← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122392

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

عبد المجيد محمود

Полный текст (783 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

جفاف هذه المادية، ويلطف من قسوتها، فنجد البخاري يثبت بين أبواب التجارة (بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ)، ثم يروي فيه الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» ثم يذكر بعده (بَابُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا) يروي فيه قول الرَّسُولِ ﷺ : «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ». ثم يروي البخاري بعد ذلك من الأحاديث ما يدفع بالمتبايعين إلى تحري الصدق والنصح في البيع ليبارك لهما في بيعهما، وما يحذرهما من الكذب والخداع حتى لا تمحق بركة بيعهما «وَمَا يُحْذَرُ كَذَلِكَ مِنَ الحِلْفِ عِنْدَ البَيْعِ لِتَرْوِيجِ السِّلْعَةِ» (١). وهكذا يغوص فقه المحدثين إلى أعماق النفس الإنسانية [ليعالج] أدواءها ويمنحها دواءها، ويمدها بأسباب قوتها، وسر سعادتها. [ج] النَّظَرُ إِلَى المَقَاصِدِ وَمَآلاَتِ الأَفْعَالِ: بعد أن ذكرنا كيف أثر الاتجاه الخلقي الديني عند المحدثين على سلوكهم عند الاستنباط، وعلى علاجهم للموضوعات، نتعرض الآن لبيان تأثير هذا الاتجاه على نظرتهم للأعمال، سواء من حيث الباعث عليها، أو من حيث مآلها وصيرورتها.

стр. 422

أما من حيث الباعث على العمل، فقد اهتم المحدثون بالنيات والمقاصد اهتمامًا كبيرًا. ولا أدل على ذلك من بدء البخاري " صحيحه " بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». بل يصرح البخاري بأن النية مؤثرة في الحكم على الفعل، سواء أكان عقدًا أم تصرفًا لفظيًا، وذلك حيث يقول في كتاب الحيل: (بَابٌ فِي تَرْكِ الحِيَلِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا). قَالَ ابْنُ المُنَيِّرِ في تعليقه على هذه الترجمة: «اتَّسَعَ البُخَارِيُّ فِي الاِسْتِنْبَاطِ، وَالمَشْهُورُ عِنْدَ النُّظَّارِ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى العِبَادَاتِ، فَحَمَلَهُ البُخَارِيُّ عَلَيْهَا وَعَلَى المُعَامَلاَتِ، وَتَبِعَ مَالِكًا فِي القَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ المَقَاصِدِ. فَلَوْ فَسَدَ اللَّفْظُ وَصَحَّ القَصْدُ، أُلْغِيَ اللَّفْظُ وَأُعْمِلَ القَصْدُ تَصْحِيحًا وَإِبْطَالاً» (١). ومن الفروع التي يظهر فيها أثر القصد واعتباره عند البخاري مسائل الطلاق، مثل كنايات الطلاق، التي يقول فيها: (باب إذا قال فارقتك، أو سرحتك، أو الخلية، أو البرة أو ما عنى به الطلاق - فهو على نيته) (٢). وكما اعتبرت النية في كنايات الطلاق، فإنها تعتبر أيضاً في الألفاظ الصريحة للطلاق ، حيث لا يقع الطلاق إذا نطق بصريح لفظه إلا إذا توفر القصد والنية إلى إيقاعه. وكذلك لو نطق بلفظ الظهار الصريح، دون أن يقصد حقيقة الظهار فلا شيء عليه، ولا يعتبر ظهارًا. وفي ذلك يقول البخاري: (بَابُ إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ

стр. 423

أُخْتِي، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ: " هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ "» (١). وفي ذلك دليل على أن قول المكره لا أثر له، لا في ظهار، ولا في طلاق، ولا في غيرهما كما صرح البخاري بذلك في الباب الذي ذكر فيه نماذج من الأشخاص الذين لا يتوفر عنصر القصد في تصرفاتهم، محتجًا بالحجة الرئيسية لهذا الاتجاه، وهو قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، مع احتجاجه بأقوال الصحابة والتابعين: يقول البخاري: (بَابُ الطَّلاَقِ فِي الإِغْلاَقِ وَالكُرْهِ، وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلاَقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». وَتَلاَ الشَّعْبِيُّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوِسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ، مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِي، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا [مَعَهُ]. وَقَالَ عُثْمَانُ: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلاَقٌ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ». وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: «لَا يَجُوزُ طَلاَقُ المُوَسْوِسِ»). ثم يذكر البخاري في الترجمة نفسها أن الطلاق المعلق على شرط لا يقع إلا بوقوع الشرط سواء بدئ بلفظ الطلاق أو بدئ بالشرط: أي لا فرق

стр. 424

بين أن يقول: «أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ خَرَجْتِ» مثلاً، وقوله: «إِنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ». ويذكر في ذلك أقوال التابعين، واشتراطهم النية في بعض ألفاظ الطلاق، فيقول: (وَقَالَ عَطَاءٌ: «إِذَا [بَدَا] بِالطَّلاَقِ فَلَهُ شَرْطُهُ». وَقَالَ نَافِعٌ: «طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ». فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «فِيمَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلاَثًا: يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ اليَمِينِ؟ فَإِنْ سَمَّى أَجَلاً أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ، جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، نِيَّتُهُ، وَطَلاَقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانهِمْ» ... وَقَالَ الحَسَنُ: «إِذَا قَالَ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، نِيَّتُهُ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الطَّلاَقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ»، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «إِنْ قَالَ: مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي، نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلاَقًا فَهُوَ مَا نَوَى». وَقَالَ عَلِيٌّ: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ». وَقَالَ عَلِيٌّ: «وَكُلُّ الطَّلاَقِ جَائِزٌ، إِلَّا طَلاَقَ المَعْتُوهِ») (١). وفي كتاب الأيمان، يترجم البخاري بَابًا يسميه (بَابُ النِّيَّةِ فِي الأَيْمَانِ) يكرر فيه روايته واستدلاله بحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢). كما يعقد أبوابًا أخرى توضح أثر النية والقصد في الأيمان مثل (بَابُ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ، وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ [حَلِيمٌ]﴾ [البقرة: ٢٢٥]). روى فيه أن عائشة فسرت نزول هذه الآية بقولها:

стр. 425

«أُنْزِلَتْ فِي قَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، بَلَى وَاللَّهِ». ثم أتبع البخاري ذلك بقوله: (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الأَيْمَانِ وَقَوْلِ اللَهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، وهو يميل في هذا الباب إلى أن يحنث ناسيًا، فلا إثم عليه ولا تلزمه كفارة (١). وكذا نجد الاهتمام بالنية في أبواب الطلاق عند أبي داود. فقد قال في إحدى تراجمه (بَابٌ [فِي] الطَّلاَقِ عَلَى غَلَطٍ)؛ وروى فيه حديث عائشة مرفوعًا: «لَا طَلاَقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي غِلاَقٍ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «الغِلاَقُ: أَظُنُّهُ فِي الغَضَبِ» (٢). ويقول في باب آخر: (بَابٌ فِيمَا عُنِيَ بِهِ الطَّلاَقُ وَالنِّيَّاتُ)، وروى فيه حديث عمر المشهور في النيات: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ...» كما روى في هذا الباب أن أحد الصحابة قد قال لامرأته: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ». فلم يعتبر ذلك طلاقًا، لأنه لم يكن يقصد الطلاق، وذلك في قصة كعب بن مالك أحد المخلفين الثلاثة عن غزوة تبوك، حَيْثُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ : «أَنْ اعْتَزِلْ امْرَأَتَكَ»، فقال كعب: «أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟»، قَالَ: «لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا»، [فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي]: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الأَمْرِ» (٣). وكذلك نجد ابن ماجه يروي في (بَابُ طَلاَقِ المَعْتُوهِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ).

стр. 426

حديث عائشة مرفوعًا: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ»، وزاد بعض الرواة: [قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ] (*): «وَعَنِ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ». كما روى ابن ماجه أيضًا في (بَابُ طَلاَقِ المُكْرَهِ وَالنَّاسِي) الأحاديث التي تفيد عدم المؤاخذة بالأعمال الناتجة عن خطأ، أو نسيان، أو إكراه، أو غضب (١). وهكذا يهتم أهل الحديث بالنيات والمقاصد، ولا يكتفون بظواهر الألفاظ، ولا يحكمون بموجبها حتى يتوفر القصد إلى اللفظ وإلى موجبه معًا، «فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَتَيْنِ: إرَادَةِ التَّكَلُّمِ بِاللَّفْظِ اخْتِيَارًا، وَإِرَادَةِ مُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ» (٢). ولا فرق في تأثير القصد والنية في الأعمال بين العبادات وغيرها، فكل تصرفات الإنسان الاختيارية التي يوجه إليه التكليف فيها تعتبر فيها النيات ولا بد. وفي ذلك يقول ابن القيم: «وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ التِي لَا يَجُوزُ هَدْمُهَا أَنَّ المَقَاصِدَ وَالاِعْتِقَادَاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالعِبَارَاتِ كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّقَرُّبَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَالقَصْدُ وَالنِّيَّةُ وَالاِعْتِقَادُ يَجْعَلُ الشَّيْءَ حَلاَلاً [أَوْ] حَرَامًا، وَصَحِيحًا [أَوْ] فَاسِدًا، وَطَاعَةً [أَوْ] مَعْصِيَةً، كَمَا أَنَّ القَصْدَ فِي العِبَادَةِ يَجْعَلُهَا وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً» (٣). وليس هذا التأثير للقصود مقصورًا على التصرفات اللفظية مثل ألفاظ اليمين والطلاق والعتاق وغيرها، بل إن تأثيرها يمتد إلى العقود أيضًا، بل يذهب بعضهم إلى أن اعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ،

стр. 427

فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها، كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره، واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه. ومما يدل على تأثير النية في الإنسان أن صورة الفعل قد تكون واحدة، ومع ذلك فإن حكمها باختلاف النية: فالرجل إذا اشترى أو اقترض أو استأجر، ونوى ذلك لموكله - كان له وإن لم يتكلم به في العقد، وإن لم ينوه له وقع الملك للعاقد. وإذا كان القول والفعل الواحد يوجب الملك لمالكين مختلفين عند تغير النية - ثبت أن للنية تأثير في العقود والتصرفات. ومن ذلك كان الله حرم أن يدفع الرجل إلى غيره مالاً ربويًا، بمثله على وجه البيع إلا أن يتقابضا، وجوز دفعه بمثله على وجه القرض. وقد اشتركا في أن كل منهما يدفع ربويًا ويأخذ نظيره، ولكن القصد فرق بينهم، فإن مقصود القرض إرفاق المقترض، وليس مقصوده المعاوضة والربح. وكما يقول الشاطبي: «وَالعَمَلُ الوَاحِدُ يُقْصَدُ بِهِ أَمْرٌ فَيَكُونُ عِبَادَةً، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرَ، فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ إِيمَانًا، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ كُفْرًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ» (١). مَوْقِفُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ مِنْ اعْتِبَارِ المَقَاصِدِ: الاتجاه إلى المقاصد والنيات وتأثيرها في الأفعال، وبناء الحكم

стр. 428

الدنيوي عليها هو اتجاه أهل الحديث، وهو اتجاه المالكية والحنابلة أيضًا. وقد خالفهم في هذا الاتجاه طوائف من العلماء، من أبرزهم أبو حنيفة والشافعي، ورأى هؤلاء العلماء أن الأحكام تجري على العبارات والتصرفات الظاهرة، دون اعتبار للنيات والمقاصد فيها. ومن حججهم على ذلك: ما قاله الله تعالى حكاية عن نبيه نوح ﵇: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). فرتب الحكم على ظاهر إيمانهم، ورد علم ما في أنفسهم إلى العلم بالسرائر سبحانه، المنفرد بعلم ذات الصدور. وعلم ما في النفوس من المقاصد والنيات هو من علم الغيب، وقد قال تعالى لرسوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٢) [هود: ٣١] (*). وقال ﵇: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». فاكتفى منهم بالظاهر، ووكل سرائرهم إلى الله. وكذلك فعل ﵇ بالذين تخلفوا عنه واعتذروا إليه، قبل منهم ووكل سرائرهم إلى الله. وكذلك كانت سيرته في المنافقين قبول ظاهر إسلامهم، وترك سرائرهم إلى الله. وأبلغ من هذا قوله ﷺ : «إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ،

стр. 429

فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». فأخبر النبي ﷺ أنه يحكم بالظاهر، وإن كان لا يحل للمحكوم له ما حكم به. وفي هذا كله دلالة على إلغاء المقاصد والنيات في العقود، وإبطال سد الذرائع واتباع ظواهر عقود الناس وألفاظهم. وقد أبلى الشافعي ﵀ بلاءً حسنًا في الاحتجاج لإجراء الأحكام على ظواهرها وعدم اعتبار النيات والقصود فيها، وأن العقد لا يفسد إلا بما يذكر في العقد نفسه، ولا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره، ولا يتوهم ولا بالأغلب، ولا تفسد البيوع بأن يقال هذه ذريعة، وهذه نية سوء (١). ومن الفروع التي انبنى الخلاف فيها على الخلاف في اعتبار القصود في العقود، مسألة اتفاق المتعاقدين في عقد البيع على أن يتبايعا شيئًا بثمن معين ذكراه، واتفقا فيما بينهما على أن هذا العقد عقد صوري لا حقيقة له، تخلصًا من ظالم يريد أخذه مثلاً، فالذي يعتبر القصود يبطل هذا العقد وإن لم يصرحا في صلب العقد بحقيقة قصدهما، من أن البيع صوري.

стр. 430

والذي لا يعتبر القصود يعترف بهذا العقد ولا يبطله إلا إذا نص العاقدان في صلب العقد على أنه بيع صوري، ولا يعتبر القصد ولا الاتفاق السابق على العقد، لأن المؤثر في العقد إنما هو الشرط المقارن. ومن الفروع أيضًا عقد التحليل، فإذا اتفق العاقدان في النكاح على أن العقد هو عقد تحليل، لا نكاح رغبة، وأنه متى دخل بها طلقها، أو فهي طالق، أو أنها متى اعترفت بأنه وصل إليها فهي طالق، ثم يعقد العاقدان عقدهما مطلقًا عن هذه الشروط، فإن هذا العقد حينئذٍ باطل عند من يعتبر القصود، ولا تحل به الزوجة الأولى للأول. أما عند أبي حنيفة والشافعي فهو نكاح صحيح، مع الإثم (١). وقد حاول ابن القيم أن يفصل في الخلاف بين المعتبرين للقصود، والملغين لها، فذكر أن الألفاظ موضوعة للدلالة على ما في النفس، وأن الأحكام متجهة إلى المقاصد التي تعبر عن الألفاظ، وليست متجهة إلى مجرد ما في النفس من غير دلالة لفظ أو فعل، كما أنها ليست متجة إلى مجرد اللفظ الذي لم يقصد المتكلم به معناه. فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية، ترتب الحكم. وبناء على هذا، قسم ابن القيم الألفاظ ثلاثة أقسام: بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونياتهم وإراداتهم لمعانيها: - القسم الأول: أن تظهر مطابقة القصد للفظ. وللظهور مراتب، تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم، بحسب الكلام في نفسه، وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية، وحال المتكلم به وغير ذلك.

стр. 431

- القسم الثاني: ما يظهر بأن المتكلم لم يرد معناه، وقد ينتهي هذا الظهور إلى حد اليقين وهو نوعان: [أ] ألا يكون مريدًا لمقتضاه ولا لغيره. [ب] أن يكون مريدًا لمعنى يخالفه: فالأول كالمكره والنائم والمجنون والسكران ومن اشتد به الغضب، والثاني كالمعرض والموري والملغز والمتأول. - القسم الثالث: ما هو ظاهر في معناه، ويحتمل إرادة المتكلم له، ويحتمل إرادته لغيره، ولا دلالة على واحد من الأمرين، واللفظ دال على المعنى الموضوع له، وقد أتى به اختيارًا. والقسمان الأولان لا نزاع فيهما: فإذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام، أو لم يظهر قصد يخالف كلامه - وجب حمل كلامه على ظاهره. ثم ذكر ابن القيم أن الدلالة التي ذكرها الشافعي في عدم اعتبار القصود، إنما تدل على هذا القسم الأول. وينبغي صرف كلام المتكلمين عن ظاهره إذا دل على ذلك دليل، وهو القسم الثاني، كالتعريض، والتورية. وهذا أيضًا لا نزاع فيه. وإنما النزاع في الحمل على الظاهر والحكم بناء عليه، بعد ظهور مراد المتكلم والفاعل بخلاف ما أظهره. فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، وهو: هل يعتبر بظواهر الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها. أم للقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟. ثم اختار ابن القيم الرأي الثاني فقال: «وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدُهُ عَلَى أَنَّ القُصُودَ فِي العُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ، وَأَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ العَقْدِ وَفَسَادِهِ، وَفِي حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ. بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ [فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ وَفِي حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ]، وَهِيَ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي الفِعْلِ الذِي لَيْسَ بِعَقْدٍ تَحْلِيلاً وَتَحْرِيمًا فَيَصِيرُ حَلاَلاً تَارَةً وَحَرَامًا تَارَةً بِاخْتِلاَفِ النِّيَّةِ [وَالقَصْدِ]، كَمَا يَصِيرُ صَحِيحًا تَارَةً وَفَاسِدًا تَارَةً بِاخْتِلاَفِهَا» (١).

стр. 432

التَّوَافُقُ وَعَدَمُهُ بَيْنَ النِيَّةِ وَالعَمَلِ: وقد يثير الاتجاه إلى المقاصد، والاعتناء بالنية والبواعث النفسية التساؤلات حول كيفية التصرف إذا تعارضت النية مع العمل، بمعنى أن الإنسان إذا فعل فعلاً موافقًا لظاهر التشريع مع أن نيته تخالف هذا المظهر، فهل تحكم على هذا الإنسان بنيته المستترة، أو بعمله الظاهر؟ وكذلك إذا فعل فعلاً مخالفًا لظاهر التشريع، مع أن نيته كانت نية حسنة، تتجه إلى الموافقة لا المخالفة، فهل يؤخذ الإنسان بمخالفته الظاهرة، أم بنيته الحسنة؟ والذي يستفاد من كلام ابن القيم أن النية لا تأثير لها في الحكم الظاهري، طالما كانت خفية غير معلومة لمن يحيط بصاحبها من أفراد المجتمع. والذي يحاسب الإنسان على هذه النية حينئذٍ هو العليم بذات الصدور سبحانه. أما إذا ظهرت النية حينئذٍ بطريقة ما، وعلم الباعث على العمل، فإن التأثير حينئذٍ للنية والباعث في الموافقة والمخالفة. وقد كان الشاطبي موفقًا في إجابته عن هذا التساؤل السابق، حيث قسم العلاقة بين المقصود والفعل إلى أربعة أقسام: لأن فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعله أو تركه موافقًا أو مخالفًا وعلى كلا التقديرين إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته: - فالقسم الأول: أن يكون موافقًا، وقصده الموافقة. كأداء العبادات وترك المحرمات، امتثالاً لأمر الله تعالى ونهيه. وهذا لا إشكال في صحته. - والثاني: أن يكون مخالفًا وقصده المخالفة، كترك الواجبات وفعل المحرمات قاصدًا لذلك. وهذا أيضًا ظاهر الحكم.

стр. 433

والثالث: أن يكون الفعل أو الترك موافقًا، وقصده المخالفة. وهو ضربان: [أ] أحدهما أن يقصد المخالفة. ولا يعلم بكون الفعل أو الترك موافقًا كالغاصب لما يظن أنه متاع المغصوب، فإذا هو متاع الغاصب نفسه، فمثل هذا يكون عاصيًا في مجرد القصد، غير عاص بمجرد العمل، فهو آثم من وجهة حق الله، غير آثم من جهة حق الآدمي، والقاعدة أن كل تكليف يشتمل على حق الله وحق العبد. [ب] الضرب الثاني أن يكون الفعل أو الترك موافقًا. وهو عالم بالموافقة، ومع ذلك فقصده المخالفة، مثل المصلي رياء، وهذا الضرب أشد من سابقه، ويدخل تحته النفاق والرياء والحيل على أحكام الله تعالى، وذلك كله باطل. أما القسم الرابع: فهو أن يكون الفعل أو الترك مخالفًا، والقصد موافقًا. فإن كان مع العلم بالمخالفة، فهذا هو الابتداع، وهو مذموم. وإن كان مع الجهل بالمخالفة فإن له وجهين، كل منهما يعارض الآخر في نفسه ويعارضه في الترجيح: فإنه باعتبار كون القصد موافقًا، لا يكون مخالفًا بهذا الاعتبار. لأن الأعمال بالنيات، ونية هذا العمل على الموافقة. لكن الجهل أوقعه في المخالفة، ومن لا يقصد مخالفة الشارع، لا يجري مجرى المخالف بالقصد والعمل مَعًا. والوجه الثاني: النظر إلى هذا العمل باعتباره مخالفًا، فإن قصد الشارع بالأمر والنهي، الامتثال، فإذا لم يمتثل فقد خولف قصده. ولا يعارض المخالفة موافقة الباعث على العمل، لأنه لم يحصل قصد الشارع

стр. 434

في ذلك العمل على وجهه، ولا طابق القصد العمل، فصار المجموع مخالفًا كما لو خولف فيهما مَعًا، فلا يحصل الامتثال. وتكثر المعارضات في هذا من الجانبين، فكانت المسألة مشكلة جِدًّا. ومن هنا صار فريق من المجتهدين إلى تغليب جانب القصد، فتلافوا من العبادات ما يجب تلافيه، وصححوا المعاملات. ومال فريق إلى الفساد بإطلاق وأبطلوا كل عبادة أو معاملة خالفت الشرع، ميلاً إلى جانب العمل المخالف. وتوسط فريق، فأعملوا الطرفين على الجملة، لكن على أن يعمل مقتضى القصد في وجه، ويعمل مقتضى الفعل في وجه آخر (١). ولهذا أثر عن بعض من غَالَى في اعتبار المقاصد - الإفتاء بوقوع طلاق من طلق في نفسه، وهو مروي عن الزهري ومالك، واحتجا بالأصل في ذلك، وهو حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». أما أبو حنيفة، والشافعي، وأهل الحديث، وأهل الظاهر - فقد أفتوا بعدم لزوم الطلاق، لقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»، وقد أتبع البخاري هذا الحديث بقوله: قَالَ قَتَادَةُ: «إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ». ويرد ابن حزم على الاستدلال بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، بأن النبي ﷺ لم يفرد النية عن العمل، ولا العمل عن النية، ولم يوجب حُكْمًا بأحدهمها دون الآخر وَهَكَذَا نَقُولُ: «إنَّ مَنْ نَوَى الطَّلاَقَ وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ، أَوْ لَفَظَ بِهِ وَلَمْ يَنْوِهِ فَلَيْسَ طَلاَقٌ، إلاَّ حَتَّى يَلْفِظَ بِهِ

стр. 435

وَيَنْوِيَهُ» (١). وكما غَالَى بعض العلماء في اعتبار المقاصد - غَالَى بعضهم الآخر في اعتبار ظاهر الأعمال دون نظر إلى النية، كالذي يؤثر عن أبي حنيفة وأصحابه، من أن من أراد أن يقول شيئًا لامرأته فسبقه لسانه، فقال: أنت طالق - لزمه الطلاق في القضاء وفي الفتيا وبينه وبين الله . وقد ذهب الجمهور في هذه المسألة إلى أن هذا المطلق غير القاصد للطلاق إن قامت عليه بينة - قضى عليه بالطلاق. وإن لم تقم عليه بَيِّنَةٌ، لكن جاء يستفتي لم يلزمه الطلاق، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، أما إذا قامت بينة، فإنه حق ثبت، وقد ادعى بطلان ذلك الحق بقول هـ: «لَمْ أَنْوِ الطَّلاَقَ» فدعواه باطلة (٢). نَتَائِجُ هَذَا الاِتِّجَاهِ: وقد كان من نتائج هذا الاتجاه الخلقي النفسي، الذي يحتفي بالنية والقصد، ويهتم بالمآلات التي تصير إليها الأفعال، حيث تعتبر من العوامل التي تحدد القصد، وتعين على تعرفه - أن مال أهل الحديث إلى القول بسد الذرائع، كما مالوا بكل ثقلهم إلى القول بإبطال الحيل. ويهمنا الآن أن نستكشف العلاقة ما بين هذا الاتجاه عند المحدثين وموقفهم من الذرائع والحيل.

стр. 436

مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ: أما بالنسبة للذرائع، فقد صرح ابن القيم بأن هناك رباطًا وثيقًا يربطها بالمقاصد، «فَمَنْ سَدَّ الذَّرَائِعَ اعْتَبَرَ المَقَاصِدَ وَقَالَ: [يُؤَثِّرُ] الشَّرْطُ [مُتَقَدِّمًا وَمُقَارِنًا]، وَمَنْ لَمْ يَسُدَّ الذَّرَائِعَ لَمْ يَعْتَبِرْ المَقَاصِدَ وَلاَ الشُّرُوطَ المُتَقَدِّمَةَ» (١). وهذا الذي يقوله ابن القيم من وجود تلازم بين الذرائع والقصد - ليس على إطلاقه، إذ لا يتضح في جميع الصور، فقد تكون النية حسنة، والقصد ممدوحًا ومع ذلك لا يؤذن في الفعل المتوفر فيه هذه النية الحسنة نظرًا لمآل الفعل، وعظم المفسدة المترتبة عليه. وهذا يدل على أن الأصل في اعتبار سد الذرائع هو النظر في مآلات الأفعال وما تنتهي في جملتها إليه، والنظر في هذه المآلات لا يكون إلى مقصد العامل ونيته، بل إلى نتيجة العمل وثمرته، وبحسب النية يثاب الشخص أو يعاقب في الآخرة، وبحسب النتيجة والثمرة يحسن الفعل في الدنيا أو يقبح، ويطلب أو يمنع ولذلك كان النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، كان هذا النهي ملاحظًا فيه النتيجة الواقعة؛ لا النية الدينية المحتسبة لمن يسب الأوثان. فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية، بل يقصد مع ذلك إلى النفع العام، أو إلى دفع الفساد العام، فهو ينظر إلى النتيجة مع القصد أو إلى النتيجة وحدها (٢).

стр. 437

ولذلك جعل الشاطبي القول بسد الذرائع نتيجة من نتائج الاعتبار بمآلات الأفعال، لا من نتائج الاعتبار بالنيات والمقاصد (١)، إلا إذا أردنا بالمقاصد هنا ما هو مقصود للشريعة، لا الباعث الشخصي. وقد ذكر الشاطبي أن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا لأن المجتهد لا يحكم على فعل المكلف إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى إلى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا منعًا من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزي، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. ثم يقول الشاطبي: «وَهُوَ مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِ صَعْبُ المَوْرِدِ، إِلاَّ أَنَّهُ عَذْبُ المَذَاقِ مَحْمُودُ الغَبِّ، جَارٍ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ» (٢). اعْتِبَارُ أَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلَ لِلْذَّرَائِعِ: من أبرز من قال بالذرائع من أهل الحديث: الإمام أحمد، أخذًا بالأحوط: ونظرًا إلى مآل الفعل: واتهامًا للقصد عند ما يكون مآل الفعل غير مأذون فيه.

стр. 438

ومن المسائل التي أفتى فيها الإمام أحمد بن حنبل، معتمدًا عل أصل سد الذرائع: [أ] أنه يكره الشراء ممن يرخص السلع، ليصرف الناس عن الشراء من جار له. قصدًا إلى الإضرار به، لأن الشراء منه إغراء له بمضارة جاره. وقد يؤدي فعله إلى الاحتكار، بأن نزول منافسة غيره، فيستبد فيما بعد بالأسعار، والامتناع عن الشراء منه ذريعة عن الشراء منه ذريعة إلى امتناعه عن إنزال الضرر بجاره. [ب] حرم أحمد بيع العصير ممن يعتقد أنه يتخذه خمرًا، والبيع باطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك. وإذا كان الأمر محتملاً فالبيع جائز. وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري: أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه خمرًا. قال الثوري: «بِعْ الحَلاَلَ مِمَّنْ شِئْتَ». كما حرم أحمد بيع السلاح عند الفتنة، لأنه ذريعة إلى الشر، وإعانة على المعصية. وفي معنى هذا البيع عند أحمد كل بيع أو إجارة أو معارضة تعين على معصية. كبيع السلاح لمن يحاربون المسلمين، أو للبغاة، أو لقطاع الطريق، وكإجارة الدور والحوانيت لمن يقيم فيها سوقًا للمعاصي، كالمراقص والملاهي المحرمة. قال في " المغني ": «وَهَكَذَا الحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ ...» (١). ومما يذكر أن أهل الظاهر مع عدم اعتبارهم الذرائع، وإنكارهم على من يقول بها كما قدمنا (٢) - يتفقون مع أحمد في هذا الحكم، ولكنهم

стр. 439

يستدلون عليه بالنص، وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْصِي اللَهَ بِهِ أَوْ فِيهِ، وَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، كَبَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ يُنْبَذُ أَوْ يُعْصَرُ مِمَّنْ يُوقَنُ [بِهَا] أَنَّهُ يَعْمَلُهُ خَمْرًا، وَكَبَيْعِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يُدَلِّسُ بِهَا ... أَوْ كَبَيْعِ السِّلاَحِ [أَوْ الخَيْلِ] مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْدُو بِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ، أَوْ كَبَيْعِ الحَرِيرِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَلْبَسُهُ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ... فَإِنْ لَمْ يُوقَنْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَالبَيْعُ صَحِيحٌ» (١). [ج] بيوع الآجال، أو التي تعرف أحيانًا ببيع العينة (٢)، قد حرمها أحمد لأنها ذريعة إلى الربا. ومن صورها أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل منه نقدًا، فإذا باعك إنسان سلعة بعشرين مثلاً إلى أجل ثم اشتراها منك بعشرة نقدًا، كان مآل البيع والشراء في هذه الصورة أنك افترضت من البائع عشرة، لتردها إليه عشرين بعد الأجل، وهو عين الربا. وقد حرم هذا البيع أيضًا كل من أبي حنيفة ومالك، ولما روي أَنَّ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ لَهَا: «إِنِّي بِعْتُ غُلاَمًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً إِلَى العَطَاءِ , وَاشْتَرَيْتُهُ بِسِتِّمِائَةِ» , فَقَالَتْ عَائِشَةُ:

стр. 440

«أَبْلَغَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أنه قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ، بِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ وَبِئْسَ مَا شَرَيْتِ. قَالَتْ: «أَرَأَيْتِ إِنْ لَمْ آخُذْ إِلاَّ رَأْسَ مَالِي؟» , قَالَتْ: «﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]». ومثل هذا الوعيد لا يقال بالرأي ولا فيما سبيله الاجتهاد فصح أنه توقيف (١). وقد أجاز الشافعي وأهل الظاهر هذا البيع. قال ابن حزم: «وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى حَالَّةً، أَوْ إلَى أَجَلٍ [مُسَمًّى] قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، فَلَهُ أَنْ يَبْتَاعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنْ الذِي بَاعَهَا مِنْهُ [بِثَمَنٍ مِثْلِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ مِنْهُ، وَبِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَبِأَقَلَّ حَالاًّ، وَإِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَقْرَبَ مِنْ الَّذِي بَاعَهَا] مِنْهُ إلَيْهِ، أَوْ أَبْعَدَ وَمِثْلَهُ، كُلُّ ذَلِكَ حَلاَلٌ لاَ كَرَاهِيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ مَذْكُورٍ فِي نَفْسِ العَقْدِ. فَإِنْ كَانَ عَنْ شَرْطٍ فَهُوَ حَرَامٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا مَحْكُومٌ فِيهِ بِحُكْمِ الغَصْبِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]. [فَهَذَانِ بَيْعَانِ] فَهُمَا حَلاَلاَنِ بِنَصِّ القُرْآنِ ...». وقد ضعف ابن حزم خبر زيد بن أرقم المروي عن السيدة عائشة. ورد على من قال: إن المتعاقدين قد تحايلا بهذا العقد على الربا، فقال: «أَنَّهُمَا إنْ كَانَا أَرَادَا الرِّبَا [كَمَا ذَكَرْتُمْ] فَتَحَيَّلاَ بِهَذَا العَمَلِ، فَبَارَكَ اللَّهُ فِيهِمَا، فَقَدْ أَحْسَنَا مَا شَاءَا إذْ هَرَبَا مِنْ الرِّبَا الحَرَامِ إلَى البَيْعِ الحَلاَلِ، وَفَرَّا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى مَا أَحَلَّ» (٢). مَوْقِفُ البُخَارِيِّ مِنَ الذَّرْائِعِ: ونلاحظ هنا أن البخاري مع أخذه بالأحوط، فإن اتجاهه الظاهري قد غلب عليه، فلم يجعل للذرائع أثرًا في مقابلة عموم النص. ولذلك

стр. 441

لا نستطيع أن نتابع ابْنَ المُنَيِّرِ في إطلاقه القول بأن البخاري يقول بسد الذرائع كذلك (١). على أن الأحوط الذي يأخذ به البخاري، ليس في ترك ما يبيحه النص خوفًا من التجرأ على ما لا يبيحه، أو حذرًا من مفسدة يؤول إليها الفعل ولكن الأحوط عنده هو ترجيح لأحد النصين المتعارضين على الآخر: مثل ما ذكرناه من قبل، من أن البخاري روى حديث: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ» (*) ثم روى حديث: «المَاءُ مِنَ المَاءِ» ولما لم يتضح عنده وجه نسخ الحديث الأول للثاني، قال: «الغَسْلُ أَحْوَطُ» (٢). ومثل ذلك أيضًا ما ذكره من الاختلاف في الفخذ، هل هو عورة، أو لا؟ فقد قال في ترجمته: (بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «الفَخِذُ عَوْرَةٌ» وَقَالَ أَنَسُ [بْنُ مَالِكٍ]: «حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ». [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ]: «وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنَ اخْتِلاَفِهِمْ» وَقَالَ أَبُو مُوسَى: «غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ». وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي» (٣). وفي الوضوء بالماء الذي ولغ فيه الكلب، يقول البخاري: (بَابُ المَاءِ الذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ، وَكَانَ عَطَاءٌ: «لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ وَالحِبَالُ، وَسُؤْرِ الكِلاَبِ وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ:

стр. 442

«إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ» وَقَالَ سُفْيَانُ: «هَذَا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذَا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ» (١). هذه هي الحيطة في مفهوم البخاري، ولكن نطاقها لا يتسع عنده حتى تشمل مثلاً تحريم أو كراهة الاستنشاق أو المبالغة فيه للصائم، حتى لا يكون ذريعة إلى الفطر، بل نراه على العكس من ذلك يبقى العام على عمومه، فيقول: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ المَاءَ» وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ ... فَإِنِ اسْتَنْثَرَ، فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لاَ بَأْسَ، [لَمْ] يَمْلِكْ) (٢). ويبدو أن البخاري لم ير صحة الحديث المروي في ذلك، فقد روى الترمذي في (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ مُبَالَغَةِ الاِسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ) عَنْ عَاصِمِ بْنَ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الوُضُوءِ؟ قَالَ: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ كَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ السُّعُوطَ لِلصَّائِمِ، وَرَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُهُ، وَفِي [الحَدِيثِ] مَا يُقَوِّي قَوْلَهُمْ» (٣). ورواه النسائي. ويلاحظ أن البخاري لم ير بأسًا بالسعوط، ونقل ذلك عن الحسن في الباب السابق، بشرط ألا يصل إلى الحلق.

стр. 443

وقد سبق أن ذكرنا أن أحمد بن حنبل كره بيع السلاح في الفتنة، سَدًّا لذريعة الفساد، ولكن البخاري مال إلى سلامة هذا البيع وعدم كراهته، بدليل الترجمة التي قال فيها: (بَابُ بَيْعِ السِّلاَحِ فِي الفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الفِتْنَةِ). قال ابن بطال: «إِنَّمَا كُرِهَ بَيْعُ السِّلاَحِ فِي الفِتْنَةِ، لأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الإِثْمِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بَيْعَ العِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى فَسْخِ البَيْعِ. وَكَأَنَّ المُصَنِّفَ [أَشَارَ] إِلَى خِلاَفِ الثَّوْرِيِّ [فِي ذَلِكَ حَيْثُ] قَالَ: " بِعْ حَلاَلَكَ مِمَّنْ شِئْتَ "» (١) مُحْتِجًّا بعموم الآيات المبيحة للبيع، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. والواقع أن البخاري إنما يقرر رأيه هو، ثم يشير إلى من خالفه فكره هذا البيع، وقد رأى البخاري أنه لا بأس بهذا البيع، بدليل الحديث الذي رواه في هذا الباب والذي يفيد جواز بيع السلاح في أثناء الحديث الذي رواه في هذا الباب والذي يفيد جواز بيع السلاح في أثناء المعارض. وهو ما رواه عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَأَعْطَاهُ - يَعْنِي دِرْعًا -[فَبِعْتُ] الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ». أما الحيل، فقد أجمع المحدثون على تحريمها، ووقفوا من رفضها موقفًا متحدًا. ولما كان القول بالحيل مشهورًا عن أهل الرأي، وكان ذلك مما أدرجه أهل الحديث في قائمة اتهامهم لهم - أجلنا البحث فيها إلى الباب القادم، حيث إنها تشكل جانبًا هامًا من موضوعات الخلاف بين المحدثين وأهل الرأي. وقبل أن ننتقل إلى هذا الباب، نلمح إلماحة يسيرة إلى الاتجاه الأخير عند المحدثين، وهو:

стр. 444

الاِتَّجَاهُ العَقْلِيُّ: ولا يعني هذا الاتجاه أن أصحابه قد استغنوا بالعقل عن الحديث، وإلا خرجوا من نطاق بحثنا الذي يعني بالمحدثين، ممن اشتغلوا بصناعة الحديث وتفقهوا فيه - ولكنه يعني أن أصحابه قد أعطوا العقل حرية أوسع عند نظرهم الفقهي في الحديث: سواء في فهم الحديث وعدم الوقوف عند ظاهره، أو ترجيح أحد الحديثين المختلفين باستعمال النظر العقلي، دون اكتفاء بالموازنة بين الأسانيد في ذلك، ولهذا كانت الأحاديث المختلفة والمتعارضة هي الميدان الذي يبرز فيه هذا الاتجاه، الذي يمثله بحق - محدث مات في القرن الرابع ولكنه عاش جل حياته في القرن الثالث، وألف فيه معظم إنتاجه العلمي، ومن بينها كتاب رائع في اختلاف الحديث -. هذا المحدث هو أبو جعفر الطحاوي. وقد كان " أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث "، هو موضوع رسالتي التي تقدمتُ بها للحصول على درجة الماجستير، وفيها أبرزتُ هذا الاتجاه الذي كاد ينفرد به الطحاوي في كتابه " شرح معاني الآثار " بما يغنينا عن إعادته، على أن نماذج كثيرة من هذا الاتجاه، سوف تطالعنا في الباب القادم، حيث عني الطحاوي ببيان وجهة نظر الأحناف في المسائل التي اتهموا فيها بمخالفة الحديث، مُبَيِّنًا في كثير من المواضع منهجهم في الأخذ بالسنن. وبعد، فهذه الاتجاهات التي ذكرناها، لا نزعم أنها قد استوعبت كل اتجاهات المحدثين في الفقه، ولكنها كانت أهم ما تيسر لنا استنباطه من سلوكهم الفقهي، مما وقفنا عليه في كتبهم أو ما روي عنهم، وهي السمات الرئيسية التي تميزهم وتطبعهم بطابع خاص، والتي يندرج فيها كثير من قواعدهم ومناحي تفكيرهم.

стр. 445

البَابُ الخَامِسُ: مَوْضُوعَاتُ الخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ: دراسة، وموازنة، وتصنيف. • تمهيد. • الفصل الأول: بين ابن أبي شيبة وأبي حنيفة. • الفصل الثاني: بين البخاري وأهل الرأي.

стр. 446

تَمْهِيدٌ: بعد أن قضينا فترة من الوقت في رحاب كتب أهل الحديث، أنصتنا فيها إلى وجهات نظرهم، وتتبعنا خلالها آراءهم، وتعرفنا على اتجاهاتهم العامة التي صدرت عنها اختياراتهم - نعود إلى العلاقة بين أهل الحديث وأهل الرأي، فنتعرض لها مرة ثانية، لا من حيث وصف هذه العلاقة، وبيان أسبابها ونتائجها، فقد كان ذلك موضوع الباب الأول. ولكن من حيث الموضوعات التي تمثل مآخذ أهل الحديث على أهل الرأي، والتي من أجلها عابوهم، واتهموهم بإعمال الحديث، أو مخالفته وتقديم الرأي عليه لترى مدى صدق هذا الاتهام، وإلى أي حد كان نصيب هذه الدعوى من الحقيقة والواقع. ولعل مما ييسر دراسة هذه الموضوعات ما قدمناه من اتجاهات المحدثين وتصورهم للأصول والقواعد العامة التي يصدر عنها التشريع، وموازنتنا فيما سبق - لاتجاهاتهم وتصورهم باتجاهات أهل الرأي وتصورهم في أغلب الأحيان، مما يعين على تحليل المسائل المختلف فيها، ومما يجعل الدراسة في هذا الباب تأخذ طابع التطبيق على ما قدمناه من نظريات، وهو ما أوعز إلينا أن نؤخره إلى هذا الوقت وأغرانا أن نضعه هذا الموضع. على أن هذا الباب يقدم لنا كذلك جانبًا من الجوانب الفكرية والعقلية لأهل الحديث، ويشارك في تعديل الفكرة الشائعة عنهم. والتي تصورهم بأنهم لا يزيدون عن أن يكونوا نقلة للأخبار، وموصلاً جيدًا للآثار، دون أن يكون لهم جهد فكري، أو مقدرة عقلية على الاستنباط والاستفادة مما يحملونه من علم. وقد أثبت باب سابق خطأ هذه الفكرة، أو على الأقل، فإنه قد أثبت خطأ تعميمها على المحدثين، وبخاصة محدثو القرن الثالث.

стр. 447

الذين كانوا مجتهدين مستقلين يغترفون من نبع الشريعة، وَيَرِدُونَ مَوْرِدَهَا الصافي. وسوف يقدم لنا هذا الباب كذلك جانبًا من مناظراتهم ومناقشاتهم، وبخاصة عند البخاري، مما يدل على رسوخهم في العلم وتمكنهم من الأخبار ومقدرتهم على المناظرة، مقدرة مكنت إسحاق بن راهويه من مناظرة الشافعي (١) - رَحِمَهُمَا اللهُ -. وقد كان إسحاق شديدًا في مناظرة أهل الرأي، مولعًا ببيان تناقضهم مما نرى أثره في البخاري وابن حزم. ومن صور هذه المناقشة ما نجده في مسألة الوضوء من لحم الجزور. وإنه مستثنى من الرخصة في ترك الوضوء مما مسته النار حيث يقول: «وَالعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الذِينَ يُنْكِرُونَ الوُضُوءَ مِنْ لَحْمِ الجَزُورِ، ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ حَتَّى يَعِيبُوا الأَخْذَ بِهِ، وَهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ يَرَوْنَ الوُضُوءَ مِنَ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا قِيلَ لِأَحَدِهِمْ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ صَاحِبَكَ ضَحِكَ نَهَارَهُ أَجْمَعَ، أَيَجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءُ؟ فَيَقُولُ: لَا. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ وَانْتَقَضَتْ الصَّلَاةُ»، ثم ذكر أن هذا الخصم لو سئل عن إنسان يسب آخر ويهجوه لما أوجب عليه

стр. 448

الوضوء، فلم جعل الضحك أعلى من ذلك؟ وسوف يجيب الخصم حينئذٍ بأنه ذهب إلى هذا الحديث المروي في هذا الشأن، ثم يقول إسحاق: «وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْتَجَّ فِي الفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا. فَيُقَالُ لَهُ: فَلِمَ عَذُرْتَ نَفْسَكَ أَنْ اتَّبَعْتَ حَدِيثًا [مُنْقَطِعًا] مُرْسَلاً بِإِيجَابِ الوُضُوءِ عَلَى الضَّاحِكِ فِي الصَّلَاةِ، وَعِبْتَ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْ لَحْمِ الجَزُورِ، وَالحَدِيثَانِ مُتَّصِلَانِ أَنَّ الوُضُوءَ مِنْ لَحْمِ الجَزُورِ قَدْ فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَأَمَرَ بِهِ» (١). وقد يعقب إسحاق على مناقشته التي يلزم فيها خصومه، فيورد عليهم أمثلة لما أنكروه أو تناقضوا فيه، فيقول: «وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا جَمَعَ القَوْمُ، وَيَجْمَعُونَ مَا فَرَّقَ القَوْمُ، قَدْ أَوْلَعُوا بِذَلِكَ» (٢). وقد أثبت إسحاق تغريب المرأة الزانية وإن لم يكن لها محرم، وبعد أن ناقش من أنكر تغريبها قال: «وَلَكِنَّهُمْ أَوْلَعُوا بِأَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَهُ وَرَسُولُهُ» (٣). أما الموضوعات التي أثارت النقاش والجدل بين المحدثين وأهل الرأي فقد استقصاها ابن القيم في كتابه " إعلام الموقعين " (٤)، لا باعتبار أنها موضوعات الخلاف، ولكن باعتبارها مآخذ عليها على أهل الرأي، وأظهر بها تناقضهم. والذي يهمنا من هذه الموضوعات هو ما نص عليه محدثو القرن الثالث أنفسهم، ونقلوه في كتبهم، إذ هو الذي يعكس لنا جوانب من تفكيرهم.

стр. 449

ومنهجهم في تناول القضايا الفكرية، وهو الذي يعرض لنا موضوعات الخلاف من وجهة نظرهم، فيكشف لنا من خلال علاجهم لهذه الموضوعات - كيف أنهم لم يتصوروا أنها موضوعات تحتمل وجهات النظر وأن تحديد الصواب في إحداها ليس [قطعيًا]، وإنما كان تصورهم لها عن طريق القطع بأنهم مصيبون، وأن خصمهم على خطأ لمخالفته الأحاديث الصحيحة. ومن أهم المحدثين الذين تعرضوا لموضوعات الخلاف هذه - ابن أبي شيبة والبخاري. وقد بلغ من اهتمامهما بها، أن عقد الأول فصلاً خاصًا بها، وناقشها الثاني في أماكن متفرقة من " صحيحه ". وسوف نعرض هذه الموضوعات في فصلين: نخصص أولهما لبيان وجهة نظر ابن أبي شيبة فيها، لأنه أسبق من البخاري، الذي خصصنا الفصل الثاني لعرض وجهة نظره في هذه الموضوعات. ثم نتبع كلا من هذين الفصلين ببعض الإحصاءات والنقد، نصفي فيه الحساب بين أهل الحديث وأهل الرأي، لنعطي كل ذي حق حقه. ومع حرصي على توخي العدالة، وتوقي الميل، فلن تكون كلمتي هي القول الفصل في موضوعات هذا الخلاف، بل لن تعدو أن تكون وجهة نظري فيه. واللهَ أسألُ أن يهدينا سواء السبيل.

стр. 450

الفَصْلُ الأَوَّلُ: بَيْنَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي حَنِيفَةَ: ذكر ابن أبي شيبة في كتابه " المصنف " بَابًا بعنوان: (هَذَا مَا خَالَفَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ الأَثَرَ الذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَهِ ﷺ )، جمع فيه خمسًا وعشرين ومائة مسألة. ولو تذكرنا ما سبق في وصف منهج ابن أبي شيبة في " مصنفه " (١) لرأينا أنه يلتزمه في هذا الباب أيضًا، حيث يروي بسنده في كل مسألة، ما جاء فيها من حديث مرفوع أو موقوف، موصول أو مرسل أو مقطوع، وأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، ثم يعقب على ذلك بذكر مخالفة أبي حنيفة للآثار التي قدمها غير أنه لا يوثق ما ينسب إلى أبي حنيفة بذكر سنده إليه، بل يكتفي بقوله: «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ كَذَا»، وكأنه ينقل ما شاء في أوساط المحدثين عن أبي حنيفة وموقفه من الحديث، دون أن يتحمل مسؤولية صحة النسبة إليه، وبذلك يتسق هذا الباب مع بقية أبواب " المصنف "، حيث لم يلتزم الصحة في كل مروياته، سواء من حيث الآثار التي رواها في كتابه، مما خالفه أبو حنيفة أو وافقه، أو من حيث نسبة الأقوال إلى أبي حنيفة. وكما ثبت عدم صحة بعض الآثار التي رواها - ثبت كذلك خطأ نسبة بعض الآراء التي عزاها إلى أبي حنيفة. ويلاحظ أن ابن أبي شيبة قد نص صراحة على أن خصمه هو أبو حنيفة واقتصر في اتهامه عليه، وكأن أهل الرأي الذين خاصمهم المحدثون قد تركزوا

стр. 451

في أبي حنيفة، وكأن الخمسة والثمانين عامًا التي مضت منذ وفاة أبي حنيفة حتى وفاة ابن أبي شيبة - لم تضف إلى أهل الرأي من يتحمل مع أبي حنيفة جانبًا من خصومة المحدثين، أو لعلهم كانوا يحاولون زلزلة مذهب أهل الرأي بنقض أساسه، وكشف عواره، متمثلاً في أخطاء مؤسسه ورائده، الإمام أبي حنيفة. والأظهر أنه إنما خصه بالانتقاد، لأن صاحبيه قد خالفاه في كثير من المسائل المنتقدة، كما يتضح عند دراستها. كما يلاحظ أن أبا بكر بن أبي شيبة يكثر من ذكر الروايات التي توضح مأخذ المحدثين وتؤيد وجهتهم، دون أن يعني بيان وجهة نظر أبي حنيفة، وقد يبدو هذا السلوك طبيعيًا من ابن أبي شيبة، حيث إنه محدث ينظر للأمور من وجهة نظر المحدثين، إلا أن ذكر وجهة النظر الحنفي - في رأينا - كان أولى من إهمالها، إما لنقضها، وتبيين قصورها، وإما تحريًا للعدالة في تقديم وجهتي النظر، حتى يترك للمطلع فرصة الموازنة والمفاضلة. وعلى كل فسوف نرى أن البخاري قد استدرك ما فات ابن أبي شيبة في كلتا هاتين الملاحظتين، على ما سنبينه في موضعه. وقبل أن يستغرقا البحث في الموضوعات المنتقدة على أهل الرأي، فإن الإنصاف يدعونا إلى أن نُذَكِّرَ بما هو معلوم من أخذ أبي حنيفة بالسنة واعتباره إياها المصدر الثاني للتشريع، مثله في ذلك مثل سائر المجتهدين من أهل السنة، بل كان يأخذ بأقوال الصحابة ويرفعها إلى مرتبة النصوص، وأن الخلاف بينه وبين المحدثين محصور في الجزئيات لا في الأصل الكلي، نتيجة لاختلاف المنهج في قبول الحديث واعتبار صحته، وترتب على هذا الاختلاف في المنهج أن رفض أبو حنيفة بعض الآثار التي اعتبرت صحيحة من وجهة نظر المحدثين. وقد سبق في باب (الاِتِّجَاهِ إِلَى الآثَارِ) أَنْ وَازَنَّا بين منهج المحدثين

стр. 452

وأهل الرأي في الأخذ بالحديث، ولهذا لا نستطيع أن نطلق القول بأن أبا حنيفة قد خالف الحديث، اللهم إلا من وجهة نظر المحدثين، فأما من وجهة نظره هو، فإن ما خالفه لا يعتبره حديثًا، ولهذا أثر عنه قوله: «رَدِّي عَلَى كُلِّ رَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلاَفِ القُرْآنِ، لَيْسَ رَدًّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا تَكْذِيبًا لَهُ، وَلَكِنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُحَدِّثُ عَنْهُ بِالبَاطِلِ، وَالتُّهْمَةُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَى نَبِيِّ اللهِ. وَكُلُّ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ وَقَدْ آمَنَّا بِهِ وَشَهِدْنَا أَنَّهُ كَمَا قَالَ، وَنَشْهَدُ أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِشَيْءٍ يُخَالِفُ أَمْرَ اللهِ، وَلَمْ يَبْتَدِعْ، وَلَمْ يَتَقَوَّلْ غَيْرَ مَا قَالَ اللهُ، وَمَا كَانَ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ» (١). وقد قال الشعراني مُدَافِعًا عن أبي حنيفة: «... وَقَدْ تَتَبَّعْتُ بِحَمْدِ اللهِ أَقْوَالَهُ أَوْ أَقْوَالَ أَصْحَابِهِ لَمَّا أَلَّفْتُ كِتَابَ " أَدِلَّةِ المَذَاهِبِ "، فَلَمْ أَجِدْ قَوْلاً مِنْ أَقْوَالِهِ أَوْ أَقْوَالِ أَصْحَابِهِ إِلاَّ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ أَثَرِ أَوْ إِلَى مَفْهُومِ ذَلِكَ، أَوْ حَدِيثٍ ضَعِيفٍ كَثُرَتْ طُرُقُهُ، أَوْ إِلَى قِيَاسٍ صَحِيحٍ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ» (٢). واتهام أبي حنيفة بعدم معرفة الحديث، أو قصر معرفته فيه على أحاديث معدودة (٣) اتهام غير مقبول، وقصر غير معقول، فقد سمع كثيرًا من التابعين، عراقيين وحجازيين منهم عطاء، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبو جعفر محمد بن علي، وأبو إسحاق السبيعي، وعمرو بن دينار، والزهري (٤).

стр. 453

وقد كان من أصحابه عدد من أئمة الحديث منهم ابن المبارك وأبو يوسف ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، الحافظ المتقن أبو سعيد الهمداني (*) قال عنه ابن المديني: «لَمْ يَكُنْ بِالكُوفَةِ بَعْدَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَثْبَتَ مِنْهُ» (١). وقد عني المرحوم الدكتور مصطفى السباعي في " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " وقد أثبت خطأ ما يشاع من أن أبا حنيفة كان يجهل الحديث أو أن محصوله منه كان قليلاً. كما ذكر الكوثري ﵀ جملة صالحة من أصول أبي حنيفة في قبول الحديث، وذلك في كتابه الذي رد فيه على الخطيب (٢). ونعود إلى المسائل التي انتقدها أبو بكر بن أبي شيبة على أبي حنيفة، فنجد أنه لم يستقص هذه المسائل، حيث لم يذكر مثلاً انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة، وترك القراءة خلف الإمام، والتوضأ بالنبيذ وعدم رفع الأيدي في الركوع وغير ذلك - إلا اقتصاره على المسائل التي ذكرها يبين أنها هي الموضوعات الهامة من وجهة نظره، أو هي التي يتضح فيها مخالفة الحديث أكثر من غيرها. وعلى كل فإن ابن أبي شيبة لم يرتب هذه المسائل ترتيبًا فقهيًا، فلم يجمع ما تجانس منها في مكان واحد، بل ذكر كيفما اتفق. وسوف تكون دراستنا لهذه المسائل حسب ترتيبها الفقهي، طبقًا للبيان الآتي الذي يوضح نصيب كل باب فقهي منها. وليس من غرضنا الإفاضة في شرح هذه المسائل المختلف فيها، بقدر

стр. 454

ما تنصب عنايتنا على بيان وجهة نظر أبي حنيفة في مخالفته، وهل كان معه ما يبرر هذه المخالفة، وما مدى الصواب أو الخطأ في هذا المبرر، ثم هل انفرد أبو حنيفة بمخالفة هذه الآثار التي انتقد من أجلها، أو شاركه في مخالفتها غيره من أئمة الفقه، الذين يقدرهم المحدثون ممن ليسوا موضعًا للتهمة؟ وعدد المسائل التي انتقدها أبو بكر بن أبي شيبة على أبي حنيفة: - في الطهارة: ١٢ مسألة. - وفي الصلاة: ٣٤ مسألة. - وفي الصيام: مسألتان. - وفي الزكاة: ٦ مسائل. - وفي الحج: ٨ مسائل. - وفي النكاح والطلاق: ٩ مسائل. - وفي البيوع: ١٧ مسألة. - وفي القضاء والقصاص والحدود: ١٧ مسألة. - وفي الكراهية: ٨ مسائل. - في أبواب مختلفة: ١٢ مسألة. • مجموعها = ١٢٥ مسألة. ولنشرع الآن في بيان هذه المسائل، بادئين بمسائل الطهارة التي ادعى على أبي حنيفة أنه خالف فيها الآثار: ١ - طَهَارَةُ المَاءِ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَوَضَّأُ

стр. 455

مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؟، - وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ وَلُحُومُ الكِلاَبِ وَالنَّتْنُ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «المَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (*) ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَغْتَسِلَ فِيهَا أَوْ لِيَتَوَضَّأَ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا , قَالَ: «إِنَّ المَاءَ لَا يُجْنِبُ». وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا». ثم قال ابن أبي شيبة: «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَنْجُسُ المَاءُ "». وهذا الذي ذكره ابن أبي شيبة يشير إلى قضيتين: - أولاهما: حكم الماء إذا وقعت فيه النجاسة. - والثانية: حكم الماء المستعمل. ويجمعهما في رأيه أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، ولا باستعماله. وبالنسبة للقضية الأولى، فقد اتفق العلماء على أن الماء الذي غيرت النجاسة أحد أوصافه: طعمه أو لونه أو ريحه لا يجوز الوضوء به ولا الطهور، كما اتفقوا على طهارة الماء الجاري الكثير إذا خالطته نجاسة لم تغير شيئًا من أوصافه. لكنهم اختلفوا في غير ماء البحار والأنهار إذا خالطته نجاسة لم تغير أحد أوصافه: فقال قوم: هو طاهر، سواء كان كثيرًا أو قليلاً، وهي رواية عن مالك، وبه قال أهل الظاهر، وإليه مال البخاري، كما يفهم من ترجمته: (بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «لَا بَأْسَ بِالمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ») (١). على الرغم من أنه لم ير صحة ما رواه ابن أبي شيبة في ذلك. كما ذهب النسائي أيضًا إلى ذلك، حيث ذكر

стр. 456

حديث القلتين تحت عنوان: (بَابُ التَّوْقِيتِ فِي المَاءِ)، ثم أتبعه بباب (تَرْكُ التَّوْقِيتِ فِي المَاءِ)، روى فيه حَدِيثَ الأَعْرَابِيَّ الذِي بَالَ فِي المَسْجِدِ «فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنَ المَاءِ عَلَى مَكَانِ البَوْلِ». فأخذ النسائي من ذلك أن الماء لا ينجس وإن قَلَّ، لأن الدلو من الماء قليل، وقد صب على البول فاختلط به فلو تنجس الماء باختلاط البول يلزم أن يكون هذا تكثيرًا للنجاسة لا إزلة لها، فلزم أن الماء لا ينجس باختلاط النجس وإن قل (١). وقد ذهب فريق آخر من العلماء إلى الفرق بين قليل الماء وكثيره إذا وقعت فيه نجاسة، فقالوا: إن كان قليلاً ينجس، وإن كان كثيرًا لا ينجس. ومن هؤلاء أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق. غير أنهم قد اختلفوا في حد الكثرة: فذهب غير أبي حنيفة إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من قلال هَجَرْ، أَخْذًا بالحديث المروي وذلك نحو خمس قرب. وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه: إلى أن حد الكثرة يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى: إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء به، وإلا جاز. وعنه اعتبار الكثرة بالتحريك، أي إذا حرك أحد طرفي الماء إما بالاغتسال أو بالوضوء أو باليد - لم يتحرك طرفه الآخر. وقد رجح الأحناف الرواية الأولى عن أبي حنيفة لمناسبتها لأصله، من عدم التحكم بتقدير فيما لم يرد فيه تقدير، والتفويض فيه إلى رأي المبتلى (٢). ولكن ماذا يفعل أبو حنيفة في التقدير الشرعي الذي جاء في حديث القلتين؟. إن الأحناف قد ضعفوا هذا الحديث، ونقلوا تضعيفه عن علي بن المديني، وقد رجح ضعفه أيضًا ابن دقيق العيد الشافعي، ومن المالكية ضعفه ابن عبد البر وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر بن العربي (٣).

стр. 457

أَمَّا «حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ»، فقد ناقشه الطحاوي مُبَيِّنًا أنه لا حجة فيه: أما أولاً فلأن الواقدي قد قال: إن ماء هذه البئر كان جاريًا وكانت طريقًا للماء إلى البساتين، وأما ثانيًا - وهو الحجة العقلية - فلأنهم «قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي البِئْرِ فَغَلَبَتْ عَلَى طَعْمِ مَائِهَا أَوْ رِيحِهِ أَوْ لَوْنِهِ , أَنَّ مَاءَهَا قَدْ فَسَدَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يُلْقَى فِيهَا الكِلاَبُ وَالمَحَائِضُ. فَقَالَ: " إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ". وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ بِئْرًا لَوْ سَقَطَ فِيهَا مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ مُحَالاً أَنْ لاَ يَتَغَيَّرَ رِيحُ مَائِهَا وَطَعْمُهُ , هَذَا مِمَّا يُعْقَلُ وَيُعْلَمُ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَبَاحَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَاءَهَا، وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ دَاخَلَ المَاءَ التَّغْيِيرُ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ اللاَّتِي ذَكَرْنَا - اسْتَحَالَ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَائِهَا وَجَوَابُهُ إِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا أَجَابَهُمْ - كَانَ وَالنَّجَاسَةُ فِي البِئْرِ. وَلَكِنَّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، كَانَ بَعْدَ أَنْ أُخْرِجَتْ النَّجَاسَةُ مِنَ البِئْرِ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ: هَلْ تَطْهُرُ بِإِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ مِنْهَا فَلاَ يَنْجُسُ مَاؤُهَا الذِي يَطْرَأُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَذَلِكَ مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ لأَنَّ حِيطَانَ البِئْرِ لَمْ تُغْسَلْ وَطِينُهَا لَمْ يُخْرَجْ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ المَاءَ لاَ يَنْجُسُ ". يُرِيدُ بِذَلِكَ المَاءَ الذِي طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ مِنْهَا لاَ أَنَّ المَاءَ لَا يَنْجُسُ إِذَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ» (١)، ثم أيد هذا المعنى بما رواه من أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ»، وَقَالَ: «الأَرْضُ لَا تَنْجُسُ»، فلم يكن معنى ذلك أن المؤمن لا ينجس وإن أصابته النجاسة، ولا أن الأرض لا تنجس وإن أصابتها النجاسة، فقد أمر ﵇ بصب ماء على موضع البول في المسجد.

стр. 458

أما بالنسبة للقضية الثانية، فهي حكم الماء المستعمل. (وهو ما أزيل به حدث، أو استعمل في البدن على وجه القربة). وقد اختلفت الروايات عن أبي حنيفة في حكم الماء: فروى عنه أنه نجس نجاسة غليظة، وفي رواية أن نجاسته خفيفة، وفي ثالثة أنه طاهر غير مطهر، أي لا يصلح استعماله في طهارة الأحداث، والرواية الأخيرة هي التي عليها الفتوى (١). وإذا كان الماء المستعمل طاهرًا على رأي الجمهور والراجح من مذهب الأحناف، فهل يجوز استعماله في الوضوء والغسل مرة أخرى؟. هنالك ثلاثة آراء في ذلك: - أولها: لا يجوز استعماله في الطهارة. وهذا رأي أبي حنيفة والشافعي. - والثاني: كراهة استعماله مع وجود غيره، فإذا لم يوجد إلا هو وجب استعماله ولم يجز التيمم وهو مذهب مالك. - والثالث: جواز استعماله بلا كراهة، إذ لا فرق بينه وبين الماء المطلق. وهو رأي أبي ثور، وأهل الظاهر، وإليه مال البخاري (٢). وما رواه ابن أبي شيبة مما سبق في حديث ابن عباس، يفيد لفظه طهارة الماء المستعمل وصلاحيته لإزالة الحدث، لأن زوجة النبي ﷺ اغتسلت في الجفنة، فلما أراد أن يتطهر بالماء المستعمل في الجفنة حذرته زوجته. فقال لها: «إِنَّ المَاءَ لَا يُجْنِبُ». وقد روى أبو داود هذه الرواية بهذا اللفظ لتدل على هذا المعنى تمامًا في (بَابُ المَاءِ لَا يُجْنِبُ) (٣).

стр. 459

ولكن الترمذي، مع روايته لهذا الحديث بهذا اللفظ، لم يفهم منه هذا المعنى، فلم يستدل به على جواز الماء المستعمل، بل فهم منه بقية الماء الذي استعملت المرأة بعضه في طهارتها، فاستدل به على جواز استعمال فضل طهورها، حيث ذكر أولاً (بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ فَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ)، ثم أتبعه بقوله: (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ) روى فيه حديث ابن عباس «إِنَّ المَاءَ لَا يُجْنِبُ» (١). وكذلك فعل ابن ماجه، حيث رواه بهذا اللفظ في (بَابُ الرُّخْصَةِ بِفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ)، ثم رأى نسخ ذلك، فأتبعه بقوله: (بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ) (٢). أما النسائي فقد روى هذا الحديث بلفظ يجعل الاستدلال به مقصورًا على ما استدل له الترمذي، وهو بقية الماء الذي استعملت المرأة بعضه، لا الماء المستعمل ولذلك لم يذكر لفظ (فِي جَفْنَةٍ)، بل روى بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنَابَةِ فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَضْلِهَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّ المَاءَ لَا [يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ]» (٣). وبذلك يتبين أن أبا حنيفة لم يخالف الحديث في هذه المسألة، ولكنه رجح بعض الأحاديث المختلفة. ويلاحظ أن الذين يذهبون إلى أن الماء لا ينجسه شيء وهم أهل الظاهر والبخاري والنسائي ورواية عن مالك لا يأخذون بحديث القلتين، والذين يأخذون بحديث القلتين لا يأخذون

стр. 460

بـ «حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ» على إطلاقه، لأن حديث القلتين، وحديث غسل اليد عند الاستيقاظ، والنهي عن البول في الماء الراكد - كل ذلك يؤكد أن النجاسة تؤثر في قليل الماء. فما من أحد غير أبي حنيفة إلا خالف الحديث المقابل لما أخذ به. ٢ - وُجُوبُ الإِنْقَاءِ فِي الاِسْتِجْمَارِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ «أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِالاِسْتِطَابَةِ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ إِذَا بَقِيَ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ الأَحْجَارِ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ الدِّرْهَمِ». يتوضأ: أي يستطيب بالماء ليحصل [الإنقاء]. والواقع أن انتقاد أبي حنيفة في هذه المسألة يمثل النظر الظاهري عند ابن أبي شيبة، فقد فهم أن الاقتصار على ثلاثة أحجار كاف في الإجزاء، ولو لم يحدث الإنقاء، امتثالاً للأمر في ذلك. على حين فهم أبو حنيفة أن المقصود هو الإنقاء، فإذا أنقى حجر واحد أو اثنان جاز، وإذا لم يتم الإنقاء بالأحجار، وجب استعمال ما يتم به وهو الماء. وقد ذهب النسائي إلى جواز الاقتصار على ما دون الأحجار الثلاثة. وقد قدمنا أن اختلاف البيئة دفع بعض العلماء إلى أن يستهجن الاستنجاء بالماء، مع أن الرسول ﷺ كان يستعمله، وكان إذا خرج لحاجة حمل له أنس إداوة من ماء. وروى النسائي أن السيدة عائشة قالت لبعض النساء: «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالمَاءِ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ مِنْهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ» (١)
следующие страницы →