْبَاحِ تَرْجَمَ فُلَانٌ كَلَامَهُ إذَا بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ وَتَرْجَمَ كَلَامَ غَيْرِهِ إذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَاسْمُ الْفَاعِلِ تُرْجُمَانٌ وَفِيهِ لُغَاتٌ أَجْوَدُهَا فَتْحُ التَّاءِ وَضَمُّ الْجِيمِ وَالثَّانِيَةُ ضَمُّهُمَا مَعًا وَتُجْعَلُ التَّاءُ تَابِعَةً لِلْجِيمِ وَالثَّالِثَةُ فَتْحُهُمَا بِجَعْلِ الْجِيمِ تَابِعَةً لِلتَّاءِ وَالْجَمْعُ تَرَاجِمُ اهـ.
وَالتَّزْكِيَةُ الْمَدْحُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ زَكَّى نَفْسَهُ تَزْكِيَةً مَدَحَهَا. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَسَأَلَ عَنْ الشُّهُودِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ لَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْهُمْ قَالَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ أَرْبَعَةٌ مِنْ الشُّهُودِ لَا أَسْأَلُ عَنْهُمْ شَاهِدُ رَدِّ الطِّينَةِ وَشَاهِدُ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ وَشَاهِدُ الْغَرِيبِ لِيَدْعُوَهُ الْقَاضِي عَلَى غَيْرِ قُرْعَةٍ وَشَاهِدُ الْعَدَوِيِّ وَشَرَحَهَا فِي شَرْحَيْ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ وَإِسْمَاعِيلُ هَذَا هُوَ حَفِيدُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَئِمَّةِ أَخَذَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزَاحَمَهُ فِي الْعِلْمِ وَلَوْ عَمَّرَ لَفَاقَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَكِنَّهُ مَاتَ شَابًّا قُلْتُ: فَيَحْتَاجُ هُنَا إلَى فَهْمِ قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ فِي الْمُزَكِّي فَإِنَّهُ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي الْعَدْلَ مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِهَا عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِهَا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ فَلَا يَقْبَلُ تَزْكِيَتَهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُزَكِّي كَمَا فَهِمَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِلِاحْتِيَاطِ لِلِاكْتِفَاءِ بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ لِتَصْرِيحِ الْكُلِّ بِاشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الْمُزَكِّي خُصُوصًا فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا فَهِمْنَاهُ عَنْهُمْ وَلَمَّا نَظَرَ إلَى أَنَّ عَدَمَ السُّؤَالِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِأَجْلِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْتُورِ ظَنَّ أَنَّ الْمُزَكِّيَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّصْرِيحِ عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مَا فَهِمَهُ هُوَ الْمُرَادُ فَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ ضَعِيفٌ لِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ تَزْكِيَةَ الْعَلَانِيَةِ كَالشَّهَادَةِ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَقَدَّمَتْ التَّزْكِيَةُ سِرًّا وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُ الْقَاضِي عَارِفًا بِاللُّغَةِ التُّرْكِيَّةِ وَرَدَّهُ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَطَالَ فِي فَوَائِدِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ وَهْبَانَ فِي شَرْحِهِ وَمَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاعَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ وَقَدْ تَرَكْته؛ لِأَنَّهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ حَتَّى قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ وَلَوْلَا قَصْدُ مُنَاقَشَةِ الطَّرَسُوسِيِّ لَمَا تَكَلَّمْت عَلَى ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) قَبُولُ قَوْلِ الْوَاحِدِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ بَلْ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَالرَّابِعَةُ التَّقْوِيمُ لِلْمُتْلَفَاتِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ خِيَارِ الْعَيْبِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ لِمَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّقْوِيمَيْنِ الْخَامِسَةُ الْجَرْحُ وَقَدَّمْنَاهُ السَّادِسَةُ تَقْدِيرُ الْأَرْشِ السَّابِعَةُ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بَعْدَ إحْضَارِهِ الثَّامِنَةُ الْإِخْبَارُ بِفَلَسِ الْمَحْبُوسِ لِإِطْلَاقِهِ التَّاسِعَةُ الْإِخْبَارُ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ الْعَاشِرَةُ الْإِخْبَارُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ الْحَادِيَ عَشَرَ الْإِخْبَارُ بِالْمَوْتِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَاصِرٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الدِّيَانَاتِ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ كَطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَحِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ وَلَا يَخْتَصُّ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَأَيْضًا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَدْلِ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَإِخْبَارِ الْبِكْرِ بِإِنْكَاحِ وَلِيِّهَا وَإِخْبَارِ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ وَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ وَنَحْوِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ اشْتِرَاطِ أَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ أَمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرُوهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ بِمَسْتُورِينَ وَالْكَلَامُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ حَتَّى لَا يُقْبَلُ خَبَرُ مَسْتُورِينَ فِي الْمَوَاضِعِ الْأَحَدَ عَشَرَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ فِي التَّقْوِيمِ تَقْوِيمُ نِصَابِ السَّرِقَةِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَ أَوْ رَأَى فِي مِثْلِ الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ وَحُكْمِ الْحَاكِمِ وَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا هُوَ الْمُوجِبُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ الشَّرْطُ وَقَوْلُهُ كَالْبَيْعِ مِثَالٌ لَهُمَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ شَرَحَهَا فِي شَرْحَيْ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ) أَيْ فِي شَرْحِهَا لِمُصَنِّفِهَا وَشَرْحِهَا لِابْنِ الشِّحْنَةِ وَعِبَارَةُ الثَّانِي فَشَاهِدُ الْغَرِيبِ هُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْخُصُومُ بِبَابِ الْقَاضِي وَمِنْهُمْ شَخْصٌ يَدَّعِي الْغُرْبَةَ وَالْغُرْمَ عَلَى السَّفَرِ وَفَوْتَ الرِّفَاقِ بِالتَّأَخُّرِ وَيَطْلُبُ تَقْدِيمَهُ لِذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَزْكِيَتِهِمَا لِتَحَقُّقِ الْفَوْتِ بِطُولِ الْمُدَّةِ بِالتَّزْكِيَةِ وَالْعَدْوَى هُوَ مَا لَوْ سَمَّى شَخْصًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَهُ عَلَيْهِ دَعْوَى لَا يُرْسِلُ الْقَاضِي خَلْفَهُ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْحَقِّ الَّذِي يَدَّعِيهِ وَلَا يَشْرِطُ تَعْدِيلَهُمَا وَنُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ اشْتَرَطَ تَعْدِيلَ هَذَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ وَكُلَّمَا كَانَ كَذَلِكَ سَبِيلُهُ التَّعْدِيلُ وَإِلَيْهِ مَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَقَالَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ وَأَمَّا شَاهِدُ رَدِّ الطِّينَةِ فَهُوَ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ لَيْسَ بِحَاضِرٍ مَعَهُ بِحَقٍّ وَذَكَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ مَعَهُ أَعْطَاهُ الْقَاضِي طِينَةً أَوْ خَاتَمًا وَقَالَ أَرِهِ إيَّاهُ وَادْعُهُ إلَيَّ وَأَشْهِدْ عَلَيْهِ فَإِنْ أَرَاهُ ذَلِكَ وَقَالَ لَا أَحْضُرُ وَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي بِذَلِكَ مَسْتُورَانِ لَا يَسْأَلُ عَنْهُمَا قَالُوا وَفِيمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ إشَارَةٌ إلَى تَعْدِيلِهِمَا حَيْثُ قَيَّدَ بِمَا فِيهِ إلْزَامٌ عَلَى الْغَيْرِ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَنَّ عَدَمَ التَّعْدِيلِ أَنْظَرُ لِلنَّاسِ وَبِهِ نَأْخُذُ لِخَوْفِ اخْتِفَاءِ الْخَصْمِ مَخَافَةَ الْعُقُوبَةِ فَإِذَا شَهِدَا كَتَبَ إلَى الْوَالِي فِي إحْضَارِهِ، وَأَمَّا شَاهِدَا تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فَلَا تُشْتَرَطُ تَزْكِيَتُهُمَا ظَاهِرًا بَعْدَ سُؤَالِ الْقَاضِي عَنْ الشُّهُودِ الْمَطْلُوبِ تَعْدِيلُهُمْ فِي السِّرِّ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أُمَنَائِهِ وَأَخْبَرَهُ بِعَدَالَتِهِمْ وَلَا بُدَّ مِنْ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ شُهُودِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَإِنَّمَا لَمْ تُشْتَرَطْ عَدَالَتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا لِلِاحْتِيَاطِ إجَابَةً لِلْمُدَّعِي إلَى مَا طَلَبَ اهـ. مُلَخَّصًا.
стр. 2289
فَإِنَّهُ إنْ عَقَدَاهُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ كَانَ مِنْ الْمَسْمُوعِ وَأَنَّ بِالتَّعَاطِي فَهُوَ مِنْ الْمَرْئِيَّاتِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَشْهَدُ بِالْبَيْعِ أَوْ بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ لِكَوْنِهِ بَيْعًا حُكْمِيًّا لَا حَقِيقِيًّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَكِنَّ مُرَادَ الثَّانِي أَنَّهُ يَجُوزُ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الشَّهَادَةُ بِالتَّعَاطِي لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي بَيْعِ التَّعَاطِي يَشْهَدُونَ بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَلَوْ شَهِدُوا بِالْبَيْعِ جَازَ. اهـ.
وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالشِّرَاءِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي شَهَادَاتِ الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ حَضَرَ بَيْعًا ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَى الشَّهَادَةِ لِلْمُشْتَرِي لِيَشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ قَالَ وَرَأَيْت فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يَحِلُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ مِلْكٌ مِنْ الْأَصْلِ وَالْمِلْكُ بِالشِّرَاءِ حَادِثٌ. اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُقِرُّ بِالشَّاهِدِ بِالْأَوْلَى فَلَوْ اخْتَفَى الشَّاهِدُ وَسَتَرَ نَفْسَهُ وَيَرَى وَجْهَ الْمُقِرِّ وَيَفْهَمُهُ وَالْمُقِرُّ لَا يَعْلَمُهُ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ وَهَكَذَا يَفْعَلُ بِالظَّلَمَةِ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بِمَا سَمِعَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الشَّاهِدِ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي النَّوَازِلِ سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى وَرَثَةِ مَيِّتٍ مَالًا فَأُمِرَ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ فَأَحْضَرَ شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا أَنَّ الْمُتَوَفَّى قَدْ أَخَذَ مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي مِنْدِيلًا فِيهِ دَرَاهِمُ وَلَمْ يَعْلَمَا كَمْ وَزْنِهَا أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ قَالَ إنْ كَانَ الشُّهُودُ وَقَفُوا عَلَى تِلْكَ الصُّرَّةِ وَفَهِمُوا أَنَّهَا دَرَاهِمُ وَحَرَّرُوهَا فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُمْ مِنْ مِقْدَارِهَا شَهِدُوا بِذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَا جَوْدَتَهَا فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ سُتُّوقًا فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ اهـ.
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ دِرْهَمَانِ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا لِرَجُلٍ فَشَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَلَا نَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَقَرَّ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ الصَّغِيرِ اهـ.
وَالْإِقْرَارُ يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مِثَالًا لَهُمَا أَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ فَظَاهِرٌ،.
وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الْمَرْئِيَّاتِ فَبِالْكِتَابِ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ كَتَبَ كِتَابًا فِيهِ أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الشُّهُودِ فَهَذَا عَلَى أَقْسَامٍ الْأَوَّلِ أَنْ يَكْتُبَ وَلَا يَقُولَ شَيْئًا وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا فَلَا تَحِلُّ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ إقْرَارٌ قَالَ الْقَاضِي النَّسَفِيُّ إنْ كَتَبَ مَصْدَرًا مَرْسُومًا وَعَلِمَ الشَّاهِدُ حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ عَلَى إقْرَارِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ اشْهَدْ عَلَيَّ بِهِ وَعَلَى هَذَا إذَا كَتَبَ لِلْغَائِبِ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ أَمَّا بَعْدُ فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ فَيَكُونُ مُتَكَلِّمًا وَالْعَامَّةُ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَكُونُ لِلتَّجْرِبَةِ وَفِي حَقِّ الْأَخْرَسِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُعَنْوَنًا مُصَدَّرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَى الْغَائِبِ الثَّانِي كَتَبَ وَقَرَأَ عِنْدَ الشُّهُودِ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ اشْهَدُوا عَلَيَّ الثَّالِثُ أَنْ يَقْرَأَ هَذَا عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ فَيَقُولَ الْكَاتِبُ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهِ الرَّابِعُ أَنْ يَكْتُبَ عِنْدَهُمْ وَيَقُولَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ إنْ عَلِمُوا بِمَا فِيهِ كَانَ إقْرَارًا وَإِلَّا فَلَا وَذَكَرَ الْقَاضِي ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا فَأَخْرَجَ خَطًّا وَقَالَ أَنَّهُ خَطُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذَا الْمَالِ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ خَطُّهُ فَاسْتُكْتِبَ وَكَانَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ مُشَابَهَةٌ ظَاهِرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُمَا خَطُّ كَاتِبٍ وَاحِدٍ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا خَطِّي وَأَنَا حَرَّرْته لَكِنْ لَيْسَ عَلَى هَذَا الْمَالِ وَثَمَّةَ لَا يَجِبُ كَذَا هُنَا إلَّا فِي تَذَاكِرِ الْبَاعَةِ وَالصَّرَّافِ وَالسِّمْسَارِ. اهـ.
ذَكَرَهُ أَيْضًا وَفِيهَا أَيْضًا مِنْ أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فَلْيُنْظَرْ وَقَدْ أَوْضَحَ ابْنُ وَهْبَانَ فِي شَرْحِهِ مَسْأَلَةَ خَطِّ السِّمْسَارِ وَالصَّرَّافِ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهَا وَسَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَلِّهَا وَالنِّكَاحُ لَا يَكُونُ إلَّا قَوْلًا وَكَذَا لَوْ ادَّعَى التَّزَوُّجَ فَشَهِدَا لَهُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ تُقْبَلُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ وَتَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ وَبِالتَّعَاطِي وَالْوَقْفُ قَوْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ بَيَانُ الْوَاقِفِ عَلَى الصَّحِيحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي وَقْفِ الْبَزَّازِيَّةِ وَشَرْطُهُ لِقَبُولِهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ بِالْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ غَيْرِ الْبَائِعِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ بِمِلْكِ الْبَائِعِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْإِجَارَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْهَدُوا بِأَنَّ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ وَالْفَرْقُ أَنَّ إجَارَةَ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوبَ صَحِيحَةٌ بِلَا إذْنِ الْمَالِكِ وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ كَذَا فِي دَعْوَى الْبَزَّازِيَّةِ وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ بِالشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ وَكَذَا الْهِبَةُ مَعَ الْقَبْضِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشِّرَاءِ إلَخْ) سَيَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي آخِرِ بَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدَ فُلَانٍ بِأَلْفٍ إلَخْ وَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا هُنَاكَ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الْمَرْئِيَّاتِ فَبِالْكِتَابَةِ إلَخْ) أَيْ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ النَّسَفِيُّ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ نَعَمْ أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ إذَا كَانَ عَلَى رَسْمِ الصُّكُوك وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ خَطُّهُ أَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِهِ وَقَدْ شَاهَدُوا كِتَابَتَهُ وَعَرَفُوا مَا كَتَبَهُ أَوْ قَرَأَهُ عَلَيْهِمْ هَذَا حَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ فَتَاوَاهُ (قَوْلُهُ إلَّا فِي تَذَاكِرِ الْبَاعَةِ) رَأَيْت فِي هَامِشِ نُسْخَةٍ قَوْلَهُ يَا رَكَّارُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتٍ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهَا رَاءٌ مُرَكَّبٌ مَعْنَاهُ الْمُذَكَّرُ وَهُوَ هُنَا الدَّفْتَرُ
стр. 2290
لَا يَحْتَاجَانِ إلَى الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ وَالْوَاهِبِ كَذَا فِي الصُّغْرَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا بِالشِّرَاءِ لِمُدَّعِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ بِمِلْكِ الْمُدَّعِي أَوْ الْبَائِعِ أَوْ يَدِ الْبَائِعِ أَوْ أَنَّ الْبَائِعَ سَلَّمَهَا لِلْمُشْتَرِي وَفِي الشَّهَادَةِ بِالْبَيْعِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مِلْكِ الْبَائِعِ أَوْ يَدِهِ وَهَذَا إذَا شَهِدُوا بِالْبَيْعِ عَلَى غَيْرِ الْبَائِعِ فَلَوْ شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ لَمْ يُشْتَرَطْ شَيْءٌ مِنْهُمَا كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْإِقْرَارِ رُؤْيَةُ الْمُقِرِّ لِمَا فِي شَهَادَاتِ الْبَزَّازِيَّةِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ رَجُلٌ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَرَآهُ ثُمَّ خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ وَلَيْسَ لِلْبَيْتِ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ فَسَمِعَ إقْرَارَهُ مِنْ الْبَابِ بِلَا رُؤْيَةِ وَجْهِهِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا أَقَرَّ وَفِي الْعُيُونِ رَجُلٌ خَبَّأَ قَوْمًا لِرَجُلٍ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَقَرُّوهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ وَيَرَوْنَهُ وَهُوَ لَا يَرَاهُمْ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الشَّهَادَةُ اهـ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ شَرَطَ رُؤْيَةَ وَجْهِ الْمَرْأَةِ وَرَأَيْت الْإِمَامَ خَالِي أَمَرَهَا بِكَشْفِ الْوَجْهِ وَأَمَرَهَا بِالْخُرُوجِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْعُيُونِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ حَسِرَتْ عَنْ وَجْهِهَا وَقَالَتْ أَنَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَهَبْت لِزَوْجِي مَهْرِي فَلَا يَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ مَا دَامَتْ حَيَّةً إذْ يُمْكِنُ الشَّاهِدُ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا فَإِنْ مَاتَتْ فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِنَسَبِهَا وَقَالَ قَبْلَهُ لَوْ أَخْبَرَ الشَّاهِدُ عَدْلَانِ أَنَّ هَذِهِ الْمُقِرَّةَ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ يَكْفِي هَذَا لِلشَّهَادَةِ عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَلَا يُرَى أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَالْقَضَاءُ فَوْقَ الشَّهَادَةِ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِإِخْبَارِهِمَا بِالطَّرِيقِ الْأُولَى فَإِنْ عَرَفَهُمَا بِاسْمِهِمَا وَنَسَبِهِمَا عَدْلَانِ يَنْبَغِي لِلْعَدْلَيْنِ أَنْ يُشْهِدَا الْفَرْعَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا فَيَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَبِالْحَقِّ أَصَالَةً اهـ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْمُوعِ بِأَنْ كَانَ بِالْقَوْلِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَرْئِيَّاتِ إنْ كَانَ فِعْلًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا الْغَصْبُ وَالْقَتْلُ فَلَا يَكُونَانِ إلَّا مِنْ الْمَرْئِيَّاتِ وَمَنْ قَصَرَ الْبَيْعَ وَالْإِقْرَارَ وَالْحُكْمَ عَلَى الْمَرْئِيَّاتِ فَقَدْ قَصَرَ وَالتَّحْقِيقُ مَا أَسْمَعْتُك وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَلَوْ قَالَ لَهُ لَا تَشْهَدُ عَلَيَّ بَدَلَ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ لَكَانَ أَفْوَدَ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ لَا تَشْهَدُ عَلَيَّ بِمَا سَمِعْت تَسَعُهُ الشَّهَادَةُ اهـ فَيَعْلَمُ حُكْمَ مَا إذَا سَكَتَ بِالْأَوْلَى وَإِذَا سَكَتَ يَشْهَدُ بِمَا عَلِمَ وَلَا يَقُولُ أَشْهَدَنِي لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ عَنْ شَرِيكَيْنِ يَتَحَاسَبَانِ وَعِنْدَهُمَا قَوْمٌ وَقَالَا لَا تَشْهَدُوا عَلَيْنَا بِمَا تَسْمَعُونَهُ مِنَّا ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ بَاعَ شَيْئًا فَطَلَبَ الْمُقَرُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الشَّهَادَةَ قَالَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَأَمَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ لَا يَشْهَدُونَ بِهِ قَالَ الْفَقِيهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ الْفَقِيهُ إنْ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ صُدِّقَ وَادَّعَى أَنَّ شَرِيكَهُ قَبَضَ لَا يُصَدِّقُهُ يَقُولُ لِلْمُتَوَسِّطِ اجْعَلْ كَانَ هَذَا الْمَالُ عَلَى غَيْرِي وَأَنَا أُعَبِّرُ عَنْهُ ثُمَّ يَقُولُ قَبَضَ كَذَا وَكَذَا فَيُبَيِّنُ الْجَمِيعَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضِيفَ إلَى نَفْسِهِ كَيْ لَا يَصِيرَ حُجَّةً عَلَيْهِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُقِرَّ إذَا قَالَ لِلشَّاهِدِ لَا تَشْهَدُ عَلَيَّ بِمَا سَمِعْته فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا قَالَ لَهُ الْمُدَّعِي لَا تَشْهَدْ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي حِيَلِ التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ حِيَلِ الْمُدَايَنَاتِ مَعْزِيًّا إلَى الْخَصَّافِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ لَكِنْ نَقَلَ بَعْدَهُ الِاخْتِلَافَ فِيمَا لَوْ جَاءَ الْمُدَّعِي بَعْدَ النَّهْيِ وَطَلَبَ مِنْ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ فَلْيُرَاجَعْ
(تَنْبِيهٌ) مِنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى مِنْ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي إذَا كَتَبَ الْكَاتِبُ مَحْضَرَ امْرَأَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يُحَلِّيَهَا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَوْضِعَ تَحْلِيَتِهَا حَتَّى يَكُونَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي يُحَلِّيهَا وَيَكْتُبُ تَحْلِيَتَهَا فِي الْمَحْضَرِ أَوْ يُمْلِي حِلْيَتَهَا عَلَى الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّ الْكَاتِبَ وَإِنْ حَلَّاهَا لَا يَسْتَغْنِي الْقَاضِي عَنْ النَّظَرِ فِي وَجْهِهَا فَيَكُونُ فِيهِ نَظَرُ رَجُلَيْنِ إلَيْهَا وَلَوْ حَلَّاهَا الْقَاضِي كَفَى فَيَكُونُ فِيهِ نَظَرٌ وَاحِدٌ وَذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا فَكَانَ أَوْلَى وَهَلْ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ عَنْ نَصِيرِ بْنِ يَحْيَى قَالَ كُنْت عِنْدَ أَبِي سُلَيْمَانَ فَدَخَلَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ شَرَطَ رُؤْيَةَ وَجْهِ الْمَرْأَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَسَيَأْتِي الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فِي آخِرِ شَرْحِ الْمَقُولَةِ اهـ.
قُلْت: مَا سَيَأْتِي غَيْرُ هَذَا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ عَرَفَهُمَا بِاسْمِهِمَا وَنَسَبِهِمَا عَدْلَانِ) هَكَذَا فِي النُّسَخ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ فِي الثَّلَاثَةِ وَالصَّوَابُ حَذْفُهُ وَالضَّمِيرُ لِلْمُؤَنَّثَةِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَفِيهِ وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى إخْبَارِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِاسْمِهِمَا وَنَسَبِهِمَا لَعَلَّهُمَا تَسَمَّيَا وَانْتَسَبَا بِاسْمِ غَيْرِهِمَا وَنَسَبِهِ يُرِيدَانِ أَنْ يُزَوِّرَا عَلَى الشُّهُودِ لِيُخْرِجَا الْمَبِيعَ مِنْ يَدِ مَالِكه فَلَوْ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِهِمَا نَفَذَ تَزْوِيرُهُمَا وَبَطَلَ أَمْلَاك النَّاس وَهَذَا فَصْلٌ غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَسْمَعُونَ لَفْظَ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ وَالتَّقَابُضِ مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَعْرِفُونَهُمَا ثُمَّ إذَا اُسْتُشْهِدُوا بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِ الْبَيْعِ شَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَطَرِيقُ عِلْمِ الشُّهُودِ بِالنَّسَبِ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُمْ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ كَافٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ أَقُولُ: يَحْصُلُ لِلْقَاضِي الْعِلْمُ بِالنَّسَبِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لِلشُّهُودِ أَيْضًا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَشْمَلُ مَسْأَلَةَ النَّهْيِ الْمَذْكُورَةَ مَعَ أَنَّهُ يَشْمَلُهَا وَسَيَأْتِي قَرِيبًا تَقْيِيدُ مَسْأَلَةِ النَّهْيِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُدَّعِي.
(قَوْلُهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الِاسْتِفْهَامِ
стр. 2291
فَسَأَلَهُ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَتَى تَجُوزُ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا قَالَ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا تَجُوزُ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا فُلَانَةُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى النَّاسِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ حُجَّةً إلَّا بِالنَّقْلِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلِذَا لَا بُدَّ مِنْ عَدَالَةِ الْأُصُولِ فَلَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَهُ حُجَّةً بِلَا أَمْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّحْمِيلِ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ آخَرَ عَلَى شَهَادَتِهِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ يَشْهَدُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُلْزِمَةٌ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مُلْزِمَةً إلَّا بِالْقَضَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ وَتَرَكَ الْمُؤَلِّفُ ﵀ قَيْدَيْنِ آخَرَيْنِ لِجَوَازِهَا عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ: الْأَوَّلَ أَنْ يَقْبَلَ التَّحْمِيلَ فَلَوْ أَشْهَدَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ لَا أَقْبَلُ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ شَاهِدًا حَتَّى لَوْ شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَلِلْوَكِيلِ أَنْ لَا يَقْبَلَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا مِنْ أَنَّهُ تَحْمِيلٌ فَلَا يَبْطُلُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّ مَنْ حَمَّلَ غَيْرَهُ شَهَادَةً لَمْ تَبْطُلْ بِالرَّدِّ. الثَّانِيَ أَنْ لَا يَنْهَاهُ الْأَصِيلُ بَعْدَ التَّحْمِيلِ عَنْهَا لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لَوْ حَضَرَ الْأَصْلَانِ وَنَهَيَا الْفُرُوعَ عَنْ الشَّهَادَةِ صَحَّ النَّهْيُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَصِحُّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ اهـ.
وَفِي النَّوَازِلِ النَّصْرَانِيُّ إذَا أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُ مُرَادُهُ أَنَّهُ أَشْهَدَ نَصْرَانِيًّا مِثْلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشْهَدَ مُسْلِمًا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَيَّدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُمَا الْقَاضِي عَلَيْهِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا سَمِعَاهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَقْيَسُ وَمَنَعَهُ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ الْأَحْوَطُ. اهـ.
وَجَزَمَ بِالْجَوَازِ فِي الْمِعْرَاجِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْقَضَاءَ حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ وَمَنْ سَمِعَ الْحُجَّةَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا اهـ.
وَفِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلصَّدْرِ مِنْ الْبَابِ الْأَرْبَعِينَ ضَاعَ سِجِلٌّ مِنْ دِيوَانِ الْقَاضِي فَشَهِدَ كَاتِبَاهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَمْضَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُهُ وَلَوْ ضَاعَ إقْرَارُ رَجُلٍ فَشَهِدَ كَاتِبَاهُ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَلَوْ ضَاعَ مَحْضَرٌ مِنْ دِيوَانِهِ فِيهِ شَهَادَةُ شُهُودٍ بِحَقٍّ لَا يَذْكُرُهُ الْقَاضِي فَشَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا عِنْدَهُ بِكَذَا لَا يَقْبَلُهَا الْقَاضِي وَلَا يُنْفِذُهُ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَمْ يَحْمِلَاهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْهُ وَتَمَامُهُ فِيهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِشَهَادَةِ الْكُلِّ كَذَا فِي الْخِزَانَةِ وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا لَكَانَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ لِمَا فِي الْخِزَانَةِ لَوْ قَالَ اشْهَدْ عَلَيَّ بِكَذَا أَوْ اشْهَدْ عَلَيَّ مَا شَهِدْت بِهِ كَانَ بَاطِلًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ
ــ
[منحة الخالق]
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَهُ وَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا وَقَدْ مَرَّ فِي هَذِهِ الْقَوْلَةِ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اشْتِرَاطُهُ وَعِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَإِلَيْهِ مَالَ الْإِمَامُ خواهر زاده وَفِي النَّوَازِلِ قَالَ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ شَخْصِهَا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا إلَى آخِرِ مَا قَدَّمَهُ وَتَقَدَّمَ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ أَخْبَرَ الشَّاهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ يَكْفِي لِلشَّهَادَةِ عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَالَ أَبُو السُّعُودِ فَتَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ وَجْهِ الْمَرْأَةِ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عِنْدَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهَا أَمَّا إذَا عَرَفَهَا فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا بِدُونِ رُؤْيَةِ وَجْهِهَا وَلَكِنْ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا رَأَى وَجْهَهَا ثُمَّ تَنَقَّبَتْ فَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهَا مَثَلًا فِي حَالِ تَنَقُّبِهَا فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ مِنْ غَيْرِهِ إذْ تَعْرِيفُ غَيْرِهِ حِينَئِذٍ لَا يَزِيدُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَنَقِّبَةً وَكَانَ يَعْرِفُهَا قَبْلُ فَعَرَفَهَا بِصَوْتِهَا وَهَيْئَتِهَا وَلَمْ يَرَ وَجْهَهَا وَقْتَ التَّنَقُّبِ أَوْ الْإِقْرَارِ فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فَفِي الْعِمَادِيَّةِ قَالُوا لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ بِدُونِ رُؤْيَةِ وَجْهِهَا وَبِهِ يُفْتِي شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيُّ وَظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ اهـ.
وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا عَرَفَهَا بِصَوْتِهَا أَوْ لَا وَفِي الْبِيرِيِّ عَلَى الْأَشْبَاهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِطٍ أَوْ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ وَإِنْ عَرَفَ كَلَامَهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي أَقْرَبُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهَا إلَّا إذَا رَأَى شَخْصَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي النَّوَادِرِ رُؤْيَةَ وَجْهِهَا اهـ.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْفَتْحِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا (قَوْلُهُ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هُنَا حَذْفٌ وَلَعَلَّهُ بَعْدَ قَوْلِهَا أَنَّهَا فُلَانَةُ وَعِنْدَهُمَا يَكْتَفِي بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ ثُمَّ رَاجَعْت النَّوَازِلَ فَوَجَدْتهَا كَمَا أَصْلَحْتهَا ثُمَّ قَالَ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُوك يَقُولَانِ يَجُوزُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مُلْزِمَةً لَا بِالْقَضَاءِ) أَيْ لَا تَكُونُ مُلْزِمَةً لِلْخَصْمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُحَقِّقِ أَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِهَا إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ بِهَا إلَّا فِي مَوَاضِعَ تَقَدَّمَتْ فِي الْقَضَاءِ وَمَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ ثُمَّ قَالَ وَيُخَالِفُهُ تَصْوِيرُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الصَّدْرِ سَمِعَ رَجُلٌ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي لَمْ يَسَعْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَتَرَكَ الْمُؤَلِّفُ قَيْدَيْنِ آخَرَيْنِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ هُنَا بَيَانَ أَحْكَامِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ شُرُوطَهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ لَهُ بَابٌ مَخْصُوصٌ سَيَأْتِي وَمُرَادُهُ هُنَا إظْهَارُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمَرْئِيَّاتِ فِي اشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ وَعَدَمِهِ فَتَدَبَّرْ.
стр. 2292
اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي إلَى آخِرِهِ.
(قَوْلُهُ وَ لَا يَعْمَلُ شَاهِدٌ وَقَاضٍ وَرَاوٍ بِالْخَطِّ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوا) أَيْ لَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ إذَا رَأَى خَطَّهُ أَنْ يَشْهَدَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ وَكَذَا الْقَاضِي إذَا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ مَكْتُوبًا شَهَادَةَ شُهُودٍ وَلَا يَتَذَكَّرُ وَلَا لِلرَّاوِي أَنْ يَرْوِيَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا فِي كِتَابِهِ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَحَذَفَ مَفْعُولَ يَتَذَكَّرُوا لِإِرَادَةِ التَّعْمِيمُ فَلَا بُدَّ عِنْدَهُ لِلشَّاهِدِ مِنْ تَذَكُّرِ الْحَادِثَةِ وَالتَّارِيخِ وَالْمَالِ مَبْلَغِهِ وَصِفَتِهِ حَتَّى إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا مِنْهُ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ وَخَاتَمُهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنْ شَهِدَ فَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يَكْفِي تَذَكُّرُ مَجْلِسِ الشَّهَادَةِ وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَعَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَكَانَ الشَّهَادَةِ وَوَقْتَهَا اهـ.
وَجَوَّزَ مُحَمَّدٌ لِلْكُلِّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْكِتَابِ إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ وَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ لِلرَّاوِي وَالْقَاضِي دُونَ الشَّاهِدِ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ضَيَّقَ فِي الْكُلِّ حَتَّى قَلَّتْ رِوَايَتُهُ الْإِخْبَارَ مَعَ كَثْرَةِ سَمَاعِهِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ رَجُلٍ غَيْرَ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ الْحِفْظَ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إلَى وَقْتِ الرِّوَايَةِ اهـ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْقَاضِي إذَا وَجَدَ قَضَاءَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَجِدُهُ فِي دِيوَانِ قَاضٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ مَخْتُومًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهَكَذَا فِي الْأَجْنَاسِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَجَزَمَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِأَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَنْ وَجَدَ خَطَّهُ وَعَرَفَهُ وَنَسِيَ الشَّهَادَةَ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ إذَا كَانَ فِي حَوْزِهِ وَبِهِ نَأْخُذُ. اهـ.
وَعَزَاهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَى النَّوَازِلِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلَا يَعْمَلُ إلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي نُسْخَةٍ وَقَرَأَهَا لِأَجْلِ الضَّبْطِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى خَطِّهِ وَقَدْ عَقَدَ فِي السِّرَاجِيَّةِ لَهَا بَابًا فَقَالَ بَابُ الشَّهَادَةِ مِنْ النُّسْخَةِ إلَى آخِرِ مَا فِيهَا وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الِاخْتِلَافِ السَّابِقِ مَسَائِلُ حَاصِلُهَا أَيَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى غَيْرِ الْحِفْظِ مِنْ إخْبَارِ مُخْبِرٍ بِقَضَاءٍ أَوْ شَهَادَةٍ أَوْ رِوَايَةٍ أَمْ لَا الْأَوْلَى لَوْ نَسِيَ الْقَاضِي قَضَاءَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِجِلٌّ فَشَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا الثَّانِيَةُ أَخْبَرَهُ قَوْمٌ يَثِقُ بِهِمْ أَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا الثَّالِثَةُ سَمِعَ حَدِيثًا مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ نَسِيَ رَاوِيَ الْأَصْلِ فَسَمِعَهُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا اعْتَمَدَ عَلَى خَطِّهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ وَشَهِدَ وَقُلْنَا بِقَبُولِهِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ هَلْ يَشْهَدُ عَنْ عِلْمٍ أَمْ عَنْ الْخَطِّ إنْ قَالَ عَنْ عِلْمٍ قَبِلَهُ وَإِنْ قَالَ عَنْ الْخَطِّ لَا كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْمِعْرَاجِ وَعَلَى الِاخْتِلَافِ لَوْ سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ حَدِيثًا ثُمَّ نَسِيَ الْأَصْلُ الرِّوَايَةَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يَعْمَلُ بِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَعْمَلُ بِهِ وَعَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الرِّوَايَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهِيَ ثَلَاثٌ سَمِعَهَا مُحَمَّدٌ مِنْ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ نَسِيَ أَبُو يُوسُفَ الرِّوَايَةَ فَكَانَ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ لَا يَدَعُ الرِّوَايَةَ اهـ.
وَهِيَ سِتٌّ لَا ثَلَاثٌ كَمَا نَقَلْنَاهَا مُبَيَّنَةً فِي شَرْحِنَا عَلَى الْمَنَارِ وَتَعَقَّبَهُمْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُنَا وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِأَنَّ الْحِكَايَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ تُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَكْذِيبِ الْأَصْلِ الْفَرْعَ وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي بُطْلَانِ الرِّوَايَةِ لَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ النِّسْيَانِ فَاعْتِمَادُ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مُشْكِلٌ
(قَوْلُهُ وَلَا يَشْهَدُ بِمَا لَمْ يُعَايِنْهُ إلَّا فِي النَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالنِّكَاحِ وَالدُّخُولِ وَوِلَايَةِ الْقَاضِي وَأَصْلِ الْوَقْفِ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا إذَا أَخْبَرَهُ بِهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ) اسْتِحْسَانًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَتَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ إذْ لَا يَحْضُرُهَا إلَّا الْخَوَاصُّ وَالْمُرَادُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُعَايَنَةِ بِالْعَيْنِ أَوْ السَّمَاعِ إلَّا فِي كَذَا أَمَّا النَّسَبُ فَمِنْ نَسَبْتُهُ إلَى أَبِيهِ نَسَبًا مِنْ بَابِ طَلَبَ عَزَوْته إلَيْهِ وَانْتَسَبَ إلَيْهِ اعْتَزَى ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ النَّسَبُ وَهُوَ الْمَصْدَرُ فِي مُطْلَقِ الْوَصْلَةِ بِالْقَرَابَةِ فَيُقَالُ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَيْ قَرَابَةٌ وَسَوَاءٌ جَازَ بَيْنَهُمَا التَّنَاكُحُ أَمْ لَا وَجَمْعُهُ أَنْسَابٌ وَتَمَامُهُ فِي الْمِصْبَاحِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ هُنَا فَأَفَادَ أَنَّهُ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِالتَّسَامُعِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الدَّعْوَى الْعَاشِرِ فِي النَّسَبِ وَفِي دَعْوَى الْعُمُومَةِ لَا بُدَّ أَنْ يُفَسِّرَ أَنَّهُ عَمُّهُ لِأُمِّهِ أَوْ لِأَبِيهِ أَوْ لَهُمَا وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ هُوَ وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ لِأَبَوَيْهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ يَحْكُمُ لَهُ بِالْمَالِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْأَسْمَاءِ فِي الْأَقْضِيَةِ
ــ
[منحة الخالق]
[لَا يَعْمَلُ شَاهِدٌ وَقَاضٍ وَرَاوٍ بِالْخَطِّ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوا]
(قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْأَسْمَاءِ فِي الْأَقْضِيَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي دَعْوَى الْحُكْمِ بِلَا تَسْمِيَةِ الْقَاضِي بَعْدَ كَلَامٍ قَدَّمَهُ قَالَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي دَعْوَى الْفِعْلِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْفِعْلِ هَلْ تُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْفَاعِلِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ﵏ وَأَدِلَّةُ الْكُتُبِ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ مَسَائِلَ وَقَالَ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ الْفَاعِلِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ فَتَأَمَّلْ عِنْدَ الْفَتْوَى
стр. 2293
إلَى أَنْ قَالَ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ إنْ ادَّعَى إرْثًا أَوْ نَفَقَةً وَبَرْهَنَ تُقْبَلُ وَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْأَبُ وَأَنْكَرَ لَا يُقْبَلُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْحَقِّ عَلَى الْغَائِبِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ مَالًا بَلْ ادَّعَى الْأُخُوَّةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إثْبَاتُ الْبُنُوَّةِ عَلَى الْأَبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْخَصْمُ فِيهِ هُوَ الْأَبُ لَا الْأَخُ.
وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ أَوْ أَبُو أَبِيهِ وَالِابْنُ وَالْأَبُ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَدَّعِ مَالًا فَإِنْ ادَّعَى مَالًا فَالْحُكْمُ عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ أَوْ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَوْجُهَا أَوْ ادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى عَرَبِيٍّ أَنَّهُ مَوْلَاهُ عَتَاقَةً أَوْ ادَّعَى عَرَبِيٌّ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ مُعْتَقُهُ أَوْ ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهَا أَمَتُهُ أَوْ كَانَ الدَّعْوَى فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي عَلَى مَا قَالَ يُقْبَلُ ادَّعَى بِهِ حَقًّا أَوْ لَا بِخِلَافِ دَعْوَى الْأُخُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى الْغَيْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ أَوْ زَوْجُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ صَحَّ أَوْ بِأَنَّهُ أَخُوهُ لَا لِكَوْنِهِ حَمَلَ النَّسَبَ عَلَى الْغَيْرِ وَتَمَامُهُ فِيهَا وَحَاصِلُ مَا يَنْفَعُنَا هُنَا أَنَّ الشُّهُودَ إذَا شَهِدُوا بِنَسَبٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُهُمْ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا بَعْدَ دَعْوَى مَالٍ إلَّا فِي الْأَبِ وَالِابْنِ وَقَيَّدَ فِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْمَبْسُوطِ قَبُولَهَا فِي النَّسَبِ بِقَيْدٍ حَسَنٍ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَأَمَّا الْمَوْتُ فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمَوْتُ كَالْقَتْلِ وَلَعَلَّهُ وَالْقَتْلُ كَالْمَوْتِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَخِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْقَتْلِ بِالتَّسَامُعِ جَائِزَةٌ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ مُشْكِلٌ لِتَرَتُّبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهَا وَفِيهَا شُبْهَةٌ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ وَلَمْ أَرَ مَنْ أَوْضَحَهُ إلَى الْآنِ وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا هُوَ فِي خَاصٍّ وَهُوَ جَوَازُ اعْتِدَادِ الْمَرْأَةِ إذَا أُخْبِرَتْ بِقَتْلِهِ كَمَوْتِهِ لِلتَّزَوُّجِ وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ يُخَالِفُهُ وَكَذَا تَعَارُضُ الْخَبَرَيْنِ عِنْدَنَا بِقَتْلِهِ وَحَيَاتِهِ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَعْمَلُ بِالسَّمَاعِ بِالْأَوْلَى لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةٍ سَمِعْت أَنَّ زَوْجَك مَاتَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ عَدْلًا. اهـ.
وَمَسَائِلُ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ بِمَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ فِيهَا هُنَا وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ فِي الْمَوْتِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَيِّتِ مَشْهُورًا أَوْ لَا وَقَيَّدَهُ فِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ بِأَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَوْ مِنْ الْعُمَّالِ أَمَّا إذَا كَانَ تَاجِرًا أَوْ مِثْلَهُ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْمُعَايَنَةِ اهـ.
وَقَيَّدَ بِأَصْلِ الْوَقْفِ احْتِرَازًا عَنْ شَرَائِطِهِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيهَا بِالتَّسَامُعِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْوَقْفِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا تُقْبَلُ بِالتَّسَامُعِ عَلَى أَصْلِهِ لَا عَلَى شَرَائِطِهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْإِعْصَارِ لَا شَرَائِطِهِ وَكُلُّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ صِحَّةُ الْوَقْفِ وَتَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَصْلِهِ وَمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ فَهُوَ مِنْ الشَّرَائِطِ وَنَصَّ الْفَضْلِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْوَقْفِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ جَوَازَهُ عَلَى أَصْلِهِ لَا عَلَى شَرَائِطِهِ بِأَنْ يَقُولَ إنَّهُ وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ هَذَا أَوْ الْمَقْبَرَةِ هَذِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ اهـ.
وَالْمُرَادُ مِنْ الشَّرَائِطِ أَنْ يَقُولُوا إنَّ قَدْرًا مِنْ الْغَلَّةِ لِكَذَا ثُمَّ يُصْرَفُ الْفَاضِلُ إلَى كَذَا بَعْدَ بَيَانِ الْجِهَةِ فَلَوْ ذَكَرَ هَذَا لَا تُقْبَلُ اهـ وَفِي الْفُصُولِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَحَاصِلُ مَا يَنْفَعُنَا هُنَا إلَخْ) الْأَنْفَعُ مَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى لَوْ سَمِعَ مِنْ النَّاسِ أَنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ الْوِلَادَةَ عَلَى فِرَاشِهِ وَطَرِيقَةُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْ جَمَاعَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا إذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ يَكْفِي وَذَكَرَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ وَإِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ وَانْتَسَبَ إلَيْهِ وَأَقَامَ مَعَهُ دَهْرًا لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَسَبِهِ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ عَدْلَانِ أَوْ يَكُونَ النَّسَبُ مَشْهُورًا وَذَكَرَ الْخَصَّافُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَشَرَطَ لِجَوَازِ الشَّهَادَةِ شَرْطَيْنِ أَنْ يَشْتَهِرَ الْخَبَرُ وَالثَّانِيَ أَنْ يَمْكُثَ فِيهِمْ سَنَةً فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى نَسَبِهِ حَتَّى يَقَعَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِي قُلُوبهمْ وَذَلِكَ بِأَنْ يُقِيمَ مَعَهُمْ سَنَةً وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ مِنْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ حَلَّ لَهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ وَإِلَّا فَلَا أَمَّا إذَا سَمِعَ ذَلِكَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ الْمُدَّعِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنْ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ لَكِنَّهُ إنْ شَهِدَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ حَتَّى يَقَعَ الشُّهْرَةُ حَقِيقَةً وَعُرْفًا وَوَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ فُلَانٍ أَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ حَتَّى ثَبَتَ الِاشْتِهَارُ شَرْعًا حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ (قَوْلُهُ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا بَعْدَ دَعْوَى مَالٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ دَعْوَى الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْوَقْتِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى مَالٍ وَمِثْلُهُ الْوَصِيَّةُ وَنَحْوُهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي عَشَرَ لَوْ أَخْبَرَهَا عَدْلٌ أَنَّ زَوْجَهَا مَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَهَا التَّزَوُّجُ وَلَوْ أَخْبَرَهَا فَاسِقٌ تَحَرَّتْ وَفِي إخْبَارِ الْعَدْلِ بِمَوْتِهِ إنَّمَا يَعْتَمِدُ عَلَى خَبَرِهِ لَوْ قَالَ عَايَنْته مَيِّتًا أَوْ شَهِدَ جِنَازَتَهُ لَا لَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ بِهِ وَيَأْتِي تَمَامُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَمَسَائِلُ تَعَارُضِ الْخَبَرِ بِمَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ فِيهَا) أَيْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِمَوْتِ الْغَائِبِ وَاثْنَانِ بِحَيَاتِهِ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ عَايَنَ الْمَوْتَ أَوْ شَهِدَ جِنَازَتَهُ وَعَدَلَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ هَذَا إذَا لَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا وَكَانَ تَارِيخُ الْمَوْتِ آخِرًا أَوْ إنْ كَانَ تَارِيخُ الْحَيَاةِ آخِرًا فَشَاهِدُ الْحَيَاةِ أَوْلَى وَفِي وَصَايَا عِصَامٍ شَهِدَا بِأَنَّ زَوْجَهَا فُلَانًا مَاتَ أَوْ قُتِلَ وَآخَرُ عَلَى الْحَيَاةِ فَالْمَوْتُ أَوْلَى (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْمُعَايَنَةِ) قَالَ بَعْدَهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ هَكَذَا ذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ وَلَا تَظْفَرُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ فِي غَيْرِ فَتَاوَاهُ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ تَأَمَّلْ
стр. 2294
الْعِمَادِيَّةِ مِنْ الْعَاشِرِ الْمُخْتَارُ أَنْ لَا تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ بِالشُّهْرَةِ عَلَى شَرَائِطِ الْوَقْفِ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ دَعْوَى الْوَقْفِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ مَا يُوَافِقُ هَذَا وَكَذَا فِي الْإِسْعَافِ وَفِي الْمُجْتَبَى الْمُخْتَارُ أَنْ تُقْبَلَ عَلَى شَرَائِطِ الْوَقْفِ. اهـ.
وَاعْتَمَدَهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَقَوَّاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ وَأَنْتَ إذَا عَرَفْت قَوْلَهُمْ فِي الْأَوْقَافِ الَّتِي انْقَطَعَ ثُبُوتُهَا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهَا شَرَائِطُ وَمَصَارِفُ أَنَّهُ يَسْلُكُ بِهَا مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي دَوَاوِينِ الْقُضَاةِ لَمْ تَقِفْ عَنْ تَحْسِينِ مَا فِي الْمُجْتَبَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الثُّبُوتِ بِالتَّسَامُعِ. اهـ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ فِيهَا بِذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْمُدَّعِي أَعَمُّ ثُمَّ قَالَ أَيْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَيْسَ مَعْنَى الشُّرُوطِ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ بَلْ أَنْ يَقُولَ يَبْدَأُ مِنْ غَلَّتِهَا بِكَذَا وَكَذَا وَالْبَاقِي كَذَا وَكَذَا اهـ.
وَمَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ بِالْوَقْفِ أَصْلًا وَشُرُوطًا لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا قَاسَهَا الْمَشَايِخُ عَلَى الْمَوْتِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهَا بِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْوَلَاءِ وَالْعِتْقِ وَاخْتَلَفَ الْفَحْلَانِ فِي نَقْلِ الِاخْتِلَافِ فِي الْعِتْقِ فَنَقَلَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ عَدَمَ قَبُولِهَا فِيهِ إجْمَاعًا وَنَقَلَ أُسْتَاذُهُ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَنْقُولِ فِي الْوَلَاءِ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْجَوَازُ فِيهِمَا وَمِنْ ذَلِكَ الْمَهْرُ فَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيهِ بِهِ وَلَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْخِزَانَةِ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ اهـ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ النِّكَاحِ فَكَانَ كَأَصْلِهِ وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافًا فِي الدُّخُولِ فَفِي فَوَائِدِ أُسْتَاذِنَا ظَهِيرِ الدِّينِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى الدُّخُولِ بِالْمَنْكُوحَةِ بِالتَّسَامُعِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ الدُّخُولَ يُثْبِتَ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ اهـ.
وَظَاهِرُ مَا فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ الْأَمِيرَ كَالْقَاضِي فَيُزَادُ إلَّا مَرَّةً وَكَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخَصَّافَ شَرَطَ لِلْقَبُولِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْعِتْقِ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا وَلِلْمُعْتِقِ أَبَوَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ.
وَقَوْلُهُ إذَا أَخْبَرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْكُلِّ أَمَّا الَّذِي يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ لَفْظِهَا وَشَرَطَ فِي الْعِنَايَةِ لَفْظَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا قَالُوا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الْإِسْعَافِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَقَعَ فِي عِبَارَة الْإِسْعَافِ مَا لَفْظُهُ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شَرَائِطِهِ وَجِهَاتِهِ فَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّرَائِطِ وَالْجِهَاتِ بِالتَّسَامُعِ وَهَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ ظَهِيرُ الدِّينِ ﵀. اهـ.
أَقُولُ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَجِهَاتِهِ أَيْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ لَوْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِيهَا بِمُجَرَّدِهَا لَا تُقْبَلُ بِالسَّمَاعِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ رَأَيْت فِي خِلَالِ الْمُطَالَعَةِ فِي فَتَاوَى شَيْخِنَا قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجِهَةِ بِالسَّمَاعِ وَأَنَّهَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَصْلِ لَكِنْ وَقَعَ فِي الْإِسْعَافِ عِبَارَةٌ تُنَافِي هَذَا ظَاهِرًا حَيْثُ قَالَ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّرَائِطِ وَالْجِهَاتِ وَمِثْلُهُ فِي قَاضِي خَانْ فِي أَوَاخِرِ فَصْلٍ فِي دَعْوَى الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمَا وَالْجِهَاتُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَوْلُهُمْ إنْ قَدَّرَا مِنْ الْغَلَّةِ لِكَذَا ثُمَّ يُصْرَفُ الْفَاضِلُ لِكَذَا وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ بَيَانِ الْجِهَةِ اهـ.
فَقَوْلُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ بَيَانِ الْجِهَةِ هُوَ عَيْنُ مَا قُلْته وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوَفِّقُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ فِيهَا بِذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) أَيْ ضَرُورَةِ انْقِطَاعِ الثُّبُوتِ بِمَوْتِ الشُّهُودِ وَالْمُدَّعِي أَعَمُّ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ عِنْدَ حَيَاةِ الشُّهُودِ عَلَى شَرَائِطِ الْوَقْفِ لَا حَاجَةَ إلَى الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَ مَوْتِهِمْ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مَعْنَى الشُّرُوطِ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْمُرَادُ بِأَصْلِ الْوَقْفِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَقْفٌ عَلَى كَذَا فَبَيَانُ الْمَصْرِفِ دَاخِلٌ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ أَمَّا الشَّرَائِطُ فَلَا تَحِلُّ فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ اهـ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الشُّرُوطِ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ مَا فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ الْأَمِيرَ كَالْقَاضِي) صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَكَذَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى أَنَّهُ قَاضِي بَلَدِ كَذَا أَوْ وَالِي بَلَدِ كَذَا وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ التَّقْلِيدَ وَالْمَنْشُورَ اهـ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ) أَيْ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَشَرَطَ فِي الْعِنَايَةِ لَفْظَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا قَالُوا) كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ سَقْطًا أَوْ تَحْرِيفًا وَعِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَلَفَّظَ الْمُخْبِرُ بِالْمَوْتِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مَنْ يَشْهَدُ أَمَّا الَّذِي يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي يَتَلَفَّظُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا الْفُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا شَهَادَةُ الْعَدْلَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَا عِنْدَهُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ قَالَ أُسْتَاذُنَا ظَهِيرُ الدِّينِ فِي الْأَقْضِيَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الْإِمَامِ الشَّهِيدِ بُرْهَانِ الْأَئِمَّةِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ إنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ إذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ اهـ.
وَفِي شَرْحِ ابْنِ الشِّحْنَةِ وَالْجَوَابُ فِي الْقَضَاءِ وَالنِّكَاحِ نَظِيرُ الْجَوَابِ فِي النَّسَبِ فَقَدْ فَرَّقُوا جَمِيعًا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فَاكْتَفُوا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْمَوْتِ دُونَهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَّفِقُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا وَاحِدٌ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهَا بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَوْتَ كَنِكَاحٍ وَغَيْرِهِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالثَّلَاثَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ مَوْضُوعِ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ عَدْلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَدْلَ فِي الثَّلَاثَةِ فَلَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ فِي الثَّلَاثَةِ عَدْلًا أَيْضًا حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا ثُمَّ فِي الثَّلَاثَةِ إذَا ثَبَتَ الشُّهْرَةُ عِنْدَهُمَا بِخَبَرِ عَدْلَيْنِ يَجِبُ الْإِخْبَارُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَفِي الْمَوْتِ لَمَّا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَجِبُ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ
стр. 2295
مَنْ يَثِقُ بِهِ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ وَذُكُورَةٍ فِي الْمُخْبِرِ وَلَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ فِي النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ لَا بُدَّ أَنْ يُخْبِرَهُ عَدْلَانِ بِخِلَافِ الْمَوْتِ قَالَ وَفِي الْمَوْتِ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ هِيَ إذَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ إلَّا وَاحِدٌ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ مَاذَا يَصْنَعُ قَالُوا يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَدْلًا مِثْلَهُ وَإِذَا سَمِعَ مِنْهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَوْتِهِ فَيَشْهَدَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ فَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا اهـ.
وَظَاهِرُ مَا فِي السِّرَاجِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَبَرِ عَدْلَيْنِ فِي الْكُلِّ إلَّا فِي الْمَوْتِ وَصَحَّحَ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ كَغَيْرِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ فِي الْمَوْتِ وَالْعَدَالَةُ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْمُخْبِرِ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ أَمَّا فِي الْمُتَوَاتِرِ فَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَلَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِخْبَارِ وَهُوَ قُصُورٌ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إذَا شَهِدَ تَعْرِيسَهُ وَزِفَافَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ إذَا رَأَى رَجُلًا يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَيَنْبَسِطَانِ انْبِسَاطَ الْأَزْوَاجِ وَسَمِعَ مِنْ النَّاسِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ النِّكَاحَ وَكَذَا إذَا رَأَى شَخْصًا جَالِسًا مَجْلِسَ الْحُكْمِ يَفْصِلُ الْخُصُومَاتِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ قَاضٍ. اهـ.
فَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ الِاكْتِفَاءُ بِمَا ذُكِرَ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِخْبَارِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ الْحَقُّ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ جَاءَ خَبَرُ مَوْتِ إنْسَانٍ فَصَنَعُوا مَا يُصْنَعُ عَلَى الْمَيِّتِ لَمْ يَسَعْك أَنْ تُخْبِرَ بِمَوْتِهِ حَتَّى يُخْبِرَك ثِقَةٌ أَنَّهُ عَايَنَ مَوْتَهُ؛ لِأَنَّ الْمَصَائِبَ قَدْ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْتِ إمَّا خَطَأً أَوْ غَلَطًا أَوْ حِيلَةً لِقِسْمَةِ الْمَالِ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ نِكَاحٌ حَضَرَهُ رَجُلَانِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا جَمَاعَةً أَنَّ فُلَانًا تَزَوَّجَ فُلَانَةَ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا ثُمَّ الْآنَ يَجْحَدُ هَذَا التَّسَامُعَ يَجُوزُ لِلسَّامِعِينَ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالنَّسَبِ مِمَّا لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ لِكَوْنِهِ عَلَى الْكَافَّةِ كَالنِّكَاحِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْوَلَاءِ كَمَا فِي الصُّغْرَى وَكَذَا كَتَبْنَا فِي الْفَوَائِدِ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْكَافَّةِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ النَّسَبِ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ شَهِدَا أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ مَاتَ وَهَذَا ابْنُ أَخِيهِ وَوَارِثُهُ قُضِيَ بِالنَّسَبِ وَالْإِرْثِ ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ يُنْقَضُ الْأَوَّلُ وَيَقْضِي لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ الْأَخِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ وَابْنُ أَخٍ فَيُنْقَضُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ لَا فِي حَقِّ النَّسَبِ حَتَّى يَبْقَى الْأَوَّلُ ابْنَ عَمٍّ لَهُ حَتَّى يَرِثَ مِنْهُ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا آخَرَ أَقْرَبَ مِنْهُ فَإِنْ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَيِّتَ الْأَوَّلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَنَسَبَهُ إلَى أَبٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَبِ الَّذِي نَسَبَهُ إلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ ادَّعَى ابْنُ أَخِيهِ لَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَ نَفْسَهُ مِنْ الْأَوَّلِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِإِثْبَاتِهِ فِي إنْسَانٍ آخَرَ وَلَيْسَ فِي الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةُ إثْبَاتٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ غَيْرُ الْخَصْمِ إذْ لَوْ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى خَبَرِهِ وَيَشْهَدَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لَجَازَ لِلْقَاضِي الْقَضَاءُ بِقَوْلِهِ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَشَرَطَ فِيهَا لِلْقَبُولِ فِي النَّسَبِ أَنْ يُخْبِرَهُ عَدْلَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِ الرَّجُلِ فَإِنْ أَقَامَ الرَّجُلُ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ عَلَى نَسَبِهِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ غَرِيبًا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِنَسَبِهِ حَتَّى يَلْقَى مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَيَشْهَدَانِ عِنْدَهُ عَلَى نَسَبِهِ قَالَ الْجَصَّاصُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ سِوَى الرَّقِيقِ لَك أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَقْصَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمِلْكِ إذْ هِيَ مَرْجِعُ الدَّلَالَةِ فِي الْأَسْبَابِ كُلِّهَا فَيُكْتَفَى بِهَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ قَالُوا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِإِطْلَاقِ مُحَمَّدٍ فِي الرِّوَايَةِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَبِهِ نَأْخُذُ فَهُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا اهـ.
فَلَوْ رَأَى دُرَّةً فِي يَدِ كَنَّاسٍ أَوْ كِتَابًا بَاقِيًا فِي يَدِ جَاهِلٍ لَا يَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لَهُ بِمُجَرَّدِ يَدِهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ أَنَّهَا دَلِيلُ الْمِلْكِ مَعَ التَّصَرُّفِ لِكَوْنِهَا مُتَنَوِّعَةً إلَى أَمَانَةٍ وَمِلْكٍ قُلْنَا وَالتَّصَرُّفُ يَتَنَوَّعُ أَيْضًا إلَى أَصَالَةٍ وَنِيَابَةٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ عَايَنَ الْمَالِكَ وَالْمِلْكَ فَإِذَا رَآهُ فِي يَدِ آخَرَ فَجَاءَ الْأَوَّلُ وَادَّعَى الْمِلْكَ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ بِنَاءً عَلَى يَدِهِ قَالُوا وَكَذَا إذَا عَايَنَ الْمِلْكَ بِحُدُودِهِ دُونَ الْمِلْكِ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ لَهُ وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا النَّاصِحِيُّ بِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ كَانَ امْرَأَةً
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَيُنْقَضُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ لَا فِي حَقِّ النَّسَبِ) هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ النَّسَبِ إلَخْ.
стр. 2296
لَا تَخْرُجُ وَلَا يَرَاهَا الرِّجَالُ فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ مَشْهُورًا أَنَّهُ لَهَا جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ شُهْرَةَ الِاسْمِ كَالْمُعَايَنَةِ اهـ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ لُزُومَ الشَّهَادَةِ بِالْمَالِ بِالتَّسَامُعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ الشَّهَادَةِ بِالنَّسَبِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي لَمْ يُوجِبْ ثُبُوتَ مِلْكِهِ لِتِلْكَ الضَّيْعَةِ لَوْلَا الشَّهَادَةُ بِهِ وَكَذَا الْمَقْصُودُ لَيْسَ إثْبَاتَ النَّسَبِ بَلْ الْمِلْكِ فِي الضَّيْعَةِ. اهـ.
وَخَرَجَ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ لَا يُعَانِيَهُمَا وَإِنَّمَا سَمِعَ أَنَّ لِفُلَانٍ كَذَا الثَّانِيَةُ أَنْ يُعَايِنَ الْمَالِكَ لَا الْمِلْكَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِكَوْنِهِ مُجَازِفًا فِي الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِالْمَحْدُودِ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ ﵀ إلَى أَنَّ مَنْ رَأَى شَيْئًا فِي يَدِ إنْسَانٍ وَلَمْ يَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ رَآهُ قَبْلَهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ أَوْ بِالْوَكَالَةِ مِنْهُ حَلَّ الشِّرَاءُ وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا لَوْ رَأَى جَارِيَةً فِي يَدِ إنْسَانٍ ثُمَّ رَآهَا فِي بَلَدٍ أُخْرَى وَقَالَتْ أَنَا حُرَّةُ الْأَصْلِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ الرَّقِيقَ أَيْ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَا كَبِيرَيْنِ لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا تَدْفَعُ يَدَ الْغَيْرِ عَنْهُمَا فَانْعَدَمَ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِمَا أَيْضًا اعْتِبَارًا بِالثِّيَابِ.
وَالْفَرْقُ مَا بَيَّنَّاهُ وَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ لَا يُعَبِّرَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا كَالْمَتَاعِ لَا يَدَ لَهُمَا فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لِذَوِي الْيَد وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ فِي كَلَامِهِمْ هُنَا مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ لَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ لِغَيْرِهِ فَلَوْ أَخْبَرَاهُ لَمْ تَجُزْ لَهُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ لَهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدَّمْنَاهُ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ رَأَى عَيْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ بِالْمِلْكِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ عَنْ سَمَاعٍ أَوْ مُعَايَنَةِ يَدٍ لَمْ يَقْبَلْهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِسَمَاعِ نَفْسِهِ وَلَوْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُ وَلَا بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ فِي يَدِ إنْسَانٍ سَهْوٍ إلَّا أَنْ يَحْمِلَ مَا قَالُوا لَوْ رَأَى شَيْئًا فِي يَدِ إنْسَانٍ ثُمَّ رَآهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَزِعُهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدَّعِيَهُ الْأَوَّلُ فَمَا فِي الْفَتَاوَى فِيمَا إذَا ادَّعَاهُ الْمَالِكُ وَمَا فِي الشَّرْحِ فِيمَا إذَا لَمْ يَدَّعِهِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالتَّسَامُعِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْيَدِ لَا تُقْبَلُ) وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِهِ لَكِنَّهُ اسْتَثْنَى الْمَوْتَ وَالْوَقْفَ فَتُقْبَلُ وَلَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ وَاسْتَثْنَى الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ الْوَقْفَ فَلَوْ شَهِدَا بِهِ وَقَالَا نَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ رُبَّمَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا) لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إلَخْ) مَقُولُ الْقَوْلِ (قَوْلُهُ سَهْوٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ إلَخْ) رَدَّهُ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّهُ لَا سَهْوَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَمُرَادُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي قَضَاءً مُحْكَمًا مُبْرَمًا بِحَيْثُ لَوْ ادَّعَى الْخَصْمُ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا صَرَّحَ بِهِ قُبَيْلَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَقْضِي بِهِ قَضَاءَ تَرْكٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُتْرَكُ فِي يَدِ ذِي الْيَد مَا دَامَ خَصْمُهُ لَا حُجَّةَ لَهُ حَمَوِيٌّ وَأَقُولُ: لَا حَاجَةَ إلَى تَكَلُّفِ إبْدَاءِ وَجْهِ التَّوْفِيقِ وَدَفْعِ الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ يُبْتَنَى عَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ وَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ يُبْتَنَى عَلَى مُقَابِلِهِ أَبُو السُّعُودِ وَفِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ وَلَا يَتَوَهَّمُ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ وَمَا فِي النِّهَايَةِ فَإِنَّ مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ هُوَ مَا إذَا رَأَى الْقَاضِي قَبْلَ حَالِ الْقَضَاءِ ثُمَّ رَأَى حَالَ قَضَائِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي إلَخْ) بَقِيَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَةٌ مِنْ الْمَتْنِ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ وَهِيَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ حَضَرَ دَفْنَ فُلَانٍ أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ فَهُوَ مُعَايَنَةٌ حَتَّى لَوْ فَسَّرَ لِلْقَاضِي قُبِلَ قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ إلَّا بِمَا عَلِمَ فَوَجَبَ قَبُولُهَا لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] .
(قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْعِمَادِيُّ فِي الْفُصُولِ الْوَقْفَ إلَخْ) أَفْتَى الْعَلَّامَةُ مُلَّا عَلِيٌّ التُّرْكُمَانِيُّ بِعَدَمِ الْقَبُولِ مُسْتَنِدًا إلَى إطْلَاقِ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَالْعَيْنِيِّ وَالْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَالْمُخْتَارِ وَالِاخْتِيَارِ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْخَيْرِيَّةِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْوَقْفِ بِالسَّمَاعِ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ بِهِ لِأَنِّي سَمِعْت مِنْ النَّاسِ أَوْ بِسَبَبِ أَنِّي سَمِعْت مِنْ النَّاسِ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ فَالْمُتُونُ قَاطِبَةَ قَدْ أَطْلَقَتْ الْقَوْلَ بِأَنَّ الشَّاهِدَ إذَا فَسَّرَ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالسَّمَاعِ لَا تُقْبَلُ وَبِهِ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا وَعِبَارَةُ قَاضِي خَانْ وَلَوْ قَالُوا شَهِدْنَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّا سَمِعْنَا مِنْ النَّاسِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ اهـ.
قُلْت: وَعِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِمَا تَجُوزُ بِهِ الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ وَقَالُوا شَهِدْنَا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّا سَمِعْنَا مِنْ النَّاسِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ انْتَهَتْ ثُمَّ نُقِلَ نَحْوُهُ عَنْ فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلِيٍّ أَفَنْدِي التُّرْكِيَّةِ وَعَرَّبَهَا ثُمَّ قَالَ فَتَحَرَّرَ مِنْ النُّقُولِ الْمُعْتَبَرَةِ أَنَّ الشَّاهِدَ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ إذَا فَسَّرَ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمُتُونِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي تَمْشِي غَالِبًا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبِهِ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ الْخَيْرِيَّةِ وَمَا فِي التَّنْوِيرِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ مُسْتَنِدًا فِي الدُّرَرِ لِمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَفِي التَّنْوِيرِ إلَى الْخُلَاصَةِ قَائِلًا وَهُوَ الْأَصَحُّ فَذَاكَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمُتُونُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّا نُقَابِلُ مَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ بِمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ عَدَمِ قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ قَاضِي خَانْ فَقِيهَ النَّفْسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ مِنْ بَابِ الْعَيْبِ وَأَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَشْهَرِ فَكَانَ الْمُعْتَمَدُ وَصَرَّحُوا بِأَنَّ قَاضِي خَانْ مِنْ أَجَلِّ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَى تَصْحِيحَاتِهِ وَيَكْفِينَا أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلَيْسَ هَذَا فِي الْوَقْفِ خَاصَّةً بَلْ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ الشَّهَادَةُ فِيهَا
стр. 2297
يَكُونُ عُمُرُهُ عِشْرِينَ سَنَةً وَتَارِيخُ الْوَقْفِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَتَيَقَّنُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالتَّسَامُعِ فَالْإِفْصَاحُ كَالسُّكُوتِ إلَيْهِ أَشَارَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ فُلَانًا مَاتَ وَقَالَا أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ مَنْ تَثِقُ بِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْخَصَّافُ أَيْضًا جَوَّزَ ذَلِكَ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ اهـ.
وَمَعْنَى التَّفْسِيرِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ شَهِدَ بِالتَّسَامُعِ أَنْ يَقُولَا شَهِدْنَا؛ لِأَنَّا سَمِعْنَا مِنْ النَّاسِ أَمَّا إذَا قَالَا لَمْ نُعَايِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَنَا جَازَتْ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْيَنَابِيعِ تَفْسِيرُهُ أَنْ يَقُولَ فِي النِّكَاحِ لَمْ أَحْضُرْ الْعَقْدَ وَفِي غَيْرِهِ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَوْ سَمِعْت وَنَحْوَهُ وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُنْتَقَى إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ فَهِيَ مِيرَاثٌ وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ أَبَا هَذَا الْمُدَّعِي مَاتَ وَهَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لَهُ يَوْمَ مَاتَ أَوْ شَهْرَ مَاتَ أَوْ سَنَةَ مَاتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَهُ وَلَوْ رَآهُ عَلَى حِمَارٍ يَوْمًا لَمْ يَشْهَدْ أَنَّهُ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَكِبَهُ بِالْعَارِيَّةِ وَلَوْ رَآهُ عَلَى حِمَارٍ خَمْسِينَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً مُدَّةً كَثِيرَةً إلَّا بِالْمِلْكِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ عَايَنَ الشَّاهِدُ دَابَّةً تَتْبَعُ دَابَّةً وَتَرْضَعُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ شَهِدَا أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ مَاتَ وَتَرَكَ هَذِهِ الدَّارَ مِيرَاثًا وَلَمْ يُدْرِكَا الْمَيِّتَ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمِلْكٍ لَمْ يُعَايِنَا سَبَبَهُ وَلَا رَأَيَاهُ فِي يَدِ الْمُدَّعِي اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ) يُقَالُ قَبِلْت الْقَوْلَ إذَا حَمَلْته عَلَى الصِّدْقِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمُرَادُ مَنْ يَجِبُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ عَلَى الْقَاضِي وَمَنْ لَا يَجِبُ لَا مَنْ يَصِحُّ قَبُولُهَا وَمَنْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ الْفَاسِقُ وَهُوَ لَوْ قُضِيَ بِشَهَادَتِهِ صَحَّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَالْأَصْلِ لَكِنْ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ إذَا قُضِيَ بِشَهَادَةِ الْأَعْمَى أَوْ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ أَوْ بِشَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَعَ آخَرَ لِصَاحِبِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ أَوْ عَكْسِهِ نَفَذَ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلثَّانِي إبْطَالُهُ وَإِنْ رَأَى بُطْلَانَهُ اهـ.
فَالْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ عَدَمُ حِلِّهِ وَذَكَرَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي اخْتِلَافًا فِي النَّفَادِ بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ بَعْدَ التَّوْبَةِ (قَوْلُهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى) ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَفْتَقِرُ إلَى التَّمْيِيزِ بِالْإِشَارَةِ بَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا يُمَيِّزُ الْأَعْمَى إلَّا بِالنَّغْمَةِ وَفِيهِ شُبْهَةٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا بِجِنْسِ الشُّهُودِ وَالنِّسْبَةُ لِتَعْرِيفِ الْغَائِبِ دُونَ الْحَاضِرِ وَصَارَ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْأَعْمَى وَقْتَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ التَّحَمُّلِ أَوْ بَعْدَهُ وَمَا إذَا عَمَى بَعْدَ الْأَدَاءِ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ قَبُولِهَا عَدَمُ الْقَضَاءِ بِهَا؛ لِأَنَّ قِيَامَ أَهْلِيَّتِهَا شَرْطٌ وَقْتَ الْقَضَاءِ لِصَيْرُورَتِهَا حُجَّةً عِنْدَهُ وَصَارَ كَمَا إذَا خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ بِخِلَافِ مَوْتِ الشَّاهِدِ وَغَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ بِالْمَوْتِ قَدْ انْتَهَتْ وَبِالْغَيْبَةِ مَا بَطَلَتْ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَشَمِلَ مَا كَانَ طَرِيقُهُ السَّمَاعَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِزُفَرَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَاخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَعَزَاهُ إلَى النِّصَابِ جَازَ مَا بِهِ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَخْرَسِ بِالْأَوْلَى سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْإِشَارَةِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ ابْنِ وَهْبَانَ.
(قَوْلُهُ وَالْمَمْلُوكُ وَالصَّبِيُّ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُمَا عَلَى نَفْسِهِمَا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا وِلَايَةٌ وَقَدَّمْنَا وَسَيَأْتِي أَنَّ
ــ
[منحة الخالق]
بِالتَّسَامُعِ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى وَإِنَّمَا أَكْثَرْت النَّقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا لِمُحَرِّرِهِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التُّرْكُمَانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ اهـ. ذَكَرَهُ فِي مَجْمُوعَتِهِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت.
[بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ]
(بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ) (قَوْلُهُ لَكِنْ إلَخْ) أَقُولُ: لَعَلَّ مَا فِي الْخِزَانَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْقَاضِي يَرَى ذَلِكَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلثَّانِي إلَخْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي إلَخْ) أَيْ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي بَحْثِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ وَنَصُّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَكَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا عَبْدَانِ أَوْ كَافِرَانِ أَوْ أَعْمَيَانِ وَقِيلَ يَنْفُذُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ مَحْدُودِينَ قَدْ تَابَا ثُمَّ عُزِلَ أَوْ مَاتَ وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَاهُ أَمْضَى الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ اهـ.
أَقُولُ: وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَوْرَاقٍ عَدَمُ نَفَاذِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ وَهَلْ يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ صَارَتْ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى وَلَمْ أَرَهَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ التُّهْمَةُ لَا الْفِسْقُ عَلَى مَا يُحَرِّرُهُ الْمُؤَلِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ وَهَذِهِ مِثْلُهَا (قَوْلُهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْأَعْمَى وَقْتَ الشَّهَادَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ عُمِيَ بَعْدَ الْأَدَاءِ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِ قَالَ فِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَقَوْلُهُ أَظْهَرُ (قَوْلُهُ وَشَمِلَ مَا كَانَ طَرِيقُهُ السَّمَاعَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ كَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عِبَارَةُ الْفَتْحِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمَاعُ وَمَا لَا يَكْفِي فِيهِ السَّمَاعُ إذَا كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَعْمَى عِنْدَ الْأَدَاءِ إذَا كَانَ يَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَاخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ رَاجَعْنَا الْخُلَاصَةَ فَلَمْ نَجِدْ فِيهَا مَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ وَاخْتِيَارَهُ فَرَاجِعْهَا وَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَة إلَخْ) قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ الْوَكَالَةُ وِلَايَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَوَائِلِ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَالْعَبْدُ مَحْجُورًا كَانَ أَوْ مَأْذُونًا تَجُوزُ وَكَالَتُهُ فَتَأَمَّلْ فِي جَوَابِهِ اهـ.
وَمِثْلُهُ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ يَعْقِلُ وَقَدْ يُقَالُ وِلَايَتُهُمَا
стр. 2298
ثُبُوتَ حُرِّيَّةِ الشَّاهِدِ إمَّا بِظَاهِرِ الدَّارِ عِنْدَ عَدَمِ طَعْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ بَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا الشَّاهِدُ عِنْدَ طَعْنِ الْخَصْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا طَعَنَ بِأَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ أَوْ شَرِيكِ الْمُدَّعِي فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ فَشَهِدَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّزْكِيَةِ وَكَذَا الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ وَأَنَّ الْكَافِرَ إذَا عَدَلَ فِي كُفْرِهِ لِشَهَادَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ فَشَهِدَ فَإِنَّهُ يَكْفِي التَّعْدِيلُ الْأَوَّلُ وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ مَاتَ وَتَرَكَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَلَا يُعْلَمُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ ثُمَّ شَهِدَ الْعَبْدُ شَهَادَاتٍ وَاسْتَقْضَى بِقَضَايَا ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَيِّتِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُرَدُّ رَقِيقًا وَبَطَلَ عِتْقُهُ وَمَا شَهِدَ بِهِ فَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ الْمَيِّتَ جَازَ الْعِتْقُ لَا الشَّهَادَةُ وَالْقَضَاءُ وَتَمَامُهُ فِيهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْقِنَّ وَالْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ كَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقُ فِي الْمَرَضِ كَالْمُكَاتَبِ فِي زَمَنِ سِعَايَتِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمُدَبَّرُ بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ فِي زَمَنِ سِعَايَتِهِ كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ وَحُرٌّ مَدْيُونٌ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي جِنَايَاتِ الْمَجْمَعِ وَالْكَافِي.
وَفِي الْكَافِي مِنْ الشَّهَادَاتِ رَجُلٌ مَاتَ عَنْ عَمٍّ وَأَمَتَيْنِ وَعَبْدَيْنِ فَأَعْتَقَ الْعَمُّ الْعَبْدَيْنِ فَشَهِدَا بِبِنْتِيَّةِ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا لِلْمَيِّتِ أَيْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهَا فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ فِي قَبُولِهَا ابْتِدَاءً بُطْلَانَهَا انْتِهَاءً؛ لِأَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ فِي حُكْمِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ الثَّانِيَةَ أُخْتُ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْأُولَى أَوْ بَعْدَهَا أَوْ مَعَهَا لَا تُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّا لَوْ قَبِلْنَا لَصَارَتْ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ فَيَخْرُجُ الْعَمُّ عَنْ الْوِرَاثَةِ فَيَبْطُلُ الْعِتْقُ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ الْمَجْنُونَ وَلَا خَفَاءَ فِي عَدَمِ قَبُولِهَا وَفِي الْمُحِيطِ وَمَنْ يُجَنُّ سَاعَةً وَيُفِيقُ سَاعَةً فَشَهِدَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ وَالْإِغْمَاءُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَقَدَّرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا جُنُونَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ حَتَّى لَوْ جُنَّ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَفَاقَ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ فِي حَالِ الصِّحَّةِ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا الْمُغَفَّلَ وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ صَوَّامٍ قَوَّامٍ مُغَفَّلٍ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يُلَقَّنَ فَيُؤْخَذَ بِهِ قَالَ هَذَا شَرٌّ مِنْ الْفَاسِقِ فِي الشَّهَادَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أُجِيزُ شَهَادَةَ الْمُغَفَّلِ وَلَا أُجِيزُ تَعْدِيلَهُ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْمُغَفَّلُ لَا يَسْتَقْصِي فِي ذَلِكَ اهـ.
وَلَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ مِنْ حُصُولِ الْحُرِّيَّةِ لِلشَّاهِدِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَوْ قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ ظَهَرُوا عَبِيدًا بَطَلَ الْقَضَاءُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ ظُهُورِ خَطَأِ الْقَاضِي وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ قَضَى الْقَاضِي بِوِصَايَةِ بَيِّنَةٍ وَأَخَذَ مَا عَلَى النَّاسِ مِنْ الدُّيُونِ ثُمَّ وَجَدُوا عَبِيدًا فَقَدْ بَرِئَ الْغُرَمَاءُ وَلَوْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْوَكَالَةِ لَمْ يَبْرَءُوا. اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَرْقَ وَكَأَنَّهُ لِكَوْنِهِمْ دَفَعُوا لَهُ دَيْنَ الْمَيِّتِ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْإِيصَاءُ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ إلَى أَمِينِهِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ إذْ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ لِلْغَرِيمِ بِدَفْعِ دَيْنِ الْحَيِّ إلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَتَحَمَّلَا فِي الرِّقِّ وَالصِّغَرِ وَأَدَّيَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ) ؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِلتَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ بِالشَّهَادَةِ وَالسَّمَاعِ وَيَبْقَى إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ بِالضَّبْطِ وَهُمَا لَا يُنَافِيَانِ ذَلِكَ وَهُمَا أَهْلٌ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ إذَا تَحَمَّلَهَا عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَ فَأَدَّاهَا تُقْبَلُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يُؤَدِّهَا إلَّا بَعْدَ الْأَهْلِيَّةِ أَوْ أَدَّاهَا قَبْلَهَا فَرُدَّتْ ثُمَّ زَالَتْ الْعِلَّةُ فَأَدَّاهَا ثَانِيًا وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَمَتَى رُدَّتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ لِعِلَّةٍ ثُمَّ زَالَتْ الْعِلَّةُ فَشَهِدَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْأَعْمَى وَالصَّبِيِّ إذَا شَهِدُوا فَرُدَّتْ ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ فَشَهِدُوا فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ وَالْأَجِيرِ وَالْمُغَفَّلِ وَالْمُتَّهَمِ وَالْفَاسِقِ بَعْدَ رَدِّهَا وَإِدْخَالُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الْأَرْبَعَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ سَهْوٌ
ــ
[منحة الخالق]
فِي الْوَكَالَةِ غَيْرُ أَصْلِيَّةٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الصَّبِيَّ إلَخْ) قَدَّمَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمَتْنِ وَسَأَلَ عَنْ الشُّهُودِ وَقَدَّمَ أَيْضًا هُنَاكَ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ وَهُوَ أَنَّ الْكَافِرَ كَانَ لَهُ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ فَشَهِدَا بِبِنْتِيَّةِ إحْدَاهُمَا) أَيْ شَهِدَا أَنَّ إحْدَى الْأَمَتَيْنِ وَهِيَ فُلَانَةُ بِنْتُ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّا لَوْ قَبِلْنَا لَصَارَتْ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ) قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ السَّائِحَانِيُّ هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ عِنْدَ سَبْقِ شَهَادَةِ الْأُخْتِيَّةِ بَلْ الْعِلَّةُ فِيهَا هِيَ عِلَّةُ الْبِنْتِيَّةِ فَتَفَقَّهْ (قَوْلُهُ وَكَأَنَّهُ لِكَوْنِهِمْ دَفَعُوا إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ السَّائِحَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمَقْدِسِيَّ فَعَلَى هَذَا مَا يَقَعُ الْآنَ كَثِيرًا مِنْ تَوْلِيَةِ شَخْصٍ نَظَرَ وَقْفٍ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ مِثْلِهِ مِنْ قَبْضٍ وَصَرْفٍ وَشِرَاءٍ وَبَيْعٍ ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّهُ يُغَيِّرُ شَرْطَ الْوَاقِفِ أَوْ أَنَّ إنْهَاءَهُ بَاطِلٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ الْقَاضِي كَالْوَصِيِّ فَلْيُتَأَمَّلْ قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ فِي الْوَقْفِ مَا يُؤَيِّدُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِدْخَالُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الْأَرْبَعَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ سَهْوٌ) وَالْعَجَبُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ كَمَا لَوْ رُدَّتْ لِفِسْقٍ ثُمَّ تَابَ ثُمَّ قَالَ فَصَارَ الْحَاصِلُ إلَخْ فَذَكَرَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَعَ مَنْ يُقْبَلُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ لِمُخَالَفَتِهِ صَدْرَ كَلَامِهِ وَلَمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ وَلِمَا فِي الْجَوْهَرَةِ إذَا شَهِدَ الزَّوْجُ الْحُرُّ لِزَوْجَتِهِ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَبَانَهَا وَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ ثُمَّ شَهِدَ لَهَا بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَوَصَّلَ بِطَلَاقِهَا إلَى تَصْحِيحِ شَهَادَتِهِ وَكَذَا إذَا شَهِدَتْ لِزَوْجِهَا ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ شَهِدَتْ لَهُ اهـ.
وَلِمَا فِي الْبَدَائِعِ لَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ فَرُدَّتْ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَرُدَّتْ ثُمَّ شَهِدَا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالْبَيْنُونَةِ لَا تُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ أَوْ الْكَافِرُ فَرُدَّتْ ثُمَّ عَتَقَ وَبَلَغَ وَأَسْلَمَ وَشَهِدَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا تُقْبَلُ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْفَاسِقَ وَالزَّوْجَ لَهُمَا شَهَادَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا رُدَّتْ لَا تُقْبَلُ بَعْدُ بِخِلَافِ
стр. 2299
وَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي بِرَدِّ شَهَادَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَأَطْلَقَ فِي تَحَمُّلِ الْعَبْدِ فَشَمِلَ مَا إذَا تَحَمَّلَهَا لِمَوْلَاهُ ثُمَّ أَدَّاهَا بَعْدَ عِتْقِهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَرَادَ بِالْحُرِّيَّةِ الْحُرِّيَّةَ النَّافِذَةَ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ ثُمَّ شَهِدَ هَذَا لَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مَوْقُوفٌ اهـ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا طَعَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الشُّهُودِ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ فَعَلَى الْمُدَّعِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى حُرِّيَّتِهِمْ وَلَوْ قَالَ هُمَا مَحْدُودَانِ فِي الْقَذْفِ فَعَلَى الطَّاعِنِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ وَالْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ وَلَوْ تَابَ) لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] وَلِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ لِكَوْنِهِ مَانِعًا فَيَبْقَى بَعْدَ التَّوْبَةِ كَأَصْلِهِ بِخِلَافِ الْمَحْدُودِ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ الرَّدَّ لِلْفِسْقِ وَقَدْ ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] أَوْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنْ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي التَّحْرِيرِ الْأَوْجَهُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَقَرَّرَهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّ الْمَعْنَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ إلَّا التَّائِبِينَ، وَأَمَّا رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ فِي آيَةِ الْمُحَارَبِينَ فَلِدَلِيلٍ اقْتَضَاهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فَإِنَّهُ لَوْ عَادَ إلَى الْأَخِيرِ أَعْنِي قَوْلَهُ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَمْ يَبْقَ لَهُ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُهُ مُطْلَقًا فَفَائِدَتُهُ سُقُوطُ الْحَدِّ وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْبَدَائِعِ كُلُّ فَاسِقٍ تَابَ عَنْ فِسْقِهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَشَهَادَتُهُ إلَّا اثْنَيْنِ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ وَالْمَعْرُوفَ بِالْكَذِبِ؛ لِأَنَّ مَنْ صَارَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ وَاشْتُهِرَ بِهِ لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ مِنْ تَوْبَتِهِ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ إذَا تَابَ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ ﵀ إلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَسْقُطُ مَا لَمْ يُضْرَبْ تَمَامَ الْحَدِّ وَهُوَ صَرِيحُ الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ مَنْ ضُرِبَ الْحَدَّ أَيْ تَمَامًا؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ يَكُونُ تَعْزِيرًا غَيْرَ مُسْقِطٍ لَهَا وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ إنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى صِدْقِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَرْبَعَةً بَعْدَمَا حُدَّ عَلَى أَنَّهُ زَنَى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَهَا قَبْلَهُ لَمْ يُحَدَّ فَكَذَا لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَتَمَامُهُ فِي الْعَتَّابِيَّةِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ زَنَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةً لِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ شَهِدَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا يُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ إلَى آخِرِهِ فَكَذَا إذَا أَقَامَ رَجُلَيْنِ بَعْدَ حَدِّهِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالزِّنَا تَعُودُ شَهَادَتُهُ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ عِنْدَنَا عَائِدٌ إلَى الْمَحْدُودِينَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَى الْقَاذِفِينَ الْعَاجِزِينَ عَنْ الْإِثْبَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فَلَوْ لَمْ يُحَدَّ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا قَالَهُ وَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا ثُمَّ شَهِدَ مَعَ ثَلَاثَةٍ عَلَى أَنَّهُ زَنَى فَإِذَا كَانَ حُدَّ لَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ حُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُحَدَّ الْكَافِرُ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ) يَعْنِي فَتُقْبَلَ وَلَوْ كَانَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ؛ لِأَنَّ لِلْكَافِرِ شَهَادَةً فَكَانَ رَدُّهَا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَبِالْإِسْلَامِ حَدَثَتْ شَهَادَةٌ أُخْرَى وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تُقْبَلُ بَعْدَ إسْلَامِهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْكَافِي فَإِنْ أَسْلَمَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ضَرُورَةً وَتَمَامُهُ فِي الْعَتَّابِيَّةِ قَيَّدَ بِالْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا حُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ ثُمَّ عَتَقَ حَيْثُ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا فِي حَالِ رِقِّهِ فَيَتَوَقَّفُ الرَّدُّ عَلَى حُدُوثِهَا فَإِذَا حَدَثَ كَانَ رَدُّ شَهَادَتِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَمَا ضُرِبَ تَمَامَ الْحَدِّ فَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَمَا ضُرِبَ بَعْضَهُ فَضُرِبَ الْبَاقِي بَعْدَ إسْلَامِهِ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ فَإِذَا تَابَ قُبِلَتْ وَفِي رِوَايَةٍ تَبْطُلُ إنْ ضُرِبَ الْأَكْثَرُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَفِي رِوَايَةٍ وَلَوْ سَوْطًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَوَضْعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَام لَا يُسْقِطُ حَدَّ الْقَذْفِ وَهَلْ يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْ الْحُدُودِ قَالَ الشَّيْخُ عُمَرُ قَارِئُ الْهِدَايَةِ إذَا سَرَقَ الذِّمِّيُّ أَوْ زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُدْرَأُ عَنْهُ وَإِنْ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَذَلِكَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي الْيَتِيمَةِ مِنْ كِتَابِ السَّيْرِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا وَجَبَ التَّعْزِيرُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ الصَّبِيِّ إذَا وَجَبَ التَّعْزِيرُ عَلَيْهِ لِلتَّأْدِيبِ فَبَلَغَ وَنَقَلَ
ــ
[منحة الخالق]
الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْكَافِرِ إذْ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ أَصْلًا اهـ.
كَذَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ وَفِيهَا قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى لَوْ شَهِدَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ بِالنِّكَاحِ فَرُدَّتْ ثُمَّ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةً ثُمَّ قَالَ وَالصَّبِيُّ أَوْ الْمُكَاتَبُ إذَا شَهِدَ فَرُدَّتْ ثُمَّ شَهِدَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً بِدَلِيلِ أَنَّ قَاضِيًا لَوْ قَضَى بِهِ لَا يَجُوزُ فَإِذَا عَرَفْت يَسْهُلُ عَلَيْك تَخْرِيجُ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَرْدُودَ لَوْ كَانَ شَهَادَةً لَا تَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً تُقْبَلُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشَّرَائِطِ اهـ.
وَلَكِنْ يَشْكُلُ عَلَيْهِ شَهَادَةُ الْأَعْمَى إذْ لَوْ قَضَى بِهَا جَازَ فَهِيَ شَهَادَةٌ وَقَدْ حَكَمَ بِقَبُولِهَا بِزَوَالِ الْعَمَى. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا طَعَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الشُّهُودِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي عَنْ الْخُلَاصَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلشَّاهِدَيْنِ أَقِيمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ صَرِيحُ مَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْمَمْلُوكُ وَمَا هُنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُدَّعِي وَهُوَ قَوْلُهُ فَعَلَى الْمُدَّعِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى حُرِّيَّتِهِمْ فَتَأَمَّلْ.
стр. 2300
الْفَخْرُ الرَّازِيّ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ سُقُوطَهُ لَوْ لِزَجْرِهِ بِالْبُلُوغِ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْيَتِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ صَرِيحٌ
(قَوْلُهُ وَالْوَلَدِ لِأَبَوَيْهِ وَجَدَّيْهِ وَعَكْسِهِ) أَيْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِأَصْلِهِ وَالْأَصْلِ لِفَرْعِهِ لِلْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْآبَاءِ مُتَّصِلَةٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ فَتَكُونُ شَهَادَةً لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ وَأَطْلَقَ الْوَلَدَ فَشَمِلَ الْوَلَدَ مِنْ وَجْهٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدِ الْمُلَاعِنِ لِأُصُولِهِ أَوْ هُوَ لَهُ أَوْ لِفَرْعِهِ لِثُبُوتِهِ مِنْ وَجْهٍ بِدَلِيلِ صِحَّةِ دَعْوَتِهِ مِنْهُ وَعَدَمِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَتَحْرُمُ مُنَاكَحَتُهُ وَوَضْعُ الزَّكَاةِ فِيهِ فَأَحْكَامُ الْبُنُوَّةِ ثَابِتَةٌ لَهُ إلَّا الْإِرْثَ وَالنَّفَقَةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَوَلَدِ الْعَاهِرِ وَلَوْ بَاعَ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ وَقَدْ وُلِدَا فِي مِلْكِهِ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَشَهِدَا لِبَائِعِهِ تُقْبَلُ فَإِنْ ادَّعَى الْبَاقِيَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَانْتُقِضَ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ وَالْقَضَاءُ وَيَرُدُّ مَا قَبَضَ أَوْ مِثْلَهُ إنْ هَلَكَ لِلِاسْتِنَادِ لِتَحْوِيلِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ قِصَاصًا فِي طَرَفٍ أَوْ نَفْسٍ فَأَرْشُهُ عَلَيْهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ وَتَمَامُهُ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ مِنْ بَابِ شَهَادَةِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ مِنْ السَّيِّدِ وَلَا يُعْطِيهِ الزَّكَاةَ كَوَلَدِ الْحُرَّةِ الْمَنْفِيِّ بِاللَّعَّانِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِابْنِهِ رَضَاعًا وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ شَهِدَ ابْنَاهُ أَنَّ الطَّالِبَ أَبْرَأَ أَبَاهُمَا وَاحْتَالَ بِدَيْنِهِ عَلَى فُلَانٍ لَمْ تَجُزْ إذَا كَانَ الطَّالِبُ مُنْكِرًا وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَلَى غَيْرِ أَبِيهِمَا فَشَهِدُوا أَنَّ الطَّالِبَ أَحَالَ بِهِ أَبَاهُمَا وَالطَّالِبُ يُنْكِرُ وَالْمَطْلُوبُ يَدَّعِي الْبَرَاءَةَ وَالْحَوَالَةُ جَازَتْ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ إذَا شَهِدَا عَلَى فِعْلِ أَبِيهِمَا فِعْلًا مُلْزِمًا لَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ لِلْأَبِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ اتِّفَاقًا وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا تُقْبَلُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ فَلَوْ قَالَ إنْ كَلَّمَك فُلَانٌ فَأَنْت حُرٌّ فَادَّعَى فُلَانٌ أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَشَهِدَ ابْنَاهُ بِهِ لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَهُمَا وَكَذَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِدُخُولِهِ الدَّارَ وَلَوْ أَنْكَرَ الْأَبُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْأَبِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ بَيْعٍ وَإِنْ شَهِدَ ابْنَا الْوَكِيلِ عَلَى عَقْدِ الْوَكِيلِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلِ أَنْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ بِالْأَمْرِ وَالْعَقْدِ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنْ ادَّعَاهُ الْخَصْمُ قَضَى الْقَاضِي بِالتَّصَادُقِ لَا بِالشَّهَادَةِ وَإِنْ أَنْكَرَ فَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا تُقْبَلُ وَلَا يَقْضِي بِشَيْءٍ إلَّا فِي الْخُلْعِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالطَّلَاقِ بِغَيْرِ مَالٍ لِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِهِ وَهُوَ الْمُوَكِّلُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَقْضِي بِالْعَقْدِ إلَّا بِعَقْدٍ تَرْجِعُ حُقُوقُهُ إلَى الْعَاقِدِ كَالْبَيْعِ. الثَّانِي أَنْ يُنْكِرَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فَإِنْ جَحَدَ الْخَصْمُ لَا تُقْبَلُ وَإِلَّا تُقْبَلُ اتِّفَاقًا. الثَّالِثِ أَنْ يُقِرَّ الْوَكِيلُ بِهِمَا وَيَجْحَدَ الْمُوَكِّلُ الْعَقْدَ فَقَطْ فَإِنْ ادَّعَاهُ الْخَصْمُ يَقْضِي بِالْعُقُودِ كُلِّهَا إلَّا النِّكَاحَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَقَيَّدَ بِالشَّهَادَةِ لَهُمْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ مَقْبُولَةٌ إلَّا إذَا شَهِدَ الْجَدُّ عَلَى ابْنِهِ لِابْنِ ابْنِهِ قُلْنَا إنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ مُحَمَّدٌ رَجُلٌ شَهِدَ لِابْنِ ابْنِهِ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ شَهِدَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِرْ جَدًّا لِوَلَدِهِ بَلْ يَصِيرُ جَدًّا بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِشَهَادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ جَدًّا بِمُوجَبِ الشَّهَادَةِ وَالشَّيْءُ لَا يَنْفِي مُوجَبَ نَفْسِهِ اهـ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عَلَى إقْرَارِ ابْنِهِ بِأَنَّ مَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ ابْنُهُ لَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوَّلُ فِي الْأَمْوَالِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِأُمِّهِ أَوْ لِضَرَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى أَبِيهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَادَّعَى فُلَانٌ أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَشَهِدَ ابْنَاهُ بِهِ) أَيْ ابْنَا فُلَانٍ وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِدُخُولِهِ لِفُلَانٍ (قَوْلُهُ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِنَحِ قُلْت وَفِي شَرْحِ النَّظْمِ الْوَهْبَانِيِّ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ عَبْدِ الْبَرِّ بْنِ الشِّحْنَةِ ذَكَرَ أَنَّ شَهَادَةَ الْإِنْسَانِ لِابْنِ ابْنِهِ عَلَى ابْنِهِ مَقْبُولَةٌ وَعَزَاهُ إلَى قَاضِي خَانْ وَأَطْلَقَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَقٍّ دُونَ حَقٍّ وَلَعَلَّ وَجْهَ الْقَبُولِ أَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى وَلَدِهِ وَهُوَ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ ابْنِ ابْنِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ فَتَنْتَفِي التُّهْمَةُ الَّتِي رُدَّتْ لِأَجْلِهَا الشَّهَادَةُ اهـ قُلْت وَنَصُّ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ وَلَدًا وَادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا هَذَا وَجَحَدَ الزَّوْجُ ذَلِكَ فَشَهِدَ عَلَى الزَّوْجِ أَبُوهُ وَابْنُهُ أَنَّ الزَّوْجَ أَقَرَّ أَنَّهُ وَلَدُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَلَوْ شَهِدَ أَبُو الْمَرْأَةِ وَجَدُّهَا عَلَى إقْرَارِ الزَّوْجِ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِوَلَدِهِمَا وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ ذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ تَجْحَدُ فَشَهِدَ عَلَيْهَا أَبُوهَا أَنَّهَا وَلَدَتْ وَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ قَالَ فِي الْأَصْلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ وَتُقْبَلُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَإِذَا شَهِدَ الرَّجُلُ لِابْنِ ابْنِهِ عَلَى ابْنِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ انْتَهَتْ وَنَقَلَهَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِحُرُوفِهَا وَسَيَذْكُرُ بَعْضَهَا الْمُؤَلِّفُ آخِرَ هَذِهِ الْقَوْلَةِ مُحَرَّفَةً وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الِابْنِ لِلْمَرْأَةِ صَرِيحًا لِجُحُودِهِ وَادِّعَائِهَا وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْعَكْسِ وَالْقَبُولُ فِي الْأُولَى يَقْتَضِي الْقَبُولَ فِي الثَّالِثَةِ وَتَرْجِيحُ رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ وَلَمْ يَصِرْ الْوَلَدُ الْمَجْحُودُ ابْنَ ابْنٍ إلَّا بَعْدَ الشَّهَادَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالنَّسَبِ فِي الْقَبُولِ فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إلَّا إذَا شَهِدَ الْجَدُّ إلَخْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ تَأَمَّلْ وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ الشَّلَبِيِّ سُئِلْت عَمَّا لَوْ شَهِدَتْ الْأُمُّ لِبِنْتِهَا عَلَى بِنْتٍ لَهَا أُخْرَى هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فَأَجَبْت بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ شَهَادَةَ الْأُمِّ عَلَى إحْدَى الْبِنْتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مَقْبُولَةً لَكِنْ لَمَّا تَضَمَّنَتْ الشَّهَادَةُ لِلْأُخْرَى رُدَّتْ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا لِلتُّهْمَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَيَشْهَدُ لِمَا أَجَبْت بِهِ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِشَهَادَةِ ابْنَيْهِمَا ثُمَّ تَجَاحَدَا لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِغَيْرِ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا اهـ.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ بِمَا نَصُّهُ شَهَادَةُ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ لِابْنَتِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 2301
وَإِنْ كَانَ لِأُمِّهِ أَوْ لِضَرَّتِهَا لَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأُمِّهِ ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ الشَّهَادَةِ مِنْ الطَّلَاقِ وَذَكَرَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْفَصْلِ الرَّابِعِ رَجُلٌ شَهِدَ عَلَيْهِ بَنُوهُ أَنَّهُ طَلَّقَ أُمَّهُمْ ثَلَاثًا وَهُوَ يَجْحَدُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ تَدَّعِي فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ تَجْحَدُ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَدَّعِي فَهُمْ يَشْهَدُونَ لِأُمِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ الْأُمَّ فِيمَا تَدَّعِي وَيُعِيدُونَ الْبُضْعَ إلَى مِلْكِهَا بَعْدَمَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تَجْحَدُ فَيَشْهَدُونَ عَلَى أُمِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهَا فِيمَا تَجْحَدُ وَيُبْطِلُونَ عَلَيْهَا مَا اسْتَحَقَّتْ مِنْ الْحُقُوقِ عَلَى زَوْجِهَا مِنْ الْقَسَمِ وَالنَّفَقَةِ وَمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ مَنْفَعَةِ عَوْدِ بُضْعِهَا إلَى مِلْكِهَا فَتِلْكَ مَنْفَعَةٌ مَجْحُودَةٌ يَشُوبُهَا مَضَرَّةٌ فَلَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ اهـ
وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالطَّلَاقِ شَهَادَةٌ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَوُجُودُ دَعْوَى الْأُمِّ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ حَقُّهَا أَيْضًا لَمْ تُشْتَرَطْ الدَّعْوَى لِلْأَوَّلِ وَاعْتُبِرَتْ إذَا وُجِدَتْ مَانِعَةً مِنْ الْقَبُولِ لِلثَّانِي عَمَلًا بِهِمَا وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ أَنَّ الْأُمَّ إذَا ادَّعَتْ الطَّلَاقَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهَا لَغْوٌ قَالَ مَوْلَانَا وَعِنْدِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ أَصَحُّ اهـ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ ذَكَرَهَا ابْنُ وَهْبَانَ فِي شَرْحِهِ: الْأُولَى شَهِدَا أَنَّ امْرَأَةَ أَبِيهِمَا ارْتَدَّتْ وَهِيَ تُنْكِرُ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمَا حَيَّةً لَمْ تُقْبَلْ ادَّعَتْ أَوْ أَنْكَرَتْ لِانْتِفَاعِهَا وَإِلَّا فَإِنْ ادَّعَى الْأَبُ لَمْ تُقْبَلْ وَإِلَّا قُبِلَتْ. الثَّانِيَةُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَشَهِدَ ابْنَاهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي الْمُدَّةِ الْأُولَى ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِلَا مُحَلِّلٍ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ يَدَّعِي لَا تُقْبَلُ وَإِلَّا قُبِلَتْ. الثَّالِثَةُ شَهِدَ ابْنَاهُ عَلَى الْأَبِ أَنَّهُ خَلَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى صَدَاقِهَا فَإِنْ كَانَ الْأَبُ يَدَّعِي لَا تُقْبَلُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَا وَإِلَّا تُقْبَلُ ادَّعَتْ أَوْ لَا. الرَّابِعَةُ شَهِدَ ابْنَا الْجَارِيَةِ الْحُرَّانِ أَنَّ مَوْلَاهَا أَعْتَقَهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَتْ تَدَّعِي لَا تُقْبَلُ وَإِلَّا فَتُقْبَلُ وَإِنْ شَهِدَ ابْنَا الْمَوْلَى وَهُوَ يَدَّعِي لَمْ تُقْبَلْ وَعَتَقَتْ لِإِقْرَارِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِلَّا تُقْبَلُ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَا عَلَى عِتْقِ أَبِيهِمَا بِأَلْفٍ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا لِأَنَّ دَعْوَاهُ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَلَوْ شَهِدَ ابْنَا الْمَوْلَى فَإِنْ ادَّعَى الْمَوْلَى لَمْ تُقْبَلْ وَإِنْ جَحَدَ وَادَّعَى الْغُلَامَ تُقْبَلُ وَيَقْضِي بِالْعِتْقِ وَبِوُجُوبِ الْمَالِ وَإِنْ أَنْكَرَ لَمْ تُقْبَلْ.
الْخَامِسَةُ جَارِيَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَتْ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ فُلَانٍ وَأَنَّ فُلَانًا الَّذِي اشْتَرَاهَا أَعْتَقَهَا وَالْمُشْتَرِي يَجْحَدُ فَشَهِدَ ابْنَا ذِي الْيَدِ بِمَا ادَّعَتْ الْجَارِيَةُ فَإِنْ ادَّعَى الْأَبُ لَمْ تُقْبَلْ وَإِلَّا تُقْبَلُ اهـ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا مَسَائِلُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ذَكَرَهَا الصَّدْرُ سُلَيْمَانُ الشَّهِيدُ فِي بَابٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَزَادَ قَالَتْ بِعْتنِي مِنْهُ وَأَعْتَقَنِي وَشَهِدَ ابْنَا الْبَائِعِ إنْ ادَّعَى لَا تُقْبَلُ وَعَتَقَتْ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ كَذَّبَهُ قُبِلَتْ وَثَبَتَ الشِّرَاءُ وَالْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ كَالشَّفِيعِ فِي يَدِهِ جَارِيَةٌ قَالَ بِعْتهَا مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفٍ وَقَبَضَهَا وَبَاعَهَا مِنِّي بِمِائَةِ دِينَارٍ وَشَهِدَ ابْنَا الْبَائِعِ يَقْضِي بِالْبَيْعَيْنِ وَبِالثَّمَنَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ وَلَا يُحْبَسُ بِهِ وَإِنْ ادَّعَى الْأَبُ لَا تُقْبَلُ وَيَسْلَمُ لَهُ بِإِقْرَارِهِ إلَى آخِرِ مَا فِيهِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الْمُنْتَقَى شَهِدَا عَلَى أَنَّ أَبَاهُمَا الْقَاضِي قَضَى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا لَا تُقْبَلُ وَالْمَأْخُوذُ أَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ قَاضِيًا يَوْمَ شَهِدَ الِابْنُ عَلَى حُكْمِهِ تُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ الِابْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِمَا تَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا عَلَى كِتَابِهِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ قَضَاءُ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ وَلَدِهِ وَحَافِدِهِ يَجُوزُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَادَّعَتْ أَنَّهُ مِنْ زَوْجِهَا وَجَحَدَ زَوْجُهَا ذَلِكَ فَشَهِدَ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ أَنَّ الزَّوْجَ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا وَلَدُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ ذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ تَجْحَدُ فَشَهِدَ عَلَيْهَا أَبُوهَا أَنَّهَا وَلَدَتْ وَأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهِ الرِّوَايَةُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) أَيْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِلْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الِانْتِفَاعَ مُتَّصِلٌ عَادَةً وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَيَصِيرُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ أَوْ يَصِيرُ مِنْهُمَا وَفِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ شَهِدَ الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ بِحَقٍّ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ وَلَوْ شَهِدَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ عَدْلٌ وَلَمْ يَرُدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ حَتَّى طَلَّقَهَا بَائِنًا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا رَوَى ابْنُ شُجَاعٍ أَنَّ الْقَاضِيَ يُنْفِذُ شَهَادَتَهُ اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ إنَّمَا تَمْنَعُ مِنْهَا وَقْتَ الْقَضَاءِ لَا وَقْتَ الْأَدَاءِ وَلَا وَقْتَ التَّحَمُّلِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ وَكَّلَتْ امْرَأَةُ الْقَاضِي وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَشَهِدَ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ) الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَشَهِدَ عَلَى الزَّوْجِ أَبُوهُ وَابْنُهُ
стр. 2302
عِدَّتُهَا وَقَضَى لِوَكِيلِهَا يَجُوزُ وَكَذَا وَكِيلُ مُكَاتَبِهِ إذَا عَتَقَ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ انْتِقَاءِ التُّهْمَةِ وَقْتَ الْقَضَاءِ اهـ.
وَأَمَّا فِي بَابِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْهُ وَقْتَ الْهِبَةِ لَا وَقْتَ الرُّجُوعِ فَلَوْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ نَكَحَهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَفِي بَابِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ الِاعْتِبَارُ لِكَوْنِهَا زَوْجَةً وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَلَوْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ نَكَحَهَا وَمَاتَ وَهِيَ زَوْجَةٌ صَحَّ وَفِي بَابِ الْوَصِيَّةِ الِاعْتِبَارُ لِكَوْنِهَا زَوْجَةٌ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ وَأَطْلَقَ فِي الزَّوْجَةِ فَشَمِلَ الْأَمَةَ قَالَ فِي الْأَصْلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ زَوْجٍ لِزَوْجَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً؛ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَيْهَا مَقْبُولَةٌ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى قَذَفَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا مَعَ ثَلَاثَةٍ لَمْ تُقْبَلْ وَهِيَ فِي الْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ وَقَدَّمْنَاهَا فِي الْحُدُودِ الثَّانِيَةِ شَهِدَ الزَّوْجُ وَآخَرُ بِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لِفُلَانٍ وَهُوَ يَدَّعِي ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي أَنَا أَذِنْت لَهَا فِي نِكَاحِهِ إلَّا إذَا كَانَ دَفَعَ لَهَا الْمَهْرَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى كَذَا فِي النَّوَازِلِ وَشَمِلَ الزَّوْجَةَ مِنْ وَجْهٍ وَهِيَ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ الطَّلَاقِ وَلَوْ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ فَلَا يَقْضِي لِأَصْلِهِ وَإِنْ عَلَا وَلَا لِفَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَلَوْ وَكِيلَ مَنْ ذَكَرْنَا كَمَا فِي قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمِنْهَا أَيْضًا اخْتَصَمَ رَجُلَانِ عِنْدَ الْقَاضِي وَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا ابْنَ الْقَاضِي أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَقَضَى الْقَاضِي لِهَذَا الْوَكِيلِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ يَجُوزُ وَفِي الْخِزَانَةِ وَكَذَا لَوْ كَانَ وَلَدُهُ وَصِيًّا فَقَضَى لَهُ وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي وَصِيَّ الْيَتِيمِ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ فِي أَمْرِ الْيَتِيمِ وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي وَكِيلًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ لِمُوَكِّلِهِ وَتَمَامُهُ فِيهَا وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ
(قَوْلُهُ وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَمِنْ وَجْهٍ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ الْحَالَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي شَهِدَ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ فَرُدَّتْ ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ تُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ بِالنِّكَاحِ فَرُدَّتْ ثُمَّ شَهِدَ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةً وَكَذَا الصَّبِيُّ أَوْ الْمُكَاتَبُ إذَا شَهِدَ فَرُدَّتْ ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ جَازَتْ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا) أَيْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا قَيَّدَ بِمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لِجَوَازِهَا بِمَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ شَرِكَةَ الْأَمْلَاكِ وَشَرِكَةَ الْعُقُودِ عِنْدَنَا وَمُفَاوَضَةً وَوُجُوهًا وَصَنَائِعَ وَخَصَّصَهُ فِي النِّهَايَةِ بِشَرِيكِ الْعَنَانِ قَالَ وَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِ الْمُفَاوِضَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَتَبِعَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَالْبِنَايَةِ وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَطَعَامَ أَهْلِهِ وَكِسْوَتَهُمْ وَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ سَهْوٌ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الشَّرِكَةِ إلَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعَقَارُ وَلَا الْعُرُوض وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ وُهِبَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ غَيْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَا تَبْطُلُ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ ثُمَّ قَالَ وَشَهَادَةُ أَحَدِ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِجَارَتِهِمَا مَقْبُولَةٌ لَا فِيمَا كَانَ مِنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ الْعَنَانَ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَقَدْ يَكُونُ عَامًّا، وَأَمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَلَا تَكُونُ إلَّا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَكُونُ خَاصَّةً يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمُفَاوَضَةُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْعَنَانِ اهـ.
وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ مَا إذَا شَهِدَا أَنَّ لَهُمَا وَلِفُلَانٍ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلِ أَنْ يَنُصَّا عَلَى الشَّرِكَةِ فَلَا تُقْبَلُ.
الثَّانِي أَنْ يَنُصَّا عَلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بِأَنْ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى هَذَا خَمْسَمِائَةٍ بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَنَا عَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ فَتُقْبَلُ. الثَّالِثِ أَنْ يُطْلِقَا فَلَا تُقْبَلُ لِاحْتِمَالِ الِاشْتِرَاكِ وَلَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ دَيْنٌ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ الدَّائِنَ أَبْرَأَهُمَا وَفُلَانٌ عَنْ الْأَلْفِ فَإِنْ كَانُوا كُفَلَاءَ لَمْ تُقْبَلْ وَإِلَّا فَإِنْ شَهِدُوا بِالْإِبْرَاءِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَذَلِكَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ سَهْوٌ إلَخْ) وَكَذَا قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَا عَدَاهَا مُشْتَرَكًا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ مَا لَيْسَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا فَيَشْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ أَيْضًا فَلَا وَجْهَ لِلْإِخْرَاجِ فَتَأَمَّلْ إلَّا أَنْ يَخُصَّ بِالْأَمْلَاكِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُمَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الشَّرِكَةِ إلَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ إلَخْ.
стр. 2303
وَإِلَّا تُقْبَلُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ ﵀ إلَى قَاعِدَةٍ فِي الشَّهَادَاتِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ جَرَّتْ مَغْنَمًا أَوْ دَفَعَتْ مَغْرَمًا لَمْ تُقْبَلْ لِلتُّهْمَةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَجِيرِ بِالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِلْمُعِيرِ بِالْمُسْتَعَارِ وَشَهَادَةُ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ كَأَجِيرِ الْمُيَاوَمَةِ وَالْمُشَاهَرَةِ لَا الْعَامِّ كَالْخَيَّاطِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فَتُقْبَلُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ذَابِحِ الشَّاةِ الْمَأْمُورِ بِذَبْحِهَا لِمُدَّعِيهَا عَلَى غَاصِبِهَا وَلَا شَهَادَةُ ابْنِ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّ الشَّفِيعَ طَلَبَ الشُّفْعَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا شَهَادَةُ الْمُودِعِ بِهَا وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ وَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْعِتْقِ وَشَهَادَةُ ابْنِ الْبَائِعِ عَلَى الشَّفِيعِ بِتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي وَلَا تُقْبَلُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ سَلَّمَهَا إلَى الشَّفِيعِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَلَا شَهَادَةُ الْمُعْتَقِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ إذَا اخْتَلَفَا وَتُقْبَلُ إذَا شَهِدَ بِإِيفَاءِ الثَّمَنِ أَوْ إبْرَاءِ الْبَائِعِ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ لِلْمُدَّعِي قَبْلَ الرَّدِّ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ شَهِدَ الْمُودِعُ أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْعَبْدِ بِإِعْتَاقِ مَوْلَاهُ أَوْ تَدْبِيرِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ عِنْدَ دَعْوَاهُ جَازَتْ لَا بِبَيْعِهِ وَتَمَامُ تَفْرِيعَاتِهِ فِي الْمُحِيطِ وَهُنَا مَسَائِلُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى عَدَمِ شَهَادَةِ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ: الْأُولَى شَهِدَا أَنَّ زَيْدًا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِقَبِيلَةِ بَنِي فُلَانٍ وَهُمَا مِنْ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ صَحَّتْ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا مِنْهَا. الثَّانِيَةُ لَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ جِيرَانِهِ وَهُمَا مِنْهُمْ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ. الثَّالِثَةُ لَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ بَيْتِهِ أَوْ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَهُمَا مِنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ كَانَا غَنِيَّيْنِ صَحَّتْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ وَالثَّالِثَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِمَا تَخْصِيصُ الْبَعْضِ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِ فِي الثَّالِثَةِ.
الرَّابِعَةُ لَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ جِيرَانِهِ فَشَهِدَ مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ مُحْتَاجُونَ مِنْهُمْ لَمْ تُقْبَلْ مُطْلَقًا فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَوْلَادِهِمَا أَنَّ الْمُخَاطَبَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عُمُومِ خِطَابِهِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا الْكَلَامُ بِخِلَافِ الْأَوْلَادِ فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا أَدْخَلْنَا الْمُتَكَلِّمَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ لِفُقَرَاءِ أَهْلِ بَيْتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ يُحْصَوْنَ بِخِلَافِ فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ وَبَنِي تَمِيمٍ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ مِنْ الْوَقْفِ لَوْ شَهِدَا أَنَّهَا صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ وَهُمَا مِنْهُمْ جَازَتْ وَلَوْ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ لَا قَالَ النَّاطِفِيُّ فِي الْفَرْقِ إنَّ الْقَرَابَةَ لَا تَزُولُ وَالْجَوَازَ يَزُولُ فَلَمْ يَكُنْ شَهَادَةً لِنَفْسِهِ لَا مَحَالَةَ اهـ.
وَأَهْلُ بَيْتِ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ عَنْهُمْ الِاسْمُ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَارِبُهُ الَّذِينَ فِي عِيَالِهِ فَلِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ فِيهَا وَلَكِنْ يَشْكُلُ بِمَسْأَلَةِ قَبِيلَةٍ فَإِنَّ الِاسْمَ عَنْهُمْ لَا يَزُولُ مَعَ قَبُولِهَا وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُونَ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَقَالَ قَاضِي خَانْ عَقِبَ مَا نَقَلْته عَنْهُ فَعَلَى هَذَا شَهَادَةُ أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ بِوَقْفِهَا جَائِزَةٌ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَدْرَسَةِ إذَا شَهِدُوا بِالْوَقْفِ عَلَى الْمَدْرَسَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ يَطْلُبُ لِنَفْسِهِ حَقًّا مِنْ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ وَإِلَّا تُقْبَلُ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لَوْ شَهِدَ بَعْضُ الشُّفَعَاءِ بِالْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ لَا يَطْلُبُهَا تُقْبَلُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعِنْدِي هَذَا يُخَالِفُ الشُّفْعَةَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ أَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَدْرَسَةِ مَنْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الْمَدْرَسَةِ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْوَقْفِ اسْتِحْقَاقًا لَا يَبْطُلُ بِإِبْطَالِهِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ أَبْطَلْت حَقِّي كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ وَيَأْخُذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا تُقْبَلَ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ الطَّرَسُوسِيُّ بِقَوْلِهِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ مِنْ أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فَلَا تَبْقَى لَهُ وَظِيفَةٌ أَصْلًا فَكَيْفَ يَقُولُ لَا يُمْكِنُهُ إبْطَالُهُ وَرَدَّهُ ابْنُ وَهْبَانَ بِأَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الْوَاقِفَ إذَا وَقَفَ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الْفِقْهِ وَالْفَقْرِ مَثَلًا وَالْإِقَامَةِ اسْتَحَقَّ مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْوَقْفِ وَلَا اعْتِبَارَ بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ بَلْ لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ثُمَّ طَلَبَ أَخَذَ كَالْوَقْفِ عَلَى الِابْنِ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ وَصَاحِبُ الْفَوَائِدِ لَمْ يَفْهَمْ هَذَا مِنْ كَلَامِ قَاضِي خَانْ بَلْ جَرَى عَلَى عَادَةِ أَوْقَافِ الْمَدَارِسِ فِي بِلَادِنَا فَإِنَّ الْوَاقِفَ يَجْعَلُ النَّظَرَ فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ مَثَلًا أَوْ إلَى النَّاظِرِ وَيَجْعَلُ لَهُ وِلَايَةَ الْعَزْلِ وَالتَّقْرِيرِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْحِرْمَانِ مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ فَحِينَئِذٍ إذَا أَبْطَلَ ذَلِكَ حَقَّهُ وَعَزَلَ نَفْسَهُ صَحَّ وَلَيْسَ لَهُ الْعَوْدُ إلَّا أَنْ يُقَرِّرَهُ الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْرِيرِ وَلَيْسَ كَلَامُ قَاضِي خَانْ فِي ذَلِكَ بَلْ كَلَامُهُ فِيمَنْ وَقَفَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَشَهَادَةِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ لِأُسْتَاذِهِ مَرْدُودَةٌ وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالُوا إنْ كَانَ الْأَجِيرُ مُشْتَرَكًا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَمَا ذُكِرَ فِي الدِّيَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ أَجِيرُ وَحْدٍ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً أَوْ مُيَاوَمَةً لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأُسْتَاذِهِ لَا فِي تِجَارَتِهِ وَلَا فِي شَيْءٍ آخَرَ وَمَا ذُكِرَ فِي الْكَفَالَةِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا كَذَا ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ وَالصَّدْرُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الشَّهِيدُ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ أَجِيرَ الْوَحْدِ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَإِذَا كَانَ يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ لِزَمَانِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ كَانَ مُتَّهَمًا فِيمَا شَهِدَ أَمَّا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ الَّذِي عُقِدَتْ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ فَإِذَا لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِشَهَادَتِهِ أَجْرًا انْتَفَتْ التُّهْمَةُ عَنْ شَهَادَتِهِ وَلِهَذَا جَازَتْ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ عِنْدَ شَرْطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ اهـ.
стр. 2304
الْوَاقِفُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَسْتَحِقُّ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ وَلَا يَبْطُلُ بِإِبْطَالِهِ لَهُ اهـ.
وَفِيمَا قَالَ نَظَرٌ لِي؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إذَا وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ مَثَلًا فَإِنَّ الْفَقِيهَ لَا يَسْتَحِقُّ فِي ذَلِكَ الرَّيْعِ إلَّا بِالتَّقْرِيرِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَتُهُ وَكَذَا عَلَى الْفُقَرَاءِ لَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَنْ كَانَ فَقِيهًا أَوْ فَقِيرًا مُطْلَقًا كَمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ وَهْبَانَ لِأَنَّ الْفَقِيهَ وَالْفَقِيرَ الطَّالِبَ لَمْ يَتَعَيَّنَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى كُلِّ فَقِيهٍ وَكُلِّ فَقِيرٍ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْجِنْسِ وَيَتَعَيَّنُ بِالتَّقْرِيرِ فَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ وَظِيفَةٍ تَقَرَّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِنْسِ الْفُقَهَاءِ أَوْ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ فِي أَوْقَافِ الْقَاهِرَةِ وَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ بِلَا تَعْيِينٍ وَلَمْ يُقَرِّرْ فِي وَقْفِهِمْ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُقَرِّرَهُ بَعْدَهُ وَيُعْطِيَهُ مَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ وَيَأْخُذُ بِلَا تَقْرِيرٍ فَمَعْنَى الِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي لَا يَبْطُلُ بِالْإِبْطَالِ فِي كَلَامِ قَاضِي خَانْ جَوَازُ أَنْ يُقَرِّرَ بَعْدَ إبْطَالِهِ وَيُعْطِيَ بَعْدَهُ مَنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَمَعْنَى قَوْلِ الطَّرَسُوسِيِّ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ إذَا كَانَ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَقْفِ عَلَى الِابْنِ كَمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ وَهْبَانَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الِابْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرٍ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْفَقِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى بَقِيَ مِنْ جِنْسِ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ مَسْأَلَةٌ لَوْ شَهِدَا عَلَى وَقْفٍ فِي مَكْتَبٍ فِيهِ أَوْلَادُهُمْ.
قِيلَ يَصِحُّ وَقِيلَ لَا وَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ أَوْلَادِهِمْ فِي الْمَكْتَبِ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَا تَكُونُ شَهَادَتُهُمْ لَهُمْ كَشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ وَفِي وَقْفِ الظَّهِيرِيَّةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْمَدْرَسَةِ وَشَهَادَةَ أَهْلِهَا وَشَهَادَةَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي وَقْفٍ عَلَى الْمَحَلَّةِ مَا نَصُّهُ وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى وَقْفِ مَكْتَبٍ وَلِلشَّاهِدِ صَبِيٌّ فِي الْمَكْتَبِ لَا تُقْبَلُ قِيلَ وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا تُقْبَلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَهَكَذَا صَحَّحَ الْقَبُولَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَكْتَبِ وَشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ وَشَهَادَةِ الْفُقَهَاءِ عَلَى وَقْفِيَّةٍ وَقْفٍ عَلَى مَدْرَسَةِ كَذَا وَهُمْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى وَقْفِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَكَذَا أَبْنَاءُ السَّبِيلِ إذَا شَهِدُوا بِوَقْفٍ عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ إلَى آخِرِهِ فَالْمُعْتَمَدُ الْقَبُولُ فِي الْكُلِّ وَذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ بَعْدَهُ تَنْبِيهًا وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ مَسْأَلَةُ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي وَقْفٍ تَحْتَ نَظَرِهِ أَوْ هُوَ مُسْتَحَقٌّ فِيهِ اهـ.
قُلْتُ (تَنْبِيهٌ) الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي شَهَادَةِ الْفُقَهَاءِ بِأَصْلِ الْوَقْفِ لِقَوْلِهِمْ شَهَادَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى وَقْفِيَّةٍ وَقْفٍ أَمَّا شَهَادَةُ الْمُسْتَحِقِّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْغَلَّةِ كَشَهَادَتِهِ بِإِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ فَكَانَ مُتَّهَمًا فَكَانَ دَاخِلًا فِي شَهَادَةِ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ فَهُوَ نَظِيرُ شَهَادَةِ أَحَدِ الدَّائِنَيْنِ لِشَرِيكِهِ بِدَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا وَقَدْ كَتَبْت فِي حَوَاشِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّ شَهَادَةَ شُهُودِ الْأَوْقَافِ الْمُقَرَّرِينَ فِي وَظَائِفِ الشَّهَادَةِ بِمَا يَرْجِعُ إلَى الْغَلَّةِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَوْنُ الْقَاضِي قَرَّرَهُ شَاهِدًا لِلْوَقْفِ مُوَافِقًا لِلشَّرْطِ لَا يُوجِبُ قَبُولَهَا فَإِنْ قُلْت فَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لِوَظِيفَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِي الدَّخْلِ وَالْخَرْجِ بِلَا بَيَانٍ وَقَدْ فَرَضَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْغَلَّةِ قُلْت فَائِدَتُهُ إسْقَاطُ التُّهْمَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي إذَا شَهِدَ لَهُ الشَّاهِدُ بِالدَّخْلِ وَالْخَرْجِ فَلَا يُحَلِّفُهُ الْقَاضِي إذَا اتَّهَمَهُ. اهـ.
وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ أَوْ الْهَلَاكَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ فَإِنْ بَرْهَنَ فَلَا يَمِينَ وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فِي زَمَانِنَا وَالْفِقْهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كُلِّهِ وَلَا يَمَلُّهُ أَهْلُ التَّحْصِيلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ وَالتِّلْمِيذِ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ شَارِحُو الْهِدَايَةِ أَنَّ شَهَادَةَ التِّلْمِيذِ لِأُسْتَاذِهِ لَا تُقْبَلُ وَفَسَّرُوهُ بِمَنْ يَعُدُّ ضَرَرَ أُسْتَاذِهِ ضَرَرَهُ وَنَفْعَهُ نَفْعَهُ وَفَسَّرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِاَلَّذِي يَأْكُلُ مَعَ عِيَالِهِ فِي بَيْتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أُجْرَةٌ خَاصَّةٌ، وَأَمَّا الْأَجِيرُ فَإِنْ كَانَ خَاصًّا لَمْ تُقْبَلْ وَإِلَّا قُبِلَتْ وَفِي الْمُحِيطِ ادَّعَى دَارًا فَشَهِدَ لَهُ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْبِنَاءِ تُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ لَهُ بِهَا مَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِهَدْمِهَا لَا اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ شَهَادَةَ الدَّائِنِ لِمَدْيُونِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ مَسْأَلَةُ قَضَاءِ الْقَاضِي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُعْلَمُ بِهِ جَوَازُ شَهَادَةِ النَّاظِرِ فِي وَقْفٍ تَحْتَ نَظَرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَالشَّهَادَةَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ فِي وَاقِعَةِ الْحَالِ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ قَبُولُهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ بِوَقْفِ مَدْرَسَةٍ وَهُوَ صَاحِبُ وَظِيفَةٍ بِهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ قُلْت تَنْبِيهُ الْكَلَامِ كُلِّهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: تَنْبِيهُ أَحْسَنِ الْكَلَامِ كُلِّهِ أَيْضًا عِنْدَ عَدَمِ التُّهْمَةِ فَلَوْ حَصَلَتْ تُهْمَةٌ لَا يُقْبَلُ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ وَعَنْهُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي أَحَادِيثِ الرَّعِيَّةِ وَقَسْمِ النَّوَائِبِ وَالضَّرَائِبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَكَتَبَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَيْ شَهَادَةُ الرَّعِيَّةِ لَهُ لِلتُّهْمَةِ ثُمَّ قَالَ عَنْهُ يَعْنِي نَجْمَ الْأَئِمَّةِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُزَارِعِ لِرَبِّ الْأَرْضِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا تُقْبَلُ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَعَنْ شَرَفِ الْأَئِمَّةِ الْإِسْفِيدَرِيِّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّعِيَّةِ لِوَكِيلِ الرَّعِيَّةِ وَالشِّحْنَةِ وَالرَّيِّسِ وَالْعَامِلِ لِجَهْلِهِمْ وَمَيْلِهِمْ خَوْفًا مِنْهُ وَكَذَا شَهَادَةُ الْمُزَارِعِ اهـ.
فَهُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ جَوَازِ شَهَادَةِ مَنْ ذُكِرَ لِلتُّهْمَةِ وَفَسَادِ الزَّمَانِ وَهَذَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا فَتَدَبَّرْ وَبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَةَ الْفَلَّاحِينَ لِشَيْخِ قَرْيَتِهِمْ وَشَهَادَتَهُمْ لِلْقَسَّامِ الَّذِي يَقْسِمُ عَلَيْهِمْ وَشَهَادَةَ الرَّعِيَّةِ لِحَاكِمِهِمْ وَعَامِلِهِمْ وَمَنْ لَهُ نَوْعُ وِلَايَةٍ عَلَيْهِمْ لَا تَجُوزُ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ شَهَادَةَ الدَّائِنِ لِمَدْيُونِهِ إلَخْ) فِي فَتَاوَى الْعَلَّامَةِ التُّمُرْتَاشِيِّ تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدْيُونِهِ حَالَ حَيَاتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُفْلِسًا قَوْلًا وَاحِدًا وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا شَهِدَ لَهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُفْلِسًا فَفِي الْمُحِيطِ لَا تُقْبَلُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَالِدُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ قَالَ تُقْبَلُ
стр. 2305
وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا وَفِي الْمُحِيطِ لَا تُقْبَلُ بِدَيْنٍ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُنَا مَسَائِلُ أُخْرَى: الْأُولَى ثَلَاثَةٌ قَتَلُوا رَجُلًا فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ عَفَا عَنْ الثَّالِثِ تُقْبَلُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. الثَّانِيَةُ ثَلَاثَةٌ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الدَّائِنِ بِإِبْرَاءِ الثَّالِثِ فَعَلَى الْخِلَافِ إنْ كَانَا لَمْ يَقْبِضَا وَإِلَّا فَلَا اتِّفَاقًا. الثَّالِثَةُ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى الْبَاقِي بِأَنَّ هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ تُقْبَلُ. الرَّابِعَةُ شَهِدَ الْكَفِيلَانِ بِالْعُهْدَةِ عَلَى الْبَائِعِ بِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ أَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ بِالْعَفْوِ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ عَفَا عَنَّا قَالَ الْحَسَنُ تُقْبَلُ إذَا قَالَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَفَا عَنَّا وَعَنْ هَذَا الْوَاحِدِ فَتُقْبَلُ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ وَهِيَ فِي الْخَانِيَّةِ وَنَظِيرُ هَذِهِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلَ دَارِي أَحَدٌ فَعَبْدِي حُرٌّ فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ أَنَّهُمْ دَخَلُوهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ قَالُوا دَخَلْنَاهَا جَمِيعًا لَا تُقْبَلُ وَإِنْ قَالُوا دَخَلْنَا وَدَخَلَ هَذَا تُقْبَلُ وَسَأَلَ الْحَسَنُ ابْنُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهَا فَقَالَ إنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِأَنَّا دَخَلْنَاهَا جَمِيعًا تُقْبَلُ وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ لَا تُقْبَلُ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ أَصَبْت وَخَالَفْت أَبَاك اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمُخَنَّثِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمُرَادُهُ الْمُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ فَأَمَّا الَّذِي فِي كَلَامِهِ لِينٌ وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ فَهُوَ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْمُغْرِبِ الْمُخَنَّثُ فِي عُرْفِ النَّاسِ هُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ الرَّدِيءَ مِنْ الْأَفْعَالِ أَيْ أَفْعَالِ النِّسَاءِ مِنْ التَّزَيُّنِ بِزِينَتِهِنَّ وَالتَّشَبُّهِ بِهِنَّ فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ فَالْفِعْلُ مِثْلُ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلِّوَاطَةِ وَالْقَوْلُ مِثْلُ تَلْيِينِ كَلَامِهِ بِاخْتِيَارِهِ تَشْبِيهًا بِالنِّسَاءِ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ الْمُخَنَّثُ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُتَكَسِّرِ فِي أَعْضَائِهِ الْمُتَلَيِّنِ فِي كَلَامِهِ تَشْبِيهًا بِالنِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ لِوَاطَةً. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةُ) لِارْتِكَابِهِمَا مُحَرَّمًا لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الصَّوْتَيْنِ الْأَحْمَقَيْنِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ أَيْ صَوْتِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ وَوَصَفَ الصَّوْتَ بِصَوْتِ صَاحِبِهِ أَطْلَقَ الْمُغَنِّيَةَ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ تُغَنِّي وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ رَفْعَ صَوْتِهَا حَرَامٌ بِخِلَافِ الرَّجُلِ قَيَّدَهُ بِأَنْ يُغَنِّيَ لِلنَّاسِ وَأَطْلَقَ النَّائِحَةَ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِاَلَّتِي تَنُوحُ فِي مُصِيبَةِ غَيْرِهَا لِارْتِكَابِهَا الْحَرَامَ طَمَعًا فِي الْمَالِ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ النَّائِحَةِ فِي مُصِيبَتِهَا وَفِي الْقَامُوسِ نَاحَ الرَّجُلُ بَكَى وَاسْتَبْكَى غَيْرَهُ
(قَوْلُهُ وَالْعَدُوِّ إنْ كَانَتْ عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً) أَيْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ لِأَجْلِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَاةَ لِأَجْلِهَا حَرَامٌ فَمَنْ ارْتَكَبَهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ قَيَّدَ بِكَوْنِهَا دُنْيَوِيَّةً لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا كَانَتْ دِينِيَّةً فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ دِينِهِ وَعَدَالَتِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَاةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً بِأَنْ رَأَى فِيهِ مُنْكَرًا شَرْعًا وَلَمْ يَنْتَهِ بِنَهْيِهِ بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْمَقْتُولِ وَلِيُّهُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمَجْرُوحِ عَلَى الْجَارِحِ وَالزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَالْعَدُوُّ مَنْ يَفْرَحُ بِحُزْنِهِ وَيَحْزَنُ لِفَرَحِهِ وَقِيلَ يُعْرَفُ بِالْعُرْفِ اهـ.
وَمِثَالُ الْعَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَنْ يَشْهَدَ الْمَقْذُوفُ عَلَى الْقَاذِفِ وَالْمَقْطُوعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى الْقَاطِعِ وَفِي إدْخَالِ الزَّوْجِ هُنَا نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحُوا بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهَا بِالزِّنَا إلَّا إذَا قَذَفَهَا أَوَّلًا وَإِنَّمَا الْمَنْعُ مُطْلَقًا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَفِي بَعْضِ الْفَتَاوَى وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي غَالِبِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَالْمَشْهُورَ عَلَى أَلْسِنَةِ فُقَهَائِنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَنَقَلَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ الْعَدَاوَةَ بِسَبَبِ الدُّنْيَا لَا تَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْسُقْ بِسَبَبِهَا أَوْ يَجْلِبُ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ وَغَيْرِهَا اخْتِيَارُ
ــ
[منحة الخالق]
وَأَمَّا إذَا شَهِدَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا تُقْبَلُ قَوْلًا وَاحِدًا لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالتَّرِكَةِ كَالْمُوصَى لَهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ قَالَ الْحَسَنُ تُقْبَلُ إذَا قَالَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَفَا عَنَّا وَعَنْ هَذَا الْوَاحِدِ فَتُقْبَلُ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الْقَائِلَ اثْنَانِ فَقَطْ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَبُولَ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْ الْكُلِّ وَعَلَيْهِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ فَقَطْ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ قَالَا ذَلِكَ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ قَالَ ذَلِكَ فَتَسْقُطُ الدِّيَةُ عَنْ الْكُلِّ وَانْظُرْ مَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ هَذَا وَقَدْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَشْبَاهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَاعِدَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ فَقَالَ مُحَشِّيهَا الْحَمَوِيُّ تَبَعًا لِلرَّمْلِيِّ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا قَبُولُ شَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَلَا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بَلْ إنَّمَا قُبِلَتْ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ الِاثْنَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْ الثَّالِثِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ كُلٍّ لِنَفْسِهِ فَلَا قَائِلَ بِهَا وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ لَا تُهْمَةَ فِيهَا لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ لِوُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمُلَا فَلَمْ تَجُرَّ مَنْفَعَةً فَهِيَ كَشَهَادَةِ غَرِيمَيْنِ لِغَرِيمَيْنِ فَتَأَمَّلْ اهـ.
وَفِي حَاشِيَتِهَا لِلْكُفَيْرِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَيَلْزَمُهُمَا بَقِيَّةُ الدِّيَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ لِأَنْفُسِهِمَا وَقَالَ الْحَسَنُ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ اعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ تَكُونُ شَهَادَتُهُمَا لِغَيْرِهِمَا وَإِذَا فُرِضَ ذَلِكَ فَتَحْصُلُ الشَّهَادَةُ فِي الْمَعْنَى لِكُلٍّ مِنْ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكُلِّ اهـ.
نَقَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَبُولَ شَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ فَتَأَمَّلْ.
стр. 2306
الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَنْصُوصَةُ فَبِخِلَافِهَا وَفِي كَنْزِ الرُّءُوسِ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْبَلُ إذَا كَانَ عَدْلًا قَالَ أُسْتَاذُنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ بِسَبَبِ أَمْرِ الدُّنْيَا. اهـ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبَانَ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ شَاهِدٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» وَالْغَمْرُ الْحِقْدُ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحِقْدَ فِسْقٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ ﵀ تَنْبِيهَاتٍ حَسَنَةً لَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ: الْأَوَّلَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ وَالْمَبْسُوطِ أَنَّا إذَا قُلْنَا إنَّ الْعَدَاوَةَ قَادِحَةٌ فِي الشَّهَادَةِ تَكُونُ قَادِحَةً فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ لَا فِي حَقِّ الْعَدُوِّ فَقَطْ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ فَإِنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى يَكُونَ فَاسِقًا فِي حَقِّ شَخْصٍ عَدْلًا فِي حَقِّ آخَرَ اهـ.
قُلْت: وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ الْمُؤَلِّفُ عَلَى عَدُوِّهِ بَلْ أَطْلَقَهُ.
الثَّانِيَ لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَدَاوَةَ آخَرَ يَكُونُ مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ اعْتِرَافًا مِنْهُ بِفِسْقِ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي عَدَالَةِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَدُوٌّ مَا لَمْ يُثْبِتْ الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَدُوٌّ لَهُ. الثَّالِثَ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ أَوْ عَلَى غَيْرِ عَدُوِّهِ هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ إنْ قُلْنَا إنَّ الْمَانِعَ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ هُوَ الْفِسْقُ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ صَحِيحًا نَافِذًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَيَصِحُّ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لِمَعْنًى آخَرَ أَقْوَى مِنْ الْفِسْقِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْعَدُوِّ وَيَصِحُّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْكَمَالِ فِي إصْلَاحِ الْإِيضَاحِ أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ لِعَدُوِّهِ جَائِزَةٌ عَكْسَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ اهـ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ لِلتُّهْمَةِ لَا لِلْفِسْقِ. الرَّابِعَ قَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالشُّهُودِ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَاصَمَ شَخْصًا فِي حَقٍّ وَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا أَنَّهُ يَصِيرُ عَدُوَّهُ فَيَشْهَدُ بَيْنَهُمَا بِالْعَدَاوَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعَدَاوَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْت نَعَمْ لَوْ خَاصَمَ الشَّخْصُ آخَرَ فِي حَقٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ كَالْوَكِيلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ إذَا تَخَاصَمَ اثْنَانِ فِي حَقٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَاصَمَةِ. اهـ.
قُلْت وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ بَابِ مَا يُبْطِلُ دَعْوَى الْمُدَّعِي رَجُلٌ خَاصَمَ رَجُلًا فِي دَارٍ أَوْ فِي حَقٍّ ثُمَّ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حَقٍّ آخَرَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ آخَرُ فَخَاصَمَهُ فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا يَمْتَنِعُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ إلَّا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ كَذَا لِئَلَّا يَشْهَدَ عَلَيْهِ وَطَلَبَ الرَّدَّ وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ نُكُولٍ فَحِينَئِذٍ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ وَهُوَ جَرْحٌ مَقْبُولٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَسَيَأْتِي فِي بَيَانِ الْجَرْحِ.
الْخَامِسَ إذَا قُلْنَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إذَا كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً هَلْ الْحُكْمُ فِي الْقَاضِي كَذَلِكَ حَتَّى لَا يَجُوزَ قَضَاءُ الْقَاضِي عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِيهِ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ وَإِنْ كَانَ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ وَبِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِطَلَبِ خَصْمٍ شَرْعِيٍّ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ وَأَسْبَابَ الشَّهَادَةِ خَافِيَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى شُرْبِ مَا لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَإِنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَجَزَّأُ إلَخْ) وَهَلْ يُقَاسُ عَلَى هَذَا النَّاظِرُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْظَارُ وَقْفٍ عَدِيدَةٍ وَثَبَتَ فِسْقُهُ بِسَبَبِ خِيَانَتِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا فَهَلْ يَسْرِي فِسْقُهُ فِي كُلِّهَا فَيُعْزَلُ أَقُولُ: مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَجَزَّأُ السَّرَيَانُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ ثُمَّ رَأَيْت وَلِلَّهِ الْحَمْدُ بَعْدَ مُدَّةٍ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي فَتَاوَى الْمُفْتَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي السُّعُودِ الْعِمَادِيِّ الْمُفَسِّرِ وَنَصُّهُ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ فِي نَاظِرٍ عَلَى أَوْقَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ فِي بَعْضٍ مِنْ الْأَوْقَافِ هَلْ يَلْزَمُ عَزْلُهُ مِنْ الْكُلِّ أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ اهـ. بِحُرُوفِهِ كَذَا رَأَيْته بِخَطِّ مُلَّا عَلِيٍّ أَمِينِ الْفَتْوَى بِدِمَشْقَ الشَّامِ فِي هَامِشِ نُسْخَتِهِ.
وَكَتَبَ الرَّمْلِيُّ هُنَا الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ إنَّمَا هُوَ لِلتُّهْمَةِ لَا لِلْفِسْقِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ وَمَا صَرَّحَ بِهِ يَعْقُوبُ بَاشَا وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا صَرَّحَ بِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لَا تُقْبَلُ فَالتَّقْيِيدُ بِكَوْنِهَا عَلَى عَدُوِّهِ يَنْفِي مَا عَدَاهُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ لِلْأَفْهَامِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
أَقُولُ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ فِعْلَ الْكَبِيرَةِ وَالْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ قَادِحٌ فِي الْعَدَالَةِ وَقَدْ شَرَطَ فِي الْقُنْيَةِ لِعَدَمِ الْقَبُولِ كَوْنَهُ فَسَقَ بِتِلْكَ الْعَدَاوَةِ وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ قَبُولِهَا مُطْلَقًا ظَاهِرٌ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَتْ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ مَا يَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ أَوْ يَرْتَكِبُ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْوَجْهَ عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا وَالتَّعْلِيلُ بِالِاتِّهَامِ كَمَا مَرَّ عَنْ كَنْزِ الرُّءُوسِ لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُقْبَلُ لِلِاتِّهَامِ أَيْضًا وَمَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَفْسُقْ بِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَيَصِحُّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَصَرَّحَ يَعْقُوبُ بَاشَا فِي حَاشِيَتِهِ بِعَدَمِ نَفَاذِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ وَأَقُولُ: وَقِيَاسُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَصَبِيَّةَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَبْغَضُ الرَّجُلَ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَاشِيَةِ قَرِيبًا مَنْقُولًا عَنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ فَتَأَمَّلْهُ
стр. 2307
فَأَطْلَقَ اللَّهْوَ عَلَى الْمَشْرُوبِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدْمَانِ فِي حَقِّ الْخَمْرِ أَيْضًا وَفِي الْخَانِيَّةِ إنَّمَا شَرَطَ الْإِدْمَانَ لِيَظْهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ فَإِنَّ مَنْ اُتُّهِمَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فِي بَيْتِهِ لَا تَبْطُلُ عَدَالَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَإِنَّمَا تَبْطُلُ إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ أَوْ يَخْرُجُ سَكْرَانَ يَسْخَرُ مِنْهُ الصِّبْيَانُ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَحْتَرِزُ عَنْ الْكَذِبِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَفِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ لَا يَجُوزُ بِشَهَادَةِ مُدْمِنِ الْخَمْرِ ثُمَّ قَالَ بِشَرْطِ الْإِدْمَانِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْإِدْمَانَ فِي الشُّرْبِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْإِدْمَانَ فِي النِّيَّةِ يَعْنِي يَشْرَبُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَشْرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا وَجَدَهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُدْمِنِ السُّكْرِ وَأَرَادَ بِهِ السُّكْرَ بِسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ سِوَى الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ السُّكْرُ فَشَرْطُ الْإِدْمَانِ عَلَى السُّكْرِ وَالْمُحَرَّمِ فِي الْخَمْرِ نَفْسُ الشُّرْبِ فَشَرْطُ الْإِدْمَانِ عَلَى الشُّرْبِ اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَأَنَّ الْإِدْمَانَ بِالْفِعْلِ أَوْ النِّيَّةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ شُرْبَ قَطْرَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْهَا وَهِيَ مُسْقِطَةٌ لِلْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَشَايِخُ الْإِدْمَانَ لِيَظْهَرَ شُرْبُهُ عِنْدَ الْقَاضِي لَا أَنَّهُ شَرْطٌ كَقَوْلِهِمْ إنَّ النَّائِحَةَ لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهَا إلَّا إذَا كَانَتْ نَائِحَةً فِي مُصِيبَةِ غَيْرِهَا مَعَ أَنَّ النِّيَاحَةَ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا لَكِنْ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي مُصِيبَةِ غَيْرِهَا غَالِبًا وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِدْمَانِ لِأَنَّ شُرْبَهُ صَغِيرَةٌ وَالْقَوْلَانِ فِي تَفْسِيرِ الْإِدْمَانِ مَحْكِيَّانِ فِي تَفْسِيرِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَذَكَرَ ابْنُ الْكَمَالِ أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلَا تَسْقُطُ الْعَدَالَةُ إلَّا بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَةُ شَارِبِ الْخَمْرِ بِنَفْسِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ لَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ قَاطِعٍ إلَّا إذَا دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.
وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ ابْنِ الْكَمَالِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَشَايِخِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ شُرْبَهَا كَبِيرَةٌ وَلِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي الْكَبَائِرِ أَنَّهَا سَبْعٌ وَذَكَرَ مِنْهَا شُرْبَ الْخَمْرِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الصُّغْرَى أَنَّهَا صَغِيرَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ فِي تَعْلِيلِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا لَا فِي الْحَدِّ وَحُرْمَتُهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلِذَا قَالُوا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا وَسُقُوطُ الْعَدَالَةِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ شُرْبِهَا لَا بِسَبَبِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْخَصَّافَ أَسْقَطَ الْعَدَالَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مِنْ غَيْرِ إدْمَانٍ وَمُحَمَّدٌ شَرَطَ الْإِدْمَانَ لِسُقُوطِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ لَا تَسْقُطُ عَدَالَةُ أَصْحَابِ الْمُرُوءَاتِ بِالشُّرْبِ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَنْ سَكِرَ مِنْ النَّبِيذِ بَطَلَتْ عَدَالَتُهُ فِي قَوْلِ الْخَصَّافِ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ عِنْدَ الْكُلِّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَبْطُلُ عَدَالَتُهُ إلَّا إنْ اعْتَادَ ذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِحُرْمَةِ قَلِيلِهِ وَلَمْ يُسْقِطْهَا بِكَثِيرِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ بِأَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ صَغِيرَةٌ فَشَرَطَ الِاعْتِيَادَ فَإِنْ قُلْت هَلْ لِشَارِبِ الْخَمْرِ أَنْ يَشْهَدَ إذَا لَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ قُلْت نَعَمْ لِمَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَإِذَا كَانَ فِي الظَّاهِرِ عَدْلًا وَفِي السِّرِّ فَاسِقًا فَأَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ فِسْقَهُ؛ لِأَنَّهُ هَتْكُ السِّرِّ وَإِبْطَالُ حَقِّ الْمُدَّعِي اهـ.
وَلَا فَرْقَ فِي السُّكْرِ الْمُسْقِطِ لَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِمَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَإِذَا سَكِرَ الذِّمِّيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَفِي الْمِصْبَاحِ اللَّهْوُ مَعْرُوفٌ وَأَصْلُهُ تَرْوِيحُ النَّفْسِ بِمَا لَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ اهـ.
وَذَكَرَ الشَّارِحُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَجْلِسُ مَجَالِسَ الْفُجُورِ وَالشُّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِهِمْ وَلَا يُحْتَرَزُ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ اهـ.
وَفِي قَوْلِهِ عَلَى اللَّهْوِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَرِبَهَا لِلتَّدَاوِي لَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ يَلْعَبُ بِالطُّنْبُورِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَفَسَّرَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِالْمُغَنِّي وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى بِالطُّيُورِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَأَطْلَقَ اللَّهْوَ عَلَى الْمَشْرُوبِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِنَحِ هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ الْعِبَارَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى مُدْمِنِ الشُّرْبِ أَيْ مُدَاوِمِ شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى اللَّهْوِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْ مُدَاوِمُ شُرْبِ الْخَمْرِ لِأَجْلِ اللَّهْوِ؛ لِأَنَّ شُرْبَهَا كَبِيرَةٌ وَقَالَ مُلَّا خُسْرو وَمُدْمِنُ الشُّرْبِ أَيْ شُرْبِ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَإِنَّ إدْمَانَ شُرْبِ غَيْرِهَا لَا يُسْقِطُ الشَّهَادَةَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى اللَّهْوِ اهـ.
فَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ الشُّرْبَ عَلَى اللَّهْوِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَمَّا فِيهَا فَلَا يُشْتَرَطُ وَهَذَا يُوَافِقُ كَلَامَ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَحْوَجُهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَمْلِ اللَّهْوِ فِي كَلَامِ الْكَنْزِ عَلَى الْمَشْرُوبِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ شَرْطًا فِي الْخَمْرِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ كَبِيرَةٌ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا سَوَاءٌ شُرِبَتْ عَلَى اللَّهْوِ أَمْ لَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدْمَانِ فِي حَقِّ الْخَمْرِ أَيْضًا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ لَا يَخْفَى حُسْنُ مَا فِي النِّهَايَةِ مَعْزُوًّا إلَى الذَّخِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى أَنْ يَشْرَبَ ذَلِكَ فَهُوَ فَاسِقٌ لَمْ يَتُبْ بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ عَنْهُ فَإِنَّهُ فَاسِقٌ تَابَ وَمِثْلُهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ وَبِهِ يَنْحَلُّ الْإِشْكَالُ تَأَمَّلْ اهـ.
لَكِنْ فِي هَوَامِشِ ابْنِ الْكَمَالِ الْمَعْزُوَّةِ إلَيْهِ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَدَارًا لِعَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْ مُحَمَّدٍ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمَهُ عَنْ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ مِنْ أَنَّ الْإِدْمَانَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ شَرْطٌ لِسُقُوطِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَنَّهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ شُرْبِ الْخَمْرِ حَرَامٌ وَلَوْ بِدُونِ إدْمَانٍ وَإِسْكَارٍ وَلِهَذَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي حَيْثُ اشْتَرَطَ الِاعْتِيَادَ عَلَى السُّكْرِ مِنْ النَّبِيذِ لِلِاحْتِيَاطِ فَمَنَعَ الْقَلِيلَ يَعْنِي مِنْ الْمُسْكِرِ وَلَمْ يُسْقِطْ الْعَدَالَةَ إلَّا إذَا اعْتَادَ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْكَثْرَةِ اهـ.
فَإِنْ قُلْت لِمَ اشْتَرَطَ الْإِدْمَانَ فِي الشُّرْبِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ قُلْت ذَكَرَ الْبُرْجَنْدِيُّ أَنَّ الْوُقُوعَ فِي الشُّرْبِ أَكْثَرُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي غَيْرِهِ فَلَوْ جَعَلَ مُجَرَّدَ الشُّرْبِ مُسْقِطًا لِلْعَدَالَةِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ. اهـ. أَبُو السُّعُودِ.
стр. 2308
لِأَنَّهُ يُورِثُ غَفْلَةً وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ يَقِفُ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ لِصُعُودِهِ سَطْحَهُ لِيُطَيِّرَ طَيْرَهُ فَأَمَّا إمْسَاكُ الْحَمَامِ فِي بَيْتِهِ لِلِاسْتِئْنَاسِ لَا يُسْقِطُهَا؛ لِأَنَّ إمْسَاكَهَا فِي الْبُيُوتِ مُبَاحٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَزَادَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ إمْسَاكَهَا لِحَمْلِ الْكُتُبِ كَمَا فِي دِيَارِ مِصْرَ وَالشَّامِ مُبَاحٌ إلَّا إنْ كَانَتْ تَجُرُّ حَمَامَاتٍ أُخَرَ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ فَتُفَرِّخُ فِي وَكْرِهَا فَيَأْكُلُ وَيَبِيعُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ فَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْعَوْرَاتِ بِصُعُودِ السَّطْحِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ بِالطُّنْبُورِ كُلَّ لَهْوٍ كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ النَّاسِ احْتِرَازًا عَمَّا لَمْ يَكُنْ شَنِيعًا كَضَرْبِ الْقَضِيبِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا إلَّا أَنْ يُتَفَاحَشَ بِأَنْ يَرْقُصُوا بِهِ فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْكَبَائِرِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمَشَايِخُ هُنَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا «مَا أَنَا مِنْ دَدٍ وَلَا الدَّدُ مِنِّي» قَالَ فِي الصِّحَاحِ الدَّدُ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ تَقُولُ هَذَا دَدٌ وَدَدًا مِثْلَ نَقًا وَدَدَنٌ اهـ.
وَذَكَرَ الْقُطْبُ فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ الدَّدُ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ وَالتَّنْكِيرُ فِي دَدٍ لِلشُّيُوعِ أَيْ مَا أَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ اللَّهْوِ وَالتَّعْرِيفُ فِي الدَّدِ لِلْعَهْدِ كَأَنَّهُ قَالَ وَلَا ذَلِكَ النَّوْعُ مِنِّي اهـ.
وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ مِنْ شَرِكَاتِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مِنْ فِي الْحَدِيثِ تُسَمَّى اتِّصَالِيَّةٌ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ اللَّاعِبُ بِالصَّوْلَجَانِ يُرِيدُ بِهِ الْفُرُوسِيَّةَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ لَعِبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَلَاهِي وَلَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ الْفَرَائِضِ لَا تَبْطُلُ عَدَالَتُهُ وَالْمُلَاعَبَةُ بِالْأَهْلِ وَالْفَرَسِ لَا تُبْطِلُ الْعَدَالَةَ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ الْفَرَائِضِ فَإِنْ كَانَ اللَّعِبُ بِالْمَلَاهِي لَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا إلَّا أَنَّهُ شَنِيعٌ بَيْنَ النَّاسِ كَالْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَنِيعًا نَحْوَ الْحِدَاءِ وَضَرْبِ الْقَضِيبِ لَا إلَّا إذَا فَحُشَ بِأَنْ كَانُوا يَرْقُصُونَ عِنْدَ ذَلِكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ يُغَنِّي لِلنَّاسِ) ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ عَلَى ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغِنَاءَ كَبِيرَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ بَلْ لِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ دَفْعًا لِلْوَحْشَةِ وَهُوَ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ قَالَ بِعُمُومِ الْمَنْعِ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ إنَّمَا مَنَعَ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ لِلنَّاسِ فِي عُرْسٍ أَوْ وَلِيمَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ لِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ دَفْعًا لِلْوَحْشَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ لِيَسْتَقِيدَ بِهِ نَظْمَ الْقَوَافِي وَفَصَاحَةَ اللِّسَانِ وَالْعَجَبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي أَنَّهُ عَلَّلَ بِمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَجَوَّزَهُ إذَا كَانَ لِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ إزَالَةً لِلْوَحْشَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ التَّغَنِّي الْمُحَرَّمُ هُوَ مَا كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا لَا يَحِلُّ كَصِفَةِ الذَّكَرِ وَالْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ الْحَيَّةِ وَوَصْفِ الْخَمْرِ الْمُهَيِّجِ إلَيْهَا وَالدِّيرِيَّاتِ وَالْحَانَاتِ وَالْهِجَاءِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إذَا أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ هِجَاءَهُ لَا إذَا أَرَادَ إنْشَاءَ الشِّعْرِ لِلِاسْتِشْهَادِ بِهِ أَوْ لِتَعَلُّمِ فَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ إلَى أَنْ قَالَ وَفِي الْأَجْنَاسِ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ عَنْ الَّذِي يَتَرَنَّمُ مَعَ نَفْسِهِ قَالَ لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ فَأَبَاحَهَا قَوْمٌ وَحَظَرَهَا قَوْمٌ وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَتْ الْأَلْحَانُ لَا تُخْرِجُ الْحُرُوفَ عَنْ نَظْمِهَا وَقُدُورَاتِهَا فَمُبَاحٌ وَإِلَّا فَغَيْرُ مُبَاحٍ كَذَا ذَكَرَ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْآذَانِ مَا يُفِيدُ أَنَّ التَّلْحِينَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ تَغْيِيرِ مُقْتَضَيَاتِ الْحُرُوفِ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّفْصِيلِ اهـ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ الْمَلَاهِي نَوْعَانِ مُحَرَّمٌ وَهُوَ الْآلَاتُ الْمُطْرِبَةُ مِنْ غَيْرِ الْغِنَاءِ كَالْمِزْمَارِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عُودٍ أَوْ قَصَبٍ كَالشَّبَّابَةِ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ» وَلِأَنَّهُ مُطْرِبٌ مُصِدٌّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّوْعُ الثَّانِي مُبَاحٌ وَهُوَ الدُّفُّ فِي النِّكَاحِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا كَانَ مِنْ حَادِثِ سُرُورٍ وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ بَعَثَ فَنَظَرَ فَإِنْ كَانَ فِي وَلِيمَةٍ سَكَتَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ عَمَدَهُ بِالدِّرَّةِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلرِّجَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ اهـ.
وَنَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَنَقَلَ الْبَزَّازِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى حُرْمَةِ الْغِنَاءِ إذَا كَانَ عَلَى آلَةٍ كَالْعُودِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِهَا فَقَدْ عَلِمْت الِاخْتِلَافَ وَلَمْ يُصَرِّحْ الشَّارِحُونَ بِالْمَذْهَبِ وَفِي الْبِنَايَةِ وَالْعِنَايَةِ التَّغَنِّي لِلَّهْوِ مَعْصِيَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ إذَا أَوْصَى بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَكَرَ مِنْهَا الْوَصِيَّةَ لِلْمُغَنِّيِينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ خُصُوصًا إذَا كَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ اهـ.
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغِنَاءَ كَبِيرَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ) ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْغِنَاءَ الَّذِي جُمِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ كَبِيرَةً وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً بِسَبَبِ الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ لَفْظِ يُغَنِّي لِلنَّاسِ وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي الْهَامِشِ عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ وَالْعَيْنِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِنَفْسِهِ لِيُزِيلَ الْوَحْشَةَ عَنْهَا لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ فِي الصَّحِيحِ فَهَذَا التَّصْحِيحُ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْمَتْنِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فَلَا تَغْفُلْ
стр. 2309
فَقَدْ ثَبَتَ نَصُّ الْمَذْهَبِ عَلَى حُرْمَتِهِ فَانْقَطَعَ الِاخْتِلَافُ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الْغِنَاءُ عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ صَوْتُ الْمُغَنِّي وَالْغِنَى كَثْرَةُ الْمَالِ اهـ. فَالْأَوَّلُ مَمْدُودٌ وَالثَّانِي مَقْصُورٌ
(قَوْلُهُ أَوْ يَرْتَكِبُ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ) لِلْفِسْقِ وَلَوْ قَالَ أَوْ يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً لَكَانَ أَوْلَى وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ عَلَى أَقْوَالٍ بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ فِي قِسْمِ السُّنَّةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكَبِيرَةَ مَا فِيهِ حَدٌّ بِنَصِّ الْكِتَابِ قَالَ وَأَصْحَابُنَا لَمْ يَأْخُذُوا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا بَنَوْا عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدِهِمَا مَا كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ هَتْكُ حُرْمَةٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُنَابَذَةُ الْمُرُوءَةِ وَالْكَرَمِ فَكُلُّ فِعْلٍ يَرْفُضُ الْمُرُوءَةَ وَالْكَرَمَ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَالثَّالِثِ أَنْ يَكُونَ مُصِرًّا عَلَى الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ وَغَيْرُ صَحِيحٍ وَمَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى الْعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا حَتَّى لَوْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً تُسْقِطُ عَدَالَتَهُ وَفِي الصَّغَائِرِ الْعِبْرَةُ لِلْغَلَبَةِ لِتَصِيرَ كَبِيرَةً حَسَنٌ وَنَقَلَهُ عَنْ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِعِصَامٍ وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِزَوَالِ الْعَدَالَةِ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ يَحْتَاجُ إلَى الظُّهُورِ فَلِذَا شَرَطَ فِي شُرْبِ الْمُحَرَّمِ الْإِدْمَانَ اهـ.
وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِمْ فِيمَا يُسْقِطُهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْحَثُّ عَلَيْهَا كَبِيرَةٌ قَالُوا وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَائِعِ الْأَكْفَانِ وَقَيَّدَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ بِمَا إذَا تَرَصَّدَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ وَإِلَّا فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ تَمَنِّيهِ الْمَوْتَ وَالطَّاعُونَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّكَّاكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ وَالصَّحِيحُ قَبُولُهَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاحُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ وَالرَّقَّاصِ وَالْمُجَازِفِ فِي كَلَامِهِ وَالْمَسْخَرَةِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَشْتُمُ أَهْلَهُ وَمَمَالِيكَهُ كَثِيرًا لَا أَحْيَانًا.
وَكَذَا الشَّتَّامُ لِلْحَيَوَانِ كَدَابَّتِهِ، وَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَكَثِيرًا يَشْتُمُونَ بَائِعَ الدَّابَّةِ فَيَقُولُونَ قَطَعَ اللَّهُ يَدَ مَنْ بَاعَك وَلَا مَنْ يَحْلِفُ فِي كَلَامِهِ كَثِيرًا وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَخِيلِ الْكُلُّ مِنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي أَخَّرَ الْفَرْضَ بَعْدَ وُجُوبِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بَطَلَتْ عَدَالَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ اخْتَلَفَ الرِّوَايَةُ فِيهِ وَالْمَشَايِخُ وَذَكَرَ الْخَاصِّيُّ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْفَتْوَى عَلَى سُقُوطِهَا فِي تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِخِلَافِ تَأْخِيرِ الْحَجِّ اهـ.
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ إذَا أَخَّرَ الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ.
وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لَهُ وَفِي الْقُنْيَةِ رُكُوبُ الْبَحْرِ وَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ وَفِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلشَّهِيدِ حُسَامِ الدِّينِ أَسْبَابُ الْجَرْحِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا رُكُوبُ بَحْرِ الْهِنْدِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ بِنَفْسِهِ وَدِينِهِ مِنْ سُكْنَى دَارِ الْحَرْبِ وَتَكْثِيرِ سَوَادِهِمْ وَعَدَدِهِمْ لِأَجْلِ الْمَالِ وَمِثْلُهُ لَا يُبَالِي بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَمِنْهَا التِّجَارَةُ فِي قُرَى فَارِسَ؛ لِأَنَّهُمْ يُطْعِمُونَهُمْ الرِّبَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَلَوْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ إلَّا إذَا تَرَكَهَا بِتَأْوِيلٍ وَلَا تَارِكِ الْجُمُعَةِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَلَا تَارِكِ الصَّلَاةِ اهـ.
وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَعَنْ خَلَفٍ مَنْ خَرَجَ لِلنَّظَرِ إلَى قُدُومِ الْأَمِيرِ فَلَيْسَ بِعَدْلٍ وَكَذَا مَنْ شَهِدَ عَلَى صَكِّ مُقَاطَعَةِ النَّخَّاسِينَ وَهُوَ مَلْعُونٌ وَكَذَا كُلُّ مَنْ شَهِدَ عَلَى بَاطِلٍ إذَا عَرَفُوهُ وَإِلَّا فَتُقْبَلُ وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النَّخَّاسِ وَهُوَ الدَّلَّالُ إلَّا إذَا كَانَ عَدْلًا لَمْ يَكْذِبْ وَلَا يَحْلِفُ. اهـ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَجْلِسُ مَجَالِسَ الْغِنَاءِ أَوْ يَتْبَعُ صَوْتَ الْمُغَنِّيَةِ وَلَا مَنْ يَسْمَعُ الْغِنَاءَ وَشَهَادَةُ الشَّاعِرِ مَا لَمْ يَقْذِفْ فِي شِعْرِهِ مَقْبُولَةٌ إلَّا إذَا هَجَا اهـ.
وَقَدْ حَرَّرَ ابْنُ وَهْبَانَ مَسْأَلَةَ الشَّتْمِ وَالْخُرُوجِ لِقُدُومِ الْأَمِيرِ تَحْرِيرًا حَسَنًا أَحْبَبْت ذِكْرَهُ هُنَا: الْأُولَى قَالَ وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّتْمَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ أَوْ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فِي وَجْهِهِ أَوْ فِي غَيْبَتِهِ فَإِنْ كَانَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ فَيَفْسُقُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي وَجْهِهِ أَوْ فِي غَيْبَتِهِ وَإِنْ كَانَ بِمَا فِيهِ فِي غَيْبَتِهِ فَهُوَ غَيْبَةٌ وَأَنَّهَا تُوجِبُ الْفِسْقَ وَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهِ فَفِيهِ إسَاءَةُ أَدَبٍ وَأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ رُعَاعَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَقَدْ ثَبَتَ نَصُّ الْمَذْهَبِ عَلَى حُرْمَتِهِ) إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي الْبِنَايَةِ وَالْعِنَايَةِ فَإِنَّهُمَا اسْتَدَلَّا بِعِبَارَةِ الزِّيَادَاتِ عَلَى أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لِقَصْدِ اللَّهْوِ فَلَمْ يُجْرِيَاهُ عَلَى عُمُومِهِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ نَعَمْ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَقَدْ يُقَالُ لَفْظَةُ الْمُغَنِّينَ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ اتَّخَذَهُ حِرْفَةً وَعَادَةً ثُمَّ رَأَيْت فِي الْفَتْحِ قَالَ إنَّ اسْمَ مُغَنِّيَةٍ وَمُغَنٍّ إنَّمَا هُوَ فِي الْعُرْفِ لِمَنْ كَانَ الْغِنَاءُ حِرْفَتَهُ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا الْمَالَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قِيلَ مَا حِرْفَةُ فُلَانٍ أَوْ مَا صِنَاعَتُهُ يُقَالُ مُغَنٍّ كَمَا يُقَالُ خَيَّاطٌ وَحَدَّادٌ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَفِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ إنَّمَا قَالَ يُغَنِّي لِلنَّاسِ أَيْ يُسْمِعُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ حَتَّى يُزِيلَ الْوَحْشَةَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ ظَنٍّ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُسْقِطُ عَدَالَتَهُ فِي الصَّحِيحِ اهـ.
وَهَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْعَيْنِيِّ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ أَنْشَدَ شِعْرًا فِيهِ وَعْظٌ وَحِكْمَةٌ فَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ إلَخْ وَنَحْوُهُ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ قَوْلِهِ الْمُحَرَّمُ هُوَ مَا كَانَ إلَخْ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ هَذَا مَا اشْتَرَى وَسَلَّمَ وَقَبَضَ وَضَمِنَ الدَّرْكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَوْجُودًا فَيَكُونُ كَذِبًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَذِبِ بِالْكِتَابِ وَبَيْنَ الْكَذِبِ بِالْقَوْلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ غَالِبُ حَالِهِ الصَّلَاحَ وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْكَذِبِ عَفْوٌ؛ لِأَنَّهُمْ يُحَقِّقُونَ مَا كَتَبُوا. اهـ.
(قَوْلُهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ) أَيْ إنْ تَرَكَهَا مَجَّانًا شَهْرًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ التَّهْذِيبِ
стр. 2310
النَّاسِ وَسُوقَتِهِمْ الَّذِينَ لَا مُرُوءَةَ لَهُمْ وَلَا حَيَاءَ فِيهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَكَذَا إذَا كَانَ السَّبُّ بِاللَّعْنَةِ وَالْإِبْعَادِ مِمَّا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ مِنْ السُّوقَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ السَّبُّ الشَّتْمُ يُقَالُ سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا وَسِبَابًا قِيلَ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَبَّهُ أَوْ قَاتَلَ مُسْلِمًا بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَقِيلَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ لَا أَنَّهُ يُخْرِجُهُ إلَى الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَأَقُولُ: هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ اهـ.
الثَّانِيَةُ قَالَ قَاضِي خَانْ إذَا قَدِمَ الْأَمِيرُ بَلْدَةً فَخَرَجَ النَّاسُ وَجَلَسُوا عَلَى الطَّرِيقِ يَنْتَظِرُونَ قَالَ خَلَفٌ بَطَلَتْ عَدَالَتُهُمْ إلَّا أَنْ يَذْهَبُوا لِلِاعْتِبَارِ فَحِينَئِذٍ لَا تَبْطُلُ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ إلَّا إذَا كَانَ الْأَمِيرُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْظِيمِ وَلَمْ يَخْرُجُوا لِلِاعْتِبَارِ وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا لِغَيْرِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يَكُونُ طُلُوعُهُمْ مِنْ بَابِ الْعَبَثِ وَاللَّعِبِ وَهُوَ حَرَامٌ أَوْ مِنْ أَجْلِ تَعْظِيمِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا وَالشَّخْصُ إذَا ارْتَكَبَ حَرَامًا مَا قَدَحَ فِي عَدَالَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَادَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ وَلَا يَسْتَخِفُّونَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْدَحَ اهـ.
وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ بَعْدَهُ وَفِي وَاقِعَاتِ عُمَرَ بْنِ مَازَةَ تَعْلِيلُ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ بِأَنَّ الطَّرِيقَ حَقُّ الْعَامَّةِ فَلَمْ تُعْمَلْ لِلْجُلُوسِ فَإِذَا جَلَسَ فَقَدْ شَغَلَ حَقَّ الْعَامَّةِ فَصَارَ مُرْتَكِبًا لِلْحَرَامِ فَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ وَقَفَ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ الطَّرِيقَ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّ الْخُرُوجَ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ شَغْلِ الطَّرِيقِ لَا يَكُونُ قَادِحًا مُطْلَقًا وَلَا يُنَافِيهِ مَا تَقَدَّمَ إذَا تَأَمَّلْته فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَنْبَغِي إلَى آخِرِهِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي اهـ.
وَشَرَطَ فِي التَّهْذِيبِ لِمَنْعِ شَهَادَةِ الْمُغَنِّي أَنْ يَأْخُذَ جَزَاءً عَلَيْهِ وَلِتَارِكِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَتْرُكَهَا مَجَّانًا شَهْرًا وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى إذَا قَدِمَ الْأَمِيرُ بَلْدَةً فَخَرَجَ النَّاسُ وَجَلَسُوا فِي الطَّرِيقِ وَنَظَرُوا إلَيْهِ قَالَ خَلَفٌ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ إلَّا أَنْ يَذْهَبُوا لِلِاعْتِبَارِ وَالْفَتْوَى أَنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا لِتَعْظِيمِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ لَا لِلِاعْتِبَارِ تَبْطُلُ عَدَالَتُهُمْ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ السِّجْنِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا يَقَعُ فِي السِّجْنِ وَكَذَا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا يَقَعُ فِي الْمَلَاعِبِ وَمِنْهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا يَقَعُ فِي الْحَمَّامَاتِ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ. اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْحُسَامِ الشَّهِيدِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَشْرَافِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ يَتَعَصَّبُونَ فَإِذَا نَابَتْ أَحَدًا مِنْهُمْ نَائِبَةٌ أَتَى سَيِّدُ قَوْمِهِ فَيَشْفَعُ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِزُورٍ اهـ.
وَعَلَى هَذَا كُلُّ مُتَعَصِّبٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى مَنْ أَكَلَ فَوْقَ الشِّبَعِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ الْكَذِبُ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ وَعَنْ شَدَّادٍ أَنَّهُ رَدَّ شَهَادَةَ شَيْخٍ مَعْرُوفٍ بِالصَّلَاحِ لِمُحَاسَبَةِ ابْنِهِ فِي النَّفَقَةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ مَنْ سَمِعَ الْآذَانَ فَانْتَظَرَ الْإِقَامَةَ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ اهـ.
وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ بِأَنَّ الْفَرْعَ الْأَخِيرَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ ضَيَّقَ فِي تَفْسِيرِ الْعَدْلِ بِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ ذَنْبًا وَلَيْسَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَفِي حِفْظِي قَدِيمًا مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لَكِنْ مَا رَأَيْته الْآنَ وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ مَعْزِيًّا إلَى الْأَقْضِيَةِ إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَنْبَغِي إلَخْ) أَيْ قَوْلُ ابْنِ وَهْبَانَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَادَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ إلَخْ قَالَ الرَّمْلِيُّ فَتَحَرَّرَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَمِيرُ غَيْرَ صَالِحٍ قَدَحَ فِي الْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا وَلَمْ يَشْغَلْ الطَّرِيقَ لَا يَقْدَحُ وَإِنْ شَغَلَهُ قَدَحَ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وَالْعِلَّةُ فِي الْقَدْحِ ارْتِكَابُ مَا هُوَ مَحْظُورٌ وَشَغْلُ الطَّرِيقِ مَحْظُورٌ وَتَعْظِيمُ الْفَاسِقِ كَذَلِكَ فَعَلَى ذَلِكَ يَدُورُ الْحُكْمُ.
(فَائِدَةٌ) شَاهِدٌ تَظْهَرُ عَلَيْهِ كَرَامَةٌ مَعَ فِسْقِهِ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَمْ لَا الظَّاهِرُ لَا وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ عَنْهَا فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ لَا تُقْبَلُ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَوْ رَأَيْت صَاحِبَ بِدْعَةٍ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ لَمْ أَقْبَلْهُ حَتَّى يَتُوبَ عَنْ بِدْعَتِهِ ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَقَدْ تَظْهَرُ الْكَرَامَةُ عَلَى يَدِ فَاسِقٍ بَلْ كَافِرٍ كَالسَّامِرِيِّ فَإِنَّهُ رَأَى فَرَسَ جِبْرِيلَ ﵇ حَتَّى أَخَذَ مِنْ تُرَابِ حَافِرِهَا وَجَعَلَهُ فِي الْعِجْلِ فَخَارَ وَنَقَلَ ابْنُ الْعِمَادِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إخْفَاءُ الْكَرَامَةِ اهـ.
وَلَا شَيْءَ مِنْ قَوَاعِدِنَا يَأْبَاهُ (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مُتَعَصِّبٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْغَزِّيِّ قُلْت وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ فَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَحَهُ اثْنَانِ فَالْجَرْحُ أَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ تَعَصُّبٌ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ جَرْحَهُمْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الشَّهَادَةِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْعَصَبِيَّةِ فَالْجَرْح أَوْلَى اهـ.
وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ فِي مَوَانِعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ قَالَ وَمِنْهُ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ أَنْ يُبْغِضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا اهـ.
أَقُولُ: مِنْ التَّعَصُّبِ أَنْ يُبْغِضَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِزْبِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ مَنْسُوبِيهِ اهـ.
(قَوْلُهُ مَنْ سَمِعَ الْآذَانَ فَانْتَظَرَ الْإِقَامَةَ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ) نُقِلَ عَنْ الْحَمَوِيِّ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ آذَانُ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ وَفِي حِفْظِي قَدِيمًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ فِي التَّعْزِيرِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَمَنْ قَذَفَ مَمْلُوكًا أَوْ كَافِرًا إلَخْ عَازِيًا إلَى الْمُجْتَبَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ بِالْفِقْهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ اهـ.
وَرَأَيْت بِخَطِّ مُلَّا عَلِيٍّ التُّرْكُمَانِيُّ فِي هَامِشِ نُسْخَتِهِ هُنَا عَنْ فَتَاوَى الْحَانُوتِيِّ سُئِلَ فِيمَنْ لَا يَعْرِفُ الْإِيمَانَ وَلَا الْوَاجِبَ لِلصَّلَاةِ وَالْفَرْضِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا الْمُسْتَحَبِّ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَجَابَ تَعَلُّمُ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْعِلْمِ فَرْضُ عَيْنٍ فَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّمْ كَانَ مَانِعًا عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى فِي فَصْلِ التَّعْزِيرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 2311
وَهُوَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَا يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَدْلٌ مُسْلِمٌ فَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّمْ الْقُرْآنَ لِلْحَالِ لَا يَصِيرُ فَاسِقًا اهـ.
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ
(قَوْلُهُ أَوْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ) ؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ رَجُلًا فِي الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إزَارٍ فَقَالَ
أَلَا يَا عِبَادَ اللَّهِ خَافُوا إلَهكُمْ ... وَلَا تَدْخُلُوا الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ مِئْزَرِ
وَعَلَى هَذَا فَرَّعُوا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَدَمَ قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مَنْ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ بِالسَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُرُوءَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ يَأْكُلُ الرِّبَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ أَيْ يَأْخُذُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ فَالْمُرَادُ بِالْأَكْلِ الْأَخْذُ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَبَعًا لِلْآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَنَافِعِ الْمَالِ وَلِأَنَّ الرِّبَا شَائِعٌ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالْمُرَادُ بِالرِّبَا الْقَدْرُ الزَّائِدُ لَا الزِّيَادَةُ وَهِيَ الْمُرَادَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِهِ وَأَطْلَقَهُ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِكَثِيرٍ وَقَيَّدَهُ فِي الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِهِ وَعَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّ مَا يَنْجُو عَنْ مُبَاشَرَاتِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ رِبَا اهـ.
وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قِيلَ؛ لِأَنَّ الرِّبَا لَيْسَ بِحَرَامٍ مَحْضٍ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا مَعَ ذَلِكَ فَكَانَ نَاقِصًا فِي كَوْنِهِ كَبِيرَةً بِخِلَافِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَرَّةٍ وَالْأَوْجَهُ مَا قِيلَ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ كَانَ الْوَاقِعُ لَيْسَ إلَّا تُهْمَةَ أَكْلِ الرِّبَا وَلَا تَسْقُطُ الْعَدَالَةُ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي وَجْهِ تَقْيِيدِ شُرْبِ الْخَمْرِ بِالْإِدْمَانِ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ مَحْضٍ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَالْمِلْكُ بِالْقَبْضِ شَيْءٌ آخَرُ، وَأَمَّا أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ أَحَدٌ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الظُّهُورِ لِلْقَاضِي فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّبَا وَمَالِ الْيَتِيمِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِسْقَ نَفْسَهُ مَانِعٌ شَرْعًا مِنْ قَبُولِهَا غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَرْتَكِبُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُ فَالْكُلُّ سَوَاءٌ وَفَرَّقَ الزَّيْلَعِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ مِلْكِهِ وَمَالُ الرِّبَا دَخَلَ فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ أَوْ يُقَامِرُ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ أَوْ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ بِسَبَبِهِمَا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِمَا ذَكَرَ اسْتِوَاءُ النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ مُبْطِلٌ لِلْعَدَالَةِ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَتِهِ بِخِلَافِ الشِّطْرَنْجِ؛ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مُسَاغًا لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بِإِبَاحَتِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الشِّحْنَةِ إذَا كَانَ لِإِحْضَارِ الذِّهْنِ وَاخْتَارَ أَبُو زَيْدٍ الْحَكِيمُ حِلَّهُ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ يَنْظُرُ إلَى لَاعِبِيهِ مِنْ غَيْرِ لَعِبٍ أَيَجُوزُ فَقَالَ أَخَافُ أَنْ يَصِيرَ فَاسِقًا اهـ.
وَفِيهِ إذَا قَامَرَ بِهِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ إجْمَاعًا وَفِيهِ الْمَيْسِرُ اسْمٌ لِكُلِّ قِمَارٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَدَالَةَ إنَّمَا تَسْقُطُ بِالشِّطْرَنْجِ إذَا وُجِدَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْ خَمْسٍ الْقِمَارِ وَفَوْتِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِهِ وَإِكْثَارِ الْحَلِفِ عَلَيْهِ وَاللَّعِبِ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَوْ يَذْكُرُ عَلَيْهِ فِسْقًا كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ النَّرْدِ فَإِنَّهُ مُسْقِطٌ لَهَا مُطْلَقًا وَالنَّرْدُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ لُعْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهُوَ مُعَرَّبٌ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ وَضَعَهُ أردشير بْنُ بَابَكَ وَلِهَذَا يُقَالُ النَّرْدَشِيرُ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَعِبُ الطَّابِ فِي بِلَادِنَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُرْمَى وَيُطْرَحُ بِلَا حِسَابٍ وَإِعْمَالِ فِكْرٍ وَكُلَّمَا كَانَ كَذَلِكَ مِمَّا أَحْدَثَهُ الشَّيْطَانُ وَعَمِلَهُ أَهْلُ الْغَفْلَةِ فَهُوَ حَرَامٌ مُطْلَقًا. اهـ.
، وَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَاضِعِهِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا الْقِمَارُ فَقَدَّمْنَا أَنَّهُ الْمَيْسِرُ وَفِي الْقَامُوسِ قَامَرَهُ مُقَامَرَةً وَقِمَارًا فَقَمَرَهُ كَنَصَرَهُ وَتَقَمَّرَهُ رَاهِنُهُ فَغَلَبَهُ وَهُوَ التَّقَامُرُ اهـ.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَمَرِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَارَةً يَزْدَادُ إذَا غَلَبَ وَيَنْتَقِصُ إذَا غُلِبَ كَالْقَمَرِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ فِي الْقِمَارِ مِنْ الرِّهَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِتَسْقُطَ الْعَدَالَةُ كَالسِّبَاقِ بِالْخَيْلِ وَالْإِقْدَامِ وَالدَّرْسِ وَذَكَرَ فِي يَتِيمَةِ الدَّهْرِ مِنْ الْحُدُودِ أَنَّ اللَّعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ مِنْ الْقِمَارِ وَفِي الْقَامُوسِ الشِّطْرَنْجُ وَلَا يُفْتَحُ أَوَّلُهُ لُعْبَةٌ وَالسِّينُ لُغَةٌ فِيهِ اهـ
(قَوْلُهُ أَوْ يَبُولُ أَوْ يَأْكُلُ عَلَى الطَّرِيقِ) ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُرُوءَةِ وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَحْيِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2312
عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَنْ الْكَذِبِ فَيُتَّهَمُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ اللَّعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى الطَّرِيقِ كَذَلِكَ وَالْمُرَادُ بِالْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْبَوْلِ بِأَنْ يَكُونَ بِمَرْأَى مِنْ النَّاسِ وَمِثْلُهُ الَّذِي يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ لِيَسْتَنْجِيَ مِنْ جَانِبِ الْبِرْكَةِ وَالنَّاسُ حُضُورٌ وَقَدْ كَثُرَ فِي زَمَانِنَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِمَا ذَكَرَهُ إلَى أَنَّ مَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ يَمْنَعُ قَبُولَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا وَلِذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَفْعَلُ الْأَفْعَالَ الْمُسْتَحْقَرَةَ مِثْلَ الْبَوْلِ وَالْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْمُرُوءَةُ أَنْ لَا يَأْتِيَ الْإِنْسَانُ بِمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ مِمَّا يَبْخَسُهُ عَنْ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَقِيلَ السَّمْتُ الْحَسَنُ وَحِفْظُ اللِّسَانِ وَتَجَنُّبُ السُّخْفِ وَالْمُجُونِ وَالِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ دَنِيءٍ وَالسُّخْفُ رِقَّةُ الْعَقْلِ مِنْ قَوْلِهِمْ ثَوْبٌ سَخِيفٌ إذَا كَانَ قَلِيلَ الْغَزْلِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمِعْرَاجِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ فَصْلِ التَّعْزِيرِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَعِنْدِي الْمُرُوءَةُ الدِّينُ وَالصَّلَاحُ وَقَدْ ذَكَرَ مَشَايِخُنَا مِمَّا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ أَشْيَاءَ نَذْكُرُهَا فَمِنْهَا الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمِنْهَا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَخْذًا مِنْ الْمِعْرَاجِ الْمَشْيُ بِسَرَاوِيلَ فَقَطْ وَمَدُّ رِجْلِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَكَشْفُ رَأْسِهِ فِي مَوْضِعٍ يُعَدُّ فِعْلُهُ خِفَّةً وَسُوءَ أَدَبٍ وَقِلَّةَ مُرُوءَةٍ وَحَيَاءٍ وَمُصَارَعَةُ الشَّيْخِ الْأَحْدَاثَ فِي الْجَامِعِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا حُكِيَ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ شَهِدَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ فَشَكَاهُ إلَى الْخَلِيفَةِ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ إنَّ وَزِيرِي رَجُلُ دِينٍ لَا يَشْهَدُ بِالزُّورِ فَلِمَ رَدَدْت شَهَادَتَهُ قَالَ لِأَنِّي سَمِعْته يَوْمًا قَالَ لِلْخَلِيفَةِ أَنَا عَبْدُك فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا شَهَادَةَ لِلْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَكَذَلِكَ فَعَذَرَهُ الْخَلِيفَةُ زَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ رَدَّ أَبِي يُوسُفَ شَهَادَتَهُ لَيْسَ لِلْكِذْبَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْحُرِّ لِلْغَيْرِ أَنَا عَبْدُك إنَّمَا هُوَ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقِيَامِ بِخِدْمَتِك وَكَوْنِي تَحْتَ أَمْرِكَ مُمْتَثِلًا لَهُ عَلَى إهَانَةِ نَفْسِي فِي ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ وَلَيْسَ مِنْهَا الصِّنَاعَةُ الدَّنِيَّةُ كَالْقَنَوَاتِيِّ وَالزَّبَّالِ وَالْحَائِكِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ الْقَبُولُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَمِثْلُهُ النَّخَّاسُونَ وَالدَّلَّالُونَ وَالْعَامَّةُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ وَالْقَرَوِيِّ إذَا كَانَ عَدْلًا. اهـ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ أَنَّ مِنْهَا سَرِقَةَ لُقْمَةٍ وَالْإِفْرَاطَ فِي الْمَزْحِ الْمُفْضِي إلَى الِاسْتِخْفَافِ وَصُحْبَةَ الْأَرَاذِلِ وَالِاسْتِخْفَافَ بِالنَّاسِ وَلُبْسَ الْفَقِيهِ قَبَاءً وَلَعِبَ الْحَمَامِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ شَرَطُوا فِي الصَّغِيرَةِ الْإِدْمَانَ وَمَا شَرَطُوهُ فِي فِعْلِ مَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ فِيمَا رَأَيْت وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُهُ بِالْأَوْلَى وَإِذَا فَعَلَ مَا يُخِلُّ بِهَا فَقَدْ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا بِهِ حَيْثُ كَانَ مُبَاحًا فَفَاعِلُ الْمُخِلِّ بِهَا لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَا فَاسِقٍ فَالْعَدْلُ مَنْ اجْتَنَبَ الثَّلَاثَةَ وَالْفَاسِقُ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً أَوْ أَصَرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَعْتَادُ الصِّيَاحَ فِي الْأَسْوَاقِ
(قَوْلُهُ أَوْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ) لِظُهُورِ فِسْقِهِ قَيَّدَ بِالظُّهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَتَمَهُ تُقْبَلُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ الصَّحَابَةِ تُقْبَلُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَالسَّبُّ الشَّتْمُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالسَّلَفُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعُونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ اهـ.
وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَذَا الْعُلَمَاءُ وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ كَغَيْرِهِ أَوْ يُظْهِرُ سَبَّ مُسْلِمٍ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تَسْقُطُ بِسَبِّ مُسْلِمٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّلَفِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُهُمْ هُنَا بِعَدَمِ الْقَبُولِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ السَّبُّ فِسْقًا أَوْ كُفْرًا فَيَشْمَلُ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ سَبَّهُمَا لِكَوْنِهِ كَافِرًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَقَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْخَلَفَ بِفَتْحِ اللَّامِ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْخَيْرِ وَالسُّكُونِ فِي الشَّرِّ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ وَعَطْفُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى التَّابِعِينَ إمَّا عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْهُمْ كَمَا فِي مَنَاقِبِ الْكَرْدَرِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ أَوْ لَيْسَ مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ مِمَّنْ عَاصَرَ صِغَارَ التَّابِعِينَ وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ لِقَاءُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ فِي تَقْرِيبِ التَّهْذِيبِ
(قَوْلُهُ وَتُقْبَلُ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَأَبَوَيْهِ رَضَاعًا وَأُمِّ امْرَأَتِهِ وَبِنْتِهَا وَزَوْجِ بِنْتِهِ وَامْرَأَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ) لِانْعِدَامِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ وَمَنَافِعَهَا مُتَبَايِنَةٌ وَلَا بِسَوْطَةٍ لِبَعْضِهِمْ فِي مَالِ بَعْضٍ وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَشْكُلُ فِيمَا إذَا شَهِدَ لِأَخِيهِ وَالْأَبُ مَيِّتٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ زَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ تَمَامُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّكَلُّمُ بِالْمَجَازِ عَلَى اعْتِبَارِ الْجَامِعِ فَإِنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ لَيْسَ كَذِبًا مَحْظُورًا شَرْعًا وَلِذَا وَقَعَ الْمَجَازُ فِي الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهُ رَدَّهُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ خُصُوصُ هَذَا الْمَجَازِ مِنْ إذْلَالِ نَفْسِهِ وَطَاعَتِهِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَرُبَّمَا يَضُرُّ هَذَا الْكَلَامُ إذَا قِيلَ لِلْخَلِيفَةِ فَعَدَلَ إلَى الِاعْتِذَارِ بِأَمْرٍ يَقْرَبُ مِنْ خَاطِرِهِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْهَا الصِّنَاعَةُ الدَّنِيَّةُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْعَدَالَةِ لَا لِلْحِرْفَةِ وَهَذَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَيُفْتَى بِهِ فَأَنَّا نَرَى بَعْضَ أَصْحَابِ الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ عِنْدَهُ مِنْ الدِّينِ وَالتَّقْوَى مَا لَيْسَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَرْبَابِ الْوَجَاهَةِ وَأَصْحَابِ الْمَنَاصِبِ وَذَوِي الْمَرَاتِبِ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
стр. 2313
وَإِنَّمَا يَشْكُلُ فِيمَا إذَا شَهِدَ لِأَخِيهِ وَالْأَبُ حَيٌّ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَمْلَاكِ بَيْنَ أَخِيهِ وَأَبِيهِ مُتَّصِلَةٌ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِأَبِيهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ شَهَادَةَ الْإِنْسَانِ لِأَبِيهِ إنَّمَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَمْلَاكِ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ مُتَّصِلَةٌ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ لِلْأَبِ شَهَادَةً لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ تُقْبَلْ، وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لِأَخِيهِ فَلَيْسَتْ لِنَفْسِهِ أَصْلًا لِتَبَايُنِ الْأَمْلَاكِ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ امْتَدَّتْ الْخُصُومَةُ سِنِينَ وَمَعَ الْمُدَّعِي أَخٌ وَابْنُ عَمٍّ يُخَاصِمَانِ لَهُ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ شَهِدَا لَهُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ بَعْدَ هَذِهِ الْخُصُومَاتِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنْ يَطَّرِدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَرَابَةٍ وَصَاحِبِ تَرَدُّدٍ مَعَ قَرَابَتِهِ أَوْ صَاحِبِهِ إلَى الْمُدَّعِي فِي الْخُصُومَةِ سِنِينَ وَيُخَاصِمُ لَهُ وَمَعَهُ عَلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ يَشْهَدُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا طَالَ التَّرَدُّدُ مَعَ الْمُخَاصِمِ وَالْمُخَاصَمَةُ لَهُ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْخَصْمِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى إذَا تَخَاصَمَ الشُّهُودُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقْبَلُ إنْ كَانُوا عُدُولًا اهـ.
وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُسَاعِدُوا الْمُدَّعِيَ فِي الْخُصُومَةِ أَوْ لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُمْ تَوْفِيقًا
(قَوْلُهُ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَابِيَّةَ) أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُمْ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ وَمَا أَوْقَعَهُ فِيهِ إلَّا تَدَيُّنُهُ بِهِ وَصَارَ كَمَنْ يَشْرَبُ الْمُثَلَّثَ أَوْ يَأْكُلُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا مُسْتَبِيحًا لِذَلِكَ بِخِلَافِ الْفِسْقِ مِنْ حَيْثُ التَّعَاطِي وَالْهَوَى مَقْصُورًا مَيْلُ النَّفْسِ إلَى مَا تَسْتَلِذُّ بِهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ كَذَا فِي التَّقْرِيرِ وَفِي الْمِصْبَاحِ الْهَوَى مَقْصُورًا مَصْدَرُ هَوِيَّتُهُ مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا أَحْبَبْته وَعَلَقْت بِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَيْلِ النَّفْسِ وَانْحِرَافِهَا نَحْوَ الشَّيْءِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي مَيْلٍ مَذْمُومٍ فَيُقَالُ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْهَوَاءُ مَمْدُودًا الْمُسَخَّرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْجَمْعُ أَهْوِيَةٌ اهـ.
أَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِهَوًى لَا يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَزَادَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنْ لَا يَكُونَ مَاجِنًا وَيَكُونَ عَدْلًا فِي تَعَاطِيهِ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَلَيْسَ هَذَا الْقَيْدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ الشَّهِيدَ فِي الْكَافِي قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى شَهَادَةُ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ جَائِزَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ اخْتَلَفُوا وَاقْتَتَلُوا وَشَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ كَانَتْ جَائِزَةً فَلَيْسَ بَيْنَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَشَدُّ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ اهـ.
وَفِي التَّقْرِيرِ أَنَّ مَنْ وَجَبَ إكْفَارُهُ مِنْهُمْ فَالْأَكْثَرُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّ أُصُولَ الْهَوَى سِتَّةٌ الْجَبْرُ وَالْقَدْرُ وَالرَّفْضُ وَالْخُرُوجُ وَالتَّشْبِيهُ وَالتَّعْطِيلُ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ يَصِيرُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقَةً اهـ.
وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً قِيلَ مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» . اهـ.
وَالْخَطَّابِيَّةُ قَوْمٌ مِنْ الرَّوَافِضِ يُنْسَبُونَ إلَى أَبِي الْخَطَّابِ يَدِينُونَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ لِمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ وَقِيلَ يَشْهَدُونَ لِمَنْ حَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُ مُحِقٌّ وَيَقُولُونَ الْمُسْلِمُ لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا فَتَمَكَّنَتْ شُبْهَةُ الْكَذِبِ فِيهَا وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ هُمْ قَوْمٌ مِنْ الرَّوَافِضِ يُكَفِّرُونَ بِالصَّغَائِرِ وَفِي الْيَنَابِيعِ أَنَّ الْخَطَّابِيَّةِ انْقَرَضُوا وَفَنُوا لِلْآيَةِ الشَّرِيفَةِ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَفِي التَّقْرِيرِ وَيَلْحَقُ بِهِمْ صَاحِبُ الْإِلْهَامِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَأَمَّا رِوَايَتُهُ فَالْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ قَبُولِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْمُحَاجَّةِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى التَّقَوُّلِ وَالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ اهـ.
وَالْمَنْقُولُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْخَطَابِيَّةِ إلَّا مَنْ صَرَّحَ مِنْهُمْ بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا.
(قَوْلُهُ وَالذِّمِّيُّ عَلَى مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ أَجَازَ شَهَادَةَ النَّصَارَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى جِنْسِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى إذَا تَخَاصَمَ الشُّهُودُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقْبَلُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مَسْتُورِينَ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ تَمْتَدَّ الْخُصُومَةُ لِلتُّهْمَةِ بِالْمُخَاصَمَةِ وَإِذَا كَانُوا عُدُولًا تُقْبَلُ وَإِنْ امْتَدَّتْ لِارْتِفَاعِ التُّهْمَةِ مَعَ الْعَدَالَةِ فَيُحْمَلُ مَا فِي الْقُنْيَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَمَا فِي الْخِزَانَةِ مُقَيَّدٌ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَوْفِيقًا وَمَا قُلْنَاهُ أَشْبَهُ، لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ هَذَا الْقَيْدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُقَيَّدَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ فَلَا مَعْنَى لِرَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ سَيَنْقُلُ تَصْحِيحَهُ وَأَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مَا زَادَهُ فِي السِّرَاجِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَمَا ظَنُّك فِي غَيْرِهِمْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ مُحَمَّدٌ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْخَوَارِجِ إذَا اعْتَقَدُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا فَإِذَا قَاتَلُوا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِإِظْهَارِ الْفِسْقِ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالذِّمِّيِّ عَلَى مِثْلِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَقْبُولَةٌ وَفِي التَّجْرِيدِ إذَا كَانُوا عُدُولًا فِي دِينِهِمْ اتَّفَقَتْ مِلَلُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ وَفِي التَّفْرِيدِ وَعِنْدَ مَالِكٍ تُقْبَلُ إذَا اتَّفَقَتْ مِلَلُهُمْ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُقْبَلُ أَصْلًا اهـ.
وَكَتَبَ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا وَإِنْ اخْتَلَفَا مِلَّةً كَالْيَهُودِ مَعَ النَّصَارَى كَذَا فِي شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَمِثْلُهُ فِي لِسَانِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ وَشَرْحَيْ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ وَابْنِ مَلَكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ كَالْغِيَاثِيَّةِ وَالْكِفَايَةِ وَدَارَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ اهـ.
قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى دِينِيَّةٌ وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ فَتَأَمَّلْ
стр. 2314
وَالْفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ غَيْرُ مَانِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ عَمَّا يَعْتَقِدُهُ مُحَرَّمَ دِينِهِ وَالْكَذِبُ مَحْظُورُ الْأَدْيَانِ قَيَّدَ بِالذِّمِّيِّ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا شَهَادَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ مُرْتَدٍّ عَلَى مِثْلِهِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ قَبُولِهَا بِحَالٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ عَلَى مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْبَلُ عَلَى مُسْلِمٍ لِلْآيَةِ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَغِيظُهُ قَهْرُهُ إيَّاهُ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ نَصْرَانِيَّانِ شَهِدَا عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِقَطْعِ يَدٍ أَوْ قِصَاصٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْعُقُوبَاتِ اهـ.
وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ سُلَيْمَانَ نَصْرَانِيٌّ مَاتَ عَنْ مِائَةٍ فَأَقَامَ مُسْلِمٌ شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ وَمُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ بِمِثْلِهِ فَالثُّلُثَانِ لَهُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا وَالشَّرِكَةُ لَا تَمْنَعُ؛ لِأَنَّهَا بِإِقْرَارِهِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٌّ نَظِيرُهُ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ فِي مَرَضِهِ فَأَقَرَّ لِوَارِثِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ النِّصْفُ لَهُمَا لِلِاسْتِوَاءِ وَلَوْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ نَصْرَانِيًّا فَالثُّلُثُ لَهُ وَالْبَاقِي لَهُمَا وَيُقَدَّمُ الْمُسْلِمُ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ شُهُودُ الشَّرِيكَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَشُهُودُهُمَا نَصْرَانِيَّانِ أَوْ مُسْلِمَانِ اسْتَوَيَا نَصْرَانِيٌّ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ وَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَأَقَامَ مُسْلِمٌ شَاهِدَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقُسِمَتْ تَرِكَتُهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِنْ نَصِيبِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَإِقْرَارِهِ وَلَوْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّيْنِ وَذِمِّيٌّ مِثْلَهُمَا يُقَدَّمُ الْمُسْلِمُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَسْتَوِيَانِ قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ قَوْلُهُ الْأَخِيرُ وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ حَيًّا وَادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِهِ وَعَنْهُ أَنَّهَا لِلْمُسْلِمِ وَفَرَّقَ بِتَعَلُّقِهِ بِالْمَحَلِّ اهـ.
وَفِي الْمَجْمَعِ وَلَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ دَارًا مِنْ مُسْلِمٍ فَادَّعَاهَا ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ يَقْبَلُهُمَا فِي حَقِّهِ وَرَدَّاهَا اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَهُوَ يَجْحَدُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا وَكَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُتْرَكُ عَلَى دِينِهِ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْكُفْرِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَوْ شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ جَازَ وَأَجْبَرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا تُقْتَلُ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ لَوْ شَهِدَ عَلَى إسْلَامِ النَّصْرَانِيِّ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَجْحَدُ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْبَلُ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ وَهُوَ يَجْحَدُ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ وَلَا شَهَادَةَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْعَبْدِ الْكَافِرِ التَّاجِرِ وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ مُسْلِمًا وَعَلَى الْعَكْسِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ قَامَتْ عَلَى إثْبَاتِ أَمْرٍ عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَثْبُتُ عَلَى الْعَبْدِ وَاسْتِحْقَاقُ مَالِيَّةِ الْمَوْلَى غَيْرُ مُضَافٍ إلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ مَالِيَّةِ الْمَوْلَى لَا مَحَالَةَ بَلْ يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ قَامَتْ عَلَى إثْبَاتِ أَمْرٍ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْوَكِيلُ مَعَ الْمُوَكِّلِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ مَعَ الْمَوْلَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَغِيظُهُ قَهْرُهُ إيَّاهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ وَيَغِيظُهُ رَاجِعٌ لِلذِّمِّيِّ وَفِي قَهْرِهِ رَاجِعٌ لِلْمُسْلِمِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ قَهْرِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ وَإِذْلَالِهِ لَهُ يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مِلَلِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ مِلَّةَ الْأَحْلَامِ قَاهِرَةٌ لِلْكُلِّ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ غِيرَةٌ يَسْتَظْهِرُونَ بِهَا.
(قَوْلُهُ فَالثُّلُثَانِ لَهُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا) أَيْ الثُّلُثَانِ لِلْمُسْلِمِ الْمُنْفَرِدِ وَالْبَاقِي لِلْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ عِبَارَةَ الْجَامِعِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً أُخْرَى وَهِيَ نَصْرَانِيٌّ مَاتَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ مُسْلِمٌ شُهُودًا مِنْ النَّصَارَى عَلَى أَلْفٍ عَلَى الْمَيِّتِ وَنَصْرَانِيٌّ آخَرِينَ كَذَلِكَ يَدْفَعُ الْأَلْفَ الْمَتْرُوكَةَ لِلْمُسْلِمِ وَلَا يَتَحَاصَّانِ فِيهَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَتَحَاصَّانِ وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ بَيِّنَةَ النَّصْرَانِيِّ مَقْبُولَةٌ عِنْدَهُ فِي حَقِّ إثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا فِي حَقِّ إثْبَاتِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَعَلَى قَوْلِ الثَّانِي مَقْبُولَةٌ فِيهِمَا اهـ.
لَكِنْ يَبْقَى وَجْهُ اخْتِصَاصِ الْمُسْلِمِ الْمُنْفَرِدِ بِالثُّلُثَيْنِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَعَلَّهُ هُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تَقْتَضِي أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمُدَّعِينَ ثُلُثَ الْمِائَةِ لَكِنَّ الشَّهَادَةَ الثَّانِيَةَ لَا تُثْبِتُ مُشَارَكَةَ النَّصْرَانِيِّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَعُودُ الثُّلُثُ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ لِلْمُسْلِمِ الْمُنْفَرِدِ وَإِنَّمَا لَا يَعُودُ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِ الْآخَرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْمَالِ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَلِهَذَا يَرْجِعُ النَّصْرَانِيُّ وَيُقَاسِمُهُ فِي الثُّلُثِ الَّذِي أَخَذَهُ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِيمَا لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ فَلَمْ تَكُنْ مُشَارَكَتُهُ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت الرَّمْلِيَّ قَالَ عِبَارَةُ التَّلْخِيصِ كَافِرٌ مَاتَ عَنْ مِائَةٍ فَأَقَامَ مُسْلِمٌ كَافِرَيْنِ بِمِائَةٍ وَأَقَامَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ كَذَلِكَ فَثُلُثَاهَا لِلْمُنْفَرِدِ وَالثُّلُثُ لِلشَّرِيكَيْنِ عَكْسُ مَا لَوْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ كَافِرًا وَشُهُودًا الشَّرِيكَيْنِ مُسْلِمَانِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ حُجَّةٌ لِلْمُسْلِمِ لَا عَلَيْهِ فَضَرَبَ كُلُّ مُسْلِمٍ فِيهَا بِقَدْرِ حَقِّهِ أَوَّلًا وَكُلُّ كَافِرٍ فِي الْبَاقِي كَمَا فِي دَيْنِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَقَاسَمَ الشَّرِيكُ شَرِيكَهُ لَكِنْ بِحُجَّةِ الزَّعْمِ دُونَ الشَّهَادَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ يَقْبَلُهُمَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ أَبُو يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ وَإِذَا قُبِلَتْ يَقْضِي بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي خَاصَّةً وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ وَبَيَانُ إمْكَانِ الْقَضَاءِ بِهَا فِي حَقِّ الْكَافِرِ أَنْ يَقْضِيَ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي بِسَبَبٍ جَدِيدٍ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُتْرَكُ عَلَى دِينِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ لَلَزِمَ الْقَتْلُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ تَأَمَّلْ وَفِي الْمِنْهَاجِ لِلْعَلَّامَةِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ نَصْرَانِيٌّ مَاتَ فَجَاءَ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا فَإِنْ كَانَ شُهُودُ الْفَرِيقَيْنِ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ شُهُودُ النَّصْرَانِيِّ ذِمِّيَّيْنِ بُدِئَ بِدَيْنِ الْمُسْلِمِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ صُرِفَ إلَى دَيْنِ النَّصْرَانِيِّ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ دَيْنِهِمَا قِيلَ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرُ وَإِنْ كَانَ شُهُودُ الْفَرِيقَيْنِ مُسْلِمِينَ أَوْ شُهُودُ الذِّمِّيِّ خَاصَّةً مُسْلِمِينَ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا تُقْبَلُ) أَيْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ التَّاجِرِ وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ كَافِرًا
стр. 2315
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ وَعَلَى الْعَكْسِ تُقْبَلُ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ بِدَيْنٍ عَلَى ذِمِّيٍّ مَيِّتٍ وَإِنْ كَانَ وَصِيُّهُ مُسْلِمًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ فَإِنْ كَانَ فَقَدْ كَتَبْنَاهُ عَنْ الْجَامِعِ وَفِي الْخَانِيَّةِ ذِمِّيٌّ مَاتَ فَشَهِدَ عَشَرَةٌ مِنْ النَّصَارَى أَنَّهُ أَسْلَمَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ فُسَّاقٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ لِهَذَا الْمَيِّتِ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ وَبَقِيَّةُ أَوْلِيَائِهِ كُفَّارٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَادَّعَى الْوَلِيُّ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِيرَاثَهُ وَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِذَلِكَ يَأْخُذُ الْمَوْلَى الْمُسْلِمُ مِيرَاثَهُ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حُكْمِ الْمِيرَاثِ قَامَتْ عَلَى أَوْلِيَائِهِ الْكُفَّارِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ وَلِيِّهِ الْمُسْلِمِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى إسْلَامِهِ غَيْرُ الْوَلِيِّ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِقَوْلِ وَلِيِّهِ الْمُسْلِمِ وَلَا مِيرَاثَ لَهُ اهـ.
ثُمَّ قَالَ لَوْ شَهِدَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَرْبَعَةٌ مِنْ النَّصَارَى أَنَّهُ زَنَى بِأَمَةٍ مُسْلِمَةٍ فَإِنْ شَهِدُوا وَأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا حُدَّ الرَّجُلُ وَإِنْ قَالُوا طَاوَعَتْهُ دُرِئَ الْحَدُّ عَنْهُمَا وَيُعَزَّرُ الشُّهُودُ لِحَقِّ الْمُسْلِمَةِ لِقَذْفِهِمْ الْأَمَةَ. اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ مِنْ النِّكَاحِ لَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ عَبْدًا فِي يَدِ ذِمِّيٍّ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَشَهِدَ كَافِرَانِ أَنَّهُ عَبْدُهُ قَضَى بِهِ الْقَاضِي فُلَانٌ لَمْ تُقْبَلْ لِكَوْنِهَا شَهَادَةً عَلَى الْقَاضِي الْمُسْلِمِ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَلَوْ شَهِدَ كَافِرَانِ عَلَى شَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ لِكَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ لَمْ تَجُزْ وَلَوْ شَهِدَ مُسْلِمَانِ عَلَى شَهَادَةِ كَافِرٍ جَازَتْ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّزْكِيَةِ فِي شَهَادَةِ الذِّمِّيِّ قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ تَزْكِيَةُ الذِّمِّيِّ أَنْ تُزَكِّيَهُ بِالْأَمَانَةِ فِي دِينِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَأَنَّهُ صَاحِبُ يَقَظَةٍ اهـ.
وَأَفْتَى بِهِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ وَأَصْلُهُ فِي النَّوَازِلِ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ مَعْزِيًّا إلَى الْعُيُونِ شَهِدَ كَافِرَانِ عَلَى كَافِرٍ فَعَدَلَا ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَا يُؤْمَرَانِ أَنْ يُعِيدَا الشَّهَادَةَ وَيَكْفِي تَعْدِيلُهُمَا فِي الْكُفْرِ وَإِنَّمَا تَعْدِيلُ الْكُفَّارِ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ تَعْدِيلَ الْكَافِرِ لِلْكَافِرِ لَا يَجُوزُ ثُمَّ يَسْأَلُ أُولَئِكَ عَنْ الشُّهُودِ. اهـ.
وَقَدَّمْنَا فِي مَسَائِلِ التَّعْدِيلِ أَنَّ تَعْدِيلَ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِينَ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَيَسْأَلُ مِنْ عُدُولِ الْكُفَّارِ وَفِي الْمُلْتَقَطِ إذَا سَكِرَ الذِّمِّيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْحَرْبِيِّ عَلَى مِثْلِهِ) أَيْ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مِثْلِهِ لَا عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْمُرَادُ بِالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ غَيْرُهُ فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ دَخَلَ بِلَا أَمَانٍ فَهَذَا اسْتِرْقَاقٌ وَلَا شَهَادَةَ لِلْعَبِيدِ عَلَى أَحَدٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْحَرْبِيِّ عَلَى مِثْلِهِ مَا إذَا كَانَا مِنْ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالْإِفْرِنْجِ وَالْحَبَشِ لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا لَا يَتَوَارَثَانِ وَالدَّارُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ وَالْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَلَمَّ بِصَغِيرَةٍ إنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ ارْتَكَبَ صَغِيرَةً إنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا وَقَدْ أَشَارَ هُنَا إلَى الْعَدَالَةِ فَإِنَّهَا شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الِاسْتِقَامَةُ وَهِيَ بِالْإِسْلَامِ وَاعْتِدَالِ الْعَقْلِ وَيُعَارِضُهُ هَوًى يُضِلُّهُ وَيَصُدُّهُ وَلَيْسَ لِكَمَالِهَا حَدٌّ يُدْرَكُ مَدَاهُ وَيَكْتَفِي لِقَبُولِهَا بِأَدْنَاهُ كَيْ لَا يُضَيِّعَ الْحُقُوقَ وَهُوَ رُجْحَانُ جِهَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ عَلَى الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْعَدْلُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى الصَّغَائِرِ وَأَنْ تَكُونَ مُرُوءَتُهُ ظَاهِرَةً فَعَدَمُهَا مُفَوِّتٌ لَهَا وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ أَنْ يَعْتَادَ الصِّدْقَ وَيَجْتَنِبَ الْكَذِبَ دِيَانَةً وَمُرُوءَتُهُ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مُسِنًّا عَفِيفًا ذَا مَالٍ ذَا فَضْلٍ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَطْمَعُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَيَسْتَحْيِ مِنْ ارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ فَكَانَ أَوْلَى بِالِاسْتِشْهَادِ اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ مِنْ يَنْصِبُهُ الْقَاضِي شَاهِدًا بَيْنَ النَّاسِ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْفَاسِقُ إذَا تَابَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمَانٌ تَظْهَرُ التَّوْبَةُ ثُمَّ بَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسَنَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَالْمُعَدِّلِ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا فَشَهِدَ بِزُورٍ ثُمَّ تَابَ فَشَهِدَ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ مُدَّةٍ اهـ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا كَانَ فَاسِقًا سِرًّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ بِفِسْقِهِ كَيْ لَا يُبْطِلَ حَقَّ الْمُدَّعِي وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ أَيْضًا وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ مَنْ أَجَّرَ بَيْتَهُ لِمَنْ يَبِيعُ الْخَمْرَ لَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُ.
(قَوْلُهُ وَالْأَقْلَفِ) أَيْ الْكَبِيرِ الَّذِي لَمْ يُخْتَتَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تُخِلُّ بِتَرْكِ الْخِتَانِ لِكَوْنِهِ سُنَّةً عِنْدَنَا أَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ قَاضِي خَانْ بِأَنْ يَتْرُكَهُ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَمَّا إذَا تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تُقْبَلْ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ لَا يَتْرُكَهُ اسْتِخْفَافًا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَقَدْ كَتَبْنَاهُ عَنْ الْجَامِعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي الْكِتَاب أَجَزْت بَيِّنَةَ الْمُسْلِمِ وَأَعْطَيْت حَقَّهُ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِلْكَافِرِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى مِقْدَارِ دَيْنِهِمَا اهـ.
مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة ثُمَّ قَالَ وَلَوْ كَانَ النَّصْرَانِيُّ حَيًّا وَفِي يَدِهِ عَبْدٌ ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِ قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعَبْدَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فُلَانٌ) بَدَلٌ مِنْ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا فَشَهِدَ بِزُورٍ ثُمَّ تَابَ إلَخْ) الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ إذَا شَهِدَ بِزُورٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ وَرَوَى الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ خَانِيَّةٌ قُبَيْلَ التَّزْكِيَةِ وَالتَّعْدِيلِ (قَوْلُهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ بِفِسْقِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَحِلُّ وَفِي الْخَانِيَّةِ الشَّاهِدُ إذَا كَانَ فَاسِقًا فِي السِّرِّ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ عَدْلٌ فَأَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِ فَأَخْبَرَ الشَّاهِدُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ صَحَّ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ صَادِقًا فِي الشَّهَادَةِ لَا يَسَعُهُ تَضْمِينُ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُدَّعِي اهـ.
следующие страницы →