Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
لَا تُمْلَكُ فِيهَا الْأُجْرَةُ بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ
(قَوْلُهُ فَإِنْ غُصِبَ مِنْهُ سَقَطَ الْأَجْرُ) لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمَحَلِّ إنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَ تَسْلِيمِ الْمَنْفَعَةِ لِتَمَكُّنٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ فَإِذَا فَاتَ التَّمَكُّنُ فَاتَ التَّسْلِيمُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ سَقَطَ الْأَجْرُ إلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِالْغَصْبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ خِلَافًا لِقَاضِي خَانْ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا غُصِبَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ فَيَسْقُطُ جَمِيعُ الْأَجْرِ وَمَا إذَا غُصِبَ فِي بَعْضِهَا فَبِحِسَابِهِ وَشَمِلَ الْعَقَارَ وَغَيْرَهُ وَمُرَادُهُ مِنْ الْغَصْبِ هُنَا الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْعَيْنِ لَا حَقِيقَتُهُ إذْ الْغَصْبُ لَا يَجْرِي فِي الْعَقَارِ عِنْدَنَا وَشَمِلَ مَا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاكِنِ الْأَوَّلِ فَلَوْ ادَّعَى ذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ وَأَنْكَرَهُ الْمُؤَجِّرُ وَلَا بَيِّنَةَ يُحَكَّمُ الْحَالُ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ السَّاكِنُ فِي الدَّارِ حَالَ الْمُنَازَعَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمُؤَجِّرِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْتَأْجِرِ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ كَمَسْأَلَةِ الطَّاحُونَةِ وَهِيَ لَوْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ مُسْتَأْجِرِ الطَّاحُونَةِ وَالْأَجْرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فِي جَرَيَانِ الْمَاءِ وَانْقِطَاعِهِ فَإِنَّهُ يُحَكَّمُ الْحَالُ فَإِنْ كَانَ جَارِيًا حَالَ الْمُنَازَعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي دَوَامَ التَّسْلِيمِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي زَوَالَهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ السَّاكِنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ فَرْدٌ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَشَمِلَ مَا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرِ أَيْضًا وَكَذَا لَوْ سَلَّمَهُ إلَّا بَيْتًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ بِحِسَابِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَكَذَا لَوْ سَكَنَ مَعَهُ فِي الدَّارِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
[لِرَبِّ الدَّارِ وَالْأَرْضِ طَلَبُ الْأَجْرِ كُلَّ يَوْمٍ]
(قَوْلُهُ وَلِرَبِّ الدَّارِ وَالْأَرْضِ طَلَبُ الْأَجْرِ كُلَّ يَوْمٍ) لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ وَمَا دُونَ الْيَوْمِ لَا حَدَّ لَهُ فَصَارَ كَالنَّفَقَةِ لَهَا طَلَبُهَا عِنْدَ الْمَسَاءِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ أَرَادَ بِهِ مَا إذَا أَطْلَقَهُ أَمَّا إذَا بَيَّنَ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْعَقْدِ تَعَيَّنَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّعْجِيلِ كَمَا إذَا قَالَ آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً عَلَى أَنْ تُعْطِيَ الْأُجْرَةَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ
(قَوْلُهُ وَلِلْجَمَّالِ كُلَّ مَرْحَلَةٍ) لِأَنَّ سَيْرَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مَقْصُودٌ (قَوْلُهُ وَلِلْقِصَارِ وَالْخَيَّاطِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ عَمَلِهِ) لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْبَعْضِ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْأَجْرَ وَأَرَادَ بِهِ إذَا سَلَّمَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَكَذَا كُلُّ مَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فَكَمَا فَرَغَ مِنْهُ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا كَالْجَمَّالِ وَالْمَلَّاحِ فَلَا يَسْقُطُ الْأَجْرُ فِي الْهَلَاكِ بَعْدَهُ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْخَيَّاطُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِبَعْضِ الْعَمَلِ شَيْئًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ دَارِهِ فَبَنَى الْبَعْضَ ثُمَّ انْهَدَمَ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ عَلَى الْبَعْضِ إلَّا فِي سُكْنَى الدَّارِ وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِنَا خِلَافَهُ وَمَسْأَلَةُ الْبِنَاءِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَجِبُ الْأَجْرُ بِالْبَعْضِ لِكَوْنِهِ مُسَلَّمًا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَنَقَلَهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ رَدًّا عَلَى الْهِدَايَةِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَلِهَذَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ هُنَا مُطْلَقَةً وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ الْخَيْطُ وَالْمِخْيَطُ عَلَى الْخَيَّاطِ وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا فِي عُرْفِنَا فَالْخَيْطُ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ وَفِي الْمَخِيطِ الْخَيَّاطُ إذَا خَاطَهُ بِأَجْرٍ فَفَتَقَهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ رَبُّ الثَّوْبِ فَلَا أَجْرَ لِلْخَيَّاطِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِعَادَةِ وَإِنْ كَانَ الْخَيَّاطُ هُوَ الَّذِي فَتَقَهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ كَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِخِلَافِ مَا إذَا فَتَقَهُ الْأَجْنَبِيُّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَفِي الْخَيَّاطِ لَا يَلْزَمُهُ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ضَمِنَهُ الْأَجْنَبِيُّ يَكُونُ لِلْخَيَّاطِ لِكَوْنِهِ بَدَلَ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ حَتَّى سَقَطَتْ أُجْرَتُهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ فَقَطَّعَهُ وَمَاتَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي الْعَادَةِ لِلْخِيَاطَةِ لَا لِلْقَطْعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. .
وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى إذَا دَفَعَ ثَوْبًا لِقَصَّارٍ لِيَقْصِرَهُ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ أَجْرًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا أَجْرَ لَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ انْتَصَبَ الْقَصَّارُ لِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْ النَّاسِ بِالْأَجْرِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ
(قَوْلُهُ وَلِلْخَبَّازِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُبْزِ مِنْ التَّنُّورِ) لِأَنَّ تَمَامَ الْعَمَلِ بِالْإِخْرَاجِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ بِقَدْرِهِ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ صَارَ مُسَلَّمًا إلَى صَاحِبِ الدَّقِيقِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْجَوْهَرَةِ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْخَبْزُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مُسْتَصْفَاهُ أَمَّا إذَا كَانَ خَارِجًا عَنْ بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتِ الْخَبَّازِ أَوْ لَا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ حَقِيقَةً وَفِي الْجَوْهَرَةِ فَإِنْ سُرِقَ الْخُبْزُ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ فَإِنْ كَانَ يَخْبِزُ فِي
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2522
بَيْتِ صَاحِبِ الطَّعَامِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَ يَخْبِزُ فِي بَيْتِ الْخَبَّازِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا سُرِقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ خِلَافًا لَهُمَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَخْرَجَهُ فَاحْتَرَقَ فَلَهُ الْأَجْرُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ صَارَ مُسَلَّمًا بِالْوَضْعِ فِي بَيْتِهِ فَاسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ جِنَايَةٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخُبْزُ فِي غَيْرِ بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَاحْتَرَقَ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ دَقِيقًا مِثْلَ دَقِيقِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْخُبْزِ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْحَطَبِ وَالْمِلْحِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ احْتَرَقَ عُقَيْبَ الْإِخْرَاجِ لِأَنَّهُ إذَا احْتَرَقَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا لِأَنَّهُ مِمَّا جَنَتْهُ يَدَاهُ بِتَقْصِيرِهِ فِي الْقَلْعِ مِنْ التَّنُّورِ فَإِنْ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَخْبُوزًا أَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَإِنْ ضَمَّنَهُ دَقِيقًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ
(قَوْلُهُ وَلِلطَّبَّاخِ بَعْدَ الْغَرْفِ) أَيْ بَعْدَ وَضْعِ الطَّعَامِ فِي الْقِصَاعِ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ كُلَّ طَعَامٍ كَمَا أَطْلَقَهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَقَيَّدَهُ الْقُدُورِيُّ بِأَنْ يَكُونَ طَعَامَ الْوَلِيمَةِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ إذْ لَوْ كَانَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ فَلَا غَرْفَ عَلَيْهِ. اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْهُ الْمُصَنِّفُ بِهِ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ فَإِنَّ الْوَلِيمَةَ طَعَامُ الْعُرْسِ وَالْوَكِيرَةَ طَعَامُ الْبِنَاءِ وَالْخَرَسَ طَعَامُ الْوِلَادَةِ وَمَا تُطْعِمُ النُّفَسَاءُ نَفْسَهَا خُرْسَةً وَطَعَامَ الْخِتَانِ إعْذَارٌ وَطَعَامَ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرِهِ نَقِيعَةٌ وَكُلَّ طَعَامٍ صُنِعَ لِدَعْوَةٍ مَأْدُبَةٌ وَمَادِّيَّةٌ جَمِيعًا وَيُقَالُ فُلَانٌ يَدْعُو النَّقْرِيُّ إذَا خُصَّ وَفُلَانٌ يَدْعُو الْجَفْلَيْ وَإِلَّا جَفْلًا إذَا عَمَّ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُتَبِيِّ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ طَعَامُ أَهْلِ بَيْتِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَبَّاخٍ وَإِنْ أَفْسَدَ الطَّبَّاخُ الطَّعَامَ أَوْ أَحْرَقَهُ أَوْ لَمْ يُنْضِجْهُ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِذَا دَخَلَ الْخَبَّازُ أَوْ الطَّبَّاخُ بِنَارٍ لِيَخْبِزَ بِهَا أَوْ يَطْبُخَ بِهَا فَوَقَعَتْ مِنْهُ شَرَارَةٌ فَاحْتَرَقَ بِهَا الْبَيْتُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْعَمَلِ إلَّا بِإِدْخَالِ النَّارِ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ إذَا احْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ السُّكَّانِ فِي الدَّارِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِي هَذَا السَّبَبِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ
(قَوْلُهُ وَلِلَّبَّانِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ) يَعْنِي مَنْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَضْرِبَ لَهُ لَبَنًا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ إذَا أَقَامَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يَسْتَحِقُّهَا حَتَّى يُشَرِّجَهُ لِأَنَّ التَّشْرِيجَ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ إذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْفَسَادِ قَبْلَهُ فَصَارَ كَالْإِخْرَاجِ مِنْ التَّنُّورِ وَلَهُ أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ تَمَّ بِالْإِقَامَةِ وَالتَّشْرِيجُ عَمَلٌ زَائِدٌ كَالنَّقْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ قَبْلَ التَّشْرِيجِ بِالنَّقْلِ إلَى مَوْضِعِ الْعَمَلِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ لِأَنَّهُ طِينٌ مُنْتَشِرٌ وَبِخِلَافِ الْخَبْزِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَلِفَ اللَّبَنُ قَبْلَ التَّشْرِيجِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَلِفَ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ وَعِنْدَهُمَا مِنْ مَالِ الْأَجِيرِ وَأَمَّا إذَا أُتْلِفَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ فَلَا أُجْرَةَ إجْمَاعًا وَمُرَادُهُ مَا إذَا كَانَ ضَرَبَ اللَّبَنَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْأَجِيرِ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا بِتَسْلِيمَةِ وَهُوَ بِالْعَدِّ بَعْدَ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ وَبِالْعَدِّ بَعْدَ التَّشْرِيجِ عِنْدَهُمَا كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُسْتَصْفَى فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَجْرُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ مَنْصُوبًا عِنْدَهُ وَمُشَرَّجًا عِنْدَهُمَا كَذَا فِي الْإِيضَاحِ وَالْمَبْسُوطِ اهـ.
فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَّ وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَهُ بِغَيْرِ عَدٍّ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْإِقَامَةُ النِّصْفُ بَعْدَ الْجَفَافِ وَالتَّشْرِيجِ أَنْ يُرَكِّبَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ بَعْدَ الْجَفَافِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَالظَّهِيرِيَّةِ الْمَلْبَنُ عَلَى اللَّبَّانِ وَالتُّرَابُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَإِدْخَالُ الْحِمْلِ الْمَنْزِلَ عَلَى الْحَمَّالِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْعَدَ بِهِ عَلَى السَّطْحِ أَوْ الْغَرْفَةِ إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ صَبُّ الطَّعَامِ فِي الْجَفْنَةِ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا بِشَرْطٍ وَلَوْ تَكَارَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا صَاحِبُ الدَّابَّةِ الْحِمْلَ فَإِنْزَالُ الْحِمْلِ عَنْ الدَّابَّةِ يَكُونُ عَلَى الْمُكَارِي وَإِدْخَالُ الْحِمْلِ فِي الْمَنْزِلِ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ ذَلِكَ عُرْفًا لَهُمْ وَفِي اسْتِئْجَارِ الدَّابَّةِ الْحِمْلُ وَالْإِكَافُ يَكُونُ عَلَى الْمُكَارِي وَكَذَلِكَ الْحِبَالُ وَالْجُوَالِقُ وَالْحَبْرُ عَلَى الْكَاتِبِ وَاشْتِرَاطُ الْوَرَقِ عَلَيْهِ فَاسِدٌ اهـ
(قَوْلُهُ وَمَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ يَحْبِسُهُمَا لِلْأَجْرِ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ قَائِمٌ فِي الثَّوْبِ فَلَهُ حَقُّ الْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْمَبِيعِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَبْزُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَاحْتَرَقَ إلَخْ) أَقُولُ: فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشُرُوحِهِ أَطْلَقُوا الْجَوَابَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْخِلَافَ فَعَنْ هَذَا قَالُوا الْجَوَابُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ فَعِنْدَهُ لَا ضَمَانَ مِنْ صُنْعِهِ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخِلَافَ الْقُدُورِيُّ بِرِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ وَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ التَّنُّورِ فَوَضَعَهُ وَهُوَ يَخْبِزُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ وَقَدْ فَرَغَ فَإِنْ احْتَرَقَ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ فَلَهُ الْأَجْرُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَالْكَلَامُ فِي الْخَبْزِ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا فِي غَيْرِ بَيْتِهِ تَأَمَّلْ
стр. 2523
لِعَمَلِهِ إلَّا إزَالَةُ الدَّرَنِ بِالْغَسْلِ فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْبَيَاضَ كَانَ مُسْتَتِرًا وَقَدْ ظَهَرَ بِفِعْلِهِ فَكَأَنَّهُ أَحْدَثَهُ فِيهِ كَذَا ذَكَرَ قَاضِي خان فِي شَرْحِهِ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مُسْتَصْفَاهُ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْمَنْعِ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ وَغَسْلُ الثَّوْبِ نَظِيرَ الْحِمْلِ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْأَجْرُ حَالًّا أَمَّا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا فَلَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ عَلَيْهَا لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِلْحَالِّ فَلَا يَمْلِكُ الْحَبْسَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ يَحْبِسُهُ إلَى أَنَّهُ عَمِلَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ دُكَّانِهِ فَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا خَاطَهُ أَوْ صَبَغَهُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ لِأَنَّ الْمَتَاعَ وَقَعَ مُسَلَّمًا إلَى الْمَالِكِ لِكَوْنِ الْمَحَلِّ فِي يَدِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا جَنَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ بِخِلَافِ الْمَلَّاحِ إذَا غَرِقَتْ السَّفِينَةُ بِمَدِّهِ وَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهَا حَيْثُ لَا يَضْمَنُ الْمَتَاعَ لِأَنَّهُ فِي يَدِ مَالِكِهِ حَقِيقَةً وَالْمَدُّ تَصَرَّفَ فِي السَّفِينَةِ دُونَ الْمَتَاعِ فَمَتَى كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِي السَّبَبِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ فَإِنْ حُبِسَ فَضَاعَ فَلَا أَجْرَ وَلَا ضَمَانَ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي الْحَبْسِ فَبَقِيَ أَمَانَةً كَمَا كَانَ عِنْدَهُ وَلَا أَجْرَ لَهُ لِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَعِنْدَهُمَا الْعَيْنُ كَانَتْ مَضْمُونَةً قَبْلَ الْحَبْسِ فَكَذَا بَعْدَهُ لَكِنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ مَعْمُولًا وَلَهُ الْأَجْرُ
(قَوْلُهُ وَمَنْ لَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ كَالْجَمَالِ وَالْمَلَّاحِ لَا يُحْبَسُ لِلْأَجْرِ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ الْعَمَلِ وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ فِي الْعَيْنِ فَلَا يُتَصَوَّرُ حَبْسُهُ فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْحَبْسِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ حَبَسَهَا ضَمِنَهَا ضَمَانَ الْغَاصِبِ وَصَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا مَحْمُولَةً وَلَهُ الْأَجْرُ وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مَحْمُولَةٍ فَلَا أَجْرَ لَهُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْ الْأَثَرِ فَقِيلَ أَنْ تَكُونَ الْأَثَرَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ كَالنَّشَّارِ وَالصَّبْغِ وَقِيلَ أَنْ يَرَى وَيُعَايِنَ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِي كَسْرِ الْحَطَبِ وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ وَحَلْقِ رَأْسِ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَهُ الْحَبْسُ عَلَى الثَّانِي وَظَاهِرُ مَا فِي الْقُنْيَةِ تَرْجِيحُ الثَّانِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ لِمَا عَلَّلُوا بِهِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ مِنْ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ فِي الثَّوْبِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ الْحَمَّالَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهَا بِالْجِيمِ وَالْأَوْلَى الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْحَمْلَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ عَلَى الظَّهْرِ وَعَلَى الدَّابَّةِ فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ لَفْظِ الْجَمَّالِ بِالْجِيمِ وَلَا يُرَدُّ الْآبِقُ حَيْثُ يَكُونُ لِلرَّادِّ حَقُّ حَبْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ الْجُعْلِ وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى شُرَفِ الْهَلَاكِ وَقَدْ أَحْيَاهُ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ فَلَهُ حَقُّ الْحَبْسِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ غَيْرُهُ إنْ شَرَطَ عَمَلَهُ بِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ كَالْمَنْفَعَةِ فِي مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ وَاسْتَثْنَى فِي الْخُلَاصَةِ الظِّئْرَ فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَسْتَعْمِلَ غَيْرَهَا وَالْمُرَادُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ اعْمَلْ بِنَفْسِك أَوْ بِيَدِك وَلَا تَفْعَلُ بِيَدِ غَيْرِك كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَمَّا إذَا قَالَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا إذَا أَطْلَقَ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلَيْنِ لِيَحْمِلَا لَهُ خَشَبَةً إلَى مَنْزِلِهِ بِدِرْهَمٍ فَحَمَلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي الْعَمَلِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدَهُمَا لِبِنَاءِ حَائِطٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ وَلَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ يَجِبُ كُلُّ الْأَجْرِ بَيْنَهُمَا وَقَيَّدَ بِاشْتِرَاطِ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا فَلَمْ يَفْعَلْ فَطَالَبَهُ صَاحِبُهُ مَرَّاتٍ فَفَرَّطَ حَتَّى سُرِقَ لَا يَضْمَنُ وَأَجَابَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ بِالضَّمَانِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ غَيْرَهُ) لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَمَلٌ فِي ذِمَّتِهِ وَيُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ إيفَاءِ الدَّيْنِ وَأَشَارَ بِكَوْنِهِ لَهُ الِاسْتِئْجَارُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ إلَى غَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ دَفَعَ غَزْلًا إلَى رَجُلٍ لِيَنْسِجَهُ كِرْبَاسًا فَدَفَعَ هُوَ إلَى آخَرَ لِيَنْسِجَهُ فَسُرِقَ مِنْ يَدِهِ إنْ كَانَ الثَّانِي أَجِيرًا لِلْأَوَّلِ لَا يَضْمَنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَجْنَبِيًّا ضَمِنَ الْأَوَّلُ دُونَ الْآخَرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا فِي الْأَوَّلِ ضَامِنٌ مُطْلَقًا وَفِي الْأَجْنَبِيِّ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْآخَرَ
[اسْتَأْجَرَهُ لِيَجِيءَ بِعِيَالِهِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَجَاءَ بِمَا بَقِيَ]
(قَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَجِيءَ بِعِيَالِهِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَجَاءَ بِمَا بَقِيَ فَلَهُ أَجْرُهُ بِحِسَابِهِ) لِأَنَّهُ أَوْ فِي بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِقَدْرِهِ وَمُرَادُهُ إذَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْمَنْعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ هَذَا الشَّارِحُ فِي الْقَضَاءِ أَنَّ الْحَبْسَ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ فَلَعَلَّهُ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ عَدَمِ الْمَنْعِ أَيْ عَدَمُ الْحَبْسِ لِلْعَيْنِ فَسَقَطَ مِنْ خَطِّ الْكَاتِبِ ذَلِكَ أَوْ مَعْنَاهُ تَرْجِيحُ مَنْعِ الْحَبْسِ لَهَا شَرْعًا وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ عَنْ الْإِضَافَةِ تَأَمَّلْ اهـ.
قُلْت لَا يَخْفَى بُعْدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ هُنَا بَلْ الْمُرَادُ الْمُتَبَادِرُ الْمَنْعُ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ
стр. 2524
كَانُوا مَعْلُومِينَ لِيَكُونَ الْأَجْرُ مُقَابِلَا بِجُمْلَتِهِمْ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَعْلُومِينَ يَجِبُ الْأَجْرُ كُلُّهُ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْهِدَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا]
(بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا) (قَوْلُهُ صَحَّ إجَارَةُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ بِلَا بَيَانِ مَا يُعْمَلُ فِيهَا) لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَارَفَ فِيهِ السُّكْنَى فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ فَصَحَّ الْعَقْدُ وَالْحَوَانِيتُ الدَّكَاكِينُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا بَيَانُ مَنْ يَسْكُنُهَا فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا بِنَفْسِهِ وَيُسْكِنَهَا غَيْرَهُ بِإِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا وَكَذَا مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَقَيَّدَ بِالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ لَابِسِهِ وَكَذَا كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ فَلَهُ الْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ وَغَسْلُ الثِّيَابِ وَكَسْرُ الْحَطَبِ الْمُعْتَادِ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِحَائِطِهِ وَالدَّقُّ الْمُعْتَادُ الْيَسِيرُ وَأَنْ يَتِدَ وَتَدًا وَرَبْطُ الدَّوَابِّ فِي مَوْضِعٍ مُعْتَادٍ لَهُ لَا إنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا وَلَهُ رَبْطُهَا عَلَى بَابِ الدَّارِ وَلَيْسَ لِلْآجِرِ أَنْ يُدْخِلَ دَابَّتَهُ الدَّارَ الْمُسْتَأْجَرَةَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْقُنْيَةِ لِمُسْتَأْجِرِ الدَّارِ الْمُسَبَّلَةِ إلْقَاءُ مَا اجْتَمَعَ مِنْ كَنْسِ الدَّارِ مِنْ التُّرَابِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَهُ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتَدًا وَيَسْتَنْجِيَ بِجِدَارِهِ وَيَتَّخِذَ فِيهِ بَالُوعَةً إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا مُسَبَّلًا لِدَقِّ الْأُرْزِ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْبِنَاءِ وَلَيْسَ لِمُسْتَأْجِرِ الدَّارِ الْمُسَبَّلَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا إصْطَبْلًا اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا مَاءٌ تَوَضَّأَ مِنْهَا وَشَرِبَ وَلَوْ فَسَدَتْ الْبِئْرُ لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى إصْلَاحِهَا وَلَوْ بَنَى الْمُسْتَأْجِرُ التَّنُّورَ فِي الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْ الْمُسْتَأْجِرُ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْكِنُ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا أَوْ طَحَّانًا) فِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ الثَّلَاثِي الْمُجَرَّدِ فَيَكُونُ انْتِصَابُ حَدَّادًا وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الْحَالِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ إسْكَانِهِ غَيْرَهُ دَلَالَةً بِالْأَوْلَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَانْتِصَابِ مَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ سُكْنَاهُ بِنَفْسِهِ بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوهِنُ الْبِنَاءَ وَفِي سُكْنَى نَفْسِهِ مُلْتَبِسًا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ هَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمَالِكُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْإِجَارَةِ فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِذَلِكَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الِاشْتِرَاطِ فَالْقَوْلُ لِلْمُؤَجِّرِ كَمَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْعَقْدِ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْقُنْيَةِ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا مُسَبَّلًا لِدَقِّ الْأُرْزِ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْبِنَاءِ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِيُقْعِدَ قَصَّارًا فَلَهُ أَنْ يُقْعِدَ حَدَّادًا إذَا كَانَ مَضَرَّتُهُمَا وَاحِدَةً وَالْمُرَادُ مِنْ الرَّحَى غَيْرُ رَحَى الْيَدِ أَمَّا رَحَى الْيَدِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الطَّحْنِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَإِنْ انْهَدَمَ الْبِنَاءُ بِعَمَلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَا أَجْرَ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ قَيَّدَ بِالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ لِأَنَّ اسْتِئْجَارَ الْبِنَاءِ وَحْدَهُ لَا يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالْبِنَاءِ وَحْدَهُ وَفِي الْقُنْيَةِ يُفْتِي بِرِوَايَةِ جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْبِنَاءِ إذَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ كَالْجُدْرَانِ مَعَ السَّقْفِ اهـ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ الْمُسْتَأْجِرُ إذَا أَجَرَ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَ تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ إلَّا إذَا أَصْلَحَ فِيهَا شَيْئًا أَوْ أَجَرَهَا بِخِلَافِ جِنْسِ مَا اسْتَأْجَرَ وَالْكَنْسُ لَيْسَ بِإِصْلَاحٍ وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَإِنْ أَجَرَهَا مِنْ الْمُؤَجِّرِ لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَهَلْ هُوَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ
(قَوْلُهُ وَالْأَرَاضِي لِلزِّرَاعَةِ إنْ بَيَّنَ مَا يُزْرَعُ فِيهَا أَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ) أَيْ صَحَّ ذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ لِأَنَّهَا تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا وَمَا يُزْرَعُ فِيهَا مُتَفَاوِتٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ كَيْلًا تَقَعَ الْمُنَازَعَةُ وَتَرْتَفِعُ بِتَفْوِيضِ الْخِيَرَةِ إلَيْهِ أَيْضًا وَإِلَّا فَهِيَ فَاسِدَةٌ لِلْجَهَالَةِ وَتَنْقَلِبُ صَحِيحَةً بِزَرْعِهَا وَيَجِبُ الْمُسَمَّى لِارْتِفَاعِهَا كَاسْتِئْجَارِ ثَوْبٍ لَمْ يُبَيِّنْ لَابِسَهُ إذَا أَلْبَسَ شَخْصًا انْقَلَبَتْ صَحِيحَةً وَكَذَا الدَّابَّةُ وَالْقِدْرُ لِلطَّبْخِ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الشِّرْبُ وَالطَّرِيقُ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ لِلِانْتِفَاعِ وَلَا انْتِفَاعَ إلَّا بِهِمَا فَيَدْخُلَانِ تَبَعًا بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا الِانْتِفَاعُ فِي الْحَالِ حَتَّى جَازَ بَيْعُ الْجَحْشِ وَالْأَرْضِ السَّبِخَةِ دُونَ إجَارَتِهَا إلَّا بِذَكَرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ كَمَا عُرِفَ فِي الْبُيُوعِ وَفِي الْقُنْيَةِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا سَنَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَ
ــ
[منحة الخالق]
بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا) (قَوْلُهُ أَمَّا رَحَى الْيَدِ إلَخْ) فِيهِ سَقْطٌ وَاَلَّذِي فِي الْخُلَاصَةِ لَا يُمْنَعُ مِنْ رَحَى الْيَدِ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ يُمْنَعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
стр. 2525
فِيهَا مَا شَاءَ فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعَيْنِ رَبِيعِيًّا وَخَرِيفِيًّا وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَلَا بَأْسَ بِاسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ قَبْلَ رَيِّهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَادَةً لِلرَّيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزْرَعُ بِهِ بَعْضُهَا فَالْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْإِجَارَةَ كُلَّهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَنْقُضْهَا وَكَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا رَوَى مِنْهَا اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا وَلَا يُمْكِنُهَا الزِّرَاعَةَ فِي الْحَالِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى السَّقْيِ أَوْ كَرْيِ الْأَنْهَارِ أَوْ مَجِيءِ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ تُمْكِنُ الزِّرَاعَةُ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا فِي الشِّتَاءِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَلَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا فِي الشِّتَاءِ وَجَازَ لِمَا أَمْكَنَ فِي الْمُدَّةِ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا أَصْلًا بِأَنْ كَانَتْ سَبِخَةً فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَفِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْجَارِ فِي الشِّتَاءِ يَكُونُ الْأَجْرُ مُقَابَلًا بِكُلِّ الْمُدَّةِ لَا بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَحَسْبُ وَقِيلَ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ لَا يَنْحَصِرُ اسْتِئْجَارُهَا لِلزِّرَاعَةِ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ كَمَا يُوهِمُهُ الْمُتُونُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْأَرْضَ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَرَادَ بِغَيْرِ الزِّرَاعَةِ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَطَبْخِ الْآجُرِّ وَالْخَزَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الِانْتِفَاعَاتِ بِالْأَرْضِ اهـ.
فَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك صِحَّةُ الْإِجَارَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَنَّهُ تُسْتَأْجَرُ الْأَرْضُ مَقِيلًا وَمَرَاحًا قَاصِدِينَ بِذَلِكَ إلْزَامَ الْأُجْرَةِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ شَمِلَهَا الْمَاءُ وَأَمْكَنَ زِرَاعَتُهَا أَوْ لَا وَلَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْهَا لِلزِّرَاعَةِ بِخُصُوصِهَا حَتَّى يَكُونَ عَدَمُ رَيِّهَا فَسْخًا لَهَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيُلَبِّنَ فِيهَا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ ثُمَّ هِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ لِلتُّرَابِ قِيمَةٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَيَكُونُ اللَّبِنُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاللَّبِنُ لَهُ وَضَمِنَ نُقْصَانَ الْأَرْضِ إنْ نَقَصَتْ.
وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ أَنَّ إجَارَةَ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِزَرْعِ الْغَيْرِ إنْ كَانَ الزَّرْعُ بِحَقٍّ بِأَنْ كَانَ بِإِجَارَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ تُؤَجَّرَ مَا لَمْ يُسْتَحْصَدْ الزَّرْعُ إلَّا أَنْ يُؤَجِّرَهَا مُضَافَةً إلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَاجِبُ الْقَلْعِ فَإِنَّ الْمُؤَجِّرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِ مَا أَجَرَهُ بِأَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَ الزَّرْعِ عَلَى قَلْعِهِ سَوَاءٌ أُدْرِكَ أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِصَاحِبِهِ فِي إبْقَائِهِ اهـ.
وَالدَّارُ الْمَشْغُولَةُ بِمَتَاعِ السَّاكِنِ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَأْجِرٍ تَصِحُّ إجَارَتُهَا وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ تَسْلِيمِهَا فَارِغَةً كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَجَرَ الْأَرْضَ الْمَزْرُوعَةَ ثُمَّ سَلَّمَهَا بَعْدَمَا فَرَغَ وَحَصَدَ يَنْقَلِبُ جَائِزًا وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَأْجِرُ اسْتَأْجَرْت مِنْك الْأَرْضَ وَهِيَ فَارِغَةٌ وَقَالَ الْمُؤَجِّرُ لَا بَلْ هِيَ مَشْغُولَةٌ بِزَرْعِي يُحَكَّمُ الْحَالُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ الْقَوْلُ قَوْلُ الْآجِرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ) أَيْ صَحَّ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ بِمَعْنَى الْمَغْرُوسِ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ الْكَسْرُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تُقْصَدُ بِالْأَرَاضِيِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَا يَجُوزُ لِمُسْتَأْجِرِ السَّبِيلِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ غَرْفَةً لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ وَلَا يَضُرَّ بِالْبِنَاءِ وَإِنْ كَانَ مُعَطَّلًا غَالِبًا وَلَا يَرْغَبُ الْمُسْتَأْجِرُ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَازَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْأُجْرَةِ إذَا قَالَ الْقَيِّمُ أَوْ الْمَالِكُ لِمُسْتَأْجِرِهَا أَذِنْت لَك فِي عِمَارَتِهَا فَعَمَّرَهَا بِإِذْنِهِ يَرْجِعُ عَلَى الْقَيِّمِ وَالْمَالِكِ وَهَذَا إذًا يَرْجِعُ مُعْظَمُ مَنْفَعَتِهِ إلَى الْمَالِكِ أَمَّا إذَا رَجَعَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالدَّارِ كَالْبَالُوعَةِ أَوْ شَغْلِ بَعْضِهَا كَالتَّنُّورِ فَلَا مَا لَمْ يَشْتَرِطْ الرُّجُوعَ ذَكَرَهُ فِي الْوَقْفِ (قَوْلُهُ فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَلَعَهُمَا وَسَلَّمَهَا فَارِغَةً) لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا فَفِي إبْقَائِهِمَا إضْرَارٌ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ فَوَجَبَ الْقَلْعُ وَفِي الْقُنْيَةِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَقْفًا وَغَرَسَ فِيهَا أَوْ بَنَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِيُلَبِّنَ فِيهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ صَوَابُهُ مِنْهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ قَائِلًا لِوُقُوعِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ لِمُسْتَأْجِرِ السَّبِيلِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ السَّبِيلَ هُوَ الْوَقْفُ عَلَى الْعَامَّةِ (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَقْفًا وَغَرَسَ فِيهَا أَوْ بَنَى إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ رَمَزَ (سم) (قع) لِإِسْمَاعِيلَ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ لِشَرَفِ الْأَئِمَّةِ الْمَكِّيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَقَالَ فِيهَا قِيلَ لَهُمَا فَلَوْ أَبَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْقَلْعَ هَلْ لَهُمْ ذَلِكَ قَالَ لَا وَقَدْ قَالُوا لَا تَعْوِيلَ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كُلِّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ مُخَالِفًا لِلْقَوَاعِدِ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ نَقْلٌ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ عَضَّدَ بِمَا فِي أَوْقَافِ الْخَصَّافِ وَوَجْهُهُ إمْكَانُ رِعَايَةِ الْجَانِبَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَعَلَيْهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَوْ وَرَثَتِهِ الِاسْتِبْقَاءُ فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِكَلَامِ الْمُتُونِ وَوَجْهُهُ أَيْضًا عَدَمُ الْفَائِدَةِ فِي الْقَلْعِ إذْ لَوْ قَلَعَ لَا تُؤَجَّرُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ حَتَّى لَوْ حَصَلَ ضَرَرٌ مَا مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ بِأَنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ وَارِثُهُ مُفْلِسًا أَوْ سَيِّئَ الْمُعَامَلَةِ أَوْ مُتَغَلِّبًا يُخْشَى عَلَى الْوَقْفِ مِنْهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ يَجِبُ أَنْ لَا يُجْبَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ تَأَمَّلْ اهـ.
كَلَامُ الرَّمْلِيِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَتْنِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ بَعْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ لِلْمُؤَجِّرِ فَارِغَةً سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ مِلْكًا أَوْ وَقْفًا فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُجْبِرَ الْمُؤَجِّرَ عَلَى أَنْ يُؤَجِّرَهَا مِنْهُ مُدَّةً ثَانِيَةً بِدُونِ رِضَاهُ وَاسْتَثْنَى فِي الْقُنْيَةِ أَرْضَ الْوَقْفِ إذَا بَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ فَلَهُ اسْتِبْقَاؤُهَا بِيَدِهِ مُدَّةً أُخْرَى بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ أَرْضِ الْوَقْفِ وَهُوَ إيجَارُهَا بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ أَرْضَ الْوَقْفِ لَا يُمْكِنُ الْمُتَوَلِّي تَعْطِيلُهَا فَحَيْثُ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إيجَارِهَا بِأَجْرِ الْمِثْلِ وَرَضِيَ الْبَانِي وَالْغَارِسُ بِذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَقَدْ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْخَبَرِ الرَّمْلِيِّ فِي فَتَاوِيهِ فَتَارَةً أَفْتَى بِهَذَا وَقَالَ بَعْدَمَا نَقَلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْقُنْيَةِ وَالْخَصَّافِ مَا نَصُّهُ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ أَنَّ الشَّرْعَ يَأْبَى الضَّرَرَ
стр. 2526
ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا بِأَجْرِ الْمِثْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ وَلَوْ أَبَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْقَلْعَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ اهـ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَسْأَلَةُ الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ وَهِيَ مَنْقُولَةٌ أَيْضًا فِي أَوْقَافِ الْخَصَّافِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَغْرَمَ لَهُ الْمُؤَجِّرُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ) يَعْنِي بِأَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ بِدُونِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَيُقَوَّمُ بِهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى لُزُومِ الْقَلْعِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ الْمُؤَجِّرُ يَدْفَعُ الْقِيمَةَ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ الْقَلْعُ وَهَذَا صَحِيحٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ أَوْ لَا فَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَكِنْ لَا يَتَمَلَّكُهَا الْمُؤَجِّرُ جَبْرًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تَنْقُصُ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ.
(قَوْلُهُ أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ فَيَكُونُ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ لِهَذَا وَالْأَرْضُ لِهَذَا) يَعْنِي إذَا رَضِيَ الْمُؤَجِّرُ بِتَرْكِ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ الْقَلْعُ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ فِي يَرْضَى عَائِدًا إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا إلَى التَّصْرِيحِ بِرِضَاهُمَا كَمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمَعِ كَمَا لَا يَخْفَى وَهَذَا التَّرْكُ مِنْ الْمُؤَجِّرِ يَكُونُ عَارِيَّةً لِأَرْضِهِ إنْ كَانَ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَإِجَارَةٍ وَإِنْ كَانَ بِأَجْرٍ فَقَصَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَلَى الْأَوَّلِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُمَا أَنْ يُؤَجِّرَاهُمَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنْ فَعَلَا فَلَهُمَا أَنْ يَقْسِمَا الْأَجْرَ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ وَعَلَى قِيمَةِ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ أَرْضٍ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّتَهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ الْوَقْفِ بَنَى فِي الدَّارِ الْمُسَبَّلَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَيِّمِ وَنَزْعُ الْبِنَاءِ يَضُرُّ بِالْوَقْفِ يُجْبَرُ الْقَيِّمُ عَلَى
ــ
[منحة الخالق]
خُصُوصًا وَالنَّاسُ عَلَى هَذَا وَفِي الْقَلْعِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» اهـ.
وَتَارَةً أَفْتَى بِمَا هُوَ إطْلَاقُ الْمُتُونِ مِنْ لُزُومِ الْقَلْعِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُكَلَّفُ قَلْعَ الْأَشْجَارِ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِأَرْضِ الْوَقْفِ فَإِذَا ضَرَّ يَتَمَلَّكُهُ النَّاظِرُ بِقِيمَتِهِ مُسْتَحِقِّ الْقَلْعِ لِلْوَقْفِ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَخْيَارُ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَإِنْ أَبَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ وَبِمِثْلِهِ صَرَّحَ الْخَصَّافُ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمُتُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْإِفْتَاءُ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْخَصَّافِ لَا يُعَارِضُ إطْلَاقَ الْمُتُونِ أَقُولُ: وَبِهَذَا تَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا بِنَاءٌ وَلَا غِرَاسٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ وَأَرَادَ اسْتِئْجَارَهَا مُدَّةً أُخْرَى لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِدُونِ رِضَا الْمُؤَجِّرِ وَأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِمَا اُشْتُهِرَ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْأَوَّلَ أَحَقُّ وَيُسَمُّونَهُ ذَا الْيَدِ حَتَّى إذَا فَرَغَتْ مُدَّةُ إيجَارِهِ وَأَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى الْأَرْضِ إيجَارَهَا لِغَيْرِهِ لِكَوْنِ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ مُفْلِسًا أَوْ سَيِّئَ الْمُعَامَلَةِ أَوْ مُتَغَلِّبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ يُفْتُونَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ إنَّ ذَا الْيَدِ أَحَقُّ حَتَّى تَبْقَى الْأَرْضُ بِيَدِهِ سِنِينَ عَدِيدَةً وَيَتَحَكَّمُ بِالْمُؤَجِّرِ بِمَا أَرَادَ وَرُبَّمَا امْتَنَعَ عَنْ دَفْعِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَرْضِ وَادَّعَى مِلْكِيَّتَهَا بِسَبَبِ طُولِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا.
وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَخْشَى عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَلِلْمُتَوَلِّي فَسْخُ الْإِجَارَةِ وَنَزْعُهَا مِنْ يَدِهِ فَكَيْفَ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ نَعَمْ قَالُوا إذَا زَادَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَفِي رِوَايَةٍ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَوَّلِ الْعَقْدِ وَقَدْ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ فَلَا يُفْسَخُ وَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ تُفْسَخُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَرَّعُوا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا رَضِيَ بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ فَهُوَ أَحَقُّ وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ وَجْهِهِ وَهُوَ أَنَّ مُدَّتَهُ بَاقِيَةٌ وَأَنَّ عِلَّةَ الْفَسْخِ هِيَ زِيَادَةُ الْأُجْرَةِ فَإِذَا رَضِيَ بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ زَالَتْ عِلَّةُ الْفَسْخِ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِإِبْقَائِهَا بِيَدِهِ إتْمَامًا لِمُدَّةِ عَقْدِهِ أَمَّا بَعْدَ تَمَامِ مُدَّةِ عَقْدِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فَمَا وَجْهُ كَوْنِهِ أَوْلَى وَأَحَقَّ بِإِيجَارِهَا ثَانِيًا مِنْهُ جَبْرًا عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَإِنْ رَضِيَ بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ فَقِيَاسُ هَذَا عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهِ مَعَ اسْتِيفَاءِ شَرَائِطِهِ وَلِي فِي أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِيَاسِ إذَا اسْتَوْفَى شَرَائِطَهُ فَكَيْفَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَوْفٍ لِشَرَائِطِهِ.
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا يُعْلَمُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ بِقَوْلِهِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَقْفًا إلَخْ وَقَوْلُهُ وَهِيَ مَنْقُولَةٌ أَيْ مَسْأَلَةُ الِاسْتِيفَاءِ تَأَمَّلْ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَغْرَمَ لَهُ الْمُؤَجِّرُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ إلَى قَوْلِهِ أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ الْمُسَمَّى بِمَجْمَعِ الرِّوَايَةِ قَالَ الزَّاهِدِيُّ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَهُ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ عَارِيَّةً فِي يَدِهِ بِهَذَا قُلْت وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَبْقَى بِغَيْرِ أَجْرٍ بِخِلَافِ الزَّرْعِ وَلَهُمَا أَنْ يُؤَاجِرَاهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَذَكَرَ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَقْطَعِ وَأَقُولُ: الَّذِي يَتَّضِحُ أَنَّ الْجَوَابَ مُتَّحِدٌ فِي حَقِّ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فِي الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَلْعِ وَتَسْلِيمُ الْأَرْضِ فَارِغَةً حَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ وَإِنْ أَضَرَّ بِهَا يَتَمَلَّكُهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ مَنْزُوعًا وَغَيْرَ مَنْزُوعٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَرْضِ الْوَقْفِ وَالْمِلْكِ فَقَوْلُهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي الْوَقْفِ وَلَوْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ لِلْوَقْفِ بِثَمَنٍ لَا يُجَاوِزُ أَقَلَّ الْقِيمَتَيْنِ مَنْزُوعًا أَوْ مَبْنِيًّا فِيهِ صَحَّ إمَّا بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ فَلَا يُنَافِي الْجَبْرَ عِنْدَ عَدَمِ الِاصْطِلَاحِ أَوْ هِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى لُزُومِ الْقَلْعِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلُهُ وَيَتَمَلَّكُهُ الْإِطْلَاقُ فَدَخَلَ فِيهِ الْجَبْرُ وَالرِّضَا مُطْلَقًا فِي حَالَتَيْ الضَّرَرِ وَعَدَمِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ الشُّرَّاحُ بِقَوْلِهِمْ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ فَفِي قَوْلِهِ لَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ اهـ. نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ.
стр. 2527
دَفْعِ قِيمَتِهِ لِلْبَانِي وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجَرَيْنِ غَرْسُ الْأَشْجَارِ وَالْكُرُومِ فِي الْمَوْقُوفَةِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْأَرْضِ بِدُونِ صَرِيحِ الْإِذْنِ مِنْ الْمُتَوَلِّي دُونَ حَفْرِ الْحِيَاضِ وَإِنَّمَا يَحِلُّ لِلْمُتَوَلِّي الْإِذْنُ فِيمَا يَزِيدُ الْوَقْفَ بِهِ خَيْرًا وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقُّ قَرَارِ الْعِمَارَةِ فِيهَا أَمَّا إذَا كَانَ يَجُوزُ الْحَفْرُ وَالْغَرْسُ وَالْحَائِطُ مِنْ تُرَابِهَا لِوُجُودِ الْإِذْنِ فِي مِثْلِهَا دَلَالَةً
(قَوْلُهُ وَالرُّطَبَةُ كَالشَّجَرِ) وَلِهَذَا قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَفِي الْأَرْضِ رُطَبَةٌ فَإِنَّهَا تُقْلَعُ لِأَنَّ الرِّطَابَ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ
[الزَّرْعُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يُدْرَكَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ]
(قَوْلُهُ وَالزَّرْعُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يُدْرَكَ) لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ بِخِلَافِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ إدْرَاكِهِ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ بِالْمُسَمَّى عَلَى حَالِهِ إلَى الْحَصَادِ وَإِنْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ لِأَنَّ إبْقَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ أَوْلَى مَا دَامَتْ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً وَيَلْحَقُ بِالْمُسْتَأْجِرِ الْمُسْتَعِيرُ فَيُتْرَكُ إلَى إدْرَاكِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَخَرَجَ الْغَاصِبُ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ مُطْلَقًا لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْفِعْلِ ظُلْمٌ وَهُوَ وَاجِبُ الْهَدْمِ لَا التَّقْرِيرِ وَفِي التَّقْرِيرِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ إذَا انْتَهَتْ الْإِجَارَةُ وَالزَّرْعُ لَمْ يُسْتَحْصَدْ يُتْرَكُ بِأَجْرٍ أَيْ بِقَضَاءٍ أَوْ بِعَقْدِهِمَا حَتَّى لَا يَجِبَ الْأَجْرُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا. اهـ. وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ
(قَوْلُهُ وَالدَّابَّةُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ وَالثَّوْبُ لِلُّبْسِ) أَيْ صَحَّ اسْتِئْجَارُ الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَقْصُودَةٌ مَعْهُودَةٌ مَعْلُومَةٌ قَيَّدَ بِالرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيُجَنِّبَهَا وَلَا يَرْكَبَهَا أَوْ لِيَرْبِطَهَا عَلَى بَابِ دَارِهِ لِيُرِيَ النَّاسَ أَنَّ لَهُ فَرَسًا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَلَا أَجْرَ لَهُ وَقَيَّدَ بِاللُّبْسِ فِي الثَّوْبِ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِيُزَيِّنَ بَيْتَهُ بِهِ أَوْ حَانُوتَهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ آنِيَةً يَصُفُّهَا فِي بَيْتِهِ يَتَجَمَّلُ بِهَا وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا أَوْ دَارًا لَا يَسْكُنُهَا لَكِنْ لِيَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ لَهُ دَارًا أَوْ عَبْدًا عَلَى أَنْ لَا يَسْتَخْدِمَهُ أَوْ دَرَاهِمَ يَضَعُهَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً مِنْ الْعَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَخَرَجَ أَيْضًا مَا إذَا اسْتَأْجَرَ فَحْلًا لِيُنْزِيَهُ عَلَى أُنْثَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَفِي الْخُلَاصَةِ مُعَاوَضَةُ الثِّيرَانِ فِي الْكِرَابِ لَا خَيْرَ فِيهَا أَمَّا إذَا أَعْطَى الْبَقَرَ لِيَأْخُذَ الْحِمَارَ جَازَ وَيَكْفِي فِي اسْتِئْجَارِ الثَّوْبِ لِلُّبْسِ التَّمَكُّنُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُلْبَسْ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِيَلْبَسَهُ كُلَّ يَوْمٍ بِدَانِقٍ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ سِنِينَ وَلَمْ يَلْبَسْهُ رَدَّ لِكُلِّ يَوْمٍ دَانِقً إلَى الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ لَبِسَهُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ لِتُخْرَقَ فَحِينَئِذٍ سَقَطَ الْأَجْرُ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ كَالسُّكْنَى قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَيَجِبُ بِنَفْسِ الْقَبْضِ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا وَفِي الدَّابَّةِ لَا يَكْفِي التَّمَكُّنُ لِمَا فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى مَكَان مَعْلُومٍ فَأَمْسَكَهَا فِي مَنْزِلِهِ فِي الْمِصْرِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ وَيَضْمَنُ لَوْ هَلَكَ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ حَبَسَ الدَّابَّةَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ فَرَدَّهَا وَلَمْ يَرْكَبَ عَلَيْهَا لَا أَجْرَ عَلَيْهِ. اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا وَلَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الرُّكُوبَ يُسَمَّى حَمْلًا يُقَالُ رَكِبَ فُلَانٌ وَحَمَلَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَلَا يُسَمَّى الْحَمْلُ رُكُوبًا أَصْلًا. اهـ.
وَفِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَنْزِلِهِ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ وَكَانَ يَحْمِلُ الْحِنْطَةَ إلَى مَنْزِلِهِ وَكُلَّمَا رَجَعَ كَانَ يَرْكَبُهَا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَضْمَنُ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِلْحَمْلِ دُونَ الرُّكُوبِ فَكَانَ غَاصِبًا لِلرُّكُوبِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ بِذَلِكَ فَصَارَ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ بِالْإِفْصَاحِ اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِلْحَمْلِ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا لَكِنَّ الرَّازِيَّ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَالْفَقِيهُ عَمَّمَهُ
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَطْلَقَ أَرْكَبَ وَأَلْبَسَ مَنْ شَاءَ) أَرَادَ بِالْإِطْلَاقِ التَّعْمِيمَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِرَاكِبٍ وَلَابِسٍ مُعَيَّنٍ لَا الْإِطْلَاقَ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ فَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تُرْكِبَ مَنْ شِئْت أَوْ تُلْبِسَ مَنْ شِئْت صَحَّ الْعَقْدُ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلرُّكُوبِ وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ يُرْكِبَهُ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الثَّانِيَةِ صَارَ الرُّكُوبَانِ مَثَلًا مِنْ شَخْصَيْنِ كَالْجِنْسَيْنِ فَيَكُونُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَجْهُولًا فَلَا يَصِحُّ وَفِي الْأُولَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ فِي ضِمْنِ الرُّكُوبِ فَصَارَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2528
مَعْلُومًا وَإِذَا فَسَدَتْ فَلَوْ أَرْكَبَهَا أَوْ رَكِبَ بِنَفْسِهِ وَجَبَ الْمُسَمَّى اسْتِحْسَانًا وَتَنْقَلِبُ صَحِيحَةً وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ وَإِذَا صَحَّتْ عِنْدَ التَّعْمِيمِ تَعَيَّنَ أَوَّلُ رَاكِبٍ أَوْ لَابِسٍ لِتَعَيُّنِهِ مُرَادًا مِنْ الْأَصْلِ فَصَارَ كَالنَّصِّ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا تَكَارَى قَوْمٌ مُشَاةٌ إبِلًا عَلَى أَنَّ الْمُكَارِيَ يَحْمِلُ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ أَوْ مَنْ عَيِيَ مِنْهُمْ فَهَذَا فَاسِدٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَيَّدَ بِرَاكِبٍ أَوْ لَابِسٍ فَخَالَفَ ضَمِنَ) يَعْنِي إذَا عَطِبَتْ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعِلْمِ بِالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعَ الضَّمَانِ مُمْتَنِعٌ وَكَذَا لَا أَجْرَ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يُوهِنُ الدَّارَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا قَيَّدَ لَيْسَ لَهُ الْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ كَمَا أَنَّهُ إذَا عَمَّمَ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ الْإِيدَاعُ فِي الْأَوَّلِ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ دُونَ الثَّانِي ذَكَرَهُ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا عَيِيَ الْحِمَارُ فِي الطَّرِيقِ فَأَرْسَلَهُ إلَى صَاحِبِهِ مَعَ آخَرَ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ مَا يَخْتَلِفُ) بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ فِي كَوْنِهِ يَضْمَنُ إذَا عَطِبَتْ مَعَ الْمُخَالَفَةِ وَالتَّقْيِيدِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ وَفِيمَا لَا يَخْتَلِفُ بِهِ بَطَلَ تَقْيِيدُهُ بِهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ) لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ وَاَلَّذِي يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ كَالْحِدَادَةِ وَالْقِصَارَةِ خَارِجٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ سَمَّى نَوْعًا وَقَدْرًا كَكُرِّ بُرٍّ لَهُ حَمْلُ مِثْلِهِ وَأَخَفَّ لَا آخَرَ كَالْمِلْحِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَةً مُقَدَّرَةً بِالْعَقْدِ فَاسْتَوْفَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ أَوْ مِثْلَهَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا جَازَ وَإِنْ اسْتَوْفَى أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ كُرَّ حِنْطَةٍ لِغَيْرِهِ لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِحَمْلِ كُرِّ حِنْطَةٍ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَوْ حَمَلَ كُرَّ شَعِيرٍ لِأَنَّهُ دُونَهُ وَغَلَطَ مَنْ مَثَّلَ بِالشَّعِيرِ لِلْمِثْلِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِحَمْلِ كُرِّ شَعِيرٍ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ كُرَّ حِنْطَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ وَعَلَى هَذَا زِرَاعَةُ الْأَرَاضِيِ لَوْ عَيَّنَ نَوْعًا لِلزِّرَاعَةِ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ مِثْلَهُ وَأَخَفَّ مِنْهُ لَا أَضُرَّ وَمِنْهُ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِحَمْلِ قُطْنٍ مَعْلُومٍ فَحَمَلَ مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا أَوْ مِثْلَ وَزْنِ الْحِنْطَةِ قُطْنًا أَوْ تِبْنًا أَوْ حَطَبًا وَأَشَارَ بِالْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَكُرِّ بُرٍّ أَنَّهُ لَوْ سَمَّى مِقْدَارًا مِنْ الْحِنْطَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّعِيرِ مِثْلَ ذَلِكَ بِالْوَزْنِ لَا يَضْمَنُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ عَطِبَتْ الدَّابَّةُ بِالْأَرْدَافِ ضَمِنَ النِّصْفَ) وَلَا اعْتِبَارَ بِالثِّقَلِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ يَعْقِرُهَا جَهْلُ الرَّاكِبِ الْخَفِيفِ وَيَخِفُّ عَلَيْهَا رُكُوبُ الثَّقِيلِ لِعِلْمِهِ بِالْفُرُوسِيَّةِ وَلِأَنَّ الْآدَمِيَّ غَيْرُ مَوْزُونٍ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْوَزْنِ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ الرَّاكِبِ كَعَدَدِ الْجِنَايَةِ فِي الْجِنَايَاتِ وَقَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي بِكَوْنِ الدَّابَّةِ تُطِيقُ حَمْلَ الِاثْنَيْنِ أَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تُطِيقُ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِمَا إذَا كَانَ الرَّدِيفُ يَسْتَمْسِكُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ يَضْمَنُ بِقَدْرِ ثِقَلِهِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْعَطَبِ بِالْإِرْدَافِ لِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِكَوْنِهِ يَجْتَمِعُ فِي مَكَان وَاحِدٍ فَيَشُقُّ عَلَى الدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَتْ تُطِيقُ حَمْلَهَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَأَطْلَقَ الْإِرْدَافَ فَشَمِلَ مَا إذَا أَرْدَفَ خَلْفَهُ وَلَدَ النَّاقَةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْإِجَارَةِ وَإِنْ كَانَ مِلْكَ صَاحِبِهَا لِعَدَمِ الْإِذْنِ كَمَا لَوْ حَمَلَ عَلَى دَابَّتِهِ شَيْئًا آخَرَ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الضَّامِنَ لِأَنَّ الْمَالِكَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّدِيفَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاكِبَ فَالرَّاكِبُ لَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ وَالرَّدِيفُ يَرْجِعُ إنْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَإِلَّا فَلَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِوُجُوبِ الْأَجْرِ وَالْمَنْقُولُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ أَنَّهُ يَجِبُ جَمِيعُ الْأَجْرِ إذَا هَلَكَتْ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَقْصِدِ مَعَ تَضْمِينِ النِّصْفِ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ اجْتَمَعَ الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الضَّمَانَ لِرُكُوبِ غَيْرِهِ وَالْأَجْرَ لِرُكُوبِهِ بِنَفْسِهِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا عَطِبَتْ لِأَنَّهَا لَوْ سُلِّمَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ أَرْدَفَهُ حَتَّى صَارَ الْأَجْنَبِيُّ كَالتَّابِعِ لَهُ أَمَّا إذَا أَقْعَدَهُ فِي السَّرْجِ صَارَ غَاصِبًا وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ لِأَنَّهُ رَفَعَ يَدَهُ عَنْ الدَّابَّةِ وَأَوْقَعَهَا فِي يَدٍ مُتَعَدِّيَةٍ فَصَارَ ضَامِنًا وَالْأَجْرُ لَا يُجَامِعُ الضَّمَانَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ بِالْإِرْدَافِ لِأَنَّهُ لَوْ رَكِبَهَا وَحَمَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا يَضْمَنُ قَدْرَ الزِّيَادَةِ إنْ عَطِبَتْ الدَّابَّةُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الرَّجُلَ يُوزَنُ وَيُوزَنُ الْحِمْلُ لِتُعْرَفَ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يُوزَنُونَ بِالْقَبَّانِ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يُرْجَعَ إلَى أَهْلِ الْبَصِيرَةِ فَيُسْأَلُ مِنْهُمْ إنَّ هَذَا الْحِمْلَ كَمْ يَزِيدُ عَلَى رُكُوبِهِ فِي الثِّقَلِ وَهَذَا
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2529
إذَا لَمْ يَرْكَبْ مَوْضِعَ الْحَمْلِ بَلْ يَكُونُ رُكُوبُهُ فِي مَوْضِعٍ وَالْحَمْلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَمَّا إذَا رَكِبَ عَلَى مَوْضِعِ الْحَمْلِ ضَمِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ ذَكَرَهُ خواهر زاده
(قَوْلُهُ وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحِمْلِ الْمُسَمَّى مَا زَادَ) أَيْ إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْهُ فَعَطِبَتْ يَضْمَنُ مَا زَادَ الثِّقَلُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَأْذُونُ مِائَةَ مَنٍّ وَزَادَ عَلَيْهِ عِشْرِينَ مَنًّا يَضْمَنُ سُدُسَ الدَّابَّةِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى قَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُسْتَأْجِرِ هُوَ الَّذِي حَمَّلَهَا أَمَّا إذَا حَمَّلَهَا صَاحِبُهَا بِيَدِهِ وَحْدَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِمَا فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ اسْتَكْرَى إبِلًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ بَعِيرٍ مِائَةَ رِطْلٍ فَحَمَلَ مِائَةً وَخَمْسِينَ رِطْلًا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ أَتَى الْجَمَّالُ بِإِبِلِهِ وَأَخْبَرَهُ الْمُسْتَكْرِي أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ حَمْلٍ إلَّا مِائَةَ رِطْلٍ فَحَمَلَ الْجَمَّالُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَدْ عَطِبَتْ بَعْضُ الْإِبِلِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَكْرِي لِأَنَّ صَاحِبَ الْجَمَلِ هُوَ الَّذِي حَمَّلَ فَيُقَالُ لَهُ كَانَ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَزِنَ أَوَّلًا. اهـ.
وَإِنْ حَمَّلَاهُ مَعًا وَجَبَ النِّصْفُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ حَمَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ جَوْلَقًا وَحْدَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيُجْعَلُ حَمْلُ الْمُسْتَأْجِرِ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِأَنْ تُطِيقَ الدَّابَّةُ مِثْلَهُ أَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تُطِيقُ ضَمِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ وَأَشَارَ بِالزِّيَادَةِ إلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَلَوْ حَمَّلَ جِنْسًا آخَرَ غَيْرَ الْمُسَمَّى وَجَبَ جَمِيعُ الْقِيمَةِ وَأَشَارَ بِهَا إلَى أَنَّهُ حَمَّلَ الزِّيَادَةَ مَعَ الْمُسَمَّى مَعًا فَلَوْ حَمَلَ الْمُسَمَّى وَحْدَهُ ثُمَّ حَمَّلَ الزِّيَادَةَ وَحْدَهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْأَجْرِ إذَا هَلَكَ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ عَلَيْهِ الْكِرَاءَ كَامِلًا. اهـ.
وَلَا يُقَالُ كَيْفَ اجْتَمَعَ الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَةِ الْحَمْلِ الْمُسَمَّى وَالضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ الزَّائِدِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ وَكَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَجْرِ إذَا سُلِّمَتْ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ الْمُسَمَّى فَقَطْ وَأَمَّا إنْ حَمَّلَهُ الْجَمَّالُ بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ فَلَا كَلَامَ وَأَمَّا إذَا حَمَّلَهُ الْمُسْتَأْجِرُ زَائِدًا عَلَى الْمُسَمَّى فَمَنَافِعُ الْغَصْبِ لَا تُضْمَنُ عِنْدَنَا وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ حُكْمُ الْمُكَارِي فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُسَمَّى إلَّا بِرِضَا صَاحِبِ الدَّابَّةِ وَلِهَذَا قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ يَرَى الْمُكَارِي جَمِيعَ مَا يَحْمِلُهُ
(قَوْلُهُ وَبِالضَّرْبِ وَالْكَبْحِ) أَيْ يَضْمَنُ بِهِمَا إذَا هَلَكَتْ وَفِي الْمُغْرِبِ كَبْحُ الدَّابَّةِ بِاللِّجَامِ إذَا رَدَّهَا وَهُوَ أَنْ يَجْذِبَهَا إلَى نَفْسِهِ لِتَقِفَ وَلَا تَجْرِي وَقَالَا لَا يَضْمَنُ إذَا فَعَلَ فِعْلًا مُتَعَارَفًا لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْعَقْدِ فَكَانَ حَاصِلًا بِإِذْنِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ إذْ يَتَحَقَّقُ السَّوْقُ بِدُونِهِ وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمُبَالَغَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ قَيَّدَ بِالضَّرْبِ وَالْكَبْحِ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالسَّوْقِ اتِّفَاقًا وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الضَّرْبَ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِلْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّ ضَرْبَهُ لِلدَّابَّةِ يَكُونُ تَعَدِّيًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ وَيَضْمَنُ بِهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ وَيُنْهَى لِفَهْمِهِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الضَّرْبِ وَلِلسَّيِّدِ ضَرْبُ عَبْدِهِ تَأْدِيبًا وَلِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ ضَرْبُ الصَّغِيرِ لِلتَّأْدِيبِ لَكِنْ مُقَيَّدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ حَتَّى يَضْمَنَانِ لَوْ هَلَكَ بِضَرْبِهِمَا لِأَنَّ التَّأْدِيبَ قَدْ يَقَعُ بِالزَّجْرِ وَالتَّعْرِيكِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ التَّتِمَّةِ.
الْأَصَحُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَالْمُعَلِّمُ وَالْأُسْتَاذُ لَيْسَ لَهُمَا ضَرْبُ الصَّغِيرِ إلَّا بِإِذْنِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ فَإِنْ مَاتَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا إذَا كَانَ بِإِذْنٍ وَإِلَّا ضَمِنَا وَأَمَّا ضَرْبُهُ دَابَّةَ نَفْسِهِ فَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَضْرِبُهَا أَصْلًا وَلَوْ كَانَتْ مِلْكَهُ وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ ثُمَّ قَالَ لَا يُخَاصَمُ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلتَّأْدِيبِ وَيُخَاصَمُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُ أُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ بِتَرْكِ الصَّلَوَاتِ إذَا بَلَغَتْ عَشْرًا ثُمَّ قَالَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْيَتِيمَ فِيمَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ بِهِ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ وَفِي الرَّوْضَةِ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَالْأَدَبِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِ عَبْدِهِ حَلَّ لِلْمَأْمُورِ ضَرْبُ عَبْدِهِ بِخِلَافِ الْحُرِّ قَالَ ﵁ فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ضَرْبِ وَلَدِ الْآمِرِ بِأَمْرِهِ بِخِلَافِ الْمُعَلِّمِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِضَرْبِهِ نِيَابَةٌ عَنْ الْأَبِ لِمَصْلَحَتِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَإِنْ حَمَلَاهُ مَعًا وَجَبَ النِّصْفُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ) نَقَلَ بُعْدَهُ فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُ رُبُعَ الْقِيمَةِ لِأَنَّ النِّصْفَ مَأْذُونٌ فِيهِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ بِغَيْرِ إذْنٍ وَبِحَمْلِهِ يَضْمَنُ نِصْفَ هَذَا النِّصْفِ وَنَقَلَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ عَنْ تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَنَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ الشَّلَبِيِّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ عَنْهُمَا أَيْضًا وَفِي حَاشِيَةِ سَرِيِّ الدِّينِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالْمَبْسُوطِ اهـ.
قُلْت وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الذَّخِيرَةِ فَلْيُرَاجَعْ الْمُحِيطِ فَلَعَلَّ مَا هُنَا مُحَرَّفٌ أَوْ الْمُرَادُ نِصْفُ الزَّائِدِ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَأَنْ يَحْمِلَ عَشَرَةً فَجُعِلَ عِشْرِينَ وَحَمَلَا مَعًا ضَمِنَ نِصْفَ الْقِيمَةِ لِأَنَّ النِّصْفَ مَأْذُونٌ وَالنِّصْفُ لَا فَيَنْتَصِفُ هَذَا النِّصْفُ وَمِثْلُهُ مَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ) أَيْ كَلَامَ الْمَتْنِ (قَوْلُهُ إذَا هَلَكَ) أَيْ إذَا هَلَكَ الْحَيَوَانُ الْمُسْتَأْجَرُ
стр. 2530
وَالْمُعَلِّمُ يَضْرِبُهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ بِتَمْلِيكِ أَبِيهِ لِمَصْلَحَةِ الْعِلْمِ وَأَمَّا ضَرْبُ الزَّوْجَةِ فَجَائِزٌ فِي مَوَاضِعَ أَرْبَعَةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا عَلَى تَرْكِ الزِّينَةِ لِزَوْجِهَا وَهُوَ يُرِيدُهَا وَتَرْكِ الْإِجَابَةِ إلَى الْفِرَاشِ وَتَرْكِ الْغُسْلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ.
وَفِي ضَرْبِ امْرَأَتِهِ وَوَلَدِهِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ رِوَايَتَانِ كَذَا قَالُوا وَمِمَّا فِي مَعْنَاهَا مَا إذَا ضَرَبَتْ جَارِيَةَ زَوْجِهَا غَيْرَةً وَلَا تَتَّعِظُ بِوَعْظِهِ فَلَهُ ضَرْبُهَا كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَيَلْحَقُ بِهِ مَا إذَا ضَرَبَتْ الْوَلَدَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ عِنْدَ بُكَائِهِ لِأَنَّ ضَرْبَ الدَّابَّةِ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا فَهَذَا أَوْلَى وَمِنْهُ مَا إذَا شَتَمَتْهُ أَوْ مَزَّقَتْ ثِيَابَهُ أَوْ أَخَذَتْ لِحْيَتَهُ أَوْ قَالَتْ لَهُ يَا حِمَارُ يَا أَبْلَهُ أَوْ لَعَنَتْهُ سَوَاءٌ شَتَمَهَا أَوْ لَا عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ وَمِنْهُ مَا إذَا شَتَمَتْ أَجْنَبِيًّا وَمِنْهُ مَا إذَا كَشَفَتْ وَجْهَهَا لِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ كَلَّمَتْ أَجْنَبِيًّا أَوْ تَكَلَّمَتْ عَامِدًا مَعَ الزَّوْجِ أَوْ شَاغَبَتْ مَعَهُ لِيَسْمَعَ صَوْتَهَا الْأَجْنَبِيُّ وَمِنْهُ مَا إذَا أَعْطَتْ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ بِلَا إذْنِهِ إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُسَامَحَةَ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ بِلَا مَشُورَةِ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا وَمِنْهُ مَا إذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا إذَا طَلَبَتْ نَفَقَتَهَا أَوْ كِسْوَتَهَا وَأَلَحَّتْ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدَ الْمُلَازَمَةِ وَلِسَانَ التَّقَاضِي كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ النَّوْعِ الثَّالِثِ فِي الضَّرْبِ مِنْ الِاخْتِيَارِ
(قَوْلُهُ وَنَزْعُ السَّرْجِ وَالْإِيكَافِ وَالْإِسْرَاجُ بِمَا لَا يُسَرَّجُ بِمِثْلِهِ) يَعْنِي لَوْ اكْتَرَى حِمَارًا بِسَرْجٍ فَنَزَعَ السَّرْجَ فَأَسْرَجَهُ سَرْجًا لَا يُسَرَّجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ أَوْ أَوْكَفَهُ مُطْلَقًا أَوْ نَزَعَ الْإِكَافَ وَأَسْرَجَهُ بِسَرْجٍ لَا يُسَرَّجُ بِمِثْلِهِ فَعَطِبَ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْإِكَافَ يُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ مَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ السَّرْجُ وَهُوَ الْحَمْلُ وَأَثَرُهُ يُخَالِفُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَنْبَسِطُ انْبِسَاطَ السَّرْجِ فَكَانَ فِي حَقِّ الدَّابَّةِ خِلَافًا إلَى جِنْسِ غَيْرِ الْمُسَمَّى فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا شَيْئًا مِنْ الْمُسَمَّى فَيَضْمَنُ الْكُلَّ كَمَا لَوْ أَبْدَلَ الْحَدِيدَ مَكَانَ الْحِنْطَةِ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ لَا يُسَرَّجُ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِإِكَافٍ فَأَوْكَفَهَا بِإِكَافٍ مِثْلِهِ أَوْ أَسْرَجَهَا مَكَانَ الْإِكَافِ لَا يَضْمَنُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْإِكَافِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهَا بِسَرْجٍ فَأَوْكَفَهَا بِإِكَافٍ يُوكِفُ مِثْلَهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَ كُلَّ الْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِيهَا أَيْضًا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا عُرْيَانَةً فَأَسْرَجَهَا وَرَكِبَهَا ضَمِنَ قَالَ مَشَايِخُنَا إنْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا يَضْمَنُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فِي الْمِصْرِ إنْ كَانَ الْمُسْتَكْرِي مِنْ الْأَشْرَافِ لَا يَضْمَنُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ عُرْيَانًا ضَمِنَ وَلَوْ تَكَارَى دَابَّةً وَلَمْ يَذْكُرْ السَّرْجَ وَالْإِكَافَ وَسَلَّمَهَا عُرْيَانَةً فَرَكِبَهَا بِهَذَا أَوْ بِهَذَا إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَرْكَبُ بِسَرْجٍ يَضْمَنُ إذَا رَكِبَهَا بِإِكَافٍ وَإِنْ كَانَ يَرْكَبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَضْمَنُ إذَا رَكِبَهَا بِهَذَا أَوْ بِهَذَا قَالَ تَأْوِيلُهُ إذَا رَكِبَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ الضَّمَانُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ الْمَشَايِخِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَصَحَّحَ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمَانَ مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ خِلَافُهُ صُورَةً وَمَعْنًى وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ ضَمَانَ قَدْرِ الزِّيَادَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا بِغَيْرِ لِجَامٍ فَأَلْجَمَهَا لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا أَلْجَمَ بِلِجَامٍ لَا يُلْجِمُ مِثْلُهَا. اهـ.
وَكَذَا إذَا أَبْدَلَهُ لِأَنَّ الْحِمَارَ لَا يَخْتَلِفُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَوْ نَزَعَ الْإِكَافَ فَأَسْرَجَهُ بِمَا لَا يُسَرَّجُ مِثْلُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ اكْتَرَى حِمَارًا بِإِكَافٍ فَأَسْرَجَهُ وَنَزَعَ الْإِكَافَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ضَرَرَ السَّرْجِ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ الْإِكَافِ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا أَسْرَجَهُ بِسَرْجٍ يُسَرَّجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُسَرَّجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا هُنَا فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا أَبْدَلَهُ لِأَنَّ الْحِمَارَ إلَخْ) أَيْ وَكَذَا لَا يَضْمَنُ وَعِبَارَةُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لِجَامٌ فَأَلْجَمَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُلَجَّمُ بِذَلِكَ اللِّجَامِ وَكَذَلِكَ إنْ أَبْدَلَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحِمَارَ لَا يَخْتَلِفُ بِاللِّجَامِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَتْلَفُ بِهِ فَلَمْ يَضْمَنْ بِإِلْجَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ قَالَ أُسْتَاذُنَا مُؤَلَّفُ هَذِهِ الْحَوَاشِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَعَادَ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ صَالِحِ دَعَوَاتِهِ وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِ تَحْتَ لِوَاءِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى قَدْ انْتَهَى هَذَا السِّفْرُ الْمُبَارَكُ وَالسِّفْرَانِ اللَّذَانِ قَبْلَهُ قِرَاءَةً وَمُقَابَلَةً وَتَصْحِيحًا وَكِتَابَةً عَلَى الْهَامِشِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ مَعَ قِرَاءَةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ لِلشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ الْحَصْفَكِيِّ وَحَاشِيَتِهِ لِلشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ الْمَدَارِيِّ وَكِتَابَةٍ عَلَى هَامِشِهِمَا وَضَبْطِهِمَا وَتَصْحِيحِهِمَا عَلَى جَنَابِ شَيْخِنَا فَقِيهِ عَصْرِهِ السَّيِّدِ مُحَمَّد سَعِيد الْحَلَبِيِّ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ وَأَنَالَهُ مَا أَمَّلَهُ وَتَمَنَّاهُ وَقُلْت شِعْرًا.
رَكِبْنَا جَوَادَ الْفِكْرِ فِي مَهْمَهِ الْبَرِّ ... وَخُضْنَا بِفُلْكِ الْعُمْرِ فِي لُجَجِ الْبَحْرِ
وَغُصْنَا بِصَافِي اللُّبِّ تَيَّارَ عُمْقِهِ ... إلَى أَنْ تَحَلَّيْنَا مِنْ الْكَنْزِ بِالدُّرِّ
وَعُدْنَا وَقَدْ أَوْفَى لَنَا الدَّهْرُ وَعْدَهُ ... وَزَاحَتْ سَحَابُ الْهَمِّ عَنْ أُفُقِ الصَّدْرِ
إلَى أَنْ بَدَا الْبَرُّ الْمُنِيرُ لَنَا وَقَدْ ... مَلَأْنَا نَوَاحِي الْبَرِّ بِالرِّفْدِ وَالْبِرِّ
فَشُكْرًا لِرَبٍّ قَدْ تَعَاظَمَ فَضْلُهُ ... عَلَيْنَا وَحَمْدًا فَائِقَ الْعَدِّ وَالْحَصْرِ
وَسَقْيًا لِزَيْنِ الدَّيْنِ رَائِدِ فُلْكِهِ ... خِتَامِ ذَوِي التَّحْقِيقِ مُنْشِئِ ذَا السِّفْرِ
فَلِلَّهِ مَا أَبْدَى وَلِلَّهِ دَرُّهُ ... وَلِلَّهِ مَا أَهْدَى جَزَى أَعْظَمَ الْأَجْرِ
فَقَدْ أُودِعَتْ أَفْكَارُهُ غُرُرًا بِهَا ... يُقِرُّ جَمِيعُ الْحَاسِدِينَ عَلَى الْقَسْرِ
وَرَعْيًا لِشَيْخِ الْعَصْرِ سَيِّدِنَا الَّذِي ... رَقَى ذِرْوَةَ التَّحْقِيقِ أَوْحَدَ ذَا الْعَصْرِ
وَفَاقَ عَلَى أَهْلِ الْفَضَائِلِ كُلِّهِمْ ... بِخَفْضِ جَنَاحِ النَّفْسِ مَعْ رِفْعَةِ الْقَدْرِ
وَحَلَّ بِفِكْرٍ ثَاقِبٍ كُلَّ مُشْكِلٍ ... وَحَلَّى بِعَذْبِ اللَّفْظِ مَا مَرَّ فِي الدَّهْرِ
стр. 2531
بِاللِّجَامِ وَغَيْرِهِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ
(قَوْلُهُ وَسُلُوكُ طَرِيقٍ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ وَتَفَاوَتَا) أَيْ يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا عَيَّنَ لِلْمُكَارِي طَرِيقًا أَوْ لِمُسْتَأْجِرِ الدَّابَّةِ طَرِيقًا وَسَلَكَ غَيْرَهُ وَكَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ بِأَنْ كَانَ الْمَسْلُوكُ أَبْعَدَ أَوْ أَوْعَرَ أَوْ أَخْوَفَ بِحَيْثُ لَا يُسْلَكُ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ لِكَوْنِهِ مُفِيدًا وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُسْلَكُ فَظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُمَا لَوْ تَسَاوَيَا لَا ضَمَانَ وَقَيَّدَ بِالتَّعْيِينِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ لَا ضَمَانَ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْحَمَّالُ إذَا نَزَلَ فِي مَفَازَةٍ وَتَهَيَّأَ لَهُ الِانْتِقَالُ فَلَمْ يَنْتَقِلْ حَتَّى فَسَدَ الْمَتَاعُ بِمَطَرٍ أَوْ سَرِقَةٍ فَهُوَ ضَامِنٌ إذَا كَانَتْ السَّرِقَةُ وَالْمَطَرُ غَالِبًا
(قَوْلُهُ وَحَمْلُهُ فِي الْبَحْرِ الْكُلَّ) أَيْ يَضْمَنُ بِحَمْلِهِ فِي الْبَحْرِ إذَا قَيَّدَ بِالْبَرِّ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ بِخَطَرِ الْبَحْرِ وَبِنُدْرَةِ السَّلَامَةِ فِيهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مِمَّا يَسْلُكُهُ النَّاسُ أَوْ لَا قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ قَيَّدَ بِالْبَرِّ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَيِّدْ بِهِ لَا ضَمَانَ
(قَوْلُهُ وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ) قَالَ الْأَتْقَانِيِّ السَّمَّاعُ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ وَإِنْ بَلَّغَ الْحَمَّالُ الْمَتَاعَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي اشْتَرَطَهُ وَيَجُوزُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى إسْنَادِ الْفِعْلِ إلَى الْمَتَاعِ أَيْ إذَا بَلَغَ الْمَتَاعُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْأَجْرُ لِارْتِفَاعِ الْخِلَافِ وَلَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْأَجْرِ وَالضَّمَانِ لِأَنَّهُمَا فِي حَالَتَيْنِ
(قَوْلُهُ وَبِزَرْعِ رُطَبَةٍ وَأَذِنَ بِالْبُرِّ مَا نَقَصَ وَلَا أَجْرَ) أَيْ ضَمِنَ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَرْضِ إذَا زَرْع رُطَبَةً وَقَدْ أَذِنَ لَهُ بِزَرْعِ الْحِنْطَةِ لِأَنَّ الرِّطَابَ أَكْثَرُ ضَرَرًا بِالْأَرْضِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى وَلَا غَيْرُهُ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مَا زَرَعَهُ أَشَدُّ ضَرَرًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَنْقَصُ ضَرَرًا لَا ضَمَانَ وَيَجِبُ الْأَجْرُ
(قَوْلُهُ وَبِخِيَاطَةِ قَبَاءٍ وَأَمَرَ بِقَمِيصٍ قِيمَةُ ثَوْبِهِ وَلَهُ أَخْذُ الْقَبَاءِ وَدَفْعُ أَجْرِ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُشْبِهُ الْقَمِيصَ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الْأَتْرَاكِ يَسْتَعْمِلُونَهُ اسْتِعْمَالَ الْقَمِيصِ كَانَ مُوَافِقًا مِنْ وَجْهٍ مُخَالِفًا مِنْ وَجْهٍ فَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى جَانِبِ الْوِفَاقِ وَأَخَذَ الثَّوْبَ وَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى جَانِبِ الْخِلَافِ وَضَمَّنَهُ الْقِيمَةَ وَإِنَّمَا وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى لِأَنَّ صَاحِبَهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْمُسَمَّى عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَحْصُلْ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْقَمِيصِ وَمَا إذَا شَقَّهُ وَجَعَلَهُ قَبَاءً خِلَافًا لِلْإِسْبِيجَابِيِّ فِي الثَّانِي حَيْثُ أَوْجَبَ فِيهِ الضَّمَانَ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ وَسَيَأْتِي أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمَأْمُورِ بِهِ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الثَّوْبِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْقَبَاءِ اتِّفَاقِيٌّ إذْ لَوْ خَاطَهُ سَرَاوِيلَ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْقَبَاءِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالصَّبَّاغُ إذَا خَالَفَ فَصَبَغَ الْأَصْفَرَ مَكَانَ الْأَحْمَرِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ وَلَوْ صَبَغَ رَدِيئًا إنْ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا لَا يَضْمَنُ وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا بِحَيْثُ يَقُولُ أَهْلُ تِلْكَ الصَّنْعَةِ أَنَّهُ فَاحِشٌ يَضْمَنُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ وَفِيهَا أَيْضًا رَجُلٌ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا وَقَالَ لَهُ اقْطَعْهُ حَتَّى يُصِيبَ الْقَدَمَ وَكُمُّهُ خَمْسَةُ أَشْبَارٍ وَعَرْضُهُ كَذَا فَجَاءَ بِهِ نَاقِصًا إنْ كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ يَضْمَنُهُ وَفِيهَا أَيْضًا وَلَوْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ اُنْظُرْ إلَى هَذَا الثَّوْبِ إنْ كَفَانِي قَمِيصًا قَطِّعْهُ بِدِرْهَمٍ وَخَيِّطْهُ ثُمَّ قَالَ أَنَّهُ لَا يَكْفِيك يَضْمَنُ الثَّوْبَ وَلَوْ قَالَ اُنْظُرْ أَيَكْفِينِي قَمِيصًا فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ اقْطَعْهُ ثُمَّ قَالَ لَا يَكْفِيك لَا يَضْمَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ]
(قَوْلُهُ بَابُ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةِ)
وَهِيَ كُلُّ عَقْدٍ كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ وَبَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ هُنَا فَرْقٌ أَيْضًا فَإِنَّ الْبَاطِلَ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ أَصْلًا وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَجْرٌ بِخِلَافِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ بِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَقَائِقِ شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ فِي مَسْأَلَةِ إجَارَةِ الْمُشَاعِ وَهَكَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَكِنْ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ فَرْقٌ فَإِنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الْبَيْعِ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ وَالْفَاسِدَ مِنْ الْإِجَارَةِ لَا يُمَلِّكُ الْمَنَافِعَ بِالْقَبْضِ حَتَّى لَوْ قَبَضَهَا الْمُسْتَأْجِرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا وَلَوْ أَجَرَهَا وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ وَلَا يَكُونُ غَاصِبًا وَلِلْآجِرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَنْقُضَ هَذِهِ الْإِجَارَةَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ يُفْسِدُ الْإِجَارَةُ الشَّرْطُ) أَيْ الشُّرُوطُ الْمَعْهُودَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَا كُلُّ شَرْطٍ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ
ــ
[منحة الخالق]
وَحَلَّى بِدُرِّ الْفَضْلِ عَاطِلَ نَحْرِنَا ... فَفُقْنَا عَلَى الْحَسْنَاءِ فِي حِلْيَةِ النَّحْرِ
فَلَا زَالَ فِينَا مُشْرِقَ الْوَجْهِ ذَا سَنًا ... يَلُوحُ عَلَى الْأَكْوَانِ أَشْرَقَ مِنْ بَدْرِ
مَدَى الدَّهْرِ مَا غَنَّى الْهَزَارُ مُرَنِّمًا ... مَا جَدَّدَتْ أَفْرَاحُنَا خَتْمَةَ الْبَحْرِ
وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ رَبِيعٍ الثَّانِي سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَنَا الْفَقِيرُ إلَيْهِ تَعَالَى أَقَلُّ عَبِيدِهِ وَأَحْوَجُهُمْ إلَى تَأْيِيدِهِ وَتَسْدِيدِهِ مُحَمَّد أَمِين بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّهِيرُ بِابْنِ عَابِدِينَ عَفَى اللَّهُ عَنْهُ آمِينَ
стр. 2532
مُحْصَنَةٍ تُقَالُ وَتُفْسَخُ فَكَانَتْ كَالْبَيْعِ فَكُلُّ مَا أَفْسَدَ الْبَيْعَ أَفْسَدَهَا وَقَدْ ضَبَطَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ إذَا كَانَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مَجْهُولًا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي أُجْرَةٍ أَوْ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ فِي الْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَكُلُّ جَهَالَةٍ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ فَتُفْسِدُهُ مِنْ جِهَةِ الْجَهَالَةِ فَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْإِجَارَةِ اهـ.
وَالشُّرُوطُ الَّتِي تُفْسِدُهَا تَفْصِيلًا كَاشْتِرَاطِ تَطْيِينِ الدَّارِ وَمَرَمَّتِهَا أَوْ تَعْلِيقِ بَابٍ عَلَيْهَا أَوْ إدْخَالِ جِذْعٍ فِي سَقْفِهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَكَذَا اشْتِرَاطُ كَرْيِ نَهْرِ الْأَرْضِ أَوْ ضَرْبِ مُسْنَاةٍ عَلَيْهَا أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ فِيهَا أَوْ أَنْ يَسْرِقَنَّهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ رَدِّ الْأَرْضِ مَكْرُوبَةً وَكَذَا لَوْ شَرَطَ إنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ الرَّحَى فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ تَكَارَى دَابَّةً إلَى بَغْدَادَ أَوْ عَلَى أَنَّهُ إنْ رُزِقَ شَيْئًا أَعْطَاهُ وَإِنْ بَلَغَتْ بَغْدَادَ فَلَهُ كَذَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ فَهِيَ فَاسِدَةٌ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ مَا سَارَ عَلَيْهَا وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا شَهْرًا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَرِضَ فِيهِ عَمِلَ فِي الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ بِقَدْرِ الْأَيَّامِ الَّتِي مَرِضَ فِيهَا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَخَرَجَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَاشْتِرَاطِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْأَجْرَ إذَا رَجَعَ مِنْ السَّفَرِ وَاشْتِرَاطُ أَنْ يَفْرُغَ لَهُ الْيَوْمَ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَصْلِ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا عَلَى أَنْ يَعْمُرَهَا وَيُعْطِيَ نَوَائِبَهَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ اهـ.
فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَا يَقَعُ فِي زَمَانِنَا مِنْ إجَارَةِ أَرْضِ الْوَقْفِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى أَنَّ الْمَغَارِمَ وَكُلْفَةَ الْكَاشِفِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْجَرْفَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَاسِدٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى) لِأَنَّ الْفَاسِدَ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ فَوُجِدَ فِي قَدْرِ الْمُسَمَّى شُبْهَةُ الْعَقْدِ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ عَقْدٌ وَلَا شُبْهَةٌ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَأَشَارَ بِعَدَمِ مُجَاوَزَتِهِ لِلْمُسَمَّى إلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَعْلُومًا غَيْرَ مَحْرَمٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَسَادُ لِجَهَالَةِ الْمُسَمَّى كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ لِعَدَمِهِ لَيْسَ فِيهِ مُسَمًّى حَتَّى يَصِحَّ أَنْ تَنْتَفِيَ الْمُجَاوَزَةُ عَنْهُ فَلِهَذَا وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَجْرُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَاسْتَثْنَى الشَّارِحُ أَيْضًا مَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا عَلَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ إنْ سَكَنَهَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّاةً فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُسَمَّاةً يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَاوِزَ بِهِ الْمُسَمَّى كَغَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأُجْرَةِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَسْكُنَهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَحْدَهُ يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ وَهَذَا آخِرُ مَا نَظَمَهُ بَنَانُ التَّحْقِيقِ فِي سَمْطِ الدَّرَارِي وَتُحَلَّى بِهِ عُقُودُ الْبَيَانِ فَفَاقَ اللَّآلِئِ فِي جَيِّدِ الْجَوَارِي وَنِهَايَةِ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَأْلِيفَهُ لِلْعَلَّامَةِ الْفَاضِلِ وَالْأُسْتَاذِ الْكَامِلِ الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ الشَّهِيرِ بِابْنِ نَجِيمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَهُ وَلِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ آمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ــ
[منحة الخالق]
وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى.
стр. 2533
[تَكْمِلَة الْبَحْر الرَّائِق للطوري] [ كِتَابُ الْإِجَارَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْإِجَارَةِ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ تَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ الْهِبَةُ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَنَافِعِ؛ وَلِأَنَّ الْأَوْلَى فِيهَا عَدَمُ الْعِوَضِ، وَالثَّانِيَةُ فِيهَا الْعِوَضُ وَالْعَدَمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُجُودِ، ثُمَّ لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ مُنَاسَبَةٌ خَاصَّةٌ بِفِعْلِ الصَّدَقَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا يَقَعَانِ لَازِمَيْنِ فَلِذَلِكَ أَوْرَدَ كِتَابَ الْإِجَارَةِ مُتَّصِلًا بِفِعْلِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَإِنَّمَا جَمَعَهَا إشَارَةً إلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ وَذَاتُ أَفْرَادِ فَإِنَّ لَهَا نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَرِدُ عَلَى الْأَعْيَانِ كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ وَالْأَرَاضِي، وَنَوْعٌ يَرِدُ عَلَى الْعَمَلِ كَاسْتِئْجَارِ الْمُحْتَرِفِينَ لِلْأَعْمَالِ نَحْوُ الْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ اهـ.
وَسَيُبَيِّنُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّسْمِيَةِ وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ وَالْإِشَارَةِ، وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ كِتَابُ الْإِيجَارِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْرَفُ هُوَ الْإِيجَارُ الَّذِي هُوَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ لَا الْإِجَارَةُ الَّتِي هِيَ الْأُجْرَةُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(هِيَ بَيْعُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ) فَقَوْلُهُ بَيْعُ جِنْسٍ يَشْمَلُ بَيْعَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ جِنْسًا كَمَا يَكُونُ مَدْخَلًا يَكُونُ مَخْرَجًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَعْقُولَاتِ فَخَرَجَ بِهِ الْعَارِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ وَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْبُضْعِ لَيْسَ بِمَنْفَعَةٍ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَنْفَعَةُ بَيْعِ الْعَيْنِ وَقَوْلُهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ تَمَامُ التَّعْرِيفِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَيْعَ مَصْدَرُ بَاعَ وَالْمَصْدَرُ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ وَجَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمَبِيعُ. وَسَوَاءٌ أُرِيدَ الْمَصْدَرُ أَوْ اسْمُ الْمَفْعُولِ لَا يَصْلُحُ مَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا لِلْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ وَالِارْتِبَاطَ غَيْرُ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ فَهَذَا تَعْرِيفٌ بِبَعْضِ الْخَوَاصِّ، وَلَوْ أَرَادَ التَّعْرِيفَ بِالْحَقِيقَةِ لَقَالَ هُوَ عَقْدٌ يَرِدُ عَلَى بَيْعٍ إلَى آخِرِهِ، وَاحْتُرِزَ بِذِكْرِ الْمَعْلُومِ عَمَّا إذَا اشْتَمَلَ الْعَقْدُ عَلَى بَيْعٍ مَعْلُومٍ وَأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَشَيْءٍ مَجْهُولٍ بِأَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مِائَةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّقَبَةَ، وَلَوْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ
стр. 2534
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَأَجَّرَهُمْ الْقَيِّمُ الْوَقْفَ جَازَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الرَّقَبَةِ وَإِنَّمَا حَقُّهُمْ فِي الْغَلَّةِ فَصَارُوا فِي حَقِّ الرَّقَبَةِ كَالْأَجَانِبِ إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ حِصَّةُ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُخِذَ مِنْهُ يُسْتَرَدُّ لَهُ وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ أَجَّرَ الْقَيِّمُ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ فِي الْوَقْفِ فَعَمِلَ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَبِهِ يُفْتَى، وَلَوْ عَمِلَ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْكَلَامُ فِي الْإِجَارَةِ فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهَا لُغَةً قِيلَ هِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ قَالَ الْعَيْنِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَ قَاضِي زَادَهْ، قَوْلُهُمْ الْإِجَارَةُ فِي اللُّغَةِ بَيْعُ الْمَنَافِعِ قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ وَهِيَ مَا أُعْطِيت مِنْ كِرَاءِ الْأَجِيرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَالَ قَاضِي زَادَهْ وَالنَّظَرُ الْمَذْكُورُ وَارِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ إنَّمَا هُوَ الْإِجَارَةُ الَّتِي هِيَ اسْمُ الْأُجْرَةِ وَاَلَّذِي هُوَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ الْإِيجَارُ لَا الْأُجْرَةُ، قَالَ الْعَيْنِيُّ وَتَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ مَصْدَرًا قَالَ قَاضِي زَادَهْ وَلَمْ يُسْمَعْ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْإِجَارَةَ مَصْدَرٌ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ يُقَالُ: أَجَّرَهُ إذَا أَعْطَاهُ أُجْرَتَهُ وَالْأُجْرَةُ مَا يُسْتَحَقُّ عَلَى عَمَلِ الْخَيْرِ وَلِهَذَا يُدَّعَى بِهِ يُقَالُ آجَرَك اللَّهُ وَعَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِيِّ أَجَّرَهُ مَمْلُوكِيٌّ وَآجَرَهُ إيجَارًا فَهُوَ مُؤَجِّرٌ وَفِي الْأَسَاسِ أَجَّرَنِي دَارِهِ فَاسْتَأْجَرْتهَا وَهُوَ مُؤَجِّرٌ وَلَا يَقُلْ مُؤَاجِرٌ فَإِنَّهُ خَطَأٌ وَقَبِيحٌ قَالَ وَلَيْسَ آجَرَ هَذَا فَاعِلٌ، بَلْ هُوَ أَفْعَلُ. اهـ. .
وَأَمَّا دَلِيلُهَا مِنْ الْكِتَابِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] . وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهَا اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﵊: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أُجْرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» ، وَمِنْ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِهَا، وَسَبَبُ الْمَشْرُوعِيَّةِ الْحَاجَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْعَيْنَ فَجُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا رُكْنُهَا فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالِارْتِبَاطُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا شَرْطُ جَوَازِهَا فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَجْرٌ مَعْلُومٌ، وَعَيْنٌ مَعْلُومٌ، وَبَدَلٌ مَعْلُومٌ، وَمَحَاسِنُهَا دَفْعُ الْحَاجَةِ بِقَلِيلِ الْمَنْفَعَةِ، وَأَمَّا حُكْمُهَا فَوُقُوعُ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَأَمَّا أَلْفَاظُهَا فَتَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ أَوْ يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَالْآخَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ أَجَّرْتُك وَأَعَرْتُك مَنْفَعَةَ دَارِي سَنَةً بِكَذَا وَتَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي كَمَا فِي الْبَيْعِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَتَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِغَيْرِ لَفْظٍ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً، فَلَمَّا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَالَ رَبُّهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَرِّغْهَا لِي الْيَوْمَ وَإِلَّا فَعَلَيْك كُلَّ شَهْرٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَتُجْعَلُ فِي قَدْرِ مَا يَنْقُلُ مَتَاعَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنْ سَكَنَ شَهْرًا فَهِيَ بِمَا قَالَ الْمَالِكُ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ.
وَصِفَتُهَا أَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ وَفِي الْعِنَايَةِ وَيَثْبُتُ فِي الْإِجَارَةِ خِيَارُ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ كَمَا فِي الْبَيْعِ اهـ.
وَأَفَادَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَنْعَقِدُ بِإِقَامَةِ الْعَيْنِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْمَنَافِعِ فَلَا تَجُوزُ بِأَنْ قَالَ أَجَّرْتُك مَنَافِعَ دَارِي بِكَذَا شَهْرٍ وَإِنَّمَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً مِنْ الْعَيْنِ فَلَوْ اسْتَأْجَرَ ثِيَابًا لِيَبْسُطَهَا وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَلَا يَنَامُ أَوْ دَابَّةً لِيَرْبِطَهَا فِي دَارِهِ وَيَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهَا لَهُ أَوْ لِيَجْعَلَهَا جَنِيبَةً بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ آنِيَةً يَضَعُهَا فِي بَيْتِهِ يَتَجَمَّلُ بِهَا وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا فَالْإِجَارَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَاسِدَةٌ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ. كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ فِي الْجِنْسِ الثَّالِثِ مِنْ الدَّوَابِّ كَمَا فِي الْبَيْعِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَمَا صَحَّ ثَمَنًا صَحَّ أُجْرَةً) لِأَنَّ الْأُجْرَةَ ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَيْنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَيْنٍ بَدَلًا عَنْ الْمَبِيعِ وَلَا يَنْعَكِسُ حَتَّى صَحَّ أُجْرَةً مَا لَا يَصِحُّ ثَمَنًا كَالْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ ثَمَنًا وَتَصِحُّ أُجْرَةً إذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ كَمَا سَيَأْتِي وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَجَّرَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ عَلَى أَنْ يَخِيطَ مَعَهُ شَهْرًا عَلَى أَنْ يَخْدُمَ الْآخَرَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّصِيبَيْنِ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ مُتَّفِقَانِ فِي الصَّفْقَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْعَبْدَيْنِ جَازَ اهـ.
وَإِنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَأَنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ وَإِنْ كَانَتْ النُّقُودُ مُخْتَلِفَةً انْصَرَفَتْ إلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَمَكَانِ الْإِيفَاءِ هَذَا إذَا كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِلَّا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا أَوْ عُرُوضًا فَالشَّرْطُ بَيَانُ الْقَدْرِ وَالْأَجَلِ وَالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إلَّا بِهَذَا، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشَارًا إلَيْهِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالْأَعْيَانِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ مَثَلًا فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً تَصْلُحُ أُجْرَةً وَلَا تَصْلُحُ ثَمَنًا كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا لِمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، إذْ الْأَمْوَالُ ثَلَاثَةٌ ثَمَنٌ مَحْضٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَمَبِيعٌ مَحْضٌ كَالْأَعْيَانِ
стр. 2535
الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْعَيْنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَإِذَا لَمْ تَصْلُحْ ثَمَنًا كَانَ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ وَهُوَ بَاطِلٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّمَنِ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ فَلْسًا فَغَلَا أَوْ رَخُصَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْأُجْرَةُ الْفَلْسُ لَا غَيْرُ، وَإِنْ كَسَدَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ كَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَكَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَانْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ. اهـ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ حَيَوَانًا لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا.
قَالَ ﵀ (وَالْمَنْفَعَةُ تُعْلَمُ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ كَالسُّكْنَى وَالزِّرَاعَةِ فَتَصِحُّ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ) أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَجُوزُ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ بِأَنْ كَانَتْ مُضَافَةً أَوْ تَقَدَّمَتْ بِأَنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِوَقْتِ الْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بِضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَ إلَى مُدَّةٍ لَا يَعِيشُ إلَيْهَا عَادَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ فَصَارَ كَالثَّابِتِ بَعْدُ فَلَا تَجُوزُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْقَاضِي أَبُو عِصْمَةَ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْمُدَّةِ الَّتِي لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهَا وَمِنْهُمْ الْخَصَّافُ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ أَجَّرْتُك دَابَّتِي غَدًا بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ أَجَّرَهَا الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ مِنْ غَيْرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَجَاءَ الْغَدُ وَأَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ الثَّانِيَةَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فِي رِوَايَةٍ يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ الثَّانِيَةَ وَبِهِ أَخَذَ نُصَيْرٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَيَسْتَوْفِي الْأَوَّلُ مُدَّتَهُ وَالثَّانِي مَا بَقِيَ لَهُ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَجَّرَ دَارِهِ إجَارَةً مُضَافَةً بِأَنْ قَالَ أَجَّرْتُك دَارِي مُدَّةَ شَوَّالٍ وَهُمَا فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ آخَرَ فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَارَةِ الْمُسْتَأْجِرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَجَّرْتُك دَارِي غَدًا فَلِلْمُؤَجِّرِ بَيْعُهَا الْيَوْمَ وَتُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ.
قَالَ ﵀ (وَلَمْ تَزِدْ فِي الْأَوْقَافِ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ) يَعْنِي لَا يُزَادُ عَلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ
خَوْفًا مِنْ دَعْوَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنَّهَا مِلْكُهُ
إذَا تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْحِيلَةَ فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ أَنْ يَعْقِدَ عُقُودًا كُلَّ عَقْدٍ عَلَى سَنَةٍ وَيَكْتُبَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ اسْتَأْجَرَ وَقْفَ كَذَا كَذَا سَنَةً فِي كَذَا كَذَا عَقْدًا وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْحِيلَةَ فِيهِ أَنْ يُرْفَعَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يُجِيزَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى مُدَّةٍ فَلَوْ نَصَّ الْوَاقِفُ عَلَى مُدَّةٍ فَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ أَوْ طَالَتْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ يُرَاعَى، كَذَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ يَجِبُ مُرَاعَاةُ شَرْطِهِ وَلَا يُفْتَى بِجَوَازِ هَذِهِ الْإِجَارَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، زَادَ فِي الذَّخِيرَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ إجَارَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ فَحِينَئِذٍ تُؤَجَّرُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ شَيْئًا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ أُجَوِّزُهَا فِي الثَّلَاثَةِ وَلَا أُجَوِّزُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ كَانَ يَقُولُ يُفْتَى فِي الضِّيَاعِ بِالْجَوَازِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ وَفِي غَيْرِ الضِّيَاعِ يُفْتَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِيمَا زَادَ عَلَى سَنَةٍ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْجَوَازِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَوَاضِعِ.
وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَقِيلَ تَصِحُّ وَتُفْسَخُ ذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ وَإِجَارَةُ الْوَقْفِ وَمَالِ الْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَجْرِ الْمِثْلِ فَلَوْ أَجَّرَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ تَمَامُ الْأُجْرَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي قَاضِي خان، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْوَقْفَ فَرَخُصَتْ الْأُجْرَةُ لَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ وَإِنْ زَادَتْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ ذَكَرَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يُفْسَخُ الْعَقْدُ وَيُحَدَّدُ عَلَى مَا زَادَ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ فَسْخُهَا بِأَنْ كَانَتْ مَزْرُوعَةً لَمْ تُحْصَدْ، فَمِنْ وَقْتِ الزِّيَادَةِ تَجِبُ إلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ هَذَا إذَا زَادَتْ عِنْدَ الْكُلِّ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَمَّا فِي الْأَمْلَاكِ لَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِرُخْصِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَلَا بِزِيَادَتِهِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي بَابِ مَنْ يَجِبُ الْأَجْرُ الْجَارِي سُئِلَ عَمَّنْ آجَرَ مَنْزِلًا لِرَجُلٍ وَالْمَنْزِلُ وَقْفٌ عَلَى الْآخَرِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ فَأَنْفَقَ الْمُسْتَأْجِرُ فِي عِمَارَةِ الْمَنْزِلِ بِأَمْرِ الْمُؤَجِّرِ قَالَ إنْ كَانَ لِلْمُؤَجِّرِ وِلَايَةٌ عَلَى الْوَقْفِ كَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْوَقْفِ كَانَ مُتَطَوِّعًا وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. اهـ.
وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَةُ الْفَتْوَى فِي وَاقِفٍ شَرَطَ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ أَنْ لَا يُؤَاجِرَ وَقْفَهُ مِنْ مَتْجَرٍ وَلَا مِنْ ظَالِمٍ وَلَا مِنْ حَاكِمٍ فَأَجَّرَ النَّاظِرُ الْوَقْفَ مِنْهُمْ وَعَجَّلُوا الْأُجْرَةَ قَدْرَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ هَلْ يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا مَنَعَ خَوْفًا عَلَى الْأُجْرَةِ مِنْ الضَّيَاعِ وَعَدَمِ حُصُولِ النَّفْعِ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لَا يَجُوزُ؟ فَأُجِيبَ بِالْجَوَازِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْوَجِيزِ إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مُدَّةً وَإِنْ كَانَ نَفْعُ الْفُقَرَاءِ فِي غَيْرِهِ يُخَالِفُ
стр. 2536
شَرْطَ الْوَاقِفِ وَيُؤَجَّرُ بِخِلَافِهِ.
قَالَ ﵀ (أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى صَبْغِ الثَّوْبِ وَخِيَاطَتِهِ) يَعْنِي الْمَنْفَعَةَ تُعْلَمُ بِالتَّسْمِيَةِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ، وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُ الدَّابَّةِ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا بَيَّنَ الْمَصْبُوغَ وَالصَّبْغَ، وَقَدْرَ مَا يَصْبُغُ بِهِ وَجِنْسَهُ وَجِنْسَ الْخِيَاطَةِ وَالْمَخِيطِ وَمَنْ يَرْكَبُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْقَدْرَ الْمَحْمُولَ عَلَيْهَا وَالْمَسَافَةَ صَارَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً بِلَا شُبْهَةٍ فَصَحَّ الْعَقْدُ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْعَمَلِ كَالْقِصَارَةِ وَنَحْوِهِ وَبِهِ يُعْلَمُ فَسَادُ إجَارَةِ دَوَابِّ الْعَلَّافِينَ فِي دِيَارِنَا لِعَدَمِ بَيَانِ الْوَقْتِ وَالْمَوْضِعِ.
قَالَ ﵀ (أَوْ بِالْإِشَارَةِ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى نَقْلِ هَذَا الطَّعَامِ إلَى كَذَا) يَعْنِي تَكُونُ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً بِالْإِشَارَةِ كَمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ الْمَنْقُولُ وَالْمَكَانُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ صَارَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً، وَهَذَا النَّوْعُ قَرِيبٌ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ.
قَالَ ﵀ (وَالْأُجْرَةُ لَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، بَلْ بِالتَّعْجِيلِ أَوْ بِشَرْطِهِ أَوْ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ) يَعْنِي الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا وَإِنَّمَا تُمْلَكُ بِالتَّعْجِيلِ أَوْ بِشَرْطِهِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ أَوْ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فِي الْمُدَّةِ اهـ. كَلَامُ الشَّارِحِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَاتِنِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الْأُجْرَةَ تُمْلَكُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ فِي الْمُدَّةِ، سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَهَا فِي الْمُدَّةِ أَوْ لَا وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ حَيْثُ قَالَ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى مَكَانِ كَذَا مَثَلًا فَحَبَسَهَا فِي بَيْتِهِ لَمْ تَجِبْ الْأُجْرَةُ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَسَوَاءٌ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَهُ، وَيُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةً وَمَسَافَةً فَرَكِبَهَا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ تَجِبْ الْأُجْرَةُ. اهـ. وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ هَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا خَارِجَ الْمِصْرِ، وَلَوْ كَانَ لِيَرْكَبَهَا فِي الْمِصْرِ وَحَبَسَهَا فِي بَيْتِهِ تَجِبُ الْأُجْرَةُ، قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَالتَّمَكُّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ الْمُضَافِ إلَيْهَا لَا يَكْفِي لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ، وَكَذَا التَّمَكُّنُ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ لَا يَكْفِي لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ، فَلَوْ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَاسْتَوْفَى لَكَانَ أَوْلَى، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَيَجِبُ تَسْلِيمُهَا عِنْدَ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ بِتَقَابُلِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمِلْكِ وَالتَّسْلِيمِ وَأَحَدِ الْبَدَلَيْنِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمَعْدُومِ، وَلَوْ مَلَكَ الْأُجْرَةَ لِمِلْكِهَا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَضِيَّةِ الْمُعَاوَضَةِ فَتَأَخُّرُ الْمِلْكِ فِيهِ ضَرُورَةُ جَوَازِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ عِوَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ وَالْمَنْفَعَةُ إنَّمَا جُعِلَتْ مَوْجُودَةً فِي حَقِّ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَمَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، لَا يُقَالُ لَوْ لَمْ يَجْعَلْ الْمَعْدُومَ مَوْجُودًا فِي حَقِّ الْعَقْدِ وَالْأُجْرَةِ لَمَا جَازَ الْإِيجَارُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا جَازَ الْإِيجَارُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَصِرْ دَيْنًا فِي الْمُدَّةِ وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الِارْتِبَاطِ، وَعِنْدَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَهُوَ زَمَانُ حُدُوثِهَا تَصِيرُ هِيَ مَقْبُوضَةً فَلَا يَكُونُ دَيْنًا بِدَيْنٍ أَصْلًا، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْمَنْفَعَةِ لَمَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ أَصْلًا كَمَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ بِهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَعْدُومُ كَالْمُسْتَوْفَى لَجَازَ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ أَيْضًا، وَإِذَا عَجَّلَهَا أَوْ اشْتَرَطَ تَعْجِيلَهَا فَقَدْ الْتَزَمَهُ بِنَفْسِهِ وَأَبْطَلَ الْمُسَاوَاةَ الَّتِي اقْتَضَاهَا الْعَقْدُ.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ شَرْطَ التَّعْجِيلِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَهُ مَطَالِبُ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ كَوْنَهُ مُخَالِفًا إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ إجَارَةً أَوْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُعَاوَضَةً، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَيْسَ شَرْطَ التَّعْجِيلِ بِاعْتِبَارِهِ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ فَإِنَّ تَعْجِيلَ الْبَدَلِ وَاشْتِرَاطَهُ لَا يُخَالِفُ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةُ، وَفِي الْمُحِيطِ وَحِينَئِذٍ فَلِلْمُؤَجِّرِ حَبْسُ الْمَنَافِعِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ وَيُطَالِبَهُ بِهَا وَيَحْبِسَهُ وَحَقُّهُ الْفَسْخُ أَنَّ الْحَاكِمَ يُعَجِّلُ اهـ.
وَلَوْ أَجَّرَ إجَارَةً مُضَافَةً وَاشْتَرَطَ تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ حَيْثُ يَكُونُ الشَّرْطُ بَاطِلًا وَلَا يَلْزَمُ لِلْحَالِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، بَلْ بِالتَّصْرِيحِ بِالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْمُضَافُ إلَى وَقْتٍ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْمَعْنَى بِالشَّرْطِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا لَا يَجِبُ لِاقْتِضَاءِ الْعَقْدِ الْمُسَاوَاةَ، وَقَدْ بَطَلَ بِالتَّصْرِيحِ لَا يُقَالُ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا لَمَا صَحَّ، وَكَذَا يَصِحُّ الِارْتِهَانُ وَالْكَفَالَةُ بِهَا، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِسُكْنَى دَارِهِ سَنَةً وَسَلَّمَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا، وَلَوْ لَمْ تَمْلِكْ الْمَنْفَعَةَ لَمَنَعَتْ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الثَّانِي لِعَدَمِ وُجُوبِهِ كَالْمُضَافِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي
стр. 2537
الذِّمَّةِ فَجَازَ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ وَالْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُهُ فَجَازَ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْجُرْحِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ لِلْوَثِيقَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حَقِيقَةُ الْوُجُوبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا جَائِزَانِ فِي الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ وَبِالدَّيْنِ الْمَوْعُودِ وَجَازَتْ الْكَفَالَةُ بِالدَّرْكِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا بَعْدَ تَسْلِيمِ الدَّارِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى مَا سَمَّى لَهَا بِرِضَاهَا وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ وَهَبَ الْمُؤَجِّرُ أُجْرَةَ رَمَضَانَ هَلْ يَجُوزُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ اسْتَأْجَرَهُ سَنَةً لَا يَجُوزُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ مُشَاهَرَةً يَجُوزُ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَلَوْ مَضَى مِنْ السَّنَةِ نِصْفُهَا، ثُمَّ أَبْرَأَهُ عَنْ الْجَمِيعِ أَوْ وَهَبَهَا مِنْهُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ الْكُلِّ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بَرِئَ عَنْ النِّصْفِ وَلَا يَبْرَأُ عَنْ النِّصْفِ اهـ.
وَعَبَّرَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ لَا تَمْلِكُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الْأُجْرَةُ لَا تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ مَعْنَاهُ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهَا وَأَدَاؤُهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ نَفْيَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمِلْكِ كَالْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ لَا تُمْلَكُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ وَمَا لَا يُمْلَكُ لَا يَجِبُ إيفَاؤُهُ، فَإِنْ قُلْت فَإِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ نَفْيُ الْوُجُوبِ نَفْيَ الْمِلْكِ كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ، وَذِكْرُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ لَيْسَ بِمَجَازٍ شَائِعٍ لِعَدَمِ دَلَالَةِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ أَصْلًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ أَيْ وُجُوبُ الْأَدَاءِ أَمَّا نَفْسُ الْوُجُوبِ فَيَثْبُتُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَفَالَةِ الْمُرَادُ نَفْسُ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبُ الْأَدَاءِ وَبَيَانُ ذَلِكَ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا أَمَّا إجْمَالًا؛ فَلِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَوْ كَانَتْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُؤَجِّرُ قَبْلَ وُجُودِ أَحَدِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لَا يَعْتِقُ فَلَوْ كَانَ نَفْسُ الْوُجُوبِ ثَابِتًا لَصَحَّ الْإِعْتَاقُ كَمَا فِي الْبَيْعِ. اهـ.
وَإِذَا لَمْ يَتَمَلَّكْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْأُجْرَةِ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ طَالَبَهُ بِالْأُجْرَةِ عَيْنًا وَقَبَضَ جَازَ لِتَضْمِينِهِ تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ، وَقَالَ أَيْضًا وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ يَوْمًا فَيَوْمًا فِي الْعَقَارِ وَفِي الْمَسَافَاتِ كُلُّ مَرْحَلَةٍ وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً بِالْكُوفَةِ إلَى الرَّيِّ بِدَرَاهِمَ أَيْ النَّقْدَيْنِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ قَالَ نَقْدُ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّهُ مَكَانُ الْعَقْدِ فَيَنْصَرِفُ مُطْلَقُ الدَّرَاهِمِ إلَى الْمُتَعَارَفِ فِيهَا، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَإِذَا عَجَّلَ الْأُجْرَةَ إلَى رَبِّهَا لَا يَمْلِكُ الِاسْتِرْدَادَ، وَلَوْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَيْنًا فَأَعَارَهَا، ثُمَّ أَوْدَعَهَا إلَى رَبِّ الدَّارِ فَهُوَ كَالتَّعْجِيلِ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الْأُجْرَةُ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مُعَجَّلَةً أَوْ مُؤَجَّلَةً أَوْ مُنَجَّمَةً أَوْ مَسْكُوتًا عَنْهَا فَإِنْ كَانَتْ مُعَجَّلَةً فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ إلَّا بَعْدَ الْأَجَلِ وَإِنْ كَانَتْ مُنَجَّمَةً فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ عِنْدَ كُلِّ نَجْمٍ وَإِنْ كَانَتْ مَسْكُوتًا عَنْهَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ وَفِي الْمَسَافَةِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْحَمْلِ فِيمَا بَقِيَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ اهـ.
بِالْمَعْنَى، وَفِي النَّسَفِيَّةِ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَسَكَنَ فَخَرِبَ الْحَانُوتُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ وَتَعَطَّلَ وَكَانَ يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ فَلَمْ يَفْعَلْ وَسَكَنَ الْمُدَّةَ نُلْزِمُهُ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ هَذَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَحَمَلَ نِصْفَ الطَّرِيقِ وَأَعَادَهُ إلَى مَكَانِهِ الْأَوَّلِ فَلَا أَجْرَ لَهُ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَكَّةَ فَلَمْ يَرْكَبْهَا وَمَضَى رَاجِلًا إنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي الدَّابَّةِ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فِي الدَّابَّةِ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ طَالَبَهُ بِالْأُجْرَةِ بَعْدَ الْمُدَّةِ فَقَالَ قَصَّرْت فِي الْعَمَلِ فَلَكَ بَعْضُ الْأُجْرَةِ، وَقَالَ لَمْ أُقَصِّرْ فَلَهُ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ الْعَصِيرَ فَحَمَلَهُ فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أَجْرَ لَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ خَمْرٌ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الْأَجْرُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ مِنْ الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ فِي الِاخْتِلَافِ لَوْ اخْتَلَفَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْآجِرُ بَعْدَ شَهْرٍ وَالْمِفْتَاحُ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ، وَقَالَ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ، وَقَالَ الْمُؤَجِّرُ، بَلْ قَدَرْت عَلَى فَتْحِهِ وَسَكَنْت وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا يُحَكَّمُ الْحَالُ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَنْزِلِ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ تَسْلِيمُ الْمِفْتَاحِ فِي الْمِصْرِ مَعَ التَّخْلِيَةِ قَبْضٌ وَفِي السَّوَادِ لَيْسَ بِقَبْضٍ وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ وُهِبَ الْعَبْدَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ قَبِلْت كَانَ ذَلِكَ إقَالَةً، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ الْإِجَارَةُ الْمُنَجَّزَةُ؛ لِأَنَّ الْمُضَافَةَ لَا تَمْلِكُ الْأُجْرَةَ فِيهَا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ وَقَوْلُهُ أَوْ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ يَعْنِي يَجِبُ بِالِاسْتِيفَاءِ لِلْمَنْفَعَةِ أَوْ بِالتَّمَكُّنِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا قَبَضَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِقُيُودٍ، أَحَدُهَا: التَّمَكُّنُ فَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ سَلَّمَ
стр. 2538
الدَّارَ مَشْغُولَةً بِمَتَاعِهِ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً فَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَقِيقَةِ الِانْتِفَاعِ. وَالثَّالِثُ: إنَّ التَّمَكُّنَ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلْكُوفَةِ فَسَلَّمَهَا فِي بَغْدَادَ حِينَ مَضَتْ الْمُدَّةُ فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِاسْتِيفَاءِ فِي الْمُدَّةِ فَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الْكُوفَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَذَهَبَ بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَرْكَبْ لَمْ يَجِبْ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَمَكَّنَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ دَارًا سَنَةً كَامِلَةً فَاسْتَأْجَرَهَا وَتَسَلَّمَهَا الْوَكِيلُ وَسَكَنَهَا هُوَ سَنَةً، قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا أَجْرَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَجْرُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ وَكِيلِهِ كَقَبْضِ نَفْسِهِ وَالْمَأْمُورُ غَاصِبٌ لِلسُّكْنَى فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرٌ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْهُ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ) يَعْنِي إذَا غَصَبَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ غَاصِبٌ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ، وَلَوْ فِي بَعْضِهَا فَبِقَدْرِهِ لِزَوَالِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَهُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ كَمَا بَيَّنَ، وَهَلْ تَنْفَسِخُ بِالْغَصْبِ؟ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ تَنْفَسِخُ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي فَتَاوِيهِ وَالْفَضْلِيُّ لَا تَنْفَسِخُ فَإِذَا أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَسْكُنَ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ مَنْعُهُ اهـ.
وَفِي قَاضِي خان أَيْضًا جَاءَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ إلَى الْغَاصِبِ، وَقَالَ الدَّارُ دَارِي إنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا فَهِيَ عَلَيْك كُلَّ شَهْرٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُنْكِرًا وَيَقُولُ الدَّارُ لِي وَيَسْكُنُ مُدَّةً فَأَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُهُ فَقُضِيَ لَهُ بِهَا لَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى. اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَجَحَدَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ مَقْصُورًا وَأَقَرَّ قَالَ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ قَصَّرَهُ قَبْلَ الْجُحُودِ لَهُ الْأَجْرُ وَإِنْ قَصَّرَهُ بَعْدَ الْجُحُودِ لَا أَجْرَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ صَبَّاغًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا إنْ صَبَغَهُ قَبْلَ الْجُحُودِ فَلَهُ الْأَجْرُ وَإِنْ صَبَغَهُ بَعْدَهُ فَرَبُّ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا زَادَ فِيهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَكَان مَعْلُومٍ، فَلَمَّا بَلَغَ نِصْفَ الْمُدَّةِ أَنْكَرَ الْإِجَارَةَ لَزِمَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ مَا قَبْلَ الْإِنْكَارِ وَلَا يَلْزَمُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّانِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْأُجْرَةُ بِنَفْسِ الْإِنْكَارِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَقِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ الْعَقْدِ أَلْفَانِ وَيَوْمَ الْجُحُودِ أَلْفٌ فَهَلَكَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ بَعْدَمَا مَضَتْ السَّنَةُ فَالْأُجْرَةُ لَازِمَةٌ وَتَجِبُ كُلُّ الْأُجْرَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى قَوْلِ الثَّانِي لَمَّا جَحَدَ فَقَدْ أَسْقَطَ الْأَجْرَ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ أَوْ انْقَطَعَ عَنْهَا الشِّرْبُ أَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ سَقَطَ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِهِ لِفَوَاتِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ فِي الْمُدَّةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً فَلَمْ يُسَلِّمْهَا الْآجِرُ حَتَّى مَضَى شَهْرٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الِامْتِنَاعُ عَنْ التَّسْلِيمِ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ عَقْدًا وَاحِدًا حَقِيقَةً لَكِنَّهَا عُقُودٌ مُتَفَرِّقَةٌ مُضَافَةٌ إلَى مَا يُوجَدُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَقْتٌ يُرْغَبُ فِي الْإِجَارَةِ لِأَجْلِهِ، فَإِنْ كَانَ وَقْتٌ يُرْغَبُ فِي الْإِجَارَةِ لِأَجْلِهِ زِيَادَةُ رَغْبَةٍ كَحَانُوتٍ فِي سُوقِ رَوَاجِهِ فِي بَعْضِ السَّنَةِ أَوْ دَارٍ بِمَكَّةَ تُسْتَأْجَرُ سَنَةً لِأَجْلِ الْمَوْسِمِ فَلَمْ تُسَلَّمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرْغَبُ لِأَجْلِهِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي بَعْضِ الْبَاقِي دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ. اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلِرَبِّ الدَّارِ وَالْأَرْضِ طَلَبُ الْأُجْرَةِ كُلَّ يَوْمٍ وَلِلْجَمَّالِ كُلَّ مَرْحَلَةٍ) يَعْنِي إذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ مُطْلَقَةً وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِوَقْتِ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ فَلِلْمُؤَجِّرِ مَا ذَكَرَهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ مُعَاوَضَةٌ وَالْمِلْكُ فِي الْمَنَافِعِ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ زَمَانَ الْعَقْدِ فَكَذَا الْمِلْكُ فِي الْأُجْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَكَانَ الْإِمَامُ أَوَّلًا يَقُولُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ لِمَا ذُكِرَ هُنَا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَةُ سَاعَةً فَسَاعَةً إلَّا أَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ فَتَرَكْنَاهُ لِهَذَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ امْرَأَةٌ أَجَّرَتْ دَارَهَا مِنْ زَوْجِهَا، ثُمَّ أَسْكَنَهَا فِيهَا لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا شَهْرًا وَسَكَنَ فِيهَا مَعَ صَاحِبِ الدَّارِ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ لَا أَدْفَعُ الْأُجْرَةَ لِعَدَمِ التَّخْلِيَةِ فَعَلَيْهِ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ لِوُجُودِ التَّخْلِيَةِ فِيهَا. اهـ.
وَلَوْ عَبَّرَ بِالْفَاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ لَكَانَ أَوْلَى لِيُفِيدَ أَنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ وَالتَّمَكُّنِ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ عَمَلِهِ) يَعْنِي إذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ وَقْتِ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يُطَالِبَ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إذَا عَمِلَ فِي بَيْتِ نَفْسِهِ أَوْ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خان والتمرتاشي إذَا خَاطَ فِي
стр. 2539
بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ تَجِبُ الْأُجْرَةُ لَهُ بِحِسَابِهِ حَتَّى إذَا سَرَقَ الثَّوْبَ بَعْدَمَا خَاطَ بَعْضَهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِحِسَابِهِ وَاسْتَشْهَدَ فِي الْأَصْلِ لِهَذَا بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا فَبَنَى بَعْضَهُ، ثُمَّ انْهَدَمَ فَلَهُ أَجْرُ مَا بَنَى فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِبَعْضِ الْعَمَلِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَنُقِلَ هَذَا عَنْ الْكَرْخِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ فَفِي سُكْنَى الدَّارِ وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ صَارَ مُسْلَمًا لَهُ بِمُجَرَّدِ تَسْلِيمِ الدَّارِ وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَفِي الْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا لَا يَكُونُ مُسْلَمًا إلَيْهِ إلَّا إذَا سَلَّمَهُ إلَى صَاحِبِهِ حَقِيقَةً وَفِي الْخِيَاطَةِ فِي مَنْزِلِ الْمُسْتَأْجِرِ يَحْصُلُ التَّسْلِيمُ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ إذْ هُوَ فِي مَنْزِلِهِ وَالْمَنْزِلُ فِي يَدِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمٍ لِيَدِهِ وَيُعْرَفُ تَوْزِيعُ الْأُجْرَةِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا وَالْخَيْطُ وَالْإِبْرَةُ عَلَى الْخَيَّاطِ حَيْثُ كَانَ الْعُرْفُ ذَلِكَ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْخَبَّازِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُبْزِ مِنْ التَّنُّورِ) يَعْنِي إذَا أَطْلَقَ الْأُجْرَةَ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَهَا فَلِلْخَبَّازِ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُبْزِ مِنْ التَّنُّورِ؛ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِهِ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ فَيَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ كَالْخَيَّاطِ إذَا فَرَغَ مِنْ الْعَمَلِ حَتَّى إذَا خَبَزَهُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلَمًا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلِ الْخَبَّازِ لَمْ يَكُنْ مُسْلَمًا بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ مِنْ التَّنُّورِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ إلَى يَدِهِ، وَفِي الْمُحِيطِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَطْحَنَ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ فَوَجَدَهَا لَا تُطِيقُ إلَّا خَمْسَةً فَلَهُ الْخِيَارُ وَعَلَيْهِ الْأَجْرُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ مِنْ الْأَيَّامِ وَلَا يَحُطُّ مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْوَقْتِ لَا عَلَى الْعَمَلِ فَلَا تُوَزَّعُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْعَمَلِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ إشْكَالٌ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ خَبَّازًا لِيَخْبِزَ لَهُ الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ يَكُونُ فَاسِدًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ مِقْدَارَ الْعَمَلِ فِي بَابِ الطَّحْنِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لَا يُذْكَرُ لِتَعْلِيقِ الْعَقْدِ بِالْعَمَلِ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ لِبَيَانِ قُوَّةِ الدَّابَّةِ فَبَقِيَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْوَقْتِ وَفِي الْخُبْزِ يُذْكَرُ مِقْدَارُ الْعَمَلِ لِتَعْلِيقِ الْعَقْدِ بِالْعَمَلِ لَا لِبَيَانِ قُوَّةِ الْخَبَّازِ فَيَصِيرُ الْعَقْدُ مَجْهُولًا فَيَفْسُدُ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَخْرَجَهُ فَاحْتَرَقَ فَلَهُ الْأَجْرُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) يَعْنِي إذَا أَخْرَجَ الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ، ثُمَّ احْتَرَقَ هَذَا إذَا خَبَزَ فِي مَنْزِلِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ صَارَ مُسْلَمًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَلَوْ احْتَرَقَ فِي التَّنُّورِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةُ يَدِهِ وَإِنْ كَانَ الْخَبَّازُ يَخْبِزُ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِالْإِخْرَاجِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَإِذَا صَارَ ضَامِنًا فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ دَقِيقًا مِثْلَ دَقِيقِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْخُبْزِ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْحَطَبِ وَالْمِلْحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَارَ مُسْتَهْلَكًا قَبْلَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَحِينَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَانَ رَمَادًا.
قَالَ ﵀ (وَلِلطَّبَّاخِ بَعْدَ الْغَرْفِ) يَعْنِي لِلطَّبَّاخِ أَنْ يُطَالِبَ بِالْأُجْرَةِ بَعْدَ الْغَرْفِ؛ لِأَنَّ الْغَرْفَ عَلَيْهِ، وَهَذَا إذَا طَبَخَ لِلْوَلِيمَةِ أَوْ لِلْعُرْسِ فَإِنْ كَانَ يَطْبُخُ قَدْرًا خَاصًّا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْغَرْفُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهِ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْعُرْفُ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلْحَمْلِ فَفِي الْإِكَافِ وَالْجَوَالِقِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، وَلَوْ لِلرُّكُوبِ فَفِي اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ وَفِي إدْخَالِ الطَّعَامِ الْمَنْزِلَ وَإِخْرَاجِ الْحَمْلِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ وَإِحْثَاءُ التُّرَابِ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى الْحَفَّارِ وَحَمْلُ الثَّوْبِ عَلَى الْقَصَّارِ.
قَالَ ﵀ (وَلِلَّبَّانِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَضْرِبَ لَهُ لَبِنًا فِي أَرْضِهِ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إذَا أَقَامَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا لَا يَسْتَحِقُّ حَتَّى يُشَرِّجَهُ؛ لِأَنَّ التَّشْرِيجَ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ إلَّا بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ عَادَةً وَالْمُعْتَادُ كَالْمَشْرُوطِ، وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ تَمَّ بِالْإِقَامَةِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ مُمْكِنٌ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَفْسَدَهُ الْمَطَرُ وَنَحْوُهُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ فَعِنْدَهُ تَجِبُ الْأُجْرَةُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَجِبُ هَذَا إذَا لَبَّنَ فِي أَرْضِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلَمًا إلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ أَوْ بِالتَّشْرِيجِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ، وَلَوْ لَبَّنَ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ لَا تُسْتَحَقُّ الْأُجْرَةُ حَتَّى يُسْلِمَهُ إلَيْهِ، وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا تَلِفَ اللَّبِنُ قَبْلَ التَّشْرِيجِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ مَالِ الْأَجِيرِ وَالتَّشْرِيجُ أَنْ يُرْكِبَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ بَعْدَ الْجَفَافِ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ يَحْبِسُهَا لِلْأَجْرِ) يَعْنِي لِمَنْ ذُكِرَ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ إذَا عَمِلَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأَجْرَ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ فِي الْمَحَلِّ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْقَصَّارُ إذَا ظَهَرَ عَمَلُهُ بِاسْتِعْمَالِ النَّشَا كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِعَمَلِهِ إلَّا إزَالَةُ الدَّرَنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْحَبْسَ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ كَانَ مُسْتَتِرًا، وَقَدْ ظَهَرَ بِفِعْلِهِ
стр. 2540
بَعْدَ أَنْ كَانَ هَالِكًا، وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّصِلًا بِمِلْكِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ أَمَرَ شَخْصًا بِأَنْ يَزْرَعَ لَهُ أَرْضَهُ بِبَذْرٍ مِنْ عِنْدِهِ قَرْضًا فَزَرَعَهَا الْمَأْمُورُ صَارَ قَابِضًا بِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا صَبَغَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ قُلْنَا اتِّصَالُ الْعَمَلِ بِالْمَحَلِّ ضَرُورَةُ إقَامَةِ الْعَمَلِ، فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهَذَا الِاتِّصَالِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَسْلِيمٌ، بَلْ رِضَاهُ فِي تَحْقِيقِ عَمَلِ الصَّبْغِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَثَرِ فِي الْمَحَلِّ إذْ لَا وُجُودَ لِلْعَمَلِ إلَّا بِهِ فَكَانَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا كَصَبْغِهِ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَيَكُونُ رَاضِيًا بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِأَنْ يَعْمَلَ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ مُؤَجَّلَةً وَقَبِلَ الْعَمَلَ، فَلَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ. اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَثَرِ أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ مُتَّصِلًا بِمَحَلِّ الْعَمَلِ كَالنَّشَاءِ وَالصِّبْغِ وَقَبْلَ أَنْ يَرَى وَيُعَايِنَ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي كَسْرِ الْحَطَبِ وَحَلْقِ رَأْسِ الْعَبْدِ، فَلَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَهُ الْحَبْسُ عَلَى الثَّانِي.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ حَبَسَ فَضَاعَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا أَجْرَ) أَمَّا عَدَمُ الضَّمَانِ؛ فَلِأَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَلَهُ حَبْسُ الْعَيْنِ شَرْعًا فَلَمْ يَكُنْ بِهِ مُتَعَدِّيًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَبْسِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِالْحَبْسِ وَصَاحِبُ الْعَيْنِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يُسْلَمْ إلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَعْمُولًا وَلَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ صَارَ مُسْلَمًا إلَيْهِ بِتَسْلِيمِ بَدَلِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَ الْأَجِيرُ الثَّوْبَ وَيَتَخَيَّرُ صَاحِبُ الثَّوْبِ فِي التَّضْمِينِ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ فَإِنْ حَبَسَ الْعَيْنَ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا ضَمَانَ الْغَاصِبِ، وَالْمُؤَاجِرُ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا مَعْمُولًا وَأَعْطَاهُ الْأَجِيرُ أُجْرَتَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا يُعْطِي الْأَجِيرُ اهـ.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ نَسَّاجٌ نَسَجَ ثَوْبًا فَجَاءَ بِهِ لِيَأْخُذَ الْأُجْرَةَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ اذْهَبْ بِهِ إلَى مَنْزِلِك فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ دَفَعْت لَك الْأُجْرَةَ فَاخْتَلَسَ الثَّوْبَ مِنْ يَدِ النَّسَّاجِ فِي الْمُزَاحَمَةِ قَالَ إنْ كَانَ الْحَائِكُ دَفَعَ الثَّوْبَ لِرَبِّهِ فَدَفَعَهُ لِلْحَائِكِ عَلَى وَجْهِ الرَّهْنِ وَهَلَكَ الثَّوْبُ هَلَكَ بِالْأُجْرَةِ وَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْوَدِيعَةِ فَهَلَكَ هَلَكَ عَلَى الْأَمَانَةِ وَالْأَجْرُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْعَمَلَ إلَى صَاحِبِهِ فَيُقَرَّرُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَفِي الْمُنْتَقَى حَائِكً عَمِلَ ثَوْبًا بِالْآخَرِ فَتَعَلَّقَ الْأَمْرُ فِيهِ لِيَأْخُذَهُ فَأَبَى الْحَائِكُ أَنْ يَدْفَعَهُ حَتَّى يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ فَتَخَرَّقَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَائِكِ وَإِنْ تَخَرَّقَ مِنْ يَدِهِمَا فَعَلَى الْحَائِكِ نِصْفُ ضَمَانِ الْخَرْقِ. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ جَاءَ الْحَائِكُ بِالثَّوْبِ إلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّ الثَّوْبِ امْسِكْ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ الْعَمَلِ وَأُعْطِيَك الْأَجْرَ فَسُرِقَ مِنْهُ لَا يَضْمَنُ. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ السِّمْسَارُ إذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ بِأَمْرِ رَبِّهَا وَأَمْسَكَ الثَّمَنَ حَتَّى يَنْقُدَ الْأُجْرَةَ فَسُرِقَ مِنْهُ الثَّمَنُ لَا يَضْمَنُ اهـ.
وَفِي الْحَاوِي رَجُلٌ أَقْرَضَ آخَرَ دَرَاهِمَ فَاسْتَأْجَرَ مِنْهُ دَارِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَجَعَلَ الْأَجْرَ بِبَعْضِ الدَّيْنِ قِصَاصًا وَمَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ هَلْ لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، قَالَ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ وَفِي السِّغْنَاقِيِّ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى سُكْنَى دَارٍ سَنَةً فَسَلَّمَ الدَّارَ إلَيْهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا عَنْهُ. اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا أَجَّرَ دَارِهِ سَنَةً وَعَجَّلَ الْأُجْرَةَ وَلَمْ يُسْلِمْ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى مَاتَ الْآجِرُ وَانْفَسَخَ الْعَقْدُ لَا يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وِلَايَةُ الْحَبْسِ فِي الْأُجْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً وَفَسَخَا الْعَقْدَ بِسَبَبِ الْفَسَادِ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ بِالدَّيْنِ السَّابِقِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَقُّ الْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ لَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ كَالْحَمَّالِ وَالْمَلَّاحِ لَا يَحْبِسُ لِلْأَجْرِ) يَعْنِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ لِلْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ الْعَمَلِ وَهُوَ عَرْضٌ يَفْنَى وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي غَسْلِ الثَّوْبِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَصَّارِ بِلَا نَشَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْحَمَّالِ إذَا طَلَبَ الْأُجْرَةَ مَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. اهـ.
وَفِي الْفَتَاوَى اسْتَأْجَرَ جَمَّالًا لِيَحْمِلَ لَهُ إلَى بَلْدَةِ كَذَا بِكَذَا فَحَمَلَهُ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْجَمَلِ أَمْسِكْهُ عِنْدَك فَهَلَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ ﵀ (وَلَا يَسْتَعْمِلُ غَيْرَهُ إنْ شَرَطَ عَمَلَهُ بِنَفْسِهِ) يَعْنِي لَيْسَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَمَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِلْخِدْمَةِ شَهْرًا لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي الْخِدْمَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأَجْرَ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ أَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ غَيْرَهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عَمَلٌ مُطْلَقٌ فِي ذِمَّتِهِ وَيُمْكِنُ الْإِيفَاءُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ
стр. 2541
كَالْمَأْمُورِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَجِيءَ بِعِيَالِهِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ فَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِهِ) لِأَنَّهُ أَوْفَى بِبَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِحِسَابِهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ هَذَا إذَا كَانُوا مَعْلُومِينَ حَتَّى يَكُونَ الْأَجْرُ مُقَابِلًا لِجُمْلَتِهِمْ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَعْلُومِينَ يَجِبُ الْأَجْرُ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا كَانُوا غَيْرَ مَعْلُومِينَ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَفِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْفَضْلِيِّ إذَا اسْتَأْجَرَهُ فِي الْمِصْرِ لِيَحْمِلَ لَهُ الْحِنْطَةَ مِنْ الْقَرْيَةِ فَذَهَبَ فَلَمْ يَجِدْ الْحِنْطَةَ فَعَادَ إنْ كَانَ قَالَ اسْتَأْجَرْت مِنْك مِنْ الْمِصْرِ حَتَّى أَحْمِلَ الْحِنْطَةَ مِنْ الْقَرْيَةِ يَجِبُ نِصْفُ الْأَجْرِ بِالذَّهَابِ، وَإِنْ قَالَ اسْتَأْجَرْت مِنْك حَتَّى أَحْمِلَ الْحِنْطَةَ مِنْ الْقَرْيَةِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْحَمْلِ لَا غَيْرُ، وَفِي الْأَوَّلِ عَلَى الذَّهَابِ وَالْحَمْلِ وَعَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا أَجْرَ وَمِثْلُهُ فِي السَّفِينَةِ اهـ. كَلَامُ الشَّارِحِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ بَابِ مَا يَسْتَحِقُّ الْفَارِسُ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ كَذَا كَذَا مِنْ الْمَطْمُورَةِ فَذَهَبَ فَلَمْ يَجِدْ الْمَطْمُورَةَ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأُجْرَةِ. اهـ. فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَالَ ﵀ (وَلَا أَجْرَ لِحَامِلِ الْكِتَابِ لِلْجَوَابِ وَلَا لِحَامِلِ الطَّعَامِ إنْ رَدَّهُ لِلْمَوْتِ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِطَعَامِهِ إلَى فُلَانٍ بِمَكَّةَ أَوْ لِيَذْهَبَ بِكِتَابِهِ إلَيْهِ وَيَجِيءَ بِجَوَابِهِ فَذَهَبَ وَوَجَدَ فُلَانًا مَيِّتًا وَرَدَّهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نُقِضَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ، وَقَالَ زُفَرُ لَهُ الْأَجْرُ فِي الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ بِمُقَابَلَةِ حَمْلِ الطَّعَامِ إلَى مَكَّةَ، وَقَدْ وَفَّى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ فَاسْتُحِقَّتْ الْأُجْرَةُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ الْأَجْرُ لِلذَّهَابِ فِي نَقْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بِبَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، قُلْنَا الْأُجْرَةُ مُقَابَلَةٌ بِالْجَوَابِ وَالنَّقْلِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا أَجْرَ لَهُ كَمَا لَوْ نَقَضَ الْخَيَّاطُ الْخِيَاطَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ فَلَوْ وَجَدَهُ غَائِبًا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ، وَلَوْ تَرَكَ الْكِتَابَ هُنَاكَ لِيُوصِلَهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ فِي الذَّهَابِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَقْصَى مَا فِي وُسْعِهِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَسُولًا لِيُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ إلَى فُلَانٍ بِبَغْدَادَ فَلَمْ يَجِدْ فُلَانًا وَعَادَ فَلَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ بِقَطْعِ الْمَسَافَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ، فَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَلَا يُقَابِلُهُ الْأَجْرُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ إلَى فُلَانٍ بِالْبَصْرَةِ فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَجِدْ الْمُرْسَلَ إلَيْهِ أَوْ وَجَدَهُ، لَكِنْ لَمْ يُبَلِّغْ الرِّسَالَةَ وَرَجَعَ فَلَهُ الْأَجْرُ اهـ.
أَقُولُ: لَعَلَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ الرِّسَالَةَ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ التَّبْلِيغِ فَعَذَرَهُ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالْكِتَابِ أَنَّ الرِّسَالَةَ قَدْ تَكُونُ سِرًّا لَا بِرِضَى الْمُرْسِلِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ أَمَّا الْكِتَابُ فَمَخْتُومٌ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: لَا نُسَلِّمُ الْفَرْقَ، بَلْ هُمَا سَوَاءً فِي الْحُكْمِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ قَمِيصًا فَخَاطَهُ فَفَتَقَهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ رَبُّ الثَّوْبِ فَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَلَا يُجْبَرُ الْخَيَّاطُ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُ، فَإِنْ كَانَ الْخَيَّاطُ فَتَقَهُ يُجْبَرُ عَلَى عَوْدِهِ، اسْتَأْجَرَ مَلَّاحًا لِحَمْلِ طَعَامٍ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَرَدَّ السَّفِينَةَ إنْسَانٌ فَلَا أَجْرَ لِلْمَلَّاحِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ السَّفِينَةَ وَإِنْ رَدَّهَا الْمَلَّاحُ بِنَفْسِهِ لَزِمَهُ الرَّدُّ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ فِي أَثْنَاءِ الْبَحْرِ تُتْرَكُ السَّفِينَةُ فِي يَدِهِ إلَى بُلُوغِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَةً لِحَمْلِ طَعَامٍ إلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَلَمَّا بَلَغَتْ السَّفِينَةُ الْمَوْضِعَ أَوْ بَعْضَهُ رَدَّهَا الرِّيحُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اكْتَرَاهَا مِنْهُ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مَعَهُ فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الطَّعَامِ مَعَهُ فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَضَ الْحَمْلُ بِالرَّدِّ فَلَمْ يَسْتَوْفِ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ اكْتَرَى بَغْلًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَلَمَّا سَارَ بَعْضَ الطَّرِيقِ جَمَعَ فَرْدَهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا سَارَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِلْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْبَدَلُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، قُيِّدَ بِقَوْلِهِ لِلْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الرَّدَّ لِلْجَوَابِ.
قَالَ الْحَدَّادِيُّ، وَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يُوصِلَهُ إلَيْهِ حَيْثُ كَانَ غَائِبًا أَوْ إلَى قَرِيبِهِ حَيْثُ كَانَ مَيِّتًا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ كَامِلًا قَالَ فَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْجَوَابَ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَلَمْ يَقْرَأْهُ حَتَّى عَادَ مِنْ غَيْرِ جِوَابٍ لَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْهُ أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ، بَلْ رَدَّ الْكِتَابَ فَلَا أَجْرَ لَهُ، وَلَوْ نَسِيَ الْكِتَابَ هُنَاكَ لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الذَّهَابِ. اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا]
(بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَمَّا ذَكَرَ مُقَدِّمَاتِ الْإِجَارَةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهُوَ بَيَانُ مَا يَجُوزُ مِنْ عُقُودِ الْإِجَارَةِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْإِجَارَةِ وَشَرْطِهَا وَوَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ ذَكَرَ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ
стр. 2542
وَتَقَيُّدِهِ وَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يُعَدُّ خِلَافًا مِنْ الْأَجِيرِ لِلْمُؤَجِّرِ وَمَا لَا يُعَدُّ خِلَافًا. قَالَ ﵀ (صَحَّ إجَارَةُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ بِلَا بَيَانٍ مَا يَعْمَلُ فِيهَا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ هَذِهِ الْإِجَارَةُ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا يَعْمَلُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ تَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَلِغَيْرِهَا، وَكَذَا الْحَوَانِيتُ تَصْلُحُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا يَعْمَلُ فِيهَا كَاسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ وَالثِّيَابِ لِلُّبْسِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَارَفَ فِيهَا السُّكْنَى وَالْمُتَعَارَفُ كَالْمَشْرُوطِ؛ وَلِأَنَّ إجَارَتَهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَامِلِ وَالْعَمَلِ فَجَازَ إجَارَتُهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْأَرَاضِي وَالثِّيَابِ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ وَعِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ زَادَ لِلسُّكْنَى لِسَلَامَتِهِ عَمَّا أَوْرَدَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ قَوْلُهُ لِلسُّكْنَى صِلَةُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ لَا صِلَةُ الِاسْتِئْجَارِ يَعْنِي وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ الْمُعَدَّةِ لِلسُّكْنَى لَا أَنْ يَقُولَ زَمَانَ الْعَقْدِ اسْتَأْجَرْت هَذِهِ الدَّارَ لِلسُّكْنَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى هَذَا وَقْتَ الْعَقْدِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا غَيْرَ السُّكْنَى اهـ. كَلَامُهُ.
قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ لِلسُّكْنَى بِالِاسْتِئْجَارِ أَيْ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ لِلسُّكْنَى وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ لَا يُوهِنُ الْبِنَاءَ وَلَا يُفْسِدُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ اهـ.
وَقَوْلُ تَاجِ الشَّرِيعَةِ لَوْ نَصَّ عَلَى السُّكْنَى لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ غَيْرَهَا كَمَا سَيَأْتِي لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ غَيْرَهَا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْ السُّكْنَى بِأَنْ خَزَّنَ فِيهَا بُرًّا أَوْ غَيْرَهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ فِيمَا لَا يَتَفَاوَتُ لَا يُعْتَبَرُ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ الْمُسْتَأْجَرُ مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَقَدْ هَلَكَ عِنْدَهُ وَضَمِنَهُ يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَجَّرَهُ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا اسْتَعْمَلَهُ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ.
قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَامِلِ وَالْعَمَلِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مَا شَاءَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ مَعَهُ أَوْ يَنْفَرِدَ؛ وَلِأَنَّ كَثْرَةَ السُّكَّانِ لَا يَضُرُّ بِهَا، بَلْ يَزِيدُ فِي عِمَارَتِهَا؛ لِأَنَّ خَرَابَ الْمَسْكَنِ بِتَرْكِ السُّكَّانِ وَلَهُ أَنْ يَضَعَ فِيهَا مَا بَدَا لَهُ حَتَّى الْحَيَوَانَ وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مَا بَدَا لَهُ مِنْ الْعَمَلِ كَالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَكَسْرِ الْحَطَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَوَابِعِ السُّكْنَى وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْحَيَوَانُ فِي عُرْفِنَا؛ لِأَنَّ الْمَنَازِلَ ضَيِّقَةٌ. اهـ.
وَبِرَبْطِهَا عَلَى الْبَابِ فَإِنْ أَجَّرَهُ صَحْنَ الدَّارِ رَبَطَهَا فِي الصَّحْنِ وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُدْخِلَ دَابَّتَهُ الدَّارَ بَعْدَمَا أَجَّرَهَا، وَلَوْ كَانَ فِيهَا بِئْرٌ أَوْ بَالُوعَةٌ فَسَدَتْ لَا يُجْبَرُ عَلَى إصْلَاحِهَا، وَلَوْ بَنَى الْمُسْتَأْجِرُ التَّنُّورَ فِي الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَهُ أَنْ يَرْبِطَ الدَّابَّةَ إنْ كَانَ فِي الدَّارِ سَعَةٌ أَمَّا إنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً فَلَا، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا وَحْدَهُ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ امْرَأَتَهُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا رَبَطَ الدَّابَّةَ فَضَرَبَتْ إنْسَانًا أَوْ هَدَمَتْ الْحَائِطَ لَمْ يَضْمَنْ اهـ.
قَالَ ﵀ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْكِنُ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا أَوْ طَحَّانًا) لِأَنَّ فِي نَصْبِ الرَّحَى وَاسْتِعْمَالِهَا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ضَرَرًا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ يُوهِنُ الْبِنَاءَ فَيَتَقَيَّدُ الْعَقْدُ بِمَا وَرَاءَهَا دَلَالَةً، وَالْمُرَادُ بِالرَّحَى رَحَى الْمَاءِ وَالثَّوْرِ، وَأَمَّا رَحَى الْيَدِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَضُرُّ بِالْبِنَاءِ وَفِي الْحَدَّادِيِّ رَحَى الْيَدِ إذَا بُنِيَتْ فِي الْحَائِطِ يُمْنَعُ مِنْهَا وَلَهُ أَنْ يَكْسِرَ فِيهَا الْحَطَبَ الْكَسْرَ الْمُعْتَادَ وَلَهُ أَنْ يَطْبُخَ فِيهَا الطَّبْخَ الْمُعْتَادَ وَإِنْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ بِحَيْثُ يُوهِنُ الْبِنَاءَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِ الدَّارِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدَّقُّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحَاصِلَ كُلُّ مَا يُوهِنُ الْبِنَاءَ أَوْ فِيهِ ضَرَرٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا إلَّا بِإِذْنٍ، وَكُلُّ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ جَازَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ وَاسْتَحَقَّهُ بِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِبَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَلَوْ أَقْعَدَ حَدَّادًا فَهَدَمَ الْبِنَاءَ بِعَمَلِهِ وَجَبَ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدِّي وَلَا أَجْرَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَالْأَجْرَ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَوْ لَمْ يَنْهَدِمْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الْعَقْدِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ السُّكْنَى وَفِي الْحِدَادَةِ وَأَخَوَاتِهَا السُّكْنَى وَزِيَادَةً فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَصَارَ نَظِيرُ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قَدْرًا مَعْلُومًا فَزَادَ عَلَيْهَا وَسُلِّمَتْ الدَّابَّةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ لِلْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِجَارَةَ، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْلَى وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِيُقْعِدَ قَصَّارًا فَلَهُ أَنْ يُقْعِدَ حَدَّادًا إنْ كَانَ ضَرَرُهُمَا وَاحِدًا، وَفِي الْمُحِيطِ أَوْ كَانَ ضَرَرُ الْحَدَّادِ أَقَلَّ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الرَّحَى اهـ.
قُيِّدَ بِالدُّورِ؛ لِأَنَّ اسْتِئْجَارَ الْبِنَاءِ وَحْدَهُ لَا يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَحْدَهُ
стр. 2543
وَفِي الْقُنْيَةِ وَيُفْتَى بِجَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْبِنَاءِ وَحْدَهُ إذَا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ كَالْجِدَارِ لِلسَّقْفِ، وَلَوْ أَجَّرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْمُؤَجِّرِ لَمْ يَجُزْ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِالْإِجَارَةِ.
قَالَ ﵀ (وَالْأَرَاضِي لِلزِّرَاعَةِ إنْ بَيَّنَ مَا يُزْرَعُ فِيهَا أَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ مَا شَاءَ) يَعْنِي يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ إنْ بَيَّنَ مَا يُزْرَعُ فِيهَا أَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا يَشَاءُ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ مَا يُزْرَعُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ مَا يَنْفَعُ كَالْبِرْسِيمِ فِي دِيَارِنَا وَمَا يَضُرُّ كَالْقَمْحِ مَثَلًا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ أَوْ يَقُولُ لَهُ ازْرَعْ فِيهَا مَا شِئْت كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ ازْرَعْ فِيهَا مَا شِئْت فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ لِلْجَهَالَةِ، وَلَوْ زَرَعَهَا لَا تَعُودُ صَحِيحَةً فِي الْقِيَاسِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَتَنْقَلِبُ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ صَارَ صَحِيحًا مَعْلُومًا بِالِاسْتِعْمَالِ وَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا وَلَمْ يُبَيِّنْ اللَّابِسَ، ثُمَّ أَلْبَسَ إنْسَانًا عَادَتْ صَحِيحَةً لِمَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْقُنْيَةِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا سَنَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعَيْنِ رَبِيعِيًّا وَخَرِيفِيًّا وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَلَا بَأْسَ بِاسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ قَبْلَ رَيِّهَا إنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً لِلرَّيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي عَقَدَ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزْرَعُ بِهِ الْبَعْضُ فَالْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْإِجَارَةَ كُلَّهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَنْقُضْ وَكَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا رَوَى مِنْهَا. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا وَلَا يُمْكِنُهُ الزِّرَاعَةُ فِي الْحَالِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى السَّقْيِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ أَوْ مَجِيءِ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ تُمْكِنُهُ الزِّرَاعَةُ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا فِي الشِّتَاءِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَيُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا فِي الشِّتَاءِ جَازَ لِمَا أَمْكَنَ مِنْ الْمُدَّةِ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا أَصْلًا بِأَنْ كَانَتْ سَبِخَةً فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَفِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْجَارِ فِي الشِّتَاءِ يَكُونُ الْأَجْرُ مُقَابَلًا بِكُلِّ الْمُدَّةِ لَا بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَحَسْبُ، وَقِيلَ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ. اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ لَا يَنْحَصِرُ اسْتِئْجَارُهَا لِلزِّرَاعَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ كَمَا تُوهِمُهُ الْمُتُونُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْأَرْضَ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَرَادَ بِغَيْرِ الزِّرَاعَةِ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَطَبْخَ الْآجُرِّ وَالْخَزَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الِانْتِفَاعَاتِ بِالْأَرْضِ. اهـ.
فَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك صِحَّةُ الْإِجَارَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ مَقِيلًا وَمَرَاحًا قَاصِدًا بِذَلِكَ إلْزَامَ الْأُجْرَةِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ شَمِلَهَا الْمَاءُ وَأَمْكَنَ زِرَاعَتُهَا أَوْ لَا وَلَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْهَا لِلزِّرَاعَةِ بِخُصُوصِهَا حَتَّى يَكُونَ عَدَمُ رَيِّهَا عَيْبًا تَنْفَسِخُ بِهِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيُلَبِّنَ فِيهَا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، ثُمَّ هِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ لِلتُّرَابِ قِيمَةٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَيَكُونُ اللَّبِنُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاللَّبِنُ لَهُ وَضَمِنَ نُقْصَانَ الْأَرْضِ إنْ نَقَصَتْ وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ أَنَّ إجَارَةَ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِزَرْعِ الْغَيْرِ إنْ كَانَ الزَّرْعُ بِحَقٍّ بِأَنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ مَا لَمْ يُسْتَحْصَدْ الزَّرْعُ إلَّا أَنْ يُؤَجِّرَهَا مُضَافَةً إلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَاجِبُ الْقَلْعِ فَإِنَّ الْمُؤَجِّرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِ مَا أَجَّرَهُ وَيُجْبَرُ صَاحِبُ الزَّرْعِ عَلَى قَلْعِهِ سَوَاءٌ أَدْرَكَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِصَاحِبِهِ فِي إبْقَائِهِ. اهـ.
، وَالدَّارُ الْمَشْغُولَةُ بِمَتَاعِ السَّاكِنِ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَأْجِرٍ تَصِحُّ إجَارَتُهَا وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ تَسْلِيمِهَا فَارِغَةً كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَجَّرَ الْأَرْضَ الْمَزْرُوعَةَ، ثُمَّ سَلَّمَهُ بَعْدَمَا فَرَغَ وَحَصَدَ يَنْقَلِبُ جَائِزًا، وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَأْجِرُ أَجَّرْت مِنْك الْأَرْضَ وَهِيَ فَارِغَةٌ، وَقَالَ الْمُؤَجِّرُ لَا، بَلْ هِيَ مَشْغُولَةٌ بِزَرْعِي يُحَكَّمُ الْحَالُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ الْقَوْلُ قَوْلُ الْآجِرِ. اهـ.
وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الشِّرْبُ وَالطَّرِيقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ إلَّا بِهِمَا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا الِانْتِفَاعُ وَلِهَذَا صَحَّ بَيْعُ الْجَحْشِ الصَّغِيرِ وَالْأَرْضِ السَّبْخَةِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَإِنْ أَجَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَ فَإِنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مِنْ جِنْسِ مَا اسْتَأْجَرَ بِهِ وَلَمْ يَزِدْ فِي الدَّارِ شَيْئًا لَا تَطِيبُ لَهُ الزِّيَادَةُ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا فَإِنْ زَادَ شَيْئًا آخَرَ طَابَتْ لَهُ الزِّيَادَةُ أَوْ أَجَّرَ بِخِلَافِ جِنْسِ مَا اسْتَأْجَرَ بِهِ وَالْكَنْسُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ إنْ بَيَّنَ مُدَّةً) يَعْنِي جَازَ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ إنْ بَيَّنَ مُدَّةً؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَعْلُومَةٌ وَالْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ فَتَصِحُّ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلزِّرَاعَةِ وَفِي الْمُحِيطِ دَفَعَ أَرْضَهُ لِرَجُلٍ لِيَغْرِسَ أَشْجَارًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ وَالشَّجَرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الشَّجَرِ وَلَهُ أَجْرُ مَا عَمِلَ وَلَا يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ وَهَذِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ أُجْرَةَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْعَمَلِ وَعَلَى رَبِّ الْأَرْضِ قِيمَةُ الْأَشْجَارِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَقْرِضًا لِلْأَشْجَارِ مِنْهُ وَتَقَايَضَا لَهَا حُكْمًا
стр. 2544
وَاسْتِقْرَاضُ الْأَشْجَارِ لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ قَرْضًا فَاسِدًا فَيُوجِبُ الْمِلْكَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ الْوَقْفِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ السَّبِيلِ لِيَبْنِيَ بِهِ غُرْفَةً لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ وَلَا يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ وَإِنْ كَانَ لَا يَرْغَبُ الْمُسْتَأْجِرُ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَقْفِ جَازَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْأُجْرَةِ إذَا قَالَ الْقَيِّمُ أَوْ الْمَالِكُ أَذِنْت لَهُ فِي عِمَارَتِهَا فَعَمَّرَ بِإِذْنِهِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَقْفِ هَذَا إذَا كَانَ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَى الْوَقْفِ وَالْمَالِكِ وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَفِيهِ ضَرَرٌ كَالْبَالُوعَةِ وَالتَّنُّورِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَّا إذَا شَرَطَ الرُّجُوعَ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَلَعَهُمَا وَسَلَّمَهَا فَارِغَةً) يَعْنِي إذَا مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ قَلَعَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَسَلَّمَ الْأَرْضَ إلَى الْمُؤَجِّرِ فَارِغَةً؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَفْرِيغُهَا وَتَسْلِيمُهَا إلَى صَاحِبِهَا فَارِغَةً وَذَلِكَ بِقَلْعِهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَايَةٌ تُعْلَمُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ لِلزِّرَاعَةِ وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ لَمْ يُدْرِكْ حَيْثُ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ إلَى الْحَصَادِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ لَهُ غَايَةً مَعْلُومَةً فَأَمْكَنَ مُرَاعَاةُ الْجَانِبَيْنِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُدَّةِ وَالزَّرْعِ لَمْ يُدْرِكْ بِحَيْثُ يُتْرَكُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى حَالِهِ إلَى الْحَصَادِ وَإِنْ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ فَكَانَ تَرْكُهُ بِالْمُسَمَّى، وَإِبْقَاءُ الْعَقْدِ عَلَى مَا كَانَ أَوْلَى مِنْ النَّقْضِ وَإِعَادَتِهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا غَصَبَ أَرْضًا وَزَرَعَهَا حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ وَإِنْ كَانَ لَهُ نِهَايَةٌ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ فِعْلِهِ وَقَعَ ظُلْمًا وَالظُّلْمُ يَجِبُ إعْدَامُهُ لَا تَقْرِيرُهُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْلَعَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُهُ فَلَا تُؤَجَّرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالزَّرْعِ مَا تَقَدَّمَ وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْخَصَّافِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَقْفًا لِيَبْنِيَ فِيهَا أَوْ يَغْرِسَ، ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَلَوْ أَبَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إلَّا الْقَلْعَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ اهـ.
وَمِنْ هُنَا عُلِمَ حُكْمُ الِاسْتِحْكَارِ، وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى إطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ وَفِي الْمُحِيطِ، وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِي الْأَرْضِ غِرَاسٌ أَوْ رَطْبَةٌ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ قَالَ ﵀ (إلَّا أَنْ يَغْرَمَ الْمُؤَجِّرُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ) يَعْنِي إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَلْعُ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ إلَّا أَنْ يَغْرَمَ الْمُؤَجِّرُ قِيمَةَ ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تُنْتَقَصُ بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمَا فَيَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ صَاحِبِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ لَهُ، وَعَنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِالتَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُنْتَقَصُ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ وَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْغِرَاسَ جَبْرًا عَلَى صَاحِبِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِمَا ضَرَرٌ فَاحِشٌ قَالَ ﵀ (أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ فَيَكُونُ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ لِهَذَا وَالْأَرْضُ لِهَذَا) لِأَنَّ الْحَقَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ فَيُتْرَكُ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَإِنْ تَرَكَهَا عَارِيَّةً فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِأَجْنَبِيٍّ، وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ الْوَقْفِ بَنَى فِي الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَيِّمِ، وَنَزْعُ الْبِنَاءِ يَضُرُّ بِالْوَقْفِ يُجْبَرُ الْقَيِّمُ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ لِلْبَانِي وَيَجُوزُ لِمُسْتَأْجِرِ الْوَقْفِ غَرْسُ الْأَشْجَارِ وَالْكَرْمِ بِغَيْرِ إذْنٍ إذَا لَمْ يَكُنْ يَضُرُّ بِأَرْضِ الْوَقْفِ وَيَجُوزُ لِلْمُتَوَلِّي الْإِذْنُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ فِيمَا يَزِيدُ فِيهَا خَيْرًا.
قَالَ ﵀ (وَالرَّطْبَةُ كَالشَّجَرِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ ﵀ (وَالزَّرْعُ يُتْرَكُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ بِخِلَافِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ بِالْمُسَمَّى عَلَى حَالِهِ إلَى الْحَصَادِ وَالْمُسْتَعِيرِ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ يُتْرَكُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إلَى الْحَصَادِ بِعَقْدٍ أَوْ بِقَضَاءٍ فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا، وَهَذَا يَجِبُ حِفْظُهُ. اهـ.
قَالَ ﵀ (وَالدَّابَّةُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ وَالثَّوْبُ لِلُّبْسِ) يَعْنِي يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِمَا ذُكِرَ إذَا عَيَّنَ الرَّاكِبَ وَالْحِمْلَ أَوْ أَطْلَقَ؛ لِأَنَّ لَهَا مَنَافِعَ مَعْلُومَةً قَيَّدَ بِالرُّكُوبِ لِيَحْتَرِزَ عَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَبِاللُّبْسِ لِيَحْتَرِزَ عَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ الثَّوْبَ لِيُزَيِّنَ بِهِ دُكَّانَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي الذَّخِيرَةِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً مِنْ مَوْضِعِ كَذَا إلَى مَنْزِلِهِ وَكَانَ كُلَّمَا رَجَعَ يَرْكَبُهَا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِلْحَمْلِ دُونَ الرُّكُوبِ فَكَانَ غَاصِبًا بِالرُّكُوبِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ بِذَلِكَ فَصَارَ مَأْذُونًا فِيهِ، ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّهَا تَارَةً تَكُونُ مُطْلَقَةً وَتَارَةً تَكُونُ مُقَيَّدَةً.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَطْلَقَ أَرْكَبَ وَأَلْبَسَ مَنْ شَاءَ) يَعْنِي إذَا أُطْلِقَ لَهُ الرُّكُوبُ وَاللُّبْسُ جَازَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ الدَّابَّةَ وَيُلْبِسَ الثَّوْبَ مَنْ شَاءَ وَالْمُرَادُ بِالْإِطْلَاقِ أَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ تُرْكِبَ مَنْ تَشَاءُ وَتُلْبِسَ مَنْ تَشَاءُ اهـ.
كَلَامُ الشَّارِحِ وَفَسَّرَ الْإِطْلَاقَ بِهَذَا تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالْغَايَةِ وَفَسَّرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الْإِطْلَاقَ بِأَنْ يَقُولَ اسْتَأْجَرْتهَا لِلرُّكُوبِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ أَوْ اللُّبْسِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ
стр. 2545
اعْلَمْ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْعَقْدِ اسْتَأْجَرْتهَا لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلُّبْسِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي أَنْ يَزِيدَ فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنْ أُرْكِبَ مَنْ أَشَاءَ وَأُلْبِسَ مَنْ أَشَاءُ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ أَرْكَبَ أَنَا أَوْ فُلَانٌ أَوْ أَلْبَسَ أَنَا أَوْ فُلَانٌ، فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ وَاللُّبْسَ مُخْتَلِفَانِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا فَإِنْ أَرْكَبَ شَخْصًا وَمَضَتْ الْمُدَّةُ تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً وَيَجِبُ الْمُسَمَّى اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْمُوجِبُ لِلْفَسَادِ وَهُوَ الْجَهَالَةُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ هَلَكَتْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى وَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُ مَنْ يَرْكَبُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مِنْ الْأَصْلِ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَفِي الثَّالِثِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ مُفِيدٌ فَإِذَا تَعَدَّى صَارَ ضَامِنًا وَحُكْمُ الْحَمْلِ حُكْمُ الرُّكُوبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَفِي قَاضِي خان اسْتَأْجَرَتْ الْمَرْأَةُ دِرْعًا لِتَلْبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنْ كَانَ الثَّوْبُ بَدَلَهُ كَانَ لَهَا أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَإِنْ كَانَتْ صِيَانَةً تَلْبَسُهُ فِي النَّهَارِ وَفِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَلْبَسَهُ كُلَّ اللَّيْلِ فَإِنْ لَبِسَتْهُ كُلَّ اللَّيْلِ وَبَاتَتْ فِيهِ حَتَّى جَاءَ النَّهَارُ بَرِئَتْ مِنْ الضَّمَانِ إنْ لَمْ يَتَخَرَّقْ اهـ.
وَفِي الْبَقَّالِيِّ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا لَا يَضْمَنُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَطْحَنَ عَلَيْهَا وَمَا بَيَّنَ مِقْدَارَ مَا يَعْمَلُ بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا مِقْدَارَ مَا تَحْمِلُ، وَفِي الْمُحِيطِ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا فَإِذَا عَمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارَ مَا يَحْمِلُ يَعُودُ جَائِزًا وَيَجِبُ الْمُسَمَّى اسْتِحْسَانًا فَظَهَرَ أَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي قَوْلِهِ مَا شَاءَ مُقَيَّدَةٌ بِقَدْرِ حَمْلِهَا وَفِي الْمُحِيطِ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِيَلْبَسَهُ لِيَذْهَبَ إلَى مَكَانِ كَذَا فَلَمْ يَذْهَبْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَبِسَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَكُونُ مُخَالِفًا وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ عِنْدِي أَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ وَيَجِبُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ هَذَا خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَذْهَبَ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَرَكِبَهَا فِي الْمِصْرِ فِي حَوَائِجِهِ فَهُوَ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَا يَجُوزُ إيجَارُهَا إلَّا إذَا بَيَّنَ الْمَكَانَ وَفِي الثَّوْبِ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْمَكَانِ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا تَكَارَى قَوْمٌ مُشَاةٌ إبِلًا عَلَى أَنَّ الْمُكَارِيَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ أَوْ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ فَهَذَا فَاسِدٌ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ قَيَّدَ بِرَاكِبٍ وَلَابِسٍ فَخَالَفَ ضَمِنَ) يَعْنِي إذَا عَطِبَتْ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مُقَيَّدٌ فَتَعَيَّنَ فَإِذَا خَالَفَ صَارَ ضَامِنًا بِالتَّعَدِّي؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَكَذَا الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا وَأَقْعَدَ فِيهِ قَصَّارًا أَوْ حَدَّادًا حَيْثُ يَجِبُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا قَيَّدَ لَيْسَ لَهُ الْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ كَمَا إذَا عَمَّمَ وَلَيْسَ لَهُ الْإِيدَاعُ فِي الْأَوَّلِ وَلَا ضَرُورَةَ دُونَ الثَّانِي، كَذَا فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ كَمَا إذَا عَمِيَ الْحِمَارُ فِي الطَّرِيقِ.
قَالَ ﵀ (وَمِثْلُهُ مَا يَخْتَلِفُ بِالْمُسْتَعْمِلِ) يَعْنِي يَضْمَنُ مِثْلَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ إذَا كَانَ مُقَيَّدًا وَخَالَفَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى قَالَ ﵀ (وَفِيمَا لَا يَخْتَلِفُ بَطَلَ تَقْيِيدُهُ كَمَا لَوْ شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ) يَعْنِي فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ كَالدُّورِ لِلسُّكْنَى لَا يُعْتَبَرُ تَقْيِيدُهُ حَتَّى إذَا شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَا يُفِيدُ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ وَمَا يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ كَالْحَدَّادِ وَالْقَصَّارِ وَالطَّحَّانِ خَارِجٌ كَمَا مَرَّ وَالْفُسْطَاطُ كَالدَّارِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ اللُّبْسِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي نَصْبِهِ وَضَرْبِ أَوْتَادِهِ وَاخْتِيَارِ مَكَانِهِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ سَمَّى نَوْعًا، وَقَدْرًا كَكُرِّ بُرٍّ لَهُ حَمْلُ مِثْلِهِ وَأَخَفَّ لَا أَضَرَّ كَالْمِلْحِ) يَعْنِي لَوْ سَمَّى النَّوْعَ وَالْقَدْرَ فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الدَّابَّةِ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَأَخَفُّ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِيَحْمِلَ هَذِهِ الْحِنْطَةَ وَهِيَ قَدْرٌ مَعْلُومٌ فَحَمَلَ مِثْلَ قَدْرِهَا وَمَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ كَالشَّعِيرِ وَالسِّمْسِمِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ كَالْمِلْحِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا بِالشَّيْءِ يَكُونُ رِضًا بِمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ عَادَةً لَا بِمَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إجَازَةِ كُرِّ حِنْطَةٍ وَمَنْعِ كُرِّ شَعِيرٍ، بَلْ الشَّعِيرُ أَخَفُّ مِنْهُ فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ حَتَّى لَوْ سَمَّى قَدْرًا مِنْ الْحِنْطَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّعِيرِ مِثْلَهُ وَزْنًا ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الشَّعِيرَ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرَ مَا تَأْخُذُ الْحِنْطَةُ فَصَارَ كَمَا لَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا قِرْبَةَ مَاءٍ أَوْ حَطَبٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا.
وَقَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الشَّعِيرِ عِنْدَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْوَزْنِ أَخَفُّ مِنْ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَأْخُذُ الْحِنْطَةُ فَكَانَ أَخَفَّ عَلَيْهَا بِالِانْبِسَاطِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَلَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا أَوْ مِلْحًا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي مَكَان وَاحِدٍ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَيَضُرُّ بِهَا أَكْثَرَ، وَكَذَا لَا يَضْمَنُ إذَا حَمَلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهَا قُطْنًا؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرَ وَفِيهِ حَرَارَةٌ
стр. 2546
وَمَا ذَكَرْنَاهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ مَتَى كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَرَرٌ فَوْقَ ضَرَرِ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْإِذْنِ فِي أَحَدِهِمَا الْإِذْنُ فِي الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَخَفُّ ضَرَرًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِي الْأَصْلِ إذَا تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ إبِلًا مُسَمَّاةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا إلَى مَكَّةَ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ تَفْسِيرُ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرْنَا، بَلْ تَفْسِيرُهَا اسْتَأْجَرَ الْمُكَارِي عَلَى الْحَمْلِ فَالْمَقْصُودُ عَلَيْهِ الْحَمْلُ فِي ذِمَّةِ الْمُكَارِي وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ وَالْإِبِلُ آلَةٌ، وَجَهَالَةُ الْآلَةِ لَا تُوجِبُ فَسَادَ الْإِجَارَةِ كَمَا فِي الْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ لَا بِعَيْنِهِ لَا يَجُوزُ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَنَحْنُ نُفْتِي بِالْجَوَازِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى كَذَا وَدَفَعَ لَهُ الدَّابَّةَ لَا يُجْبَرُ رَبُّ الدَّابَّةِ أَنْ يُرْسِلَ غُلَامَهُ مَعَهَا قَالَ مُحَمَّدٌ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُرْسِلَ غُلَامَهُ مَعَهَا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً بِعَيْنِهَا لِلْحَمْلِ فَحَمَلَ الْمُكَارِي عَلَى غَيْرِهَا لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا وَفِي الْفَتَاوَى تَكَارَى دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ فِي يَوْمِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَى خَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ يَجِبُ دِرْهَمَانِ أُجْرَةُ الذَّهَابِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ فِي الرُّجُوعِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَكَّةَ فَهُوَ عَلَى الذَّهَابِ وَفِي الْغَايَةِ عَلَى الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ وَفِي فَتَاوَى هُوَ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةً مِنْ الْحِنْطَةِ فَمَرِضَتْ فَلَمْ تُطِقْ إلَّا خَمْسِينَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا هَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْمُكَارِي بِحِصَّةِ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي بَدِيعُ الدِّينِ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى اسْتَأْجَرَ دَابَّةً يَوْمًا وَانْتَفَعَ بِهَا فَأَمْسَكَهَا، وَقَدْ وَرِمَ بَطْنُهَا أَوْ اعْتَلَّتْ فَتُرِكَتْ فِي الدَّارِ الَّذِي هُوَ فِيهَا فَمَاتَتْ غَرِمَ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ تَكَارَى قَوْمٌ مُشَاةٌ إبِلًا عَلَى أَنَّ الْمُكَارِيَ يَحْمِلُ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ أَوْ مَنْ أَعْيَا مِنْهُمْ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَفِي الْأَصْلِ وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِيهِ، ثُمَّ يَرْكَبَ الْآخَرُ وَهَكَذَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَفِي الْخُلَاصَةِ تَكَارَى عَلَى دُخُولِ عِشْرِينَ يَوْمًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَمَا دَخَلَ إلَّا فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا قَالَ يُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحِسَابِ ذَلِكَ وَيَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ اكْتَرَى إبِلًا لِلْحَجِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ الْخُرُوجِ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ فِي الْوَقْتِ الْمَعْرُوفِ لِلْخُرُوجِ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ تَكَارَى دَابَّةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ وَاحِدٌ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَجْهُولٍ جَهَالَةٌ تُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَضَعُفَتْ قَبْلَ الْوُصُولِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَتْ بِعَيْنِهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهَا فَيُفْسَخُ الْعَقْدُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ دَابَّتَيْنِ بِعَشَرَةٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ قَفِيزًا فَحَمَلَ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ عَشَرَةً يُقْسَمُ الْأَجْرُ عَلَى أَجْرِ مِثْلِ كُلِّ دَابَّةٍ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ عَطِبَتْ بِالْإِرْدَافِ ضَمِنَ النِّصْفَ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً فَأَرْدَفَ عَلَيْهَا غَيْرَهُ ضَمِنَ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِالثِّقَلِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ يَعْقِرُهَا الرَّاكِبُ الْخَفِيفُ وَيَخِفُّ عَلَيْهَا رُكُوبُ الثَّقِيلِ لِعِلْمِهِ بِالْفُرُوسِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْآدَمِيَّ غَيْرُ مَوْزُونٍ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْوَزْنِ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالْعَدَدِ كَالْجِنَايَةِ فِي بَابِ الْجِنَايَةِ هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ تُطِيقُ حَمْلَ الِاثْنَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُطِيقُ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ الرَّدِيفُ يَسْتَمْسِكُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ بِنَفْسِهِ يَضْمَنُ بِقَدْرِ ثِقَلِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ قُيِّدَ بِالرَّدِيفِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا حَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ ثِقَلَهُ مَعَ الَّذِي حَمَلَهُ يَجْتَمِعَانِ فِي مَكَان وَاحِدٍ فَيَكُونُ أَشَقَّ عَلَى الدَّابَّةِ، وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ الرَّدِيفُ مِثَالٌ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ حَتَّى لَوْ جَعَلَ الْمُسْتَأْجِرُ نَفْسَهُ رَدِيفًا وَغَيْرَهُ أَصِيلًا فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قُيِّدَ بِكَوْنِهِ رَدِيفًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقْعَدَ الْأَجْنَبِيَّ فِي السَّرْجِ صَارَ غَاصِبًا وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأُجْرَةِ.
قَالَ قَاضِي خان اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا صَبِيًّا صَغِيرًا فَعَطِبَتْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا كَمَا لَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا حِمْلًا وَأَطْلَقَ فِي ضَمَانِ النِّصْفِ فَشَمِلَ مَا إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ الْوُصُولِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ إذَا هَلَكَتْ بَعْدَمَا بَلَغَ مَقْصِدَهُ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ إذَا هَلَكَتْ قَبْلَهُ وَفِي الْمُحِيطِ إذَا عَطِبَتْ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ الرُّكُوبِ فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ كَامِلًا وَنِصْفُ الْقِيمَةِ كَانَ الرَّدِيفُ أَخَفَّ أَوْ أَثْقَلَ أَمَّا الْأُجْرَةُ؛ فَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الضَّمَانُ؛ فَلِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِرُكُوبِهِمَا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّدِيفَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمَّنَ وَإِنْ ضَمَّنَ الرَّدِيفَ
стр. 2547
يَرْجِعُ إنْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْخَانِيَّةِ فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَنْ يُضَمِّنَ الرَّدِيفَ نِصْفَ الْقِيمَةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ فَأَجَّرَهَا مِنْ غَيْرِهِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ فَتَلِفَتْ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ فِي التَّضْمِينِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الثَّانِيَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَإِنْ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الثَّانِي. اهـ.
وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ لِمَا ذُكِرَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَالِكٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ وَأَطْلَقَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْإِرْدَافِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَرْدَفَ فِي كُلِّ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْضِهَا، وَفِي الْمُحِيطِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ذَاهِبًا وَرَاجِعًا بِعَلَفِهَا فَرَكِبَهَا ذَاهِبًا وَحَمَلَ عَلَيْهَا مَتَاعًا وَأَرْدَفَ آخَرَ رَاجِعًا فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا فِي الذَّهَابِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً لِجَهَالَةِ الْعَلَفِ وَفِي الرُّجُوعِ رَكِبَهَا اثْنَانِ فَهَلَكَتْ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَلَمَّا زَادَ مِنْ الْحَمْلِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَرْكَبْ عَلَى الْحَمْلِ أَمَّا إذَا رَكِبَ عَلَيْهِ يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ ثِقَلُهُ وَثِقَلُ الْحِمْلِ عَلَيْهَا، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مَحْمَلَ الْوَلَدِ مَعَهَا فَتَلِفَتْ ضَمِنَ بِقَدْرِ الْوَلَدِ، وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ النَّاقَةُ فَحَمَلَ وَلَدَهَا عَلَيْهَا وَقُيِّدَ بِالْعَطَبِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ سَلِمَتْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ تَمَامًا.
قَالَ ﵀ (وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَمْلِ الْمُسَمَّى مَا زَادَ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قَدْرًا فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْهُ فَعَطِبَتْ يَضْمَنُ مَا زَادَ بِالثِّقَلِ؛ لِأَنَّهَا هَلَكَتْ بِمَأْذُونٍ وَغَيْرِهِ فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ تُطِيقُ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَتْ لَا تُطِيقُ مِثْلَهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ هَذَا إذَا حَمَلَ الْمُسَمَّى وَزَادَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا غَيْرَهُ فَهَلَكَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْقِيمَةِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ، قَالَ الْأَكْمَلُ وَنُوقِضَ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ عَلَيْهِ مِقْدَارًا فَزَادَ فَهَلَكَ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الطَّحْنَ يَكُونُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِذَا طَحَنَ الْقَدْرَ الْمُسَمَّى فَقَدْ انْتَهَى الْإِذْنُ وَبِطَحْنِ غَيْرِهِ مَعَهُ فَقَدْ تَعَدَّى فَيَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ قُيِّدَ بِكَوْنِهِ زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَى الْمَسَافَةِ فَهَلَكَتْ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِي الزِّيَادَةِ وَقُيِّدَ بِكَوْنِهِ حَمَلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ مِنْ الْحِنْطَةِ فَجَعَلَ فِي الْجَوَالِقِ عِشْرِينَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَأَمَرَ الْمُكَارِيَ أَنْ يَحْمِلَ هُوَ عَلَيْهَا فَحَمَلَ هُوَ وَلَمْ يُشَارِكْهُ الْمُسْتَكْرِي فَهَلَكَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَصْلًا.
وَلَوْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَيْهَا رَبُّ الدَّابَّةِ وَالْمُسْتَكْرِي جَمِيعًا وَوَضَعَاهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَهَلَكَتْ الدَّابَّةُ ضَمِنَ الْمُسْتَكْرِي رُبْعَ الْقِيمَةِ هَذَا إذَا كَانَ فِي جَوْلَقٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَوْلَقَيْنِ وَحَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَوْلَقًا وَوَضَعَا عَلَى الدَّابَّةِ جَمِيعًا لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ شَيْئًا وَيَجْعَلُ حَمْلَ الْمُسْتَأْجِرِ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْعَقْدِ. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ هَذَا إذَا حَمَلَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوَّلًا وَإِنْ حَمَلَ رَبُّ الدَّابَّةِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَفِي الْأَصْلِ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا، فَلَيْسَ مِنْ الثِّيَابِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ يَلْبَسُ وَرَكِبَ الدَّابَّةَ فَهَلَكَتْ إنْ لَبِسَ مَا يَلْبَسُ النَّاسُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَبِسَ مَا لَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ ضَمِنَ مَا زَادَ بِحِسَابِهِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إنْسَانًا فَأَرْكَبَهَا امْرَأَةً بِآلَةٍ أَوْ رَجُلًا بِسَرْجٍ فَهَلَكَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الرَّاكِبِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مِثْلَ الدَّابَّةِ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، وَفِي الْأَصْلِ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا بِسَرْجٍ فَأَسْرَجَهُ بِسَرْجٍ لَا يُسْرَجُ بِهِ مِثْلُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ مِقْدَارَ مَا زَادَ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ مِثْلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ تُوكَفُ بِمِثْلِهِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُوكَفُ بِمِثْلِهِ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، وَفِي قَاضِي خَانْ وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ الْأُجْرَةُ تَمَامًا، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا تُطِيقُ فَبَلَغَ فَلَهُ تَمَامُ الْأُجْرَةِ، وَإِذَا هَلَكَتْ يَضْمَنُ وَلَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ هَذَا إذَا جَعَلَ الْأَقَلَّ وَالزِّيَادَةَ فِي جَوْلَقٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَعَلَ الزِّيَادَةَ فِي جَوْلَقٍ مُنْفَرِدَةً وَحَمَلَهَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ وَفِي الْمُحِيطِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا امْرَأَةً فَوَلَدَتْ فَحَمَلَ وَلَدَهَا مَعَهَا عَلَيْهَا يَضْمَنُ بِقَدْرِ الْوَلَدِ.
قَالَ ﵀ (وَبِالضَّرْبِ وَالْكَبْحِ) أَيْ يَضْمَنُ إذَا هَلَكَتْ مِنْهَا وَفِي الْمُغْرِبِ الْكَبْحُ ضَرْبُ الدَّابَّةِ بِاللِّجَامِ وَهُوَ أَنْ يَجْذِبَهَا إلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا لَا يَضْمَنُ إذَا فَعَلَ فِعْلًا مُعْتَادًا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُتَعَارَفِ فَكَانَ هَالِكًا بِالْمَأْذُونِ بِهِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْمُتَعَارَفَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ وَإِنَّمَا تُضْرَبُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ الْمُسْتَأْجَرَ لِلْخِدْمَةِ حَيْثُ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّهُ يُؤْمَرُ وَيُنْهَى لِفَهْمِهِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى ضَرْبِهِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الضَّرْبَ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ يَكُونُ مُعْتَدِيًا لِلضَّمَانِ وَفِيهَا مُوجِبًا أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَى
стр. 2548
قَوْلِهِمَا، وَأَمَّا ضَرْبُ دَابَّةِ نَفْسِهِ فَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ لَا يَضْرِبُهَا أَصْلًا وَإِنْ كَانَتْ مِلْكَهُ، ثُمَّ قَالَ لَا يُخَاصَمُ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلتَّأْدِيبِ وَيُخَاصَمُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ ضَرْبُ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ لِلصَّغِيرِ إذَا لَمْ يُجَاوِزْ ضَرْبَ مِثْلِهِ لِلتَّأْدِيبِ حَيْثُ تَجِبُ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ لِإِصْلَاحِ الصَّغِيرِ مُتَعَارَفٌ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ فَكَانَ كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ، بَلْ أَوْلَى بِخِلَافِ ضَرْبِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ السَّلَامَةُ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الصَّغِيرِ كَالْوَاقِعِ لَهُ لِقِيَامِ الْبَعْضِيَّةِ بَيْنَهُمَا أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَهُ جُعِلَتْ كَشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ وَبِخِلَافِ ضَرْبِ الْمُعَلِّمِ بِإِذْنِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْ الْأَبِ صَحِيحٌ لِمَا لَهُ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَإِذَا صَحَّ كَانَ الْأَبُ مُعَيَّنًا وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُعَيَّنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ أَخِيهِ الصَّغِيرَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَأَطْلَقَ فِي الضَّرْبِ وَالْكَبْحِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا، فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَضَرَبَهَا فَمَاتَتْ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا وَأَصَابَ الْمَوْضِعَ لَا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ فَإِنْ عَنَّفَ فِي السَّيْرِ ضَمِنَ إجْمَاعًا وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُؤَدِّبُ وَأُسْتَاذُ الْحِرْفَةِ يَضْمَنُ بِالضَّرْبِ فَإِنْ كَانَ يَأْذَنُ لَمْ يَضْمَنْ. اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا لِحَمْلِ مَتَاعٍ وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مَعَهُ فَمَرِضَ الْحِمَارُ فِي الطَّرِيقِ فَتَرَكَ الْحِمَارُ صَاحِبَهُ وَتَرَكَ الْمَتَاعَ لَمْ يَضْمَنْ لِلضَّرُورَةِ وَالْعُذْرِ.
قَالَ ﵀ (وَنَزْعُ السَّرْجِ وَالْإِكَافِ أَوْ الْإِسْرَاجِ بِمَا لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ) يَعْنِي لَوْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا مُسْرَجًا فَنَزَعَهُ وَأَسْرَجَهُ بِسَرْجٍ لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الْحَمِيرُ أَوْ أَوْكَفَهُ بِذَلِكَ فَتَلِفَ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ مَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ دُونَ مَا لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ وَإِنْ أُسْرِجَ بِسَرْجٍ يُسْرَجُ مِثْلُهُ بِهِ لَا يَضْمَنُ وَقَوْلُهُ بِمَا لَا يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ قُيِّدَ بِالسَّرْجِ لَا لِلْإِكَافِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ أَوْ لَا، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ، وَقَالَا الْإِكَافُ كَالسَّرْجِ مُطْلَقًا لَا يُضْمَنُ إذَا كَانَ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ إلَّا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى السَّرْجِ الَّذِي عَلَيْهِ فَيُضْمَنُ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ كَمَا فِي السَّرْج؛ لِأَنَّهُ هُوَ وَالسِّرَاجُ سَوَاءٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْجِنْسَ يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ الْإِكَافَ لِلْحَمْلِ وَالسَّرْجَ لِلرُّكُوبِ، وَكَذَا يَنْبَسِطُ أَحَدُهُمَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ مَا لَا يَنْبَسِطُ الْآخَرُ فَصَارَ كَاخْتِلَافِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ ذَكَرَ فِي الْإِجَارَةِ إنَّهُ يُضْمَنُ بِقَدْرِ مَا زَادَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يُضْمَنُ بِقَدْرِ مَا زَادَ وَفِي رِوَايَةٍ يُضْمَنُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِمَا يُضْمَنُ بِحِسَابِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا كَانَ السَّرْجُ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ قَدْرَ شِبْرَيْنِ وَالْإِكَافُ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ فَيَضْمَنُ بِحِسَابِهِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ قَالَ قَاضِي خان: وَهَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ الْحِمَارَ مُسْرَجًا فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عُرْيَانًا فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ إنْ اسْتَأْجَرَهُ مِنْ الْبَلَدِ إلَى الْبَلَدِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ لَا يُرْكَبُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِسَرْجٍ أَوْ إكَافٍ فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَرْكَبَ فِي الْمِصْرِ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْمَقَامَاتِ فَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ عُرْيَانًا وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَوَامّ الَّذِي يَرْكَبُونَ فِي الْمِصْرِ عُرْيَانًا فَفَعَلَ يَضْمَنُ. اهـ.
أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ مِنْ الْقَرْيَةِ إلَى الْقَرْيَةِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مِمَّنْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ الْقَرْيَةِ إلَى الْقَرْيَةِ عُرْيَانًا كَمَا يُشَاهَدُ فِي دِيَارِنَا فَإِذَا أَسْرَجَهُ يَضْمَنُ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْمُحِيطِ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا بِغَيْرِ لِجَامٍ فَأَلْجَمَهُ بِلِجَامٍ مِثْلِهِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ اللِّجَامَ وُضِعَ لِلْحِفْظِ فَلَا بُدَّ لِلرَّاكِبِ مِنْهُ فَيَصِيرُ مَأْذُونًا لِلِّجَامِ دَلَالَةً إلَّا إذَا كَانَ الْحِمَارُ لَا يُلْجَمُ بِمِثْلِهِ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَوْ هَلَكَتْ الْمُسْتَأْجَرَةُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ قِيمَةَ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ كَمَا ضَمِنَ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَسُلُوكُ طَرِيقٍ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ وَتَفَاوَتَا) يَعْنِي يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا عَيَّنَ لِلْمُكَارِي طَرِيقًا وَسَلَكَ هُوَ غَيْرَهَا وَكَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ بِأَنْ كَانَ الْمَسْلُوكُ أَوْعَرَ أَوْ أَبْعَدَ أَوْ أَخْوَفَ بِحَيْثُ لَا يُسْلَكُ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ حِينَئِذٍ مُقَيَّدٌ فَإِذَا خَالَفَ حِينَئِذٍ فَقَدْ تَعَدَّى فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ إنْ هَلَكَ وَإِنْ لَمْ يَهْلَكْ وَبَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ اسْتِحْسَانًا لِارْتِفَاعِ الْخِلَافِ وَلَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الضَّمَانِ وَالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي حَالَتَيْنِ وَنَظِيرُهُ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ فَإِنْ تَلِفَ فِي الْعَمَلِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الضَّمَانُ وَإِنْ سَلِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ يَسْلُكُهُ النَّاسُ وَهَلَكَ الْمَتَاعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيمَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ عَدَمُ التَّفَاوُتِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ تَفَاوُتٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَ عَدَمِ التَّفَاوُتِ لَا يَصِحُّ التَّعْيِينُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ يَضْمَنُ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ فَجَعَلَاهُ كَالطَّرِيقِ الَّذِي لَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ، فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ إذَا سَلِمَ
стр. 2549
يَجِبُ الْأَجْرُ وَبَيْنَ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِرُكُوبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ رَكِبَ غَيْرُهُ وَسَلِمَتْ حَيْثُ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْحَدَّادِيِّ وَالْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ، قُلْت الْفَرْقُ أَنَّهُ هُنَا وَافَقَ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُصُولُ الْمَتَاعِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهُنَاكَ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رُكُوبُ الْمُعَيَّنِ وَلَمْ يَحْصُلْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ وَتَفَاوَتَا لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ إلَى مَكَان غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ يَضْمَنُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ، قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَرَكِبَهَا إلَى مَكَان أَقْرَبَ مِنْهُ فَعَطِبَتْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا. اهـ.
زَادَ فِي الْمُحِيطِ فِي بَابِ الرَّاعِي وَلَوْ سَلِمَ فَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ رُبَّ طَرِيقٍ يُفْسِدُ الدَّابَّةَ السَّيْرُ فِيهَا يَوْمًا لِصُعُوبَتِهَا وَطَرِيقٍ لَا يُفْسِدُ الدَّابَّةَ السَّيْرُ فِيهَا شَهْرًا لِسُهُولَتِهَا فَاخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ فَاسْتُوْفِيَ جِنْسٌ آخَرُ فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ فَهَذِهِ رِوَايَةٌ تُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ نَزَلَ وَتَهَيَّأَ لَهُ الِارْتِحَالُ فَلَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى أَفْسَدَ الْمَطَرُ الْمَتَاعَ يَضْمَنُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَطَرُ عَامًّا وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا أَفْسَدَ الْمَطَرُ الْمَتَاعَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَوْ سُرِقَ لَا يَضْمَنُ.
قَالَ ﵀ (وَحَمَّلَهُ فِي الْبَحْرِ الْكُلَّ وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ) يَعْنِي لَوْ عَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ فِي الْبَرِّ فَحَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ إنْ هَلَكَ الْقُمَاشُ ضَمِنَ وَإِنْ سَلِمَ فَلَهُ الْأَجْرُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ الْبَحْرُ يَسْلُكُهُ النَّاسُ وَلِهَذَا أَطْلَقَهُ الْمُؤَلِّفُ، قَالَ الْأَتْقَانِيُّ السَّمَاعُ بَلَّغَ بِالتَّشْدِيدِ وَقَوْلُهُ الْكُلُّ عَائِدٌ إلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ كُلُّهَا مِنْ قَوْلِهِ وَبِالضَّرْبِ. اهـ.
قَالَ ﵀ (وَبِزَرْعِ رَطْبَةٍ وَأَذِنَ بِالْبَرِّ مَا نَقَصَ) يَعْنِي إذَا قُيِّدَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَزْرَعَ حِنْطَةً فَزَرَعَ رَطْبَةً يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ نُقْصَانِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَةَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْ الْحِنْطَةِ لِانْتِشَابِ عُرُوقِهَا فِيهَا وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَى سَقْيِهَا فَكَانَ خِلَافًا إلَى شَرٍّ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ أَوْ الْحَمْلِ فَأَرْدَفَ غَيْرَهُ أَوْ زَادَ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الضَّمَانِ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِمَا هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ وَبِمَا هُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ قَالَ ﵀ (وَلَا أَجْرَ) يَعْنِي وَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ صَارَ غَاصِبًا وَاسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِالْغَصْبِ فَلَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَالْأُجْرَةَ لَا يَجْتَمِعَانِ وَإِنْ زَرَعَ فِيهَا مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ الْحِنْطَةِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ غَاصِبًا وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ وَلَا أَجْرَ لِجَمِيعِ الْمَسَائِلِ الَّتِي قُيِّدَ فِيهَا وَالتَّقْيِيدُ مُقَيَّدٌ إذَا خَالَفَ.
قَالَ ﵀ (وَبِخِيَاطَةِ قَبَاءٍ وَأَمْرٍ بِقَمِيصٍ فَلَهُ قِيمَةُ ثَوْبِهِ وَلَهُ أَخْذُ الْقَبَاءِ وَدَفْعُ أُجْرَةِ مِثْلِهِ) يَعْنِي إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَخِيطَ ثَوْبَهُ قَمِيصًا فَخَاطَهُ قَبَاءً فَرَبُّ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَدَفَعَ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ أَيْ مِثْلِ الْقَبَاءِ الْقَبَاءُ الْقَرْطَفُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الْأَتْرَاكُ مَكَانَ الْقَمِيصِ وَهُوَ ذُو طَاقٍ وَاحِدٍ، قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْقَمِيصُ إذَا قُدَّ مِنْ قُبُلٍ كَانَ قَبَاءَ طَاقٍ إذَا خِيطَ جَانِبَاهُ كَانَ قَمِيصًا قُيِّدَ بِالْقَبَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَاطَهُ غَيْرَ قَبَاءٍ لَا يَثْبُتُ لَهُ خِيَارٌ، بَلْ يُضَمِّنُهُ الْقِيمَةَ حَتْمًا، وَقِيلَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْكُلِّ وَوَجْهُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ قَمِيصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ سَدُّهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ انْتِفَاعَ الْقَمِيصِ فَصَارَ مُوَافِقًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ مِنْ حَيْثُ الْقَطْعُ فَيُخَيَّرُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِذَا أَخَذَ الْقَبَاءَ يَدْفَعُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى، وَلَوْ خَاطَهُ قَمِيصًا مُخَالِفًا لِمَا وَصَفَهُ لَهُ يُخَيَّرُ فَإِذَا أَخَذَهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى، وَلَوْ خَاطَهُ سَرَاوِيلَ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْقَبَاءِ يَضْمَنُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْهَيْئَةِ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِوُجُودِ الِاتِّحَادِ فِي أَصْلِ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ السَّتْرُ فَصَارَ كَمَا لَوْ دَفَعَ لِرَجُلٍ نُحَاسًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْأَوَانِي فَضَرَبَهُ لَهُ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا أَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يَنْقُشَ اسْمَهُ فِي فَصِّ خَاتَمِهِ فَغَلِطَ فَنَقَشَ اسْمَ غَيْرِهِ ضَمِنَ الْخَاتَمَ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ وَإِنْ شَاءَ صَاحِبُ الْخَاتَمِ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِ عَمَلِهِ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى، وَلَوْ دَفَعَ إلَى نَجَّارٍ بَابًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْقُشَهُ كَذَا فَفَعَلَ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ وَافَقَ أَمْرَهُ إلَّا قَلِيلًا فَلَا وَإِنْ أَجَّرَهُ أَنْ يُحَمِّرَ لَهُ بَيْتًا فَخَضَّرَ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مَا زَادَتْ الْخُضْرَةُ فِيهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ.
وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى صَبَّاغٍ لِيَصْبُغَهُ بِزَعْفَرَانٍ فَصَبَغَهُ بِغَيْرِ مَا سَمَّى فَصَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ لَوْ اخْتَلَفَ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّبْغِ قَبْلَ الْعَمَلِ مُخَالِفًا وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ وَإِنْ بَعْدَ الْعَمَلِ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الثَّوْبِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى حَائِكٍ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ كَذَا فَخَالَفَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ أَوْ مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَفِي الْفُصُولِ كُلِّهَا صَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَرَكَ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ غَزْلًا وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ دَفَعَ إلَى
стр. 2550
خَيَّاطٍ ثَوْبًا فَقَالَ اقْطَعْهُ حَتَّى يَصِلَ الْقَدَمُ وَكُمُّهُ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ وَعَرْضُهُ كَذَا فَجَاءَ بِهِ نَاقِصًا فَإِنْ كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ بِنُقْصَانٍ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ يَضْمَنُهُ، وَلَوْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ اُنْظُرْ إلَى هَذَا الثَّوْبِ إنْ كَفَانِي قَمِيصًا اقْطَعْهُ وَخِطْهُ بِدِرْهَمٍ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَا يَكْفِيك يَضْمَنُ الثَّوْبَ، وَلَوْ قَالَ اُنْظُرْ يَكْفِينِي قَمِيصًا قَالَ نَعَمْ قَالَ اقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَا يَكْفِيك لَا يَضْمَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ]
(بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْفَاسِدَةِ وَفِي بَيَانِ مَا يَكُونُ مُفْسِدًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ بَعْدَ صَحِيحِهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْذِرَةٍ فَهِيَ فِي مَحَلِّهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَعَبَّرَ بِالْفَاسِدِ دُونَ الْبَاطِلِ لِكَثْرَةِ فُرُوعِهِ وَذَكَرَ خِلَافَ مَا تَرْجَمَ لَهُ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: الْفَاسِدَةُ الْعَقْدُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى مَنْفَعَةٍ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ جَهَالَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ نَظِيرٌ لِلْأَحْكَامِ وَالْفَاسِدُ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ وَبَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ فَرْقٌ هَا هُنَا فَالْبَاطِلُ مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا أَصْلًا وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَجْرٌ بِخِلَافِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْأَجْرُ، كَذَا فِي الْحَقَائِقِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بَيْنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَرْقٌ فَإِنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الْبَيْعِ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ وَالْفَاسِدُ مِنْ الْإِجَارَةِ لَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ حَتَّى إذَا قَبَضَهَا الْمُسْتَأْجِرُ لَا يَمْلِكُهَا، وَلَوْ أَجَّرَهَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ وَلَا يَكُونُ غَاصِبًا وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَنْقُضَ هَذَا الْعَقْدَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ ﵀ (يُفْسِدُ الْإِجَارَةُ الشَّرْطُ) قَالَ فِي الْمُحِيطِ كُلُّ جَهَالَةٍ تُفْسِدُ الْبَيْعَ تُفْسِدُ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ الْمُتَمَكِّنَةَ فِي الْبَدَلِ أَوْ الْمُبْدَلِ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَكُلُّ شَرْطٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَيُفْسِدُ الْإِجَارَةَ، وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ الْفَسَادُ قَدْ يَكُونُ لِجَهَالَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ بِأَنْ لَا يُعَيِّنَ مَحَلَّ الْعَمَلِ، وَقَدْ يَكُونُ لِجَهَالَةِ قَدْرِ الْمَنْفَعَةِ بِأَنْ لَا يُبَيِّنَ الْمُدَّةَ، وَقَدْ يَكُونُ لِجَهَالَةِ الْبَدَلِ أَوْ الْمُبْدَلِ، وَقَدْ يَكُونُ لِشَرْطٍ فَاسِدٍ مُخَالِفٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَالْفَاسِدُ يَجِبُ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى إنْ سَمَّى وَإِلَّا فَأَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَفِي الْبَاطِلِ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ وَالْعَيْنُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً أَوْ بَاطِلَةً. اهـ.
قَالَ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُقَالُ وَتُفْسَخُ فَتَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ دَارًا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَكَنَ فِيهَا يَوْمًا فَبِعَشَرَةٍ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى بَغْدَادَ عَلَى أَنَّهُ إنْ حَمَلَ كَذَا فَبِأُجْرَةِ كَذَا وَإِنْ حَمَلَ كَذَا فَبِأُجْرَةِ كَذَا، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَلَى أَنَّهُ إنْ زَرَعَ كَذَا فَبِأُجْرَةِ كَذَا. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا بِكَذَا عَلَى أَنْ يُعَمِّرَهَا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ هُوَ الَّذِي لَا يُلَائِمُ الْعَقْدَ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ أَمَّا الشَّرْطُ الْمُلَائِمُ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْإِجَارَةَ الْوَاقِعَةَ فِي مِصْرَ فِي الْوَقْفِ فِي زَمَانِنَا عَلَى أَنَّ الْمَغَارِمَ وَكُلْفَةَ الْكَاشِفِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَاسِدَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَالَ ﵀ (وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى) لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ فِي الْإِجَارَةِ لَهُ حُكْمَانِ وُجُوبُ الدَّفْعِ وَالضَّمَانِ إذَا انْتَفَعَ وَوُجُوبُ الدَّفْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى وُجُوبِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْحُكْمَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ، وَلَكِنْ اهْتَمَّ بِالضَّمَانِ فَقَدَّمَهُ وَتَرَكَ قَيْدًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ فَإِنْ انْتَفَعَ فَلَهُ الْأَجْرُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى إلَى أَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ لِجَهَالَةِ الْمُسَمَّى أَوْ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَلَوْ كَانَ الْفَسَادُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَكَذَا إذَا كَانَ بَعْضُهُ مَعْلُومًا وَبَعْضُهُ مَجْهُولًا مِثْلُ أَنْ يُسَمِّيَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمَاتِنِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الْفَسَادَ إذَا كَانَ لِغَيْرِ جَهَالَةِ الْمُبْدَلِ لَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، بَلْ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَدَلُ مَعْلُومًا وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، كَذَا فِي قَاضِي خان وَغَيْرِهِ قَالُوا لَوْ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا أَوْ غَيْرَهُ بِمَالٍ مَعْلُومٍ بِشَرْطِ أَنْ يَرُمَّهُ، وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْ سَكَنَهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ فِي الْكُلِّ إذَا كَانَ الْفَسَادُ لِجَهَالَةِ الْبَدَلِ أَوْ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ وَلَنَا أَنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ الْإِحْرَازِ وَمَا لَا بَقَاءَ لَهُ لَا يُمْكِنُ إحْرَازُهُ فَلَا يَتَقَوَّمُ وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ الْأُجْرَةُ لِعَدَمِ الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ إلَّا أَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ كُلِّ عَقْدٍ مُلْحَقٌ بِصَحِيحِهِ لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ ضَرُورَةً فَيَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ فِي قَدْرِ مَا وُجِدَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَقْدِ وَهُوَ قَدْرُ الْمُسَمَّى فَيَجِبُ فِيهِ الْمُسَمَّى بَالِغًا مَا بَلَغَ وَفِيمَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى لَمْ يُوجَدْ فِيهِ عَقْدٌ وَلَا شُبْهَةُ عَقْدٍ فَلَا يَتَقَوَّمُ وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
стр. 2551
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَجْرُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ أَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الشَّارِحِينَ الْوَاجِبُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ الْأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَمِنْ الْمُسَمَّى وَهُوَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خان.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَجَّرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْكُلَّ) ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مَجْهُولٍ وَأَفْرَادُهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ انْصَرَفَ إلَى الْوَاحِدِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا وَفَسَدَ فِي الْبَاقِي لِلْجَهَالَةِ كَمَا إذَا بَاعَ صُبْرَةً مِنْ طَعَامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَمَهْمَا وَافَقَاهُ فِي الشُّهُورِ وَأَجَازَ اهـ.
الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ فِي الصُّبْرَةِ وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الشُّهُورَ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَالصُّبْرَةُ مُتَنَاهِيَةٌ فَتَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ بِالْكَيْلِ، وَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقْضُ الْإِجَارَةِ بِشَرْطِ حُضُورِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ لَوْ كَانَ فَاسِدًا فِيمَا بَقِيَ مِنْ الشُّهُورِ لَجَازَ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ قَالَ قُلْت الْإِجَارَةُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُضَافَةِ وَانْعِقَادُ الْإِجَارَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَقِيلَ الِانْعِقَادُ كَيْفَ تَفَسَّخَ اهـ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَنْتُمْ قَرَّرْتُمْ فِي الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً وَجَازَ الْفَسْخُ فِيهَا بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُسْتَقْبَلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي كَيْفِيَّةِ الْفَسْخِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي رَأْسِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الشَّهْرِ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ السَّاعَةِ الَّتِي يُهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ وَلَا يُمْكِنُ الْفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُضِيِّ وَقْتِ الْخِيَارِ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا أَحَدُ الطُّرُقِ الثَّلَاثِ أَنْ يَقُولَ الَّذِي يُرِيدُ الْفَسْخَ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ فَيَتَوَقَّفُ هَذَا الْفَسْخُ إلَى انْقِضَاءِ الشَّهْرِ فَإِذَا انْقَضَى الشَّهْرُ وَأَهَلَّ الْهِلَالُ عَمِلَ الْفَسْخُ حِينَئِذٍ عَمَلَهُ وَنَفَذَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ نَفَادًا فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إذَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا يَتَوَقَّفُ إلَى وَقْتِهِ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ أَبُو النَّصْرِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ أَوْ يَقُولُ الَّذِي يُرِيدُ الْفَسْخَ فِي هِلَالِ الشَّهْرِ فَسَخْت الْعَقْدَ رَأْسَ الشَّهْرِ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ إذَا هَلَّ الشَّهْرُ أَوْ يَفْسَخُ الَّذِي يُرِيدُ الْفَسْخَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُهِلُّ الْهِلَالَ فِي يَوْمِهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ مُخْتَصَرًا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارَ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَيَوْمِهَا وَبِهِ يُفْتَى؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ السَّاعَاتِ حَرَجًا بَيِّنًا وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْفَسْخُ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَيَوْمِهَا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ لَوْ حَلَفَ لِيَقْضِيَ فُلَانًا دَيْنَهُ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ فَقَضَاهُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ وَيَوْمِهَا لَمْ يَحْنَثْ اسْتِحْسَانًا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ صَحَّ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ الْفَسَادُ فِي الْبَاقِي كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِجَارَةَ كُلَّ شَهْرٍ جَائِزَةٌ وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا فَيَجُوزُ الْعَقْدُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْفَسْخِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مُضَافَةٌ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ فَسْخُ الْإِجَارَةِ الْمُضَافَةِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَقَوْلُهُ دَارًا مِثَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.
قَالَ ﵀ (وَكُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ سَاعَةً مِنْهُ صَحَّ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعْلُومًا فَتَمَّ الْعَقْدُ فِيهِ بِتَرَاضِيهِمَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَعَلَى مَا فِي الْأَصْلِ إذَا سَكَنَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ صَحَّ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَلَوْ قَدَّمَ أُجْرَةَ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ وَقَبَضَ الْمُعَجَّلَ يَوْمًا لَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ فِيمَا عُجِّلَ؛ لِأَنَّ بِالتَّقْدِيمِ زَالَتْ الْجَهَالَةُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ فَصَارَ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْإِجَارَةُ الطَّوِيلَةُ الَّتِي تُفْعَلُ بِبُخَارَى صُورَتُهَا أَنَّهُمْ يُؤَجِّرُونَ الدَّارَ وَالْأَرْضَ سِنِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً مُتَوَالِيَةً غَيْرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ وَيَجْعَلُونَ لِكُلِّ سَنَةٍ أُجْرَةً قَلِيلَةً وَيَجْعَلُونَ بَقِيَّةَ الْأُجْرَةِ لِلسَّنَةِ الْأَخِيرَةِ، الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْإِجَارَةِ، بَلْ اسْتِثْنَاءُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا سَنَةً صَحَّ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ أُجْرَةً كُلَّ شَهْرٍ) يَعْنِي إذَا بَيَّنَ الْأُجْرَةَ جُمْلَةً جَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ صَارَتْ مَعْلُومَةً بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، وَالْأُجْرَةُ مَعْلُومَةٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْقِسْطَ كُلَّ شَهْرٍ فَإِذَا صَحَّ وَجَبَ أَنْ يَقْسِمَ الْأُجْرَةَ عَلَى الشُّهُورِ عَلَى السَّوَاءِ وَلَا يُعْتَبَرُ تَفَاوُتُ الْأَسْعَارِ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَلَمَّا كَانَتْ السَّنَةُ مُنَكَّرَةً أَفَادَ أَنَّ هَذَا الْمُنَكَّرَ يَتَعَيَّنُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ.
قَالَ ﵀ (وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ وَقْتُ الْعَقْدِ) يَعْنِي ابْتِدَاءَ أَوَّلِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ الْوَقْتُ الَّذِي يَلِي الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ يَتَعَيَّنُ الزَّمَانُ الَّذِي يَلِي الْعَقْدَ كَالْأَجَلِ وَالْيَمِينِ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَقِيبَ الْعَقْدِ لَصَارَتْ مَجْهُولَةً وَبِهِ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمَا أَنَّهُمَا يَعْقِدَانِ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ فَتَعَيَّنَ عَقِيبَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ ابْتِدَاؤُهُ عَقِيبَ الْيَمِينِ وَلَا عَقِيبَ النَّذْرِ؛ لِأَنَّ
стр. 2552
الْأَوْقَاتِ فِي حَقِّهِ لَيْسَتْ سَوَاءً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي اللَّيْلِ وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِيهِ إلَّا بِالْعَزِيمَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَقِيبَ التَّسَبُّبِ هَذَا إذَا كَانَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمُدَّةِ وَإِنْ بَيَّنَ مُدَّةً تَعَيَّنَ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ كَانَ حِينَ يُهَلُّ يُعْتَبَرُ بِالْأَهِلَّةِ وَإِلَّا فَالْأَيَّامِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ عَلَى صِيغَةِ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُبْصَرُ الْهِلَالُ، وَقَالَ أَرَادَ بِهِ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ اهـ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي زَادَهْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ تَفْسِيرُ مَعْنَى حِينَ يُهَلُّ إذْ قَدْ عُلِمَ مَعْنَاهُ مِنْ التَّفْسِيرِ السَّابِقِ قَطْعًا، بَلْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ بَيَانُ أَثَرِ قَوْلِهِ حِينَ يُهَلُّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ، بَلْ الْمُرَادُ مَعْنَاهُ الْعُرْفِيُّ وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الشَّهْرِ اهـ.
يَعْنِي إذَا وَقَعَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِي لَيْلَةِ الْهِلَالِ أَوْ فِي يَوْمِهَا تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ بِالْأَهِلَّةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا مَضَى شَيْءٌ مِنْ الشَّهْرِ يُعْتَبَرُ بِالْأَيَّامِ وَهُوَ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الثَّانِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ بِالْأَيَّامِ وَيُكَمَّلُ مِنْ الْأَخِيرِ وَيَبْقَى غَيْرُهُ عَلَى الْأَصْلِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ بِالْأَهِلَّةِ فَكَذَا الْبَقِيَّةُ. اهـ.
[أَخْذُ أُجْرَةِ الْحَمَّامِ]
قَالَ ﵀ (وَصَحَّ أَخْذُ أُجْرَةِ الْحَمَّامِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» قَالَ الْأَكْمَلُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ فِي الْفَاسِدَةِ مَعَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ الْحَمَّامَ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «أَنَّهُ سَمَّاهُ شَرَّ بَيْتٍ» ، وَقَالَ عُثْمَانُ إنَّهُ بَيْتُ الشَّيْطَانِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ كَرِهَهُ لِلنِّسَاءِ لَا لِلرِّجَالِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْحَمَّامَاتِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَفِي الْخُلَاصَةِ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا فِي قَرْيَةٍ فَوَقَعَ الْجَلَاءُ فِي الْقَرْيَةِ وَنَفَرَ النَّاسُ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ أَوْ نَفَرَ بَعْضُ النَّاسِ لَا تَسْقُطُ وَفِي الْمُحِيطِ إذَا كَانَ حَمَّامٌ لِلرِّجَالِ وَحَمَّامٌ لِلنِّسَاءِ فَأَجَّرَهُمَا جَمِيعًا وَسَمَّى حَمَّامًا جَازَ اسْتِحْسَانًا إذَا كَانَ بَابُ الْحَمَّامَيْنِ وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَابٌ عَلَى حِدَةٍ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا بِبَدَلٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ حَالَ جَرَيَانِ الْمَاءِ وَانْقِطَاعِهِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَفِي الْخَانِيَّةِ شَيْلُ الرَّمَادِ وَالسِّرْقِينِ وَتَفْرِيغُ مَوْضِعِ الْبَالُوعَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ شَرَطَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فَسَدَتْ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ امْتَلَأَ مَسِيلُ مَاءِ الْحَمَّامِ فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ تَفْرِيعُهُ، وَلَوْ امْتَلَأَتْ الْبَالُوعَةُ فَعَلَى الْآجِرِ تَفْرِيغُهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ تَفْرِيغَ مَسِيلِ الْمَاءِ يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ نَقْضِ الْبِنَاءِ.
وَأَمَّا الْبَالُوعَةُ فَلَا يُمْكِنُ تَفْرِيغُهَا بِنَفْسِهِ إلَّا بِنَقْضِ شَيْءٍ مِنْ الْبِنَاءِ وَلَا يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ نَقْضَ شَيْءٍ مِنْ الْبِنَاءِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ رَبُّ الْأَرْضِ فَجُعِلَ تَفْرِيغُهُ عَلَيْهِ وَفِيهِ أَيْضًا اسْتَأْجَرَ حَمَّامَيْنِ سَنَةً فَانْهَدَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَهُ تَرْكُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَامِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا سَنَةً فَلَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى مَضَى شَهْرَانِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ وَامْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ وَلَا يُخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ هُنَا تَفَرَّقَتْ فِي حَقِّ الْمَنَافِعِ فَلَا يُوجِبُ ثُبُوتَ الْخِيَارِ وَهُنَاكَ فِي الْقَبْضِ، وَإِذَا انْهَدَمَ الْحَمَّامُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَهُ الْخِيَارُ، وَلَوْ انْهَدَمَ أَحَدُ الْحَمَّامَيْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَالْبَاقِي لَازِمٌ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ بَعْدَ التَّمَامِ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا وَعَبْدًا لِيُقَوَّمَ عَلَيْهِ فَانْهَدَمَ الْحَمَّامُ بَعْدَ قَبْضِهِمَا فَلَهُ تَرْكُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْعَبْدِ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ لَهُ وَإِنْ هَلَكَ الْعَبْدُ، فَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الْعَبْدِ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي مَنْفَعَةِ الْحَمَّامِ اسْتَأْجَرَ الْحَمَّامَ وَدَخَلَ بِنَوْرَةٍ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ رَبِّ الْحَمَّامِ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا بِغَيْرِ قِدْرٍ وَاسْتَأْجَرَ الْقِدْرَ مِنْ آخَرَ فَانْكَسَرَ الْقِدْرُ بَعْدَ شَهْرٍ فَأُجْرَةُ الْحَمَّامِ لَازِمَةٌ دُونَ أُجْرَةِ الْقِدْرِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ قِدْرًا غَيْرَهُ وَيَسْتَعْمِلَهُ فِي الْحَمَّامِ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا شَهْرًا فَعَمِلَ فِيهِ مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَلَيْهِ أُجْرَةَ الشَّهْرِ الثَّانِي لِلْعُرْفِ.
[أَخْذُ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ]
قَالَ ﵀ (وَالْحَجَّامِ) أَيْ جَازَ أَخْذُ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «احْتَجَمَ وَأَعْطَى أُجْرَتَهُ» وَبِهِ جَرَى التَّعَارُفُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فَانْعَقَدَ إجْمَاعًا، وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ لَا يَجُوزُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ عَسْبِ التَّيْسِ وَكَسْبِ الْحَجَّامِ وَقَفِيزِ الطَّحَّانِ» ، قُلْنَا هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لَهُ رَجُلٌ إنَّ لِي عِيَالًا وَغُلَامًا حَجَّامًا أَفَأُطْعِمُ عِيَالِي مِنْ كَسْبِهِ، قَالَ نَعَمْ» وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الصِّحَّةَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ لِعَدَمِ جَرَيَانِ عَقْدٍ فِيهِ، قَالَ ﵀ (لَا أُجْرَةِ عَسْبِ التَّيْسِ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ عَسْبِ التَّيْسِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ مِنْ السُّحْتِ عَسْبَ التَّيْسِ وَمَهْرَ الْبَغِيِّ» ؛ وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِحْبَالُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ وَلَا أَخْذُ الْمَالِ بِمُقَابَلَةِ الْمَاءِ وَهُوَ نَجِسٌ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَا
стр. 2553
يَجُوزُ وَالْمُرَادُ هُنَا اسْتِئْجَارُ التَّيْسِ لِيَنْزُوَ عَلَى الْغَنَمِ وَيُحْبِلَهَا بِأَجْرٍ أَمَّا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَجْرٍ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَبْقَى النَّسْلُ، وَفِي الْمُحِيطِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ فِي الْحَدِيثِ هُوَ أَنْ يُؤَاجِرَ أَمَتَهُ عَلَى الزِّنَا وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمَهْرِ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ الْإِمَامِ إنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ بِأَنْ زَنَى بِأَمَتِهِ، ثُمَّ أَعْطَاهَا شَيْئًا فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْنِيَ بِهَا، ثُمَّ أَعْطَاهَا مَهْرَهَا أَوْ مَا شَرَطَ لَهَا لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ فَيَطِيبُ لَهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ حَرَامًا.
قَالَ ﵀ (وَالْأَذَانُ وَالْحَجُّ وَالْإِمَامَةُ وَتَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ وَكَوْنُهُ عِبَارَةً لَا يُنَافِي ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَكِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَالْفِقْهِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ» ، وَقَالَ ﵊ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «لَا تَأْخُذْ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا» ؛ وَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ تَقَعُ لِلْعَامِلِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَى عَمَلٍ وَقَعَ لَهُ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُعَلِّمُ إلَّا بِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَلِّمِ فَيَكُونُ مُلْتَزِمًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَكِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَالْفِقْهِ فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْأَجِيرُ، وَكَذَا الْأَجِيرُ يَكُونُ لِلْآمِرِ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَنْهُ نِيَابَةً وَلِهَذَا لَا تُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ الْمَأْمُورِ فِيهِمَا، بَلْ أَهْلِيَّةُ الْآمِرِ حَتَّى جَازَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْكَافِرَ فِيهِمَا وَلَا يَجُوزُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَا قَالُوا وَيُنْتَقَضُ هَذَا بِمَا ذَكَرُوا فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ وَأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ قُيِّدَ بِأَفْعَالِ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُعَلِّمَ وَلَدَهُ الْكِتَابَةَ أَوْ النَّحْوَ أَوْ الطِّبَّ أَوْ التَّعْبِيرَ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي الْكُبْرَى تَعْلِيمُ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَالْوَصَايَا بِأَجْرٍ يَجُوزُ وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُعَلِّمَ وَلَدَهُ الشِّعْرَ وَالْأَدَبَ إذَا بَيَّنَ لَهُ مُدَّةً جَازَ وَيَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى إذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ تَعَلَّمَ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّمْ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُدَّةً فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ وَيَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ إذَا تَعَلَّمَ. اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى تَعْلِيمِ الصَّنْعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْحَفْرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَإِذَا أَجَّرَهُ عَبْدُهُ لِيُعَلِّمَهُ كَذَا عَلَى إعْطَاءِ الْمَوْلَى شَيْئًا مُعَيَّنًا فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ شَرَطَ الْمُعَلِّمُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُعْطِيَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا وَيَقُومُ عَلَى غُلَامِهِ فِي تَعْلِيمِ كَذَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ وَتَعَلَّمَ قَالَ الْمُعَلِّمُ لِي الْأُجْرَةُ عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ كَذَا، وَقَالَ سَيِّدُ الْعَبْدِ لِي الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُعَلِّمِ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى عُرْفِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فَإِنْ كَانَ سَيِّدُ الْعَبْد هُوَ الَّذِي يُعْطِي فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّمُ هُوَ الَّذِي يُعْطِي فَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمُعَلِّمِ. اهـ.
قَالَ ﵀ (وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ) ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ اسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ وَقَالُوا بَنَى أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ الْجَوَابَ عَلَى مَا شَاهَدُوا مِنْ قِلَّةِ الْحُفَّاظِ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيهِمْ؛ وَلِأَنَّ الْحُفَّاظَ وَالْمُعَلِّمِينَ كَانَ لَهُمْ عَطَايَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَافْتِقَادَاتٍ مِنْ الْمُتَعَلِّمِينَ فِي مَجَازَاتِ التَّعْلِيمِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَهَذَا الزَّمَانُ قَلَّ ذَلِكَ وَاشْتَغَلَ الْحُفَّاظُ بِمَعَائِشِهِمْ فَلَوْ لَمْ يُفْتَحْ لَهُمْ بَابُ التَّعْلِيمِ بِالْأَجْرِ لَذَهَبَ الْقُرْآنُ فَأَفْتَوْا بِالْجَوَازِ، وَالْأَحْكَامُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يُفْتِي بِأَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ وَيُحْبَسُ عَلَيْهَا وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا أَخَذَ الْمُعَلِّمُ مِنْ الصَّبِيِّ شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُولِ أَوْ دَفَعَ الصَّبِيُّ ذَلِكَ إلَى وَلَدِ الْمُعَلِّمِ لَا يَحِلُّ لَهُ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْحُصُرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَمْلِيكٌ مِنْ أَبِ الصَّغِيرِ. اهـ.
وَفِي الْحَاوِي لِلْكَرَابِيسِيِّ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَخْتِمَ عِنْدَهُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ أَجْرًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا شَرْعًا أَمَّا إذَا سَمَّى أَجْرًا لَزِمَ مَا سَمَّى لَكِنْ يَأْثَمُ الْمُسْتَأْجِرُ إذَا عَقَدَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا إلَّا أَنْ يَهَبَ الْمُسْتَأْجِرُ مَا بَقِيَ مِنْ تَمَامِ الْقَدْرِ أَوْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُ مَا فَوْقَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَأْثَمُ، وَكَذَا إذَا قَالَ اقْرَأْ بِقَدْرِ مَا قَدَرْت عَلَيْهِ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا قَرَأَ، وَهَذَا يَجِبُ حِفْظُهُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ.
أَقُولُ: وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا فِي عُرْفِنَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَحْمِلُونَ جِنَازَةً وَيَغْسِلُونَ مَيِّتًا إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُغَسِّلُهُ غَيْرُهُمْ وَلَا مَنْ يَحْمِلُهُ فَلَا أَجْرَ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُمْ فَلَهُمْ الْأَجْرُ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ رَجُلًا لِيَقْتُلَ مُرْتَدًّا أَوْ أَسِيرًا أَوْ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمَا، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَجُوزُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مُصْحَفًا لِيَقْرَأَ فِيهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ قَرَأَ فِيهِ فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي كَالْإِمَامِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْقَاضِي رَجُلًا لِيَقُومَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ شَهْرًا جَازَ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ رَجُلًا لِيَقْتَصَّ لَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ لَا يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَيَجُوزُ عِنْدَ الثَّالِثِ وَفِي قَاضِي خان أَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا اسْتَأْجَرُوا ذِمِّيًّا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ
стр. 2554
أَوْ لِيَضْرِبَ النَّاقُوسَ لَهُمْ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَجُوسِيُّ مُسْلِمًا لِيُقِيمَ لَهُ النَّارَ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالنَّارِ مُبَاحٌ. اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ يَعْنِي يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى تَعَلُّمِ الْفِقْهِ وَفِي الرَّوْضَةِ وَفِي زَمَانِنَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُعَلِّمِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي زَادَهْ أَقُولُ: وَفِيمَا ذَكَرُوا مِنْ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ نَظَرٌ قَوِيٌّ بَيَانُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ مَاهِيَّةِ الْإِجَارَةِ وَهِيَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَظَائِرِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ مَا الْتَزَمَهُ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِحْسَانًا، وَالِاسْتِحْسَانُ فَرْعُ تَحَقُّقِ مَاهِيَّةِ الْإِجَارَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَهَذَا مَحَلٌّ تُسْكَبُ فِيهِ الْعَبَرَاتُ أَقُولُ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِجَارَةَ فِي تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ عَلَى أَمْرَيْنِ عَلَى التَّلْقِينِ وَالتَّعْلِيمِ فَفِي الْقِيَاسِ نَظَرُوا إلَى التَّعْلِيمِ وَجَعَلُوا التَّلْقِينَ تَابِعًا لَهُ فَقَالُوا لَا يُمْكِنُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ نَظَرُوا إلَى التَّلْقِينِ وَجَعَلُوا التَّعْلِيمَ تَابِعًا لَهُ فَقَالُوا بِالْجَوَازِ فَاخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ، وَالْأَذَانُ وَالْإِمَامَةُ دَخَلَا تَبَعًا فَتَدَبَّرْهُ فَإِنَّهُ جَيِّدٌ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ أَفْتَوْا بِجَوَازِ ذَلِكَ إذَا ضَرَبَ لَهُ مُدَّةً، وَعِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِئْجَارِ أَصْلًا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ. اهـ.
وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَلَوْ امْتَنَعَ أَبُو الصَّبِيِّ مِنْ دَفْعِ الْوَظِيفَةِ جُبِرَ عَلَيْهِ وَحُبِسَ عَلَيْهِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالْمَلَاهِي) ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِحْقَاقُهَا بِالْعَقْدِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ أَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَقَبَضَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَفِي الْمُحِيطِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ يُبَاحُ لَهُ، وَفِي الْمُحِيطِ ذِمِّيٌّ اسْتَأْجَرَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِيعَةً يُصَلِّي فِيهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الذِّمِّيِّ مَعْصِيَةٌ وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً فِي زَعْمِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُسْلِمُ مِنْ الْمُسْلِمِ مَسْجِدًا لِيُصَلِّيَ فِيهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يُمْلَكُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ دَارًا مِنْ مُسْلِمٍ فَاتَّخَذَ فِيهَا مُصَلَّى لِنَفْسِهِ لَمْ يُمْنَعْ فَإِنْ جَمَعَ الْجَمَاعَةَ وَضَرَبَ النَّاقُوسَ فَلِصَاحِبِهَا مَنْعُهُ، وَلَوْ أَرَادَ بَيْعَ الْخَمْرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ فِي السَّوَادِ لَا يُمْنَعُ، وَأَمَّا فِي سَوَادِ خُرَاسَانَ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، مُسْلِمٌ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي دَارِهِ وَيَجْمَعُ الْقَوْمَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ، وَكَذَا الذِّمِّيُّ لَوْ اسْتَأْجَرَ مُسْلِمًا لِيَرْعَى لَهُ الْخَنَازِيرَ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا لِيَحْمِلَ لَهُ مَيْتًا أَوْ دَمًا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْمَيِّتِ وَالدَّمِ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ النَّاسِ مُبَاحٌ مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَأْجَرُوا مُسْلِمًا لِيَحْمِلَهُ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا أَجْرَ لَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ عَلِمَ الْأَجِيرُ أَنَّهَا جِيفَةٌ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الْأَجْرُ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ اهـ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَنْقُلَ الْمَيِّتَ الْمُشْرِكَ إلَى الْمَقْبَرَةِ يَجُوزُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ الْغِنَاءُ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، وَكَذَا إذَا أَوْصَى بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ وَذَكَرَ مِنْهَا الْوَصِيَّةَ لِلْمُغَنِّيِينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ، وَقَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ مَنْ قَالَ لِمُقْرِئِي زَمَانِنَا أَحْسَنْت عِنْدَ قِرَاءَتِهِ يَكْفُرُ، وَفِي الْكُبْرَى رَجُلٌ جَمَعَ الْمَالَ وَهُوَ كَانَ مُطْرِبًا مُغَنِّيًا هَلْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ يُبَاحُ لَهُ وَإِنْ كَانَ بِالشَّرْطِ يَرُدَّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ يَتَصَدَّقْ بِهِ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ، وَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ نَحْوُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ نَائِحَةً أَوْ مُغَنِّيَةً أَوْ لِتَعْلِيمِ الْغِنَاءِ وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَنْحِتَ لَهُ مِزْمَارًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ بَرْبَطًا فَفَعَلَ يَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُسْلِمَ لِيَبْنِيَ لَهُ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً جَازَ وَيَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَتْهُ امْرَأَةٌ لِيَكْتُبَ لَهَا قُرْآنًا أَوْ غَيْرَهُ جَازَ وَيَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ إذَا بَيَّنَ الشَّرْطَ وَهُوَ إعْدَادُ الْخَطِّ وَقَدْرُهُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مُسْلِمًا لِيَحْمِلَ لَهُ خَمْرًا وَلَمْ يَقُلْ لِأَشْرَبَهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَفِي الْمُحِيطِ السَّارِقُ أَوْ الْغَاصِبُ لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ الْمَغْصُوبَ أَوْ الْمَسْرُوقَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ نَقْلَ مَالِ الْغَيْرِ مَعْصِيَةٌ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْكَافِي وَلَا يَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْغِنَاءِ وَاللَّهْوِ وَالنَّوْحِ وَالْمَزَامِيرِ وَالطَّبْلِ وَلَا عَلَى الْحِدَاءِ وَقِرَاءَةِ الشِّعْرِ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا أَجْرَ فِي ذَلِكَ هَذَا فِي الطَّبْلِ إذَا كَانَ لِلَّهْوِ أَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَطَبْلِ الْقِرَاءَةِ وَطَبْلِ الْعُرْسِ وَفِي الْأَجْنَاسِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الْعُرْسِ دُفٌّ يُضْرَبُ بِهِ لِشُهْرَةِ الْعُرْسِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَضْرِبَ الطَّبْلَ إنْ كَانَ لِلَّهْوِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ لِلْغَزْوِ وَالْقَافِلَةِ يَجُوزُ.
قَالَ ﵀ (وَفَسَدَ إجَارَةُ الْمَشَاعِ إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ) أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ وَفَسَدَ إلَى آخِرِهِ فَشَمِلَ مَشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا يَحْتَمِلُهَا وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَقَالَا يَجُوزُ بِشَرْطِ بَيَانِ نَصِيبِهِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَا يَجُوزُ فِي الصَّحِيحِ لَهُمَا أَنَّ الْمَشَاعَ مَنْفَعَةٌ وَتَسْلِيمُهُ مُمْكِنٌ بِالتَّخْلِيَةِ أَوْ بِالتَّهَايُؤِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ
стр. 2555
مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ وَكَالشُّيُوعِ الطَّارِئِ بِأَنْ مَاتَ أَحَدُ الْمُسْتَأْجَرِينَ وَكَالْعَارِيَّةِ، وَإِذَا جَازَ إعَارَةُ الْمَشَاعِ فَأَوْلَى أَنْ تَجُوزَ إجَارَتُهُ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الْمَشَاعِ فِي مَنْعِ التَّبَرُّعِ أَقْوَى مِنْ تَأْثِيرِهِ فِي مَنْعِ الْمُعَاوَضَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ هِبَةَ الْمَشَاعِ لَا تَجُوزُ وَبَيْعُ الْمَشَاعِ جَائِزٌ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِجَارَةِ الِانْتِفَاعُ وَالِانْتِفَاعُ بِالْمَشَاعِ لَا يُمْكِنُ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ الْمِلْكُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْجَحْشِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهُ وَالتَّخْلِيَةُ اُعْتُبِرَتْ تَسْلِيمًا فِي مَحَلٍّ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَفِي الْمَشَاعِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَلَا مِنْ الْقَبْضِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ تَسْلِيمًا وَلَا يُعْتَبَرُ بِالتَّهَايُؤِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ حُكْمًا بِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْمِلْكِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَجَّرَهُ مِنْ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُيُوعَ فِي حَقِّهِ إذْ الْكُلُّ فِي يَدِهِ وَلَا عِبْرَةَ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحَاجَةِ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا الْعَقْدُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِغَيْرِهَا وَهُوَ مَنْفَعَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَحَدَ زَوْجَيْ الْقِرَاضِ لِقَرْضِ الثِّيَابِ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَّرَ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ أُضِيفَ إلَى الْكُلِّ وَلَا شُيُوعَ فِيهِ وَإِنَّمَا الشُّيُوعُ يَظْهَرُ لِتَفَرُّقِ الْمِلْكِ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَفِيمَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي نَصِيبِهِ وَبَقِيَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ فَطَرَأَ الشُّيُوعُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا يَضُرُّ وَالْعَارِيَّةُ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فَلَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ، وَعِنْدَ التَّسْلِيمِ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِجَمِيعِهِ لِوُجُودِ إذْنِهِ فِي ذَلِكَ فَصَارَ كُلُّهُ عَارِيَّةً وَلَا شُيُوعَ.
وَفِي الْمُغْنِي الْفَتْوَى فِي إجَارَةِ الْمَشَاعِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ فِرِشْتَا الْفَتْوَى فِي إجَارَةِ الْمَشَاعِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَفِي الْخَانِيَّةِ إجَارَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ وَفِيمَا لَا يُقْسَمُ فَاسِدَةٌ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
وَفِي التَّهْذِيبِ، وَإِذَا سَكَنَ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَفِي التَّهْذِيبِ، وَالشُّيُوعُ الطَّارِئُ لَا يُفْسِدُهَا إجْمَاعًا كَمَا إذَا أَجَّرَ كُلَّهَا، ثُمَّ تَفَاسَخَا فِي النِّصْفِ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُهَا يَبْقَى فِي الْبَاقِي وَفِي الصُّغْرَى وَطَرِيقُ جَوَازِهَا فِي الْمَشَاعِ أَنْ يَلْحَقَهَا حُكْمٌ لِتَصِيرَ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ أَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُؤَجِّرَيْنِ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ فِي نَصِيبِهِ وَتَبْقَى فِي نَصِيبِ الْحَيِّ صَحِيحَةً وَفِي الْخَانِيَّةِ فَإِنْ رَضِيَ وَارِثُ الْمَيِّتِ وَهُوَ كَبِيرٌ أَنْ يَكُونَ حِصَّتُهُ عَلَى الْإِجَارَةِ وَرَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةُ الْمَشَاعِ لَكِنَّهَا مِنْ الشَّرِيكِ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ رَجُلَانِ أَجَّرَا دَارَهُمَا مِنْ رَجُلٍ جَازَ وَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا بِرِضَا الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ مَاتَ لَا تَبْطُلُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَفِي الْأَصْلِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عُلُوَّ مَنْزِلٍ لِيَمُرَّ فِيهِ إلَى حُجْرَتِهِ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ قَالَ الطَّوَاوِيسِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي النَّوَازِلِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُنَا وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ.
وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ لِرَجُلٍ وَالْعَرْصَةُ لِرَجُلٍ آخَرَ أَجَّرَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ بِنَاءَهُ مِنْ صَاحِبِ الْعَرْصَةِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ اسْتَأْجَرَ الْعَرْصَةَ دُونَ الْبِنَاءِ يَجُوزُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ اسْتَأْجَرَ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا لِيَبْسُطَ عَلَيْهِ ثِيَابًا أَوْ يَشُدَّ بِهَا الدَّابَّةَ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً مِنْ الشَّجَرِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ شَاةً لِيَحْلُبَ لَبَنَهَا أَوْ صُوفَهَا لَا يَنْعَقِدُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ اسْتَأْجَرَ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهَا جَذَعًا أَوْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا سُتْرَةً أَوْ يَضَعَ فِيهِ وَتَدًا لَا يَجُوزُ وَالْحَائِطُ اسْمٌ لِلْبِنَاءِ فَقَدْ اسْتَأْجَرَ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْبِنَاءِ وَحْدَهُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ طَرِيقًا لِيَمُرَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا.
[اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ]
قَالَ ﵀ (وَصَحَّ اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا تَرِدُ عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَيْنٍ وَهُوَ اللَّبَنُ فَصَارَ كَاسْتِئْجَارِ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ لِشُرْبِ لَبَنِهَا وَالْبُسْتَانِ لِيَأْكُلَ ثَمَرَتَهُ، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَالْإِجْمَاعُ فِي ذَلِكَ وَجَرَى التَّعَامُلُ بِهِ فِي الْأَعْصَارِ وَتَحْقِيقُهَا عَقْدٌ يَرِدُ عَلَى التَّرْبِيَةِ وَاللَّبَنُ تَابِعٌ لَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْعَقْدُ يَرِدُ عَلَى اللَّبَنِ وَالتَّرْبِيَةُ وَالْخِدْمَةُ تَابِعَةٌ لَهَا وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ هُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالظِّئْرُ الْمَرْأَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبَةً كَذَا فِي قَاضِي خان وَفِي ابْنِ فِرِشْتَا فَلَوْ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ وَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ يَحْكُمُ أَبُو يُوسُفَ بِبَقَاءِ الْعَقْدِ وَأَبْطَلَهُ مُحَمَّدٌ وَفِي الْمُحِيطِ وَأَجَّرَتْ الْأَمَةُ الْفَاجِرَةُ أَوْ الْكَافِرَةُ نَفْسَهَا ظِئْرًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ التِّجَارَةِ، وَلَوْ رَضَعَ الصَّبِيُّ جَارِيَةَ الظِّئْرِ أَوْ خَادِمُهَا فَلَهَا الْأَجْرُ كَامِلًا؛ لِأَنَّ الظِّئْرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَتْ الظِّئْرُ ظِئْرًا فَأَرْضَعَتْهُ فَلَهَا الْأَجْرُ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تُرْضِعَ الصَّبِيَّ بِنَفْسِهَا فَأَرْضَعَتْهُ بِمَنْ ذُكِرَ
стр. 2556
فَلَهَا الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الرَّضَاعِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهَا لَا يُفِيدُ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ أَهْلُ الصَّغِيرِ أَرْضَعْتِيهِ بِلَبَنِ شَاةٍ فَلَا أَجْرَ لَك، وَقَالَتْ أَرْضَعْته بِلَبَنِ آدَمِيَّةٍ فَلِي الْأَجْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لَهَا وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَإِنْ شَرَطُوا عَلَيْهَا إرْضَاعَ الصَّبِيِّ فِي مَنْزِلِ الْأَبِ، فَلَيْسَ لِلظِّئْرِ أَنْ تَخْرُجَ بِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْضَاعَ فِي مَنْزِلِ الْأَبِ أَجْوَدُ لِلصَّبِيِّ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوا الظِّئْرَ فِي مَنْزِلِهِمْ إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّجْرِيدِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَمَا جَازَ فِي اسْتِئْجَارِ الْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ جَازَ فِي الظِّئْرِ وَمَا بَطَلَ هُنَاكَ بَطَلَ هُنَا وَفِي الْأَصْلِ، وَإِذَا جَازَتْ هَذِهِ الْإِجَارَةُ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شُرِطَ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَنَّهَا تُرْضِعُ الصَّبِيَّ فِي مَنْزِلِ الْأَبِ اُعْتُبِرَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطٌ يُنْظَرُ لِلْعُرْفِ إنْ كَانَتْ تُرْضِعُ فِي مَنْزِلِ الْأَبِ أَوْ فِي مَنْزِلِهَا يُعْمَلُ بِهِ وَإِلَّا فَلَهَا الْخِيَارُ إنْ شَاءَتْ أَرْضَعَتْ الصَّبِيَّ فِي مَنْزِلِ الْأَبِ أَوْ فِي مَنْزِلِهَا. اهـ.
قَالَ الْأَكْمَلُ فَإِنْ قُلْت الظِّئْرُ أَجِيرٌ خَاصٌّ أَوْ مُشْتَرَكٌ، قُلْت هُوَ أَجِيرٌ خَاصٌّ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَبْسُوطِ قَالَ لَوْ ضَاعَ الصَّبِيُّ مِنْ يَدِهَا أَوْ وَقَعَ فَمَاتَ أَوْ سُرِقَ مِنْ حُلِيِّ الصَّبِيِّ أَوْ ثِيَابِهِ شَيْءٌ لَمْ تَضْمَنْ الظِّئْرُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَمَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا قَالَ لَوْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِقَوْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْأَوَّلُ فَأَرْضَعَتْ كُلًّا مِنْهُمَا صَحَّ وَتَصِيرُ الْمُرْضِعَةُ أَمِينَةً وَهَذِهِ خِيَانَةٌ مِنْهَا وَلَهَا الْأَجْرُ كَامِلًا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَحْتَمِلُهُمَا مَعًا فَقُلْنَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ كَامِلًا نَظَرًا إلَى أَنَّهَا مُشْتَرَكٌ وَيَأْثَمُ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا خَاصٌّ.
قَالَ ﵀ (وَبِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا) ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْأُجْرَةَ مَجْهُولَةٌ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَالْجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَيْهَا شَفَقَةً عَلَى الْأَوْلَادِ، بَلْ يُعْطِيهَا مَا طَلَبَتْ وَيُوَافِقُهَا عَلَى مُرَادِهَا وَالْجَهَالَةُ إنَّمَا تُمْنَعُ إذَا أَفَضْت إلَى الْمُنَازَعَةِ أَطْلَقَ فِي طَعَامِهَا أَوْ كِسْوَتِهَا فَشَمِلَ مَا إذَا بَيَّنَ جِنْسَهَا أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ قَالَ الْحَدَّادِيُّ إذَا لَمْ يُوصَفْ ذَلِكَ فَلَهَا الْمُتَوَسِّطُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا بَيَّنَ جِنْسَ الثِّيَابِ أَوْ صِفَتَهَا وَعَرْضَهَا وَبَيَّنَ كَيْلَ الطَّعَامِ وَصِفَتَهُ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ اشْتَرَطَتْ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا عِنْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَسَمَّتْ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً عِنْدَ الْفِطَامِ وَلَمْ تُضِفْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جَازَ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالُوا مَعْنَى تَسْمِيَتِهِ الدَّرَاهِمَ أَنْ يَجْعَلَ الْأُجْرَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَدْفَعَ الطَّعَامَ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى التَّقْدِيرِ سَمَّا بَدَلَ الدَّرَاهِمِ طَعَامًا، وَإِذَا بَيَّنَ كَيْلَ الطَّعَامِ وَصِفَتَهُ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ أَجَلًا وَفِي الْكِسْوَةِ يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ إلَّا مُؤَجَّلًا، كَذَا فِي الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الظِّئْرِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ قَالَ فِي قَاضِي خان اسْتَأْجَرَ ظِئْرًا لِتُرْضِعَ وَلَدَهُ شُهُورًا فَمَاتَ الْأَبُ فَقَالَ عَمُّ الصَّغِيرِ أَرْضِعِيهِ وَأَنَا أُعْطِيك الْأَجْرَ فَأَرْضَعَتْهُ شَهْرًا بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا إنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَالٌ حِينَ اسْتَأْجَرَهَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَإِذَا مَاتَ بَطَلَتْ فَإِذَا قَالَ الْعَمُّ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ وَصِيًّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْعَمِّ، وَلَوْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ حِينَ اسْتَأْجَرَهَا الْأَبُ لَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْأَبِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الظِّئْرُ مِنْ الرَّضَاعِ وَالصَّغِيرُ لَا يَأْخُذُ ثَدْيَ غَيْرِهَا تُخَيَّرُ عَلَى أَنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا قَالُوا هَذَا إذَا عَقَدَتْ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، وَإِذَا عَقَدَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْقَاضِي ظِئْرًا لِلْيَتِيمِ كَانَ حَسَنًا، وَإِذَا كَانَ لِلرَّضِيعِ أُمٌّ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ فَأُجْرَةُ إرْضَاعِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِمْ مِنْهُ وَيَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أُمَّهُ لِتُرْضِعَ وَلَدَهُ وَبِنْتَه وَأُخْتَه اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا) لِأَنَّهُ حَقُّهُ فَلَا يُمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ إبْطَالِهِ وَلِهَذَا كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَفْسَخَ هَذَا الْعَقْدَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ يَشِينُهُ إجَارَتُهَا بِأَنْ كَانَ وَجِيهًا بَيْنَ النَّاسِ أَوْ لَمْ يَشِنْهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ وَأَنْ يَمْنَعَ الصَّبِيَّ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْإِرْضَاعَ وَالسَّهَرَ يُذْهِبُ جَمَالَهَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَمْنَعُهَا مِنْ الصِّيَامِ تَطَوُّعًا لَكِنْ إذَا ثَبَتَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِإِقْرَارِهِمَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا إذَا أَقَرَّتْ الْمَنْكُوحَةُ بِالرِّقِّ لَا تُصَدَّقُ فِي حَقِّ بُطْلَانِ النِّكَاحِ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ وَفِي الْأَصْلِ إذَا عَقَدَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجُ لَا يَشِينُهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَشْرَافِ وَأَجَّرَتْ نَفْسَهَا ظِئْرًا فَلِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الْفَسْخِ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْهُمْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يَمْنَعَ أَقَارِبَ الظِّئْرِ مِنْ الْمُكْثِ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ إذَا كَانَ يُؤَدِّي
стр. 2557
ذَلِكَ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الصَّغِيرِ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ مَرِضَتْ أَوْ حَبِلَتْ فُسِخَتْ) يَعْنِي إذَا حَبِلَتْ الْمُرْضِعَةُ أَوْ مَرِضَتْ فَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْحُبْلَى وَالْمَرِيضَةِ يَضُرُّ الصَّغِيرَ وَهِيَ أَيْضًا يَضُرُّهَا الْإِرْضَاعُ فَكَانَ لَهَا وَلَهُمْ الْخِيَارُ، وَلَوْ تَقَيَّأَ الصَّبِيُّ لَبَنَهَا لِأَهْلِهِ الْفَسْخُ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ سَارِقَةً، وَكَذَا إذَا كَانَتْ فَاجِرَةً ظَاهِرُ فُجُورِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ كَافِرَةً، قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ عَيْبُ الْفُجُورِ فِي هَذَا فَوْقَ عَيْبِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ كُفْرَهَا فِي اعْتِقَادِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ فِي نِسَاءِ بَعْضِ الرُّسُلِ كَامْرَأَتَيْ نُوحٍ وَلُوطٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، هَكَذَا قَالَ ﵊ «وَلَمْ يَتَزَوَّجْ نَبِيٌّ فَاجِرَةً» ، وَكَذَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ لَا يَأْخُذُ لَبَنَهَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا وَلَهَا ذَلِكَ أَيْضًا، وَكَذَا عُيِّرَتْ بِهِ، وَلَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَوْ الظِّئْرُ انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا ظَهَرَ الظِّئْرُ كَافِرَةً أَوْ زَانِيَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ حَمْقَاءَ كَانَ لَهُمْ الْفَسْخُ وَفِي الْأَصْلِ أَرَادُوا سَفَرًا وَأَبَتْ الْخُرُوجَ فَلَهُمْ الْفَسْخُ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ سَيِّئَةً بَذِيَّةَ اللِّسَانِ.
وَكَذَا إذَا أَذَاهَا أَهْلُهُ بِاللِّسَانِ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ، وَكَذَا إذَا كَانَ أَلْفُهَا الصَّبِيُّ وَلَمْ يَأْخُذْ لَبَنَ غَيْرِهَا وَهِيَ تُعَيَّرُ بِذَلِكَ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ الِاعْتِمَادُ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْمُحِيطِ انْتَهَتْ مُدَّةُ إرْضَاعِ الظِّئْرِ وَالصَّغِيرُ لَا يَأْخُذُ إلَّا ثَدْيَهَا تَبْقَى الْإِجَارَةُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ جَبْرًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ كَمَا لَا تُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ تَبْقَى بِالْأَعْذَارِ، وَلَوْ مَاتَ أَبُو الصَّغِيرِ لَمْ تَنْقَضِ الْإِجَارَةُ سَوَاءٌ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِتُرْضِعَ صَبِيَّيْنِ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا سَقَطَ نِصْفُ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْوَفَاءُ بِهَذَا فَانْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ ظِئْرَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْعَقْدُ فِي أَحَدِهِمَا وَانْفَسَخَ فِي الْأُخْرَى بِحِصَّتِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا مَاتَ أَحَدُ الصَّبِيَّيْنِ أَنَّ فِي الظِّئْرِ يُقْسَمُ الْأَجْرُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَفَاوِتَانِ فِي الْإِرْضَاعِ وَفِي الصَّبِيِّ الْإِيجَارُ وَقَعَ لَهُمَا وَاسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْبَدَلِ وَهُوَ لَبَنُ الظِّئْرِ فَيَجِبُ الْمُبْدَلُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ. اهـ.
وَفِي الْمُنْتَقَى اسْتَأْجَرَ امْرَأَتَهُ لِتُرْضِعَ ابْنَهُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ شَاةً لِتُرْضِعَ وَلَدَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْبَهَائِمِ لَهُ قِيمَةٌ فَوَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ لَبَنِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ وَالْإِجَارَةُ عَلَى الْخِدْمَةِ، وَلَوْ الْتَقَطَ صَبِيًّا فَاسْتَأْجَرَ لَهُ ظِئْرًا حَالًّا فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الصَّبِيِّ. اهـ.
قَالَ ﵀ (وَعَلَيْهَا إصْلَاحُ طَعَامِ الصَّبِيِّ) لِأَنَّ خِدْمَةَ الصَّبِيِّ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا، وَهَذَا مِنْهُ عُرْفًا وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَغَسَلَ ثِيَابَهُ مِنْهُ وَالطَّعَامُ وَالثِّيَابُ عَلَى الْوَالِدِ وَالدُّهْنُ وَالرَّيْحَانُ أَعَلَى الظِّئْرِ كَمَا هُوَ عَادَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَفِي عُرْفِ دِيَارِنَا مَا يُعَالَجُ بِهِ الصَّبِيُّ عَلَى أَهْلِهِ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الظِّئْرِ الدُّهْنُ وَالرَّيْحَانُ وَطَعَامُ الصَّبِيِّ عَلَى أَهْلِهِ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَعَلَى الظِّئْرِ أَنْ تُهَيِّئَهُ لَهُ، وَفِي الْيَنَابِيعِ وَعَلَيْهَا طَبْخُهُ وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْضُغَ الطَّعَامَ لِلصَّبِيِّ وَلَا تَأْكُلُ شَيْئًا يُفْسِدُ لَبَنَهَا وَتَضْمَنُ بِهِ.
قَالَ ﵀ (فَإِنْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ فَلَا أَجْرَ) لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهَا مِنْ الْعَمَلِ وَهُوَ الْإِرْضَاعُ، وَهَذَا إيجَارٌ وَلَيْسَ بِإِرْضَاعٍ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْوَجُورُ الدَّوَاءُ يُوجَرُ فِي وَسَطِ الْفَمِ أَيْ يُصَبُّ يُقَالُ لَهُ مِنْهُ وَجَرْت الصَّبِيَّ وَأُوجِرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. اهـ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ هَذَا إيجَارًا لَا إرْضَاعًا فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فَإِنْ أَرْضَعَتْهُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ فَإِذَا وَجَرْته بَدَلَهُ وَإِنْ كَانَ إرْضَاعًا فَكَيْفَ يَقُولُ الشَّارِحُ هَذَا إيجَارٌ لَا إرْضَاعٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ وَهُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ الشَّيْءِ غَيْرَهُ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ كَقَوْلِهِ قُلْت اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا فَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ الْإِيجَارَ بِلَفْظِ الْإِرْضَاعِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ قُيِّدَ بِلَبَنِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ خَادِمِهَا أَوْ جَارِيَتِهَا أَوْ بِلَبَنِ ظِئْرٍ اسْتَأْجَرْتهَا بِلَا عَقْدٍ فَلَهَا الْأُجْرَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ﵀ (وَلَوْ دَفَعَ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ بِقَفِيزٍ مِنْهُ أَوْ لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ جَعَلَ الْأُجْرَةَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَيَصِيرُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا يَخْرُجُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَقْدِرُ بِغَيْرِهِ فَلَا يُعَدُّ قَادِرًا فَإِذَا نُسِجَ أَوْ عُمِلَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ نِصْفَ هَذَا الطَّعَامِ بِنِصْفِهِ الْآخَرِ حَيْثُ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ مَلَكَ فِيهِ النِّصْفَ فِي الْحَالِ بِالتَّعْجِيلِ فَصَارَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ
стр. 2558
وَمَنْ حَمَلَ طَعَامًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ شَيْئًا لِشَرِيكِهِ عَمَّا لَا يَقَعُ بَعْضُهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ، هَكَذَا قَالُوا قَالَ الشَّارِحُ وَفِيهِ إشْكَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ وَالْأُجْرَةُ لَا تُمْلَكُ إلَّا فِي الصَّحِيحَةِ مِنْهَا بِالْعَقْدِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكَيْفَ تُمْلَكُ هُنَا مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ وَمِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّعْجِيلِ، الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ مَلَكَهُ فِي الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ يُنَافِي الْمِلْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إذَا مَلَكَ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ فَكَيْفَ يَمْلِكُ وَبِأَيِّ سَبَبٍ يَمْلِكُ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَلَكَ هُنَا بِالتَّعْجِيلِ وَالتَّسْلِيمِ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِهِ فِي تَقْرِيرِهِ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ حَيْثُ قَالَا وَدُفِعَ إلَيْهِ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ مَلَكَهُ فِي الْحَالِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَلَكَهُ فِي الْحَالِ يَعْنِي ابْتِدَاءً بِمُوجِبِ الْعَقْدِ وَتَسْلِيمِ الْأَجْرِ إلَى الْأَجِيرِ بِالتَّعْجِيلِ وَمَعْنَى لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الْأَجْرَ بِالتَّسْلِيمِ بِسَبَبِ أَنَّهُ صَارَ شَرِيكًا فِي الطَّعَامِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَوْ قَالَ احْمِلْ لِي هَذَا الْكُرَّ إلَى بَغْدَادَ بِنِصْفِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَرِيكًا وَتَفْسُدُ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ وَصَلَ إلَى بَغْدَادَ لَا يَتَجَاوَزُ الْمُسَمَّى وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَالنَّسَفِيُّ جَوَّزُوا حَمْلَ الطَّعَامِ بِبَعْضِ الْمَحْمُولِ وَنَسْجَ الثَّوْبِ بِبَعْضِ الْمَنْسُوجِ لِتَعَامُلِ أَهْلِ بِلَادِهِمْ بِذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ وَمَشَايِخُنَا ﵏ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ وَقَالُوا هَذَا التَّخْصِيصُ تَعَامُلُ أَهْلِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهِ لَا يُخَصُّ الْأَثَرُ وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَنْ يَشْتَرِطَا قَفِيزًا مُطْلَقًا فَإِذَا عَمِلَ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ دَفَعَ إلَى حَائِكٍ ثَوْبًا لِيَنْسِجَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ رُبْعِهِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَبِهِ أَفْتَى الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَالسَّيِّدُ الْإِمَامُ الشَّهِيدُ.
وَمَشَايِخُ بَلْخٍ يُفْتُونَ بِالْجَوَازِ لِعُرْفِ بِلَادِهِمْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ لَهُ إرْدَبًّا بِبَعْضٍ مِنْهُ أَوْ حِمَارًا لِيَحْمِلَ لَهُ إرْدَبًّا بِبَعْضٍ مِنْهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا بِنِصْفِ مَا رَبِحَ فِيهِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ اسْتَأْجَرَ حَائِكًا لِيَنْسِجَ هَذَا الثَّوْبَ بِنِصْفِهِ عَلَى أَنْ يَزِيدَ رِطْلًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَجَ وَزَادَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَيَضْمَنُ صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلْحَيَّاكِ رِطْلًا مِنْ الْغَزْلِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيُنَجِّزَ لَهُ طُولَ النَّهَارِ بِدِرْهَمٍ؛ فَلِأَنَّ ذِكْرَ الْوَقْتِ يُوجِبُ كَوْنَ الْمَعْقُودِ هُوَ الْمَنْفَعَةُ وَذِكْرَ الْعَمَلِ يُوجِبُ كَوْنَ الْعَمَلِ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ اُسْتُحِقَّ الْأَجْرُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْعَمَلِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالْعَمَلِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ، وَقَالَا الْعَقْدُ جَائِزٌ وَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى الْعَمَلِ دُونَ الْيَوْمِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهُ نِصْفَ النَّهَارِ فَلَهُ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْغَدِ، وَذِكْرُ الْيَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ عَلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَالْفَرْقُ لِلْإِمَامِ هُنَا أَنَّ الْيَوْمَ لَمْ يُذْكَرْ هُنَا إلَّا لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ فِي الْعَمَلِ، وَالصِّفَةُ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِالذَّاتِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ذَكَرَ الْيَوْمَ قَصْدًا وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَ لَهُ هَذَا الثَّوْبَ قَمِيصًا الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَلَوْ قَالَ لِيَخِيطَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَقْتَ يَجُوزُ، وَلَوْ قَالَ لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا وَيَفْرُغَ فِي الْيَوْمِ جَازَ.
وَلَوْ قَالَ بِشَرْطِ أَنْ يَفْرُغَ أَوْ عَلَى أَنْ يَفْرُغَ فِي الْيَوْمِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قُلْت وَرَدَ فِي بَابِ الرَّاعِي إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ اسْتَأْجَرَهُ شَهْرًا لِيَرْعَى غَنَمَهُ بِدِرْهَمٍ أَوْقَعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَمَلِ لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الْعَمَلِ عَلَى الْوَقْتِ وَالْعِلَّةُ الَّتِي اقْتَضَتْ فَسَادَ الْعَقْدِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ فَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يَفْسُدَ فِي الرَّاعِي كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَيَجُوزُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ كَمَا جَازَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّاعِي تَرْجِيحًا لِلْمُقَدَّمِ فِي الذِّكْرِ وَمَا الْفَارِقُ بَيْنَهُمَا، أَقُولُ: الْفَارِقُ بَيْنَهُمَا قَالَ فِي الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ إنَّمَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ إذَا ذُكِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُجَوِّزُ إفْرَادَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ بَيَانُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَوْمًا لِيَبْنِيَ لَهُ بِالْجِصِّ وَالْآجُرِّ جَازَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ فَكَانَ ذِكْرُ الْبِنَاءِ لِبَيَانِ نَوْعِ الْعَمَلِ، وَهَذَا الْعَمَلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ ذُكِرَ الْعَمَلُ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ إفْرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ فَإِنْ بَيَّنَ قَدْرَ الْبِنَاءِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ اهـ.
فَعَلَى مَسْأَلَةِ الْخُبْزِ بَيَّنَ قَدْرَ الْمَحَلِّ تَفْسُدُ وَفِي مَسْأَلَةِ الرَّاعِي لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْغَنَمِ الْمَرْعِيِّ فَلَا يَفْسُدُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ
стр. 2559
إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ هَذَا الْيَوْمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ الْيَوْمَ فَهُوَ عَلَى الْمَحَلِّ دُونَ الْوَقْتِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا بِهَا وَيَزْرَعَهَا أَوْ يَسْقِيَهَا وَيَزْرَعَهَا صَحَّ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَهُوَ مُلَائِمٌ لَهُ فَلَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، قَالَ ﵀ (وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُثْنِيَهَا أَوْ يُكْرِيَ أَنْهَارَهَا أَوْ يُسَرْقِنَهَا أَوْ يَزْرَعَهَا بِزِرَاعَةِ أَرْضٍ أُخْرَى) لَا يُعَيَّنُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَثَرَ التَّثْنِيَةِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَالسَّرْقَنَةِ يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَيَكُونُ عَقْدٌ فِيهِ نَفْعٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَهُوَ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فَيَفْسُدُ؛ وَلِأَنَّ مُؤَجِّرَ الْأَرْضِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا مَنَافِعَ الْأَجْرِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَتَصِيرُ صَفْقَةً فِي صَفْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تَبْقَى بِأَنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ طَوِيلَةً لَوْ كَانَ الْبَيْعُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ لَا يَفْسُدُ اشْتِرَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّثْنِيَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يَرُدَّهَا مَكْرُوبَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يُكْرِيَهَا مَرَّتَيْنِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إذَا اُشْتُرِطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرُدَّهَا مَكْرُوبَةً بَعْدَ الْإِجَارَةِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ، إنْ قَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَجَّرْتُك بِكَذَا بِأَنْ تَرُدَّهَا مَكْرُوبَةً بَعْدَ مُضِيِّ الْعَقْدِ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَأَمَّا إذَا قَالَ أَجَّرْتُك عَلَى أَنْ تُكْرِيَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْعَقْدُ فَاسِدٌ وَإِنْ أَطْلَقَ الْكِرَابَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ، وَأَمَّا إذَا شَرَطَ أَنْ يُكْرِيَ أَنْهَارَهَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْجَدَاوِلِ وَالْأَنْهَارِ فَقَالَ اشْتِرَاطُ كَرْيِ الْجَدَاوِلِ صَحِيحٌ. قَالَ فِي الْكَافِي الصَّحِيحُ لَا يَفْسُدُ بِهَذَا الْعَقْدِ بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ كَرْيِ الْأَنْهَارِ، وَأَمَّا إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَرْقِنَهَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ السِّرْقِينُ مِنْ عِنْدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ عَيْنًا هُوَ مَالٌ فَإِنْ كَانَ تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ إلَى الْعَامِ الثَّانِي لَا يَفْسُدُ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يُفَصَّلَ فِيهَا بِأَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْأَرْضُ لَا يَظْهَرُ رِيعُهَا إلَّا بِالسِّرْقِينِ فَهُوَ شَرْطٌ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ فَلَا يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ يَظْهَرُ رِيعُهَا مِنْ غَيْرِ سَرْقَنَةٍ فَهُوَ شَرْطٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَيَفْسُدُ، وَأَمَّا اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِأَرْضٍ أُخْرَى لِيَزْرَعَهَا الْآخَرُ يَكُونُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً وَهُوَ حَرَامٌ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ ﵀ (لَا كَإِجَارَةِ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى) يَعْنِي لَا يَجُوزُ إجَارَةُ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ حِينَ كَتَبَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ لِمَ لَا يَجُوزُ إجَارَةُ سُكْنَى دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ فِي جَوَابِهِ أَطَلْت الْفِكْرَةَ وَأَصَابَتْك الْحِيرَةُ وَجَالَسْت الْحَيَارَى أَيْ فَكَانَ مِنْك ذِلَّةٌ وَمَا عَلِمْت أَنَّ إجَارَةَ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى بِالدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ بِنَسِيئَةٍ، قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ النَّسَاءَ مَا يَكُونُ عَنْ اشْتِرَاطِ أَجَلٍ فِي الْعَقْدِ وَتَأْخِيرُ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالثَّانِي أَنَّ النَّسَاءَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي مُبَادَلَةِ مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ بِمَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَإِنَّمَا يَحْدُثَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَا عَلَى عَقْدٍ يَتَأَخَّرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِيهِ وَيَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي وُجُوبِ التَّأْخِيرِ مِنْ الْمَشْرُوطِ فَالْحَقُّ بِهِ دَلَالَةٌ احْتِيَاطًا عَنْ شُبْهَةِ الْحُرْمَةِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الَّذِي لَمْ تَصْحَبْهُ الْبَاءُ تُقَامُ فِيهِ الْعَيْنُ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ دُونَ مَا تَصْحَبُهُ لِفُقْدَانِهَا فِيهِ وَلَزِمَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا حُكْمًا وَعَدَمُ الْآخَرِ فَيَتَحَقَّقُ النَّسَاءُ، وَفِي الشَّارِحِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ الْإِجَارَةَ أُجِيزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِئْجَارِ الْمَنْفَعَةِ بِمَنْفَعَةٍ مِنْ جِنْسِهَا، وَلَوْ اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا الْمَنْفَعَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ اهـ.
[اسْتَأْجَرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ صَاحِبَهُ لِحَمْلِ طَعَامٍ بَيْنَهُمَا]
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ طَعَامٍ بَيْنَهُمَا فَلَا أَجْرَ لَهُ) يَعْنِي لَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ صَاحِبَهُ لِحَمْلِ طَعَامٍ بَيْنَهُمَا لَا يُسْتَحَقُّ الْمُسَمَّى وَلَا أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ حَمْلُ النِّصْفِ شَائِعًا وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي الشَّائِعِ وَلِهَذَا يَحْرُمُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَضَرْبُهَا وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ لَمْ يَجِبْ الْأَجْرُ أَصْلًا؛ وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ جُزْءٍ يَحْمِلُهُ إلَّا وَهُوَ شَرِيكُهُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِيَضَعَ فِيهَا الطَّعَامَ حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَيَسْتَحِقُّ بِتَحَقُّقِ تَسْلِيمِهَا بِدُونِ وَضْعِ الطَّعَامِ وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ حَيْثُ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ لِيَخِيطَ لَهُ قَمِيصًا لَكِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ نَصِيبُ الْأَجْرِ وَهُوَ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ يُمْكِنُ إيقَاعُهُ فِي الشَّائِعِ وَبِخِلَافِ إجَارَةِ الْمَشَاعِ عِنْدَ الْإِمَامِ حَيْثُ يَجِبُ فِيهَا أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ لِلْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ، وَإِذَا سَكَنَ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ
стр. 2560
يَجُوزُ وَفِي الْعُيُونِ وَالْكُبْرَى كُلُّ شَيْءٍ اسْتَأْجَرَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِمَّا يَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ لَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِنْ عَمِلَ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَذَلِكَ مِثْلُ الدَّابَّةِ يَعْنِي لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مُشْتَرَكَةً لِحَمْلِ طَعَامٍ بَيْنَهُمَا فَلَا أَجْرَ لَهُ وَكُلُّ شَيْءٍ اسْتَأْجَرَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ لَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ نَحْوُ الْجَوَالِقِ وَالسَّفِينَةِ وَالدَّارِ قَالَ فَخْرُ الدِّينِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْعُيُونِ وَفِي النَّوَادِرِ اسْتَأْجَرَ رَجُلَيْنِ لِيَحْمِلَا لَهُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ إلَى مَنْزِلِهِ بِدِرْهَمٍ فَحَمَلَهَا أَحَدُهُمَا فَلَهُ نِصْفُ الدِّرْهَمِ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ إذَا لَمْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهُمَا لِبِنَاءِ حَائِطٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ فَلَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْعَمَلِ يَجِبُ الْأَجْرُ كُلُّهُ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا وَفِي الْأَصْلِ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا لِيَحْفِرُوا لَهُ سِرْدَابًا إجَارَةً صَحِيحَةً فَعَمِلُوا وَتَعَاوَنُوا فِي الْعَمَلِ إنْ كَانَ يَسِيرًا قُسِمَ الْأَجْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ أَحَدُهُمَا لِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ لِرَجُلٍ بَيْتٌ عَلَى نَهْرٍ فَجَاءَ آخَرُ بِحَجَرٍ وَمَتَاعِهَا فَوَضَعَهُمَا فِي الْبَيْتِ وَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَطْحَنَا حُبُوبَ النَّاسِ فَمَا حَصَلَ قَسَمَاهُ نِصْفَيْنِ جَازَ وَهُوَ شَرِكَةُ التَّقَبُّلِ وَلَيْسَ لِلْبَيْتِ وَالْمَتَاعِ أَجْرٌ.
قَالَ ﵀ (كَرَاهِنٍ اسْتَأْجَرَ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الشَّرِيكِ هُنَا كَمَا لَا يَجُوزُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَالْمُرْتَهِنُ لَيْسَ بِمَالِكٍ حَتَّى يُؤَجِّرَهُ فَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ مُحَالٌ وَالرَّاهِنُ إنَّمَا يُمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَلَكَهُ وَمَنْ انْتَفَعَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ.
قَالَ ﵀ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَزْرَعُهَا أَوْ أَيَّ شَيْءٍ يَزْرَعُهَا فَزَرَعَهَا فَمَضَى الْأَجَلُ فَلَهُ الْمُسَمَّى) لِأَنَّ الْأَرْضَ تُؤَجَّرُ لِلزِّرَاعَةِ وَلِغَيْرِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالْمُرَاحِ وَنَصْبِ الْخِيَمِ، وَكَذَا مَا يُزْرَعُ فِيهَا يَخْتَلِفُ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا يَزْرَعُ وَيُبَيِّنَ جِنْسَهُ، وَإِذَا زَرَعَ وَمَضَى الْأَجَلُ جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ ارْتَفَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَيَنْقَلِبُ جَائِزًا قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حِلِّ قَوْلِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي تَأَمُّلٍ إنْ جَعَلَ الْعَقْدَ تَامًّا يُنْقَضُ الْحُكْمُ مِمَّا لَا تَقْبَلُهُ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ مِنْ الْأَصْلِ بِنَقْضِ الْحَاكِمِ إيَّاهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَتِمَّ بِهِ وَتَمَامُ الشَّيْءِ مِنْ أَثَرِ بَقَائِهِ بِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْعَقْدِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ فَإِنْ قِيلَ إذَا ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ بِمُجَرَّدِ الزِّرَاعَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ مَا هُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَسَادِ وَهُوَ احْتِمَالُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ فَكَيْفَ يَنْقَلِبُ إلَى الْجَوَازِ بِتَحَقُّقِ شَيْءٍ احْتِمَالُهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِتَعْيِينِهِمَا صَوْنًا عَنْ الْإِضْرَارِ بِالْآخَرِ وَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا، قُلْت الْأَصْلُ إجَارَةُ الْعَقْدِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ تَصِحُّ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَالْمَانِعُ الَّذِي فَسَدَ الْعَقْدُ بِاعْتِبَارِهِ تُوقِعُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا، وَعِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ يَزُولُ هَذَا. اهـ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعْدَ نَقْضِ الْقَاضِي الْعَقْدَ. اهـ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قِيلَ: وَهَذَا تَحْرِيفٌ مِنْ الْكَاتِبِ يَعْنِي إذَا كَانَ بَعْدَهُ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ لَا يُقَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَكَرِّرَةٌ مَعَ قَوْلِهِ وَالْأَرْضُ لِلزِّرَاعَةِ إنْ بَيَّنَ مَا يَزْرَعُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ مَا يَصِحُّ مِنْ الْعُقُودِ وَذِكْرُهَا هُنَا بِاعْتِبَارِ مَا يَفْسُدُ مِنْ الْعُقُودِ قَالَ الْأَكْمَلُ لَا يُقَالُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَكَرِّرَةٌ مَعَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَضْعُ الْقُدُورِيُّ، وَهَذَا مَوْضِعُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةِ قَوْلِهِ فَلَهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ فَاسِدًا وَزَالَ الْفَسَادُ بِالزَّرْعِ عَلَى مَا فِيهِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا إلَى مَكَّةَ وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ فَحَمَلَ مَا يَحْمِلُ النَّاسُ فَنَفَقَ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ يُعْتَبَرُ بِالصَّحِيحِ لِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يَتَعَدَّ فَإِذَا تَعَدَّى ضَمِنَ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، قَالَ ﵀ (وَإِنْ بَلَغَ مَكَّةَ فَلَهُ الْمُسَمَّى) ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ كَانَ لِجَهَالَةِ مَا يُحْمَلُ فَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا تَعَيَّنَ ذَلِكَ فَانْقَلَبَ صَحِيحًا لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِلْفَسَادِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً وَجَحَدَ الْإِجَارَةَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَجْرُ مَا رَكِبَ قَبْلَ الْإِنْكَارِ وَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ لِمَا بَعْدَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ بِالْجُحُودِ صَارَ غَاصِبًا وَالْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجِبُ الْأَجْرُ كُلُّهُ. اهـ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ تَشَاحَّا قَبْلَ الزَّرْعِ وَالْحَمْلِ نُقِضَتْ الْإِجَارَةُ دَفْعًا لِلْفَسَادِ) إذْ الْفَسَادُ بَاقٍ قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ الْجَهَالَةُ بِالتَّعْيِينِ بِالزَّرْعِ وَالْحَمْلِ، فَإِنْ قُلْت حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ نَقْضُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى وُجُوبِ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ قُلْنَا قَدَّمَ الْأُجْرَةَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا فَتَأَمَّلْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ رَفْعَ الْفَاسِدِ وَاجِبٌ سَوَاءٌ تَشَاحَّا أَوْ لَمْ يَتَشَاحَّا فَكَانَ
следующие страницы →