ومسروق والشعبي، في إحدى الروايتين عنهم، وهو قول شريح (١).
أما التناقض الذي أخذه البخاري على أهل الرأي في الشهادة، حيث منعوا شهادة المحدودين، ثم أجازوا شهادة اثنين منهم في النكاح فقط، ولم يجيزوا شهادة العبيد في النكاح - فهذا صحيح، ولكن هذه التفرقة جاءت باعتبارات مختلفة راعاها أهل الرأي، جاء في " الهداية ": «وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ المُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ، عَاقِلَيْنِ، بَالِغَيْنِ، مُسْلِمَيْنِ، رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَيْنِ، عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ، أَوْ مَحْدُودِينَ فِي القَذْفِ». ثم قال صاحب " الهداية " في شرح ذلك: «وَلَا تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحَضْرَةِ الفَاسِقَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الكَرَامَةِ وَالفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ الوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِإِسْلَامِهِ لَا يُحَرِّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ ... وَالمَحْدُودُ فِي القَذْفِ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا، وَإِنَّمَا الفَائِتُ ثَمَرَةُ الْأَدَاءِ، بِالنَّهْيِ لِجَرِيمَتِهِ، فَلَا يُبَالِي [بِفَوَاتِهِ] كَمَا فِي شَهَادَةِ [العُمْيَانِ] وَابْنَيْ العَاقِدَيْنِ». ولا بد من اعتبار الحرية فيها، لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية على نفسه، فلا تثبت له الولاية على غيره (٢).
وقد ذكر ابن رشد في " بداية المجتهد ": ٢/ ١٤ أن المقصود بالشهادة عند أبي حنيفة في النكاح هو إعلانه فقط، ولذا ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين، أما قبول شهادة العدل في هلال رمضان وإن كان عبدًا، فلأنه أمر ديني يشبه رواية الأخبار، ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة (٣) وقد ناقش ابن القيم الآراء في شهادة العبيد مرجحًا قبولها، لأن الإمام أحمد روى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ العَبْدِ» (٤).
стр. 597
إِقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ:
قَالَ البُخَارِيُّ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، وَطَاوُوسًا، وَعَطَاءً، وَابْنَ أُذَيْنَةَ: «أَجَازُوا إِقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ». وَقَالَ الحَسَنُ: «أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالحَكَمُ: «إِذَا أَبْرَأَ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ» وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: «أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا». وَقَالَ الحَسَنُ: «إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ، جَازَ». وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «إِذَا قَالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا: إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ جَازَ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالوَدِيعَةِ وَالبِضَاعَةِ وَالمُضَارَبَةِ». وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ». وَلَا يَحِلُّ مَالُ المُسْلِمِينَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «آيَةُ المُنَافِقِ: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلاَ غَيْرَهُ) (١).
أراد البخاري بهذه الترجمة الاحتجاج على جواز إقرار المريض بالدين مطلقًا، سواءً كان المقر له وارثًا أو أجنبيًا، فقد سوى سبحانه بين الوصية والدين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، حيث قدمهما على الميراث ولم يفصل. وقد امتنعت الوصية للوارث بالدليل، وهو قوله ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». فبقي الإقرار بالدين على إطلاقه، يشمل الوارث وغير الوارث.
وقد استدل أهل الرأي لمنع إقرار المريض لوارثه بالدين، بالحديث
стр. 598
السابق نفسه حيث جاء في بعض طرقه: «أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَا إِقْرَارَ لَهُ [بِدَيْنٍ]» (*)، وبما روي عن ابن عمر في ذلك، ولأن الورثة قد تعلق حقهم بمال المريض أثناء مرض الموت، ولهذا يمنع من التبرع على الورثة أصلاً، ففي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين. ولهذا يجوز إقرار المريض للوارث إذا صدقه الورثة، لأنهم أسقطوا حقهم حينئذٍ.
وعلى الرغم من أن الزيادة التي استدل بها أهل الرأي، وهي: «وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِدَيْنٍ» هي زيادة شاذة غير مشهورة - رأي مالك رأي الأحناف إذا اتهم المقر. وحكى العيني عَن شُرَيْحٍ وَالحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ: «لَا يَجُوزُ إِقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثٍ إِلاَّ لِزَوْجَتِهِ بِصَدَاقِهَا، [وَعَنْ القَاسِم وَسَالِمٍ] وَالثَّوْري: «لَا يَجُوزُ إِقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثِهِ مُطْلَقًا» ... وَبِه قَالَ أَحْمَدُ.
وقد فرق أهل الرأي بين الإقرار بالدين والإقرار بالوديعة وغيرها، لأن مبنى الإقرار بالدين على اللزوم والأمانة فرق عظيم. هكذا قالوا. وهو غير مقنع. ويريدون باللزوم أنه يلزم أداؤه وضمانه، أما الأمانة فلا يلزم فيها الضمان، فلو مات دون أن يقر بها لضاعت إلى غير بدل.
وأهل الرأي على كل حال، لم ينفردوا برأيهم في هذه المسألة، حتى أن ابن القيم ليقول: «إقْرَارُ المَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ بَاطِلٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ لِلتُّهْمَةِ» (١).
لِعَانُ الأَخْرَسِ، وَحَدُّهُ إِذَا قَذَفَ:
قَالَ البُخَارِيُّ: (بَابُ اللِّعَانِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] «فَإِذَا
стр. 599
قَذَفَ الأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ، بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِإِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ، فَهُوَ كَالمُتَكَلِّمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ الإِشَارَةَ فِي الفَرَائِضِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الحِجَازِ وَأَهْلِ العِلْمِ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] «إِلَّا إِشَارَةً». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الطَّلاَقَ بِكِتَابٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالقَذْفِ فَرْقٌ، فَإِنْ قَالَ: القَذْفُ لاَ يَكُونُ إِلَّا بِكَلاَمٍ، قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ الطَّلاَقُ لَا [يَجُوزُ] إِلَّا بِكَلاَمٍ، وَإِلَّا بَطَلَ الطَّلاَقُ وَالقَذْفُ، وَكَذَلِكَ العِتْقُ، وَكَذَلِكَ الأَصَمُّ يُلاَعِنُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: «إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «الأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلاَقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ». وَقَالَ حَمَّادٌ: «الأَخْرَسُ وَالأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ، جَازَ».
ثم روى البخاري أحاديث تفيد استعمال النبي ﷺ الإشارة في بعض الأمور، مثل الحديث: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا»، وكإشارته ﵇ إلى اليمين ثم قوله: «الإِيمَانُ هَا هُنَا»، وكقوله ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» - يَعْنِي: ثَلاَثِينَ ... (١).
عمدة الأحناف في المنع من حد الأخرس بإشارته، أن هذه الإشارة لا تعرى عن الشبهة، والحد يندرئ بها، بخلاف البيوع وسائر التصرفات، واللعان من قبيل الشهادة، حتى إنه يختص بلفظ «أَشْهَدُ»، ولو كان مكانها
стр. 600
«أَحْلِفُ» لم يجر اللعان، والأخرس لا تقبل شهادته في الأموال، فكذلك في اللعان (١).
والأحاديث التي ذكرها البخاري ليس فيها ما يؤيد أحد القولين في هذه المسألة بالذات، وإن كان فيها اعتبار الإشارة في التصرفات بوجه عام وهو ما يقول به أهل الرأي، غير أنهم يستثنون من ذلك لعان الأخرس وقذفه، لما سبق.
مَفْهُومُ النَّبِيذِ بَيْنَ البُخَارِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ:
قَالَ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ: (بَابُ إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا، فَشَرِبَ طِلاَءً، أَوْ سَكَرًا، أَوْ عَصِيرًا - لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ) (٢).
الطِّلَاءُ: هو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل ثلثيه، وَالسَّكَرُ: نقيع التمر، والعصير هو عصير العنب.
لا شك أن الأيمان مبنية على العرف، فإذا كان العرف يطلق على هذه الأنواع لفظ النبيذ، إن صنعت بطريقة خاصة، أو أطلقها على ما يصنع من غير هذه الأنواع، فإن الحالف لا يحنث بشر ما لا يطلق عليه. أما رأي أبي حنيفة في الخمر المحرمة، فقد سبق الكلام عنه، وقد أجمل صاحب " الهداية " الأشربة المحرمة في قوله: «الْأَشْرِبَةُ المُحَرَّمَةُ أَرْبَعَةٌ: الخَمْرُ وَهِيَ عَصِيرُ العِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، وَالعَصِيرُ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ - وَهُوَ الطِّلَاءُ [المَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ]، وَنَقِيعُ التَّمْرِ - وَهُوَ السَّكَرُ -، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى» (٣).
ما كان الخلل في وصفه دون أصله.
وقد اعتبر الأحناف أن تصرف المُكْرَهِ هنا ينعقد فاسدًا، حتى أن الملك يثبت به القبض، لأن ركن البيع صدر من أهله مضافًا إلى محله، والفساد لفقد شرطه وهو التراضي، فصار كسائر الشروط المفسدة، فيثبت الملك عند القبض، حتى لو قبضه وأعتقه، أو تصرف فيه تصرفًا لا يمكن نقضه، جاز، ويلزمه القيمة (١).
ولذلك يقول السِّنْدِيُّ في تعليقه على المسألة الأولى: «حَاصِلُ كَلَامِ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ بَيْعَ المُكْرَهِ مُنْعَقِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ لِتَعَلُّقِ حَقِّ العَبْدِ بِهِ، فَيَجِبُ تَوَقُّفُهُ إِلَى إِرْضَائِهِ إِلَّا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ المُشْتَرِي تَصَرُّفًا لَا يَقْبَلُ الفَسْخَ، فَحِينَئِذٍ قَدْ تَعَارَضَ فِيهِ حَقَّانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْعَبْدِ حَقُّ المُشْتَرِي وَحَقُّ البَائِعِ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ مَعَ لُزُومِ البَيْعِ بِإِلْزَامِهِ القِيمَةَ عَلَى المُشْتَرِي بِخِلَافِ حَقِّ المُشْتَرِي، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ مَعَ فَسْخِ البَيْعِ مَعَ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَقْبَلُ الفَسْخَ فَصَارَ اعْتِبَارُهُ أَرْجَحَ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ تَصَرُّفًا يَقْبَلُ الفَسْخَ فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ حَقَّ البَائِعِ عِنْدَهُمْ وَهَذَا الفَرْقُ مِنْهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ المُكْرَهِ مُنْعَقِدٌ مَعَ الفَسَادِ، وَهُمْ يَقُولُونَ بِهِ، فَالنِّزَاعُ مَعَهُمْ فِي هَذَا الأَصْلِ ...» (٢).
أما المسألة الثانية، فكلام أهل الرأي فيها مبني على أن الإكراه في كل شيء بحسبه، فتخليص القاتل عن المعصية، والمقتول عن القتل، لا يكون إكراهًا لغيرهما على المعصية. فإذا قال قائل: اعص اللهَ وإلا فأعصيه أنا، فلا ينبغي له أن يعصيه، ولا يعد ذلك إكراهًا على المعصية، ولهذا لم يعدوا مكرهًا من قيل له: لتشربن الخمر أو لأقتلن فلانًا من الناس.
أما الإكراه على البيع والهبة بقتل ذي رحم محرم، ففي استطاعته
стр. 603
الإقدام على هذه العقود لتخليص قريبه، لأن الإقدام على العقود ليس معصية، وهي تنعقد فاسدة، فيدفع بها القتل عن القريب، والتهديد بقتل ذي الرحم المحرم هو الذي يتحقق فيه معنى الإكراه، بخلاف قتل الأجنبي (١).
ونقد البخاري أهل الرأي في المسألة الثانية، يعتبر نموذجًا واضحًا للاتجاه الخلقي الديني عند المحدثين، حيث أوجب على كل مسلم أن يسعى في إنقاذ أي مسلم، وإن لم يكن قريبه قرابة نسبية، إذ ليست هذه القرابة هي كل ما يربط بين المسلمين، بل هناك علاقة الإسلام وأخوة الإيمان. ولهذا روى في المسألة الثانية حديث: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ». وحديث: «" انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: " تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ "».
وصدورًا عن هذا الاتجاه نفسه، جاء نقد البخاري أهل الرأي فيما تبقى من المسائل، والتي جمعها كتاب الحيل من " صحيحه ". ولعلنا نذكر أن إبطال الحيل كان إحدى نتيجتين للاتجاه الخلقي الديني، وكنا قد أجلنا الحديث عنه، ووعدنا أن نتعرض له في هذا الفصل. وها قد حان موعد لقائنا معه.
стр. 604
الحِيَلُ وَالمَسَائِلُ التِي نَقَدَ البُخَارِيُّ أَهْلَ الرَّأْيِ بِسَبَبِهَا:
موقف المحدثين من الحيل مرتبط تمامًا بالاتجاه الخلقي المنبعث عن ضمير ديني عندهم، ورأيهم في الحيل وثيق الصلة بالنيات والمقاصد، ولهذا صَدَّرَ البخاري كتاب الحيل بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، مستدلاً به على إبطالها. وقد امتدحه ابن القيم في هذا، وأكد أن هذا الحديث وحده كافٍ في إبطال الحيل، حيث دل على أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله، إلا ما نواه وأبطنه، لا ما أعلنه وأظهره (١).
وذكر ابن القيم هذا الحديث في موضع آخر، فقال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ كَلِمَتَيْنِ كَفَتَا وَشَفَتَا وَتَحْتَهُمَا كُنُوزُ العِلْمِ وَهُمَا قَوْلُهُ: " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " [فَبَيَّنَ فِي الجُمْلَةِ الْأُولَى أَنَّ العَمَلَ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَكُونُ عَمَلٌ إلَّا بِنِيَّةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ] أَنَّ العَامِلَ لَيْسَ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ إلَّا مَا نَوَاهُ وَهَذَا يَعُمُّ العِبَادَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ وَالْأَيْمَانَ وَالنُّذُورَ وَسَائِرَ الْعُقُودِ وَالْأَفْعَالِ» (٢).
ومما يؤكد الصلة التي تربط بين اتجاه المحدثين الخلقي وموقفهم من الحيل، أن ابن حجر قد رجع الخلاف في إجازة الحيل إلى الاختلاف في صيغ العقود، هل المعتبر فيها ألفاظها، أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل (٣).
стр. 605
وقد أشرنا في بداية الفصل إلى أن هدف البخاري من كتاب الحيل هو الرد على أهل الرأي، ونقدهم في القول بإجازة الحيل، ومما يؤيد هذا أمران:
أولهما: أن الأحاديث التي ذكرها في هذا الكتاب هي أحاديث مكررة، ليس من بينها حديث واحد لم يسبق ذكره في باب مناسب له (١) وهذا يدل على أن تكرير الحديث هنا ليس له من فائدة جديدة إلا الاستدلال به على إبطال حيلة ذهب إليها أهل الرأي.
وثانيهما: أن الجملة التي عهدناها عند حكايته قول أهل الرأي، وهي: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ» قد تكررت في كتاب الحيل أربع عشرة مرة. وهذا العدد يزيد على المرات التي تكررت فيها في " صحيح البخاري " كله مما يبين أن مسائل الحيل كلها موضع نقاش وجدل بين البخاري والأحناف.
هذا إلى أنه قد حدد موقفه من الحيل على اختلاف أنواعها، بقوله في أول كتاب الحيل (بَابٌ [فِي تَرْكِ] الحِيَلِ ...)، فالحيل كلها باطلة في رأيه، فما الداعي إذن ليتكلم في مسائلها، إلا أن يكون ذلك للرد على من يقول بها؟
وقد رد البخاري على قول بعض الناس ثلاث مرات في الزكاة، وخمس مرات في النكاح، ومرة واحدة في الغصب، وخمس مرات في الهبة والشفعة.
وقبل عرض هذه المسائل ومناقشتها يحسن بنا أن نتعرف على حقيقة الحيل، وأنواعها، وحكم كل نوع منها، ومن القائلون بها؟
الحيلة مشتقة من التحول، فهي إذن نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث
стр. 606
لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، سواءً كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا.
ثم استعملت فيما هو أخص من هذا، وهو التوصل إلى الغرض الممنوع شرعًا، وهذا هو الغالب عليها في عرف الفقهاء.
وكما يذم الناس أرباب هذا النوع الأخير من الحيل، يذمون أيضًا العاجز الذي لا حيلة عنده، لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه. فالأول ماكر مخادع، والثاني عاجز مفرط، والممدوح غيرهما، وهو من له خبرة بطرق الخير والشر، خفيها وظاهرها، فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله ﷺ ، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به، فيحترز منها ولا يفعلها ولا يدل عليها.
وهذه كانت حال سادات الصحابة ﵃، فإنهم كانوا أبر الناس قلوبًا، وأعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى للهِ من أن يرتكبوا منها شيئًا أو يدخلوه في الدين. قال عمر بن الخطاب ﵁: «لَسْتُ بِخِبٍّ، وَلَا يَخْدَعُنِي الخِبُّ». «وَكَانَ حُذَيْفَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالشَّرِّ وَالفِتَنِ، وَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الخَيْرِ وَكَانَ هُوَ يَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيهِ»، إذ القلب السليم ليس هو الجاهل بالشر، بل الذي يعرفه ولا يريده -، «وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَمَّى الحَرْبَ خُدْعَةً»، ولهذا كانت الحيلة بمعناها العام يمكن أن توصف بالأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة، باعتبار الوسيلة في الحيلة والغاية منها (١).
تَقْسِيمُ الشَّاطِبِيِّ:
وقد قسم الشاطبي (٢) الحيل ثلاثة أقسام: القسم الأول، لا خلاف في بطلانه، كحيل المرائين والمنافقين، فالنطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما
стр. 607
من العبادات إنما شرعت للتقرب إلى الله، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد، فإذا أريد بها نيل الحظ من الدنيا، من دفع مضرة أو جلب مصلحة، كالناطق بالشهادتين بقصد صيانة دمه وماله فقط، أو المصلي رئاء الناس ليحمد على ذلك أو ينال به حظًا في الدنيا - كانت هذه الأعمال مناقضة للمشروع، وإن وافقته في الظاهر. وقد أطال ابن القيم في بيان الحيل المحرمة وأنواعها وأوضح بطلانها وفسادها (١).
والقسم الثاني: لا خلاف في جوازه، كالنطق بكلمة الكفر إكراهًا عليها، فإن نسبة التحيل بها في إحراز الدم بالقصد الأول من غير اعتقاد لمقتضاها - كنسبة التحيل بكلمة الإسلام في إحراز الدم بالقصد الأول كذلك. إلا أن هذا مأذون فيه، لكونه مصلحة دنيوية لا مفسدة فيها بإطلاق لا في الدنيا ولا في الآخرة. بخلاف الأول، فإنه غير مأذون فيه لكونه مفسدة أخروية بإطلاق، والمصالح والمفاسد الأخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق، إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فمعلوم أن ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع فكان باطلاً.
أما القسم الثالث: فهو في محل الإشكال والغموض، وفيه اضطربت أنظار النظار، من جهة أنه لم يتبين فيه بدليل واضح قطعي لحاقه بالقسم الأول أو الثاني، ولم يتبين فيه للشارع مقصد يتفق على أنه مراد له، ولم يتبين أنه على خلاف المصلحة التي وضعت لها الشريعة بحسب المسألة المفروضة فيه. فصار هذا القسم من هذا الوجه متنازعًا فيه هل هو غير مخالف للمصلحة، فالتحيل جائز، أو هو مخالف لها فالتحيل ممنوع؟
стр. 608
أَدِلَّةُ المُجِيزِينَ لِلْحِيَلِ:
وقد احتج الذين أجازوا الحيل بأدلة كثيرة (١) منها:
أ - قول الله لداود: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٢)، وقد كان نذر أن يضرب زوجته عددًا من الضربات، وفي العادة المتعارفة أن الضربات تكون متفرقة، فأرشده الله سبحانه إلى الحيلة في خروجه من اليمين.
ب - أخبر تعالى عن نبيه يوسف أنه جعل صواعه في رحل أخيه، ليتوصل بذلك إلى أخذه، ومدحه الله بذلك، وأخبر أنه برضاه وإذنه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
ج - قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤). فأخبر سبحانه أنه مكر بمن مكر بأنبيائه ورسله. وكثير من الحيل هذا شأنها، يمكر بها على الظالم والفاجر، ومن يعسر تخليص الحق منه، فتكون وسيلة إلى نصر مظلوم وقهر ظالم.
د - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٥). أي مخرجًا مما ضاق على الناس، والحيل مخارج مما ضاق عليهم، فالحالف قد يضيق عليه ما ألزم نفسه به، فيكون له بالحيلة مخرج منه. والرجل تشتد به الحاجة إلى الإنفاق ولا يجد من يقرضه، فيكون له بالحيلة مخرج منه عن طريق العينة وغيرها، ولو لم يفعل ذلك لهلك ولهلكت عياله، فهو محصور بين ثلاثة
стр. 609
أمور لا بد له من واحد منها: إما إضاعة نفسه وعياله، وإما الربا الصريح، وإما المخرج من هذا الضيق بالحيلة، وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور؟
هـ - روى البخاري أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، فَقَالَ: [لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ]، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا». وقال في الميزان مثل ذلك (١) فأرشده إلى الحيلة للتخلص من الربا بتوسط العقد الآخر.
و- الحيل معاريض في الفعل، مثل معاريض القول. وإذا كان في الأخيرة مندوحة عن الكذب، ففي معاريض الفعل مندوحة عن المحرمات. وَقَدْ لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ طَائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: «مِمَّنْ أَنْتُمْ؟». فقال رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «مِنْ مَاءٍ». فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: «أَحْيَاءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، فَلَعَلَّهُمْ مِنْهُمْ»، وَانْصَرَفُوا (*).
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «احْمِلْنِي»، فَقَالَ: «مَا عِنْدَنَا إِلَّا وَلَدًا لِنَاقَةٍ». فَقَالَ ﵊: «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلُ إِلَّا النُّوقَ؟» (*).
وروي مثل ذلك عن كثير من الصحابة والتابعين، مثل إبراهيم النخعي الذي كان يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده - وكان متخفيًا من الحجاج -: «إِنْ سُئِلْتُمْ عَنِّي فَاحْلِفُوا بِاللَّهِ لَا تَدْرُونَ أَيْنَ أَنَا، وَلَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَنَا وَاعْنُوا أَيْنَ أَنَا مِنَ البَيْتِ، وَفِي أَيِّ مَوَضِعٍ مِنْهُ» (**).
وعن مجاهد، عن ابن عباس قال: «مَا يَسُرُّنِي بِمَعَارِيضِ الكَلَامِ حُمْرَ النَّعَمِ».
стр. 610
أَدِلَّةُ المَانِعِينَ مِنَ الحِيَلِ:
وقد رد الذين لم يجيزوا الحيل على هذه الأدلة بما نخشى معه الإطالة لو ذكرناه هنا، ولكنا نشير إلى أنهم قد ردوا على الاستدلال بقول الله تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]، وحادثة الصواع في قصة يوسف، بأن ذلك كان جائزًا في شرائعهم دون شريعتنا، فلا يصح الاستدلال به، وعلى قصة بيع الجمع بالدراهم بأن قول رسول الله ﷺ : «بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ»، ينصرف البيع فيه إلى البيع المعهود عُرْفًا وَشَرْعًا، ولم يقصد إلى أن يبيع الجمع بالدراهم لرجل ثم يأخذ من المشتري نفسه نوعًا آخر. وعلى المعاريض بأنها لا تجوز إلا إذا تضمنت نصر حق أو إبطال باطل، أما إذا تضمنت استباحة الحرام وإسقاط الواجبات فإنها لا تجوز (١).
وقد عَرَّفَ ابن القيم الحيلة التي وقع فيها النزاع بما كانت الوسيلة فيها لم توضع للإفضاء إلى المحرم، ولكنها وضعت للإفضاء إلى المشروع كالإقرار والبيع والنكاح والهبة، فيتخذها المتحيل سلمًا وطريقًا إلى الحرام.
أما الحيل التي ارتضاها ورأى أنها مباحة، فهي ما قصد بها التوصل إلى حق أو إلى دفع ظلم بطريق مباحة، لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو يكون قد وضعت له لكن تكون خفية ولا يفطن إليها (٢).
أما موقف العلماء من الحيل، فيذكر ابن حجر أن القول بها قد اشتهر عن الأحناف، لكون أبي يوسف صنف فيها كتابًا، لكن المعروف عنه، وعن كثير من أئمتهم إعمالها بقصد الحق (٣).
стр. 611
وقد ادعي على أبي حنيفة أنه ألف كتابًا في الحيل، ولكن هذا الادعاء لم تثبت صحته، وإن أثر عنه روايات فيها. أما تلميذه محمد بن الحسن فقد نسب إليه كتاب في الحيل، ولكن نسبة هذا الكتاب إليه قد أثير حولها الشك منذ العصر الأول، وإن رجح السرخسي نسبته إليه، كما ألف في الحيل أيضًا الخصاف (١)، من أئمة الأحناف في القرن الثالث.
وقد أثبت الشيخ محمد أبو زهرة أن الحيل التي احتوى عليها كِتَابَا محمد والخصاف، كانت من النوع المباح الذي ارتضاه ابن القيم ويؤيده ما ذكرناه عن ابن حجر آنفًا من أن المعروف عن أبي يوسف وعن كثير من أئمة الأحناف أنهم يقيدون إعمال الحيل بقصد الحق، كما نقل في موضع آخر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ «لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ المُؤْمِنِينَ الفِرَارُ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ بِالحِيَلِ المُوصِلَةِ إِلَى إبْطَالِ الحَقِّ» (٢)، وَذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ الكَبِيرُ رَاوِي " كِتَابِ الحِيَلِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: «مَا احْتَالَ بِهِ المُسْلِمُ حَتَّى يَتَخَلَّصَ بِهِ مِنَ الحَرَامِ، أَوْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الحَلَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا احْتَالَ بِهِ حَتَّى يُبْطِلَ حَقًّا أَوْ يُحِقَّ بَاطِلًا أَوْ لِيُدْخِلَ بِهِ شُبْهَةً فِي حَقٍّ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَالمَكْرُوهُ عِنْدَهُ إِلَى الحَرَامِ أَقْرَبُ» (٣).
ويقول السرخسي: «فَالحَاصِلُ: أَنَّ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الحَرَامِ أَوْ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الحَلَالِ مِنَ الحِيَلِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَالَ فِي [حَقٍّ لِرَجُلٍ] حَتَّى يُبْطِلَهُ، أَوْ فِي بَاطِلٍ حَتَّى يُمَوِّهَهُ، أَوْ فِي حَقٍّ حَتَّى يُدْخِلَ فِيهِ شُبْهَةً، فَمَا كَانَ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ» (٤).
стр. 612
لَمْ يَنْفَرِدْ الأَحْنَافُ بِإِجَازَةِ الحِيَلِ:
ولم ينفرد الأحناف من بين المذاهب الأخرى بالقول بالحيل، بل شاركهم القول بها الشافعية والمالكية والحنابلة وبخاصة بعد وفاة أئمة هذه المذاهب: فالشافعية قد أجازوا التحيل على إسقاط الشفعة، وقالوا بجواز التحيل على بيع المعدوم من الثمار، فَضْلاً عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ، وأجازوا مسألة العينة، وهي ملك أبواب الحيل. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْمَالِكِيَّةُ لَهُمْ مِنْ أُصُولِهِمْ مَا يَسُدُّ بَابَ الحِيَلِ سَدًّا مُحْكَمًا، «إِذْ عِنْدَهُمْ [أَنَّ] الشَّرْطَ الْمُتَقَدِّمَ كَالمُقَارَنِ، وَالشَّرْطَ العُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ، وَالقُصُودُ فِي العُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ، وَالذَّرَائِعُ يَجِبُ سَدُّهَا -[فَجَوَّزُوا] التَّحَيُّلَ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ ... وَكَذَلِكَ الحَنَابِلَةُ لَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الحِيَلِ» (١).
وَيَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ: «[وَالْمُتَأَخِّرُونَ] أَحْدَثُوا حِيَلًا لَمْ يَصِحَّ القَوْلُ بِهَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَنَسَبُوهَا إلَى [الْأَئِمَّةِ]، وَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي نِسْبَتِهَا إلَيْهِمْ ... وَأَكْثَرُ الْحِيَلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ المُنْتَسِبُونَ إلَى [مَذْهَبِهِ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ]، تَلَقَّوْهَا عَنْ الْمَشْرِقِيِّينَ، وَأَدْخَلُوهَا فِي مَذْهَبِهِ، وَإِنْ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجْرِي العُقُودَ عَلَى ظَاهِرِهَا، [وَلَا يَنْظُرُ إلَى] قَصْدِ العَاقِدِ وَنِيَّتِهِ ... [فَحَاشَاهُ ثُمَّ حَاشَاهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالكَذِبِ] وَالخِدَاعِ وَالمَكْرِ» (٢).
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرَ «أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ تَعَاطِي الحِيَلِ فِي تَفْوِيتِ الحُقُوقِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: " هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ". وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ كَالْغَزَالِيِّ: " هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَيَأْثَمُ بِقَصْدِهِ "» (٣).
والذي نخلص إليه أن الأحناف لم ينفردو بإجازة الحيل، وأن الحيل التي
فَلِلْآخَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا» (١).
ولنا أن نتساءل: إذا كان أهل الرأي لم ينفردوا بإجازة الحيل، وإذا كانت الحيل التي أثرت عنهم مما لا حرج في استعماله فلم اختصوا وحدهم بالنقد؟ ولم شنع عليهم خصومهم بها؟
يبدو أن بعض المغرضين ممن انتسب إلى المذهب الحنفي قد صنف كتابًا في الحيل الهدامة، قلب فيه الحلال حرامًا، والحرام حلالاً. أو لعل مصنف هذا الكتاب قد وضعه بحسن نية، ليبين المخارج المختلفة، كنوع من أنواع الرياضة العقلية، دون أن يبيحها أو يدعو إلى الأخذ بها فقد قال ابن القيم: «وَالذِينَ ذَكَرُوا الحِيَلَ لَمْ يَقُولُوا إنَّهَا كُلَّهَا جَائِزَةٌ، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوا أَنَّ كَذَا حِيلَةٌ وَطَرِيقٌ إلَى كَذَا. ثُمَّ قَدْ تَكُونُ الطَّرِيقُ مُحَرَّمَةً، وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً، وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِيهَا».
ويروي لنا ابن القيم بعض الحيل التي أثارت غضب العلماء، حتى رموا بالكفر مؤلفها أو من يفتي بها. فمن ذلك قولهم: «[الحِيلَةُ فِي فَسْخِ المَرْأَةِ النِّكَاحَ] أَنْ تَرْتَدَّ ثُمَّ تُسْلِمَ ... وَالحِيلَةُ فِي سُقُوطِ الكَفَّارَةِ عَمَّنْ أَرَادَ الوَطْءَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يَتَغَدَّى ثُمَّ يَطَأَ بَعْدَ الغَدَاءِ، وَالحِيلَةُ لِمَنْ أَرَادَتْ أَنْ تَفْسَخَ [نِكَاحَ زَوْجِهَا] أَنْ تُمَكِّنَ ابْنَهُ مِنْ الوُقُوعِ عَلَيْهَا».
فهذه الحيل وأمثالها لا يحل لمسلم أن يفتي بها في دين الله تعالى. وقد كَفَّرَ الإمام أحمد وابن المبارك وغيرهما - من استحل الإفتاء بها، «حَتَّى قَالُوا: إنَّ مَنْ أَفْتَى بِهَذِهِ الحِيَلِ فَقَدْ قَلَبَ الْإِسْلَامَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَنَقَضَ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً» لأن فيها الاحتيال على إسقاط فرائض الله وإسقاط حقوق المسلمين واستحلال ما حرم الله من الكفر وشهادة الزور والزنا والربا.
ويؤكد ابن القيم أن هذه الحيل وأمثالها لا يجوز نسبتها إلى أحد من
стр. 615
الأئمة في مذهب من المذاهب ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام ولأن نسبتها إليهم قدح في إمامتهم، وطعن فيمن ائتم بهم.
وإذا كان أبو حنيفة وأصحابه يحكمون بكفر من يقول: «أَصْبُرُ سَاعَةً»، لمن أراد أن يسلم، ويحكمون بالكفر على من يُصَغِّرُ لَفْظَ (مَسْجِدٍ) أو (مُصْحَفٍ) - فكيف يعقل منهم أن يأمروا مسلمًا بالكفر، ويحرضوه على الردة؟ (١).
وسوف يتبين من المسائل التي أخذها البخاري على أهل الرأي على أنها من قبيل الحيل - أن بعضها ليس منها لكنه من مسائل الخلاف، وبعضها من قبيل الحيل المباحة أو مما تختلف الأنظار في إجازتها.
ولنستحضر هنا كلمة الشاطبي الصادقة المنصفة: «وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ أَجَازَ التَّحَيُّلَ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَصْدَ الشَّارِعِ، بَلْ إِنَّمَا أَجَازَهُ بِنَاءً عَلَى تَحَرِّي قَصْدِهِ، وَأَنَّ مَسْأَلَتَهُ لَاحِقَةٌ بِقِسْمِ التَّحَيُّلِ الجَائِزِ الذِي عُلِمَ قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ مُصَادَمَةَ الشَّارِعِ صُرَاحًا - عِلْمًا أَوْ ظَنًّا - لَا تَصْدُرُ مِنْ عَوَامِّ المُسْلِمِينَ، فَضْلًا عَنْ أَئِمَّةِ الهُدَى وَعُلَمَاءِ الدِّينِ، نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ المَانِعَ إِنَّمَا مَنَعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ وَلِمَا وُضِعَ فِي الْأَحْكَامِ مِنَ المَصَالِحِ» (٢).
الحِيَلُ بَيْنَ البُخَارِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ:
وقد فهم بعض الشراح أن المقصود من أبواب " البخاري " في كتاب الحيل (٣) هو الاستدلال على بطلان الحيل، أو الرد على الأحناف، حتى ولو لم يصرح البخاري بالرد على (بَعْضِ النَّاسِ) في بعض هذه الأبواب.
стр. 616
فقدأ بدأ البخاري كلامه في الحيل بباب إبطالها، مستدلاً بحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، ثم تلاه بقوله: (بَابٌ فِي الصَّلاَةِ) أي دخل الحيلة فيها - روى فيه حديث: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
فِي الصَّلَاةِ: (*)
فرأى بعض الشراح (**) «أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِهَذَا البَابِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَحْدَثَ عَمْدًا فِي أَثْنَاءِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ حَدَثُهُ كَسَلَامِهِ، إِذْ أَنَّ هَذَا يُعَدُّ مِنَ الحِيَلِ لِتَصْحِيحِ الصَّلَاةِ مَعَ الحَدَثِ.
وقال بعض آخر (...): «فِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُحْدِثَ فِي صَلَاتِهِ يَتَوَضَّأُ، [وَوَافَقَهُ] ابْنُ أَبِي لَيْلَى»، وهو أحد قولي الشافعي. «وَقَالَ مَالِكٌ [وَالشَّافِعِيُّ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ [وَاحْتَجَّا] بِهَذَا الْحَدِيثِ» (١) السابق.
وقد استاء العَيْنِيُّ من هذه الأقوال، مؤكدًا أن هذه المسألة بعيدة عن مفهوم الحيل، فقال: «لَا مُطَابقَةَ بَيْنَ الحَدِيثِ وَالتَّرْجَمَةِ أَصْلاً فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ أَصْلاً عَلَى شَيْءٍ مِنَ الحِيَلِ». ثُمَّ بَيَّنَ أن الأحناف ما صححوا صلاة من أحدث في القعود الأخير بالحيلة، وما للحيلة دخل في هذا، بل صححوها بقوله ﷺ لِابْنِ مَسْعُودٍ: " إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ ". [وَهَذَا يُنَافِي] فَرضِيَّة السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ» (٢).
فِي الزَّكَاةِ: (*)
أما في الزكاة، فقد ذكر البخاري قول بعض الناس فيها ثلاث مرات وترجم لهذا الباب بقوله: (بَابٌ فِي الزَّكَاةِ وَأَنْ لاَ يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلاَ يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ)، ثم روى الحديث الذي في هذه الترجمة
فِرَارًا وَاحْتِيَالًا لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ، فَلاَ شَيْءَ فِي مَالِهِ» (١).
وهذه المسألة السابقة تتعلق بالحيلة في إسقاط الزكاة. وقد كرر البخاري قول: «بَعْضُ النَّاسِ» ثلاث مرات، يفصل بين كل موضع بحديث.
يَقُولُ الكِرْمَانِيُّ: «ذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي هَذَا البَابِ ثَلَاثَةَ فُرُوعٍ يَجْمَعُهَا حُكْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ سَوَاءٌ كَانَ لِقَصْدِ الفِرَارِ مِنَ الزَّكَاةِ أَمْ لَا ثُمَّ أَرَادَ بِتَفْرِيعِهَا عَقِبَ كُلِّ حَدِيثٍ التَّشْنِيعَ بِأَنَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ خَالَفَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ» (*).
وقد أراد البخاري بما رواه في حديث الباب المتقدم، أن يبين أنه لا يحل لأحد أن يتحيل على إسقاط الزكاة، لأنها فرض، ولن يفلح من أسقط شيئًا من فرائض الله، وأن هذا المتحيل في إسقاط الزكاة بعد بلوغها النصاب لا تبرأ ذمته بهذه الحيلة، بل هو مؤاخذ بها يوم القيامة.
«[وَقَالَ] بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ: [هَذَا الذِي] ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ [يُنْسَبُ] لِأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ القَصْدِ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الفُقَرَاءِ [بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ النِّصَابُ. وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنَ الوُجُوبِ لَا إِسْقَاطٌ لِلْوَاجِبِ] وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الحَوْلِ بِيَوْمٍ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ» (**).
«وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو يُوسُفَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ " الخَرَاجِ " (...) بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ " وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ": " لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْعُ الصَّدَقَةِ وَلَا إِخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِهِ لِمِلْكِ غَيْرِهِ لِيُفَرِّقَهَا
стр. 619
بِذَلِكَ فَتَبْطُلَ الصَّدَقَةُ عَنْهَا بِأَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا يُحْتَالُ فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِوَجْهٍ» (١).
وَقَدْ تَشَكَّكَ الأُسْتَاذُ أَبُو زُهْرَةَ (*) فِي نِسْبَةِ هَذِهِ الحِيلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ إِلَى أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ الأَمَالِي، بَلْ رَفَضَهَا لِأَنَّ الأَمَالِي لَيْسَتْ فِي قُوَّةِ ظَاهِرَةِ الرِّوَايَةِ (٢).
ولا شك أن هذه المسألة تتعلق بأثر القصد في التصرفات، لأن من تصرف في ماله قبل الحول بهبة أو بغيرها، دون أن يتنبه إلى أن هذا التصرف ينقص ماله عن النصاب فلا تجب فيه الزكاة - كان تصرفه مباحًا، ولا إثم عليه، بل هو مأجور إن أنفق ما أنقص ماله في وجوه البر.
أما إذا قصد بهذا التصرف أن يحتال على منع وجوب الزكاة فهو آثم عند الجميع بهذا القصد، لكن هل يؤثر هذا القصد في وجوب الزكاة عليه واعتبارها دينًا في ذمته، أو لا يؤثر، فلا يجب عليه شيء؟.
فالأحناف - إن صح ما نقل عن أبي يوسف - يسقطون الزكاة، وعزاه العيني إلى الشافعي (٣) أيضًا، والبخاري ومالك وغيرهما، لا يسقطونها، بل هي ثابتة في ذمة صاحب المال.
فِي النِّكَاحِ:
وقد كرر البخاري قول: «بَعْضُ النَّاسِ» في هذا الباب خمس مرات: مرة في مناقشة نكاح الشغار، ومرة في نكاح المتعة، وثلاث مرات في إثبات النكاح وتحليل الوطء بشهود الزور.
стр. 620
أما فيما يتعلق بالشغار، فقد روى البخاري: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ» قُلْتُ لِنَافِعٍ: «مَا الشِّغَارُ؟». قَالَ: «يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ [بِغَيْرِ صَدَاقٍ]، وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ».
ثم قال البخاري: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: " إِنْ احْتَالَ حَتَّى تَزَوَّجَ عَلَى الشِّغَارِ فَهُوَ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ "» وَقَالَ فِي المُتْعَةِ: «النِّكَاحُ فَاسِدٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ». وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «المُتْعَةُ وَالشِّغَارُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ».
ويشير البخاري بهذا القول إلى تناقض أهل الرأي في إجازتهم الشغار دون المتعة، مع ورود النهي عن كليهما، ولذلك عقب عليه بذكر ما روي عن النهي عن المتعة، حَيْثُ رَوَى «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاءِ بَأْسًا، فَقَالَ: " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ "».
ثم ذكر اختلاف أهل الرأي وتناقضهم في المتعة فقال: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: " إِنِ احْتَالَ حَتَّى تَمَتَّعَ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ ". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " النِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ "».
ومسألتا النكاح والمتعة مرتبطان بما قدمناه عن أثر النهي في المنهي عنه، وبما سبق من تفريق الأحناف بين أن يكون الفساد متعلقًا بأصل المنهي عنه فيكون باطلاً، أو متعلقًا بوصفه دون أصله فيكون فاسدًا، أو متعلقًا بأمر مجاور للمنهي عنه فيقع صحيحًا (١).
وقد رأى الأحناف أن نكاح الشغار منهي عنه لعلة هي خلوه من المهر، وتسمية المهر في العقد ليست شرطًا في صحته، بل يصح العقد بدونها،
стр. 621
ويجب مهر المثل للزوجة، فكذلك إذا سمى مهرًا فاسدًا مثل البضع في الشغار. وقد أجمعوا على أن النكاح المنعقد على خمر أو على خنزير لا يفسخ بعد الدخول ويكون فيه مهر المثل.
وممن ذهب مذهب الأحناف في ذلك الليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور والطبري حيث يصححون نكاح الشغار إذا وقع ولا يفسخونه. أما مالك والشافعي فيحكمان بفسخ النكاح قبل الدخول وبعده (١).
وقد اعتبر البخاري تصحيح الأحناف نكاح الشغار بإيجابهم مهر المثل تحيلاً على النهي الوارد فيه. وهذا الاعتبار غير واضح، إذ الأحناف يطبقون على هذه الجزئية قاعدة عامة، ويلتزمون فيها منحى خاصًا، فالمنازعة معهم إنما تكون في القاعدة والمنهج، لا في اعتبارها حيلة، حيث لا يعتبرونها كذلك.
ولذلك قال ابن حجر: «أَنَّ الحِيلَةَ فِي الشِّغَارِ تُتَصَوَّرُ فِي مُوسِرٍ أَرَادَ [تَزْوِيجَ] بِنْتَ فَقِيرٍ، فَامْتَنَعَ أَوِ اشْتَطَّ فِي المَهْرِ فَخَدَعَهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ: " زَوِّجْنِيهَا وَأَنَا أُزَوِّجُكَ بِنْتِي " فَرَغِبَ الفَقِيرُ فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَعَ العَقْدُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ إِنَّ العَقْدَ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرُ المِثْلِ] فَإِنَّهُ يَنْدَمُ] إِذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ لِبِنْتِ المُوسِرِ، وَحَصَلَ لِلْمُوسِرِ مَقْصُودُهُ بِالتَّزْوِيجِ لِسُهُولَةِ مَهْرِ المِثْلِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أُبْطِلَ الشّغَارُ مِنْ أَصْلِهِ بَطُلَتْ هَذِهِ الحِيَلُ» (٢).
وهذا الكلام من ابن حجر يفيد أن الحيلة ليست في أصل نكاح الشغار، وإنما في بعض صور التطبيق، وأن النهي عن نكاح الشغار هو من قبيل سد الذرائع.
فَاحْتَالَ فَجَاءَ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَدْرَكَتْ، فَرَضِيَتِ اليَتِيمَةُ، فَقَبِلَ القَاضِي شَهَادَةَ الزُّورِ، وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ بِبُطْلاَنِ ذَلِكَ، حَلَّ لَهُ الوَطْءُ».
هذه ثلاثة اعتراضات اعترض بها البخاري على الأحناف: أولها تزويج البكر بغير رضاها، والثاني في تزويج الثيب بغير رضاها، والثالث في تزويج الصغيرة.
ويجمع الفروع الثلاثة الرد على أبي حنيفة في قوله: إن حكم الحاكم في هذه المسائل ينفذ ظاهرًا وباطنًا، ويحلل ويحرم. وقد أورد البخاري هذه الاعتراضات مكررة تفصل بينها الأحاديث، للمبالغة في التشنيع على هذا القول الذي يبيح للزوج أن يقدم على ما حرمه الله.
وقد سبق أن ذكرنا هذه المسألة فيما أخذه ابن أبي شيبة على أبي حنيفة وَبَيَّنَّا هناك أن أبا حنيفة يتفق مع الجمهور في أن حكم الحاكم في الأموال لا يفيد الحل أو الحرمة في الواقع، إذا كان حكمه مبنيًا على شهادة شهود ظاهرهم العدالة وباطنهم الكذب. ولكنه يخالف الجمهور فيما يتعلق بالزواج والطلاق، حيث يجعل حكم الحاكم فيهما نافذًا ظاهرًا وباطنًا، وإن كان بشهادة شهود عدول في الظاهر كذبة في الواقع، مستدلاً بأن الحاكم يحكم بالتفرقة بين المتلاعنين، وينفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا، مع العلم بأن أحدهم كاذب لا محالة. وقد رجعنا هذا الاختلاف فيما سبق إلى الاختلاف حول تأثير الجانب الخلقي الديني في الأمور التشريعية (١).
فِي الغَصْبِ:
قال البخاري: (بَابُ إِذَا غَصَبَ جَارِيَةً فَزَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَقُضِيَ بِقِيمَةِ الجَارِيَةِ المَيِّتَةِ، ثُمَّ وَجَدَهَا صَاحِبُهَا فَهِيَ لَهُ، وَيَرُدُّ القِيمَةَ وَلَا تَكُونُ القِيمَةُ ثَمَنًا).
стр. 624
«وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الجَارِيَةُ لِلْغَاصِبِ، لِأَخْذِهِ القِيمَةَ. وَفِي هَذَا احْتِيَالٌ لِمَنِ اشْتَهَى جَارِيَةَ رَجُلٍ لاَ يَبِيعُهَا، فَغَصَبَهَا، وَاعْتَلَّ بِأَنَّهَا مَاتَتْ، حَتَّى يَأْخُذَ رَبُّهَا قِيمَتَهَا، فَيَطِيبُ لِلْغَاصِبِ جَارِيَةَ غَيْرِهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ "، " وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ "».
ثم روى عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مرفوعًا: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ»، كما روى حديث: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [إِلَيَّ]، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».
خالف الأحناف الجمهور في هذه المسألة، محتجين بأن صاحب العين قد ملك لبدل بكماله - وهو القيمة - والمبدل في ملك شخص واحد.
أما الجمهور فذهب إلى وجوب رد العين المغصوبة إذا ظهرت، لأن الغصب عدوان محض، فلا يصلح سببًا للملك، وقد حرم الله مال المسلم إلا عن طيب نفسه، ولأن القيمة إنما وجبت بناء على صدق دعوى الغاصب أن الجارية ماتت، فلما تبين أنها لم تمت وجب أن تكون باقية على ملك المغصوب منه، لأنه لم يجر بين المالك والغاصب عقد صحيح يوجب الملك، فوجب أن ترد إلى صاحبها (١).
ومن الواضح أن الأحناف لم يقصدوا برأيهم هذا أن يكون حيلة لأخذ أموال الناس بالباطل، ولم ينتقدهم البخاري لذلك، ولكنه انتقدهم من أجل أن هذا القول ذريعة إلى أخذ أموال الناس بغير حق، ومركب ذلول يستعين به المختالون ممن خربت ذمتهم، وغفلت ضمائرهم. فالعدول عن هذا الرأي أولى بالمسلم، وسد هذا الباب فيه سلامة للمجتمع وصيانة له من عبث العابثين.
стр. 625
فِي الهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ:
جمع البخاري بين الهبة والشفعة في باب واحد، للتحيل على إسقاط الشعفة باستخدام الهبة في بعض المسائل. وقد ذكر قول: «بَعْضُ النَّاسِ» في هذا الباب خمس مرات: الأولى استخدمت فيها الهبة حيلة لإسقاط الزكاة، والأربع الباقية خاصة بحيل الشفعة، أعم من أن يستخدم في إسقاطها الهبة أو غيرها.
قال البخاري: (بَابٌ فِي الهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «إِنْ وَهَبَ هِبَةً، أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى مَكَثَ عِنْدَهُ سِنِينَ، وَاحْتَالَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ الوَاهِبُ فِيهَا فَلاَ زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَخَالَفَ الرَّسُولَ ﷺ فِي الهِبَةِ، وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ) ثم روى حديث: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ».
ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِأَجْنَبِيٍّ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَعَ الكَرَاهَةِ، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، الذِي أَفَادَ عِنْدَهُمْ الكَرَاهَةَ لَا التَّحْرِيمَ. إلا أن تزيد الهبة زيادة متصلة، أو يموت أحد المتعاقدين، أو يعوضه الموهوب له عن الهبة، أو يتصرف فيها تصرفًا يخرجها عن ملكه، فليس له حق الرجوع في هذه الصور.
فإذا كانت الهبة لذي رحم محرم فلا رجوع فيها، وكذلك ما وهب أحد الزوجين للآخر. وقد جاء في بعض الأحاديث ما يفيد استثناء الوالد فيما وهبه لولده، حيث يحق له الرجوع في هبته، وَقَدْ أَوَّلَ الأحناف ما جاء في ذلك بأن الوالد يمتلك ما أعطاه لابنه عند الحاجة والفقر، فهو لم يرجع في هبته حينئذٍ، ولكنه شيء أوجبه اللهُ له لفقره وقد وجدنا الشارع يفرق بين من تعود إليه صدقته بفعله، ومن تعود إليه صدقته بسبب خارج عنه، «فَعُمَرُ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ لَمَّا أَرَادَ شِرَاءَ صَدَقَتِهِ مَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ » ولكنه لم يمنع
стр. 626
من عادت إليه صدقته بغير فعله، حيث روى أن رجلاً تصدق على أمه بحديقة، ثم ماتت ولم تترك وارثًا غيره، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ صَدَقَتُكَ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكَ حَدِيقَتُكَ».
وقد أيد الأحناف مذهبهم بما روي عن الصحابة في ذلك، حتى لقد ذكر الطحاوي أن القياس يقتضي خلاف مذهبهم، وأنهم تركوا القياس تقليدًا للآثار واتباعًا لها: «وَقَدْ وَصَفْنَا فِي هَذَا مَا [ذَهَبْتَ] إِلَيْهِ فِي الهِبَاتِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ إِذْ لَمْ نَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِثْلِ مَنْ [رَوَيْنَاهَا] عَنْهُ خِلَافًا لَهَا. فَتَرَكْنَا النَّظَرَ مِنْ أَجْلِهَا وَقَلَّدْنَاهَا. وَقَدْ كَانَ النَّظَرُ - لَوْ خَلَّيْنَا وَإِيَّاهُ - خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي الهِبَةِ لِغَيْرِ ذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ، لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهَا [بِهِبَةِ] إِيَّاهَا، وَصَارَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ دُونَهُ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ مَا [قَدْ] مَلَكَ عَلَيْهِ إِلَّا بِرِضَاءِ مَالِكِهِ. وَلَكِنِ اتِّبَاعُ الْآثَارِ وَتَقْلِيدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ العِلْمِ أَوْلَى» (١).
هذا هو رأي الأحناف في الرجوع في الهبة، الذي نقدهم البخاري فيه بقوله: «فَخَالَفَ الرَّسُولَ ﷺ فِي الهِبَةِ ...».
وأما استخدام الهبة في إسقاط الزكاة فلا تتصور إلا بالمواطأة - والإنفاق مع الموهوب له، لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، فإذا قبضها الموهوب له كان حرًا في التصرف فيها، فلا يتهيأ للواهب الرجوع فيها بعد التصرف، إلا أن يكون هناك اتفاق سابق على أن الهبة صورية. فلو حال الحول على الهبة عند الموهوب له وجبت عليه الزكاة فيها عند الجميع. فإن رجع فيها قبل الحول صح الرجوع عند الأحناف، ويستأنف الحول. فإن كان فعل ذلك مريدًا إسقاط الزكاة سقطت، وهو آثم، لما سبق من أن الأحناف
стр. 627
لا يجعلون للإرادة والقصد تأثيرًا في الأحكام الناتجة عن أسباب شرعية (١).
ورأي الأحناف في إجازة الرجوع في الهبة، ليس معناه أنهم يجيزون استخدامه في التحيل على إسقاط الزكاة، ولكن أصحاب الحيل ممن لا يراقبون الله قد اتخذوه تكأة ووسيلة للتهرب من فرض الله، وقد رأينا أن الشافعي ﵀ قد «أَبَاحَ بَيْعَ العَيِّنَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ العَقْدِ المُسْتَكْمِلِ لِلْشُّرُوطِ وَتَرْجِيحًا لِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُتَعَاقِدِينَ». ولكننا لا نستطيع أن ننسب إليه إجازة التحيل على الربا المحرم باستخدام هذا العقد.
الحِيَلُ فِي إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ:
لم يؤثر عن أبي حنيفة رأي جواز الحيلة لتفويت الشفعة على الشفيع، ولكن المروي هو اختلاف أبي يوسف ومحمد في ذلك، «حَيْثُ أَجَازَهَا أَبُو يُوسُفَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا الشَّفِيعُ، وَمَنَعَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ». (٢).
وقد انتقد البخاري الأحناف في أربعة مواضع، تمثل أربع صور من صور الحيلة لإسقاط الشفعة، ولم يذكر في هذه المواضع إلا حديثين:
أَوَّلَهُمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلاَ شُفْعَةَ».
وَثَانِيهُمَا حديث: «الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ». وَالصَّقَبُ: القُرْبُ. وقد كرر هذا الحديث الثاني ثلاث مرات، قبل اعتراضه وبعده.
يقول البخاري في الموضع الأول، منتقدًا أهل الرأي، ومبرزًا تناقضهم بعد أن روى حديث جابر السابق:
стр. 628
«وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: " الشُّفْعَةُ لِلْجِوَارِ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فَأَبْطَلَهُ، وَقَالَ: إِنِ اشْتَرَى دَارًا، فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَ الجَارُ بِالشُّفْعَةِ، فَاشْتَرَى سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ، ثُمَّ اشْتَرَى البَاقِيَ، وَكَانَ لِلْجَارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأَوَّلِ، وَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِي بَاقِي الدَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ فِي ذَلِكَ "».
وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ المَدِينَةِ وَجُمْلَةُ أَهْلِ الحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا لِلْشَّرِيكِ الذِي لَمْ يُقَاسِمْ. أَمَّا أَهْلُ العِرَاقِ - وَمِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ المُبَارَكِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - فَقَدْ أَوْجَبُوا الشُّفْعَةَ لِلْشَّرِيكِ الذِي لَمْ يُقَاسِمْ، ثُمَّ لِلْشَّرِيكِ المُقَاسِمِ إِذَا بَقِيَتْ فِي الطُّرُقِ أَوْ فِي الصَّحْنِ شَرِكَةٌ، ثُمَّ الجَارُ المُلَاصِقُ، يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِهَذَا التَّرْتِيبِ (١).
وانتقاد البخاري لأهل الرأي ليس لأنهم قد أوجبوا الشفعة للجار، ولكن لأنهم بعد أن أوجبوها له تحيلوا لإسقاطها، لأن المشتري إذا اشترى سهمًا شائعًا من مائة سهم أصبح شريكًا للمالك، وأصبحت له الأولوية في شراء باقي المائة، في الوقت الذي لن يطالب فيه أحد بالشفعة في السهم الواحد، لحقارته وقلة الانتفاع به.
والمعروف أن هذه الحيلة لأبي يوسف. أما محمد بن الحسن فكرهها أشد الكراهية، لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشفيع، فالذي يحتال لإسقاطها بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير.
أما الموضعان الثاني والثالث من مواضع الحيل في الشفعة، فقد ذكر البخاري فيهما صورتين استخدمت الهبة فيهما لإسقاط الشفعة، وذلك حيث يقول في الموضع الثاني: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: «[إِذَا] أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ
стр. 629
الشُّفْعَةَ فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبَ البَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ وَيَحُدُّهَا، وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَيُعَوِّضُهُ المُشْتَرِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلاَ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ» وذلك لأن الإمام مالك وأهل الرأي قد ذهبوا إلى أن للواهب أن يطلب ثواب هبته، فإذا أخذ العوض ولم يكن مشروطًا في عقد الهبة، سقطت الشفعة لأنها تجب بالبيع، والهبة ليست معاوضة محضة، فأشبهت الإرث.
ومن صور استخدام الهبة في التحيل على إسقاط الشفعة ما ذكره البخاري في الموضع الثالث حيث قال: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: " إِنْ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ "»، لأن الهبة لو كانت لأجنبي كان للشفيع أن يحلفه أن الهبة [حقيقية]، وليست صورية، وأنها جرت بشروطها، ولكنه إذا وهب لابنه الصغير استفاد أمرين: أن الصغير ليس عليه يمين، وأن العين لم تنتقل من يده حيث يقبلها الوالد لولده عن نفسه.
أما الحيلة الرابعة والأخيرة في الشفعة، فيحكيها البخاري عن أهل الرأي فيقول: «وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: " إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرِينَ الأَلْفَ. فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِلَّا فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ. فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهُوَ تِسْعَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ، لِأَنَّ البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينَارِ، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا، وَلَمْ تُسْتَحَقَّ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ فَأَجَازَ هَذَا الخِدَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " بَيْعُ المُسْلِمِ، لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ "».
الثمن الحقيقي الذي أراد البائع أن يبيع به هو عشرة آلاف درهم،
стр. 630
ولكنه ذكر في العقد ٢٠ ألفًا، ليقلل رغبة الشفيع في الشراء، نظرًا لارتفاع الثمن وفي الوقت نفسه يتفق البائع مع المشتري على أن يدفع المشتري ٩٩٩ درهمًا، فيتبقى درهم من الثمن المتفق عليه، وعشرة آلاف درهم ودرهم من الثمن المذكور في العقد، فيشتريها المشتري بدينار، ولا يكون هناك رِبَا، لأنهم قد أجمعوا على جواز بيع الفضة بالذهب متفاضلاً إذا كان يَدًا بِيَدٍ.
وقد كان أولى بمن أجاز هذه الحيلة، حيث أثبت الشفعة للجار أن يرفق بالجار، وألا تثمن عليه صفقة بأكثر من قيمتها. وقد عرض على أحد الصحابة (*) في بيت له خمسمائة، ولم يرض الشفيع إلا بأربعمائة، فأعطاه الشفيع وقال له: «لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: " الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ " مَا بِعْتُكَهُ».
ثم ذكر البخاري مسألة استحقاق الدار ليبين أن البائع كان قاصدًا للحيلة لإبطال الشفعة. ثم عقب بذكر مسألة الرد بالعين، ليبين أنه تحكم، وكان مقتضاه أنه لا يرد إلا ما قبضه، لا زائدًا عليه (١).
وبانتهاء هذه المسألة تنتهي المسائل التي عَرَّضَ فيها البخاري بأهل الرأي.
تَعْقِيبٌ:
وقبل أن نودع هذا الفصل نجمل ملاحظاتنا عليه فيما يلي:
١ - لم تكن غاية البخاري في نقده لأهل الرأي بيان خلافهم الأحاديث، بقدر ما كان اهتمامه منصبًا إلى بيان تناقضهم، ومحاولة إلزامهم بما يعتبر نتيجة يؤدي إليها مذهبهم، ولم يصرح باتهام أهل الرأي بمخالفة الحديث إلا في مسألة الرجوع في الهبة. ولذلك كان الخلاف في جل المسائل التي ناقشها معهم راجعًا إلى اختلاف الفهم والتأويل والتقدير أي إلى الاجتهاد في النص، أو إلى الترجيح أو التوفيق بين النصوص.
стр. 631
٢ - ليس في الحيل التي أخذها البخاري على الأحناف ما يمكن عده في الحيل التي تنسب إليهم إلا فيما يتعلق بالزكاة والشفعة والانتقاد فيهما متوجه إلى أبي يوسف ومن تبعه. أما عدا هذين الموضعين، فليس رأي الأحناف فيهما من قبيل الحيل، وإن سهل رأيهم سبيل الحيلة لمن أراد.
٣ - أبرزت مناقشة البخاري هذه المسائل سمة المحدثين فيما يتعلق بالاتجاه الخلقي النفسي، الذي يهتم بالمقاصد والنيات، ويمنحها قوة التأثير في الألفاظ والعقود، دون اكتفاء باستكمال الشرائط الظاهرة.
٤ - يتضح من دراسة أسلوب المناقشة عند البخاري أنه متأثر بإسحاق بن راهويه أكثر من تأثره بأبي بكر بن أبي شيبة وكلاهما من شيوخه.
• • •
стр. 632
خَاتِمَةٌ:
وفي نهاية البحث أود أن أنبه على اعتبار القرن الثالث أزهى عصور التأليف في الحديث وفقهه، واقتصارنا عليه في هذه الدراسة - لا يعني غمط محدثي القرون التالية حقهم، ولا إنكار جهدهم ونشاطهم، وبخاصة محدثو القرن الرابع، الذي يعد مرحلة انتقال بين الاجتهاد والتقليد، والذي كان من حيث الاجتهاد والابتكار أقرب إلى القرن الثالث منه إلى ما تلاه من قرون، حيث مارس المحدثون فيه نشاطهم بقوة وأصالة، وأثمر تأليفهم في هذا القرن الصحاح والسنن والمستدركات والمسانيد وغيرها. بل لم يعد المحدثون فيما بعد القرن الرابع علماء يحيون ما درس من مذهبهم، ويؤلفون في الفقه على طريقتهم. وكانت كتب الأحكام الحديثية التي شاعت فيما بين القرنين الخامس والتاسع الهجريين - أثرًا من آثار هؤلاء العلماء.
ولا شك أن فقه المحدثين بعد القرن الثالث في حاجة إلى دراسة خاصة، تبين مسيرته، وتحلل ما طرأ عليه من تغيرات وتطورات، وتعرف بأئمته وأعلامه في العصور المختلفة.
أما القرن الثالث فأرجو أن يكون هذا البحث قد أسهم في الكشف عن الجانب الفقهي عند أهل الحديث فيه.
وقد تبين أن فقهاء المحدثين الذين عني بهم البحث هم: أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ)، والبخاري (ت ٢٥٦ هـ)، ومسلم (ت ٢٧١ هـ)، والترمذي (ت ٢٧٩ هـ)، وأبو داود (ت ٢٧٥ هـ)، والنسائي (ت ٣٠٣ هـ)، والدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن (ت ٢٥٥ هـ)، وابن ماجه: محمد بن يزيد (ت ٢٧٥ هـ)، وابن أبي شيبة: عبد الله بن محمد (ت ٢٣٥ هـ).
стр. 633
وقد درسنا هؤلاء الأعلام من خلال مصنفاتهم، فوجدناهم متفاوتين في وضوح الملكة الفقهية، فالمقدمون منهم هم الثلاثة الأول: أحمد، وإسحاق، والبخاري، يليهم الترمذي وأبو داود والنسائي ومسلم والدارمي، ثم يأتي بعد هؤلاء ابن ماجه وأبو بكر بن أبي شيبة.
وقد كان محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) صاحب آثار ومذهب فقهي ينسب إليه، وكان جديرًا بأن يكون عنصرًا من عناصر الدراسة في هذا البحث، لولا أن آثاره في الحديث نادرة، لم أعثر منها إلا على جزء صغير من كتابه " تهذيب الآثار " مصور بمعهد المخطوطات العربية (*).
ولما كانت الموازنة بين أهل الحديث وأهل الرأي محور هذا البحث لم يكن بد من تحديد هاتين الفئتين فتتبع الفصل الأول هذه العبارة: (أَهْلُ الحَدِيثِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ)، وتبين أن إطلاقها على عصر الصحابة والتابعين ليس له ما يبرره، ولهذا كان من الخطأ أن يختص الحجازيون بأنهم أهل الحديث، وأن يقصر الرأي على العراقيين، بل وجد في كلتا المدرستين من يكثر من الرأي ومن يتحرز منه، ومن يكثر من رواية الحديث، ومن يخشى روايته.
فلم يكن الخلاف بين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق مسببًا عن اختلاف في المنهج، أو عن قلة الحديث في العراق وكثرته في الحجاز - لكنه كان ناتجًا عن اختلاف البيئة واختلاف المشيخة.
ثم بعد تكون المحدثين وظهور أبي حنيفة أصبحت عبارة (أَهْلُ الحَدِيثِ) عَلَمًا على من يشتغل برواية الحديث، وعبارة (أَهْلُ الرَّأْيِ) عَلَمًا على مدرسة أبي حنيفة.
وقد عالج هذا الفصل اضطراب المؤرخين في تصورهم لأهل الحديث وأهل الرأي، فالمجتهد الواحد يعتبره مؤرخ من أهل الحديث، ويعتبره مؤرخ آخر من أهل الرأي، بل إن المؤرخ الواحد قد يختلف تقديره لمجتهد ما،
стр. 634
يردده بين أهل الرأي وأهل الحديث. وقد تبين أن سبب هذا الخلط هو اختلاف الاعتبار عند التقسيم، أو ملاحظة ظواهر عصر ما ثم تعميمها على كل العصور.
أما الفصل الثاني فقد تعرض للصراع الفكري بين المُحَدِّثِينَ وغيرهم من المُتَكَلِّمِينَ وَالفُقَهَاءِ، فبسط مظاهر هذا الصراع، وتحدث عن أسبابه، التي كان من أهمها اختلاف التكوين الثقافي، واعتزاز كل طائفة بنفسها اعتزازًا يصل إلى حد الغرور، وانتساب عناصر سيئة إلى هذه الطوائف الثلاث أساءت إليها، ثم استخلصنا نتائج هذا الصراع وكان أهمها نتيجتين: أولهما: التأليف في علوم الحديث، حيث أثبت البحث أن ما كتبه الرامهرمزي والخطيب البغدادي في ذلك كان صادرًا عن هذا الصراع.
أما النتيجة الثانية فكانت ظهور المذهب الفقهي لأهل الحديث وهو ما عنى به الفصل الثالث، حيث أوضح الفرق بين الفقهاء وغير الفقهاء من أهل الحديث، وشرح العوامل التي أدت إلى ظهور فقه أهل الحديث والتي كان من أهمها محنة ابن حنبل، موثقًا ما أدى إليه البحث خاصًا بهذه النتيجة بأقوال العلماء وسلوكهم في حكاية أقوال المذاهب، وعدهم مذهب أهل الحديث مذهبًا مستقلاً مغايرًا للمذاهب المعاصرة له في القرن الثالث الهجري.
وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَّا من هم المعنيون بأهل الحديث، وأثبتنا وجود مذهب فقهي لهم - كان علينا أن نبحث عن فقههم، وأن نجيب عن التساؤلات حول ملامح هذا الفقه، وأصوله، وعلاقته [بغيره] من المذاهب.
وقد حاول الفصل الرابع أن يجيب عن هذه التساؤلات، ممهدًا لذلك بفصل درسنا فيه بعض الصحابة المكثرين من رواية الحديث، وأوضحنا اتجاهاتهم في الفقه، واخترنا أربعة منهم، قسمناهم إلى مجموعتين: تتكون المجموعة الأولى من السيدة عائشة وابن عباس، وتتكون الثانية من ابن
стр. 635
عمر وأبي هريرة ﵃. وهذا التقسيم مبني على ما أسفرت عنه الموازنة بين المجموعتين، وكان من أهم الخواص التي ميزت المجموعة الأولى، أصالة الملكة الفقهية، وكثرة الفتوى، والميل إلى التعليل، ونقد الحديث، على عكس ابن عمر وأبي هريرة في كل ذلك.
ويجب التنبه إلى أن التعليل ونقد الحديث كانا سمة غالبة على اتجاههم، ولكنهما لَمْ يُكَوِّنَا مَنْهَجًا مُلْتَزِمًا مُطَّرِدًا فِي كُلِّ المَسَائِلِ فقد رأينا ابن عباس يميل إلى الظاهر في بعض الأحيان، كما رأينا ابن عمر يتجاوز حدود اللفظ إلى ما رواه من معان ومقاصد للتشريع، وقد أكثرت من الأمثلة لتوضيح الفكرة وتوثيقها.
ثم عدنا إلى أهل الحديث في القرن الثالث نتلمس اتجاهاتهم في الفقه، ونتبين مدى تأثرهم برواة الحديث من الصحابة ونكشف السمات العامة التي تحكمهم عند الاستنباط، فأجملناها في ثلاثة اتجاهات رئيسية تطوي في ثناياها كثيرًا من أصولهم ومناهجهم.
فكان الاتجاه إلى الآثار موضوع الباب الثاني ...
تحدثنا فيه عن معنى الآثار، وعن علاقة السنة بالقرآن، ورأينا أن جمهور المحدثين يتجهون إلى اعتبار السنة قاضية على الكتاب، أما أحمد بن حنبل فقد أبى أن يطلق على السنة ذلك واكتفى بقوله: إنها تبين القرآن وتفسره، وكذلك البخاري الذي اهتم بالقرآن في " صحيحه " اهتمامًا واضحًا.
ثم تحدثنا عن باقي علاقة السنة بالقرآن، سواء من حيث صلاحيتها لنسخه، أو تخصيصها لعمومه، أو من حيث ورودها بحكم زائد عليه، أو من حيث عرض الحديث على القرآن كوسيلة من وسائل نقد متنه. وقد ذكرنا رأي المحدثين في كل ذلك مع الموازنة بينهم وبين المذاهب الأخرى. كما تعرضنا