← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122392

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

عبد المجيد محمود

Полный текст (783 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الكُفْرِ إِلاَّ فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إِلاَّ أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا» (١). وقد ذهب الطحاوي إلى أنها متى أسلمت وخرجت من دار الكفر فإنها تبين من زوجها ولا سبيل لزوجها عليها إلا إذا أسلم وبنكاح جديد، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ». كَمَا رَوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي اليَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ , تَكُونُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ أَوِ اليَهُودِيِّ , فَتُسْلِمُ هِيَ , قَالَ «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا , الإِسْلاَمُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ». فإذا كان هذا رأيه في الكتابية، فأولى أن يكون فيمن تسلم وزوجها مشرك. وقد ذكر أن مذهب أبي حنيفة «فِي الْحَرْبِيَّةِ , إِذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الحَرْبِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ، فَإِمَّا أَنْ تُقِيمَ فِي دَارِ الحَرْبِ، أَوْ تَخْرُجَ مُهَاجِرَةً إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مُهَاجِرَةً بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِالهِجْرَةِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَإِنْ أَقَامَتْ فِي دَارِ الحَرْبِ وَأَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا فَزَوَاجُهُمَا قَائِمٌ وَإِنْ انْتَهَتْ العِدَّةُ دُونَ أَنْ يُسْلِمَ بَانَتْ مِنْهُ. كَمَا نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ سَبَبَ الاِخْتِلَافِ فِي رَدِّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ، فَعَلَى حِينِ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَلَى النِّكَاحِ الأَوَّلِ، يَرْوِي ابْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّهُ جُدِّدَ لَهَا نِكَاحٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَبَيَّنَ أَنَّ الأَوَّلَ لَمْ يَعْلَمْ بِتَحْرِيمِ رُجُوعِ المُؤْمِنَاتِ إِلَى الكُفَّارِ فِي سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ، وَأَنَّ الثَّانِي عَلِمَ ذَلِكَ، فَكِلَاهُمَا يُفَسِّرَانِ الوَاقِعَةَ بِاجْتِهَادِهِمَا، لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » (٢).

стр. 527

مَا انْتَقَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي البُيُوعِ: ١ - بَيْعُ المُدَبَّرِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غُلاَمًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَاشْتَرَاهُ النَّحَّامُ - نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ الأَوَّلِ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُبَاعُ "». التدبير: هو عتق الرجل مملوكه بعد الموت بأن يقول لعبده مثلاً: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرُّ. وقد رأى بعض العلماء أنه عقد لازم لا يجوز للسيد الرجوع فيه، منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي. ورأى بعضهم أنه عقد غير لازم يحق للسيد الرجوع فيه كالوصية. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث. والحديث المتقدم ليس فيه لفظ عن النبي ﷺ ، إنما هو حكاية حال، يدخلها الاحتمال، بأن يكون الرجل الذي دبر سفيهًا، أو غير ذلك، ولذلك قيد في الحديث بأن الرجل لم يكن له مال غيره. فالاختلاف إنما هو في تأويل الحديث (١). ٢ - حُكْمُ بَيْعِ المُصَرَّاةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».

стр. 528

ورواه عن ابن سيرين مُرْسَلاً، ثم قال: - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ بِخِلافِهِ». هذه المسألة من المسائل المشهورة التي أخذها العلماء على أبي حنيفة، واتضح فيها مخالفته للحديث. وقد ذكر الطحاوي أن هذا الحديث منسوخ، وساق وجوهًا لنسخه، رضي بعضها ولم يرض سائرها (١)، وذكر آخرون أن أبا حنيفة قد رد هذا الحديث لمخالفته الأصول، فهو معارض بالحديث: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، ومعارض بالمنع من بيع طعام بطعام نسيئة، ومعارض بأن الأصل في المتلفات إما القيمة وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر بدل اللبن ليس قيمة ولا مثلاً، ومنها بيع الطعام المجهول أي الجزاف بالمكيل المعلوم (٢). وقد ذكرنا من قبل أن أبا حنيفة لا يعتمد على السند فقط في نقده الحديث، بل يضيف إلى ذلك النظر إلى المتن أيضًا (٣). فالاختلاف هنا هو اختلاف في صحة الحديث، وإن كان رأي أبي حنيفة في ذلك مرجوحًا. ٣ - بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بَدْوِ صَلاَحِهِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ [صَلاَحُهُ]». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «[نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ] حَتَّى تُحْرَزَ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ». وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، [قَالَ]: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، قَالُوا: وَمَا بُدُوُّ صَلاَحِهَا؟ قَالَ: تَذْهَبُ عَاهَاتُهَا وَيَخْلُصُ طَيِّبُهَا». وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 529

«" نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ ". قُلْتُ: وَمَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْرَزَ». عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «" نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ [ثَمَرِ] النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ "، فَقِيلَ لأَنَسٍ: مَا زَهْوُهُ؟ قَالَ: يَحْمَرُّ، أَوْ يَصْفَرُّ». ثُمَّ قَالَ: - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا بَأْسَ بِبيعِهِ بَلَحًا، وَهُوَ خِلاَفُ الأَثَرِ "». أجمع العلماء على أن الثمرة قبل أن تخلق ممنوع بيعها، وبعد أن تظهر الثمرة يجوز عند الجمهور بيعها بعد أن يبدو صلاحها. وذهب أبو حنيفة إلى جواز بيعها قبل بدو صلاحها إلا أن يلزم المشتري أن يقطع الثمرة بعد الشراء. وقد ذكر الطحاوي أن الآثار في النهي عن بيع الثمرة قبل ظهور نضجها آثار صحيحة لكنهم يختلفون مع الجمهور في تأويلها، وحمل الآثار في ذلك على بيع الثمرة قبل أن تخلق أو السلم في الثمرة، أو أنها محمولة على الندب، بدليل الحديث الثابت: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». فلما جاز أن يشترطه المبتاع جاز بيعه مفردًا، وبدليل ما روى من الحديث الثابت الذي يفيد أن سبب النهي هو كثرة الخصومات في ذلك، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال كالمشورة يشير بها عليهم: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ» (١). فسبب الخلاف هو الاختلاف في تأويل الحديث. ٤ - ثَمَنُ الكَلْبِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ مَهْرِ

стр. 530

البَغِيِّ، وَثَمَنِ الكَلْبِ». وعن أبي هريرة مثل ذلك، وَعَنْ جَابِرٍ، [قَالَ]: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ»، وعن ابن عباس وابن سيرين مثل ذلك. - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَخَّصَ فِي ثَمَنِ الكَلْبِ». ذكر الطحاوي أن النهي عن ثمن الكلب منسوخ بنسخ قتل الكلاب فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلاً بِقَتْلِ الكِلَابِ، ثُمَّ أَبَاحَ اقْتِنَاءَ بَعْضِهَا وهي كلاب الصيد والحراسة، وقد روى عطاء حديث النهي عن ثمن الكلب، ومع ذلك روي عنه أنه كان لا يرى بأسًا بثمن الكلب السلوقي. وهذا دليل على أنه كان يرى النسخ، وكذلك روي عن ابن شهاب الزهري أنه قال: «إِذَا قُتِلَ الكَلْبُ المُعَلَّمُ , فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ قِيمَتَهُ فَيَغْرَمُهُ الذِي قَتَلَهُ». مع العلم بأن الزهري ممن روى أن ثمن الكلب سحت. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ «لَا يَرَى بَأْسًا بِثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ» (١). وقد ذكر ابن العربي أن كل ما جاز اقتناؤه وانتفع به صار مَالاً، وأن الصحيح في الدليل جواز بيع الكلب المنتفع به. وبه قال أبو حنيفة (٢). ٥ - بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: «" أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ " قُلْنَا: " نَعَمْ "، قَالَ: " فَنَهَى عَنْهُ "». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ كَرِهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ: " هُوَ أَقَلُّهُمَا فِي المِكْيَالِ، أَوْ فِي الْقَفِيزِ "». وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً». وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أنَّهُ كَرِهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَقَالَ: «الرُّطَبُ مُنْتَفِخٌ، وَالتَّمْرُ ضَامِرٌ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا بَأْسَ بِهِ "».

стр. 531

هذه أول مرة يشرك ابن أبي شيبة أبا يوسف مع أبي حنيفة في النقد وقد أخطأ في ذلك، لأن أبا يوسف يخالف أبا حنيفة في ذلك ويقول بقول عامة المحدثين في كراهية هذا البيع، قال الترمذي: «وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا» (١). وقد ذكر الطحاوي أن أبا يوسف ومحمدًا خالفَا أبا حنيفة في هذه المسألة، ثم ذهب الطحاوي إلى رأي أبي حنيفة محتجًا له بأن الحديث الأول قد جاء في طرق صحيحة له ما يفيد أن النهي كان منصبًا على بيعه نسيئة (٢) وبالإضافة إلى أن حديث عبادة بن الصامت في الربويات يعارضه حيث اشترط في جواز البيع المماثلة والمساواة ولتنجيز، وهو يقتضي بظاهره أن المماثلة مشروطة حال العقد لا حال المآل (٣). ففي هذه المسألة اختلاف في تصحيح الحديث، واختلاف في الجمع بين الأحاديث المختلفة. ٦ - تَلَقِّي البُيُوعِ: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ تَلَقِّي البُيُوعِ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا: «لَا تَسْتَقْبِلُوا، وَلَا [تُحَفِّلُوا] (*)». وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، [قَالَ]: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ:" لاَ بَأْسَ بِهِ "». قد ذكرنا هذه المسألة في فصل (الاتجاه إلى الظاهر) وَبَيَّنَّا أن جمهور

стр. 532

الفقهاء قد رأى أن النهي يفيد التأثيم، ولكنه لا يخل بالعقد (١). فسبب الخلاف هو الاختلاف في تأثير النهي في العقود. ٧ - النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ: روى ابن أبي شيبة من عدة طرق، حديث: «لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، ثم قال: - «وُذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَخَّصَ فِيهِ». الواقع أن السبب الخلاف هنا هو سبب الخلاف في المسألة السابقة، مع البحث عن علة النهي، فمن أخذه على ظاهره منع من هذا البيع، ومن رأى أن العلة هي الضرر منعه حيث وقع الضرر، بدليل ما جاء في الحديث في بعض رواياته: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ». وقد روى الترخيص في هذا البيع عن عطاء، ومجاهد. وحكى الترمذي الأقوال في هذه المسألة فقال: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: كَرِهُوا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: " يُكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ بَاعَ فَالبَيْعُ جَائِزٌ "» (٢). ٨ - حُكْمُ العَرَايَا: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا». وَعَنْ سَهْلٍ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، يَقُولاَنِ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَنَةِ، إِلاَّ أَصْحَابَ العَرَايَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ». - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا [يَصْلُحُ] ذَلِك».

стр. 533

الاختلاف في هذه المسألة هو اختلاف في تأويل الحديث، يوضح الطحاوي ذلك، فيقول بعد أن يروي الطرق المختلفة لما جاء فيها من الآثار: «فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَوَاتَرَتْ فِي الرُّخْصَةِ فِي بَيْعِ العَرَايَا، وَقَبِلَهَا أَهْلُ العِلْمِ جَمِيعًا , وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي صِحَّةِ مَجِيئِهَا , وَتَنَازَعُوا فِي تَأْوِيلِهَا. فَقَالَ قَوْمٌ: العَرَايَا أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ [النَّخْلَةُ] وَالنَّخْلَتَانِ , فِي وَسَطِ النَّخْلِ الكَثِيرِ , لِرَجُلٍ آخَرَ. قَالُوا: وَقَدْ كَانَ أَهْلُ المَدِينَةِ , إِذَا كَانَ وَقْتُ الثِّمَارِ , خَرَجُوا بِأَهْلِيهِمْ إِلَى حَوَائِطِهِمْ , فَيَجِيءُ صَاحِبُ النَّخْلَةِ أَوِ النَّخْلَتَيْنِ بِأَهْلِهِ , فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِأَهْلِ النَّخْلِ الكَثِيرِ. فَرَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِصَاحِبِ النَّخْلِ الكَثِيرِ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ أَوِ النَّخْلَتَيْنِ خَرْصَ مَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ تَمْرًا , لِيَنْصَرِفَ هُوَ وَأَهْلُهُ عَنْهُ , وَيَخْلُصَ تَمْرُ الحَائِطِ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ الكَثِيرِ , فَيَكُونُ فِيهِ هُوَ وَأَهْلُهُ». ثم ذكر أن مالك بن أنس ممن فسرها هذا التفسير. وعلى هذا التفسير فبيع العرايا استثناء ورخصة من النهي الثابت في الأحاديث عن المحاقلة والمزابنة، والمحاقلة: هي بيع ما في الحقول بالحبوب كَيْلاً، والمزابنة هي خرص ما على رؤوس النخل من الثمار وبيعها بتمر مكيل، إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ. أما أبو حنيفة فقد فسر العرية، بالعطية والهبة، بأن يهب صاحب النخل لرجل ثمار نخلة أو نخلتين، ثم يغير رأيه قبل أن يسلمها له، فرخص له أن يحبس ذلك، ويعطيه مكانه خرصه تمرًا. وعلى هذا التأويل تكون العارية بعيدة عن معنى المزابنة، إذ ليس هناك بيع، لأن المعطي لم يكن تم له قبض النخل (١).

стр. 534

وقد جاء في " البخاري ": (بَابُ تَفْسِيرِ العَرَايَا. وَقَالَ مَالِكٌ: العَرِيَّةُ: أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ [النَّخْلَةَ]، ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: العَرِيَّةُ: لَا تَكُونُ إِلَّا بِالكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالجِزَافِ، وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: بِالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فِي حَدِيثِهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كَانَتْ العَرَايَا: أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ. وَقَالَ يَزِيدُ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: العَرَايَا: نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنَ التَّمْرِ) (١). وقال الترمذي بعد أن روى حديث العرايا: «وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالُوا: إِنَّ العَرَايَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ جُمْلَةِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَنَةِ ... وَمَعْنَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا لِأَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: لَا نَجِدُ مَا نَشْتَرِي مِنَ الثَّمَرِ إِلَّا بِالتَّمْرِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنْ يَشْتَرُوهَا فَيَأْكُلُوهَا رُطَبًا» (٢). ٩ - مَالُ العَبْدِ عِنْدَ البَيْعِ: وَبِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، ومثله عن جابر مرفوعًا. وعن عَلِيٍّ موقوفًا، وعن عطاء وابن أبي مليكة مُرْسَلاً، ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِنْ كَانَ مَالُ العَبْدِ أَكْثَرَ مِنَ الثَمَّنِ، لَمْ يَجِزْ ذَلِكَ "».

стр. 535

يبدو أن سبب الخلاف هنا، هو الاختلاف في أن هذا البيع يدخل في نطاق الربا أَوْ لَا. فالمحدثون لا يدخلونه في الربويات، أو يستثنونه منها وقوفًا عند الحديث، وأبو حنيفة والشافعي يأخذون بالحديث إلا إذا كان البيع مفضيًا إلى الربا [فيمنعونه]، لأن الحديث جاء فيه: «إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، فوجب أن يكون هذا الاشتراط جاريًا على حكم الشرع (١). ١٠ - خِيَارُ الشَّرْطِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ». وَعَنْ الحَسَنِ مُرْسَلاً: «لَا عُهْدَةَ فَوْقَ أَرْبَعٍ». وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، [قَالَ]: «إِنَّمَا جَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عُهْدَةَ الرَّقِيقِ ثَلاَثَةً، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو: " قُلْ: لَا خِلاَبَةَ، إِذَا بِعْتَ بَيْعًا، فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ [ثَلاَثًة]». «وَكَانَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (*) يُعَلِّمَانِ العُهْدَةُ فِي الرَّقِيقِ: الحُمَّى، وَالبَطْنِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَعُهْدَةٌ سَنَةٌ فِي الجُنُونِ وَالْجُذَامِ»، ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِذَا افْتَرَقَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ إِلاَّ بِعَيْبٍ كَانَ بِهَا "». الأصل هو أن البيع يلزم بمجرد العقد، وثبوت الخيار ينافي هذا الأصل فلا يستثنى منه إلى ما جاء به النص، وهو ثلاثة أيام في حديث منقذ السابق. هذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي، حيث ذهبا إلى جواز اشتراط الخيار ثلاثة أيام في مجلس العقد في غير الأموال الربوية لا يزاد عليها، فإذا تم العقد بالإيجاب والقبول من غير اشتراط ثلاثة أيام في مجلس العقد، لا يكون للمشتري رد البيع إلا بعيب كان فيها عند أبي حنيفة. أما أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق فقد رأوا امتداد الخيار إلى الأجل

стр. 536

المتفق عليه طال أو قصر، ويرى مالك اختلاف المدد باختلاف المبيع والعيب (١). ١١ - خِيَارُ المَجْلِسِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ». كَمَا رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَريبًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَجُوزُ البَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا "». خالف أبو حنيفة ومالك والثوري هذا الحديث، وهذه المسألة مشهورة في كتب الخلاف - وسبب مخالفة هذا الحديث، إما لأن عمل أهل المدينة ليس عليه، وإما لتأويله بالافتراق بالأقوال (٢). ١٢ - النَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " قدْ أَخَذْتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَك ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ "». وفي رواية عن جابر قال: «بِعْتُهُ مِنْهُ بِأُوقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ المَدِينَةَ أَتَيْتهُ، فَنَقَدَنِي، وَقَالَ: " أَتُرَانِي إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَك وَمَالَك؟ فَهُمَا لَكَ "». - «وَذَكَرُوا أَنَّ أَبَا حَنِيفَة كَانَ لَا يَرَاهُ». وسبب الاختلاف هنا، هو اختلاف الحديث، فحديث جابر السابق يفيد جواز البيع المشروط، وهناك حديث ثالث: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ». أي كل شرط ينافي مقتضى العقد. ولذلك اختلف العلماء في البيع والشرط: فقال قوم: البيع فاسدٌ،

стр. 537

ومن هؤلاء أبو حنيفة والشافعي، وقال آخرون: «البَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ» منهم ابن شبرمة. وقال فريق ثالث: «البَيْعُ جَائِزٌ مَعَ شَرْطٍ وَاحِدٍ»، أما مع شرطين فلا، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال ابن أبي ليلى: «البَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ» (١). ١٣ - اشْتِرَاطُ الوَلاَءِ لِلْبَائِعِ فِي البَيْعِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ [قَالَتْ]: «أَرَادَ أَهْلُ بَرِيرَةَ أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا الوَلاَءَ، فَذَكَرَتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ "»، وعن ابن عباس وابن عمر مثل ذلك. - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " هَذَا الشِّرَاءُ فَاسِدٌ لَا يَجُوز "». هذه المسألة تتعلق بسابقتها من أن أبا حنيفة لا يجيز البيع المشروط، والشرط المنافي لمقتضى العقد يفسد العقد عنده، أما هذا الحديث فقد حققه الطحاوي وأثبت أن بريرة كانت مكاتبة، وأنها جاءت تستعين بالسيدة عائشة التي عرضت عليها أن تدفع الأقساط المستحقة على بريرة دفعة واحدة على أن يكون ولاؤها لها، فلما عرضت بريرة ذلك على مواليها رفضوا واشترطوا لهم الولاء. فقال النبي ﷺ لِعَائِشَةَ: اشتريها ثم أعتقيها فيكون لك الولاء، أما أن تودي عنها ما كانت عليه، فإن الولاء سوف يكون لهم، لأنهم تولوا عقد الكتابة، فإنما الولاء لمن أعتق (٢). ١٤ - الوَكَالَةُ فِي الشِّرَاءِ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عُرْوَةَ البَارِقِيِّ دِينَارًا لِيَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَرَكَةِ

стр. 538

فِي بَيْعِهِ»، كما روي عن حكيم بن حزام مثل ذلك. - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَضْمَنُ إِذَا بَاعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ "». انتقاد أبي حنيفة هنا غير واضح، إذ ليس في الحديث ما ينفي أن الوكيل يضمن إذا أساء التصرف. ١٥ - البُرُّ بِالبُرِّ مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ (*) مَرْفُوعًا: «البُرُّ بِالبُرِّ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ». وَعَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا: «الشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ»، وعن أبي سعيد مثل ذلك. ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَة كَاَن يَقُولَ: " لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الحِنطَةِ الغَائِبَةِ بِعَيْنِها بِالحِنْطَةِ الحَاضِرَةِ». لم يقل أبو حنيفة ذلك، بل المجمع عليه أن الربويات لا تباع إلا مثلاً بمثل، يَدًا بِيَدٍ. ١٦ - شِرَاءُ السَّيْفِ المُحَلَّى بِنَوْعِ حِلْيَتِهِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ مُعَلَّقَةٌ بِذَهَبٍ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: " لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ مَا بَيْنَهُمَا "، قَالَ: " إِنَّمَا أَرَدْتُ الحِجَارَةَ "، قَالَ: " لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ مَا بَيْنَهُمَا "، قَالَ: فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ». وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِأَرْضِ فَارِسَ: أَلاَّ تَبِيعُوا السُّيُوفَ فِيهَا حَلَقَةُ فِضَّةٍ بِدِرْهَمٍ». وَعَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «سُئِلَ شُرَيْحٌ عَنْ طَوْقٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ فُصُوصٌ، قَالَ: " تُنْزَعُ الْفُصُوصُ، ثُمَّ يُبَاعُ الذَّهَبُ وَزْنًا بِوَزْنٍ "». وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيَّ أَنَّهُمَا أَفْتَيَا بِذَلِكَ. - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيهِ بِالدَّرَاهِمِ "». ذكر الطحاوي أن أبا حنيفة فرق بين أن تكون القلادة أو السيف لا يعلم مقدار ما فيهما إلا من الذهب أن يفصل الذهب ويوزن - فإنه

стр. 539

لا يجوز بيعها بالذهب حينئذٍ إلا بعد أن يفصل الذهب ويوزن لتعلم عائلته الثمن، أما إن كان يعلم أن الذهب الذي في المبيع أقل من الثمن الذي بيع به فإن البيع جائز، دون حاجة إلى فصل الذهب عن المبيع، ويكون جزء من الثمن في مقابل الذهب الذي هو الحلية، والجزء الباقي ثمنًا لما كانت الحلية فيه. وعلى هذا فقد أول الحديث بأن الرد كان من أجل أن الثمن كان أقل من وزن الحلية، أو يساويها (١). وقد ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة بعض التابعين وسفيان الثوري (٢). ١٧ - الاِنْتِفَاعُ بِالمَرْهُونِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ نَفَقَتُهُ». كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا:، قَالَ: «الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا يُنْتَفَعُ بِهِ [وَلَا يُرْكَبُ]». ذكر الطحاوي أن هذا الحديث مجمل، لأنه يحتمل أن المنتفع بالرهن هو الرهن، كما يحتمل أنه المرتهن، ثم رجح أنه نسخ بتحريم الربا وبكل قرض جر منفعة (٣). • • • وبعد أن عرضنا المسائل الخاصة بالبيوع التي ادعى ابن أبي شيبة على أبي حنيفة أنه خالف فيها الآثار - ننتقل منها إلى عرض سريع لمسائل القضاء والحدود، وعددها سبع عشرة مسألة.

стр. 540

المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي القَضَاءِ وَالقَصَاصِ وَالحُدُودِ: ١ - قَضَاءُ القَاضِي بِشَهَادَةِ الزُّورِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْكُمْ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ، يَأْتِي بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ». وبعد أن روى هذا الحديث من طريقين آخرين قال: - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ شَاهِدَيْ زُورٍ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ، فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا، أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا». هل حكم الحاكم يجعل الشيء المختلف فيه حلالاً؟ لقد فرقوا في هذا الموضع بين ما كان مالاً وغيره. أما ما كان مالاً فقد أجمع العلماء على أن حكم الحاكم بحسب ما ظهر له لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً، بدليل ما جاء في الحديث السابق. ولكنهم اختلفوا في غير الأموال، كالنكاح والطلاق إذا حكم القاضي فيهما بناءً على ما ظهر له: فذهب الجمهور إلى أن حكم القاضي الظاهري لا يؤثر في حقيقة الأمر وباطنه. وَسَوَّوْا بين الأموال وغيرها في ذلك، فلو حكم القاضي بنكاح أو طلاق بناءً على شهادة شهود ظاهرهم العدالة، ولكنهم كذبوا في شهادتهم دون علم من القاضي، فإن هذا القضاء لا يحل ما هو حرام في الواقع، ولا يحرم ما هو حلال في الواقع، وإلى ذلك ذهب أبو يوسف، أما أبو حنيفة،

стр. 541

فقد قال: إن هذا الحكم ينفذ ظاهرًا وباطنًا، واستند في ذلك إلى أن الحكم باللعان يوجب الفرقة، ويحرم المرأة على زوجها، ويحلها [لغيره] مع أن أحد المتلاعنين كاذب لا محالة (١). فسبب الخلاف هو معارضة حديث اللعان لغير الأموال في هذا الحديث وهذه المسألة مما يوضح الاتجاه الخلقي النفسي عند أهل الحديث. كما يبرز التمسك بقانون الظاهر عند أبي حنيفة. ٢ - شُهُودُ الرَّضَاعَةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: «تَزَوَّجْتُ ابْنَةَ أَبِي إهَابٍ التَّمِيمِيِّ فَلَمَّا كَانَتْ صَبِيحَةُ مِلْكِهَا جَاءَتْ مَوْلاَةٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ , فَقَالَتْ: " إنِّي أَرْضَعْتُكُمَا " فَرَكِبَ عُقْبَةُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِالمَدِينَةِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَقَدْ سَأَلْتُ أَهْلَ الجَارِيَةِ فَأَنْكَرُوا , فَقَالَ: " كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ " فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ غَيْرَهُ». وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَجُوزُ فِي الرَّضَاعَةِ مِنَ الشُّهُودِ؟ قَالَ: " رَجُلٌ، أَوِ امْرَأَةٌ "». - «وذُكِرَ أنَّ أبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَجُوزُ إِلَّا أَكْثَرُ "». شهادة النساء منفردات عن الرجال مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبًا، مثل الولادة وعيوب النساء وقد أخرج أبو حنيفة الرضاع من هذا، إذ يمكن الرجال أن يطلعوا عليه، وأجاب عن الحديث بأنه كان للتنزيه والإرشاد للابتعاد عن مواقف التهم. والذين قالوا بقبول شهادة النساء في الرضاعة، لم يلتزموا الحديث تمامًا، بل اختلفوا في العدد بين شهادة امرأة واحدة أو شهادتهما مع يمينها.

стр. 542

كما يقول أحمد وإسحاق تبعًا لابن عباس. أو لا بد من أربع نسوة كما يقول الشافعي (١). ٣ - القَسَامَةُ: وَبِسَنَدِهِ مِنْ ثَلاَثَةِ طُرُقٍ، بألفاظ وإضافات مختلفة، «أَنَّ الأَنْصَارَ وَجَدُوا قَتِيلاً لَهُمْ بِالقُرْبِ مِنْ حَيٍّ لِلْيَهُودِ، فَاتَّهَمَ الأَنْصَارُ اليَهُودَ بِقَتْلِهِ، وَجَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِلأَنْصَارِ: " أَتَحْلِفُونَ؟ "، فَقَالُوا: مَا نَحْلِفُ؟ وَلَمْ يَرْضُوا بِحِلْفِ اليَهُودِ، فَوَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا تُقْبَل أَيْمَانُ الذِين يَدَّعُونَ الدَّمَ "». سبب الخلاف أن ألفاظ هذا الحديث مختلفة، وأنه معارض بأحاديث صحيحة، وهي أن «البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى , وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». وبحديث «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ». وهذه الأحاديث تثبت أن المدعي لا يجب له الحق بناءً على يمينه، وبناءً على ذلك ذهب أبو حنيفة والثوري وكثير من الصحابة والتابعين، أنه يبدأ في القسامة بأيمان المدعى عليهم، فيحلفون، ثم يغرمون الدية، هذا إذا لم يكن للمدعي بينة. وتحليف المدعى عليهم حينئذٍ يدفع عنهم القصاص دون الدية، وفي حديث البخاري ما يثبت ذلك حيث فيه: «" تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى [مَنْ قَتَلَهُ] "، قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: " فَيَحْلِفُونَ " قَالُوا: لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ اليَهُودِ ...». أما مالك والشافعي وأحمد فيرون استحلاف المدعين أن فلانًا هو القاتل فإذا حلف خمسون منهم هكذا، ترتب الحكم عليه، وقد ذهب البخاري إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، ورواه عن عدد من الصحابة والتابعين وكذلك الطحاوي (٢).

стр. 543

٤ - القَضَاءُ بِيَمِينِ الشَّاهِدِ: رَوَى بِسَنَدِهِ حَدِيثَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ». «وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَجُوزُ ذَلِكَ "». سبب الخلاف هنا هو تضعيف الأحاديث في القضاء بشاهد ويمين، وعجزها عن معارضة الأصول الثابتة من القرآن والسنة، من وجوب شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وبأنه لا يحكم بشهادة من جر إلى نفسه مغنمًا أو دفع عنها مغرمًا. وقد أحسن الطحاوي عرض هذا الموضوع. وَنُقِلَ عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ حَكَمَ بِهِ» (١)، وقد سبق أن ذكرنا أن البخاري يرى رأي أبي حنيفة في هذه المسألة، كما يوافقه أيضًا الثوري والأوزاعي والليث وجمهور أهل العراق، وكانت هذه المسألة من المسائل التي أنكرها الليث على مالك في " رسالته " إليه (٢). ٥ - قَتْلُ الحُرِّ بِالعَبْدِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ الحَسَنِ مُرْسَلاً: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعَناهُ». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُقْتَلُ بِهِ "». هذا الحديث ضعيف لم يقل به جمهور الأمصار وقد أثر القول به عن إبراهيم النخعي، أما مالك والشافعي وأحمد، فقد قالوا: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ».، لا فرق بين أن يكون المقتول عبد نفسه أو عبد غيره، لمفهوم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري إلى «أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنَ الحُرِّ إِذَا قَتَلَ عَبْدَ غَيْرِهِ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إِذَا قَتَلَ عَبْدَ نَفْسِهِ» (٣).

стр. 544

٦ - فَقْءُ عَيْنِ المُتَطَلِّعِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قال: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: " لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْك، إِنَّمَا الاِسْتِئْذَانُ مِنَ البَصَرِ "». وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي بَيْتِهِ , فَاطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ خَلَلِ البَابِ , فَسَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَهُ بِمِشْقَصٍ. فَتَأَخَّرَ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ حَلَّ [لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا] عَيْنَهُ». وَعَنْ هُزَيْلٍ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَضْمَنُ "». سبب الخلاف هنا هو الاختلاف في التأويل، فمن العلماء من حمل الحديث على ظاهره، وحمله أبو حنيفة ومالك على الترهيب والتغليظ، لأن الله أباح العين بالعين، لا بجناية النظر (١). ٧ - مَا تُتْلِفُهُ المَاشِيَةُ بِاللَّيْلِ: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ ؛ أَنَّ حِفْظَ الأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتِ المَاشِيَةُ بِاللَّيْلِ». وَعَنِ الشَّعْبِيِّ؛ «أَنَّ شَاةً دَخَلَتْ عَلَى نَسَّاجٍ فَأَفْسَدَتْ غَزْلَهُ، فَلَمْ يُضَمِّنْ الشَّعْبِيُّ مَا أَفْسَدَتْ بِالنَّهَارِ». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " يَضْمَنُ "». ضعف هذا الحديث، وتعارضه مع الحديث الصحيح: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» أي هدر - هو سبب الخلاف هنا، وما دام سبب الخلاف مرجعه إلى الجمع أو الترجيح بين الآثار فلا يوصف المجتهد بمخالفة الأثر (٢).

стр. 545

٨ - كَسْرُ القَصْعَةِ وَضَمَانُهَا: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ حَفْصَةَ صَنَعَتْ طَعَامًا، وَأَرْسَلَتْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَغَارَتْ عَائِشَةُ ﵂، فَكَسَرَتْهَا، أَوْ أَمَرَتْ [جَارِيَتَهَا] بِكَسْرِهَا فَبَعَثَ النَّبِيِّ ﷺ قَصْعَةَ عَائِشَةَ إِلَى حَفْصَةَ بَدَلَ التِي كُسِرَتْ». وَعَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: «مَنْ كَسَرَ عُودًا فَهُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ بِخِلاَفِهِ، وَقَالَ: " عَلَيْهِ قِيَمتُهَا "». لم يصب ابن أبي شيبة في نسبة الخلاف إلى أبي حنيفة في هذه المسألة، لأن مذهبه في ضمان العدوان دفع المثل في المثليات، ودفع القيمة عند تعذر المثل، والقصعة قد تكون مثلية، وقد تكون قيمية، باختلاف الأزمان والبلدان. وعلى هذا سائر الأئمة، والحديث الذي استدل به أبو بكر بن أبي شيبة ليس من باب الضمان، لأن حجرتي عائشة وحفصة بما فيهما ملك للنبي ﷺ (١). ٩ - مَنْ وُجِدَ مَتَاعُهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». - «[وَذُكِرَ] أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " هُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ "». الخلاف هنا هو خلاف في تأويل الحديث، وقد حمله أبو حنيفة على الوديعة والعارية والغصب، لأنها هي التي يتصور فيها أنها متاع صاحب الحق. أما البيع عند المشتري المفلس، فهو متاع المشتري، بعد أن تم البيع وخرج من يد البائع، ويتم البيع بقبض المبيع لا بقبض الثمن، وقد روي قول أبي حنيفة هذا عن إبراهيم والحسن والشعبي (٢).

стр. 546

١٠ - قَتْلُ نَاكِحِ المَحَارِمِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ البَرَاءِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِرَأْسِهِ»، وبعد أن رواه بطريق آخر، قال جملته المعهودة: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الحَدُّ "». ذهب أبو حنيفة إلى أن ناكح المحارم، إن كان جاهلاً بالحرمة، فلا حد عليه ولا تعزير، وإن كان عالمًا بالحرمة سقط عنه الحد لشبهة العقد، ويعزر تعزيرًا شديدًا. وذهب صاحباه والأئمة الثلاثة وأهل الحديث إلى وجوب الحد عليه ومعاملته معاملة الزاني. وقد أجاب الطحاوي عن الحديث السابق بأنه قد جاء في بعض طرقه - وهو الطريق الآخر عند ابن أبي شيبة - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَقَدَ اللِّوَاءَ لِمَنْ أَرْسَلَهُ لِيَقْتُلَ نَاكِحَ زَوْجَةَ أَبِيهِ»، وعقد اللواء لا يكون إلا للمحارب، وهذا دليل على أن من فعل ذلك كان مرتدًا مستحلاً لما حرمه الله ورسوله، وبدليل أن بعض الطرق قد أثبتت أن النبي أمر بتخميس ماله. وقد ذهب الثوري إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة (١). ١١ - نَفْيُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، وَشِبْلٍ «أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: " أُنْشِدُك اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَهِ ... وَائْذَنْ لِي حَتَّى أَقُولَ "، قَالَ: " قُلْ "، قَالَ: " إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، وَإِنَّهُ زَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، فَسَأَلْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ "، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا

стр. 547

بِكِتَابِ اللهِ، المِائَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْك، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنَ اعْتَرَفْت فَارْجُمْهَا "». وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «خُذُوا عَنِي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، [الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالبِكْرُ بِالبِكْرِ، البِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ]» - «وذُكِرَ أنَّ أبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُنْفَى "». في بعض الأحاديث أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم، وفي بعضها الاكتفاء بالرجم، وبكل أخذ بعض العلماء، أما بالنسبة للزاني غير المحصن فإن القرآن اقتصر على الجلد في بيان عقوبته، وكذلك حديث: «إذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا»، وبذلك أخذ أبو حنيفة، وحمل النفي الذي في الحديث على أنه سياسة من قبل نفي أهل الدعارة إذا اقتضت المصلحة ذلك، بدليل أن النبي قد نفى غير الزاني، كما روى ذلك الطحاوي، وبدليل أن الزاني إذا كان امرأة فكيف يقال بتغريبها مع أنه قد ورد منعها من السفر إلا مع محرم (١) منها؟ وقد ذكرنا هذه المسألة في موضوع الزيادة على الكتاب. ١٢ - جَلْدُ السَّيِّدِ أَمَتَهُ إِذَا زَنَتْ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ الأَمَةِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ تُحْصِنَ؟ قَالَ: «اجْلِدُوهَا، فَإِنْ عَادَتْ فَاجْلِدُوهَا»، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ: «فَبِيعُوهَا وَلَوْ [بِضَفِيرٍ]». أي حبل. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ مِنْ شَعْرٍ». وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يَجْلِدْهَا سَيِّدُهَا "». ذكر في " الهداية ": «[وَلَا يُقِيمُ المَوْلَى] الحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إلاَّ بِإِذْنِ الإِمَامِ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ [المَقْصِدَ] مِنْهَا إخْلاَءُ الْعَالِمِ عَنْ الْفَسَادِ، وَلِهَذَا

стр. 548

لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ [العَبْدِ] فَيَسْتَوْفِيهِ مَنْ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الشَّرْعِ، وَهُوَ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ». وقد روي عن عدد من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا: «أَرْبَعٌ إلَى الوُلَّاةِ: الحُدُودُ، وَالصَّدَقَاتُ، وَالجُمُعَاتُ، وَالفَيْءُ» (١). ١٣ - رَجْمُ اليَهُودِيِّ وَاليَهُودِيَّةِ: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً». - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَيْسَ عَلَيْهِمَا رَجْمٌ "». ذهب مالك وأبو حنيفة إلى «أَنَّ الإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي إِحْصَانِ مَنْ يَزْنِي، وَاليَهُودِيُّ وَاليَهُودِيَّة قَدْ فَقَدَا هَذَا الشَّرْطَ»، وأجيب عن الحديث، بأنه يحكي واقعة حال، ولم يبين فيه هل كان حكمه قبل أن تشرع الحدود في الإسلام أولاً، وقد جاء في بعض طرقه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ» (٢) فسبب الخلاف هو الخلاف في تأويل الحديث. ١٤ - نِصَابُ قَطْعِ اليَدِ فِي السَّرِقَةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «قطَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مِجَنٍّ، قُوِّمَ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ». وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «[يُقْطَعُ] فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، قَالَ: " لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلِّ مِنْ عَشْرِةِ دَرَاهِم "». اتفق على أنه قد قطعت يد سارق، سرق في عهد النبي ﷺ مِجَنًّا أَوْ جُحْفَةً - أي ترسًا - ولكنهم اختلفوا في تقويم هذا المسروق، ما بين ثلاثة دراهم، أو عشرة، أو دينار، أو ربعه - فلما اختلفت في ذلك أخذ أبو حنيفة بالاحتياط، وهو عشرة دراهم، وقد روي ذلك عن ابن مسعود وعطاء وعمرو بن شعيب.

стр. 549

فسبب الاختلاف هنا هو في التقويم مما ترتب عليه اختلاف الترجيح (١). ١٥ - هِبَةُ المَسْرُوقِ لِلْسَّارِقِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ: «كَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الطُّلَقَاءِ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَنَحَّى لِيَقْضِيَ الحَاجَةَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَرَقَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَهُ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، قَالَ: " يَا رَسُولَ اللهِ، تَقْطَعُهُ فِي [رِدَاءٍ]؟ أَنَا أَهَبُهُ لَهُ "، قَالَ: " فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ "». ثم روى شبيهًا بهذا عن طاووس، ثم قال: - «وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " إِذَا وَهَبَهَا لَهُ دُرِئَ عَنْهُ الحَدَّ "». على الرغم من أن الأحاديث في ذلك مرسلة ومتكلم فيها، فقد أخذ بها جمهور الفقهاء ومنهم أبو حنيفة، وقد قال محمد بن الحسن بعد روايته للحديث في ذلك (*): «إِذَا رُفِعَ السَّارِقُ إِلَى الإِمَامِ أَوْ القَاذِفُ، فَوَهَبَ صَاحِبُ الحَدِّ حَدَّهُ، لَمْ يَنْبَغِ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَطِّلَ الحَدَّ، وَلَكِنَّهُ يُمْضِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا» (٢). لكن قد جاء في " الهداية " ما يؤكد اتهام ابن أبي شيبة، فإن صاحب " الهداية " يقول: «وَإِذَا قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِالقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ [فَوَهَبَهُ المَالِكُ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ] لَمْ يُقْطَعْ - مَعْنَاهُ إذَا سُلِّمَتْ إِلَيْهِ -، [أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ لَمْ يُقْطَعْ] وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، [قَالُوا]: لأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ تَمَّتْ انْعِقَادًا وَظُهُورًا» (٣). ١٦ - قَتْلُ مَنْ يَسُبَّ النَّبِيَّ ﷺ -: وَبِسَنَدِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ اليَهُودِ كَانَتْ تَسُبُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ

стр. 550

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَتَلَهَا أَحَدُ المُسْلِمِينَ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهَا». وَبِسَنَدِهِ عَنْ [شَيْخٍ] عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ [تَغَلَّبَ] عَلَى رَاهِبٍ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ بِالسَّيْفِ، وَقَالَ: " إِنَّا لَمْ نُصَالِحْكُمْ عَلَى شَتْمِ نَبِيِّنَا ﷺ "». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: " لَا يُقْتَل "». الأخبار في ذلك ضعيفة متكلم فيها. وأبو حنيفة يرى أن عهد الذمة لا ينتقض إلا أن يكون لهم منعة يقدرون معها على المحاربة، أو أن يلتحقوا بدار الحرب فيباح قتلهم لانتقاض عهدهم؛ فلا يقتل الذمي عنده بمجرد الانتقاض - والجمهور قد ذهب إلى قتل الشاتم فورًا (١). ١٧ - قَتْلُ المَرْأَةِ إِذَا ارْتَدَّتْ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». وَعَنْ الحَسَنِ فِي المُرْتَدَّةِ: «تُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَتْ، وَإِلَّا قُتِلَتْ»، وَكَذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَحَمَّادٍ. - «وَذَكَروا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ:" لَا تُقْتَلُ إِذَا ارْتَدَتْ "». نهى النبي ﷺ عن قتل النساء في الحرب وقد شبه أبو حنيفة المرتدة بالكافرة الأصلية في عدم القتل، واستثناها من عموم الأحاديث السابقة. ووجهه نظر الجمهور أوضح وأولى (٢).

стр. 551

المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ فِي الكَرَاهِيَة: ١ - اقْتِنَاءُ الكَلْبِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ زَرْعٍ، وَلَا صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». ثم روى روايات أخرى بهذا المعنى، وقال: - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِاِتِّخاذِهِ». ظاهر هذا الكلام أن أبا حنيفة يبيح اقتناء الكلب مطلقًا، وقد قدمنا في مسألة ثمن الكلب أنه لا يبيحه إلا لمنفعة، ويكره عنده اقتناؤه لغير منفعة. ٢ - إِنْفَاقُ الأَبِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَطْيَبُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ». وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي غَصَبَنِي مَالِي "، فَقَالَ: " أَنْتَ وَمَالُك لأَبِيكَ "». وروى مثل ذلك من طريق عمرو بن شعيب، وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ [مَا شَاءَ]، وَلَا يَأْكُلُ الْوَلَدُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ إِلَّا [بِإِذْنِهِ]»، ثم قال: - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا يَأْخُذُ مِنْ مالِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ». الاختلاف هنا هو في تأويل الحديث أو أخذه على ظاهره، وقد رأى

стр. 552

أبو حنيفة أن قوله ﷺ : «أَنْتَ وَمَالُك لأَبِيكَ» ليس على جهة التمليك، فكما أن الابن لا يصبح مملوكًا للأب فكذلك ماله، وإنما هو على جهة أن الابن لا ينبغي أن يخالف الأب، وأن يجعل أمر أبيه في ماله نافذًا. وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلَّنَّبِيِّ: «إِنَّمَا أَنَا وَمَالِي لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ». وبدليل أن جارية الابن ليست مباحة للأب (١). ٣ - حُكْمُ انْتِبَاذِ الخَلِيطَيْنِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَالبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا»، وفي بعض ألفاظه: «الزَّهْوُ وَالرُّطَبُ» أو «الزَّهْوُ وَالتَّمْرُ»، ثم قال: - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ». ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف هنا هو التردد في حمل النهي الوارد في الحديث على الحظر أو على الكراهة، وإذا حمل على الحظر فهل يؤدي في الحديث إلى فساد المنهي عنه أولاً؟. وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن النهي على الكراهة، لسرعة التخمر المؤدي إلى الإسكار في هذه الأنبذة، كما ذكر النسائي. أو أن النهي منصب على الخلط، إذا كان يؤدي إلى الإسكار، كما ذهب البخاري. ويلاحظ أن أبا حنيفة قد خالف الجمهور في عدم اعتباره للنبيذ خمرًا، وقصره إياها على عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد وإباحة قليل ما يسكر كثيره، وقد عنى الطحاوي بعرض وجهة نظر أبي حنيفة وأيده (٢).

стр. 553

٤ - تَخْلِيلُ الخَمْرِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أَيْتَامًا وَرِثُوا خَمْرًا، فَسَأَلَ أَبُو طَلْحَةَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَهُ خَلاًّ، قَالَ: «لَا». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ». أجمع العلماء على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها جاز أكلها. واختلفوا إذا قصد تخليلها على ثلاثة أقوال: التحريم، والكراهة، والإباحة. فمن فهم من المنع سد الذريعة حمله على الكراهة، ومن لم يعلل المنع (١) قال بالتحريم. ٥ - وَضْعُ الخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِ الجَارِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ»، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ». - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ». سبب الخلاف في هذه المسألة هو حمل النهي على التحريم، بتأثير الاتجاه الظاهري، أو على التنزيه، الذي راعى أن التصرف في ملك الغير لا يجوز إلا بإذن منه، وأن تمام الملك حرية التصرف فيه ومنع الغير من استغلاله. قال الزرقاني في " شرح الموطأ " (*): «[أَيْ الْأَحَدُ الْمَنْهِيُّ تَنْزِيهًا] فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُمْنَعَ [وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ] عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ... وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ: " يُجْبَرُ إِنْ امْتَنَعَ "» (٢).

стр. 554

٦ - أَكْلُ لَحْمِ الخَيْلِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، [أَوْ أَصَبْنَا مِنْ لَحْمِهِ]»، وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «أَطْعَمَنَا النَّبِيُّ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ». وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «أَكَلْنَا لُحُومَ الْخَيْلِ يَوْمَ خَيْبَرَ». ثم قال: - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا تُؤْكَلُ». السبب في الاختلاف هنا هو تعارض الأحاديث، فقد جاء في بعض الأحاديث ما يفيد النهي عن لحوم الخيل، وعلى حين جعل أبو داود، هذا النهي منسوخًا، جعله النسائي ناسخًا. وقد رجح أبو حنيفة ومالك جانب التحريم لموافقته للآية الكريمة: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. ولم يعد منها منفعة الأكل (١). ٧ - التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَوْلاَدِ فِي العَطِيَّةِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ غُلاَمًا وَأَنَّهُ أَتَى - النَّبِيُّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْته مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: «لاَ»، قَالَ: «فَارْدُدْهُ». ثم رواه بطريق آخر، وفيه: «فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ»، وفي طريق آخر: «لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لاَ بَأْسَ بِهِ». ذهب جمهور فقهاء الأمصار، ومنهم أبو حنيفة - إلى أن تفضيل الرجل بعض ولده على بعض في الهبة مكروه. وذهب المحدثون وأهل الظاهر إلى تحريمه. وأصحاب الرأي الأول يقولون: إنه مع كراهته لو وقع جاز، أما أصحاب الرأي الثاني فيبطلون الهبة ويحكمون بردها.

стр. 555

وسبب الخلاف أن الحديث المتقدم روي بألفاظ مختلفة، يفيد بعضها التحريم، ويفيد بعضها الندب، فأخذ الجمهور بالندب لما يعضده من القياس، إذ صح للإنسان أن يهب كثيرًا من أمواله للأجنبي، فلولده أولى، ولما روي من أن أبا بكر فضل بعض ولده (١). ٨ - الجُلُوسُ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ: وَبِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ»، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّهُ اسْتَعَارَ دَابَّةً [فَأُتِيَ بِهَا] عَلَيْهَا صُفَّةُ نُمُورٍ فَنَزَعَهَا ثُمَّ رَكِبَ». وَعَنْ الحَكَمِ «تُكْرَهُ جُلُودُ السِّبَاعِ». وَعَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ». وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالجُلُوسِ عَلَيْهَا». هذا النهي قد يكون دعوة إلى عدم الترفه، أو عدم التشبه بالعجم، فيحمل حينئذٍ على التنزيه، وبخاصة أنه قد روى من الأحاديث ما يفيد أن جلود الميتة تطهر بالدباغ. وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة. وقد يكون النهي تحريمًا للجلوس على جلود السباع إذا أخذ على ظاهره، وهو رأي ابن أبي شيبة وغيره. قال صاحب " المغني ": «فَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَقَالَ القَاضِي: " لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا بَعْدَهُ ". وَبِذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ ... وَأَبَاحَ الحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، الصَّلَاةَ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ» (٢).

стр. 556

الآثَارُ المُنْتَقَدَةُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَبْوَابٍ مُخْتَلِفَةٍ: ١ - نَذْرُ الجَاهِلِيَّةِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الجَاهِلِيَّةِ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا أَسْلَمْتُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَفِيَ بِنَذْرِي». وَعَنْ طَاوُوسٍ، فِي رَجُلٍ نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسْلَمَ , قَالَ: «يَفِي بِنَذْرِهِ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «سَقَطَ اليَمِينُ إِذَا أَسْلَمَ». الخلاف في فهم الحديث هو سبب الخلاف في هذه المسألة، فنذر الجاهلية لم يكن يراد به وجه الله، فهو معصية، وقد صح أن من نذر أن يعصي الله فلا يعصيه، وأن النذر إنما هو ما ابتغي به وجه الله - وأمره ﵇ لعمر بالوفاء، إنما هو توجيه قصده السابق إلى ما فيه رضى الله (١). ٢ - العَقِيقَةُ: وَبِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ [مُكَافِئَتَانِ]، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ , لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا». وَبِسَنَدِهِ أَنَّ النَّبِيُّ ﵇: «عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ». وَعَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: «الغُلَامُ [رَهِينَةٌ] بِعَقِيقَتِهِ , تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى». ثُمَّ قَالَ: - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «إِلَّا يَعُقُّ عَنْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ».

стр. 557

اختلاف الآثار في العقيقة دفع العلماء إلى أن يختلفوا في حكمها، ما بين أن تكون واجبة، كما ذهب أهل الظاهر، أو سنة، كما ذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب بعضهم إلى أن وجوبها قد نسخ (١). ٣ - الأُضْحِيَةِ عَلَى المُسَافِرِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِسَنَدِهِ ما يفيد «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَحَابَتُهُ كَانُوا يُضَحُّونَ فِي السَّفَرِ». وَعَنْ الحَسَنِ: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا إِذَا سَافَرَ الرَّجُلُ أَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ أَنْ يُضَحُّوا عَنْهُ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسَافِرِ أُضْحِيَّةٌ». ذَهَبَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الأُضْحِيَةَ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: [الضَّحِيَّةُ] وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ فِي الْأَمْصَارِ الْمُوسِرِينَ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِينَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ [أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ]، فَقَالَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ». والقول الثاني لمالك موافق لأبي حنيفة، والحديث المعترض به هنا هو حكاية فعل لا يعين الحكم من وجوب أو ندب، وأبو حنيفة لا يمانع في أن يضحي المسافر، ولكنه ينفي الوجوب عنه (٢). ٤ - ذَكَاةُ الجَنِينِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ذَكَاةُ الجَنِينِ، ذَكَاةُ أُمِّهِ إِذَا أَشْعَرَ». - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا تَكُونُ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ أُمِّهِ». أخذ بهذا الحديث الجمهور، وخالفهم أبو حنيفة وابن حزم. وسبب الخلاف هو الاختلاف في صحة هذا الحديث، مع تأويله إن صح، ليوافق

стр. 558

الأصول، وهي أن الجنين إذا كان حَيًّا ثم مات بموت أمه فإنما يموت خنقًا، فهو من المنخنقة التي ورد النص بتحريمها، وإذا خرج من بطن أمه حيًا ثم مات من غير ذبح، فالقول بحل أكله حينئذٍ قول بحل أكل الميتة. ولذلك أخذوا بالحديث السابق على رواية من نصب «ذَكَاةَ» الثانية، فقد روى الحديث بالرفع، وعليها تكون ذكاة الأم مغنية عن ذكاة الجنين، وروي بالنصب، فيلزم حينئذٍ ذكاة الجنين، لأن المعنى «ذَكَاةُ الجَنِينِ، ذَكَاةَ أُمِّهِ» أي ذكاته مثل ذكاة أمه. ولكن الرواية الثانية للحديث تتنافى مع هذا التأويل، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الجَنِينِ، فَقَالَ: " كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ "»، وفي رواية: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ، وَنَذْبَحُ البَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الجَنِينَ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: " كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ "» (١). وعلى كل فالمسألة تمثل الاتجاه إلى الظاهر والأخذ بالآثار عند المحدثين، على حين توضح فكرة عرض الآثار على الأصول عند أبي حنيفه. ٥ - سِنُّ البُلُوغِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَاسْتَصْغَرَنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي»، قَالَ نَافِعٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ: فَقَالَ: «هَذَا حَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ»، قَالَ: «فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لاِبْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ فِي المُقَاتِلَةِ، وَلاِبْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي الذُّرِّيَّةِ». - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الجَارِيَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ ثَمَانَ عَشْرَةَ، أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ».

стр. 559

حديث ابن عمر هذا حكاية يدخله الاحتمال، فقد يكون أجيز وهو ابن خمس عشرة لأنه قد بلغ، ويحتمل أنه قد كان ضعيفًا فرده في الأولى، ثم أصبح قويًا في المرة الثانية، ويؤيد هذا الاحتمال أن مورده فيمن هو صالح للجهاد، وذلك بالقوة الجسمية، وبدليل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَضَ لِبَعْضِ غِلْمَانِ الأَنْصَارِ وَلَمْ يَفْرِضْ لِسَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ وَكَانَ صَغِيرًا، قَالَ لَهُ سَمُرَةُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ فَرَضْتَ لِصَبِيٍّ وَلَمْ تَفْرِضْ لِي، وَأَنَا أَصْرَعُهُ»، قَالَ: «صَارِعْهُ»، فَصَرَعَهُ، فَفَرَضَ لَهُ. وبهذا يخرج الحديث عن أن يكون دلالة على حد البلوغ. أما الذي دل عليه القرآن فهو أن الأطفال يبلغون إذا احتلموا، وبذلك قال داود الظاهري: «لَا يَكُونُ البُلُوغُ حَتَّى يَكُونَ اِحْتِلَامٌ وَلَوْ مَضَى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ عَامًا». وجعل بعض العلماء الحد الأقصى للبلوغ خمس عشرة، أخذًا عند البنت سبع عشرة سنة، وعند الغلام ثماني عشرة أو تسع عشرة، على روايتين (١). ٦ - اللُّقَطَةُ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدٍ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: " عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَاسْتَنْفِقْهَا "». وَعَنْ أُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ مَرْفُوعًا: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ وَجَدْتَ صَاحِبَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِلاَّ فَاعْرِفْ عَدَدَهَا، وَوِعَاءَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ تَكُونُ كَسَبِيلِ مَالِكَ». - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَ لَهُ».

стр. 560

جمهور فقهاء الأمصار مع أبي حنيفة في هذه المسألة: مالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم - ذهبوا إلى أن اللقطة من غير الغنم تعرف ويعلن عنها سنة، فإن جاء صاحبها أخذها، وإن لم يجيء حتى مضت السنة، كان للملتقط أن ينتفع بها إن كان فقيرًا، أو يتصدق بها إن كان غنيًا. فإن جاء صاحبها بعد إنفاقها كان مخيرًا بين أن يجيز الصدقة، أو يضمن الملتقط، ولا شك أن الحديث السابق يؤيد رأي الجمهور، فإنه يأمر الملتقط بعد أن يعرف اللقطة عَامًا ولم يظهر لها صاحب - أن يعرف أوصافها ويحفظ عددها، ثم ينفقها، فإذا كان إنفاقها يجعلها ملكًا له، فلم أمره بحفظ أوصافها قبل الإنفاق؟. وقد جاء في بعض روايات " البخاري " ما يؤيد ذلك، وترجم له البخاري بقوله: (بَابُ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ). وقد ذهب أهل الظاهر وبعض المحدثين إلى أن الملتقط يملك اللقطة بعد عام، ولا يردها إلى الملتقط (١). ٧ - القُرْعَةُ فِي العِتْقِ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ رَجُلاً كَانَ لَهُ سِتَّةُ أَعْبُدٍ، فَأَعْتَقَهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَقْرَعَ [بَيْنَهُمَ] النَّبِيُّ ﷺ فَأَعْتَقَ مِنْهُمَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً». وعن أبي هريرة مثل ذلك، ثم قال: - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، وَلاَ يَرَى فِيهِ قُرْعَةً». عرض الطحاوي هذا الموضوع ووفاه حقه، وَبَيَّنَ أن القرعة في الأحكام منسوخة بأدلة ذكرها، وبأن العتق لا يتجزأ، فالذي يعتق ستة يعتقون جميعًا، ويستسعون في الثلثين، لأن الوصية تنفذ في حدود الثلث،

стр. 561

بدليل الحديث الذي دل على أن أحد الشريكين لو أعتق نصيبه في عبد، فإن العبد يعتق كله، ويستسعى في نصف قيمته، أما القرعة بين الزوجات في السفر فليس واجبًا على الزوج، بل يسعه تركه، لأن له أن يسافر بدونهن جميعًا، فله كذلك أن يسافر ببعضهن دون بعض، لأن السفر يرفع حكم القسم بينهن، فالقرعة حينئذٍ لتطييب خاطر من لا تخرج منهن، أما أن تكون القرعة للإلزام فلا (١). ٨ - الوَقْفُ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: " أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ عِنْدِي أَنْفَسَ مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ " قَالَ: " إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْت بِهَا ". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ (*)، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ». - وذُكِرَ أنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «يَجُوزُ لِلوَرَثَةِ أَنْ يَرُدُّوا ذلِكَ». نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ مِثْلَ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٍ، ثُمَّ أَيَّدَ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَا لَا يَقْنَعُ، وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي حُكْمِ الوَقْفِ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ أُبُو يُوسُفَ بِأَنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَقَالَ بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ (٢). ٩ - المُزَارَعَةُ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ

стр. 562

خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا خَرَجَ مِنْ زَرْعٍ، أَوْ ثَمَرٍ». وَبِسَنَدِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «[يَغْفِرُ] اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلاَنِ قَدَ [اقْتَتَلاَ]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلاَ تُكْرُوا المَزَارِعَ "». وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: «كِلَا جَارَيَّ قَدْ رَأَيْتُهُ يُعْطِي أَرْضَهُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ: عَبْدَ اللهِ، وَسَعْدًا». وَعَنْ طَاوُوسٍ، [قَالَ]: «قدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذٌ وَنَحْنُ نُعْطِي أَرْضَنَا بِالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا». وَعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالمُزَارَعَةِ بِالنِّصْفِ». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ». جاء في المزارعة أحاديث مختلفة بعضها يبيح المزارعة وبعضها ينهى عنها، مثل حديث رافع بن خديج في المسألة التالية. ومعاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها كان مقاسمة على الخارج من الأرض، لا إجارة. وهو رأي إبراهيم النخعي. وهي من المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة جمهور العلماء، الذين حملوا النهي في بعض الأحاديث على التنزيه، أو على ما كان شائعًا من تخصيص ثمرة جزء معين من الأرض، مما يؤدي إلى التشاحن، يدل عليه ما رواه البخاري عَنْ رَافِعٍ قَالَ: «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ»، قَالَ: «فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا». وروى أيضًا عَنْ طَاوُوسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ تَرَكْتَ المُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ، فَقَالَ طَاوُوسٍ: «[أَيْ عَمْرُو إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ] وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ، أَخْبَرَنِي - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ، قَالَ: " أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا "». ولذلك أتى البخاري بحديث رافع في المنع من المزارعة تحت عنوان (بَابُ مَا كَانَ [مِنْ] أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ) (١).

стр. 563

١٠ - مَنْ زَرَعَ أَرْضَ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ». وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: «مَا تَقُولُ فِي المُزَارَعَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، حَتَّى حُدِّثَ فِيهَا بِحَدِيثِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ، فَرَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، قَالَ: " أَلَيْسَتِ الأَرْضُ أَرْضَ ظُهَيْرٍ؟ " قالَوا: " بَلَى، وَلَكِنَّهُ زَارَعَ فُلاَنًا "، قَالَ: " فَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ، وَخُذُوا زَرْعَكُمْ "، قَالَ رَافِعٌ: " فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ "». - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «يُقْلَعُ زَرْعَهُ». ذهب أبو حنيفة إلى أن من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فصاحب الأرض بالخيار: إن شاء خلى بين الزارع وزرعه فيأخذه، وضمنوه نقصان الأرض إن حصل فيها نقص، وإن شاء منع الزارع من ذلك، وغرم له قيمة زرعه مقلوعًا، لما جاء في حديث «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ». وقد ذكر الطحاوي أن الحديث المحتج به على أبي حنيفة قد جاء بألفاظ مختلفة، وفي بعض هذه الألفاظ ما يخرج الحديث عن أن يكون حجة لما أرادوه (١). ١١ - سَهْمُ الفَارِسِ مِنَ الغَنِيمَةِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَسَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا». وَعَنْ مَكْحُولٍ؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْفَارِسِ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ». وعن ابن عباس مثل ذلك. - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «سَهْمٌ لِلْفَرَسِ، وَسَهْمٌ لِصَاحِبِهِ».

стр. 564

وهذه أيضًا من المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة معظم العلماء، معتمدًا على روايات قسمت للفارس سهمين وللراجل سهمًا، وقد رجحها أبو حنيفة و [إن ضعفها غيره] (١). ١٢ - السَّفَرُ بِالمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إلَى أَرْضِ العَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِذَلِكَ». هذا الحديث منصوص على علته، فإذا أمنت العلة وزالت ارتفع النهي، ولذلك ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يسافر بالقرآن إذا كانوا جماعة استطلاعية أو فرقة بسيطة، أما العسكر العظيم فلا مانع من مصاحبة المصحف معه، ليقرأ فيه من لا يحفظ (٢). تَعْقِيبٌ: وبعد، فهذه هي المسائل التي أحصاها أبو بكر بن أبي شيبة على أبي حنيفة، مدعيًا عليه أنه قد خالف فيها الآثار، وقد أوجزت القول فيها بالقدر الذي يبين مآخذ الأدلة، ويوضح وجهات النظر، وإني أعتذر لما جاء في بعض المسائل من إيجاز قد يصل إلى حد الإشارة في بعض الأحيان، فما دفعني إليه إلا خشية الإملال، وكراهة التطويل، مستدركًا هذا النقص بالإرشاد إلى المراجع التي عنيت ببسط الموضوع والكتاب الذي ألفه الكوثري خاصًا به، إذ لم يكن من غرضي - كما ذكرت في بداية هذا الفصل - أن أبسط الأدلة وأوضح الآراء، بقدر ما كنت مُهْتَمًّا بتحقيق دعوى مخالفة الآثار التي وجهت إلى أبي حنيفة، وإنما تصح هذه الدعوى

стр. 565

إذا لم يكن عند المجتهد من المبررات إلا قصد المخالفة وهذا ما لا يظن بمسلم. وقد رأينا فيما سبق أن كثيرًا من المجتهدين غير أبي حنيفة قد خالف بعض الآثار في بعض الأحيان، لوجود معارض من آية أو أثر أو غيرهما. وقد تبين أن اختلاف الحديث هو الذي يشكل الجانب الأكبر من الاختلاف بين ابن أبي شيبة وأبي حنيفة، ثم يلي ذلك الاختلاف في تصحيح الحديث، ثم بعد أن نخرج المسائل التي لم تصح نسبتها إلى أبي حنيفة - تبقى مجموعة من المسائل ليست حجة أبي حنيفة فيها بالقولية ولا المقنعة. أما المسائل التي لم يصح عزوها إلى أبي حنيفة فهي: ١ - التصفيق للنساء في الصلاة. ٢ - وقت العشاء. ٣ - قضاء سنة الأربع قبل الظهر. ٤ - الأذان والإقامة عند قضاء الفائتة. ٥ - الجلستان في خطبة الجمعة. ٦ - الأكل من التطوع. ٧ - البر بالبر مثلاً بمثل يدًا بيد. ٨ - كسر القصعة وضمانها. ٩ - اقتناء الكلب. ١٠ - تحديد المهر. وأما المسائل التي يمكن أخذها على أبي حنيفة، مما لم يتبين لي قوة حجته فيها، فيمكن حصرها فيما يأتي: ١ - ولوغ الكلب. ٢ - الطمأنينة في الصلاة وتعديل الأركان.
следующие страницы →