محاولة التشكيك في الآثار التي اعترفت بالرأي وأقرت به، كتضعيفهم حديث معاذ، الذي قال له رسول الله ﷺ حينما بعثه إلى اليمن: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟»، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟»، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي وَقَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» (١).
هذه لمحة بسيطة عن وجهة نظر الظاهرية في إبطالهم الرأي. فلسنا في مجال بسط الأدلة ولا الرد عليها، فقد اكتظت صفحات عديدة من كتب الأصول بإيراد الأدلة ومناقشتها وموازنتها، ويكفينا أن نشير هنا إلى أن القائلين بالرأي يستندون في القول به إلى القرآن والسنة والآثار أيضًا وأنهم ليسوا خارجين على النصوص، وإنما هم يوسعون مجال العمل بها، وأنهم لا يقولون على الله ما لا يعلمون، بل يقولون عليه ما أرشدهم الله ورسوله إليه. وأن الظن ليس مذمومًا على إطلاقه، بل هو لفظ مشترك في اللغة، يطلق على الشك والتردد كما يطلق على الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم، كما يطلق على اليقين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، لأنه لا بد من اليقين في الإيمان بالآخرة، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]، كما
стр. 387
يطلق الظن على التهمة ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]- في قراء الظاء - أي بمتهم.
فالظن المذموم هو ما كان بمعنى الشك، فطرفاه مستويان لا راجح فيها فهذا يحرم العمل به اتفاقًا، وهو المعنى بأكذب الحديث، وهو الذي لا يغني من الحق شيئًا، وهو بعض الإثم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وأما الظن الذي بمعنى الطرف الراجح، فهو متعبد به قطعًا، بل أكثر الأحكام الشرعية دائرة عليه، ومنه حديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ». وهذا هو الظن الراجح الصادر عن أمارة صحيحة (١).
ويجدر بنا أن نشير إلى أن داود بن علي الظاهري، ليس أول من قال بنفي القياس، بل سبقه في ذلك النَظَّامُ، الذي يعتبره ابن عبد البر أول من أحدث نفي القياس مخالفًا بذلك علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم الذين كانوا يستعملون القياس ويجيزونه، وقد تابع إبراهيم بن سيار النظام على ذلك بعض أصحابه، وقد خالفه في ذلك بعض أئمة الاعتزال، منهم أبو الهذيل العلاف، الذي رد على النظام وقمعه. ومنهم بشر بن المعتمر الذي كان شيخ البغداديين ورئيسهم، وكان أشد الناس نصرة للقياس واجتهاد الرأي في الأحكام، وكان هو وأبو الهذيل كأنما ينطقان في ذلك بلسان واحد (٢).
القِيَاسُ الذِي يُنْكِرُهُ دَاوُدُ:
كما نشير أيضًا إلى أن الآراء قد تضاربت حول إنكار داود القياس: هل ينكر كل أنواعه، أم أنه ينكر غير الجلي منه؟
стр. 388
وقد نقل السبكي عن والده أن الذي صح عنده هو أن داود لا ينكر القياس الجلي، وإن نقل إنكاره عنه ناقلون - بل ينكر القياس الخفي فقط، أما لذي ينكر القياس كله، جليه وخفيه، فهم طائفة من أصحابه، زعيمهم ابن حزم.
ويعقب السبكي على رأي والده، بأنه بعد اطلاعه على " رسالة " لداود في الأصول وجد أن ظاهر كلام داود فيها يدل على إنكاره للقياس جملة، وأنه لا يقول بشيء منه، نعم إنه يطبق العلة إذا كانت منصوصة، ولكنه لا يسمي هذا التطبيق قياسًا، بل هو استعمال لدلالة النص (١).
وبهذا يرد أيضًا على ابن عبد البر، الذي اعتبر (الدليل) نوعًا من أنواع القياس (٢)، وقد سبق أنه من دلالة النص أو الإجماع.
وذكر الغزالي أن نفاة القياس ثلاث فرق بالنسبة للعلة المنصوصة:
١ - الفرقة الأولى ذهبت إلى أن التنصيص على العلة، كذكر اللفظ العام فإذا قال الشارع: حرمت الخمر لإسكارها، فإن هذا يساوي: حرمت كل مسكر، وإذا قال: «اقْتُلْ هَذَا الكَلْبَ لِأَنَّهُ أَسْوَدٌ»، كان معنى ذلك: اقتل كل كلب أسود.
٢ - الفرقة الثانية: أجازت القياس بالعلة المنصوصة دون المستنبطة وهؤلاء كالفريق الأول، لم يفارقوه إلا في التسمية، حيث سمى هذا النوع قياسًا، وأبى ذلك الفريق الأول.
٣ - الفرقة الثالثة: أنكرت الإلحاق مع وجود النص على العلة،
стр. 389
لأن تعليل حكم ما بعلة معينة، لا يوجب تعميم هذه العلة ما لم تكن بلفظ عام، فلو قال الشارع: «اتَّقُوا الرِّبَا فِي كُلِّ مَطْعُومٍ» فهو توقيف عام، ولو قال: «اتَّقُوا الرِّبَا فِي البُرِّ، لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ» فهذا لا يساوي الأول، ولا يقتضي الربا في غير البر، كما لو قال المالك: «أَعْتِقُ مِنْ عَبِيدِي كُلَّ أَسْوَدٍ». عتق كل أسود، فلو قال: «أَعْتِقْ فُلَانًا لِسَوَادِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَسْوَدٌ». - لم يعتق جميع عبيده السود (١).
ويبدو أن داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر، من هذا الفريق الثالث.
стр. 390
الفَصْلُ الثَّالِثُ: عَلاَقَةُ الظَّاهِرِيَّةِ بِالمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ، وَنَقْدِ المَذْهَبَ الظَّاهِرِيَّ:
بعد هذه الإشارة الموجزة عن أصول أهل الظاهر، نعود فنلقي نظرة على طبيعة العلاقة التي كانت تربطهم بغيرهم من المذاهب الفقهية، ورأى هذه المذاهب في الظاهرية، ورأى الظاهرية فيهم.
وإذا استعرضنا المذاهب الفقهية وقارناها بالمذهب الظاهري، فسوف نجد أن أقربها إلى هذا المذهب هو مذهب المحدثين والمذهب الحنبلي باعتبار ما قدمناه من القرابة القريبة بين المحدثين وأهل الظاهر. ثم يليها في ذلك المذهب الشافعي، باعتبار صداقته للمحدثين وقرب أصوله، ثم يأتي المذهب الحنفي والمذهب المالكي في الطرف القصي من المذهب الظاهري، ولهذا صوب ابن حزم سهام نقده وتعنيفه لهذين المذهبين، لتوسعهما في الرأي، مع كثرة أتباعهما، ولم يسلم الشافعية من هجومه أيضًا، لقولهم بالقياس، أما الحنابلة والمحدثون بعامة، فلم يتعرض لهم على الإطلاق. وهو لا يلوم أئمة المذاهب بقدر ما يعنف المقلدين لهم، أما الأئمة فهم مجتهدون، يصيبون ويخطئون، وفي الحالتين هم مثابون.
وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا - رَحِمَهُمَا اللهُ - اجْتَهَدَا وَكَانَا مِمَّنْ أَمَرَ بِالاِجْتِهَادِ، إِذْ كُلُّ مُسْلِمٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي دِينِهِ وَجَرْيًا عَلَى طَرِيقِ [مَنْ سَلَفَ] فِي تَرْكِ
стр. 391
التَّقْلِيدِ - فَأُجِرَا فِيمَا أَصَابَا فِيهِ أَجْرَيْنِ وَأَجْرًا فِيمَا أَخْطآ فِيهِ أَجْرًا وَاحِدًا وَسَلِمَا مِنَ الوِزْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ... فَقَلَّدَهُمَا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، مِمَّنْ أَخْطَأَ وَابْتَدَعَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِجْمَاعَ المُسْلِمِينَ ... وَكَذَلِكَ المُقَلِّدُونَ لِلْشَّافِعِيِّ ﵀ إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ أَصَّلَ أُصُولًا، الصَّوَابُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ الخَطَأِ، فَالمُقَلِّدُونَ لَهُ أَعْذَرُ فِي اتِّبَاعِهِ فِيمَا أَصَابَ فِيهِ، وَهُمْ أَلْوَمُ وَأَقَلُّ عُذْرًا فِي تَقْلِيدِهِمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَخْطَأَ فِيهِ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الظَّاهِرِ فَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ التَّقْلِيدِ» (١).
ولا شك أن داود قد ناظر مخالفيه، منافحًا عن مذهبه ومقررًا لأصوله. وقد ذكر ابن السبكي أنه اطلع على " رسالة " داود، تدل على عظيم معرفته بالجدل، وكثرة صناعته في المناظرة وكان موضوع هذه الرسالة هو الرد على المُزَنِيِّ، وكان المُزَنِيُّ قد رد على داود إنكار القياس، ويقول ابن السبكي: «إِنَّ دَاوُدَ قَدْ شَنَّعَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ عَلَى المُزَنِيِّ كَثِيرًا» (٢).
ونقل ابن عبد البر عن المزني بعض كلامه في تأييد القياس، ومن ذلك قول المُزَنِيِّ: «الفُقَهَاءُ مِنْ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا، وَهَلُمَّ جَرًّا اسْتَعْمَلُوا المَقَايِيسَ فِي الفِقْهِ فِي جَمِيعِ الأَحْكَامِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا بِأَنَّ نَظِيرَ الحَقِّ حَقٌّ، وَنَظِيرَ البَاطِلِ بَاطِلٌ، فَلاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ إنْكَارُ القِيَاسِ، لأَنَّهُ التَّشْبِيهُ بِالأُمُورِ وَالتَّمْثِيلُ عَلَيْهَا» (٣).
وقد قال المزني لبعض مخالفيه - ولعل هذا المخالف كان ظاهريًا أو من
стр. 392
أهل الحديث -: «" مِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، وَلِمَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ "، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: " قَدْ عَلِمْتَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ أَنَّا لَسْنَا لِمِّيَّةً "، فَقَالَ المُزَنِيُّ: " إِنْ لَمْ تَكُونُوا لِمِّيَّةً فَأَنْتُمْ إِذَنْ فِي عَمِيَّةٍ "» (١).
وقد نقلنا آنفًا أن داود أكثر من تشنيعه على المزني. والمطلع على كتب ابن حزم الظاهري، لا يخطئ ملاحظة الإكثار من تشنيعه على مخالفيه. ولعل ذلك كان نتيجة لتحالف المذاهب القائلة بالقياس، ورميها الظاهرية عن قوس واحدة. وقد كانت العلاقة بين هذه المذاهب والمذهب الظاهري متوترة دائمًا، أشبع جوها بعدم التسامح وسوء الظن، وتساقط فيه وابل من التهم والتنابز بالألقاب.
وقد اتهم الظاهرية بأنهم يشبهون الخوارج، ويجمعهما اتباع الظاهر لأن مما عيب به الخوارج - اتباعهم ظاهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم به بادئ الرأي والنظر. ويقول الشاطبي: «وَمِنْ هُنَا ذَمَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ رَأْيَ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ المِائَتَيْنِ» (٢).
ولا يكتفي ابن العربي بما يقال من أن الظاهرية يشبهون الخوارج، بل يجعل أهل الظاهر طائفة من الخوارج وفرقة من فرقهم، وقال عنهم، إنهم «فِرْقَةٌ سَخِيفَةٌ، مُكَفِّرَةٌ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَهِيَ التِي لَا تَقُولُ إِلَّا مَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتُنْكِرُ النَّظَرَ أَصْلاً، وَتَنْفِي التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ الذِي لَا يَعْرِفُ اللَّهَ إِلَّا بِهِ».
ثم ذكر أمرهم في الأندلس وانتشارهم هناك بتأثير ابن حزم، فقال: «وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ اسْتَشْرَى دَاؤُهُ، وَعَزَّ عِنْدَنَا دَوَاؤُهُ، وَأَفْتَى الجَهَلَةُ بِهِ،
стр. 393
فَمَالُوا إِلَيْهِ وَغَرَّهُمْ رَجُلٌ كَانَ عِنْدَنَا، يُقَالُ لَهُ ابْنُ حَزْمٍ، انْتَدَبَ لِإِبْطَالِ النَّظَرِ، وَسَدِّ سُبُلِ العِبَرِ، وَنَسَبَ نَفْسَهُ إِلَى الظَّاهِرِ، اقْتِدَاءً بِدَاوُدَ وَأَشْيَاعِهِ فَسَوَّدَ القَرَاطِيسَ وَأَفْسَدَ النُّفُوسَ ...» (١).
لم يترك ابن حزم هذا الاتهام دون أن يرد عليه. فقد حكى قول من يخشى على الظاهرية الضلال لأخذهم بالظاهر، كما ضلت الخوارج بحملهم القرآن على ظاهره، فخطأ هذا القول، وأكد أن الخوارج لم يضلوا بذلك، بل ضلوا لتعلقهم بآيات، وتركهم غيرها مما هو في موضوعها، كما ضلوا أيضًا بتركهم بيان الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزل إليهم، ويعني بذلك السنة. ولا يكفي بذلك بل يؤكد أن عدم الأخذ بالظاهر هو الذي يقود إلى الضلال، كما ضلت الباطنية بتركهم الظاهر (٢).
ولقد أَبَى كَثِيرٌ من العلماء أن يعترف بالقيمة العلمية للمذهب الظاهري، حتى إنهم لا يعتبرون خلافهم مؤثرًا على الإجماع إن تحقق.
وينقسم العلماء إزاء الاعتراف بالظاهرية والاعتداد بخلافهم في الفروع إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: لا يعتبر خلافهم مطلقًا، ولا يبالي بهم، وافقوا أم خالفوا، وغاية ما يمكن أن يعترف لهم به هو أنهم نقلة للحديث، لكنهم ليسوا من علماء الشريعة، ولا يبلغون درجة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء، وممن يرى هذا الرأي إسماعيل القاضي، وأبو بكر الرازي
стр. 394
الجصاص، وأبو إسحاق الإسفراييني وإمام الحرمين، وَرَأْيُ ابن أبي حاتم قريب من ذلك، فقد ذكر في ترجمته لداود: أَنَّهُ «نَفَى القِيَاسَ وَأَلَّفَ فِي الفِقْهِ عَلَى ذَلِكَ كُتُبًا شَذَّ فِيهَا عَنْ السَّلَفِ وَابْتَدَعَ طَرِيقَةً هَجَرَهُ أَكْثَرُ [أَهْلِ] العِلْمِ عَلَيْهَا. وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ صَدُوقٌ فِي رِوَايَتِهِ [وَنَقْلِهِ] وَاعْتِقَادِهِ، إِلَّا أَنَّ رَأْيَهُ أَضْعَفُ الآرَاءِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ طَرِيقِ الفِقْهِ وَأَكْثَرُهَا شُذُوذًا» (١).
- القسم الثاني: يعتد بهم، ويعترف بخلافهم، إلا فيما خالف القياس الجلي، وهو رأي ابن الصلاح.
- القسم الثالث: يعتد بخلافهم مطلقًا، وهو الذي استقر عليه الأمر عند الشافعية، واختاره ابن السبكي، حيث قال: «فَالذِي أرَاهُ الاِعْتِبَارُ بِخِلاَفِ دَاوُدَ [وَوِفَاقِهِ] (*). نَعَمْ لِلْظَّاهِرِيَّةِ مَسَائِلَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلاَفِهِ فِيهَا لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ دَاوُدَ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْنَّظَرِ بَلْ لِخَرْقِهِ فِيهَا إِجْمَاعًا تَقَدَّمَهُ» (٢).
نَقْدُ ابْنِ القَيِّمِ لِلْظَّاهِرِيَّةِ:
ومن أحسن ما قيل في أهل الظاهر، وأكثره موضوعية واعتدالاً نقد ابن القيم، الذي ذكر فيه أن لأهل الظاهر حسنات يقابلها سيئات:
«[وَأَحْسَنُوا] فِي اعْتِنَائِهِمْ بِالنُّصُوصِ وَنَصْرِهَا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَعَدَمِ تَقْدِيمِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا مِنْ رَأْيٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، وَأَحْسَنُوا فِي رَدِّ الْأَقْيِسَةِ الْبَاطِلَةِ، وَبَيَانِهِمْ تَنَاقُضَ أَهْلِهَا [فِي نَفْسِ الْقِيَاسِ] وَتَرْكِهِمْ لَهُ، وَأَخْذِهِمْ بِقِيَاسٍ وَتَرْكِهِمْ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ.
وَلَكِنْ أَخْطَئُوا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
نَقْدُنَا لِلْظَّاهِرِيَّةِ:
والحق أن الالتزام بإطراد قواعد مذهب ما، والتطرف في تطبيق هذه القواعد، دون مراعاة للجزئيات والظروف المحيطة بها - هو أهم نقد يوجه إلى أهل الظاهر، وإلى أهل الرأي أيضًا، كما ذكرنا ذلك في بداية حديثنا عن الظاهرية، لأن المهم في النصوص هو الاجتهاد في معرفة مراد الشارع منها، وتعيين ذلك قد يقصر عنه اللفظ لم تقصد لذاتها، بل هي جسر يتوصل بها إلى معرفة المعنى المقصود منها، ومراد المتكلم بها. والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علته، فإذا اقتصر على اللفظ فقد يقصر به عمومه، أو يحمله فوق ما يراد به. وكذلك إذا اقتصر على المعنى والعلل، فقد يعمم ما لا يقصد تعميمه، أو يقتصر على بعض إفراد ما يريد به العموم، فالواجب أن يكون عند المجتهد مرونة كافية في فهم النصوص وما يحيط بها، وألا يقيد من حريته في ذلك قاعدة ألزم بها نفسه.
ومما يدل على أهمية القرائن وتأثيرها في فهم النصوص مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَعْضِ المُتَخَاصِمِينَ، فَلَمَّا حَانَتْ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَرْجِعْ ﵇ صَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، وَوَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ التَّصْفِيقِ حَتَّى الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -: أَنْ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٌ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ الرَّسُولُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
стр. 397
«مَا كَانَ لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
وقد علق النووي على هذا الحديث بقوله: «وَفِيهِ أَنَّ التَّابِعَ إِذَا أَمَرَهُ المَتْبُوعُ بِشَيْءٍ وَفَهِمَ مِنْهُ إِكْرَامَهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَا تَحَتُّمُ الْفِعْلُ - فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلَا يَكُونُ هَذَا مُخَالَفَةً لِلأَمْرِ بَلْ يَكُونُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا وَتَحَذُّقًا فِي فَهْمِ المَقَاصِدِ» (١).
وبهذا الإطراد للقواعد التي ألزم أهل الظاهر أنفسهم بها - جمعوا في مذهبهم بين اليسر في بعض الأحكام، والشدة والتضييق في بعضها الآخر فضلاً عن انفرادهم بأقوال خالفوا فيها كل المذاهب.
فمن ذلك قولهم بنجاسة الكفار، وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَلُعَابُ الكُفَّارِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، الكِتَابِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ - نَجِسٌ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ العَرَقُ مِنْهُمْ وَالدَّمْعُ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْهُمْ ...» ودليله على ذلك قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، لأن الكل ليس شيئًا غير أبعاضه.
«فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ النَّجَاسَةَ التِي فِي الآيَةِ لَيْسَ مَعْنَاهَا النَّجَاسَةُ الحِسِّيَّةُ، بَلْ المُرَادُ بِهَا النَّجَاسَةُ المَعْنَوِيَّةِ - كَانَ رَدُّ ابْنِ حَزْمٍ عَلَى ذَلِكَ: " هَبْكُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، أَيَجِبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ المُشْرِكِينَ طَاهِرُونَ؟ حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، وَمَا فَهِمَ قَطُّ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، مَعَ قَوْلِ نَبِيِّهِ ﷺ : " إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ " أَنَّ المُشْرِكِينَ طَاهِرُونَ».
«فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أُبِيحَ [لَنَا] نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ وَوَطْؤُهُنَّ، قُلْنَا: نَعَمْ، فَأَيُّ دَلِيلٍ فِي هَذَا عَلَى أَنَّ لُعَابَهَا وَعَرَقَهَا وَدَمْعَهَا طَاهِرٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ
стр. 398
لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ، بَلْ يَفْعَلُ فِيمَا مَسَّهُ مِنْ لُعَابِهَا وَعَرَقِهَا مِثْلَ الَّذِي يَفْعَلُ إذَا مَسَّهُ بَوْلُهَا أَوْ دَمُهَا».
وقد ذكر المرحوم الشيخ أحمد شاكر: أَنَّ هَذَا القَوْلَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَمْ يَعْرِفْهُ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ العُلَمَاءِ إِلَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي " تَفْسِيرِهِ ": (٥/ ٣٧٢) عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ ابْنَ حَزْمٍ، وَإِلَّا مَا نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ فِي " تَفْسِيرِهِ ": (١٠/ ٧٤) عَنْ الحَسَنِ: «لَا تُصَافِحُوهُمْ، فَمَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ». وحتى الطبري: «أَنَّ هَذَا القَوْلَ مَنْسُوبٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ حَمِيدٍ، فَكَرِهَ ذِكْرَهُ» (١).
ومن ذلك مذهب الظاهرية في الماء الراكد إذا بال فيه إنسان، فقد جاء الحديث: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». وفي رواية: «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ».
فالنهي في الحديث مقصور على البول في الماء الدائم، فلو تغوط فيه فلا بأس، لأنه غير منهي عنه. ثم إن النهي عن الوضوء أو الغسل بهذا الماء - متوجه إلى البائل دون غيره، فلو بال إنسان في ماء راكد، فلا مانع من أن يتوضأ منه غير البائل، لأنه طاهر بالنسبة له.
وفي ذلك يقول ابن حزم: «... إلاَّ أَنَّ البَائِلَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ الذِي لَا يَجْرِي حَرَامٌ عَلَيْهِ الوُضُوءُ بِذَلِكَ المَاءِ وَالاِغْتِسَالُ بِهِ لِفَرْضٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَحُكْمُهُ التَّيَمُّمُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ. وَذَلِكَ المَاءُ طَاهِرٌ حَلاَلٌ شُرْبُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، إنْ لَمْ يُغَيِّرْ البَوْلُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِهِ. وَحَلاَلٌ الوُضُوءُ بِهِ وَالغُسْلُ بِهِ لِغَيْرِهِ. فَلَوْ أَحْدَثَ فِي المَاءِ، أَوْ بَالَ خَارِجًا مِنْهُ ثُمَّ جَرَى البَوْلُ فِيهِ فَهُوَ
стр. 399
طَاهِرٌ، يَجُوزُ الوُضُوءُ مِنْهُ وَالْغُسْلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، إلاَّ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ البَوْلُ أَوْ الحَدَثُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِ المَاءِ، فَلاَ يُجْزِئُ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالُهُ أَصْلاً لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ ...».
ويقول مدافعًا عن التفريق بين البول والغائط، وأنه يقتصر على ما ورد به النص: «فَلَوْ أَرَادَ ﵇ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ البَائِلِ لَمَا سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ عَجْزًا وَلَا نِسْيَانًا وَلَا [تَعْنِيتًا] لَنَا بِأَنْ يُكَلِّفَنَا عِلْمَ مَا لَمْ يُبْدِهِ لَنَا مِنْ الغَيْبِ» (١).
وهذا المذهب الذي يقرره ابن حزم مذهب غريب جدًا، لا يؤيده عقل ولا يوافقه نقل. وهو ليس مذهبه وحده، بل هو مذهب داود أيضًا، وفي ذلك يقول النووي، حاكيًا مذهب داود مفندًا له: «نَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ الأَصْبَهَانِيِّ ﵀ مَذْهَبًا عَجِيبًا، فَقَالُوا: انْفَرَدَ دَاوُد بِأَنْ قَالَ: " لَوْ بَالَ رَجُلٌ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَضَّأَ هُوَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ [سَبَقَ بَيَانُهُ] قَالَ: " وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ لأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ عِنْدَهُ وَلَوْ بَالَ فِي إنَاءٍ ثُمَّ صَبَّهُ فِي مَاءٍ أَوْ بَالَ فِي شَطِّ نَهْرٍ ثُمَّ جَرَى البَوْلُ إلَى النَّهْرِ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ هُوَ مِنْهُ لأَنَّهُ مَا بَالَ فِيهِ بَلْ فِي غَيْرِهِ، قَالَ: " وَلَوْ تَغَوَّطَ فِي مَاءٍ جَارٍ جَازَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ لأَنَّهُ تَغَوَّطَ وَلَمْ يَبُلْ "».
ثم قال النووي: «وَهَذَا مَذْهَبٌ عَجِيبٌ، وَفِي غَايَةِ الفَسَادِ، فَهُوَ أَشْنَعُ مَا نُقِلَ عَنْهُ، إنْ صَحَّ عَنْهُ ﵀. وَفَسَادُهُ مُغْنٍ عَنْ الاِحْتِجَاجِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا أَعْرَضَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا المُعْتَنِينَ بِذِكْرِ الخِلاَفِ عَنْ
أيضًا، فإذا شرب الكلب في إناء وجب إراقة ما فيه كثيرًا أو قليلاً، ماء أو غيره، وغسل سبعًا، أولاهن بالتراب مع الماء ولا بد.
«فَإِنْ أَكَلَ الكَلْبُ فِي الإِنَاءِ وَلَمْ يَلَغْ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ أَوْ [ذَنَبَهُ] أَوْ وَقَعَ بِكُلِّهِ فِيهِ - لَمْ يَلْزَمْ غَسْلُ الإِنَاءِ وَلَا هَرْقُ مَا فِيهِ البَتَّةَ وَهُوَ حَلاَلٌ طَاهِرٌ كُلُّهُ كَمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَلَغَ الكَلْبُ فِي بُقْعَةٍ فِي الأَرْضِ أَوْ فِي يَدِ إنْسَانٍ أَوْ فِي مَا لَا يُسَمَّى إنَاءً فَلاَ يَلْزَمُ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا هَرْقُ مَا فِيهِ ...» ولم يجعل ابن حزم للخنزير في ذلك حكم الكلب (١).
وَقَدْ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إِلَى طَهَارَةِ المَنِيِّ، وَأَنَّهُ لَا تَلْزَمُ إِزَالَتُهُ، وَجَعَلَهُ مِثْلَ البُصَاقِ، وَأَنَّ مَنْ يَغْسِلُهُ لَا يَغْسِلُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ اسْتِقْذَارِهِ أَوْ كَرَاهِيَتِهِ رُؤْيَةَ النَّاسِ لَهُ فِي ثَوْبِهِ (٢).
كَمَا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المَرْأَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ [تُخَلِّلَ] شَعْرَ نَاصِيَتِهَا أَوْ ضَفَائِرِهَا فِي الغُسْلِ، وَلَكِنَّهُ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى غَسْلِ الجَنَابَةِ، أَمَّا غُسْلُ الجُمُعَةِ، وَالغُسْلُ مِنْ غَسْلِ المَيِّتِ، وَمِنَ النِّفَاسِ - وَكُلُّ ذَلِكَ فَرْضٌ عِنْدَهُ - فَيَلْزَمُ المَرْأَةَ فِيهَا أَنْ تَحُلَّ ضَفَائِرَهَا، لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي غُسْلِ الجَنَابَةِ فَقَطْ» (٣).
وأيضًا فقد ذهب إلى أن حقوق الله تعالى مقدمة في التركة على ديون العباد وتخرج من كل ماله، «فَإِنْ كَانَ نَذَرَ صَلاًةً صَلاَّهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ صَوْمًا كَذَلِكَ، أَوْ حَجًّا كَذَلِكَ، أَوْ عُمْرَةً كَذَلِكَ، أَوْ اعْتِكَافًا
стр. 402
كَذَلِكَ، [أَوْ ذِكْرًا كَذَلِكَ]، وَكُلَّ بِرٍّ كَذَلِكَ - فَإِنْ أَبَى الوَلِيُّ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مَنْ يُؤَدِّي دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى قِبَلَهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ - يعني داود الظاهري - وَأَصْحَابِنَا». «وَمَنْ تَعَمَّدَ [النُّذُورَ] لِيُلْزِمَهَا مَنْ بَعْدَهُ، فَهِيَ غَيْرُ لاَزِمَةٍ، لَا لَهُ وَلَا لِمَنْ بَعْدَهُ، [لأَنَّ النَّذْرَ اللاَّزِمَ الوَفَاءِ بِهِ هُوَ نَذْرُ الطَّاعَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ الآنَ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ]» (١).
وفي بعض الروايات عن أحمد بن حنبل ما يجعل مذهبه في ذلك قريبًا جدًا من مذهب الظاهرية (٢).
كما «أَوْجَبَ ابْنُ حَزْمٍ الضَّجْعَةَ بَعْدَ سُنَّةِ الفَجْرِ»، وَ «أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَضْطَجِعْهَا»، وذكر ابن القيم: «أَنَّ رَأْيَهُ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ الأُمَّةِ» (٣).
وأخيرًا فإننا نعتقد أن الشذوذ والإغراب في فقه الظاهرية لا ينقص من قدره، ولا يدعو إلى العزوف عنه وإهماله، لأنه يحتوي أيضًا على كثير مما يمتع ويقنع، وليست الإساءة في جانب مدعاة إلى نبذ كل الجوانب وكل المذاهب الأخرى لا تخلو من الخطأ، وقد حرص ابن حزم على كشف عوراتها وبيان تناقضها. ويكفي أن الظاهرية يصدرون عن إيمان عميق بأصولهم، واقتناع تام بصحته، حتى ليقول ابن حزم في بيان أنه لا يقبل قول أحد إلا بحجة: «وَهَكَذَا نَقُولُ نَحْنُ اتِّبَاعًا لِرَبِّنَا بَعْدَ صِحَّةِ مَذَاهِبِنَا لَا شَكًّا فِيهَا وَلاَ خَوْفًا مِنْهُ أَنْ يَأْتِينَا أَحَدٌ بِمَا يُفْسِدُهَا وَلَكِنْ ثِقَةً مِنَّا بِأَنَّهُ لَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمَا يُعَارِضُهَا بِهِ أَبَدًا لِأَنَّنَا وَلِلَّهِ الحَمْدُ أَهْلُ التَّخْلِيصِ وَالبَحْثِ وَقَطْعِ العُمُرِ فِي طَلَبِ تَصْحِيحِ الحُجَّةِ وَاعْتِقَادِ الأَدِلَّةِ قَبْلَ اعْتِقَادِ مَدْلُولَاتِهَا حَتَّى وُفِّقْنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الحَمْدُ عَلَى مَا ثَلَجَ اليَقِينَ ...» (٤).
стр. 403
والمطلع على فقههم لا يكاد يلمح ما يظهر عند المحدثين - من التردد، والأخذ بأسباب الحيطة، والتورع عن التحليل والتحريم، بل نجد عندهم الجزم والقطع واليقين بصحة ما فهموه من الأدلة، وإصدار الحكم بمقتضى هذا الفهم، دون تردد أو شك، وهذا في الواقع من المظاهر الهامة التي تفرق بينهم وبين المحدثين.
والتورع والاحتياط والتردد عند المحدثين هو موضوع الفصل القادم الذي حان الآن موعد لقائنا معه.
стр. 404
البَابُ الرَّابِعُ: الاِتِّجَاهُ الخُلُقِيُّ النَّفْسِيُّ:
(وهو فصل واحد)
• معنى هذا الاتجاه.
• أثره في سلوك المحدثين عند الاستنباط.
• أثره في نظرتهم إلى الموضوعات الفقهية.
• أثره في نظرتهم إلى الأعمال.
стр. 405
مَعْنَى هَذَا الاِتِّجَاهِ:
ونبتغي من هذا الاتجاه أن نتلمس الجانب الخلقي والنفسي الذي صدر عنه فقه المحدثين، وأن توضح ملاحظتهم له عند حكمهم على الأفعال الإنسانية المختلفة، وكيف أن هذه الأحكام كانت تختلف باختلاف النية والباعث النفسي من جهة، وبمآلات الأفعال وصيرورتها من جهة أخرى، وكيف كانت تخضع لسلطان الدين والتقوى في كل الأحوال.
إن نظرة المحدثين للفقه، تمثل الاتجاه الديني، والتصور الإسلامي للحياة ووظيفتها، هذا الاتجاه الذي لا ينسى، وهو يقرر الضوابط للسلوك الإنساني في الحياة أن يعد الإنسان أولاً، وأن يثير في نفسه الدوافع التي تحثه على تقبل هذه الضوابط، والرغبة في تطبيق الأحكام التي يكلف بها، وأن يطلق قوى الخير الكامنة فيه، عن طريق الترغيب والترهيب، والتذكير الدائب بأن هذه الحياة التي نعيشها ليست كل شيء، ولن تكون خاتمة المطاف، بل هي لن تعدو أن تكون ميدانًا للعمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، ويؤكد هذا التصور الإسلامي أن حياة الإنسان ليست إلا فترة مرحلية، وأن الموت لا ينهي الإنسان، وإنما تنتهي به مرحلة من مراحل تطوره، لتبدأ بعده مرحلة أخيرة لها سماتها الخالدة.
ويبين الله في آيات كثيرة المراحل التي يمر بها الإنسان منبهًا على أنها دليل على حتمية الحياة الآخرة، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
стр. 406
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (١).
وقد أمضى الرسول ﷺ ما يزيد على عشر سنوات في إرساء هذه القواعد، وتثبيت هذه الدعائم، وصرف الله سبحانه القرآن فيها تصريفًا، حتى إذا ثبتت الدعائم واستقرت الأركان، نزلت الأحكام تترى، وهي توجب أو تحرم، فوجدت آذانًا مصغية، وقلوبًا واعية وأرضًا خصبة طيبة، قد أحسن إعدادها لتقبل التشريعات الإسلامية، فما كاد يلقي فيها البذر، حتى انشق عنها الزرع، ثم بادر الطرف استواؤه ونماؤه، فكان كما وصفهم لله ﵎ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ (٢).
وبهذا الإعداد الجديد يتم التناسق والألفة بين المجتمع، وما يراد منه وبه، ويوجد نوع من المصالحة بين التشريعات، والبيئة المهيأة المعدة لتلقيها، وإغفال هذا الإعداد الروحي، الذي يضيء القلب، ويهذب الوجدان، ويوثق الصلة بين العبد وخالقه، ويثير الأشواق إلى الله، ويوحي بالتنافس في رضاه - يؤدي إلى انفصال المجتمع الإسلامي عن تشريعاته، ويتسبب في إيجاد هوة عميقة تفصل بين واقع الناس، وما يلقى إليهم من أحكام، فيعمدون إلى تأويلها والتحايل على إخضاعها لواقعهم. وكلما اتسعت الفجوة اشتدت الجفوة، ووهن سلطان هذه الأحكام، واستخف الناس بها،
стр. 407
واستعلنوا بعصيانها، فيصبح الناس وعلاقاتهم وسلوكهم في جانب، وتقبع الأحكام والتشريعات في جانب قصي عنهم لا تأثير لها ولا حياة فيها.
إن من الخطأ أن نقرر للناس أحكام إلهية، دون أن يمهد لهم الطريق إلى معرفة الإله. وإن التناقض أن يعترف المؤلفون في الفقه الإسلامي بأن الله هو مصدر أحكامهم، وغاية جهده، ثم يهملوا توجيه المشاعر إليه تعالى، وإثارة الخوف من غضبه والأمل في رحمته، ودون أن يحركوا سائر الأحاسيس التي ترهف الوجدان، وتوقظ الضمير، مع أهمية ذلك ومراعاة التشريع الإسلامي، وانبنائه عليه.
ولذلك كان مفهوم الفقه عند السلف مفهومًا رحبًا، يتسع لمعرفة الأحكام العملية والدوافع الإلهية مَعًا، وقد نقلنا فيما سلف عبارات لهم في ذلك، ورأينا كيف أن الغزالي هاجم الفقه الذي يتجرد لمعرفة الأحكام العملية، دون أن يعنى بالجانب الإلهي في الإنسان، وهو الجانب الهام الذي ينير بصيرة الفقيه، ويلهمه عند استنباطه، ويعينه على أن يوائم بين سلوكه وبين الأحكام التي يستنبطها، إذ ليس من المستساغ أن يقرر الفقيه نظريات، ويصوغ مواد، ثم يكون سلوكه مجافيًا لهذه النظريات والمواد، فذلك دليل الضعف في الإيمان وفي العقل. وقد ذم الله سبحانه هذا الصنف من العلماء بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
وقد كان الشعبي ﵁: «إِنَّا لَسْنَا بِالفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّا سَمِعْنَا الحَدِيثَ فَرَوَيْنَاهُ، الفَقِيهُ مَنْ إِذَا عَلِمَ عَمِلَ» (٢).
стр. 408
وقد حرص المحدثون على الفقه بهذا المعنى السلفي النابض بالحياة والذي تسري فيه حرارة الإيمان، وتطل منه عين الضمير اليقظة التي تجعل من الإنسان على نفسه رقيبًا، وهذا الفقه الصادر عن حس إلهي، ووجدان ديني، واستمساك بالأخلاق والقيم - لم يكن يتمثل في فقه أي مذهب من المذاهب، في أوضح صورة وأبهاها، كما كان يتمثل في فقه المحدثين.
وقد انعكس هذا التصور للفقه على:
[أ] سلوكهم عند الاستنباط.
[ب] على علاجهم للموضوعات.
[ج] على نظرتهم للأعمال سواء من حيث الباعث عليها، أو من حيث مآلها وصيرورتها، والموافقة بينها وبين المقاصد الدينية والخلقية.
[أ] تَأْثِيرُ هَذَا الاِتِّجَاهِ عَلَى سُلُوكِ المُحَدِّثِينَ عِنْدَ الاِسْتِنْبَاطِ:
أما سلوك أهل الحديث عند الاستنباط، فيتمثل في انقباضهم عن الإفتاء، وفي وجلهم وترددهم إذا أفتوا، لا يجزمون بالحكم في معظم أحوالهم، وإنما يعبرون عنه بما يشعر به، وبما يشير إلى موقفهم منه، دون أن يصرحوا بتحليل أو بتحريم، حذرًا من أن يتناولهم الذم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (١). وهذا السلوك بما يميزهم عن أهل الظاهر، كما سبق، ومما يميزهم أيضًا عن أهل الرأي الذين كانوا متأثرين بابن مسعود (٢).
стр. 409
وقد ذكرنا من قبل كيف أن المحدثين كانوا يتجنبون في تراجمهم القطع بالتحليل والتحريم، وكانوا يستبدلون به العبارات المحتملة التي لا تدل على الجزم بالحكم بقدر دلالتها على الانطباع النفسي والرأي الشخصي، من مثل قولهم:
(بَابُ مَا جَاءَ فِي كَذَا)، أو (بَابُ تَرْكِ كَذَا)، أو (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي كَذَا)، أو (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي كَذَا) ... الخ هذه العبارات.
كما كانوا ورعين في تعليقاتهم الفقهية على الأحاديث، فالدارمي مثلاً يروي حديث: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»، ثم يقول: «أَنَا أَتَّقِي الحِجَامَةَ فِي الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ» (١).
ويروي حديث: «لَا تَكْتَحِلْ بِالنَّهَارِ وَأَنْتَ صَائِمٌ، اكْتَحِلْ لَيْلاً بِالإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو البَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ»، ثم يعلق الدارمي قائلاً: «لَا أَرَى بِالكُحْلِ بَأْسًا» (٢).
وفي حديث «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» يقول: «فِي فَرْضِ الوَاجِبِ أَقُولُ بِهِ» (٣).
стр. 410
وقد روى الدارمي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: «هُوَ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ»، فَقِيلَ لأَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيَّ: «مَا تَقُولُ فِي الضَّبُعِ تَأْكُلُهُ؟» قَالَ: «أَنَا أَكْرَهُ أَكْلَهُ» (١).
وقد تجلت هذه الظاهرة في [أوضح] صورة فيما أثر عن الإمام أحمد من فتاوى بسبب مكانته العلمية والأدبية التي سبق الكلام عنها، والتي جعلته مقصدًا للمفسدين ثم أعانت على حفظ فتاويه.
لقد كان ﵁ يحجم عن الإفتاء في كثير من الحالات، وقد ذكرنا أنه استعفى من الإفتاء في الذهب والفضة، إذا كان كل منهما على الانفراد لا يبلغ نصاب الزكاة، ولكن مجموعها مقدرًا بقيمة أحدهما يبلغ النصاب، فمن يملك عشرة دنانير ومائة درهم، هل يزكى عنها؟ قد توقف أحمد عن الإجابة في هذه المسألة، وغضب عندما ألح السائل عليه وقال: «أَيُّ شَيْءٍ بُدٌ، إِذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا [يُحْمَلُ] عَلَى أَنْ يَقُولَ فِيهِ» (٢).
ومن أمثلة توقفه أيضًا ما روي عنه فيمن لا يجد الماء إلا بثمن، فإن كان هذا الثمن ثمن المثل لزمه الشراء، وإن كانت الزيادة كثيرة تجحف بماله لم يلزمه شراؤه، وإن كانت يسيرة لا تجحف بماله فقد توقف أحمد في هذه المسألة (٣).
وكذلك توقف أحمد فيمن نسي في رحله أو في موضع يمكنه استعماله ثم صلى بالتيمم (٤).
стр. 411
وفي المسح على الخفين، «قِيلَ لأَحْمَدَ: يَمْسَحُ بِالرَّاحَتَيْنِ أَوْ بِالأَصَابِعِ؟ قَالَ: بِالأَصَابِعِ. قِيلَ لَهُ: أَيُجْزِئُهُ بِإِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ»، وَكَذَلِكَ تَوَقَّفَ عِنْدَمَا سُئِلَ: هَلْ يُجْزِئُ غَسْلُ الخُفِّ بَدَلَ المَسْحِ (١).
ومن أمثلة توقفه أيضًا في ما جاء في صلاة المسافر، فإن المشهور عنه أن المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أتم. وقد روي عنه أنه توقف، وقال: «أَنَا أُحِبُّ الْعَافِيَةَ مِنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ» (٢).
وإذا جامع الصائم ناسيًا فظاهر المذهب الحنبلي أنه كالعامد، نص عليه أحمد، وروى أبو داود عن أحمد أنه توقف عن الجواب، وقال: «أَجْبُنُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ شَيْئًا، وَأَنْ أَقُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ». قَالَ: «سَمِعْته غَيْرَ مَرَّةٍ لَا يَنْفُذُ لَهُ فِيهِ قَوْلٌ» (٣).
هكذا كان يتوقف الإمام أحمد في كثير من المسائل، أما المسائل التي كان يجيب فيه فإن إجابته كانت في كثير من الأحيان تتجنب التصريح بالتحليل والتحريم، كما كانت في أحيان أخرى تحمل طابع التردد والحذر والخوف من الخطأ، فلا تدل بوضوح على الحكم، ولذلك قد يقع الاختلاف في تفسير ما يروى عنه.
فعن أحمد روايتان في دم البق والبراغيث وما لا نفس له سائلة، إذا أصاب هذا الدم الثوب أو الجسد. فإحدى الروايتين تقول: إن هذا الدم طاهر، وقد نقل عنه في رواية ثانية أنه قال: «إذَا كَثُرَ، إنِّي لَأَفْزَعُ مِنْهُ».
стр. 412
فهل تعني هذه العبارة وجوب غسل هذا الدم وإزالته؟ إن العبارة ليست نصًا في هذا المعنى، ولذلك يقول ابن قدامة: «وَالأَوَّلُ أَظْهَرُ - أَيْ كَوْنِهِ طَاهِرٌ -، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: " إنِّي لأَفْزَعُ مِنْهُ " لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَجَاسَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَوَقُّفِهِ فِيهِ» (١).
والحذر من الجزم بالتحليل والتحريم، الذي أخذ المحدثون أنفسهم به كان شائعًا عند معظم السلف والأئمة السابقين. يصرح بذلك الإمام مالك فيقول: «لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَلَا مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا، وَلَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ يَقُولُ فِي شَيْءٍ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، مَا كَانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ هَذَا وَنَرَى هَذَا حَسَنًا، وَنَتَّقِي هَذَا وَلَا نَرَى هَذَا، [وَزَادَ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ]، وَلاَ يَقُولُونَ: حَلاَلٌ وَلَا حَرَامٌ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ».
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنَ العِلْمِ رَأْيًا وَاسْتِحْسَانًا لَمْ [يُقَلْ] فِيهِ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ» (٢).
وهنا امتنع بعض العلماء عن الإفتاء في بعض المسائل المشكلة، مثل سفيان بن عيينة الذي كان لا يفتي في الطلاق، ويقول: «مَنْ يُحْسِنُ هَذَا؟» (٣).
وقد سرد ابن القيم بعض مسائل مأثورة عن الإمام أحمد، تجنب فيها التصريح بالتحليل والتحريم: فمن ذلك، «أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَدْ قَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ
стр. 413
الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ: " أَكْرَهُهُ وَلَا أَقُولُ هُوَ حَرَامٌ ". وَمَذْهَبُهُ تَحْرِيمُهُ، وَإِنَّمَا تَوَرَّعَ عَنْ إطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ لِأَجْلِ قَوْلِ عُثْمَانَ» (١).
وقال أحمد: «" يُكْرَهُ أَنْ يُتَوَضَّأَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ "، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَمَّامَ [إلَّا] بِمِئْزَرٍ لَهُ "، وَهَذَا اسْتِحْبَابُ وُجُوبٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ [إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ]: " إذَا كَانَ أَكْثَرُ مَالِ الرَّجُلِ حَرَامًا فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُؤْكَلَ مَالُهُ "، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ».
وفي بعض المسائل يتبين أن الإمام أحمد كان يتورع عن إطلاق لفظ التحليل والتحريم، حتى في المسائل المنصوص على حكمها نَصًّا صريحًا، فقد قال: «لَا يُعْجِبُنِي أَكْلُ مَا ذُبِحَ لِلزَّهْرَةِ وَلَا الكَوَاكِبِ وَلَا الْكَنِيسَةِ، وَكُلُّ شَيْءٍ ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]».
قال ابن القيم بعد ذكره الأمثلة على هذا الاتجاه عند أحمد: «وَهَذَا فِي أَجْوِبَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَقْصَى» (٢).
هذا هو سلوك المحدثين عند الاستنباط، وهو كما رأينا، سلوك تحكمه الخشية لله ، ويسيطر عليه الورع، ويخضع لرقابة الضمير اليقظ. ولا شك أن هذا السلوك متأثر بتصورهم للفقه، هذا التصور الشامل الذي يجمع بين العلم والعمل في مفهوم الفقه، ولا يقصره على معرفة الأحكام العملية المجردة.
стр. 414
وكما أثر هذا التصور لمفهوم الفقه على سلوك المحدثين عند الاستنباط، أثر أيضًا على طريقتهم في التأليف، وأسلوب علاجهم للموضوعات الفقهية، وعلى نظرتهم للأعمال، ومدى التوافق بينها وبين المقاصد التشريعية.
وفي الفقرات التالية نوضح ما نعنيه بتأثير الجانب الخلقي الديني في المحدثين من حيث أسلوبهم في التأليف وعلاج الموضوعات الفقهية. ثم نشرع بعد ذلك في بيان تأثير هذا الاتجاه في نظرتهم إلى الأعمال الإنسانية:
[ب] تَأَثُّرُ المُحَدِّثِينَ بِهَذَا الاِتِّجَاهِ عِنْدَ عِلاَجِ المَوْضُوعَاتِ الفِقْهِيَّةِ:
هناك كلمة لأبي داود، سليمان بن الأشعث، صاحب " السنن " لعلها خير ما يوضح منهج المحدثين في عرض الموضوعات الفقهية، ويبرز تأثير الجانب الديني الخلقي في فقههم.
فقد روي عن أبي داود أنه قال: «الفِقْهُ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ: " الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ "، وَحَدِيثُ " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ "، وَحَدِيثُ " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ "، وَحَدِيثُ " الدِّينُ النَّصِيحَةُ "، وَحَدِيثُ " مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ "».
وقد روي أيضًا عن أبي داود أنه قال: «كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكِتَابُ - يَعْنِي كِتَابَ " السُّنَنِ " - جَمَعْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ وَثَمَانِمِائَةِ حَدِيثٍ، وَيَكْفِي الإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ ﷺ : " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ "، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﷺ : " مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ "، وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﷺ : " لَا يَكُونُ
стр. 415
المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى لَا يَرْضَى لِأَخِيهِ إِلَّا مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ "، وَالرَّابِعُ: [قَوْلُهُ ﷺ ]: " الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ "» (١).
وهذه الأحاديث التي أشار إليها أبو داود، يجمعها الدعوة إلى الإخلاص والورع في كل شؤون الحياة، وإلى مكارم الأخلاق في علاقات الناس وسلوكهم. فكان الإخلاص والورع وحسن الخلق هي الخيط الذي يربطها برباط واحد، والروح التي تتخللها وتسري فيها، وهي الضوابط التي تحكم السلوك الإنساني في كل صورة.
واستنادًا إلى هذه النظرة إلى الفقه، وصدورًا عنها - تجاورت في كتب المحدثين أبواب العقيدة وأبواب الأحكام ممتزجة بها أو منضمة إليها أبواب الرقاق والزهد وآداب السلوك الفردي والجماعي في المأكل والمشرب والملبس والحل والترحال، مما سبق بيانه وتفصيله.
والواقع أن كتب المحدثين هي كتب الإسلام بكل أبعاده وعناصره الأساسية وتنهج نهجه في استخدام أسلوب الترهيب والترغيب، الذي يتخلل كل أبواب الفقه الحديثي.
ولا شك أن ابن حزم الظاهري كان متأثرًا بهذا الاتجاه، عندما بدأ كتابه في الفقه " المُحَلَّى " بفصول العقيدة، استغرقت إحدى وتسعين مسألة.
وصدورًا عن هذا التصور للفقه أيضًا، رأينا البخاري يبدأ كتابه " الصحيح " بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، إشارة إلى أن وجه الله سبحانه هو غايته، وإيمانًا منه بأهمية العوامل النفسية والدوافع المستكنة في نفوس
стр. 416
بني الإنسان، وتنبيهًا لكل فرد من أفراد هذا الإنسان أن يصلح من سريرته، وأن يقوم مكنونه، ليتم التوافق بين سره وعلانيته، فإن سره ومكنونه، وإن خفي على الناس، لا يخفى على علم الله الشامل، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى. ثم لم يكتف البخاري بأن بدأ كتابه بهذا الحديث، بل كرره في ستة مواضع أخرى (١).
ولعل البخاري متأثر في بدايته هذه بشيخه عبد الرحمن بن مهدي الذي قال عن حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»: «لَوْ صَنَّفْتُ كِتَابًا فِي الأَبْوَابِ، لَجَعَلْتُ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي الأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ فِي كُلِّ بَابٍ»، وقال أيضًا: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا فَلْيَبْدَأْ بِحَدِيثِ الأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ» (٢).
هذا موجز لبيان كيفية تأثر المحدثين بالاتجاه الخلقي الديني، في تصورهم للموضوعات الفقهية، وفي ترتيبهم لها وعدم قصرها على الأحكام العملية ويبقى علينا أن نوضح كيف تأثر المحدثون بهذا الاتجاه نفسه عند علاجهم لكل موضوع على حدة. ولبيان هذا التأثر، عرضنا لموضوعين من فقه المحدثين في الأحكام العملية هما الزكاة والبيوع، ليكونا أنموذجًا أو مثالاً يوضح طريقتهم في علاجهم لبقية الموضوعات:
ففي موضوع الزكاة، لا يقتصر المحدثون على بيان وجوبها، وأن
стр. 417
ما نعيها خارجون عن الإسلام يحل قتالهم، ولا يكتفون ببيان مقدارها، وبيان الأموال التي تؤخذ منها، ومقدار النصاب في كل نوع، ولا يقتصر المحدثون عند علاجهم لموضوع الزكاة على هذه المسائل التي يقتصر عليها في الفقه عادة، بل ينثرون بينها ما يحبب الزكاة إلى النفس، ويحرك الدوافع إليها، ويثير الحوافز والرغبة فيها ويحذر النفس من الشح ويخوفها من منع الزكاة. بل يحثها على تجاوز الواجب إلى التطوع، حتى يصبح الإنفاق عادة أصيلة في نفس المسلم، يخرج بها من نطاق الحياة لذاته، إلى محيط المجتمع الرحيب، فيتم التعاون ويتحقق التكافل.
وليس الترغيب في الصدقة متوجهًا إلى من يملكون الكثير فقط، بل كل مسلم مطالب بأن يتصدق، وكل فرد مطالب بأن يقدم للمجتمع شيئًا مما يملك، قليلاً أو كثيرًا، كل على قدر استطاعته، إن لم يكن بالمال، فالبعمل، أو بالنصح والكلمة الطيبة: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»، فَقَالَوا: يَا نَبِيَّ اللهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ , قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ وَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ»، قَالَوا: فَإِنْ لَمْ لَمْ يَجِدْ؟ , قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ»، قَالَوا: فَإِنْ لَمْ لَمْ يَجِدْ؟ , قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَة».
إن الزكاة الواجبة تأخذها الدولة من الأغنياء لتردها على الفقراء، ولتصلح بها من شأن المجتمع وليس صلاح هذا المجتمع مسؤولية الدولة فقط، بل هي مسؤولية كل فرد في الدولة المسلمة. وليست الزكاة ضريبة وَعِبْءًا مَالِيًّا، يحاول المسلم أن يتحايل عليه لإعفائه منه، بل هي عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ويحرص على أدائها في وقتها، سواء طلبتها السلطة الحاكمة أم لا. فإخراجها لا تنفرد به الدولة، بل هو أيضًا مسؤول ومنتفع بإخراجه الزكاة، حيث يبارك له في ماله ويرضى عنه ربه. بل المسلم ينفق
стр. 418
ما هو أكثر من قدر الزكاة في سبيل الله سرًا وعلانية، لا يبتغي رياء ولا سمعة، ولا يتبع ما ينفقه بالمن والأذى.
وفي الوقت الذي يحث فيه الإسلام - من خلال فقه المحدثين - على الإعطاء والإنفاق والبذل المادي والمعنوي، يحث أيضًا، وبقدر مساو - على العفاف والأنفة من السؤال، ويعالج الشراهة في طلب المال، كما عالج من قبل الشح والتقتير في إنفاقه. وبذلك يتم التعادل والتكافؤ بين أفراد المجتمع، إذ كل إنسان مطالب بأن يعطي، وفي الوقت ذاته كل محتاج مطالب بأن يتعفف، ولا يجعل السؤال وسيلة للكسب تغنيه عن العمل، بل هو ملجأ عند الاضطرار، يؤخذ منه بقدر ما يعين الإنسان على مواصلة الحياة، وبقدر ما يقيله من عثرته، ويعينه على مواصلة العمل والكفاح، لأن خير المال هو ما كان نتيجة لكسب الإنسان، وثمرة كده وعرقه.
كل ذلك قد ذكره المحدثون في موضوع الزكاة، عن طريق تخيرهم للأحاديث الدالة على هذه المعاني، ووضعهم لها هذا تحت التراجم المنبئة عن رأيهم وفهمهم (١).
أما البيوع فإن المحدثين لم يقتصروا في علاجها على بيان الأحكام المتعلقة بها، بل رأيناهم يضيفون إلى ذلك ما يعين على فعالية هذه الأحكام، وإعطائها قوة التأثير المطلوبة منها.
ولما كانت البيوع من الموضوعات الهامة، التي تعتبر مجالاً للنشاط وابتلاء للسلوك الإنساني، حيث يتعرض فيها لسيطرة الغرائز وسلطان الأهواء
стр. 419
لم يكن من المجدي أن يضبط هذا السلوك، ولا تحكم أن هذه الغرائز والأهواء عن طريق الأحكام القانونية ورقابة الحكام (١) فقط، بل كان من الضروري أن تعالج هذه الأهواء والنزعات علاجًا جذريًا ذاتيًا بالوصول إلى أعماق النفس الإنسانية، وتهذيب ما خرج عن حد الاعتدال من غرائزها أو سلوكها، وإعطائها دفعة من الإحساس بالمسؤولية، تحاسب به نفسها قبل أن توضع الموازين القسط يوم القيامة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢).
ولذلك وجدنا أن معظم كتب السنن قد أثبتت حديث «الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ»، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه (٣). أثبتته بروايات مختلفة وألفاظ متقاربة في كتاب البيوع. وما ذلك إلا ليتنبه المسلم إلى أن من واجبه أن يترك ما يشتبه في أنه حرام.
وقد نبه إلى ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: «وَقَدْ تَوَارَدَ أَكْثَرُ الأَئِمَّةِ المُخَرِّجِينَ لَهُ عَلَى إِيرَادِهِ فِي كِتَابِ البُيُوعِ لأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي المُعَامَلاَتِ تَقَعُ فِيهَا كَثِيرًا ...
стр. 420
وترك ما يشتبه في حرمته الورع بعينه، قَالَ الخَطَّابِيُّ: «كُلُّ مَا شَكَكْتُ فِيهِ فَالوَرَعُ اجْتِنَابُهُ» (١) وفي الحديث: «لَا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ البَأْسُ»، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَدَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ الحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الحَلاَلِ لَا أَخْرِقُهَا» (٢).
ولما كانت المبالغة في الورع قد تفضي إلى نوع من الوسوسة والتضييق عقب البخاري على أبواب الشبهات بقوله: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ [الوَسَاوِسَ] وَنَحْوَهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ). قال ابن حجر: «وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَطُّعِ فِي الوَرَعِ».
قَالَ الغَزَالِيُّ: «الوَرَعُ أَقْسَامٌ: وَرَعُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا لاَ يُتَنَاوَلُ بِغَيْرِ نِيَّةِ القُوَّةِ عَلَى العِبَادَةِ، وَوَرَعُ الْمُتَّقِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَكِنْ يُخْشَى أَنْ يَجُرَّ إِلَى الحَرَامِ وَوَرَعُ الصَّالِحِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ احْتِمَالُ التَّحْرِيمِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الاِحْتِمَالِ مَوْقِعٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ وَرَعُ المُوَسْوَسِينَ» (٣).
وحب التملك والرغبة في الكسب والاستزادة من الأموال، قد [تستحوذ] على شعور الإنسان، وتغرقه في مادية طاغية، تحكمها الأنانية وتقودها القسوة، وتنزوي فيها المشاعر الإنسانية النبيلة، وتذوي فيها الإحساسات الرقيقة، ويصبح الإنسان في أشد الحاجة إلى من يرطب له
стр. 421
جفاف هذه المادية، ويلطف من قسوتها، فنجد البخاري يثبت بين أبواب التجارة (بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ)، ثم يروي فيه الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» ثم يذكر بعده (بَابُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا) يروي فيه قول الرَّسُولِ ﷺ : «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ».
ثم يروي البخاري بعد ذلك من الأحاديث ما يدفع بالمتبايعين إلى تحري الصدق والنصح في البيع ليبارك لهما في بيعهما، وما يحذرهما من الكذب والخداع حتى لا تمحق بركة بيعهما «وَمَا يُحْذَرُ كَذَلِكَ مِنَ الحِلْفِ عِنْدَ البَيْعِ لِتَرْوِيجِ السِّلْعَةِ» (١).
وهكذا يغوص فقه المحدثين إلى أعماق النفس الإنسانية [ليعالج] أدواءها ويمنحها دواءها، ويمدها بأسباب قوتها، وسر سعادتها.
[ج] النَّظَرُ إِلَى المَقَاصِدِ وَمَآلاَتِ الأَفْعَالِ:
بعد أن ذكرنا كيف أثر الاتجاه الخلقي الديني عند المحدثين على سلوكهم عند الاستنباط، وعلى علاجهم للموضوعات، نتعرض الآن لبيان تأثير هذا الاتجاه على نظرتهم للأعمال، سواء من حيث الباعث عليها، أو من حيث مآلها وصيرورتها.
стр. 422
أما من حيث الباعث على العمل، فقد اهتم المحدثون بالنيات والمقاصد اهتمامًا كبيرًا. ولا أدل على ذلك من بدء البخاري " صحيحه " بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». بل يصرح البخاري بأن النية مؤثرة في الحكم على الفعل، سواء أكان عقدًا أم تصرفًا لفظيًا، وذلك حيث يقول في كتاب الحيل: (بَابٌ فِي تَرْكِ الحِيَلِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا).
قَالَ ابْنُ المُنَيِّرِ في تعليقه على هذه الترجمة: «اتَّسَعَ البُخَارِيُّ فِي الاِسْتِنْبَاطِ، وَالمَشْهُورُ عِنْدَ النُّظَّارِ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى العِبَادَاتِ، فَحَمَلَهُ البُخَارِيُّ عَلَيْهَا وَعَلَى المُعَامَلاَتِ، وَتَبِعَ مَالِكًا فِي القَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ المَقَاصِدِ. فَلَوْ فَسَدَ اللَّفْظُ وَصَحَّ القَصْدُ، أُلْغِيَ اللَّفْظُ وَأُعْمِلَ القَصْدُ تَصْحِيحًا وَإِبْطَالاً» (١).
ومن الفروع التي يظهر فيها أثر القصد واعتباره عند البخاري مسائل الطلاق، مثل كنايات الطلاق، التي يقول فيها: (باب إذا قال فارقتك، أو سرحتك، أو الخلية، أو البرة أو ما عنى به الطلاق - فهو على نيته) (٢).
وكما اعتبرت النية في كنايات الطلاق، فإنها تعتبر أيضاً في الألفاظ الصريحة للطلاق
، حيث لا يقع الطلاق إذا نطق بصريح لفظه إلا إذا توفر القصد والنية إلى إيقاعه. وكذلك لو نطق بلفظ الظهار الصريح، دون أن يقصد حقيقة الظهار فلا شيء عليه، ولا يعتبر ظهارًا.
وفي ذلك يقول البخاري: (بَابُ إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ
стр. 423
أُخْتِي، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ: " هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ "» (١).
وفي ذلك دليل على أن قول المكره لا أثر له، لا في ظهار، ولا في طلاق، ولا في غيرهما كما صرح البخاري بذلك في الباب الذي ذكر فيه نماذج من الأشخاص الذين لا يتوفر عنصر القصد في تصرفاتهم، محتجًا بالحجة الرئيسية لهذا الاتجاه، وهو قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، مع احتجاجه بأقوال الصحابة والتابعين:
يقول البخاري: (بَابُ الطَّلاَقِ فِي الإِغْلاَقِ وَالكُرْهِ، وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلاَقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». وَتَلاَ الشَّعْبِيُّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوِسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ، مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِي، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا [مَعَهُ]. وَقَالَ عُثْمَانُ: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلاَقٌ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ». وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: «لَا يَجُوزُ طَلاَقُ المُوَسْوِسِ»).
ثم يذكر البخاري في الترجمة نفسها أن الطلاق المعلق على شرط لا يقع إلا بوقوع الشرط سواء بدئ بلفظ الطلاق أو بدئ بالشرط: أي لا فرق
«أُنْزِلَتْ فِي قَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، بَلَى وَاللَّهِ».
ثم أتبع البخاري ذلك بقوله: (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الأَيْمَانِ وَقَوْلِ اللَهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، وهو يميل في هذا الباب إلى أن يحنث ناسيًا، فلا إثم عليه ولا تلزمه كفارة (١).
وكذا نجد الاهتمام بالنية في أبواب الطلاق عند أبي داود. فقد قال في إحدى تراجمه (بَابٌ [فِي] الطَّلاَقِ عَلَى غَلَطٍ)؛ وروى فيه حديث عائشة مرفوعًا: «لَا طَلاَقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي غِلاَقٍ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «الغِلاَقُ: أَظُنُّهُ فِي الغَضَبِ» (٢).
ويقول في باب آخر: (بَابٌ فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلاَقُ وَالنِّيَّاتُ)، وروى فيه حديث عمر المشهور في النيات: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ...» كما روى في هذا الباب أن أحد الصحابة قد قال لامرأته: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ». فلم يعتبر ذلك طلاقًا، لأنه لم يكن يقصد الطلاق، وذلك في قصة كعب بن مالك أحد المخلفين الثلاثة عن غزوة تبوك، حَيْثُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ : «أَنْ اعْتَزِلْ امْرَأَتَكَ»، فقال كعب: «أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟»، قَالَ: «لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا»، [فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي]: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الأَمْرِ» (٣).
وكذلك نجد ابن ماجه يروي في (بَابُ طَلاَقِ المَعْتُوهِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ).