حديث القلتين تحت عنوان: (بَابُ التَّوْقِيتِ فِي المَاءِ)، ثم أتبعه بباب (تَرْكُ التَّوْقِيتِ فِي المَاءِ)، روى فيه حَدِيثَ الأَعْرَابِيَّ الذِي بَالَ فِي المَسْجِدِ «فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنَ المَاءِ عَلَى مَكَانِ البَوْلِ». فأخذ النسائي من ذلك أن الماء لا ينجس وإن قَلَّ، لأن الدلو من الماء قليل، وقد صب على البول فاختلط به فلو تنجس الماء باختلاط البول يلزم أن يكون هذا تكثيرًا للنجاسة لا إزلة لها، فلزم أن الماء لا ينجس باختلاط النجس وإن قل (١).
وقد ذهب فريق آخر من العلماء إلى الفرق بين قليل الماء وكثيره إذا وقعت فيه نجاسة، فقالوا: إن كان قليلاً ينجس، وإن كان كثيرًا لا ينجس. ومن هؤلاء أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق. غير أنهم قد اختلفوا في حد الكثرة: فذهب غير أبي حنيفة إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من قلال هَجَرْ، أَخْذًا بالحديث المروي وذلك نحو خمس قرب. وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه: إلى أن حد الكثرة يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى: إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء به، وإلا جاز. وعنه اعتبار الكثرة بالتحريك، أي إذا حرك أحد طرفي الماء إما بالاغتسال أو بالوضوء أو باليد - لم يتحرك طرفه الآخر. وقد رجح الأحناف الرواية الأولى عن أبي حنيفة لمناسبتها لأصله، من عدم التحكم بتقدير فيما لم يرد فيه تقدير، والتفويض فيه إلى رأي المبتلى (٢).
ولكن ماذا يفعل أبو حنيفة في التقدير الشرعي الذي جاء في حديث القلتين؟. إن الأحناف قد ضعفوا هذا الحديث، ونقلوا تضعيفه عن علي بن المديني، وقد رجح ضعفه أيضًا ابن دقيق العيد الشافعي، ومن المالكية ضعفه ابن عبد البر وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر بن العربي (٣).
стр. 457
أَمَّا «حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ»، فقد ناقشه الطحاوي مُبَيِّنًا أنه لا حجة فيه: أما أولاً فلأن الواقدي قد قال: إن ماء هذه البئر كان جاريًا وكانت طريقًا للماء إلى البساتين، وأما ثانيًا - وهو الحجة العقلية - فلأنهم «قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي البِئْرِ فَغَلَبَتْ عَلَى طَعْمِ مَائِهَا أَوْ رِيحِهِ أَوْ لَوْنِهِ , أَنَّ مَاءَهَا قَدْ فَسَدَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يُلْقَى فِيهَا الكِلاَبُ وَالمَحَائِضُ. فَقَالَ: " إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ". وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ بِئْرًا لَوْ سَقَطَ فِيهَا مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ مُحَالاً أَنْ لاَ يَتَغَيَّرَ رِيحُ مَائِهَا وَطَعْمُهُ , هَذَا مِمَّا يُعْقَلُ وَيُعْلَمُ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَبَاحَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَاءَهَا، وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ دَاخَلَ المَاءَ التَّغْيِيرُ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ اللاَّتِي ذَكَرْنَا - اسْتَحَالَ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَائِهَا وَجَوَابُهُ إِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا أَجَابَهُمْ - كَانَ وَالنَّجَاسَةُ فِي البِئْرِ. وَلَكِنَّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، كَانَ بَعْدَ أَنْ أُخْرِجَتْ النَّجَاسَةُ مِنَ البِئْرِ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ: هَلْ تَطْهُرُ بِإِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ مِنْهَا فَلاَ يَنْجُسُ مَاؤُهَا الذِي يَطْرَأُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَذَلِكَ مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ لأَنَّ حِيطَانَ البِئْرِ لَمْ تُغْسَلْ وَطِينُهَا لَمْ يُخْرَجْ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ المَاءَ لاَ يَنْجُسُ ". يُرِيدُ بِذَلِكَ المَاءَ الذِي طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ مِنْهَا لاَ أَنَّ المَاءَ لَا يَنْجُسُ إِذَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ» (١)، ثم أيد هذا المعنى بما رواه من أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ»، وَقَالَ: «الأَرْضُ لَا تَنْجُسُ»، فلم يكن معنى ذلك أن المؤمن لا ينجس وإن أصابته النجاسة، ولا أن الأرض لا تنجس وإن أصابتها النجاسة، فقد أمر ﵇ بصب ماء على موضع البول في المسجد.
стр. 458
أما بالنسبة للقضية الثانية، فهي حكم الماء المستعمل. (وهو ما أزيل به حدث، أو استعمل في البدن على وجه القربة).
وقد اختلفت الروايات عن أبي حنيفة في حكم الماء: فروى عنه أنه نجس نجاسة غليظة، وفي رواية أن نجاسته خفيفة، وفي ثالثة أنه طاهر غير مطهر، أي لا يصلح استعماله في طهارة الأحداث، والرواية الأخيرة هي التي عليها الفتوى (١).
وإذا كان الماء المستعمل طاهرًا على رأي الجمهور والراجح من مذهب الأحناف، فهل يجوز استعماله في الوضوء والغسل مرة أخرى؟.
هنالك ثلاثة آراء في ذلك:
- أولها: لا يجوز استعماله في الطهارة. وهذا رأي أبي حنيفة والشافعي.
- والثاني: كراهة استعماله مع وجود غيره، فإذا لم يوجد إلا هو وجب استعماله ولم يجز التيمم وهو مذهب مالك.
- والثالث: جواز استعماله بلا كراهة، إذ لا فرق بينه وبين الماء المطلق. وهو رأي أبي ثور، وأهل الظاهر، وإليه مال البخاري (٢).
وما رواه ابن أبي شيبة مما سبق في حديث ابن عباس، يفيد لفظه طهارة الماء المستعمل وصلاحيته لإزالة الحدث، لأن زوجة النبي ﷺ اغتسلت في الجفنة، فلما أراد أن يتطهر بالماء المستعمل في الجفنة حذرته زوجته. فقال لها: «إِنَّ المَاءَ لَا يُجْنِبُ».
وقد روى أبو داود هذه الرواية بهذا اللفظ لتدل على هذا المعنى تمامًا في (بَابُ المَاءِ لَا يُجْنِبُ) (٣).
стр. 459
ولكن الترمذي، مع روايته لهذا الحديث بهذا اللفظ، لم يفهم منه هذا المعنى، فلم يستدل به على جواز الماء المستعمل، بل فهم منه بقية الماء الذي استعملت المرأة بعضه في طهارتها، فاستدل به على جواز استعمال فضل طهورها، حيث ذكر أولاً (بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ فَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ)، ثم أتبعه بقوله: (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ) روى فيه حديث ابن عباس «إِنَّ المَاءَ لَا يُجْنِبُ» (١).
وكذلك فعل ابن ماجه، حيث رواه بهذا اللفظ في (بَابُ الرُّخْصَةِ بِفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ)، ثم رأى نسخ ذلك، فأتبعه بقوله: (بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ) (٢).
أما النسائي فقد روى هذا الحديث بلفظ يجعل الاستدلال به مقصورًا على ما استدل له الترمذي، وهو بقية الماء الذي استعملت المرأة بعضه، لا الماء المستعمل ولذلك لم يذكر لفظ (فِي جَفْنَةٍ)، بل روى بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنَابَةِ فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَضْلِهَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّ المَاءَ لَا [يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ]» (٣).
وبذلك يتبين أن أبا حنيفة لم يخالف الحديث في هذه المسألة، ولكنه رجح بعض الأحاديث المختلفة. ويلاحظ أن الذين يذهبون إلى أن الماء لا ينجسه شيء وهم أهل الظاهر والبخاري والنسائي ورواية عن مالك لا يأخذون بحديث القلتين، والذين يأخذون بحديث القلتين لا يأخذون
стр. 460
بـ «حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ» على إطلاقه، لأن حديث القلتين، وحديث غسل اليد عند الاستيقاظ، والنهي عن البول في الماء الراكد - كل ذلك يؤكد أن النجاسة تؤثر في قليل الماء. فما من أحد غير أبي حنيفة إلا خالف الحديث المقابل لما أخذ به.
٢ - وُجُوبُ الإِنْقَاءِ فِي الاِسْتِجْمَارِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ «أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِالاِسْتِطَابَةِ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ».
- وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ إِذَا بَقِيَ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ الأَحْجَارِ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ الدِّرْهَمِ». يتوضأ: أي يستطيب بالماء ليحصل [الإنقاء].
والواقع أن انتقاد أبي حنيفة في هذه المسألة يمثل النظر الظاهري عند ابن أبي شيبة، فقد فهم أن الاقتصار على ثلاثة أحجار كاف في الإجزاء، ولو لم يحدث الإنقاء، امتثالاً للأمر في ذلك. على حين فهم أبو حنيفة أن المقصود هو الإنقاء، فإذا أنقى حجر واحد أو اثنان جاز، وإذا لم يتم الإنقاء بالأحجار، وجب استعمال ما يتم به وهو الماء. وقد ذهب النسائي إلى جواز الاقتصار على ما دون الأحجار الثلاثة.
وقد قدمنا أن اختلاف البيئة دفع بعض العلماء إلى أن يستهجن الاستنجاء بالماء، مع أن الرسول ﷺ كان يستعمله، وكان إذا خرج لحاجة حمل له أنس إداوة من ماء. وروى النسائي أن السيدة عائشة قالت لبعض النساء: «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالمَاءِ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ مِنْهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ» (١)
стр. 461
والخلاف بين أبي حنيفة وأبي بكر هنا هو خلاف في فهم الحديث ومقاصد التشريع. وأعتقد أن الحق مع أبي حنيفة في هذه المسألة.
٣ - غَسْلُ اليَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا فِي الإِنَاءِ:
روى أبو بكر حديث: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». ثم قال:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا بَأْسَ بِهِ "».
سبق ذكر هذه المسألة في فصل (الاِتِّجَاهُ إِلَى الظَّاهِرِ) باعتبارها من أمثلة هذا الاتجاه عند المحدثين، حيث بينا أن سبب الاختلاف فيها هو الاختلاف في مقتضى الأمر في الحديث: هل هو الوجوب أو الندب؟ وهل هذا الأمر معلل أو غير معلل؟ ويترتب على ذلك أن يكون غسل اليد حينئذٍ فرضًا، أو سنة.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن غسل اليد حينئذٍ سنة. لأن حمل الأمر في الحديث على الوجوب، يوجد شيئًا من التعارض بين الحديث وآية الوضوء، التي أفاد ظاهرها حصر فرائض الوضوء بدون زيادة غسل اليد.
والخلاف هنا هو خلاف في فهم الحديث أيضًا، وقد وافق مالك والشافعي أبا حنيفة على فهمه، حيث اعتبرا غسل اليد من السنن، وأن الوضوء يجزي بدون غسلها ما لم يكن على ظاهرها نجاسة.
٤ - الرَّشُّ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ:
عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، قَالَتْ: «دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، [لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ]، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ».
وَرُوِيَ أَنَّ الحُسَيْنَ بَالَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّمَا يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى».
стр. 462
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
- وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «يَغْسِلُهُ».
والواقع أن مذهب ابن أبي شيبة في التفريق بين بول الغلام والجارية اللذين لم يطعما - هو مذهب عامة المحدثين من أصحاب الصحاح والسنن (١) وغيرهم، كل روى الأحاديث في ذلك، يزيد بعضهم على بعض فيها، وإن كان البخاري ومسلم لم يرويا الحديث الذي فيه القصر والتصريح بالفرق بين بول الغلام والجارية.
وقد جمع ابن القيم روايات هذا الحديث وأنكر على من لم يأخذ به، كما ذكر أن الفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدهما: أنهما يغسلان جميعًا، والثاني: ينضحان، والثالث: التفرقة بين بول الصبي فحكمه النضح، وبول الصبية فحكمه الغسل، ثم أيد الرأي الثالث، وَبَيَّنَ أن الحكمة فيه كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعم البلوى ببوله فيشق غسله، وأن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا فيشق غسله، بخلاف بول الأنثى (٢).
وذهب أبو حنيفة إلى وجوب الغسل من بول الغلام والجارية، وحمل النضح أو الرش في هذه الأحاديث على الغسل، بدليل ما جاء في السنة مما رواه البخاري أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الدَّمِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَ: «إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ، فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ» (٣)، والنضح هنا هو الغسل.
стр. 463
وعلى كل حال فإن أبا حنيفة لم ينفرد برأيه في هذه المسألة، بل معه في ذلك سعيد بن المسيب والثوري ومالك (١).
٥ - شُرْبُ أَبْوَالِ الإِبِلِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ المَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا , فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَافْعَلُوا». ثم قال:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ شُرْبَ أَبْوَالِ الإِبِلِ».
ذكر ابن العربي أن الأئمة قد اتفقت على نجاسة البول في الجملة، واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه: فذهب مالك في جملة من السلف إلى طهارته، وذهب أبو حنيفة والشافعي في آخرين أكثر منهم إلى [نجاسته]، وتعلقوا بعموم القول الوارد في البول والرجيع على الإطلاق، وأن شرب الأبوال للتداوي فيقدر بقدر الضرورة.
وقد ذهب أصحاب الحديث إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه، استنادًا إلى هذا الحديث.
فأبو حنيفة فهم من الحديث أن بول الإبل لا يستعمل إلا عند الضرورة، أما إذا لم تكن ضرورة فهو على أصله من النجاسة وحرمة الاستعمال، وقد رأينا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ الحَرِيرَ ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ لِبَعْضِ ذَوِي الأَعْذَارِ». وقد فهم هذا الفهم أيضًا الشافعي وكثير من السلف، كما نقلنا
стр. 464
عن ابن العربي (١)، فعلى حين أخذه المحدثون وبعض الفقهاء على ظاهره، لم يأخذ أبو حنيفة وغيره بهذا الظاهر.
٦ - نَضْحُ مَكَانِ الاِحْتِلَامِ فِي الثَّوْبِ:
عَنْ سَهْلِ بْنِ [حُنَيْفٍ]، قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ المَذْيِ شِدَّةً، فَكُنْتُ أُكْثِرُ الاِغْتِسَالِ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوَضُوءُ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي؟ قَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ كَفٌّ مِنْ مَاءٍ تَنْضَحُ بِهِ [مِنْ] ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ».
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِذَا أَجْنَبَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبِهِ فَرَأَى فِيهِ أَثَرًا فَلْيَغْسِلْهُ , فَإِنْ لَمْ يَرَ فِيهِ أَثَرًا فَلْيَنْضَحْهُ بِالمَاءِ». ثُمَّ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ آثارًا في ذلك عن إبراهيم وسالم وسعيد بن المسيب، ثم قال:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَنْضَحْهُ وَلَا يَزِيدُهُ الْمَاءُ إِلَّا شَرًّا "».
انتقد الكوثري أبا بكر بن أبي شيبة - لأنه ساق المذي والمني في مساق واحد، مع أن الأول نجس اتفاقًا، فلا يزول إلا بالغسل عند الجمهور الذي حمل النضح على معنى الغسل. أما الاحتلام فليس حكمه حكم المذي، لأن حديث عائشة في فرك اليابس من المني وغسل الرطب منه، دليل على أن المني يغسل للاستقذار لا لكونه نجسًا، ثم ضعف الكوثري ﵀ معظم أسانيد الأخبار التي رواها ابن ابي شيبة، وحمل النضح في بعضها الآخر على الغسل (٢).
стр. 465
وفي رأيي أن الخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في صلاحية النضح للتطهير وإزالته للنجاسة، مما سبق ذكره في مسألة الرش على بول الصبي. فقد ذكرنا هناك أن أبا حنيفة ذهب إلى أن النضح غير مزيل للنجاسة وحمل هو والإمام مالك النضح في الأحاديث على الغسل.
والمني عند أبي حنيفة نجس، لا كما يوهم كلام الكوثري من أنه طاهر. فيجب غسله إن كان رطبًا، ويجزي فيه الفرك إن كان يابسًا لحديث عائشة، وكذلك ذهب مالك إلى نجاسته. وأما الشافعي وأحمد وأهل الظاهر، فقد ذهبوا إلى طهارة المني - وحينئذٍ فالنضح شيء كمالي، إن وجد فحسن، وإن عدم فلا بأس، لأنه لا توجد نجاسة حتى يطلب زوالها (١).
أما المذي فإنه نجس بالإجماع، ولكن هل يكفي فيه النضح، أو لا بد من الغسل؟، ذهب الجمهور إلى وجوب الغسل، وقال أحمد بن حنبل: «أَرْجُو أَنْ يُجْزِيهِ النَّضْحُ بِالمَاءِ» (٢).
وعلى هذا فجمع ابن أبي شيبة للمذي مع المني في مكان واحد، ملائم لمذهب أحمد والمحدثين، الذين يرون أن النضح يقوم مقام الغسل في إزالة النجاسات، إلا أنهم يقيدون مواضع النضح بما جاءت به النصوص ولا يقيسون عليها غيرها.
٧ - سُؤْرُ السِّنَّوْرِ:
عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ، وَكَانَتْ زَوْجَةً لِبَعْضِ وَلَدِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّهَا صَبَّتْ لأَبِي قَتَادَةَ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ [فَشَرِبَتْ] فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءِ،
стр. 466
فَجَعَلْتُ [أَنْظُرُ]، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةَ أَخِي أَتَعْجَبِينَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، [هِيَ] مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، أَوْ مِنَ الطَّوَّافَاتِ».
كما روى عن ابن عباس، والحسين بن علي أنهما قالا: «الهِرُّ مِنْ مَتَاعِ البَيْتِ»، ثم قال ابن أبي شيبة:
- «وَذُكِرَ [أَنَّ] أَبَا حَنِيفَةَ، أَنَّهُ كَرِهَ سُؤْرَ السِّنَّوْرِ».
- جاء في " الهداية ": «وَسُؤْرُ الهِرَّةِ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لأَنَّ " النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُصْغِي لَهَا الإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ "» (١).
ويعلل الكمال بن الهُمام لما ذهب إليه أبو حنيفة، بأن توهم النجاسة أصل صحيح، دل عليه حديث الأمر بغسل اليد قبل إدخالها الإناء عند الاستيقاظ من النوم، والقطة لا تتحامى النجاسة، وحديث إصغاء الإناء لها يعمل على زوال هذا التوهم، فتبقى الكراهية.
ولكن الطحاوي يرى أن حديث أبي قتادة في إصغاء الإناء للهرة، لا يفيد طهارة الماء الذي شربت منه، وليس قول الرسول ﷺ : «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، [هِيَ] مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» - نَصًّا في طهارة سؤرها لأنه يجوز أن يكون أريد به كونها في البيوت ومماستها الثياب: فأما ولوغها في الإناء فليس في ذلك دليل أنه يوجب النجاسة أولاً، وإنما المذي في الحديث هو فهم أبي قتادة ورأيه واجتهاده، وقد رأينا أن وجود الكلاب في المنزل للحراسة غير مكروه، في حين أن سؤرها مكروه، ثم روى الطحاوي عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: «طَهُورُ الإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الهِرُّ أَنْ يُغْسَلَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ».
стр. 467
ولذلك أثر عن أبي هريرة وجوب غسل الإناء من سؤر الهر مرة، كما أثر ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري وطاووس، وعطاء، وبه قال أهل الظاهر، إلا أن طاووسًا وعطاء جعلاه بمنزلة ما ولغ فيه الكلب (١).
وبذلك يتبين أن اختلاف الأحاديث هو سبب الخلاف في هذه المسألة وأن أبا حنيفة قد وفق بين الأحاديث، فأخذ من حديث أبي قتادة أن سؤر الهر غير نجس، ومن حديث أبي هريرة أنه مكروه.
٨ - وُلُوغُ الكَلْبِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، [عَنِ] النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». وفي رواية: «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يُجْزِئُهُ أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً "».
قد ذهب أصحاب الحديث جميعًا إلى هذا الحديث، وَرَوَوْهُ في صحاحهم وسننهم، وعدوه من المآخذ الهامة على أبي حنيفة.
ولم يأخذ أبو حنيفة بهذا الحديث لأنه قد طرأ عليه ما يضعفه أو يرجح نسخه، وهو عمل الراوي وفتواه بخلاف ما رواه، حيث كان أبو هريرة إذا ولغ الكلب في الإناء يهرقه ثم يغسله ثلاث مرات. وذلك دليل على نسخ الغسل سبعًا، الذي كان يناسب التشديد في الكلاب في أول الأمر حتى أمروا بقتلها، ومن المستحيل أن يترك أبو هريرة العمل بحديث سمعه
стр. 468
إلا إذا علم بوجود الناسخ. وأبو حنيفة لا يقول بإجزاء الغسل من الولوغ مرة، بل هو يوجب غسل الإناء ثلاثًا.
ومن المهم أن نذكر هنا أن الإمام مالكًا قَدْ ضَعَّفَ «حَدِيثِ غَسْلِ الإِنَاءِ سَبْعًا»، وذهب إلى طهارة سؤر الكلب، لأن هذا الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فإذا أكل صيده فكيف يكره لعابه (١)؟
وبهذا يتبين أن أبا حنيفة قد أخذ ببعض هذا الحديث وترك بعضه، أخذ منه نجاسة سؤر الكلب، ووجوب تطهير ما أصابه لعابه، وهذا القدر من الحديث لا معارض له، أما تحديد مرات الغسل بسبع والتعفير بالتراب فلم يأخذ به أبو حنيفة لوجود ما يعارضه، وهو عمل الراوي بخلاف ما رواه، حيث يعتبر هذه المخالفة طعنًا في الحديث أو دليلاً على النسخ.
٩ - تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ:
وبسنده أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ , ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ». وعن عثمان مثل ذلك، كما روى أن ابن عباس خَلَّلَ لِحْيَتَهُ، وكذلك أنس، وابن عمر،
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ لَا يَرَى تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ».
ضَعَّفَ الأحناف كل الآثار الواردة في تخليل اللحية. وتخليلها مستحب عند أبي حنيفة، سنة عند أبي يوسف (٢). وقد ذكرنا هذه المسألة في أمثلة اتجاه المحدثين إلى الظاهر، وحيث إن الروايات فيها ضعيفة فمخالفتها ليس
стр. 469
مما ينتقد به أبو حنيفة، بَلْ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ إِلَى أَنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وفي روايات أخرى: أن تخليلها مستحب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، لأن المأمور به غسل الوجه، والفرض قد انتقل إلى ظاهر الشعر بعد نباته، فصار ما تحته غير مكلف بغسله (١).
١٠ - المَسْحُ عَلَى العِمَامَةِ:
وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالخِمَارِ»، وفي بعض الروايات «عَلَى العِمَامَةِ»، وفي بعضها الآخر: «[مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَعَلَى الخُفَّيْنِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى العِمَامَةِ] وَمَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ».
- وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ , «لَا يُجْزِئُ المَسْحُ عَلَيْهِمَا». أي الخمار والعمامة.
ذكر الترمذي أن القول بالمسح على العمامة هو مذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقد رأى غير واحد من الصحابة والتابعين خلاف ذلك، حيث قالوا: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي (٢).
وفي رواية أبي داود ما يؤيد الرأي الثاني، حيث روى في (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ) حديثين: أولهما «أَنَّ سَرِيَّةً قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ أَصَابَهَا البَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى العَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ» (أي العمائم والخفاف)، وثانيهما عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ العِمَامَةِ، فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ العِمَامَةَ» (٣).
стр. 470
ويميل النسائي إلى الجمع بين المسح على الناصية، والعمامة (١).
ويذكر ابن رشد أن بعض العلماء قد رد حديث المسح على العمامة: إما لأنه لم يصح عنده، وإما لأن ظاهر الكتاب عارضه، حيث فيه الأمر بمسح الرأس، وإما لأنه لم يشتهر العمل به (٢).
وعلى كل فقد قال بقول أبي حنيفة كثير من أعلام المجتهدين كمالك والشافعي وغيرهما ممن سبق ذكرهم.
١١ - المَسْحُ عَلَى الجَوْرِبَيْنِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» (*)، كما روى عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَكْرَهُ المَسْحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلَهُمَا جُلُودٌ».
هذا النقل عن أبي حنيفة صحيح، أما أبو يوسف ومحمد فقد أجازا المسح على الجوربين إذا [كانا] ثخينين لا يشفان، ويروى أن أبا حنيفة قد رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى (٣).
ولم ينفرد أبو حنيفة بمنع المسح على الجوربين، بل منع منه أيضًا مالك والشافعي خلافًا لمعظم المحدثين، وسبب الاختلاف هو الاختلاف في صحة الآثار المروية في ذلك، فالبخاري ومسلم لم يرويا حديث المغيرة السابق، ورواه الترمذي وقال عنه: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» (٤)، ولكن أبا داود والنسائي قد ضعفا هذا الحديث (٥).
стр. 471
والحاصل أن الآثار في هذه المسألة ضعيفة لا يلزم بها أبو حنيفة ولا يلام على مخالفتها، ومعه فيها غيره من الأئمة.
١٢ - كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ:
وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَمَّارَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا: «أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " [ضَرْبَتَيْنِ] لَا تُجْزِئُهُ ضَرْبَةٌ "».
ذهب معظم المحدثين وأهل الظاهر إلى أن المتيمم يضرب الأرض بكفيه ضربة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه: ذهب إلى ذلك البخاري والترمذي وأحمد وإسحاق (١)، وروى أبو داود والنسائي الآثار المختلفة في ذلك على أنها كيفيات للتيمم، ويختار الإنسان منها ما يشاء (٢).
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن التيمم ضربتان، ضربة لمسح الوجه وأخرى لمسح اليدين إلى المرفقين، ومن هؤلاء الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي، وهو قول أبي حنيفة.
وإنما ذهب الأئمة الثلاثة إلى خلاف ما ذهب إليه أهل الحديث، لضعف في بعض الآثار، واضطراب في بعضها الآخر، حتى ليقول ابن العربي عن حديث عمار في التيمم: «إِسْنَادُهُ مِنَ العَجَبِ فِي العِلْمِ، وَالغَرِيبُ اِتِّفَاقَ أَئِمَّةِ الصَّحِيحِ عَلَى حَديثِ عَمَّارِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الاِضْطِرابِ وَالاِخْتِلاَفِ وَالزِّيادَةِ وَالنُّقْصَانِ» (٣).
• • •
وبذلك يتضح أن اختلاف الحديث، واختلاف الترجيح هو سبب الخلاف في هذه المسألة، ومع أبي حنيفة فيها مالك والشافعي وغيرهما.
وهكذا تنتهي المسائل المتعلقة بالطهارة، من جملة ما انتقده أبو بكر على أبي حنيفة، ولنشرع الآن في المسائل المتعلقة بأبواب الصلاة:
стр. 472
المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ فِي الصَّلاَةِ:
١ - الصَّلاَةُ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟»، قَالَ: «نَعَمْ» , قَالَ: «أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِهَا؟» قَالَ: «لَا» , قَالَ: «فَأُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟»، قَالَ: «لَا» , قَالَ: «فَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِهَا؟»، قَالَ: «نَعَمْ». كما روى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ , وَلاَ تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ , فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيْطَانِ». وروى مثل ذلك عن أبي هريرة وجابر بن سمرة، ثم قال:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ " لَا بَأْسَ بِذَلِكَ "».
٢ - الصَّلاَةُ بَيْنَ القُبُورِ:
روى أبو بكر حديثًا مرسلاً في النهي عن الصلاة بين القبور، وآثارًا عن عمر، وإبراهيم، وابن سيرين في كراهتها، ثم قال:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِنْ صَلَّى أَجْزَأَتْهُ صَلاَتُهُ "».
هاتان المسألتان تتعلقان بحكم المواضع التي يصلي فيها. وقد جاء في ذلك أحاديث: بعضها صحيح، وبعضها مختلف في صحته: فالحديث المتفق عليه هو قول الرسول ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي»، وفيه: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». قال ابن العربي: «وَهِيَ خَصِيصَةٌ فُضِّلَتْ بِهَا هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ ... لَا يُسْتَثْنَى مِنْهَا إِلَّا البِقَاعَ النَّجِسَةَ وَالمَغْصُوبَةِ التِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الغَيْرِ، وَكُلُّ حَدِيثٍ سِوَى هَذَا ضَعِيفٌ، حَتَّى حَدِيثُ السَّبْعِ المَوَاطِنِ التِي وَرَدَ النَّهْيِ عَنْهَا لَا يَصِحُّ
стр. 473
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » (١).
وقد روى الترمذي حديث النهي عن الصلاة في سبع مواطن، ولكنه ضعفه (٢)، كما ضعف حديث: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ» (٣)، ولكنه صحح حديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، وقال: «وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ» (٤).
وجدير بالذكر أن البخاري هنا يرى رأي أبي حنيفة، فَلَمْ يَرْوِ هذه الأحاديث السابقة في النهي عن الصلاة في أمكنة معينة بل ذهب إلى أن الصلاة في القبور جائزة إلا أنها مكروهة وجاء في ترجمته: «... وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ فِي القُبُورِ وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: " القَبْرَ القَبْرَ "، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ» (٥).
وقال في ترجمة أخرى: (بَابُ أَبْوَالِ الإِبِلِ، [وَالدَّوَابِّ]، وَالغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا، وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ البَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ، وَالبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: «هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ») (٦)، وفي ترجمة ثالثة: (بَابُ الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ)، و (بَابُ الصَّلاَةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ) (٧)، ثم أتبع ذلك بما يشبه الحجة على ما ذهب إليه فقال: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»).
وقد عرض الطحاوي لهذا الموضوع في كتابه " شرح معاني الآثار "، بما يتبين منه أن سبب الخلاف فيه، إنما هو التماس علة النهي فيما صح من الأحاديث عند فريق، على حين يأخذ فريق آخر هذه الأحاديث على ظاهرها. فذكر أن النهي عن الصلاة في أعطان الإبل إما أن يكون لأنه
стр. 474
لا تصح الصلاة بإزائها، وهذا مستبعد، لأنه صح «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ»، وإما لما يكون في معاطن الإبل من أبوالها وأرواثها وهذا أيضًا غير جائز، لأنهم قد أجمعوا على جواز الصلاة في مرابض الغنم، ومن جعل أبوال الغنم طاهرة جعل أبوال الإبل كذلك، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل أبوال الغنم كذلك، «فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلاَةُ قَدْ أُبِيحَتْ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ فِي الحَدِيثِ الذِي نُهِيَ فِيهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ , ثَبَتَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ , لَيْسَ لِعِلَّةِ النَّجَاسَةِ مَا يَكُونُ مِنْهَا , إِذْ كَانَ مَا يَكُونُ مِنَ الغَنَمِ , حُكْمُهُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَكِنَّ العِلَّةَ التِي لَهَا كَانَ النَّهْيُ , هُوَ مَا قَالَ شَرِيكٌ , أَوْ مَا قَالَ يَحْيَى (١) بْنُ آدَمَ. فَإِنْ كَانَ لِمَا قَالَ شَرِيكٌ فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَكْرُوهَةٌ حَيْثُ يَكُونُ الغَائِطُ وَالبَوْلُ , كَانَ عَطْنًا أَوْ غَيْرَهُ. وَإِنْ كَانَ لِمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ , فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَكْرُوهَةٌ حَيْثُ يُخَافُ عَلَى النُّفُوسِ , كَانَ. عَطْنًا أَوْ غَيْرَهُ» (٢).
فسبب الاختلاف هو الاختلاف في تصحيح بعض أحاديث النهي، وتأويل بعضها، ليستقيم معناها مع الحديث المتفق على صحته: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، حيث تضعف الآثار الأخرى عن تخصيص هذا الحديث، ومع أبي حنيفة في ذلك إمام المحدثين البخاري.
٣ - صَلاَةُ المُؤْتَمِّ مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ:
رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنَ الأَحَادِيثِ، مَا يُفِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 475
أَمَرَ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ بِالإِعَادَةِ، ثُمَّ قَالَ:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ " تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ "».
وقد سبق عرضنا لهذه المسألة في أمثلة الاتجاه إلى الظاهر، ومخالفة الجمهور للمحدثين فيها وبخاصة أن الأحاديث فيها ضعيفة، حتى قال الشافعي: «لَوْ ثَبَتَ الحَدِيثُ لَقُلْتُ بِهِ» (١).
٤ - إِمَامَةُ القَاعِدِ:
وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الاِقْتِدَاءِ بِالإِمَامِ: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا»، وفي رواية: «وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا [أَجْمَعُونَ]»، «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لاَ يَؤُمُّ الإِمَامُ وَهُوَ جَالِسٌ "».
ما رواه ابن أبي شيبة في ذلك صحيح، ولكنه منسوخ: ذهب إلى نسخه الجمهور والبخاري، ونقله عن الحميدي. ولم ير النسخ بعض أهل الحديث، منهم: ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، ونقله عن أحمد وإسحاق (٢).
٥ - الجَهْرُ بِآمِينْ:
وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «آمِينَ» يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ.
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَرْفَعُ الإِمَامُ صَوْتَهُ بِآمِينَ، وَيَقُولُهَا مَنْ خَلْفَهُ "».
والجهر بآمين هو مذهب عامة المحدثين (٣). وسبب الخلاف هو
стр. 476
التعارض في الآثار، فقد ورد الجهر وورد الإسرار، فاختلف في الأفضل، وكل ذهب إلى ما ترجح عنده، فليس في الأمر مخالفة للآثار، وإنما هو اختلاف الترجيح. قال ابن جرير الطبري: «وَالصَّوَابُ أَنَّ [الخَبَرَ] بِالجَهْرِ بِهَا وَالمَخَافَةَ صَحِيحَانِ وَعَمَلَ بِكُلٍّ مِنْ فِعْلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَإِنْ كُنْتَ مُخْتَارًا خَفِّضِ الصَّوْتَ بِهَا إذْ كَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ» (١).
٦ - زِيَادَةُ رَكْعَةٍ خَامِسَةٍ سَهْوًا:
وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، [فَقِيلَ لَهُ: إِنَّك صَلَّيْتَ خَمْسًا؟ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ]».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِذَا لَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ أَعَادَ الصَّلاَةَ "»
روى الحديث السابق أصحاب الصحاح والسنن وذهبوا إليه (٢) كما ذهب إليه أيضًا الشافعي وأحمد وإسحاق. أما أبو حنيفة والثوري فقد ذهبا إلى أن من سها عن القعدة الأخيرة حتى قام إلى الخامسة، وجب عليه الرجوع إلى القعدة، ويلغي الركعة الخامسة، ما لم يسجد لها، وعليه السجود للسهو. فإذا لم يرجع إلى القعدة وسجد للخامسة، بطل فرضه وتحولت صلاته نفلاً، وعليه أن يأتي بسادسة.
ويجيبون عن الحديث السابق بأنه ساكت عن محل النزاع، لأن لفظه يصدق مع ترك القعدة الأخيرة ومع فعلها، فلا يدل على خصوص محل النزاع فتبقى المسألة في محل الاجتهاد (٣).
стр. 477
وعلى الرغم من أن الثوري مع أبي حنيفة في ذلك، إلا أن دليله في مخالفة الحديث ليس بمقنع.
٧ - سُجُودُ السَّهْوِ بَعْدَ الكَلاَمِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ الكَلاَمِ»، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ»، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى العَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ انْصَرَفَ»، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الخِرْبَاقُ , فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَنَقَصَتْ الصَّلاَةُ؟» قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالَ «صَلَّيْتَ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ» , «فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِذَا تَكَلَّمَ فَلَا يَسْجُدُهُمَا "».
وفي الحقيقة أن رأي أبي حنيفة هذا هو رأي مالك والشافعي أيضًا، ويقول النووي إنه رأى الجمهور من السلف والخلف والذين ذهبوا إلى تحريم الكلام في الصلاة مطلقًا، لحاجة أو لغير حاجة، ولمصلحة الصلاة أو لغير مصلحتها، لحديث: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ». وقد استدلوا بهذا الحديث الذي رواه مسلم عن معاوية بن الحكم على نسخ الأحاديث السابقة لأن إسلام معاوية متأخر، وقد شرح الطحاوي هذا الموضوع فأوفى على الغاية (١).
٨ - رَدُّ السَّلاَمِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ:
وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 478
مَسْجِدَ [بَنِي عَمْرِو بْنِ] عَوْفٍ يُصَلِّي فِيهِ , [وَدَخَلَتْ] عَلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَدَخَلَ مَعَهُمْ صُهَيْبٌ , فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا: " كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ حَيْثُ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ؟ " , قَالَ: " كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ "».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَفْعَلُ "».
جاء الأمر برد السلام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١)، وصح الأمر بمنع المصلي من الكلام في الصلاة، بما ذكرناه في المسألة السابقة.
وقد اختلفوا في رد السلام في الصلاة، هل هو من التكلم المنهي عنه، أو لا؟ فمن العلماء من رأى أن رد السلام ليس من الكلام المنهي عنه فرخصوا في رد السلام في الصلاة بالألفاظ، ومن هؤلاء ابن المسيب، والحسن، وقتادة. ومنهم من منع من رد السلام باللفظ، ورخص في رده بالإشارة. لما روي في ذلك من الأحاديث. ومن هؤلاء: مالك والشافعي وأصحاب الحديث فيما عدا البخاري. ومنهم من منع من رد السلام مطلقًا في الصلاة: بالإشارة أو باللفظ، ومن هؤلاء أبو حنيفة والبخاري، وإن لم يمنعا من الإشارة في الصلاة لأمر ينزل بالمصلي، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ أُنَاسًا سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ لَا بِالإِشَارَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَقَالَ لَهُمْ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ: «إِنَّ فِي الصَّلاَةِ لَشُغْلاً»، وعن ابن مسعود: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا». يعني في الصلاة.
وأحاديث ابن أبي شيبة في هذه المسألة، ليست نَصًّا في أن الإشارة
стр. 479
كانت لرد السلام، بل تحتمل أنها كانت لنهيهم عن السلام على المصلي (١).
فلم يخالف أبو حنيفة الآثار إذن، وإنما رجح بينها، ومعه في ذلك البخاري.
٩ - التَّصْفِيقُ لِلْنِّسَاءِ:
وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، وعن جابر مثل ذلك في قوله، وروى فعل ذلك عن جابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ».
ذكر ابن رشد أن مالكًا وجماعة قالوا: التسبيح للرجال وللنساء أيضًا وأن الشافعي وجماعة ذهبوا إلى أن التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء (٢).
وقد أخذ أبو حنيفة بهذا الحديث (٣). وما نسبه إليه ابن أبي شيبة سهو منه.
١٠ - الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ:
رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا / وَسَبْعًا جَمِيعًا» [قَالَ: قُلْتُ]: " يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ - وهو جابر بن زيد الراوي عن ابن عباس - , أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ , وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ " , قَالَ: " وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ "».
وَبِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ [السَّيْرُ] جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ»، وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ
стр. 480
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ»، وعن جابر مثل ذلك، وكذلك عن أنس، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ:" لَا [يُجْزِئُهُ] أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ "».
اتفق العلماء على أن الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة سُنَّةٌ، وكذلك الجمع سُنَّةٌ بين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة. واختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين: فذهب الجمهور ومنهم أهل الحديث (١)، إلى جواز الجمع في السفر، ومنعه أبو حنيفة مطلقًا.
وسبب الاختلاف أن الآثار المروية في الجمع كلها حكاية أفعال، وليست أقوالاً، والأفعال يتطرق إليها الاحتمال أكثر من تطرقه إلى الألفاظ ولهذا حمل أبو حنيفة الجمع في هذه الأحاديث على ما حمله عليه جابر بن زيد وعمرو بن دينار، حيث فسر الجمع بأنه تأخير صلاة الظهر إلى آخر وقتها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، وهكذا المغرب والعشاء، وقد تأيد ذلك بما روي عن ابن مسعود: «وَالذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا صَلَّى رَسُولُ ﷺ صَلاَةً قَطُّ إِلاَّ فِي وَقْتِهَا، إِلاَّ صَلاَتَيْنِ: بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ». مع العلم بأن ابن مسعود ممن روي عنه حديث الجمع في السفر، وهو يدل على أن الجمع عنده، هو ما فهمه جابر بن زيد وأبو حنيفة الذي رجح حديث ابن مسعود، لفقهه، أو لأنه أحوط (٢).
١١ - وَقْتُ العِشَاءِ:
وَبِسَنَدِهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ
стр. 481
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلاَّهَا مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وَقْتُ العِشَاءِ». ثم روى عن عمر أن وقت العشاء إلى ثلث الليل، وهناك أثر آخر عن إبراهيم أن وقتها إلى ربع الليل.
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " وَقْتُ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ "».
اختلف في آخر وقت العشاء على ثلاثة أقوال:
١ - أنها إلى ثلث الليل.
٢ - أو إلى نصف الليل.
٣ - أو إلى طلوع الفجر.
وبالرأي الأول قال مالك والشافعي، ونسبه ابن رشد إلى أبي حنيفة (١)، ونسب إليه ابن العربي القول الثاني، ورجحه (٢)، ولكن كتب الأحناف لا تذكر لأبي حنيفة إلا الرأي الثالث (٣)، وقد روى الطحاوي من الأحاديث ما يفيد أن الليل كله وقت لصلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ولكنه على أوقات ثلاثة: فأفضل أوقاتها إلى ثلث الليل، وإلى النصف دون الوقت الأول في الفضل، ثم المرتبة الأخيرة من النصف إلى الفجر، ثم روى عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى: " وَصَلِّ العِشَاءَ أَيَّ اللَّيْلِ شِئْتَ وَلَا تَغْفُلْهَا "»، ثم ذكر أن ذلك هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ولم يحك بينهم في ذلك اختلافًا (٤).
١٢ - اقْتِدَاءُ المُتَنَفِّلِ بِالإِمَامِ فِي الفَجْرِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ وَانْحَرَفَ، إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ،
وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ومن لدن تصلى صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، واختلفوا في وقتين: في وقت الزوال، وفي الصلاة بعد العصر، فمذهب مالك إلى أن الأوقات المنهي عنها أربعة: الطلوع، والغروب، والزوال، وبعد الصبح. وذهب الشافعي إلى أن هذه الأوقات الخمس كلها منهي عن الصلاة فيها إلا وقت الزوال يوم الجمعة. واستثنى قوم من ذلك الصلاة بعد العصر.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا تجوز صلاة بإطلاق - أي لا فريضة ولا نافلة - في أوقات ثلاثة: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند استوائها في وقت الظهيرة، لا يستثنى من ذلك إلا عصر يومه، فإنه يجوز صلاته عند الغروب إذا نسيه.
أما الوقتان الآخران: وهما بعد أن تصلى الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد أن تصلى العصر حتى تغرب - فقد كره أبو حنيفة أن تصلى فيهما النوافل، ولا بأس عنده أن يقضى فيهما ما فات من الفرائض (١)، وعلى ذلك لا بأس أن يصلي الرجل مع الإمام صلاة كان قد صلاها في منزله، ما لم تكن هذه الصلاة هي المغرب لأن التطوع لا يكون وترًا، وما لم تكن هذه الصلاة مما لا يجوز التطوع بعدها، كصلاة الفجر والعصر، لما روي من الأحاديث الصحيحة التي تفيد النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس.
وقد تبين أن سبب الخلاف هو الاختلاف في كيفية الجمع بين هذه الأحاديث المتعارضة، فعلى حين تفيد بعض الأحاديث النهي عن عموم الصلاة فرضًا أو نافلة في أوقات معينة، تفيد أحاديث أخرى وجوب أداء الصلاة للنائم والناسي، متى استيقظ أو تذكر، لا فرق بين وقت وآخر. وقد طبق كل من أبي حنيفة وأهل الحديث مذهبه؛ فأبو حنيفة طبق مبدأ الاطراد عنده، وأخذ بالعام على عمومه وجعله ناسخًا لما خالفه، أما أهل
стр. 484
الحديث فيطبقون مبدأ الاتجاه إلى الآثار ومحاولة الجمع بينهما عن طريق التخصيص، أو الاستثناء من الأحاديث المعممة للنهي.
وممن كره التطوع بعد الفجر مالك والشافعي، إلا أن يدخل المسجد وقد صلى، فلا بأس من أن يعيد الصلاة جماعة، وللحديث في ذلك. أما أبو ثور فهو مع أبي حنيفة - في كراهة الإعادة مع الجماعة بعد الصبح، وكذلك الأوزاعي.
أما بالنسبة للمسألتين الأخيرتين، فإن الجمهور وعامة المحدثين قد ذهبوا إليها، خلافًا لأبي حنيفة» (١).
١٥ - تِكْرَارُ الجَمَاعَةِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَجُلاً جَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ , فَقَالَ ﵇: " أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟ " فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ».
- وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا تَجْمَعُوا فِيهِ». يعني مرتين.
ومذهب أبي حنيفة هذا، إنما هو في غير الحرمين والمسجد المطروق، حيث لا يكره فيها تعدد الجماعة، أما في المساجد الصغيرة فإنه يكره إعادة الجماعة فيها، لأنها تعين على تقليل الجماعة. ومع أبي حنيفة في ذلك: الثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي (٢).
١٦ - الطُّمَأْنِينَةُ وَتَعْدِيلِ الأَرْكَانِ:
وَبِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «لَا تُجْزِئُ صَلاَةٌ لَا يُقِيمُ
стр. 485
الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِيهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ». وَأَنَّ رَجُلاً صَلَّى صَلاَةً خَفِيفَةً، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَرْقُبُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعِدْ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، كَمَا رَوَى عَنْ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلاَ سُجُودَهُ فَقَالَ لَهُ: «أَعِدْ»، فَأَبَى، فَلَمْ يَدَعْهُ حَتَّى أَعَادَ.
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " تُجْزِئُهُ وَقَدْ أَسَاءَ "».
هذه المسألة من المسائل الهامة التي خالف فيها أبو حنيفة الجمهور، والتي وجه إليه بسببها كثير من النقد، فقد رأى أن الطمأنينة ليست فرضًا تفسد بفوتها الصلاة، ولكنها واجبة. وحجته أن المأمور به في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. هو الركوع والسجود، وليسا من قبيل المجمل حتى يفتقر إلى البيان، ومعناهما يتحقق بمجرد الانحناء في الركوع، ووضع الجبهة في السجود، والطمأنينة دوام على الفعل، لا نفسه، فهو غير المطلوب، فوجب ألا تتوقف الصحة عليها بخبر الواحد، وإلا كان نسخًا للمطلق في الآية وهو ممنوع عندهم، على أن بعض روايات حَدِيثِ المُسِيءِ صَلَاتِهِ فيها: «وَمَا انْتَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَقَدْ انْتَقَصْتَ مِنْ صَلاَتِكَ». فسماها صلاة مع عدم الطمأنينة. وقد روى الطحاوي هذه الرواية، وَبَيَّنَ أن فرض الركوع والسجود عند أبي حنيفة هو أن يركع حتى يستوي راكعًا، وأن يسجد حتى يطمئن ساجدًا، أخذًا بهذا الحديث (١).
وعلى كل، فإن بحث أبي حنيفة لهذه المسألة بحث نظري، لا يتناسب مع الخضوع المطلوب في الصلاة، ووجهة نظر المحدثين فيها أرجح.
стр. 486
١٧ - وُجُوبُ الوِتْرِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ بَلَغَهُ أَنَّ صَحَابِيًّا يَقُولُ: " إِنَّ الوِتْرَ وَاجِبٌ " فَاسْتَنْكَرَ عُبَادَةُ هَذَا القَوْلَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى العِبَادِ , مَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ حَقِّهِنَّ جَاءَ وَلَهُ [عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ] أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ , وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ حَقِّهِنَّ جَاءَ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ , إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ , وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ».
وَقَالَ رَجُلٌ لابْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ الوِتْرَ سُنَّةٌ هُوَ؟ قَالَ: مَا سُنَّةٌ؟ أَوْتَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَوْتَرَ المُسْلِمُونَ , قَالَ: لَا , أَسُنَّةٌ هُوَ؟ قَالَ: [مَهْ] , أَتَعْقِلُ؟ «أَوْتَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَوْتَرَ المُسْلِمُونَ».
وروي مثل ذلك عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: «سَنَّ النَّبِيُّ ﷺ الوِتْرَ كَمَا سَنَّ الفِطْرَ وَالأَضْحَى»، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، [قَالَ]: «الوِتْرُ سُنَّةٌ». وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ الوِتْرَ , فَقَالَ: «لَا يَضُرُّهُ، كَأَنَّمَا هُوَ فَرِيضَةٌ». وَكَانَ الحَسَنُ: «لَا يَرَى الوِتْرَ فَرِيضَةً».
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمُحَمَّدُ بْنِ عَلِيٍّ: «الأَضْحَى وَالوِتْرُ سُنَّةٌ».
- وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «الوِتْرُ فَرِيضَةٌ».
انتقد ابن أبي شيبة أبا حنيفة في أربع مسائل تتعلق بالوتر: في حكمه، وعدده، والقراءة فيه، وصلاته على الراحلة. وهذه المسألة السابقة تتعلق بحكم الوتر.
وقد روى عن أبي حنيفة في الوتر ثلاث روايات:
١ - أنها واجبة، وهو الظاهر من مذهبه.
٢ - أنها سنة وبه أخذ أبو يوسف ومحمد.
٣ - أنها فريضة، وبه أخذ زُفر (١).
وتفيد الروايات الكثيرة عن النبي ﷺ وصحابته، ما يشعر
стр. 487
بأهمية الوتر والحث عليه، إلى حد جعل الصحابة يختلفون في وجوبه، ويستفتون في حكمه، كما هو واضح فيما رواه ابن أبي شيبة، وإلى حد أن حذر الأئمة غير أبي حنيفة من تركه، مع قولهم بعدم وجوبه، فقال مالك: «الوِتْرُ لَيْسَ فَرْضًا، لَكِنْ مَنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ، وَكَانَ جَرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ»، وقال الشافعي في الوتر وسنة الفجر: «وَلَا أُرَخِّصُ لِمُسْلِمٍ فِي تَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَإِنْ أَوْجَبَهُمَا، وَمَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ تَرَكَ جَمِيعَ النَّوَافِلِ».
وقال أحمد: «مَنْ تَرَكَ الوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ» (١).
يضاف إلى ذلك أن بعض الأحاديث فيها ما يمكن أن يستنتج منه وجوب الوتر، كحديث: «إِنَّ اللهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلاَةً، أَلَا وَهِيَ الوِتْرُ، فَصَلُّوهَا , مَا بَيْنَ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ»، وحديث «الوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» (٢).
كل ذلك دفع أبا حنيفة إلى أن يرفع الوتر درجة فوق النفل ودون الفرائض الخمس، على الأظهر مما روي عنه.
والآثار التي ذكرها ابن أبي شيبة ليس فيها ما يقيم الحجة على أبي حنيفة ويحسم الخلاف: أما حديث عُبَادَةَ، فلأنه مبني على الإنكار على من يسوي بين الفريضة والوتر، ولم يقل بذلك أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه، وأما الآثار الأخرى، فكلها يؤيده، وليس معنى السنة هي السنة المقابلة للفرض، بل معناها ما ثبت بالسنة، أعم من أن يكون فرضًا أو واجبًا أو مندوبًا.
وقد عزا ابن رشد سبب الخلاف هنا إلى تعارض الآثار، بين ما يثبت منها وجوب الوتر، وما يقصر الوجوب على خمس (٣).
стр. 488
وعلى كل حال، فالقول بوجوب الوتر من المعالم الرئيسية التي تميز مذهب أبي حنيفة، ولئن انتقد في بعض المسائل لإهماله الأخذ بالحديث فهو ينتقد هنا للمبالغة في الأخذ به. ولعل الأرجح هنا هو القول بأن الوتر سنة مؤكدة، وهو قول المحدثين (١).
١٨ - صَلاَةُ الوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَوْتَرَ عَلَيْهَا , وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسْ، وَنَافِعٍ، وَسَالِمٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُون عَلَى رَوَاحِلِهِمْ، وَلَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا»، ثُمَّ قَالَ:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُوتِرَ عَلَيْهَا "».
هذه المسألة تابعة للخلاف في فرضية الوتر أو وجوبه، وعدمه، وعلى القول بوجوبه لا تصح صلاته على راحلته ويوتر على الأرض، ويزعم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، غير أن من يرى صلاة الوتر على الراحلة لا يرى في هذا التعارض بأسًا، إذ يجوز أن يوتر على الأرض والراحلة، كما يفعل في النوافل، ولهذا قال الطحاوي بعد روايته للآثار في ذلك: «وَالوَجْهُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ الوِتْرَ، وَيُغَلِّظَ أَمْرَهُ , ثُمَّ أُحْكِمَ بَعْدُ , وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي تَرْكِهِ». وأيد ذلك بالنظر العقلي من أن الوتر لا تصح صلاته على الأرض قاعدًا لمن يطيق القيام. خلافًا للنوافل فكذلك لا يصليه في سفره على الراحلة وهو يطيق النزول (٢).
١٩ - الوِتْرُ بِرَكْعَةٍ:
وَبِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الوِتْرُ وَاحِدَةٌ».
стр. 489
وَعَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , فَسُئِلَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «أَصَابَ السُّنَّةَ».
«وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ أَنَّهُمَا أَوْتَرَا بِرَكْعَةٍ، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَمُعَاذٍ، وَالشَّعْبِيَّ وَالحَسَنَ».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ "».
ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَالمَغْرِبِ، لِأَحَادِيثَ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ، يَذْكُرُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بَعْضَهَا فِي المَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ.
وقد ذهب مالك إلى أن الوتر ثلاثة، إلا أنه قال: «يُفْصَلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ وَالوَاحِدَةِ بِتَسْلِيمَةٍ».
وَقَدْ ذَهَبَ البُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ، ومع ذلك يبدو أنه يميل إلى أن في الأمر سعة، فقد روى عَنْ القَاسِمِ: «... وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلاَثٍ، وَإِنَّ كُلاًّ لَوَاسِعٌ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ» (١).
أما أصحاب السنن فإنهم يَرْوُونَ الآثار المختلفة في عدد الوتر على أنهما كيفيات لصلاة الوتر، يختار المسلم منها ما يشاء.
وقد بحث الطحاوي هذه المسألة بحثًا مستفيضًا، جمع فيه الآثار المختلفة ورجح منها رأي أبي حنيفة (٢).
والذي نصل إليه من أن الآثار في هذه المسألة مختلفة، واختيار المجتهد لأحدها لمرجحات عنده لا تستدعي وصفه بمخالفة الآثار.
٢٠ - القِرَاءَةُ فِي الوِتْرِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الوِتْرِ بِـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) , وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) , وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ أَنْ يَخُصَّ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا فِي الوِتْرِ» (٣).
стр. 490
مذهب أبي حنيفة مبني على قراءة ما تيسر من القرآن في الصلوات كلها والروايات التي تخصص سورة معينة لا تفيد الالتزام بها ووجوب قراءتها بدليل ما رواه الطحاوي عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (١) وَ (المُعَوَّذَتَيْنِ)».
أما ادعاء أن أبا حنيفة كان يكره تخصيص سورة في الوتر، فليس على إطلاقه، بل يكره الاقتصار على سورة ما في الصلاة، إذا حمل العامة على اعتقاد أن هذه السورة بخصوصها واجب.
٢١ - صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى:
وَبِسَنَدِهِ عَنْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالوَتْرُ وَاحِدَةٌ»، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: «[كَانَ رَسُولُ اللهِ] ﷺ يُسَلِّمُ فِي [كُلِّ] رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ»، وبعد أن روى الآثار في ذلك عن بعض التابعين، قَالَ:
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِنْ شِئْتَ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ , وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا , وَإِنْ شِئْتَ سِتًّا , لاَ تَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ "».
استند أبو حنيفة في ذلك إلى ما رواه البخاري عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعَ [رَكَعَاتٍ]، فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا، ...» (٢)، كما استند إلى أحاديث أخرى تؤيد رأيه (٣).
وحيث استند إلى حديث صحيح فلا مجال لوصفه بمخالفة الآثار، بل هو في هذه المسألة يأخذ بكل ما روي فيها الحديث.
٢٢ - قَضَاءُ سُنَّةِ الفَجْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ:
وَبِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ: «أَصَلاَةُ الصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ؟»، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ
стр. 491
أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا , فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ , فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وروي مثل ذلك عن عطاء، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ القَاسِمُ: «إِذَا لَمْ أُصَلِّهِمَا حَتَّى أُصَلِّيَ الْفَجْرَ صَلَّيْتُهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ»، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الفَجْرِ بَعْدَمَا أَضْحَى».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُمَا "».
رأى الأستاذ الكوثري «أَنَّ قَضَاءَ سُنَّةِ الفَجْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَديثٌ، بَلْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الصَّلاَةِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِعُمُومِ هَذَا النَّهْيِ. أَمَا قَضَاءُ سُنَّةِ الفَجْرِ مَعَ صَلاَةِ الفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَدْ رُوِيَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ» (١).
ولكني أرى أن ابن أبي شيبة لا يأخذ على أبي حنيفة أنه يمنع من قضاء سنة الفجر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، فقد سبق مؤاخذته بذلك في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، ولكنه يأخذ عليه أنه لا يقول بقضائها مطلقًا، لا قبل طلوع الشمس ولا بعد طلوعها. جاء في " الهداية ": «(وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الفَجْرِ لَا يَقْضِيهِمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لأَنَّهُ يَبْقَى نَفْلاً مُطْلَقًا وَهُوَ مَكْرُوهٌ بَعْدَ الصُّبْحِ (وَلَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: " أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهُمَا إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ ") لأَنَّهُ ﵊ قَضَاهُمَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ» (٢).
ووجهة نظر أبي حنيفة أنه ﵇ قد قضى سنة الفجر مع الفجر عندما طلعت عليه الشمس وفاتته الصلاة، أما أن تقضى السنة وحدها فلا، لأنها تثبت ابتداء على التخيير، فلا يلزم بالقضاء.
стр. 492
٢٣ - قَضَاءُ الأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ حَدِيثًا مُرْسَلاً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَاتَتْهُ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ صَلاَهَا بَعْدَهَا».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُصَلِّيهَا وَلَا يُقْضِيهَا "».
قد سها أبو بكر فيما عزاه إلى أبي حنيفة في ذلك، فإن قضاء الأربع قبل الظهر عند فواتها بعد صلاة الظهر، موضع اتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه، إلا أن محمدًا يرى تقديمها على السنة التي بعد الظهر، والشيخان يريان تأخيرها عنها (١).
٢٤ - صَلَاةُ الطَّوَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى، أَيَّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ». وَرَوَى «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزَّبَيْرِ طَافَا بَعْدَ الفَجْرِ، وَصَلَّيَا بَعْدَ الفَجْرِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ».
كَمَا رَوَى بِسَنَدِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَأَبَا الطُّفَيْلِ طَافُوا بَعْدَ العَصْرِ، وَصَلُّوا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُصَلِّي حَتَّى تَغِيبَ أَوْ تَطْلَعَ "».
استند أبو حنيفة في رأيه هذا إلى ما سبق ذكره من أخبار صحيحة نهت عن الصلاة في أوقات خمسة: الطلوع، والزوال، والغروب، وبعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. وصلاة الطواف تدخل في عموم هذا النهي.
وقد فرق الطحاوي بين الأوقات الثلاثة الأولى، والوقتين الأخيرين:
стр. 493
فمنع من صلاة الطواف في الأولى، لأنه لا يصح فيها قضاء الفوائت ولا صلاة الجنازة، وأباح الطواف في الوقتين الأخيرين، لأنه يجوز فيهما قضاء الفوائت وصلاة الجنازة لأن الطواف يوجب الصلاة، حتى يكون وجوبها كوجوب الصلاة على الجنائز، وهو بذلك يوافق المحدثين ويخالف أئمة الأحناف (١).
ويلاحظ الاطراد في مذهب أبي حنيفة، وأخذه بالعمومات، وعدم ميله إلى تخصيصها، على حين يجمع المحدثون بين الأخبار ما أمكن، بتخصيص العموم، كما سبق في بيان اتجاههم إلى الآثار، كما يلاحظ أن قول أبي حنيفة هو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس.
٢٥ - الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ عِنْدَ قَضَاءِ الفَائِتَةِ:
وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَأَمَرَ بِلاَلاً، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ [فَصَلَّى] الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العِشَاءَ».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَوَاتُ لَمْ يُؤَذِّن فِي شَيءٍ مِنْهَا، وَلَمْ يُقِمْ "».
قد سها أبو بكر في نسبته مخالفة الحديث إلى أبي حنيفة في هذه المسألة، لأنه يقول بنص الحديث، ويتفق صاحباه معه في ذلك، وقد روى عن الشافعي في أحد قوله: «أَنَّهُ يُقِيمُ لِلْفَوَائِتِ وَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا» (٢).
٢٦ - كَلَامُ الإِمَامِ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ لِلْجُمُعَةِ:
رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن عطاء، مُرْسَلاً «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 494
كَانَ يَخْطُبُ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: " اجْلِسُوا "، فَسَمِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ عَلَى البَابِ فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: " يَا عَبْدَ اللهِ، ادْخُلْ».
وَرَوَى «أَنَّ رَجُلاً جَاءَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الشَّمْسِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَحُوِّلَ إِلَى الظِّلِّ».
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الإِمَامَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ».
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «جَاءَ سُلَيْكٌ الغَطَفَانِيُّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: " صَلَّيْتَ؟ " قَالَ: " لَا "، قَالَ: " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِمَا "».
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُكَلِّمُ الإِمَامُ أَحَدًا فِي خِطْبَتِهِ "».
٢٧ - تَحِيَّةُ المَسْجِدِ لِمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ:
وَبِسَنَدِهِ رَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ السَّابِقَ عَنْ سُلَيْكٍ، كَمَا رَوَى آثَارًا عَنْ أَبِي مِجْلِزٍ وَالحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِصَلَاةِ القَادِمِ رَكْعَتَيْنِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ.
- «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُصَلِّي "».
رأى أبو حنيفة أن الآثار في هاتين المسألتين معارضة بالحديث الصحيح: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ». إذ هو صريح في منع الكلام أثناء الخطبة، كما يفيد بطريق الدلالة منع الصلاة أثناءها، لأن فيه المنع من الأمر بالمعروف، وهو أعلى من تحية المسجد، فمنعه منها أولى. وحديث سليك، الذي استدل به ابن أبي شيبة قد جاء في بعض طرقه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ الخُطْبَةَ حَتَّى فَرَغَ سُلَيْكٌ مِنْ صَلَاتِهِ». أما الآثار التي استدل بها عن التابعين في إباحة الكلام والصلاة أثناء الخطبة فإنها معارضة بآثار عن الصحابة والتابعين في المنع منهما (١).
وقد روى البخاري حديث جابر عن سليك، مستدلاً به على أن من
стр. 495
جاء والإمام يخطب فعليه أن يصلي ركعتين خفيفتين. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ» (١).
وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ، وَذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أَنَّهُ رَأْيُ الجُمْهُورِ وَصَحَّحَهُ (٢).
ونسجل هنا ملاحظتين:
- أولاهما: أن أبا حنيفة يطبق مبدأه في الإطراد والعموم، فهو يأخذ بحديث صحيح ثم يجعله قاعدة مطردة، ويؤول ما خالفه، على حين أن المحدثين يحاولون الأخذ بكل ما يروى، فيجمعون بينها باسثناء بعضها من بعض، أي بتخصيصها، وقد سبق لذلك كثير من الأمثلة.
- الثانية: أن الحديث الذي استدل به أبو حنيفة، لا يؤيده في منع الخطيب من الكلام أثناء الخطبة، لأن النهي عن الكلام متوجه إلى المستمعين، لئلا يتشاغلوا عن الخطبة، وليس فيه نهي عن أن يبدي الخطيب ملاحظة أو يصحح وضعًا. ومحاولة الطحاوي قياس الخطبة على الصلاة محاولة غير مقنعة (٣).
٢٨ - القِرَاءَةُ فِي الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ [بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾]. وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ