← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122392

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

عبد المجيد محمود

Полный текст (783 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بدليل الحديث الذي دل على أن أحد الشريكين لو أعتق نصيبه في عبد، فإن العبد يعتق كله، ويستسعى في نصف قيمته، أما القرعة بين الزوجات في السفر فليس واجبًا على الزوج، بل يسعه تركه، لأن له أن يسافر بدونهن جميعًا، فله كذلك أن يسافر ببعضهن دون بعض، لأن السفر يرفع حكم القسم بينهن، فالقرعة حينئذٍ لتطييب خاطر من لا تخرج منهن، أما أن تكون القرعة للإلزام فلا (١). ٨ - الوَقْفُ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: " أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ عِنْدِي أَنْفَسَ مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ " قَالَ: " إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْت بِهَا ". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ (*)، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ». - وذُكِرَ أنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «يَجُوزُ لِلوَرَثَةِ أَنْ يَرُدُّوا ذلِكَ». نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ مِثْلَ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٍ، ثُمَّ أَيَّدَ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَا لَا يَقْنَعُ، وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي حُكْمِ الوَقْفِ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ أُبُو يُوسُفَ بِأَنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَقَالَ بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ (٢). ٩ - المُزَارَعَةُ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ

стр. 562

خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا خَرَجَ مِنْ زَرْعٍ، أَوْ ثَمَرٍ». وَبِسَنَدِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «[يَغْفِرُ] اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلاَنِ قَدَ [اقْتَتَلاَ]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلاَ تُكْرُوا المَزَارِعَ "». وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: «كِلَا جَارَيَّ قَدْ رَأَيْتُهُ يُعْطِي أَرْضَهُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ: عَبْدَ اللهِ، وَسَعْدًا». وَعَنْ طَاوُوسٍ، [قَالَ]: «قدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذٌ وَنَحْنُ نُعْطِي أَرْضَنَا بِالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا». وَعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالمُزَارَعَةِ بِالنِّصْفِ». - «وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ». جاء في المزارعة أحاديث مختلفة بعضها يبيح المزارعة وبعضها ينهى عنها، مثل حديث رافع بن خديج في المسألة التالية. ومعاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها كان مقاسمة على الخارج من الأرض، لا إجارة. وهو رأي إبراهيم النخعي. وهي من المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة جمهور العلماء، الذين حملوا النهي في بعض الأحاديث على التنزيه، أو على ما كان شائعًا من تخصيص ثمرة جزء معين من الأرض، مما يؤدي إلى التشاحن، يدل عليه ما رواه البخاري عَنْ رَافِعٍ قَالَ: «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ»، قَالَ: «فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا». وروى أيضًا عَنْ طَاوُوسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ تَرَكْتَ المُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ، فَقَالَ طَاوُوسٍ: «[أَيْ عَمْرُو إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ] وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ، أَخْبَرَنِي - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ، قَالَ: " أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا "». ولذلك أتى البخاري بحديث رافع في المنع من المزارعة تحت عنوان (بَابُ مَا كَانَ [مِنْ] أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ) (١).

стр. 563

١٠ - مَنْ زَرَعَ أَرْضَ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ». وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: «مَا تَقُولُ فِي المُزَارَعَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، حَتَّى حُدِّثَ فِيهَا بِحَدِيثِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ، فَرَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، قَالَ: " أَلَيْسَتِ الأَرْضُ أَرْضَ ظُهَيْرٍ؟ " قالَوا: " بَلَى، وَلَكِنَّهُ زَارَعَ فُلاَنًا "، قَالَ: " فَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ، وَخُذُوا زَرْعَكُمْ "، قَالَ رَافِعٌ: " فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ "». - وذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «يُقْلَعُ زَرْعَهُ». ذهب أبو حنيفة إلى أن من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فصاحب الأرض بالخيار: إن شاء خلى بين الزارع وزرعه فيأخذه، وضمنوه نقصان الأرض إن حصل فيها نقص، وإن شاء منع الزارع من ذلك، وغرم له قيمة زرعه مقلوعًا، لما جاء في حديث «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ». وقد ذكر الطحاوي أن الحديث المحتج به على أبي حنيفة قد جاء بألفاظ مختلفة، وفي بعض هذه الألفاظ ما يخرج الحديث عن أن يكون حجة لما أرادوه (١). ١١ - سَهْمُ الفَارِسِ مِنَ الغَنِيمَةِ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَسَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا». وَعَنْ مَكْحُولٍ؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْفَارِسِ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ». وعن ابن عباس مثل ذلك. - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «سَهْمٌ لِلْفَرَسِ، وَسَهْمٌ لِصَاحِبِهِ».

стр. 564

وهذه أيضًا من المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة معظم العلماء، معتمدًا على روايات قسمت للفارس سهمين وللراجل سهمًا، وقد رجحها أبو حنيفة و [إن ضعفها غيره] (١). ١٢ - السَّفَرُ بِالمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ: وَبِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إلَى أَرْضِ العَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ». - وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِذَلِكَ». هذا الحديث منصوص على علته، فإذا أمنت العلة وزالت ارتفع النهي، ولذلك ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يسافر بالقرآن إذا كانوا جماعة استطلاعية أو فرقة بسيطة، أما العسكر العظيم فلا مانع من مصاحبة المصحف معه، ليقرأ فيه من لا يحفظ (٢). تَعْقِيبٌ: وبعد، فهذه هي المسائل التي أحصاها أبو بكر بن أبي شيبة على أبي حنيفة، مدعيًا عليه أنه قد خالف فيها الآثار، وقد أوجزت القول فيها بالقدر الذي يبين مآخذ الأدلة، ويوضح وجهات النظر، وإني أعتذر لما جاء في بعض المسائل من إيجاز قد يصل إلى حد الإشارة في بعض الأحيان، فما دفعني إليه إلا خشية الإملال، وكراهة التطويل، مستدركًا هذا النقص بالإرشاد إلى المراجع التي عنيت ببسط الموضوع والكتاب الذي ألفه الكوثري خاصًا به، إذ لم يكن من غرضي - كما ذكرت في بداية هذا الفصل - أن أبسط الأدلة وأوضح الآراء، بقدر ما كنت مُهْتَمًّا بتحقيق دعوى مخالفة الآثار التي وجهت إلى أبي حنيفة، وإنما تصح هذه الدعوى

стр. 565

إذا لم يكن عند المجتهد من المبررات إلا قصد المخالفة وهذا ما لا يظن بمسلم. وقد رأينا فيما سبق أن كثيرًا من المجتهدين غير أبي حنيفة قد خالف بعض الآثار في بعض الأحيان، لوجود معارض من آية أو أثر أو غيرهما. وقد تبين أن اختلاف الحديث هو الذي يشكل الجانب الأكبر من الاختلاف بين ابن أبي شيبة وأبي حنيفة، ثم يلي ذلك الاختلاف في تصحيح الحديث، ثم بعد أن نخرج المسائل التي لم تصح نسبتها إلى أبي حنيفة - تبقى مجموعة من المسائل ليست حجة أبي حنيفة فيها بالقولية ولا المقنعة. أما المسائل التي لم يصح عزوها إلى أبي حنيفة فهي: ١ - التصفيق للنساء في الصلاة. ٢ - وقت العشاء. ٣ - قضاء سنة الأربع قبل الظهر. ٤ - الأذان والإقامة عند قضاء الفائتة. ٥ - الجلستان في خطبة الجمعة. ٦ - الأكل من التطوع. ٧ - البر بالبر مثلاً بمثل يدًا بيد. ٨ - كسر القصعة وضمانها. ٩ - اقتناء الكلب. ١٠ - تحديد المهر. وأما المسائل التي يمكن أخذها على أبي حنيفة، مما لم يتبين لي قوة حجته فيها، فيمكن حصرها فيما يأتي: ١ - ولوغ الكلب. ٢ - الطمأنينة في الصلاة وتعديل الأركان.

стр. 566

٣ - إشعار الهدي. ٤ - الولي في النكاح. ٥ - الطلاق قبل النكاح. ٦ - اختيار الأربع من الزوجات. ٧ - المصراة. ٨ - بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. ٩ - العرايا. ١٠ - خيار المجلس. ١١ - الانتفاع بالمرهون. ١٢ - حكم الحاكم وأنه لا يحل الحرام. ١٣ - ناكح المحارم. ١٤ - هبة المسروق بعد الترافع إلى القاضي. ١٥ - قتل من يسب النبي ﷺ . ١٦ - قتل المرتدة. ١٧ - حكم النبيذ. ١٨ - الوقف. ١٩ - المزارعة. ٢٠ - سهم الفارس من الغنيمة. أما بقية المسائل فهي بين أن يكون رأي أبي حنيفة فيها هو الرأي الراجح أو تكون الأدلة فيها متكافئة. وقد قال الأستاذ محمد زاهد الكوثري ﵀، في كتاب " النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة " (*): «[وَالوَاقِعُ أَنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا] أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ أَخْطَأَ فِي [جَمِيعِ المَسِائِلِ التِي عَزَاهَا] ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ [إِلَيْهِ - وَهِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةَ مَسْأَلَةٍ -]، لَكَانَ هَذَا العَدَدُ [عَدَدًا] يَسِيرًا [جِدًّا بِالنَّظَرِ] إِلَى كَثْرَةِ مَسَائِلِهِ التَّقْدِيرِيَّةِ،

стр. 567

[وَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهَا إِنَّهَا] ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ». (٨٢٠٠٠)، ثم قال: «مَعَ أَنَّ القَارِئَ يَسْتَبِينُ مِنْ مُنَاقَشَتِنَا مَعَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي تِلْكَ المَسَائِلِ، أَنَّ نِصْفَ تِلْكَ المَسَائِلِ مِمَّا وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٍ، يَأْخُذُ هَذَا المُجْتَهِدُ بَأَحَادِيثَ مِنْهَا لِتَرَجُّحِهَا عِنْدَهُ بِوُجُوهِ تَرْجِيحٍ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَهُ، وَيَأْخُذُ ذَاكَ المُجْتَهِدُ بِأَحَادِيثَ تُخَالِفُهَا لِتَرَجُّحِهَا عِنْدَهُ بِوُجُوهٍ تَرْجِيحٍ أُخْرَى [عِنْدَهُ]، وَبِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ شُرُوطِ قَبُولِ الأَخْبَارِ عِنْدَ هَذَا وَذَاكَ، فَلَا مَجَالَ فِي هَذَا النَّوْعِ لِلْحُكْمِ عَلَى المُجْتَهِدِ بِأَنَّهُ خَالَفَ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ الصَّرِيحَ لِأَنَّ المَسَائِلَ الاِجْتِهَادِيَّةَ لَيْسَتْ بِمَوْضِعٍ لِلْبَتِّ فِيهَا». «وَإِذَا قَسَّمْتَ النِّصْفَ البَاقِي أَخْمَاسًا: فَخُمُسٌ مِنْهَا مِمَّا خَالَفَ خَبَرُ الآحَادِ فِيهِ نَصَّ الكِتَابِ، فَيُؤْخَذُ بِالكِتَابِ، وَخُمُسٌ آخَرَ مِنْهَا وَرَدَ فِيهِ خَبَرٌ مَشْهُورٌ وَخَبَرٌ دُونَ ذَلِكَ، فَيُرَجَّحُ الخَبَرُ المَشْهُورُ عَمَلاً بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَالخُمُسُ الثَّالِثُ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الأَفْهَامُ، وَتَبَيَّنَتْ فِيهِ دِقَّةُ فَهْمِ الإِمَامِ دُونَ فَهْمِ الآخَرِينَ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا، وَالخُمُسُ الرَّابِعُ هُوَ الذِي تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهِ عَلَى أَكْبَرِ تَنَزُّلٍ، وَالخُمُسُ الأَخِيرُ مَا غَلَطَ فِيهِ المُصَنِّفُ بِعَزْوِ مَا لَمْ يَقُلْهُ إِلَيْهِ، بِالنَّظَرِ إِلَى كُتُبِ المَذْهَبِ» (١). ولا شك أن ما قاله الكوثري يعتبر خلاصة دقيقة لموضوعات الخلاف بين ابن أبي شيبة وأبي حنيفة، نختتم بها هذا الفصل، لننتقل إلى موضوعات الخلاف بين البخاري وأهل الرأي. • • •

стр. 568

الفَصْلُ الثَّانِي: بَيْنَ البُخَارِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ: رأينا في الفصل السابق كيف أن ابن أبي شيبة قد وجه نقده إلى أبي حنيفة على وجه الخصوص. أما البخاري، فالخصومة بينه وبين أهل الرأي، خصومة عامة لا تقتصر على أبي حنيفة، بل نقده قد يكون موجهًا إليه، وقد يكون موجهًا إلى غيره من أصحابه، ولذلك لم يصرح باسم مخالفه أو صفته، وإنما عبر عنه بقوله: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ» (*). وقد ذكر البخاري هذه الجملة في " صحيحه " عدة مرات، معرضًا بأهل الرأي، رَادًّا عليهم، مُبَيِّنًا تناقضهم. ولا شك في أن موضوعات الخلاف بينه وبين أهل الرأي ليست مقصورة على المسائل التي رد فيها على قول (بَعْضِ النَّاسِ)، بل توجد مسائل أخرى، لم يرض البخاري عن مسلك أهل الرأي إزاءها، وأثبت في " صحيحه " مذهبه فيها، وإن لم يعن ببيان رأي مخالفيه، بل إنه قد أفرد بعضًا من هذه المسائل بمؤلفات خاصة، مثل رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، في كتابه " قرة العينين برفع اليدين "، ومثل القراءة خلف الإمام، في كتابه " خير الكلام في القراءة خلف الإمام ". فمن هذه المسائل التي قرر البخاري فيها رأيه، ورد ضمنًا على أهل الرأي دون أن يشير إليهم: ١ - حقيقة الخمر ومسماها: وقد علمنا أن أبا حنيفة يقصر الخمر على عصير العنب، حيث يحرم قليله وكثيره. أما العصير من غيره إذا تخمر، فإنه لا يحرم القليل الذي لا يسكر منه، ويحرم كثيره المسكر.

стр. 569

وقد ترجم البخاري عدة أبواب، مفندًا فيها هذا الرأي، مثبتًا أن الخمر اسم لكل مسكر. لا فرق بين عصير العنب وغيره، ولا بين القليل والكثير، فيقول: (بَابٌ: الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ)، (بَابُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنَ البُسْرِ وَالتَّمْرِ)، (بَابٌ: الخَمْرُ مِنَ العَسَلِ، وَهُوَ البِتْعُ)، (بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ)، (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ) (١). ٢ - شرط المصر في الجمعة: وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَلَا تُقَامُ الجُمُعَةُ عِنْدَهُ فِي القُرَى الصَّغِيرَةِ، وَقَدْ رَدَّ البُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ فِي تَرْجَمَتِهِ (بَابُ الجُمُعَةِ فِي القُرَى وَالمُدُنِ) (٢). ٣ - نصاب الزكاة في الزروع والثمار: فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى وُجُوبِ العُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ، فِي قَلِيلِ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ وَكَثِيرُهُ، أَخْذًا بِعُمُومِ الحَدِيثِ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». وقد روى البخاري هذا الحديث، ولكنه روى عقبه حديث: «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، ثم قال: «هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ، [يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، " وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ "]، وَبَيَّنَ فِي هَذَا، وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ، إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ». وقد قال السندي في تعليقه على هذا الحديث: «وَمُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، حَيْثُ أَخَذَ بِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - وَهُوَ حَدِيثُ " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ ... "، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مُبْهَمٌ، يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، - وَهُوَ " لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ ... " [فَالوَاجِبُ الأَخْذُ بِهِ لَا بِالمُبْهَمِ فَافْهَمْ]» (٣).

стр. 570

٤ - الطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ: ذكرنا هذه المسألة في الفصل السابق، وذكرنا أن الرجل إذا علق الطلاق على النكاح، يلزمه الطلاق إذا تزوج. وقد ترجم البخاري لهذا بقوله: (بَابُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا، فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «جَعَلَ اللَّهُ الطَّلاَقَ بَعْدَ النِّكَاحِ» وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ...) ثم ذكر رواية ذلك عن اثنين وعشرين تابعيًا (١). ٥ - طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُكْرَهِ وَالغَاضِبِ: وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، ورد عليه البخاري في ترجمة طويلة، تقدم ذكرها في فصل (الاتجاه العقلي)، وهي (بَابُ الطَّلاَقِ فِي الإِغْلاَقِ وَالكُرْهِ، وَالسَّكْرَانِ ...) (٢). وهناك العديد من الأمثلة غير ما تقدم، يمكن تتبعه في مسائل الخلاف، وقد ذكرنا بعضها في الفصل السابق، فيما أشرنا فيه إلى البخاري كمرجع لبعض المسائل المختلف فيها. لكن البخاري في هذه المواضع التي يبدي فيها رأيه، لا يعني بالضرورة أنه يقصد الرد على أهل الرأي، وإنما فيه نسبة ذلك إليه اجتهاد وظن راجح من الباحثين، لا نستطيع أن ننسبه صراحة إليه. أما الذي يمكن نسبته إليه، فهو ما صرح فيه بالرد على مخالفيه، الذين أطلق عليهم (بَعْضَ النَّاسِ) في " صحيحه "، أو ناقشهم في مؤلفات خاصة. فهذا هو الذي يعنينا بالقصد الأول، حيث يعطينا صورة واضحة عن أسلوب البخاري في مناقشته، وعن تصوره لمخالفات أهل الرأي التي لم يسعه السكوت عليها، لمخالفتها مقتضى الأدلة في نظره.

стр. 571

ويلاحظ أن الموضوعات التي عني بها البخاري بالرد على أهل الرأي أقل كثيرًا من المسائل التي انتقدها ابن أبي شيبة على أبي حنيفة، لأن كثيرًا من هذه المسائل التي انتقدها شيخه، كان أبو حنيفة فيها مستندًا إلى حجج قوية، ووافقه على رأيه بعض الأئمة ومنهم البخاري. فكان من الضروري أن يمحص البخاري هذه المسائل، ثم يركز نقده على ما هو جدير بالنقد منها. كما يلاحظ أيضًا أن البخاري قد افترق عن شيخه، في أنه قد اعتنى ببيان وجهة نظر أهل الرأي، ولم يضن عليهم بذكر حجتهم أو موضع شبهتهم، في حدود ما تسمح به ظروف التأليف، لأن الغرض من " صحيحه " لم يكن عرض الآراء الفقهية ومناقشتها، بل هو جمع لما صح من الأحاديث، واستنباط للأحكام الفقهية منه. أما المسألتان اللتان أفردهما بالتأليف، فقد بسط فيهما القول، وتوسع في عرض الآراء ومناقشة الحجج. وسوف يعرض هذا الفصل هاتين المسألتين، ثم يتتبع المسائل التي ناقشها البخاري مع أهل الرأي، مشيرًا إليهم بقوله: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ» مما جاء في " صحيحه ". رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ الرَّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ: وقد سمي كتاب البخاري الذي عالج هذه المسألة: " قرة العينين برفع اليدين في الصلاة "، وهو مطبوع على هامش كتاب " خير الكلام في القراءة خلف الإمام "، بالمطبعة الخيرية بمصر سنة ١٣٢٠ هـ. ويتضح من عنواني الكتابين أنهما ليسا من صنع البخاري، لما فيهما من السجع المتكلف، كما أنهما ليسا كبيرين، وإنما هما جزءان صغيران.

стр. 572

وقد بدأ البخاري جزءه في رفع اليدين، بمقدمة أنكر فيها على مخالفه في هذه المسألة، مهاجمًا إياه بأسلوب حاد، ومتهمًا إياه بالبدعة، لمخالفته الرسول ﷺ ، الذي أمر اللهُ باتباعه وطاعته في آيات كثيرة: فقد جاء في أول كتابه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ... [أَخْبَرَنَا] الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ رَفْعَ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، [وَأَبْهَمَ] عَلَى العَجَمِ فِي ذَلِكَ، تَكَلُّفًا لِمَا لَا يَعْنِيهِ فِيمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [مِنْ] فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ [وَمِنْ فِعْلِ أَصْحَابِهِ وَرِوَايَتِهِمْ] كَذَلِكَ، ثُمَّ فِعْلِ التَّابِعِينَ وَاقْتِدَاءِ السَّلَفِ بِهِمْ فِي صِحَّةِ الْأَخْبَارِ بَعْضِ الثِّقَةِ عَنِ الثِّقَةِ، مِنَ الْخَلَفِ العُدُولِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ عَلَى ضَغِينَةِ صَدْرِهِ، وَحَرَجَةِ قَلْبِهِ، نِفَارًا عَنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [مُسْتَحِقًّا] لِمَا يَحْمِلُهُ [اسْتِكْبَارًا] وَعَدَاوَةً لِأَهْلِهَا، [لِشَوْبِ] البِدْعَةِ لَحْمَهُ وَعِظَامَهُ وَمُخَّهُ، [وَأُنْسَتِهِ بِاحْتِفَالِ] العَجَمِ حَوْلَهُ اغْتِرَارًا» (١) (*). ونحن نستبعد أن يكون الكلام السابق موجهًا إلى أبي حنيفة أو واحد من أصحابه، ولعله كان يقصد به أحد معاصريه من المتمذهبين بالمذهب الحنفي وحيث ترفع المعاصرة، درجة حرارة المناقشة، وترهف من حدتها. بعد هذا الهجوم الخاطف أخذ البخاري في سرد الآيات التي افترضت على المسلمين طاعة النبي ﷺ كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. ثم شرع البخاري في مناقشة موضوعية لمسألة رفع اليدين في الصلاة.

стр. 573

والاجتهاد في هذه المسألة محصور في نطاق الترجيح بين الآثار المختلفة فيه، لأنها رواية فعل عن النبي ﷺ الذي قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، فبعض العلماء رجح ثبوت الفعل - أي رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه - وبعضهم يرجح نفيه، والمعركة حول ذلك تدور: كل من الفريقين يقوي الأثر الذي يدل له، ويضعف الأثر الذي يناقضه أو يؤوله. وسوف يتبين لنا أن الاعتزاز بالشيوخ والثقة بما جاء عن طريقهم، كان من العوامل الهامة في الترجيح، مما جعل أبا حنيفة وسفيان الثوري وأهل الكوفة يرجحون جانب الترك في هذه المسألة، أَخْذًا بما روي عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي فيها (١). وفي مناقشة البخاري هذه المسألة، أخذ يسرد الروايات الدالة على رفع اليدين عند الركوع والرفع منه عن علي بن أبي طالب ﵁ ثم قال: «وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ [عِنْدَ الرُّكُوعِ مِنْهُمْ] أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ , وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ...». وبعد أن عدهم بالاسم نقل عن بعض العلماء الإجماع على ذلك حيث قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ. فَلَمْ يَسْتَثْنِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [دُونَ أَحَدٍ , وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ] أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ , وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَا وَصَفْنَا , وَكَذَلِكَ [رَوَيْنَاهُ] عَنْ عِدَّةٍ مِنْ عُلَمَاءِ مَكَّةَ , وَأَهْلِ الحِجَازِ , وَالعِرَاقِ , وَالشَّامِ , وَالبَصْرَةِ , وَاليَمَنِ، وَعِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ»، ثم ذكر أن شيوخه: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ , وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (*) , وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يُثْبِتُونَ

стр. 574

عَامَّةَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَيَرَوْنَهَا حَقًّا , وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ». ثم روى أحاديث أخرى في رفع اليدين عن ابن عمر، وغيره من الصحابة الذين رووا ذلك ممن سبق ذكرهم في جملة السبع عشرة نفسًا. ثم أخذ البخاري بعد ذلك يفند حجج خصومه، وهي تنحصر في أن علي بن أبي طالب، وابن عمر اللذين روى عنهما أحاديث رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه - قد روي عنهما ما يفيد عدم رفع اليدين إلا في تكبيرة الإحرام، وهذا إما دليل على نسخ الرفع عند الركوع أو دليل على ضعف الحديث فيه. وعن ابن مسعود والبراء بن عازب ما يفيد عدم الرفع، كما استدل بعضهم على عدم الرفع بحديث «مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟»، واعتل بعضهم بأن ابن عمر كان صغيرًا. أما الرواية الثانية عَنْ عَلِيٍّ فِي «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ بَعْدُ»، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ «أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ»، كما احتج أيضًا في ردها بأن الأخذ بالمثبت أولى من الأخذ بالنافي، فإذا روى رجلان عن محدث وقال أحدهما: رأيته يفعل، وقال الآخر: لم أره، فالذي قال: رأيته يفعل هو شاهد، والذي قال: لم يفعل فليس هو بشاهد، لأنه لم يحفظ الفعل، ثم ذكر مثلاً لذلك أَنَّ بِلَالاً قَالَ: «" رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الكَعْبَةِ " , وَقَالَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: " لَمْ يُصَلِّ " , فَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِ بِلَالٍ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ , وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَمْ يُصَلِّ حِينَ لَمْ يَحْفَظْ» (ص ٥). «أَمَّا مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ، فَذَلِكَ سَهْوٌ مِنْهُ»، ثم «رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ تَضْعِيفَ ذَلِكَ». ثم قال: «وَلَوْ تَحَقَّقَ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ لَكَانَ حَدِيثُ طَاوُوسٍ ,

стр. 575

وَسَالِمٍ , وَنَافِعٍ , وَمُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ , وَابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ رَأَوْهُ - أَوْلَى لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ يُخَالِفْ الرَّسُولَ ﷺ مَعَ مَا رَوَاهُ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ , وَالمَدِينَةِ , وَاليَمَنِ , وَالعِرَاقِ [أَنَّهُ كَانَ] يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى لَقَدْ حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنِ الحَسَنِ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّمَا أَيْدِيهِمُ المَرَاوِحُ يَرْفُعُونَهَا إِذَا رَكَعُوا , وَإِذَا رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ». ثم روى مثل ذلك عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، «فَلَمْ يَسْتَثْنِ الحَسَنُ , وَحُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أَحَدٍ» (٧ - ١١). أما ما يروى عن ابن مسعود في عدم الرفع، فقد ذكر البخاري بقوله: وقال: «وَيُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ (*) , عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ , عَنْ عَلْقَمَةَ [قَالَ]: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟. فَصَلَّى، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً»، وقد رد البخاري هذه الرواية بما رواه عن أحمد بن حنبل، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ قَالَ: «نَظَرْتُ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ لَيْسَ فِيهِ: " ثُمَّ لَمْ يَعُدْ "»، فهذا أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل يحدث بشيء، ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب. ثُمَّ رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَفْعَلُ التَّطْبِيقَ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ يُطَبِّقَ يَدَيْهِ وَيَجْعَلَهَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ نُسِخَ. (ص ١١، ١٢). أما ما يروى عن البراء بن عازب، فقد ضعف البخاري إسناده، فقال: «حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ هَهُنَا عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى , عَنِ البَرَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ ". قَالَ سُفْيَانُ: " لَمَّا كَبُرَ الشَّيْخُ - يعني يزيد - لَقَّنُوهُ " ثُمَّ لَمْ يَعُدْ ". [فَقَالَ: ثُمَّ لَمْ يَعُدْ]». قَالَ البُخَارِيُّ: «وَكَذَلِكَ رَوَى الحُفَّاظُ مَنْ سَمِعَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَدِيمًا مِنْهُمْ

стр. 576

الثَّوْرِيُّ , وَشُعْبَةُ , وَزُهَيْرٌ لَيْسَ فِيهِ: " ثُمَّ لَمْ يَعُدْ "». ثم ذكر أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر عن غير [يزيد]. [قَالَ الْبُخَارِيُّ: «وَإِنَّمَا رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى هَذَا مِنْ حِفْظِهِ فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ كِتَابِهِ فَإِنَّمَا حَدَّثَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى] عَنْ يَزِيدَ فَرَجَعَ الحَدِيثُ إِلَى تَلْقِينِ يَزِيدَ» (ص ١٢، ١٣). أما حديث النبي عن رفع الأيدي، وتشبيهها بأذناب الخيل، فقد أنكر البخاري على من يستدل به في عدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، لأن الحديث قد جاء في موضوع آخر، وفي ذلك يقول: «وَأَمَّا احْتِجَاجُ بَعْضِ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِحَدِيثِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ المُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ , وَنَحْنُ رَافِعِي أَيْدِينَا فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: " مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي التَّشَهُّدِ لَا فِي القِيَامِ "، كَانَ يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي التَّشَهُّدِ. وَلَا يَحْتَجُّ [بِمِثْلِ هَذَا] مَنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ العِلْمِ، هَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَكَانَ رَفْعُ الْأَيْدِي فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرَةِ , وَأَيْضًا تَكْبِيرَاتُ صَلَاةِ العِيدِ مَنْهِيًّا عَنْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ رَفْعًا دُونَ رَفْعٍ ...» (ص ١٣). «وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الحِجَازِ وَأَهْلِ العِرَاقِ: مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ , وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ , وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ , هَؤُلَاءِ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [عَلِمْنَا] فِي تَرْكِ رَفْعِ الْأَيْدِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ]». قَالَ الْبُخَارِيُّ: «وَكَانَ ابْنُ المُبَارَكِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ , وَهُوَ [أَكْثَرُ] أَهْلِ زَمَانِهِ عِلْمًا فِيمَا نَعْرَفُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْلَمُ مِنَ السَّلَفِ عِلْمٌ فَاقْتَدَى بِابْنِ المُبَارَكِ فِيمَا اتَّبَعَ الرَّسُولَ , وَأَصْحَابَهُ , وَالتَّابِعِينَ لَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَنْ

стр. 577

[يُثْبِتَهُ] بِقَوْلِ مَنْ لَا يَعْلَمُ» (ص ١٤). ونلاحظ هنا أن البخاري يتهم خصومه بعدم معرفة الآثار، وسوف يأتي اتهامه لهم بالتقليد، وأنهم يختارون من السنن ما يوافق مذهبهم، وكان يجب عليهم أن يخضعوا أنفسهم ومذهبهم للسنن. وقد طعن من لا يرفع اليدين في حديث الرفع، فذكر أن ابن عمر كان صغيرًا لا يدرك من فعل النبي ﷺ ما يدرك غيره، كما طعنوا في وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أحد رواة حديث رفع اليدين. وقد رد البخاري على ذلك، فقال: «وَالعَجَبُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ صَغِيرًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَلَقَدْ شَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ بِالصَّلَاحِ - ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ حَفْصَةَ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَجُلٌ صَالِحٌ "»، ثم روى البخاري أن ابن عمر قال: «إِنِّي لَأَذْكُرُ عُمَرَ حِينَ أَسْلَمَ». وبعد أن رد على من طعن على وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، نعى على مخالفيه تقليدهم وإخضاعهم السنن لهذا التقليد، فقال: إنه لو ثبت رفع اليدين عن الصحابة الذي يستدل بهم المخالفون على عدم الرفع، كابن مسعود، والبراء، وجابر - لم يعدم المخالفون علة يعللون بها ما ورد عنهم، ما دام هذا المروي مخالفًا لرأي رؤسائهم، ولقالوا: «أَنَّ رُؤُسَاءَنَا لَمْ يَأْخُذُوا بِهَذَا , وَلَيْسَ هَذَا بِمَأْخُوذٍ». «وَلَقَدْ قَالَ وَكِيعٌ: " مَنْ طَلَبَ الحَدِيثَ كَمَا جَاءَ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ , وَمَنْ طَلَبَ الحَدِيثَ لِيُقَوِّيَ هَوَاهُ فَهُوَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ ". يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي أَنْ [يُلْقِيَ] رَأْيَهُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ ثَبَتَ الحَدِيثُ , وَلَا [يَعْتَلُّ] بِعِلَلٍ لَا تَصِحُّ لِيُقَوِّيَ هَوَاهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لَمَّا جِئْتُ

стр. 578

بِهِ "». وَقَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: «أَهْلُ العِلْمِ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ أَعْلَمَ , وَهَؤُلَاءِ الْآخِرُ فَالْآخِرُ عِنْدَهُمْ أَعْلَمُ» , وَلَقَدْ قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى جَنْبِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ فَرَفَعْتُ يَدَيَّ، فَقَالَ: " [مَا] خَشِيتَ أَنْ تَطِيرَ؟ " فَقُلْتُ: " إِنْ لَمْ أَطِرْ فِي الْأُولَى لَمْ أَطِرْ فِي الثَّانِيَةِ " قَالَ وَكِيعٌ: " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ المُبَارَكِ كَانَ حَاضِرَ الجَوَابِ "» (ص ١٥ - ١٧). وقد ذكر مخالفوه أن إبراهيم النخعي قال في حديث رفع اليدين، الذِي رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: «لَعَلَّهُ كَانَ فَعَلَهُ مَرَّةً»، ورد البخاري عليه، بأن هذا ظن من إبراهيم، ومعاينة وائل أكثر من حسبان غيره، ثم روى ما يفيد أن وائلاً رأى النبي ﷺ وأصحابه غير مرة، وأن الرفع كان من عادتهم (ص ١٩) (١). وقد أثبتنا في بداية هذه المسألة، ملاحظتنا عن حدة البخاري في مناقشته، واتهامه خصومه بالبدعة، واستبعدنا أن يكون المقصود بذلك هو أبا حنيفة، لأنه لم يكن وحده في القول بعدم رفع اليدين، وإنما كان معه بعض من يعتز بهم المحدثون، ويقدرونهم قدرهم في معرفة الآثار كالثوري ووكيع. وقد جاء فيما تقدم أن البخاري، يرمي خصومه بالتقليد للرؤساء، وهذا دليل على المعاصرة، وقد جاء في كلام البخاري بعد ذلك ما يفسر حدته، بل ما يفسر اختصاص هذه المسألة بتأليف مفرد، وهو أن بعض

стр. 579

الخصوم كان يزعم أن رفع اليدين عند الركوع بدعة. قَالَ البُخَارِيُّ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَفْعَ الْأَيْدِي بِدْعَةٌ، فَقَدْ طَعَنَ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , وَالسَّلَفِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَهْلِ الحِجَازِ، وَأَهْلِ المَدِينَةِ، وَأَهْلِ مَكَّةَ، وَعِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ اليَمَنِ، وَعُلَمَاءِ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنْهُمُ ابْنُ المُبَارَكِ حَتَّى شُيُوخِنَا ...» (ص ١٩). «وَكَانَ الثَّوْرِيُّ , وَوَكِيعٌ , وَبَعْضُ الكُوفِيِّينَ لَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ , وَقَدْ رَوَوْا فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً , وَلَمْ [يُعَنِّفُوا] عَلَى مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ , وَلَوْلَا أَنَّهَا حَقٌّ مَا رَوَوْا تِلْكَ الْأَحَادِيثَ ...» (ص ١٩). وقد استدل المخالفون بحديث: «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ , وَاسْتِقْبَالِ [الكَعْبَةِ] , وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ , وَبِعَرَفَاتٍ , وَبِجَمْعٍ، وَفِي المَقَامَيْنِ، وَعِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ». وَقَدْ أَعَلَّ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ. وعلى فرض صحته، فليس المراد هنا حقيقة الحصر وليس بينه وبين رفع اليدين عند الركوع تناقض، بل الواجب الأخذ بكل الأحاديث، «وقد قَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِرَفْعِ الأَيْدِي فِي تَكْبِيرَاتِ الجَنَازَةِ وَلَيْسَتْ ضِمْنَ السَّبْعِ المُتَقَدِّمَةِ» (ص ٢١، ٢٣). ثُمَّ أَنْهَى البُخَارِيُّ كَلَامَهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ بِتَأْكِيدِ الرَّفْعِ وَاخْتِيَارِهِ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ، أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي عَدَمِ الرَّفْعِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ خِلَافَ ذَلِكَ، حَيْثُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَهَذَا أَحْفَظُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، مَعَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ رِوَايَاتِ غَيْرِ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (ص ٢٣، ٢٥).

стр. 580

القِرَاءَةُ خَلْفَ الإِمَامِ: ذكرنا في فصل (الاتجاه إلى الآثار) أن أبا حنيفة يرى أن القراءة في الصلاة، ليس خصوص فاتحة الكتاب، وإنما هو قراءة ما تيسر من القرآن، أما قراءة الفاتحة بالذات فهذا واجب ليس بفرض، لأنه ثبت بأخبار الآحاد، فمن لم يقرأها صحت صلاته مع الإساءة، لحديث عائشة: «كُلُّ صَلَاةٍ [لَا] يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» أي ناقصة. أَمَّا القِرَاءَةُ خَلْفَ الإِمَامِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى تَرْكِهَا خَلْفَهُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَرْكِهَا فِي حَالَةِ جَهْرِ الإِمَامِ بِالقِرَاءَةِ، وَقِرَاءَتِهَا فِي حَالَةِ الإِسْرَارِ، وَذَهَبَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ إِلَى وُجُوبِ قِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، مُنْفَرِدًا أَوْ مَأْمُومًا، فِي حَالَتَيْ الجَهْرِ وَالإِسْرَارِ. وقد عرض الطحاوي هذا الموضوع، فذكر ثلاثة أحاديث يحتج بها من يرى وجوب القراءة خلف الإمام: - أَوَّلُهَا، حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ. - وَثَانِيهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، الذِي رَوَاهُ أَبُو السَّائِبِ (*) عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً [لَمْ] يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» غَيْرُ تَمَامٍ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ، قَالَ: «اقْرَأْهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ». - وَثَالِثُهَا حَدِيثٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَتَعَايَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ , فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: " [أَتَقْرَأُونَ] خَلْفِي؟ " قُلْنَا: " نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ "، قَالَ: " فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ , فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا "». وقد ناقش الطحاوي هذه الأحاديث: أما الحديثان الأولان فإنهما ساكتان عن محل النزاع، وهو الصلاة خلف الإمام، فقد يجوز أن يكون

стр. 581

عني بهما الصلاة التي لا إمام فيها للمصلي، وَقَدْ فَهِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ هَذَا الفَهْمَ، فِيمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: «" يَا رَسُولَ اللهِ فِي [كُلِّ] الصَّلَاةِ قُرْآنٌ؟ " قَالَ: " نَعَمْ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: " وَجَبَتْ ". قَالَ: وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: " أَرَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَمَّ القَوْمَ , فَقَدْ كَفَاهُمْ "». فلم يبق إلا الحديث الثالث الذي رواه عبادة، وقد روى الطحاوي مجموعة من الآثار تخالفه، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى رَكْعَةً , فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ , فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ» (١)، ومنها حديث: «مَالِي أُنَازَعُ القُرْآنَ؟» عن أبي هريرة، وفيه: «فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ القِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالقِرَاءَةِ , مِنَ الصَّلَوَاتِ , حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ»، وبما رواه عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا». ثم ذكر الطحاوي أنه إذا احتج محتج بأن بعض الصحابة قد كان يقرأ خلف الإمام، احتج عليه بأن بعضهم الآخر كان لا يقرأ، ثم روى عدم القراءة خلف الإمام عَنْ عَلِيٍّ، وابن مسعود، وجابر، وزيد بن ثابت، وابن عمر. ولم ينس الطحاوي أن يحكم النظر بين الآثار المختلفة، فذكر أن القراءة خلف الإمام لو كانت فرضًا، لما صحت الركعة التي أدرك مع الإمام فيها وهو راكع، فلما أجمعوا على أنه يعتد بتلك الركعة، كان ذلك دليلاً على عدم وجوب القراءة على المأموم، ولا يقال إن القراءة سقطت

стр. 582

لضرورة اللحاق بالإمام، لأن الفروض لا تسقط بهذه الضرورة. فلو ترك تكبيرة الإحرام قبل ركوعه، خوفًا من فوت الإمام لما صحت صلاته (١). هذه هي وجهة النظر الحنفي، كما عرضها الطحاوي، فكيف عرض البخاري وجهة نظره؟ لم يذكر البخاري في " صحيحه " إلا ترجمة مختصرة، ولكنها تفصح عن رأيه بوضوح، فقال: (بَابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ). «ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ أَهْلَ الكُوفَةِ اشْتَكَوْا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي "، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: " أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ ... "»، كَمَا رَوَى حَدِيثَ عُبَادَةَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». ثم روى حديث أبي هريرة في المسيء صلاته، وفيه: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» (٢). أما الجزء الأول الذي ألفه البخاري في هذه المسألة، فقد ناقش فيه حجج أهل الرأي مفندًا لها، مبينًا تناقضهم. وقد بدأ عرضه للموضوع بذكر الروايات في قوله ﷺ :

стр. 583

«لَا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»، «كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ (١) أَوْ مُخْدَجَةٌ»، وحديث أبي هريرة: «مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ، فَهِي خِدَاجٌ (ثَلَاثًا) غَيْرَ تَمَامٍ». قُلْتُ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَكُونُ وَرَاءَالْإِمَامِ». قَالَ: «يَا ابْنَ الفَارِسِيِّ، اقْرَأْهَا فِي نَفْسِكَ ...». ثم ذكر أن قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قد فسره ابن عباس بقوله: «هَذِهِ فِي المَكْتُوبَةِ وَالخُطْبَةِ». ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «سَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَسُولَ اللهِ ﷺ " أَفِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ؟ " قَالَ: " نَعَمْ "، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: " وَجَبَتْ "». ولكنه لم يرو تأويل أبي الدرداء لذلك، مما سبق أن رواه الطحاوي. ثم أخذ البخاري بعد ذلك في عرض وجهة نظر أهل الرأي، مشيرًا إليهم بالعبارة نفسها التي استعملها في " صحيحه "، فقال: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُجْزِيهِ آيَةً آيَةً (٢)، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، بِالفَارِسِيَّةِ، وَلَا يَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ»، وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الأَرْبَعِ». «وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأَرْبَعِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ". فَإِنِ احْتَجَّ وَقَالَ: قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : " لَا صَلَاةَ " وَلَمْ يَقُلْ: " لَا يُجْزِي " قِيلَ لَهُ: إِنَّ الخَبَرَ إِذَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَحُكْمُهُ عَلَى اسْمِهِ وَعَلَى الجُمْلَةِ، حَتَّى يَجِيءَ بَيَانُهُ

стр. 584

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " لَا يُجْزِيهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ". فَإِنِ احْتَجَّ، فَقَالَ: إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ جَازَتْ فَكَمَا أَجْزَأَتْهُ فِي الرَّكْعَةِ كَذَلِكَ تُجْزِيهِ فِي الرَّكَعَاتِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا أَجَازَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالذِينَ لَمْ يَرَوُا القِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَأَمَّا مَنْ رَأَى القِرَاءَةَ، فَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يُدْرِكَ الْإِمَامَ قَائِمًا "، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَعَائِشَةُ ﵄: " لَا يَرْكَعُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ "، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا لَكَانَ هَذَا المُدْرِكُ لِلرُّكُوعِ مُسْتَثْنًى مِنَ الجُمْلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ فِيهِ». ثم يبين البخاري تناقض أهل الرأي على استدلالهم لعدم القراءة خلف الإمام، بالآية الكريمة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. فيسألهم: أيثني المأموم على اللهِ والإمام يقرأ؟ فيجيبون: نعم، فيقول لخصمه: إن الثناء تطوع تتم الصلاة بغيره، والقراءة في الأصل واجبة، لقد «أَسْقَطْتَ الوَاجِبَ بِحَالِ الْإِمَامِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وَأَمَرْتَهُ أَنْ لَا يَسْتَمِعَ عِنْدَ الثَّنَاءِ وَلَمْ تُسْقِطْ عَنْهُ الثَّنَاءَ، وَجَعَلْتَ الفَرِيضَةَ أَهْوَنَ حَالًا مِنَ التَّطَوُّعِ، وَزَعَمْتَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ وَالْإِمَامُ [فِي الفَجْرِ فإنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ] لَا يَسْتَمِعُ وَلَا يُنْصِتُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ. وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ [قَالَ]: " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ "» (ص ٤). وَقَدْ ضَعَّفَ البُخَارِيُّ الحَدِيثَ الذِي يَحْتَجُّونَ بِهِ، وَهُوَ «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، ثُمَّ نَاقَشَهُمْ مُنَاقَشَةً عَقْلِيَّةً، ينعى عليهم فيها أنهم أهل قياس لا يحسنونه، لأن القياس الصحيح كان يؤدي بهم إلى خلاف

стр. 585

ما قالوه، فقد «اتَّفَقَ أَهْلُ العِلْمِ وَأَنْتَمُ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِمَامُ فَرْضًا عَنِ القَوْمِ. ثُمَّ قُلْتُمُ: القِرَاءَةُ فَرِيضَةٌ، وَيُحْتَمَلُ الْإِمَامُ هَذَا الفَرْضَ عَنِ القَوْمِ فِيمَا جَهَرَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ، وَلَا يَحْتَمِلُ [الْإِمَامُ] شَيْئًا مِنَ السُّنَنِ، نَحْوَ الثَّنَاءِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، فَجَعَلْتُمُ الفَرْضَ أَهْوَنَ مِنَ التَّطَوُّعِ، وَالقِيَاسُ عِنْدَكَ أَنْ لَا يُقَاسَ الفَرْضُ بِالتَّطَوُّعِ، وَأَلَّا يُجْعَلَ الفَرْضُ أَهْوَنَ مِنَ التَّطَوُّعِ، وَأَنْ يُقَاسَ الفَرْضُ أَوِ الفَرَعُ، بِالفَرْضِ إِذَا كَانَ مِنْ نَحْوِهِ. فَلَوْ قِسْتَ القِرَاءَةَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا فَرْضًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي فَرْضٍ مِنْهَا كَانَ أَوْلَى عِنْدَ مَنْ يَرَى القِيَاسَ أَنْ يَقِيسُوا الفَرْضَ أَوْ الفَرْعَ بِالفَرْضِ» (ص ٤) (١). «بَقِيَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] لَا يُنَافِي القِرَاءَةَ خَلْفَ الإِمَامِ، إِذْ يَسْتَطِيعُ المَأْمُومُ أَنْ يَقْرَأَ الفَاتِحَةَ فِي سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَبَعْدَ الفَرَاغِ مِنْهَا» (ص ٤). ثُمَّ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِي الصَّلَاةِ إِذَا خَطَبَ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَمَعَ أَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ الكَلَامِ أَثْنَاءَ الخُطْبَةِ إِلَّا أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخْطِئْ أَنْ يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ» (ص ١٥). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «إِذَا لَمْ يَقْرَأْ خَلْفَ الْإِمَامِ أَعَادَ الصَّلَاةَ» (ص ١٥). ثم يستمر البخاري في بيان تناقض أهل الرأي ومخالفتهم، فينكر على من يقول منهم: يجزيه أن يقرأ بالفارسية، ويجزيه أن يقرأ بآية، «يَنْقَضُّ آخِرُهُمْ عَلَى أَوَّلِهِمْ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ». ثم يسألهم بما لا يحيرون معه جوابًا، فيقول: «مَنْ أَبَاحَ لَكَ الثَّنَاءَ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ [بِخَبَرٍ أَوْ بِقِيَاسٍ]، وَحَظَرَ عَلَى غَيْرِكَ الفَرْضَ - وَهُوَ القِرَاءَةُ - وَلَا خَبَرَ

стр. 586

عِنْدَكَ وَلَا اتِّفَاقَ لِأَنَّ عِدَّةً مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، لَمْ يَرَوُا الثَّنَاءَ لِلْإِمَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَيُكَبِّرُونَ ثُمَّ يَقْرَؤُونَ فَتَحَيَّرَ عِنْدَهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ». ثم يلقي الضوء على نوع آخر من تناقضهم، معنفًا لهم، فيقول لخصمه: «زَعَمْتَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ أَوِ العَصْرِ أَوِ العِشَاءِ يُجْزِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي رَكْعَةٍ مِنْ أَرْبَعٍ مِنَ التَّطَوُّعِ لَمْ يُجِزِهِ. قُلْتَ: وَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي رَكْعَةٍ مِنَ المَغْرِبِ أَجْزَأَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي رَكْعَةٍ مِنَ الوِتْرِ لَمْ يُجِزِهِ، وَكَأَنَّهُ مُولِعٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (١) (ص٥). «وَقَدْ ضَعَّفَ البُخَارِيُّ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَسَعْدٍ، مِنْ عَدَمِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ، ثُمَّ عَنَّفَ أَهْلَ الرَّأْيِ لِدَعْوَاهُمْ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يُعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ حَتَّى تَكُونَ قِرَاءَةٌ، لِأَنَّ القَائِلِينَ بِذَلِكَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَلَا يُؤْثِرُونَ فِي الإِجْمَاعِ» (ص ١٤). ثم أخذ البخاري يسرد الأدلة على وجوب القراءة في كل ركعة، وأن من يدرك الركوع مع الإمام دون أن يتمكن من القيام والقراءة فإنه لا يعتد بركعته، وعليه أن يأتي بركعة غيرها: «وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ:

стр. 587

إِنَّ كُلَّ مَأْمُومٍ يَقْضِي فَرْضَ نَفْسِهِ، وَالقِيَامُ وَالقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ فَلَا يَسْقُطُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عَنِ المَأْمُومِ وَكَذَلِكَ القِرَاءَةُ فَرْضٌ فَلَا يَزُولُ فَرْضٌ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَقَالَ [أَبُو قَتَادَةُ] وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : " إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ". فَمَنْ فَاتَهُ فَرْضُ القِرَاءَةِ وَالقِيَامِ فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهُ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ » (ص ١٥). «إِنْ اعْتَلَّ مُعْتَلٌّ فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ "، وَلَمْ يَقُلْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَ حِينَ قَالَ: " اقْرَأْ ثُمَّ ارْكَعْ [ثُمَّ اسْجُدْ] ثُمَّ ارْفَعْ فَإِنَّكَ إِنْ أَتْمَمْتَ صَلَاتَكَ عَلَى هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ " ... فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فِيَ كُلِّ رَكْعَةٍ قِرَاءَةً وَرُكُوعًا وَسُجُودًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ عَلَى مَا بَيَّنَ لَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى». وهذا حديث مفسر للصلاة كلها، لا لركعة دون ركعة. «وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ كُلِّهَا "» (ص ١٧، ١٨). وَقَدْ ضَعَّفَ البُخَارِيُّ الزِّيَادَةَ التِي جَاءَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، والزيادة التي ضعفها البخاري هي: «فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ»، هذا إلى أن الحديث إذا قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» فإنما يريد الركعة الكاملة بكل ما تحويه من فرائض من قيام وركوع وسجود، ولا يقتصر معناه على إدراك الركوع (ص ١٩، ٢٢). ثم ذكر البخاري أنه لا يجهر بالقراءة خلف الإمام. وأن المأموم يقرأ في سكتات الإمام، وهي سكتتان: بعد تكبيرة الإحرام، وبعد الفراغ من القراءة قبل الركوع. ثم يروي في آخر الكتاب عن أبي هريرة قال: «إِذَا أَدْرَكْتَ

стр. 588

القَوْمَ رُكُوعًا لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ» (١). هاتان هما المسألتان اللتان أفردهما البخاري بالتأليف، ومن هذا التلخيص الذي قدمنا يتبين فيه قدر غير قليل من العلاقة غير الودية بين أهل الحديث وأهل الرأي، مما فصلناه في غير هذا المكان، كما يكشف هذا التلخيص عن براعة البخاري في المناقشة، ويؤكد تمكنه من الأخبار ومعرفته بعللها، وطريقته في إلزام الخصوم وبيان تناقضهم. أما بقية المسائل التي ناقشها البخاري في " صحيحه "، فلم تحظ بما حظيت به هاتان المسألتان، لأن كتابه في الصحيح يفرض عليه منهجًا خاصًا، لا يتيح له التوسع في مناقشة الآراء والموازنة بينهما، كما قدمنا، وإن لم تخل المسائل التي ناقشها في " صحيحه "، من جوهر هذا الأسلوب وطابعه، كما سيتضح من عرضها فيما يأتي: • • •

стр. 589

المَسَائِلُ التِي انْتَقَدَهَا البُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ: وهي المسائل التي أشار إلى أهل الرأي [فيها] بقوله: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ». هذه المسائل هي: ١ - الركاز: حقيقته، وحكمه. (من كتاب الزكاة). ٢ - إذا قال إنسان لآخر: «أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ»، فهل هذا هبة أو إعارة؟ (من كتاب الهبة). ٣ - إذا قال إنسان آخر: «حَمَلْتُكَ عَلَى هَذَا الفَرَسِ»، فهل هذا هبة أو إعارة؟ (من كتاب الهبة). ٤ - حكم شهادة القاذف. (من كتاب الشهادات). ٥ - حكم إقرار المريض لوارثه بدين. (من كتاب الوصايا). ٦ - حد الأخرس إذا قذف بإشارة أو كتابة - باب اللعان. (من كتاب الطلاق). ٧ - حقيقة النبيذ. (من كتاب الأيمان). ٨ - بيع المكره وهبته (من كتاب الإكراه). ٩ - لو قيل: «لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ أَبَاكَ». (من كتاب الإكراه). ١٠ - كتاب الحيل. ونحن نعتقد أن البخاري لم يبوب كتاب الحيل إلا للرد على أهل الرأي، وقد كرر البخاري فيه عبارة: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ» أربع عشرة مرة. ولذلك مزيد بيان فيما سيأتي. وقد عنى بعض العلماء بجمع هذه المسائل التي اعترض البخاري على الأحناف فيها، ودافع عن وجهة نظرهم، واحتج لهم. ثم رد عليه أحد

стр. 590

علماء الهند في كتاب سماه " رفع الالتباس عن بعض الناس " (١)، وجاء في مقدمته: «فَقَدْ وَقَفْتُ فِي جُزْءٍ مِنْ هَذَا الزَّمانِ عَلَى رِسَالَةٍ مُعَنْوَنَةٍ بِـ (بَعْضُ النَّاسِ فِي دَفْعِ الوَسْوَاسِ)، أُجِيبُ فِيهَا عَمَّا وقعَ فِي " الصَّحِيحِ "، لِلْإِمَامِ المُجْتَهِدِ المُطْلَقِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، بِلَفْظِ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ). فَنَظَّرْتُ فِيهَا نَظْرَةَ المُتَأَمِّلَ، فَوَجَدْتُهَا جَامِعَةً لِشَتَاتِ مَا أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ نَاصِرِي المِلَّةِ الأَحْنَافِ مِنْ شُرَّاحِ " الصَّحِيحِ " وَنُظَّارِهِ، وَلَمْ يَأْتِ جَامِعُ ذَلِكَ الشَّتَاتِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِشَيْءٍ يُدَافِعُ عَنْ مَذْهَبِهِ، أَوْ يُدَارِي عَنْ مَسْلَكِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَفْحَشُ وَنَقْصٌ، وَذَهَبَ مَذْهَبَ الاعْتِسَافِ وَلَوَى رَأَّسَهُ عَنْ الحَقِّ، وَأَعْرَضَ عَنْ مَسْلَكِ الإِنْصَافِ ... فَأَرَدْتُ حِسْبَةً لَهُ تَعَالَى، وَذَبًّا عَنْ أَوْلِيَائِهِ، أَنْ أُزِيلَ الْاِلْتِبَاسَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَقَعُوا فِي هَذَا الوَسْوَاسِ». وقد التزم صاحب هذا الكتاب بحكاية قول المؤلف: «بَعْضُ النَّاسِ»، ويعنون له بقوله: «القَوْلُ المَرْدُودُ»، ثم يجيب عليه، مبتدئًا الإجابة بقوله: «أَقُولُ بِفَضْلِ اللَّهِ المَعْبُودِ». وسوف نعنى في هذه المسائل ببيان أسباب الخلاف بين البخاري وأبي حنيفة، ونرجعه إلى منهجيهما في الاستنباط، ولن نبسط القول إلا بمقدار ما يوضح لنا هذا الجانب. ولنشرع الآن في بيان هذه المسائل:

стр. 591

الرِّكَازُ: حَقِيقَتُهُ، وَحُكْمُهُ: ترجم البخاري لهذه المسألة، مُبَيِّنًا رأيه فيها، ومنتقدًا أهل الرأي، فقال: (بَابٌ: فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ إِدْرِيسَ (*): " الرِّكَازُ: دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُسُ وَلَيْسَ المَعْدِنُ بِرِكَازٍ " وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي المَعْدِنِ: «جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: «مِنَ المَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً» وَقَالَ الحَسَنُ: «مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: " المَعْدِنُ رِكَازٌ، مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. قِيلَ لَهُ: قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ، أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ، ثُمَّ نَاقَضَ، وَقَالَ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ [فَلاَ] يُؤَدِّيَ الخُمُسَ "). ثم روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (١). وملاحظتنا على هذه الترجمة، تتلخص فيما يأتي: - ١ - أن الخلاف هنا هو خلاف في الفهم والتأويل؛ إذ كلا الطرفين يسلم بصحة الحديث ويأخذ به. ولكن البخاري يفسر الركاز الذي فيه الخمس بالأموال التي يعثر عليها المسلم مما دفنه غير المسلمين وخبوه. وأبو حنيفة يوسع من مدلول الركاز، فيجعله شاملاً لدفن الجاهلية، وللمعادن التي توجد في الأرض. والقولان تحتملها اللغة، لأن كلاً منهما مركوز في الأرض، أي ثابت، وأركز الرجل إذا وجد الركاز.

стр. 592

٢ - نقل البخاري في ترجمته تفسير الركاز الذي ارتضاه عن مالك والشافعي. ومن النادر أن يصرح البخاري باسمهما، أو يعنى بذكر رأيهما. ولم أجده يصرح برأيهما إلا في مسألتين: هذه إحداهما، والأخرى في تفسر العرايا. ٣ - أيد البخاري رأيه بأمرين: - أولهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال فِي المَعْدِنِ: «إِنَّهُ جُبَارٌ»، أي هدر لا شيء فيه، ثم عطف عليه الركاز مبينًا أن فيه الخمس، والعطف يقتضي المغايرة. - وثانيهما: فهم التابعين للركاز بهذا المعنى، وهو ما فهمه أيضًا علماء أهل الحجاز، وهم أعرف الناس بلغتهم، وقد كان النبي ﷺ يخاطبهم بمقتضى هذه اللغة. ٤ - حكى البخاري رأي أبي حنيفة. ثم ألزمه بأن المعدن لو كان ركازًا لأنه يقال: «أَرْكَزَ المَعْدِنُ» إذا خرج منه شيء، لأدى ذلك إلى وجوب إخراج الخمس من المال الموهوب أو الربح أو الثمرة - وهو ما لم يقل به أحد - لأنه يقال لمن ملك شيئًا من ذلك: «أَرْكَزَ الرَّجُلُ»، كما يقال لم وجد المعدن: «أَرْكَزَ». ثم ذكر أن أبا حنيفة بعد أن أوجب الخمس في المعدن رجع فناقض نفسه، حين أباح لمن وجده أن يكتمه ولا يؤدي منه شيئًا. والخلاف في تفسير الركاز خلاف قديم بين أهل المدينة وأهل الكوفة، ذكر محمد بن الحسن في كتابه " في الرد على أهل المدينة "، وَ «ذَكَرَ أَنَّ الرِّكَازَ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَعْدَنِ فِي الأَصْلِ، ثُمَّ شَبَّهَ بِهِ المَالَ المَدْفُونَ»، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الرِّكَازُ؟ فَقَالَ: المَالُ الذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الأَرْضِ، يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ».

стр. 593

ثُمَّ رَوَى عَنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَا يُفِيدُ عَطْفَ الرِّكَازِ عَلَى دَفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّ الخُمُسَ فِي كِلَيْهِمَا (١). فِي الهِبَةِ: ٢ - قَالَ البُخَارِيُّ: (بَابُ إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ، عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهُوَ جَائِزٌ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «هَذِهِ عَارِيَّةٌ» وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهُوَ هِبَةٌ). ثم روى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ، فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً»، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ». ٣ - وَقَالَ البُخَارِيُّ: (بَابُ إِذَا حَمَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ، فَهُوَ كَالعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا»). ثم روى فيه عَنْ عُمَرَ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» (٢). هاتان المسألتان تتعلقان بالألفاظ التي تنعقد بها الهبة، وقد أشار البخاري إلى أن هذه الألفاظ خاضعة للعرف والتعامل والظروف التي تحدد نية المعطي: هل إعطاؤه على سبيل الهبة، أو على سبيل الإعارة، وإذا رجع الخلاف إلى العرف والعادة، فلا يكون ثمة خلاف في الواقع. وقد جاء في " الهداية " أَنَّهُ إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: «وَحَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ»،

стр. 594

كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ هِبَةً «إِذَا نَوَى بِالحَمْلِ الهِبَةَ، لِأَنَّ الحَمْلَ هُوَ الإِرْكَابُ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ مَعْنَى العَارِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الهِبَةَ فِي العُرْفِ اللَّغَوِيِّ، إِذْ يُقَالُ: " حَمَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى فَرَسٍ " وَيُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ، أَيْ تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ. وَقَوْلُ القَائِلِ: " أَخْدَمْتُكَ الجَارِيَةَ "، هُوَ تَمْلِيكٌ لِلْخِدْمَةِ، أَيْ المَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ، فَتَكُونُ عَارِيَةً، إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا الهِبَةَ (١). شَهَادَةُ القَاذِفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ: قَالَ البُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": (بَابُ شَهَادَةِ القَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥]. وَجَلَدَ عُمَرُ، أَبَا بَكْرَةَ، وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَنَافِعًا بِقَذْفِ المُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: «مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ». وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُوسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، وَشُرَيْحٌ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: «الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ القَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ». [وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ: «إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ»]. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: «إِذَا جُلِدَ العَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ المَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَإِنْ تَابَ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ المَحْدُودِ وَالعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضَانَ». «وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً»). ثم روى في هذا الباب حديثين: أحدهما عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «أَنَّ امْرَأَةً

стр. 595

سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَقُطِعَتْ يَدُهَا»، قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». أما الحديث الثاني فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى، وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبِ عَامٍ» (١). هذه المسألة ليس فيها حديث يمكن أن يوصف أهل الرأي بمخالفته، وليس في الحديثين اللذين رواهما البخاري ما يرجح أحد الرأيين المختلفين فيها، لأن سبب الاختلاف هنا هو الاختلاف في تأويل الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ...﴾ [النور: ٤، ٥]. ولم يختلف العلماء في أن الفاسق بسبب غير القذف تقبل شهادته إذا عرفت توبته. أما الفاسق بسبب القذف فقد خالف أبو حنيفة والثوري في قبول شهادته إذا تاب، لأنهما يعتبران الاستثناء في الآية عائدًا إلى أقرب مذكور، فالتوبة ترفع الفسق، ولكنها لا تؤثر في قبول الشهادة، لأن رد الشهادة من تمام الحد. فالحد جلد ورد للشهادة وكما لا تسقط التوبة الحد فكذلك لا تسقط رد الشهادة، وبخاصة أن الله أيد المنع من قبول الشهادة فقال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]. أما الجمهور، فقد جعل الاستثناء عائدًا إلى رد الشهادة والفسق، فبالتوبة تقبل شهادته ويرتفع عنه اسم الفسق. وقد صَدَّرَ البخاري ترجمته بالآية الكريمة، ليشير إلى الاختلاف في فهم الآية، ثم أيد مذهب الجمهور فيما رواه عن عمر وبعض التابعين: وقد أفاض ابن القيم في بسط أدلة الفريقين، وروى عدم قبول شهادة المحدود في القذف وإن تاب، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن

стр. 596

ومسروق والشعبي، في إحدى الروايتين عنهم، وهو قول شريح (١). أما التناقض الذي أخذه البخاري على أهل الرأي في الشهادة، حيث منعوا شهادة المحدودين، ثم أجازوا شهادة اثنين منهم في النكاح فقط، ولم يجيزوا شهادة العبيد في النكاح - فهذا صحيح، ولكن هذه التفرقة جاءت باعتبارات مختلفة راعاها أهل الرأي، جاء في " الهداية ": «وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ المُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ، عَاقِلَيْنِ، بَالِغَيْنِ، مُسْلِمَيْنِ، رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَيْنِ، عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ، أَوْ مَحْدُودِينَ فِي القَذْفِ». ثم قال صاحب " الهداية " في شرح ذلك: «وَلَا تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحَضْرَةِ الفَاسِقَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الكَرَامَةِ وَالفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ الوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِإِسْلَامِهِ لَا يُحَرِّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ ... وَالمَحْدُودُ فِي القَذْفِ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا، وَإِنَّمَا الفَائِتُ ثَمَرَةُ الْأَدَاءِ، بِالنَّهْيِ لِجَرِيمَتِهِ، فَلَا يُبَالِي [بِفَوَاتِهِ] كَمَا فِي شَهَادَةِ [العُمْيَانِ] وَابْنَيْ العَاقِدَيْنِ». ولا بد من اعتبار الحرية فيها، لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية على نفسه، فلا تثبت له الولاية على غيره (٢). وقد ذكر ابن رشد في " بداية المجتهد ": ٢/ ١٤ أن المقصود بالشهادة عند أبي حنيفة في النكاح هو إعلانه فقط، ولذا ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين، أما قبول شهادة العدل في هلال رمضان وإن كان عبدًا، فلأنه أمر ديني يشبه رواية الأخبار، ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة (٣) وقد ناقش ابن القيم الآراء في شهادة العبيد مرجحًا قبولها، لأن الإمام أحمد روى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ العَبْدِ» (٤).

стр. 597

إِقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ: قَالَ البُخَارِيُّ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، وَطَاوُوسًا، وَعَطَاءً، وَابْنَ أُذَيْنَةَ: «أَجَازُوا إِقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ». وَقَالَ الحَسَنُ: «أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالحَكَمُ: «إِذَا أَبْرَأَ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ» وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: «أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا». وَقَالَ الحَسَنُ: «إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ، جَازَ». وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «إِذَا قَالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا: إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ جَازَ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالوَدِيعَةِ وَالبِضَاعَةِ وَالمُضَارَبَةِ». وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ». وَلَا يَحِلُّ مَالُ المُسْلِمِينَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «آيَةُ المُنَافِقِ: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلاَ غَيْرَهُ) (١). أراد البخاري بهذه الترجمة الاحتجاج على جواز إقرار المريض بالدين مطلقًا، سواءً كان المقر له وارثًا أو أجنبيًا، فقد سوى سبحانه بين الوصية والدين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، حيث قدمهما على الميراث ولم يفصل. وقد امتنعت الوصية للوارث بالدليل، وهو قوله ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». فبقي الإقرار بالدين على إطلاقه، يشمل الوارث وغير الوارث. وقد استدل أهل الرأي لمنع إقرار المريض لوارثه بالدين، بالحديث

стр. 598

السابق نفسه حيث جاء في بعض طرقه: «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَا إِقْرَارَ لَهُ [بِدَيْنٍ]» (*)، وبما روي عن ابن عمر في ذلك، ولأن الورثة قد تعلق حقهم بمال المريض أثناء مرض الموت، ولهذا يمنع من التبرع على الورثة أصلاً، ففي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين. ولهذا يجوز إقرار المريض للوارث إذا صدقه الورثة، لأنهم أسقطوا حقهم حينئذٍ. وعلى الرغم من أن الزيادة التي استدل بها أهل الرأي، وهي: «وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِدَيْنٍ» هي زيادة شاذة غير مشهورة - رأي مالك رأي الأحناف إذا اتهم المقر. وحكى العيني عَن شُرَيْحٍ وَالحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ: «لَا يَجُوزُ إِقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثٍ إِلاَّ لِزَوْجَتِهِ بِصَدَاقِهَا، [وَعَنْ القَاسِم وَسَالِمٍ] وَالثَّوْري: «لَا يَجُوزُ إِقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثِهِ مُطْلَقًا» ... وَبِه قَالَ أَحْمَدُ. وقد فرق أهل الرأي بين الإقرار بالدين والإقرار بالوديعة وغيرها، لأن مبنى الإقرار بالدين على اللزوم والأمانة فرق عظيم. هكذا قالوا. وهو غير مقنع. ويريدون باللزوم أنه يلزم أداؤه وضمانه، أما الأمانة فلا يلزم فيها الضمان، فلو مات دون أن يقر بها لضاعت إلى غير بدل. وأهل الرأي على كل حال، لم ينفردوا برأيهم في هذه المسألة، حتى أن ابن القيم ليقول: «إقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ بَاطِلٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ لِلتُّهْمَةِ» (١). لِعَانُ الأَخْرَسِ، وَحَدُّهُ إِذَا قَذَفَ: قَالَ البُخَارِيُّ: (بَابُ اللِّعَانِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] «فَإِذَا

стр. 599

قَذَفَ الأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ، بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِإِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ، فَهُوَ كَالمُتَكَلِّمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ الإِشَارَةَ فِي الفَرَائِضِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الحِجَازِ وَأَهْلِ العِلْمِ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] «إِلَّا إِشَارَةً». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الطَّلاَقَ بِكِتَابٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالقَذْفِ فَرْقٌ، فَإِنْ قَالَ: القَذْفُ لاَ يَكُونُ إِلَّا بِكَلاَمٍ، قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ الطَّلاَقُ لَا [يَجُوزُ] إِلَّا بِكَلاَمٍ، وَإِلَّا بَطَلَ الطَّلاَقُ وَالقَذْفُ، وَكَذَلِكَ العِتْقُ، وَكَذَلِكَ الأَصَمُّ يُلاَعِنُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: «إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «الأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلاَقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ». وَقَالَ حَمَّادٌ: «الأَخْرَسُ وَالأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ، جَازَ». ثم روى البخاري أحاديث تفيد استعمال النبي ﷺ الإشارة في بعض الأمور، مثل الحديث: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا»، وكإشارته ﵇ إلى اليمين ثم قوله: «الإِيمَانُ هَا هُنَا»، وكقوله ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» - يَعْنِي: ثَلاَثِينَ ... (١). عمدة الأحناف في المنع من حد الأخرس بإشارته، أن هذه الإشارة لا تعرى عن الشبهة، والحد يندرئ بها، بخلاف البيوع وسائر التصرفات، واللعان من قبيل الشهادة، حتى إنه يختص بلفظ «أَشْهَدُ»، ولو كان مكانها

стр. 600

«أَحْلِفُ» لم يجر اللعان، والأخرس لا تقبل شهادته في الأموال، فكذلك في اللعان (١). والأحاديث التي ذكرها البخاري ليس فيها ما يؤيد أحد القولين في هذه المسألة بالذات، وإن كان فيها اعتبار الإشارة في التصرفات بوجه عام وهو ما يقول به أهل الرأي، غير أنهم يستثنون من ذلك لعان الأخرس وقذفه، لما سبق. مَفْهُومُ النَّبِيذِ بَيْنَ البُخَارِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ: قَالَ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ: (بَابُ إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا، فَشَرِبَ طِلاَءً، أَوْ سَكَرًا، أَوْ عَصِيرًا - لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ) (٢). الطِّلَاءُ: هو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل ثلثيه، وَالسَّكَرُ: نقيع التمر، والعصير هو عصير العنب. لا شك أن الأيمان مبنية على العرف، فإذا كان العرف يطلق على هذه الأنواع لفظ النبيذ، إن صنعت بطريقة خاصة، أو أطلقها على ما يصنع من غير هذه الأنواع، فإن الحالف لا يحنث بشر ما لا يطلق عليه. أما رأي أبي حنيفة في الخمر المحرمة، فقد سبق الكلام عنه، وقد أجمل صاحب " الهداية " الأشربة المحرمة في قوله: «الْأَشْرِبَةُ المُحَرَّمَةُ أَرْبَعَةٌ: الخَمْرُ وَهِيَ عَصِيرُ العِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، وَالعَصِيرُ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ - وَهُوَ الطِّلَاءُ [المَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ]، وَنَقِيعُ التَّمْرِ - وَهُوَ السَّكَرُ -، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى» (٣).
следующие страницы →