← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122392

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

عبد المجيد محمود

Полный текст (783 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا , فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ , فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وروي مثل ذلك عن عطاء، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ القَاسِمُ: «إِذَا لَمْ أُصَلِّهِمَا حَتَّى أُصَلِّيَ الْفَجْرَ صَلَّيْتُهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ»، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الفَجْرِ بَعْدَمَا أَضْحَى». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُمَا "». رأى الأستاذ الكوثري «أَنَّ قَضَاءَ سُنَّةِ الفَجْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَديثٌ، بَلْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الصَّلاَةِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِعُمُومِ هَذَا النَّهْيِ. أَمَا قَضَاءُ سُنَّةِ الفَجْرِ مَعَ صَلاَةِ الفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَدْ رُوِيَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ» (١). ولكني أرى أن ابن أبي شيبة لا يأخذ على أبي حنيفة أنه يمنع من قضاء سنة الفجر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، فقد سبق مؤاخذته بذلك في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، ولكنه يأخذ عليه أنه لا يقول بقضائها مطلقًا، لا قبل طلوع الشمس ولا بعد طلوعها. جاء في " الهداية ": «(وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الفَجْرِ لَا يَقْضِيهِمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لأَنَّهُ يَبْقَى نَفْلاً مُطْلَقًا وَهُوَ مَكْرُوهٌ بَعْدَ الصُّبْحِ (وَلَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: " أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهُمَا إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ ") لأَنَّهُ ﵊ قَضَاهُمَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ» (٢). ووجهة نظر أبي حنيفة أنه ﵇ قد قضى سنة الفجر مع الفجر عندما طلعت عليه الشمس وفاتته الصلاة، أما أن تقضى السنة وحدها فلا، لأنها تثبت ابتداء على التخيير، فلا يلزم بالقضاء.

стр. 492

٢٣ - قَضَاءُ الأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ حَدِيثًا مُرْسَلاً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَاتَتْهُ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ صَلاَهَا بَعْدَهَا». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُصَلِّيهَا وَلَا يُقْضِيهَا "». قد سها أبو بكر فيما عزاه إلى أبي حنيفة في ذلك، فإن قضاء الأربع قبل الظهر عند فواتها بعد صلاة الظهر، موضع اتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه، إلا أن محمدًا يرى تقديمها على السنة التي بعد الظهر، والشيخان يريان تأخيرها عنها (١). ٢٤ - صَلَاةُ الطَّوَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى، أَيَّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ». وَرَوَى «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزَّبَيْرِ طَافَا بَعْدَ الفَجْرِ، وَصَلَّيَا بَعْدَ الفَجْرِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ». كَمَا رَوَى بِسَنَدِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَأَبَا الطُّفَيْلِ طَافُوا بَعْدَ العَصْرِ، وَصَلُّوا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُصَلِّي حَتَّى تَغِيبَ أَوْ تَطْلَعَ "». استند أبو حنيفة في رأيه هذا إلى ما سبق ذكره من أخبار صحيحة نهت عن الصلاة في أوقات خمسة: الطلوع، والزوال، والغروب، وبعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. وصلاة الطواف تدخل في عموم هذا النهي. وقد فرق الطحاوي بين الأوقات الثلاثة الأولى، والوقتين الأخيرين:

стр. 493

فمنع من صلاة الطواف في الأولى، لأنه لا يصح فيها قضاء الفوائت ولا صلاة الجنازة، وأباح الطواف في الوقتين الأخيرين، لأنه يجوز فيهما قضاء الفوائت وصلاة الجنازة لأن الطواف يوجب الصلاة، حتى يكون وجوبها كوجوب الصلاة على الجنائز، وهو بذلك يوافق المحدثين ويخالف أئمة الأحناف (١). ويلاحظ الاطراد في مذهب أبي حنيفة، وأخذه بالعمومات، وعدم ميله إلى تخصيصها، على حين يجمع المحدثون بين الأخبار ما أمكن، بتخصيص العموم، كما سبق في بيان اتجاههم إلى الآثار، كما يلاحظ أن قول أبي حنيفة هو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس. ٢٥ - الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ عِنْدَ قَضَاءِ الفَائِتَةِ: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَأَمَرَ بِلاَلاً، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ [فَصَلَّى] الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العِشَاءَ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَوَاتُ لَمْ يُؤَذِّن فِي شَيءٍ مِنْهَا، وَلَمْ يُقِمْ "». قد سها أبو بكر في نسبته مخالفة الحديث إلى أبي حنيفة في هذه المسألة، لأنه يقول بنص الحديث، ويتفق صاحباه معه في ذلك، وقد روى عن الشافعي في أحد قوله: «أَنَّهُ يُقِيمُ لِلْفَوَائِتِ وَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا» (٢). ٢٦ - كَلَامُ الإِمَامِ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ لِلْجُمُعَةِ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن عطاء، مُرْسَلاً «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 494

كَانَ يَخْطُبُ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: " اجْلِسُوا "، فَسَمِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ عَلَى البَابِ فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: " يَا عَبْدَ اللهِ، ادْخُلْ». وَرَوَى «أَنَّ رَجُلاً جَاءَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الشَّمْسِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَحُوِّلَ إِلَى الظِّلِّ». عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الإِمَامَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ». عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «جَاءَ سُلَيْكٌ الغَطَفَانِيُّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: " صَلَّيْتَ؟ " قَالَ: " لَا "، قَالَ: " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِمَا "». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُكَلِّمُ الإِمَامُ أَحَدًا فِي خِطْبَتِهِ "». ٢٧ - تَحِيَّةُ المَسْجِدِ لِمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: وَبِسَنَدِهِ رَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ السَّابِقَ عَنْ سُلَيْكٍ، كَمَا رَوَى آثَارًا عَنْ أَبِي مِجْلِزٍ وَالحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِصَلَاةِ القَادِمِ رَكْعَتَيْنِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ. - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُصَلِّي "». رأى أبو حنيفة أن الآثار في هاتين المسألتين معارضة بالحديث الصحيح: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ». إذ هو صريح في منع الكلام أثناء الخطبة، كما يفيد بطريق الدلالة منع الصلاة أثناءها، لأن فيه المنع من الأمر بالمعروف، وهو أعلى من تحية المسجد، فمنعه منها أولى. وحديث سليك، الذي استدل به ابن أبي شيبة قد جاء في بعض طرقه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ الخُطْبَةَ حَتَّى فَرَغَ سُلَيْكٌ مِنْ صَلَاتِهِ». أما الآثار التي استدل بها عن التابعين في إباحة الكلام والصلاة أثناء الخطبة فإنها معارضة بآثار عن الصحابة والتابعين في المنع منهما (١). وقد روى البخاري حديث جابر عن سليك، مستدلاً به على أن من

стр. 495

جاء والإمام يخطب فعليه أن يصلي ركعتين خفيفتين. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ» (١). وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ، وَذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أَنَّهُ رَأْيُ الجُمْهُورِ وَصَحَّحَهُ (٢). ونسجل هنا ملاحظتين: - أولاهما: أن أبا حنيفة يطبق مبدأه في الإطراد والعموم، فهو يأخذ بحديث صحيح ثم يجعله قاعدة مطردة، ويؤول ما خالفه، على حين أن المحدثين يحاولون الأخذ بكل ما يروى، فيجمعون بينها باسثناء بعضها من بعض، أي بتخصيصها، وقد سبق لذلك كثير من الأمثلة. - الثانية: أن الحديث الذي استدل به أبو حنيفة، لا يؤيده في منع الخطيب من الكلام أثناء الخطبة، لأن النهي عن الكلام متوجه إلى المستمعين، لئلا يتشاغلوا عن الخطبة، وليس فيه نهي عن أن يبدي الخطيب ملاحظة أو يصحح وضعًا. ومحاولة الطحاوي قياس الخطبة على الصلاة محاولة غير مقنعة (٣). ٢٨ - القِرَاءَةُ فِي الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ [بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾]. وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ

стр. 496

- ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ بِـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وَعَنْ زَيْدِ [بْنِ عُقْبَةَ]، عَنْ سَمُرَةَ [بْنِ جُنْدُبٍ] فِي الجُمُعَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَرَأَ عُمَرُ فِي العِيدَيْنِ بِـ: ﴿قَ﴾ وَ ﴿اقْتَرَبَتْ﴾». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ أَنْ تُخَصَّ سُورَةٌ لِيَومِ الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ». لا شك أن الأمر بالقراءة مبني على التيسير: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، واختلاف الرواية في قراءة النبي ﷺ في الجمعة، يدل على أنه لم يكن يلتزم سورة معينة فيها، ولسنا نظن بأبي حنيفة أنه رغب عن سنة رسول الله ﷺ أو الاقتداء به، ولكنه كره أن تخص الجمعة بسورة معينة، إذا ترتب على ذلك توهم العامة وجوب هذه السورة أو اشتراطها. وقد سبق ذلك في مسألة القراءة في الوتر (١). ٢٩ - صَلاَةُ العِيدِ فِي اليَوْمِ الثَّانِي: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ هِلاَلَ شَوَّالٍ [أُغْمِيَ] عَلَيْهِمْ، فَأَصْبَحُوا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ آخِرَ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلاَلَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا، وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى عِيدِهِمْ مِنَ الغَدِ». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الغَدِ "». لم يحك صاحب " الهداية " خلافًا لأبي حنيفة في هذه المسألة، بل قال: «(فَإِنْ غُمَّ الهِلَالُ وَشَهِدُوا عِنْدَ الإِمَامِ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّى العِيدَ مِنْ الغَدِ)؛ لأَنَّ هَذَا تَأْخِيرٌ بِعُذْرٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الحَدِيثُ (فَإِنْ حَدَثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلاَةِ فِي اليَوْمِ الثَّانِي لَمْ يُصَلِّهَا بَعْدَهُ)؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهَا أَنْ لَا تُقْضَى كَالْجُمُعَةِ، إلاَّ أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالحَدِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى اليَوْمِ الثَّانِي عِنْدَ العُذْرِ» (٢). والحديث الذي أشار إليه صاحب " الهداية "، هو نفسه ما رواه

стр. 497

ابن أبي شيبة، وقد خرجه وذكر الأقوال فيه، الكمال بن الهُمام (١). أما الطحاوي فإنه يذكر عن أبي حنيفة روايتين في هذه المسألة: أولاهما رواية أبو يوسف عنه، ولم يحك فيها خلافًا، والثانية: رواية غير أبي يوسف وفيها يذكر خلاف أبي حنيفة وأنه قال: «لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الغَدِ»، واحتج له بأن الحديث يقول: «وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى عِيدِهِمْ مِنَ الغَدِ». ليس نَصًّا في إرادة صلاة العيد من الغد. بل يجوز أنه أمرهم بذلك ليجتمعوا، أو ليرى كثرتهم فيتناهى ذلك إلى عدوهم فتعظم أمورهم عنده، بدليل أنه كان يؤمر بحضور من لا يصلي في يوم العيد من الحُيَّضِ وَذَوَاتِ الخُدُورِ (٢). ويلاحظ أن مالكًا، والشافعي، وأبا ثور رأوا رأي أبي حنيفة في هذه المسألة (٣). ٣٠ - الجِلْسَتَانِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ». وَعَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَتَيْنِ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَجْلِسُ إِلاَّ جِلْسَةً وَاحِدَةً "». نسبة هذا القول إلى أبي حنيفة خطأ، فالجلستان والخطبتان موضع اتفاق بين الأئمة. والمراد بالجلستين: الجلسة التي يجلسها الخطيب عند صعود المنبر، وهي سُنَّةٌ بِالاِتِّفَاقِ، والجلسة الفاصلة بين الخطبتين، وهي سنة كذلك، وذهب الشافعي إلى أنها واجبة.

стр. 498

جاء في " الهداية ": (وَيُخْطَبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ) بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ (وَإِذَا صَعِدَ الإِمَامُ المِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْ المِنْبَرِ) بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ (١). ٣١ - الصَّلاَةُ فِي خُسُوفِ القَمَرِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ [أَبِي بَكْرَةَ] (*)، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ». وَعَنْ عَطَاءَ مُرْسَلاً مِثْلَ ذَلِكَ. وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «صَلاَةُ الآيَاتِ سِتُّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا يُصَلَّى فِي كُسُوفِ القَمَرِ». يبدو أن ابن أبي شيبة يريد الاعتراض على أبي حنيفة، لنفيه الجماعة في خسوف القمر. وإلا فإن أبا حنيفة يقول بالصلاة في خسوف القمر، لما روي: «إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلاَةِ» (**). وليس فيما رواه أبو بكر ما يصرح بالجماعة في خسوف القمر. ويرى مالك رأي أبي حنيفة في ذلك (٢). أما المحدثون فيذهبون إلى أن صلاة خسوف القمر تكون جماعة. قال الترمذي: «وَ [يَرَى] أَصْحَابُنَا، أَنْ تُصَلَّى صَلاَةُ الكُسُوفِ فِي جَمَاعَةٍ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ» (٣). ٣٢ - صَلاَةُ الاِسْتِسْقَاءِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُبْتَذِلاً [مُتَخَشِّعًا]، مُتَضَرِّعًا مُتَرَسِّلاً، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي العِيدِ، وَلَمْ يَخْطُبْ

стр. 499

خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ». ثُمَّ رَوَى أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلاِسْتِسْقَاءِ، خَلْفَ عَبْدَ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيِّ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ [فِي الاِسْتِسْقَاءِ] بَدَأَ بِالصَّلاَة قَبْلَ الْخُطْبَةِ. - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا تُصَلَّى صَلاَةُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي [جَمَاعَةٍ]، وَلَا يُخْطَبُ فِيهَا "». ذهب أبو حنيفة إلى أن سنة الاستسقاء هو الاستغفار والابتهال إلى الله والتضرع إليه، وليس فيه صلاة، لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]. وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ وَقَالَ لَه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا، فَدَعَا اللهَ حَتَّى نَزَلَتْ الأَمْطَارُ أُسْبُوعًا، فَجَاءَهُ الرَّجُلُ فِي الجُمُعَةِ القَابِلَةِ، وَقَالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا "». وقد خالف الصاحبان أبا حنيفة، وذهبا إلى صلاة الاستسقاء والخطبة فيها، ورجح ذلك الطحاوي وذهب إليه (١). ٣٣ - الصَّلاَةُ عَلَى المَقْبُورِ: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ بَعْدَمَا دُفِنَتْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا». وَرَوَى «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَمَا دُفِنَ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ مَرَّتَيْنِ "». قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: «وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلاَةِ عَلَى القَبْرِ لِمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلاَةُ عَلَى الجَنَازَةِ ; فَقَالَ مَالِكٌ: " لَا يُصَلَّى عَلَى القَبْرِ ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَا يُصَلِّي

стр. 500

عَلَى القَبْرِ إِلَّا الوَلِيُّ فَقَطْ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الجَنَازَةِ وَكَانَ الذِي عَلَيْهَا غَيْرُ وَلِيِّهَا ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ: " يُصَلِّي عَلَى الْقَبْرِ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ "». وذكر ابن رشد أن سبب مخالفة مالك الحديث الصلاة على القبر أنه مخالف لما عليه العمل، أما أبو حنيفة فيبدو أن سبب رده له هو أنه خبر آحاد فيما تعم به البلوى (١). وقد حمل صاحب " الهداية " حديث الصلاة على المرأة بعد ما دفنت على أنه لَمْ يُصَلَّ عليها من قبل، وحينئذٍ فلا مانع من الصلاة على قبرها، وحمل الكمال بن الهُمام ما روي في الصلاة على الغائب والقبول على الخصوصية (٢). ٣٤ - الصَّلَاةُ عَلَى الشَّهِيدِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا». - «[وَذُكِرَ] أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ "». سبب الاختلاف هنا هو اختلاف الأحاديث، ما بين مثبت الصلاة على الشهيد، وناف لها، وقد وافق البخاري أبا حنيفة في الصلاة على الشهيد وروى الأحاديث في ذلك، وقال الترمذي: «وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: " لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ "، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: " يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ "، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ "، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ» (٣).

стр. 501

وقد ذكر الطحاوي أن الأحاديث التي نفت الصلاة على شهداء أحد، قد نفت أن يكون الرسول ﷺ قد صلى عليهم ولكنها لم تنف أن يكون قد صلى عليهم غيره، فقد كان ﵇ جَرِيحًا مُتْعَبًا في هذه الغزوة (١). وبذلك يتبين أن أبا حنيفة لم يخالف الآثار، وإنما رجح بين الأحاديث المختلفة، ووافقه البخاري، والثوري، وإسحاق، وابن ماجه. المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصَّوْمِ: ١ - صَوْمُ الوَلَدِ عَنْ وَالِدَيْهِ: أو هل تجزئ العبادة إذا قام بها الولي نيابة عن الميت؟ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا». وَبِسَنَدِهِ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ عَلَى أُمِّي صَوْمُ شَهْرَيْنِ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» , قَالَ: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ قَضَيْتِهِ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهَا؟» قَالَتْ: بَلَى , قَالَ: «فَصُومِي عَنْهَا». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَتْهُ عَمَّتُهُ (*)، أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: [يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَعَلَيْهَا مَشْيٌ إِلَى الكَعْبَةِ نَذْرًا] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَتَسْتَطِيعِينَ تَمْشِيَ عَنْهَا؟ " قَالَتْ: " نَعَمْ " , قَالَ: " فَامْشِي عَنْ أُمِّكَ " , قَالَتْ: " أَوَ يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهَا؟ " قَالَ: " نَعَمْ " , قَالَ: " أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ قَضَيْتِهِ هَلْ كَانَ يُقْبَلُ مِنْكَ؟ " قَالَتْ: " نَعَمْ " , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ "». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُجْزِئُ ذَلِكَ "».

стр. 502

وهذه الأحاديث تشير إلى مسألتين: الصوم عن الميت، والحج عنه. ويدخلان في دائرة العبادات. وقد قسم العلماء العبادات ثلاثة أقسام: أ - بدنية محضة، كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث. ب - مالية محضة، كالزكاة. ج - مركبة منهما كالحج والكفارات. وقد أجازوا النيابة في العبادات المالية المحضة، وأجازها بعضهم في الحج، منهم أبو حنيفة، ومنعوها في البدنية المحضة، فانتقاد ابن أبي شيبة هنا مركز على منع أبي حنيفة الصيام عن الميت. والصيام عن الميت مجال خلاف كبير، حكى فيه ابن العربي عدة أقوال بعد أن حكى الاتفاق على أنه لا يصلي أحد عن أحد حَيًّا: فذهب أبو حنيفة ومالك والثوري والشافعي، إلى «أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ، إِنْ كَانَ المَيِّتُ قَادِرًا عَلَى القَضَاءِ فِي حَيَاتِهِ، نَذْرًا كَانَ الصِّيَامُ أَوْ فَرْضًا». وقال الأوزاعي: «يَتَصَدَّقُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْهُ». وقال أحمد وإسحاق: «يُصَامُ عَنْ المَيِّتِ فِي النَّذْرِ، وَيُطْعِمُ عَنْهُ فِي الفَرْضِ»، ويؤيدهم ما رواه أبو داود في ذلك عن ابن عباس. وقال الحسن: «يَقْضِي وَلِيُّ المَيِّتِ مَا فَاتَهُ مِنْ صِيَامِهِ»، وإليه ذهب البخاري وأهل الظاهر. وهذه المسألة فيها بحوث طويلة يخرجنا التعرض لها عما قصدناه من هذا الفصل، وهو بيان وجهات النظر في حدود خاصة. أما سبب خلاف أبي حنيفة هنا فهو معارضة أحاديث الصيام عن الميت للأصول العامة ولقوله تعالى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ومعه في ذلك الشافعي والثوري ومالك

стр. 503

الذي قال: «وَلَمْ أَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلاَ مِنَ التَّابِعِينَ ﵃ بِالمَدِينَةِ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَصُومَ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي عَنْ أَحَدٍ». قال ابن العربي المالكي (*): «إِنَّ الذِي أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ هَدَمَ الأَصْلَ الذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وَمُرَاعَاةُ القَوَاعِدِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الأَلْفَاظِ». والواقع أن هذه المسألة مما يبرز الفرق بين الفقهاء، والمحدثين، وأهل الظاهر: فالفقهاء لم يأخذوا بظاهر هذه الأحاديث وحملوها على الإطعام لأن الحي يصوم أحيانًا ببدنه، ويطعم أحيانًا بدلاً من الصيام عندما يكون شيخًا كبيرًا مثلاً، فمعنى صيام الولي عن الميت هنا أي الصيام الذي تمكن فيه النيابة، وهو الصدقة. أما أهل الحديث فقد أخذوا بالنيابة في العبادات التي جاءت فيها أحاديث، ولم يقتبسوا عليها غيرها ولم يتعدوها، أما أهل الظاهر فقد عمموا الحديث «فَاقْضُوا اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ»، «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»، حتى قال ابن حزم: «فَإِنْ كَانَ نَذَرَ صَلاَةً صَلاَّهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ صَوْمًا كَذَلِكَ، أَوْ حَجًّا كَذَلِكَ، أَوْ عُمْرَةً كَذَلِكَ، أَوْ اعْتِكَافًا كَذَلِكَ، أَوْ ذِكْرًا كَذَلِكَ، وَكُلَّ بِرٍّ كَذَلِكَ» (١). ٢ - كَفَّارَةُ الصَّوْمُ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «" جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " هَلَكْتُ " , قَالَ: " وَمَا أَهْلَكَكَ؟ "، قَالَ: " وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ " , قَالَ: " أَعْتِقْ رَقَبَةً " , قَالَ: " لَا أَجِدُ " , قَالَ:

стр. 504

" صُمْ شَهْرَيْنِ " , قَالَ: " لَا أَسْتَطِيعُ " , قَالَ: " أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا " , قَالَ: " لَا أَجِدُ " , قَالَ: " اجْلِسْ " , فَجَلَسَ , فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ـ إِذْ أُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ , قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " اذْهَبْ فَتَصَدَّقْ بِهِ " , قَالَ: " وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ , مَا بَيْنَ لَابَتَيْ المَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنَّا " , فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ , ثُمَّ قَالَ: " انْطَلِقْ , فَأَطْعِمْهُ عِيَالَكَ "». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَهُ عِيَالَهُ "». قول أبي حنيفة هنا هو قول الجمهور، حيث قالوا: إن الإعسار لا يسقط الكفارة، وإنما تكون دينًا في الذمة إلى حين اليسار. والنبي ﷺ في الحديث السابق، قد أثبت الكفارة على الرجل رغم إعساره ثم أذن له في أكلها ولم يخبره بسقوط ما وجب عليه. وذهب بعضهم إلى تفسير الحديث السابق بأنه خصوصية لهذا الرجل، وَنَقَلُوا عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً، وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً [قَالَ] ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ تَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ التَّكْفِيرِ» (١). وبعد أن روى الترمذي الحديث السابق، نقل عن الشافعي أنه قال: «وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَفْطَرَ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ: " خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ". يَحْتَمِلُ هَذَا مَعَانِيَ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَهَذَا رَجُلٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الكَفَّارَةِ، فَلَمَّا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا وَمَلَكَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: " مَا أَحَدٌ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنَّا "، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ "، لأَنَّ الكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الفَضْلِ عَنْ قُوتِهِ. وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الحَالِ أَنْ يَأْكُلَهُ وَتَكُونَ الكَفَّارَةُ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَمَتَى مَا مَلَكَ يَوْمًا مَا كَفَّرَ» (٢).

стр. 505

مَا انْتَقَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي الزَّكَاةِ: ١ - الصَّدَقَةُ عَلَى الفَقِيرِ الصَّحِيحِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»، ثُمَّ قَالَ: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَخَّصَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ. وَقَالَ: " جَائِزَةٌ "». هذه المسألة في الصدقة على الغني، والفقير الصحيح. وقد ذكر الترمذي في ذلك ما يؤيد أبا حنيفة، فَقَدْ رَوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ». قَالَ التِرْمِذِيُّ: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا: " إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ "». قَالَ: «وَلَمْ يَذْهَبْ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى [حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ]، وَوَسَّعُوا فِي هَذَا، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ أَكْثَرُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ». ثُمَّ ذَكَرَ التِرْمِذِيُّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ السَّابِقِ، وَبَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ فِي إِسْنَادِهِ، قَالَ: «وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَوِيًّا مُحْتَاجًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَ عَنِ المُتَصَدِّقِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَوَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى المَسْأَلَةِ» (١).

стр. 506

فخلاف أبي حنيفة هنا سببه الخلاف في فهم الحديث، وقد فهم أهل العلم مثل ما فهم أبو حنيفة، كما نقلنا عن الترمذي، وللطحاوي في ذلك بحث ممتع (١). ٢ - حُكْمُ الأَوْقَاصِ فِي الزَّكَاةِ: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا [إِلَى الْيَمَنِ] وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ [مِنَ البَقَرِ] مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، فَسَأَلُوهُ عَنْ فَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " لَا تَأْخُذْ شَيْئًا "». وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «لَيْسَ [فِيهِمَا] شَيْءٌ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " فِيهَا بِحِسَابِ مَا زَادَ "». الأوقاص: جمع وقص، وما هو ما بين العددين اللذين يجب فيهما الزكاة. وقيل: إن معنى الأوقاص صغار الإبل. وعن أبي حنيفة فيما بين السنين - أعني ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وما بين الأربعين إلى الستين - ثلاث روايات: الأولى - ما ذكره ابن أبي شيبة، والثانية - أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين، فيكون فيها مسنة وربع، الثالثة - لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، وهو قول الصاحبين (٢). قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: «وَسَبَبُ اخْتِلاَفِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فِي الوَقْصِ فِي البَقَرِ:

стр. 507

أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ هَذَا - وكان قد ذكر أنه غير متفق على صحته - أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الأَوْقَاصِ وَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ فِيهَا النَّبِيَّ ﵊، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ قَدْ تُوُفِّيَ ﷺ . فَلَمَّا لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ طَلَبَ حُكْمَهُ مِنْ طَرِيقِ القِيَاسِ، فَمَنْ قَاسَهَا عَلَى الإِبِلِ وَالغَنَمِ لَمْ يَرَ فِي الأَوْقَاصِ شَيْئًا، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الأَصْلَ فِي الأَوْقَاصِ الزَّكَاةُ إِلاَّ مَا اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيلُ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ فِي البَقَرِ وَقْصٌ، إِذْ لَا دَلِيلَ هُنَالِكَ مِنْ إِجْمَاعٍ وَلَا غَيْرِهِ» (١). ٣ - زَكَاةُ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَدْ جَاوَزْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ»، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». «وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ النَّاسُ: " يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ , خَيْلُنَا وَرَقِيقُنَا , أَفْرِضْ عَلَيْنَا عَشَرَةً عَشَرَةً " , قَالَ: " أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَفْرِضُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ "». «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَيْسَ عَلَى الفَرَسِ الغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةٌ "». «كَمَا رَوَى عَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ، وَعُمَرَ ابْنَ عَبْدِ العَزِيزِ وَمَكْحُولٍ أَنْ لَا صَدَقَةَ فِيهَا». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِنْ كَانَتْ خَيْلٌ فِيهَا ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ يُطْلَبُ نَسْلُهَا فَفِيهَا صَدَقَةٌ "». حمل أبو حنيفة حديث أبي هريرة السابق على عبد الخدمة، وفرس الركوب، لأن هذه الإضافة إضافة خاصة، بدليل أنهم قد اتفقوا على أن في عبيد التجارة وخيل التجارة صدقة. قال الترمذي بعد أن روى حديث أبي هريرة: «وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي الخَيْلِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الرَّقِيقِ إِذَا كَانُوا لِلْخِدْمَةِ صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا لِلتِّجَارَةِ، فَإِذَا كَانُوا

стр. 508

لِلتِّجَارَةِ فَفِي أَثْمَانِهِمُ الزَّكَاةُ إِذَا حَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ» (١). وفي بعض الروايات أن عمر بن الخطاب أخذ الزكاة من الخيل، ومما يؤيد ما ذهب إليه أبو حنيفة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد ذكر الخيل فقال: «الخَيْلُ ثَلاَثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، ... وَأَمَّا الذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلاً، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا» (*). ففي هذا دليل على أن للهِ فيها حقًا. وهو كحقه في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة. وقد حقق الطحاوي في هذه المسألة، ورجح قول الصاحبين، وهو قول أهل الحديث (٢). فسبب الخلاف هنا هو الاجتهاد في فهم الحديث. ٤ - حُكْمُ الخَرْصِ فِي التَّمْرِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ أَنْ يَخْرُصَ الَعِنَبَ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلَ، فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا، فَتِلْكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي النَّخْلِ وَالَعَنَبِ». وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ، فَخَرَصَ عَلَيْهِمَ النَّخْلَ». وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا خَرَصْتُمْ، فَخُذُوا وَدَعُوا». وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «خَرَصَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ، - يَعْنِي خَيْبَرَ -، أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ، وَزَعَمَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمَ ابْنُ رَوَاحَةَ أَخَذُوا التَّمْرَ، وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ أَلْفَ وَسْقٍ».

стр. 509

وَعَنْ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ أَبَا حَثْمَةَ خَارِصًا لِلنَّخْلِ». - وذُكِرَ «أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ لَا يَرَى الخَرْصَ». قال ابن العربي في " شرحه على الترمذي ": «لَيْسَ فِي الخَرْصِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ إِلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَرْوِهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ هُنَا وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّ بِوَادِيَ القُرَى - فِي طَرِيقِهِ إِلَى تَبُوكَ -، فَإِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: " اخْرُصُوا "، وَخَرَصَ هُوَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: " أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا " وَعِنْدَمَا عَادَ سَأَلَ المَرْأَةَ: " كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟ " قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ» (١). وهذا الحديث الصحيح ليس فيه نص على تحكيم الخرص هنا، وإلزام صاحب المال بما يؤدي إليه، بل أمره ﵇ بالإحصاء، يدل على أن الخرص ليس محتمًا، وإنما هو لمجرد التوثق والاطمئنان، أو هي مسابقة لقوة الفراسة، نشبه مسابقته ﵇ لأصحابه في ركوب الإبل. فسبب الخلاف هنا هو الاختلاف في تصحيح الأحاديث المروية التي ذكرها ابن أبي شيبة، وقد ذهب الثوري إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، مع علمه بالآثار والسنن (٢). ٥ - لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ: رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». - «وذُكِرَ أَنَّ أبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " فِي قلِيلِ مَا يَخْرُجُ وَكَثِيرِهِ صَدَقَةٌ "».

стр. 510

خالف أبو حنيفة الجمهور في هذه المسألة، وسبب الخلاف وجود حديثين متعارضين، أحدهما خاص، يوجب الزكاة في ثمار الأرض إذا بلغت النصاب وهو خمسة أوسق، والوسق، ستون صَاعًا، وهو الحديث المذكور هنا. وثانيهما عام يوجب العشر أو نصف العشر في كثير ما أخرجت الأرض وقليله. وكلا الحديثين صحيح. وقد رأى أبو حنيفة أن في الحديثين تعارضًا بين العام والخاص، ودلالة العام عنده قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قدم الأحوط وهو الوجوب، وأيد ما ذهب إليه بالعموم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. أما الجمهور فلم ير تعارضًا بين الحديثين، بل أحدهم يخصص الآخر، أو يفسره. وقد روى البخاري حديث «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ»، ثم روى عقبه حديث «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، ثم قال: «هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ [إِذَا] قَالَ: " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ " وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا» (١). فاختلاف وجهتي النظر في مختلف الحديث هو سبب الخلاف هنا. ٦ - حُكْمُ التَّصَدُّقِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ -: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ آثَارًا كَثِيرَةً تُفِيدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ الرَّسُولِ

стр. 511

- ﷺ وَمَوَالِيهِمْ، ثم قال: - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " الصَّدَقَةُ تَحِلُّ لِمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِم "». ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، أن الصدقة لا تحل لبني هاشم، وفي رواية عنه أنه يجوز في هذا الزمان، وإن كان ممتنعًا في زمن النبي، وفي رواية ثالثة أنه يجوز أن يدفع إلى بعض بني هاشم بعض زكاتهم (١). وقد بحث الطحاوي هذا الموضوع، وبعد أن أكد أن الصدقة لا تحل لبني هاشم، ذكر أن ذلك هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ثم قال: «وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي ذَلِكَ , فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " لَا بَأْسَ بِالصَّدَقَاتِ كُلِّهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ. وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا إِلَى أَنَّ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا كَانَتْ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَا جُعِلَ لَهُمْ فِي الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ ذَوِي القُرْبَى. فَلَمَّا انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَرَجَعَ إِلَى غَيْرِهِمْ , بِمَوْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَلَّ لَهُمْ بِذَلِكَ مَا قَدْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَا قَدْ كَانَ أُحِلَّ لَهُمْ "» (٢). فعلى ظاهر الرواية لم يخالف أبو حنيفة الحديث، وعلى غيرها فقد استنبط علة الحديث، يتحقق الحكم بوجودها هنا، وينتفي بانتفائها. وقد قال أبو بكر الأبهري من المالكية: «إِنَّ صَدَقَةَ الفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ تَحِلُّ لَهُمْ» (٣).

стр. 512

المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَجِّ: ١ - إِشْعَارُ الهَدْيِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْعَرَ فِي الأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ بِيَدِهِ». وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، خَرَجَ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الهَدْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " الإِشْعَارُ مُثْلَةٌ "». عرض ابن العربي المالكي رأي أبي حنيفة في هذه المسألة، فقال: «إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الإِشْعَارَ مُثْلَةٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنَّمَا أَشَعَرَ البُدْنَ لِئَلَّا تَنَالَهَا يَدُ المُشْرِكِينَ وَقَدْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهَا وَيَجْتَنِبُونَهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الإِسْلَامُ سَقَطَ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ التَّخْيِيرَ فِيهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ الرُّخْصَةَ فِي تَرْكِهِ، فَرَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّرْكَ، لِأَنَّهُ جِهَةُ المُثْلَةِ. وَهِيَ حَرَامٌ، وَتَرْكُ النَّدْبِ أَوْلَى مِنْ اقْتِحَامِ التَّحْرِيمِ» (١). وقد ذكر الترمذي بعد أن روى حديث الإشعار، أن وكيعًا قال بعد روايته لهذا الحديث: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي هَذَا، فَإِنَّ الإِشْعَارَ سُنَّةٌ، وَقَوْلُهُمْ بِدْعَةٌ». وَقَالَ وَكِيعٌ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ: «أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلَةٌ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " الإِشْعَارُ مُثْلَةٌ "،

стр. 513

فَغَضِبَ وَكِيعٌ وَقَالَ: " أَقُولُ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ، ثُمَّ لَا تَخْرُجَ حَتَّى تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِكَ هَذَا "» (١). والواقع أن أبا حنيفة ليس له حجة مقنعة في هذا الموضع، ولا يغني اعتذار الكوثري عنه بأن الناس [كانوا] يبالغون في الإشعار زمنه، إذ لو كان ذلك كذلك، لكان عليه أن يدلهم على كيفية الإشعار المسنون، لا أن يرفضه جملة، ويقيسه على المثلة المحرمة (٢). ٢ - وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى المُحْرِمِ، إِذَا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ بِعُذْرٍ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا لَمْ يَجِدَ المُحْرِمُ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ». وَعَنْ جَابِرٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ أَوْ مَا يَتْرُكُ المُحْرِمُ؟ قَالَ: " لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا الخُفَّيْنِ، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ "». - «وذُكِرَ أنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَفْعَلُ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ دَمٌ "». بَيَّنَ الطحاوي رأي أبي حنيفة في هذه المسألة أحسن بيان موضحًا أن حديث ابن عباس الذي رواه ابن أبي شيبة هنا مطلق قد قيده ما بعده من حديث ابن عمر، حيث أمر بقطع النعلين أسفل الكعبين، حتى يكون هناك فرق بين المحل والمحرم، وأبو حنيفة يقول بذلك، وعلى فرض أنه لم يقطعهما، فإن أبا حنيفة لم يخالف حديث ابن عباس بل قال به عند الضرورة، إلا أنه قد أوجب عليه كفارة، والحديث ساكت عن وجوب

стр. 514

الكفارة أو عدم وجوبها يلتمسن ذلك من دليل آخر، وقد أمر النبي ﷺ من آذته الهوام في رأسه أن يحلق، وعليه فدية. قال الطحاوي بعد أن روى الآثار التي يتمسك بها مخالفو أبي حنيفة: «فَذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الآثَارِ قَوْمٌ فَقَالُوا: مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا وَهُوَ مُحْرِمٌ لَبِسَ سَرَاوِيلاً وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ لُبْسِ المُحْرِمِ الخُفَّ وَالسَّرَاوِيلَ [عَلَى الضَّرُورَةِ] فَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ وَنُبِيحُ لَهُ لُبْسَهُ لِلضَّرُورَةِ التِي هِيَ بِهِ. وَلَكِنَّا نُوجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الكَفَّارَةَ وَلَيْسَ فِيمَا رَوَيْتُمُوهُ نَفْيٌ لِوُجُوبِ الكَفَّارَةِ، وَلَا فِيهِ وَلَا فِي قَوْلِنَا خِلاَفٌ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّا لَمْ نَقُلْ: لَا يَلْبَسُ الخُفَّيْنِ إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَلَا السَّرَاوِيلَ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا. وَلَوْ قُلْنَا ذَلِكَ كُنَّا مُخَالِفِينَ لِهَذَا الحَدِيثِ وَلَكِنَّا قَدْ أَبَحْنَا لَهُ اللِّبَاسَ كَمَا أَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الكَفَّارَةَ بِالدَّلاَئِلِ القَائِمَةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ " عَلَى أَنْ يَقْطَعَهُمَا مِنْ تَحْتِ الكَعْبَيْنِ فَيَلْبَسُهُمَا كَمَا يَلْبَسُ النَّعْلَيْنِ. وَقَوْلُهُ: " مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَيَلْبَسُ (*) سَرَاوِيلاً " عَلَى أَنْ يَشُقَّ السَّرَاوِيلَ فَيَلْبَسُهُ كَمَا يَلْبَسُ الإِزَارَ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الحَدِيثُ أُرِيدَ بِهِ هَذَا المَعْنَى فَلَسْنَا نُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ وَنُثْبِتُهُ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الخِلاَفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي التَّأْوِيلِ لَا فِي نَفْسِ الحَدِيثِ لِأَنَّا قَدْ صَرَفْنَا الحَدِيثَ إِلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُهُ». ثم يقول الطحاوي وكأنه يوجه كلامه إلى ابن أبي شيبة: «فَاعْرِفُوا مَوْضِعَ خِلاَفِ التَّأْوِيلِ مِنْ مَوْضِعِ خِلاَفِ الحَدِيثِ فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَلَا تُوجِبُوا

стр. 515

عَلَى مَنْ خَالَفَ تَأْوِيلَكُمْ خِلاَفًا لِذَلِكَ الحَدِيثِ» (١). وقد ذكر الترمذي أن القول بقطع الخف من الكعب لمن لا يجد نعلاً هو قول الثوري والشافعي ومالك. وإن لبس الخف مقطوعًا ثم لم يجد نعلاً ذكر ابن العربي أن مالكًا وغيره يقول: «عَلَيْهِ الفِدْيَةَ»، وأن أبا حنيفة قال: «لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ» (٢). ٣ - الأَكْلُ مِنَ الهَدْيِ: وَبِسَنَدِهِ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الأَكْلِ مِنَ الهَدْيِ إِذَا عَطَبَ قَبْلَ وُصُولِهِ المَحَلَّ، بَلْ تُنْحَرُ، وَيُخَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الرَّفِقَةِ "». لم يخالف أبو حنيفة الحديث في هذه المسألة، لأن ما ذكره ابن أبي شيبة فيها إنما هو في هدي التطوع، وقد ذكر ابن رشد أنهم أجمعوا أن هدي التطوع إذا هلك قبل أن يبلغ محله خلى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، وزاد داود: «وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رِفْقَتِهِ»، لزيادة جاءت في بعض الأحاديث (*) فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا «كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ مَكَانَهُ» عِنْدَ مَالِكٍ، وَكَانَ «عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ» عند أبي حنيفة والشافعي والثوري وأحمد، وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ (٣). ويقول الترمذي: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ: إِذَا عَطِبَ لَا يَأْكُلُ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهُ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ،

стр. 516

وَقَالُوا: " إِنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا غَرِمَ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ مِنْهُ " وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: " إِذَا أَكَلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ شَيْئًا فَقَدْ ضَمِنَ الَّذِي أَكَلَ "» (١). ٤ - رُكُوبُ الهَدْيِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ارْكَبُوا الهَدْيَ بِالْمَعْرُوفِ، حَتَّى تَجِدُوا ظَهْرًا». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: " ارْكَبْهَا "، قَالَ: " إِنَّهَا بَدَنَةٌ "، قَالَ: " وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً "». وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ. - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا تُرْكَبُ إِلَّا أَنْ يُصِيبَ صَاحِبَهَا جُهْدٌ "». في بعض روايات هذا الحديث ما يفيد أن الرجل المأمور بركوب الهدي كَانَ مُجْهَدًا، وفي لفظ أبي داود: «ارْكَبْهَا بِالمَعْرُوفِ، إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا». وقد ذكر ابن رشد أن جمهور فقهاء الأمصار كره ركوبها من غير ضرورة، وأن أهل الظاهر قد ذهبوا إلى جواز ركوبها من غير ضرورة بل أوجب بعضهم ركوبها (٢). فسبب الخلاف هنا هو اختلاف الحديث، ومع أبي حنيفة في ذلك جمهور العلماء، وإن كان الترمذي قد فرق بين الحاجة والضرورة فذكر أن أحمد وإسحاق والشافعي أجازوا له ركوب الهدي إذا احتاج إلى ذلك، وأن بعض العلماء قال: " لَا يَرْكَبُ مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا " (٣). ٥ - المَرْأَةُ تُهِلُّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ تَحِيضُ: وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:

стр. 517

«خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ "، قَالَتْ: " فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ "، قَالَتْ: " فَكُنْت أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ "، قَالَتْ: " فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " دَعِي عُمْرَتَكَ، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ "، قَالَتْ: " فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ وَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّنَا، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي وَخَرَجَ بِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلاَ صَدَقَةٌ، وَلاَ صَوْمٌ "». ثم روى إفتاء عطاء ومجاهد بذلك ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " تَكُونُ رَافِضَةً [لِلْحَجِّ] (*) وَعَلَيْهَا دَمٌ وَعُمْرَةٌ مَكَانَهَا "». اعتراض ابن أبي شيبة هنا مبني على أن العبارة التي جاءت في آخر الحديث السابق وهي: «لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ». من كلام عائشة، والحقيقة أنه ليس من كلامها بل من كلام هشام بن عروة (**) أدرجه في حديثها، وقد نص البخاري على أن هذه العبارة من كلام هشام فيما رواه في كتاب الحيض (١). وقد قال أبو حنيفة بما يوافق هذا الحديث تمامًا، كما قال بوجوب الهدي لرفضها العمرة، وقد روى محمد بن الحسن في " الحجج " عن أبي قلابة «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَبَحَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي عُمْرَتِهَا بَقَرَةً». يعني تلك العمرة التي رفضتها. وقد ناقش محمد أهل المدينة فيما ذهبوا إليه من أن الحائض حينئذٍ تعتبر مثل من قرن بالحج والعمرة، فتطوف بالبيت طوافًا واحدًا وهو طواف الزيارة لحجتها وعمرتها، وكان عليها

стр. 518

هدي. فأما العمرة من التنعيم فجعلوها على الاستحباب والتخيير وأثبت أن عائشة لم تكن قارنة (١). ٦ - حُكْمُ مَنْ أَخَّرَ المَنَاسِكَ بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: " حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ " قَالَ: " فَاذْبَحْ وَلَا حَرَجَ "، قَالَ: " ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ " قَالَ: " اِرْمِ وَلَا حَرَجَ "». ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس، وعلي، وجابر، ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " عَلَيْهِ دَمٌ "». ذكر الطحاوي أن رفع الحرج هنا يحتمل أن يكون ذلك إباحة لعدم الترتيب بين المناسك وتوسعة منه في ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك لرفع الإثم أي لا حرج عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنكم فعلتموه على الجهل منكم به لا على التعمد، ويؤيد هذا الاحتمال الثاني ما جاء في روايات صحيحة من التصريح بأن ذلك كان عن نسيان أو جهل (٢). وقد نقل محمد عن أبي حنيفة في الذي يجهل فيحلق قبل أن يرمي أنه لا شيء عليه (٣). فالاختلاف هنا هو اختلاف في فهم الحديث وتأويله، وليس مخالفة له. ٧ - تَخْمِيرُ رَأْسَ مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يُغَطَّى رَأْسُهُ "». حمل أبو حنيفة ومالك هذا الحديث على الخصوص. قال ابن العربي:

стр. 519

«لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ إِحْرَامَ كُلِ مَيِّتٍ بَاقٍ، وَأَنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي، لَقُلْنَا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي بَقَاءِ حُكْمِ الإِحْرَامِ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ. وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا عَلَّلَ إِبْقَاءَ حُكْمِ الإِحْرَامِ عَلَيْهِ، بِمَا عَلِمَ أَنَّهُ يُبْعَثُ وَهُوَ يُلَبِّي، وَهُوَ أَمْرٌ مُغَيَّبٌ، فَلَمْ يَصِحَّ لَنَا أَنْ نَرْبِطَ بِهِ حُكْمًا ظَاهِرًا» (١). ٨ - حَرَمُ المَدِينَةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ المَدِينَةِ لَا يُقْتَلُ صَيْدُهَا، وَلَا يُقْطَعُ عُضَاهَا، كَمَا حُرِّمَتْ مَكَّةُ. - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ "». اختلف العلماء في هذه الأحاديث، هل المراد تحريم قطع شجرها وأخذ صيدها، أم المراد إبقاء زينتها؟. وقد ذهب إلى الأول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة والثوري وابن المبارك. ومن قال بتحريمها لا يرى الجزاء على من قطع شجرها أو أخذ صيدها. وقد استدل الفريق الثاني بـ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَطْعِ الأَشْجَارِ عِنْدَ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ» وأنه قال لأحد الصبية: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» وأنه قال لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ تَصِيدُ بِالعَقِيقِ , لَشَيَّعْتُكَ إِذَا ذَهَبْتَ , وَتَلَقَّيْتُكَ إِذَا جِئْتَ فَإِنِّي أُحِبُّ العَقِيقَ» (٢). فالاختلاف هنا هو اختلاف في تأويل الحديث.

стр. 520

المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ: ١ - النِّكَاحُ بِوَلِيٍّ: (*). رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الوَلِيُّ، أَوِ الوُلاَّةُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، - قَالَهَا ثَلاَثًا -، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: " جَائِزٌ إِذَا كَانَ كُفْئًا "». ضَعَّفَ الطحاوي هذين الحديثين: أما أولهما، فلأنه مروي عن ابن شهاب الزهري وقد سئل عنه فلم يعرفه، وحتى لو صح فإن عائشة ﵂ لم تعمل به، بل عملت بخلافه، حيث زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا للمنذر بن الزبير، وعمل الراوي بخلاف ما رواه يُضَعِّفُ الحَدِيثَ، أو يدل على النسخ. أما الحديث الثاني فقد أثبت الطحاوي أنه منقطع، وعلى فرض صحته فإن «الوَلِيَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَقْرَبُ العَصَبَةِ إِلَى المَرْأَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ [يَكُونَ ذَلِكَ الوَلِيُّ] مَنْ تُوَلِّيهِ المَرْأَةُ مِنَ الرِّجَالِ , قَرِيبًا كَانَ مِنْهَا أَوْ بَعِيدًا ... وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ [هُوَ الَّذِي] إِلَيْهِ وِلَايَةُ البُضْعِ مِنْ وَالِدِ الصَّغِيرَةِ , أَوْ مَوْلَى الأَمَةِ أَوْ بَالِغَةٍ حُرَّةٍ لِنَفْسِهَا ... واللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. [فَقَالَ قَوْمٌ]: وَلِيُّ الحَقِّ , هُوَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ , فَإِذَا كَانَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ يُسَمَّى وَلِيًّا , كَانَ مَنْ لَهُ البُضْعُ أَيْضًا يُسَمَّى وَلِيًّا لَهُ». ثم يحتج الطحاوي لما ذهب إليه أبو حنيفة بقوله ﵇: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا , وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا , وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (١).

стр. 521

والواقع أن هذه المسألة من المسائل الهامة التي تميز مذهب أبي حنيفة، والتي يبدو للوهلة الأولى أنه أول من قالها، مع أن له فيها سلفًا، فقد كان مذهبه فيما هو مذهب الشعبي والزهري، ذكر ذلك ابن رشد، كما ذكر أن سبب الخلاف في هذه المسألة أنه لم تأت فيها آية ولا سنة ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلاً عن أن يكون في ذلك نص، والآيات والسنن التي يحتج بها الطرفان كلها محتملة، كما أن الأحاديث مختلف في صحتها (١). ٢ - أَقَلُّ المَهْرِ: وَبِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ رَجُلٍ تَزَوَّجَ عَلَى نَعْلٍ، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ». وَأَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمٍ فَقَدَ اسْتَحَلَّ». وَخَطَبَ ﵊ فَقَالَ: «" أَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ "، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللهِ، مَا العَلاَئِقُ بَيْنَهُمْ؟ " قَالَ: " مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أَهْلُوهُمْ "». وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ [مِنْ ذَهَبٍ]، قُوِّمَتْ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا». وَعَنْ الحَسَنِ [قَالَ]: «مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجُ وَالمَرْأَةُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مَهْرٌ». وَسُئِلَ الحَسَنُ: «مَا أَدْنَى مَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: " نَوَاةٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ "». وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: «لَوْ رَضِيَتْ بِسَوْطٍ كَانَ مَهْرًا». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَتَزَوَّجُهَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ "». ٣ - هَلْ يَكُونُ العِتْقُ صَدَاقًا ؟: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: " أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا، جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا "». وَعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ الرَّجُل أُمَّ وَلَدِهِ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا مَهْرَهَا». وَ «عَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ مِثْلُ ذَلِكَ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَجُوزُ إِلَّا بِمَهْرٍ "». ذهب أهل الحديث إلى أن المهر قد يكون غير مال، من عتق أو تعليم،

стр. 522

أو منفعة تؤدى للمرأة. كما ذهبوا إلى أن المهر إذا كان مالاً، فلا حد لأقله بل ما تراضوا عليه. أما كون العتق صداقًا، فقد منعه فقهاء الأمصار، ما عدا أحمد وداود وأهل الحديث، وذهبوا إلى أن جعل العتق صداقًا كان خاصًا بالنبي ﷺ ، كما اختص بجواز هبة المرأة نفسها له. أما بالنسبة لتحديد أقل المهر، فقد ذهب إليه مالك وأبو حنيفة، إلا أن مالكًا حدده بربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، وحدد أبو حنيفة أقل المهر بعشرة دراهم لحديث يروى في ذلك. ولئن صحت دعوى الخصوصية بالنسبة للعتق في جعله صداقًا، فإن الآثار الكثيرة التي تروى في عدم أقل المهر، أقوى مما يعارضها (١). ٤ - الطَّلاَقُ قَبْلَ النِّكَاحِ: وَبِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا طَلاَقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْق إِلاَ بَعْدِ مِلْكٍ». وَعَنْ عَائِشَةَ: «لَا طَلاَقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ». وَعَنْ طَاوُوسٍ، عَنْ النَّبِيُّ ﷺ مُرْسَلاً، مِثْلُ ذَلِكَ. وَ «عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا مِثْلُهُ» ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِنْ حَلَفَ بِطَلاَقِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، طُلِّقَتْ "». من المجمع عليه أنه لا طلاق قبل النكاح، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ [الْمُؤْمِنَاتِ] ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٢) الآية، أما من علق الطلاق على الأجنبية بشرط التزويج، مثل أن يقول: «إِنْ نَكَحْتُ فَلاَنَةً فَهِيَ طَالِقٌ». فإن العلماء في ذلك ثلاثة مذاهب: - أولها: أن الطلاق لا يقع إن تزوجها، ولا يتعلق الطلاق بأجنبية أصلاً، سواء عم المعلق

стр. 523

كل أجنبية بأن قال: «إِنْ تَزَوَّجْتُ أَيَّ امْرَأَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ»، أي خص، بأن قال: «إِنْ تَزَوَّجْتُ فَلاَنَةً أَوْ مِنْ بَنِي فُلاَنَ». وهذا مذهب الشافعي وأهل الحديث. - المذهب الثاني: في مقابل الأول يقول بوقوع الطلاق إذا علقه على أجنبية بشرط التزويج عم المطلق أو خص. وهو قول أبي حنيفة وجماعة. - المذهب الثالث: أنه إن عم جميع النساء لم يلزمه الطلاق إن تزوج، وإن خصص لزمه، وهو قول مالك. وسبب الخلاف هو تضعيف الحديث المروي في ذلك، ولأن المعلق طلاقه لا يعد مطلقًا قبل النكاح، وإنما يعد مطلقًا بعده (١). ولعل الأرجح هو ما ذهب إليه المحدثون، إذ هو الظاهر من الحديث والملائم للحكمة في تشريع الطلاق. ٥ - زَوَاجُ المُحَلِّلِ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنِ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ». وَعَنْ عُمَرَ، قَالَ: «لَا أُوتِيَ بِمُحَلِّلٍ، وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ، إِلَّا رَجَمْتُهُمَا». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِذَا تَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا، فَرَغِبَ فِيْهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُمْسِكْهُا "». سبق أن ذكرنا في فصل (الاتجاه الخلقي) أن أبا حنيفة والشافعي يقولان: إن تزوج امرأة ليحلها لغيره فنكاحه صحيح طالما أنه لم يشترط ذلك في العقد، وهو مع ذلك آثم للحديث. فسبب الخلاف هو الاختلاف في مفهوم الحديث، هل اللعن يفيد التأثيم فقط، أو يفيد التأثيم، ويترتب عليه فساد العقد (٢).

стр. 524

٦ - المُلاَعَنَةُ بِالحَمْلِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ، وَقَالَ: " عَسَى أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا "، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا». وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَاعَنَ بِالحَمْلِ». وَعَنْ الشَّعْبِيِّ «فِي رَجُلٍ تَبَرَّأَ مِمَّا فِي بَطْنِ امْرَأَتِهِ، قَالَ: " يُلَاعَنْهَا "». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ لَا يَرَى المُلاعَنْة بِالحَمْلِ». ذكر الطحاوي أن الحديث الأول مختصر اختصره من رواه فغلط وتوهم أن اللعان بالحمل، ولكن أصل الحديث يفيد أن اللعان كان بالقذف (١). ٧ - نِكَاحُ المُلاَعَنِ بَعْدَ المُلاَعَنَةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ شَهِدَ المُتَلاعَنْيْنِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: " يَا رَسُولَ اللهِ، كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَنَا أَمْسَكْتُهَا "». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا». وعن ابن عمر مثل ذلك. - «وذُكِرَ أنَّ أبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَتَزَوَّجُهَا إِذَا [أَكْذَبَ] نَفْسَهُ "». ذهب الجمهور إلى أن الفرقة إذا حصلت بعد اللعان، فلا يحل للمتلاعنين أن يجتمعا ويتزوجا أبدًا، وإن كذب الزوجه نفسه. وقال أبو حنيفة وجماعة: «إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ [جُلِدَ الْحَدَّ]، وَكَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ»، لأنه إذا كذب نفسه فقد بطل حكم اللعان فكما يلحق به الولد كذلك ترد المرأة عليه وذلك أن السبب الموجب للتحريم إنما هو الجهل بتعين صدق أحدهما، مع القطع بأن أحدهما كاذب، فإذا انكشف ارتفع التحريم (٢). فالخلاف إنما هو في تأويل الحديث.

стр. 525

٨ - اخْتِيَارُ الأَرْبَعِ مِنَ الزَّوْجَاتِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، «فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " الأَرْبَعُ الأُوَلُ "». ذكر الطحاوي أن أبا حنيفة قال: «إِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ , فَنِكَاحُهُنَّ كُلُّهُنَّ بَاطِلٌ , وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ , وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ , فَنِكَاحُ الأَرْبَعِ الأُوَلِ مِنْهُنَّ ثَابِتٌ , وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِهِنَّ». وأجاب عن الحديث السابق: بِـ «" أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ "، وأثبت حجته في ذلك، وعلى فرض صحته فإنه يحمل على أن غيلان قد تزوج هذا العدد قبل أَنْ يُحَرِّمَ اللهُ الزِّيَادَةَ عَلَى الأَرْبَعِ، أما من تزوج في دار الشرك أكثر من أربع بعد نزول التحريم: فإن كان في عقدة واحدة فهو فاسد، وإن كان متفرقًا فالزائد على الأربع وقع فاسدًا لأنه يرد حكمه إلى حكم المسلمين، كما لو تزوج أخته وهو مشرك، فإنه لا يقر على إذا أسلم» (١). والواقع أن هذا تأويل بعيد لا يظاهره فيه الحديث. ٩ - اسْتِئْنَافُ النِّكَاحِ بَعْدَ إِسْلاَمِ زَوْجَتِهِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ بِنِكَاحِهَا الأَوَّلِ». وعن الشعبي مُرْسَلاً مثل ذلك. - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَسْتَأْنِفُ النِّكَاحَ "». ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، فإن أسلم في عدتها كان أحق بها: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ

стр. 526

الكُفْرِ إِلاَّ فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إِلاَّ أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا» (١). وقد ذهب الطحاوي إلى أنها متى أسلمت وخرجت من دار الكفر فإنها تبين من زوجها ولا سبيل لزوجها عليها إلا إذا أسلم وبنكاح جديد، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ». كَمَا رَوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ , تَكُونُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ أَوِ اليَهُودِيِّ , فَتُسْلِمُ هِيَ , قَالَ «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا , الإِسْلاَمُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ». فإذا كان هذا رأيه في الكتابية، فأولى أن يكون فيمن تسلم وزوجها مشرك. وقد ذكر أن مذهب أبي حنيفة «فِي الْحَرْبِيَّةِ , إِذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الحَرْبِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ، فَإِمَّا أَنْ تُقِيمَ فِي دَارِ الحَرْبِ، أَوْ تَخْرُجَ مُهَاجِرَةً إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مُهَاجِرَةً بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِالهِجْرَةِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَإِنْ أَقَامَتْ فِي دَارِ الحَرْبِ وَأَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا فَزَوَاجُهُمَا قَائِمٌ وَإِنْ انْتَهَتْ العِدَّةُ دُونَ أَنْ يُسْلِمَ بَانَتْ مِنْهُ. كَمَا نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ سَبَبَ الاِخْتِلَافِ فِي رَدِّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ، فَعَلَى حِينِ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَلَى النِّكَاحِ الأَوَّلِ، يَرْوِي ابْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّهُ جُدِّدَ لَهَا نِكَاحٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَبَيَّنَ أَنَّ الأَوَّلَ لَمْ يَعْلَمْ بِتَحْرِيمِ رُجُوعِ المُؤْمِنَاتِ إِلَى الكُفَّارِ فِي سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ، وَأَنَّ الثَّانِي عَلِمَ ذَلِكَ، فَكِلَاهُمَا يُفَسِّرَانِ الوَاقِعَةَ بِاجْتِهَادِهِمَا، لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » (٢).

стр. 527

مَا انْتَقَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي البُيُوعِ: ١ - بَيْعُ المُدَبَّرِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غُلاَمًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَاشْتَرَاهُ النَّحَّامُ - نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ الأَوَّلِ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُبَاعُ "». التدبير: هو عتق الرجل مملوكه بعد الموت بأن يقول لعبده مثلاً: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرُّ. وقد رأى بعض العلماء أنه عقد لازم لا يجوز للسيد الرجوع فيه، منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي. ورأى بعضهم أنه عقد غير لازم يحق للسيد الرجوع فيه كالوصية. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث. والحديث المتقدم ليس فيه لفظ عن النبي ﷺ ، إنما هو حكاية حال، يدخلها الاحتمال، بأن يكون الرجل الذي دبر سفيهًا، أو غير ذلك، ولذلك قيد في الحديث بأن الرجل لم يكن له مال غيره. فالاختلاف إنما هو في تأويل الحديث (١). ٢ - حُكْمُ بَيْعِ المُصَرَّاةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».

стр. 528

ورواه عن ابن سيرين مُرْسَلاً، ثم قال: - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ بِخِلافِهِ». هذه المسألة من المسائل المشهورة التي أخذها العلماء على أبي حنيفة، واتضح فيها مخالفته للحديث. وقد ذكر الطحاوي أن هذا الحديث منسوخ، وساق وجوهًا لنسخه، رضي بعضها ولم يرض سائرها (١)، وذكر آخرون أن أبا حنيفة قد رد هذا الحديث لمخالفته الأصول، فهو معارض بالحديث: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، ومعارض بالمنع من بيع طعام بطعام نسيئة، ومعارض بأن الأصل في المتلفات إما القيمة وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر بدل اللبن ليس قيمة ولا مثلاً، ومنها بيع الطعام المجهول أي الجزاف بالمكيل المعلوم (٢). وقد ذكرنا من قبل أن أبا حنيفة لا يعتمد على السند فقط في نقده الحديث، بل يضيف إلى ذلك النظر إلى المتن أيضًا (٣). فالاختلاف هنا هو اختلاف في صحة الحديث، وإن كان رأي أبي حنيفة في ذلك مرجوحًا. ٣ - بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بَدْوِ صَلاَحِهِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ [صَلاَحُهُ]». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «[نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ] حَتَّى تُحْرَزَ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ». وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، [قَالَ]: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، قَالُوا: وَمَا بُدُوُّ صَلاَحِهَا؟ قَالَ: تَذْهَبُ عَاهَاتُهَا وَيَخْلُصُ طَيِّبُهَا». وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 529

«" نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ ". قُلْتُ: وَمَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْرَزَ». عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «" نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ [ثَمَرِ] النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ "، فَقِيلَ لأَنَسٍ: مَا زَهْوُهُ؟ قَالَ: يَحْمَرُّ، أَوْ يَصْفَرُّ». ثُمَّ قَالَ: - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا بَأْسَ بِبيعِهِ بَلَحًا، وَهُوَ خِلاَفُ الأَثَرِ "». أجمع العلماء على أن الثمرة قبل أن تخلق ممنوع بيعها، وبعد أن تظهر الثمرة يجوز عند الجمهور بيعها بعد أن يبدو صلاحها. وذهب أبو حنيفة إلى جواز بيعها قبل بدو صلاحها إلا أن يلزم المشتري أن يقطع الثمرة بعد الشراء. وقد ذكر الطحاوي أن الآثار في النهي عن بيع الثمرة قبل ظهور نضجها آثار صحيحة لكنهم يختلفون مع الجمهور في تأويلها، وحمل الآثار في ذلك على بيع الثمرة قبل أن تخلق أو السلم في الثمرة، أو أنها محمولة على الندب، بدليل الحديث الثابت: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». فلما جاز أن يشترطه المبتاع جاز بيعه مفردًا، وبدليل ما روى من الحديث الثابت الذي يفيد أن سبب النهي هو كثرة الخصومات في ذلك، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال كالمشورة يشير بها عليهم: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ» (١). فسبب الخلاف هو الاختلاف في تأويل الحديث. ٤ - ثَمَنُ الكَلْبِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ مَهْرِ

стр. 530

البَغِيِّ، وَثَمَنِ الكَلْبِ». وعن أبي هريرة مثل ذلك، وَعَنْ جَابِرٍ، [قَالَ]: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ»، وعن ابن عباس وابن سيرين مثل ذلك. - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَخَّصَ فِي ثَمَنِ الكَلْبِ». ذكر الطحاوي أن النهي عن ثمن الكلب منسوخ بنسخ قتل الكلاب فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلاً بِقَتْلِ الكِلَابِ، ثُمَّ أَبَاحَ اقْتِنَاءَ بَعْضِهَا وهي كلاب الصيد والحراسة، وقد روى عطاء حديث النهي عن ثمن الكلب، ومع ذلك روي عنه أنه كان لا يرى بأسًا بثمن الكلب السلوقي. وهذا دليل على أنه كان يرى النسخ، وكذلك روي عن ابن شهاب الزهري أنه قال: «إِذَا قُتِلَ الكَلْبُ المُعَلَّمُ , فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ قِيمَتَهُ فَيَغْرَمُهُ الذِي قَتَلَهُ». مع العلم بأن الزهري ممن روى أن ثمن الكلب سحت. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ «لَا يَرَى بَأْسًا بِثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ» (١). وقد ذكر ابن العربي أن كل ما جاز اقتناؤه وانتفع به صار مَالاً، وأن الصحيح في الدليل جواز بيع الكلب المنتفع به. وبه قال أبو حنيفة (٢). ٥ - بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: «" أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ " قُلْنَا: " نَعَمْ "، قَالَ: " فَنَهَى عَنْهُ "». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ كَرِهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ: " هُوَ أَقَلُّهُمَا فِي المِكْيَالِ، أَوْ فِي الْقَفِيزِ "». وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً». وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أنَّهُ كَرِهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَقَالَ: «الرُّطَبُ مُنْتَفِخٌ، وَالتَّمْرُ ضَامِرٌ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا بَأْسَ بِهِ "».
следующие страницы →