← Общие книги

Общие книги · id 122393

تهافت العلمانية في الصحافة العربية

سالم البهنساوي

Полный текст (277 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مطلقة أو عقل مطلق، ونقيض ذلك العقل المقيد وهي الطبيعة التي هي ضد العقل المطلق فهي مقيدة ومحدودة. فالله عند (هيجل) لم يخلق الطبيعة بل يحمل في ذاته نقيضه، لذلك كانت الطبيعة ضرورية وصدفة وليس فيها حرية اختيار، والدولة هي صورة من صور العقل المجردة التي تمثل الإرادة العاقلة الإلهية، ولهذا كان (هيجل) يدعو إلى طاعة الدولة طاعة عمياء، فسمى بفيلسوف البلاط، ومن ثم ظهر المذهب الوضعي الذي [دعا] إليه (كونت)، ويرفض سيادة الدين أو العقل ويميل إلى سيادة الطبيعة على الدين والعقل الذي لا يعترف إلا بما جاء عن التجارب الحسية، وادعى (كونت) أن ما وراء الطبيعة «الله والوحي والدين» هو وهم سراب. ثم جاء (كارل ماركس) بعد هذه المراحل وبعد تكتل القوى ضد الدين الكنسي وضد الإقطاع فاستخدم مبدأ النقيض في مجال الاقتصاد ودعا إلى الفلسفة المادية التي تستخدم جدلية (هيجل) ولكنه ادعى أنها كانت مقلوبة فعدله، فـ (هيجل) يقول: إن العقل أساس الخلق، بينما (ماركس) يقول: إن المادة خالقة العقل، وينكر وجود الله تمامًا. وكان من أثر الثور الفرنسية ١٧٨٩ م قيام النظام الرأسمالي الذي رفع شعار الحرية وفصل الدين عن الدولة، وعبارة (آدم سميث) هي: «دعه يعمل، دعه يمر»، وبالتالي سيطر رأس المال على الأخلاق وعلى مقدرات البشر، وتحكم كالماركسية في حاضرهم ومستقبلهم، وأصبحت المنفعة هي الضابط الذي يتحكم في الإنسان (١).

стр. 107

الوَجْهُ الشُّيُوعِيُّ لِلْيَمَنِ الجَنُوبِيِّ بَيْنَ العِلْمَانِيَّةِ وَاللاَّدِينِيَّةِ: (١). تَجْرِبَةٌ لِلْتَّنْفِيذِ بِالسَّعُودِيَّةِ وَدُوَلِ الخَلِيجِ: استكمالاً للوقائع والمقدمات التي ركزت عليها في مقالاتي السابقة، المتضمنة أن الحكام وسائر المسؤولين بدول الخليج وبالمملكة العربية السعودية [يزمعون] اتخاذ تدابير وقائية ضد العناصر اليسارية، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه النصح ولا تقبل النصيحة. أنصح هؤلاء أن الوقاية لا تكون باعتقال اليساريين واضطهادهم، فذلك سبيل الفاشلين ومناخ طبيعي للشيوعيين، إنما يكون بالتدابير بتوعية اليسار في الجيوش وصفوف الطلبة والعمال، وفتح حوار معهم، ليدركوا أضرار العمالة لليسار واليمين، وليوقنوا فشل مبادئ (ماركس) و (لينين)، وهذا الحوار إنما يصدر عن مجتمع تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. التَّطَوُّرُ المُفَاجِئُ: لقد بدأت الثورة الفعلية ضد حكم أسرة حميد الدين باليمن الشمالي سنة ١٩٤٨ م إذ تم قتل الإمام يحيى في ٢٣ سبتمبر / أيلول من هذا العام بتدبير من مجموعة من الوطنيين، ظهر منهم أحمد بن الوزير عضو ديوان الإمام، ومحمد محمود الزبيري الملقب بأبي الأحرار اليمنيين، والفضيل الورتلاني والنعمان وآخرين ممن كانوا أعضاء بالجمعية اليمنية التي شكلت في عدن. ولم يكتب النجاح لهذه الثورة فتمكن الإمام أحمد عن طريق الدول العربية من إعادة الأوضاع، وتم إعدام ابن الوزير وآخرين وفر الزبيري والورتلاني إلى خارج اليمن، وتمكن الإمام أحمد من سجن آخرين مثل الإرياني وأحمد النعمان وحسن العمري وآخرين. مِيثَاقٌ لِلْوَحْدَةِ اليَمَنِيَّةِ: ثم في خلال شهري فبراير ومارس ١٩٦١ قام المناهضون للأوضاع باليمن شماله وجنوبه، بعقد مؤتمرات، مثل فيها الشمال الزبيري والنعمان وآخرون، أمثال قحطان الشعبي.

стр. 108

وكلف المؤتمر الشعبي بتقديم دراسة عملية تضمنت، أن «الحل العملي لا يمكن أن يكون إلا بتكوين جبهة قومية، تضم الفئات المخلصة في الحقل الوطني، وهي التي تؤمن إيمانًا حقيقيًا بقضيتها ومسؤوليتها القومية في إقليم اليمن جميعه، وتعتبر حركتنا القومية في اليمن بجزئيه إنما هي جزء لا يتجزأ من معركتنا العربية العامة، وأن مصير الشعب العربي جميعه في اليمن يرتبط ارتباطًا كاملاً بالوحدة العربية الشاملة». وبناءً على هذا التقرير شكل المؤتمر لجنة بالقاهرة في يناير سنة ١٩٦٢ للعمل على وحدة اليمن في إطار الوحدة العربية الشاملة، وكانت اللجنة تتكون من أحمد النعمان، محمود الزبيري، قحطان الشعبي، محسن العيني، محمد أحمد النعمان، أحمد المعلمي، حسن السحولي. قِيَامُ الثَّوْرَةِ فِي الشَّمَالِ: وفي ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢، أي بعد وفاة الإمام أحمد بأسبوع قامت الثورة اليمنية في الشمال، وأعلنت الجمهورية على أساس ميثاق الوحدة اليمنية، وكان من مبادئها الظاهرة إقامة العدل على أساس إسلامي صحيح، وتحقيق الوحدة اليمنية في ظل حكم ديمقراطي إسلامي. وما إن قامت هذه الثورة حتى سارع (عبد الناصر) الدخول فيها شريكًا خاسرًا، إذ نجم عن ذلك مساندة السعودية للإمام (البدر) الذي تمكن من الفرار، وظل القتال ست سنوات عجاف راح ضحيته الملايين من المصريين واليمنيين، وشل حركة الجيش المصري أمام العدوان الإسرائيلي سنة ١٩٦٧، وخسرت مصر من الأموال ما لم يعلن عنه وما زال أثره حتى اليوم خفيًا عن الأمة وممثليها. ولأول مرة يكتب أحد قادة الجيش المصري بذلك، وهو الفريق صلاح الدين الحديدي، فبعد أن ذكر هذه النتيجة المؤسفة، قال في كتابه " شاهد على حرب سنة ١٩٦٧ ": «لقد ساد الإحساس عام ١٩٦٢ م (انفصال سوريا، وهرب زغلول عبد الرحمن ومؤتمر شتورا) أن القاهرة بدأت تفقد الأرض التي تقف عليها، وأن الدول العربية أو غالبيتها تتأهب لتقف في الجانب الآخر. لكل هذه الأسباب ونتيجة طبيعية لها، كان القيام بضربة مضادة سياسيًا مفيدة

стр. 109

لمصر إلى حد بعيد، لتغيير الوضع غير الطبيعي الذي وجدت نفسها فيه عامي ١٩٦١ و ١٩٦٢ ... وهكذا بدأت المباراة وبدأت الاشتباكات المسلحة بين الجمهوريين وبين الملكيين في اليمن وانغمست مصر فيها» انتهى. لقد رغب الإنجليز في الانسحاب من عدن، بل من شرق السويس، لأن البقاء هناك يكلفهم نفقات كبيرة، لعدم أهمية القوات البرية بعد وجود الصواريخ والاعتماد على إسرائيل كقاعدة للغرب في المنطقة. وبدلاً من أن يتركوا الأمور تجري في مسارها الطبيعي، عمدوا كعادتهم إلى خلق شقاق دائم بين أبناء الوطن الواحد، فسلموا الحكم لـ (الجبهة القومية) برئاسة قحطان الشعبي، الذي رفع شعارات ماركسية، ونقض ما اتفق عليه مع إخوانه في الشمال والجنوب. وكان طبيعيًا أن تنكر اليمن الشمالية هذا التصرف، وأن تتنكر هي وسائر الدول العربية لهذه العمالة، ولكن لاعتبارات أخرى اعترفوا بها وهي لا تمثل الشعب، حيث كان هناك خمسة عشر حزبًا بعدن وحدها، منها (جبهة التحرير) التي كانت تساندها مصر، و (رابطة أبناء الجنوب) التي تساندها السعودية، وكانت (الجبهة القومية) التي تكافح بالبيانات الصحفية، هي التي سلمتها بريطانيا الحكم مع إعلانها الماركسية. وبعض هذه الاعتبارات أشار إليها القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري باليمن الشمالي، فهو يصرح للبعثة الصحفية المصرية يوم ٣/ ١٠ / ١٩٧٢ الساعة ١٠.٣٠ مَساءً، بأنه «لقد واصلت (جبهة التحرير) النضال والكفاح إلى أن اقتنع الإنجليز أن بقاءهم أصبح مستحيلاً، ولكن من عادة الاستعمار لا بد وأن يقف وراءه مشكلة للمواطنين، فاستدعى (الجبهة القومية) لمفاوضتها، وأعطاهم الاستقلال وأعلنوا الجمهورية، وفي رأيي أننا كنا متفقين معهم على الوحدة، غير أننا اضطررنا للاعتراف حتى لا يعطى الإنجليز أي مبرر في التأخير». مُحْسِنْ العَيْنِي يَكْشِفُ الحُكْمَ فِي الجَنُوبِ: لقد نشرت الصحف العربية حديث الأستاذ محسن العيني رئيس وزراء اليمن الشمالية، الذي أدلى به إلى البعثة المصرية، فكان مما نشرته الصحف في ٥/ ١٠ / ١٩٧٢ ما نصه:

стр. 110

الإِنْجْلِيزْ سَلَّمُوا الحُكْمَ لِـ (الجَبْهَةِ القَوْمِيَّةِ): قال: «قبل وجود القوات العربية في اليمن لم تكن هناك معارك مع الإنجليز، وكان بعض المشايخ واللاجئين وأتباعهم لاجئين هنا في اليمن، لخلافات مع الإنجليز، و (الجبهة القومية) وغير القومية لم يكن لها وجود عسكري، وجاءت القوات العربية، ومدوهم بالسلاح ودربوهم، ودخلوا الجنوب وعملوا ضد الإنجليز، وإلى ما قبل الاستقلال بحوالي سنة، كانت (الجبهة القومية) ترفض اللقاء مع (جبهة التحرير)، التي كانت الجمهورية العربية المتحدة واضعة ثقتها فيها، لأنهم يعملون بدون ضجيج، وليسوا أصحاب شعارات فارغة، ومع ذلك فقد حاولوا أن يجمعوا (جبهة التحرير) و (الجبهة القومية) في جبهة واحدة، ورفض القوميون ذلك، وعزلوا أنفسهم حتى عن الكفاح، وذهب بعضهم إلى القاهرة والبعض الآخر بقي في الشمال وبعضهم في الجنوب، فواصلت (جبهة التحرير) الكفاح، ولكن الإنجليز فاوضوا (الجبهة القومية) وسلموا الحكم إليها وحدها إضرارًا بالمواطنين، لأن الإنجليز يعرفون اتجاهات هذه الجبهة وشعاراتها». زُعَمَاءُ (الجَبْهَةِ القَوْمِيَّةِ) يَرْفُضُونَ رِئَاسَةَ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ المُتَّحِدَةِ: لقد أعلن الأستاذ محسن العيني للبعثة الصحفية المصرية، «أنه بوصفه رئيسًا للوزارة باليمن الشمالي، عرض على الأستاذ سالم ربيع رئيس حكومة اليمن الجنوبي أن يتم إدماج شطري اليمن في دولة واحدة يرأسها سالم ربيع، فرفض الأخير، وكان ذلك بحضور الرئيس معمر القذافي، وكانت شروطه للوحدة أن تكون (الجبهة القومية) هي الحزب الوحيد الحاكم في اليمن الشمالي وجنوبه، وهذا عند حكومة الشمال مستحيل، إذ لا وجود للحزبية هناك و (الجبهة القومية) لا تمثل الشعب اليمني وقد ضرب الرئيس لشقيقه مثلاً بالاتحاد السوفياتي، فشعبه أكثر من ٢٣٢ مليونً بينما الحزب الشيوعي الحاكم لا يمثل إلا ما بين ١٠ إلى ١٥ مليون فقط». رَأْيُ القَاضِي الإِرْيَانِيِّ فِي الحِزْبِيَّةِ: لقد أعلن القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري باليمن الشمالي، إننا لا نقبل الحزبية سواءً جاءت في ثوب الشيطان، أو ارتدت مسوح الرهبان. فالامتناع

стр. 111

السائد بين الحكومة هناك، وكذلك أعضاء مجلس الشورى، وهم الممثلون الحقيقيون للشعب اليمني، حيث اختارهم بانتخاب حر، إن الحرية ستجلب الشقاق والنفاق والفساد في أنحاء الشعب اليمني وهو شعب متماسك، يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. لأن المراد من الحزبية أن يفتح الشمال أبوابه للحزب الشيوعي. والمأثور أيضًا عن الرئيس الإرياني كما سمعته من وكيل مجلس الشورى، الأستاذ محمد الرباعي، ومن وزير العدل القاضي علي السمان، أن الحزبية تبدأ فكرة وتنتهي بالعمالة. والواقع الذي شاهدته (١) هو ما عبروا عنه أصدق تعبير، فقد ذاق الشعب مرارة القتال والتفرق بين ملكيين وجمهوريين، وأدرك التجربة العملية أن اليمين واليسار عمالة تنتهي بأن يقاتل الأخ أخاه ويسب أمه وأباه، ولقد شاهدت في اليمن انخراط الشعب كله في صف واحد، لا فرق بين الملكي العائد إلى وطنه بعد غربته، أو الجمهوري الذي ذاق مرارة الخلاف وحدته، فلماذا يصر قادة الجنوب على خلق الصراع والشقاق في الشمال؟ وهل تلك إحدى الاتفاقات السرية، التي بموجبها سلمهم الإنجليز الحكم، وهل هناك أغراض أخرى وراء حتمية سيطرة الجبهة القومية؟ ولماذا أسلم الحكم للماركسيين؟. أَمَلُ اليَسَارِ المِصْرِيِّ: ويتبنى اليسار المصري هذه الأفكار سنة ١٩٧١ فكتبت مجلة " الطليعة " في عدد أول يناير ١٩٧١، بعنوان " ملاحظات على الوضع الاقتصادي في اليمن الجنوبي " بقلم الدكتور فؤاد مرسي وإليك ما يخص موضوعنا من هذا المقال. اليَمَنُ الشَّعْبِيَّةُ هِيَ المِثَالُ: وكما تمكنت ثورة ١٤ أكتوبر في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وهي التغيير الخصب والخلاق الملتهب لثورة شعبنا وقياداته السياسية هناك، وهي الوليد الطبيعي والشرعي المتفجر لثورة ٢٦ سبتمبر، وهي الامتداد الحي والتقدمي والمتصاعد للثورة العربية كلها، من الاندفاع بقوة متنامية متعاظمة في طريق التطور الوطني الديمقراطي، فإن ثورة

стр. 112

٢٦ سبتمبر في «الشمال» ستتمكن بالتأكيد - وهي النبع والمنطلق - من ارتياد نفس السبيل، واقتحام نفس الأف وستغدو صنعاء - كحتمية تاريخية - العاصمة الطبيعية والثورة لجمهورية اليمن الموحدة الوطنية الديمقراطية أي الشيوعية. الثَّوْرَةُ فِي الجَزِيرَةِ وَالخَلِيجِ: إن الوجه الماركسي باليمن الجنوبي تجربة، تمهيدًا لخلق نظام مماثل بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج، وأودت بعض الشواهد مثل تسليم بريطانيا الحكم لهذا الوجه الماركسي، ثم رفض هؤلاء رئاسة اليمن الموحد إلا إذا كان في إطار (الجبهة القومية)، أي الوجه الماركسي، وهذا كله خلافًا للميثاق المتفق عليه بين زعماء الشمال والجنوب سنة ١٩٦١ بمصر. وحتى لو لم توجد هذه الشواهد فإن النتيجة التي حددتها قد استقرأتها من عدة أحداث وأشكال بالدول النامية، ثم من عدة مراجع استطعت أن أصل من خلال سطورها إلى هذه النتيجة، وأرى الاكتفاء بالنصيحة. ولكن إذا أفصح القوم عن شيء من تخطيطهم فإذاعته لا تعطيهم شيئًا جديدًا يسترون به اتفاق اللعبة أو المسرحية. لقد نشرت مجلة " إفريك - أزي " [Afrique Asie] الفرنسية مقالاً أخيرًا عن أبعاد المعركة اليمينة، تراه منشورًا بإيجاز في جريدة " السياسة "، بتاريخ ٤/ ١٠ / ١٩٧٢ وبه: «ما يمكن قوله حتى بشكل محايد، أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في اليمن الديمقراطية لم يطرأ عليه تغيير انقلابي، كما تصور بعض الكتابات في الخارج، ولكن كل ما في الأمر أنها نوع من الطموحات والنيات والشعارات، التي تهدف إلى تحقيق المجتمع الاشتراكي الخالي من الاستغلال والقهر». تقول هذه الصحيفة: «ولكن هناك جانب آخر مهم يجدر الحديث عنه: وهو وجود (الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي)، هذه الثورة - وليست نظامًا - التي تعمل يوميًا على تنوير ونسف كل العلاقات السابقة، وإلى نسف الأساس الإيديولوجي الغيبي - أي الدين - .. ، هذا بالإضافة إلى خطرها السياسي الكبير جدًا من حيث

стр. 113

إمكانية امتدادها في الخليج والجزيرة». نِدَاءٌ مِنَ اليَسَارِ العَرَبِيِّ بِامْتِدَادِ الثَّوْرَةِ فِي الخَلِيجِ العَرَبِيِّ: واستكمالاً لهذا التخطيط ننقل إلى كل عربي سلم من العمالة شمالاً وجنوبًا، وإلى المسؤولين خاصة، النداء الذي نشرته الصحيفة السابق ذكرها ونصه: «علينا الآن أن نأمل من شعب اليمن الديمقراطية أن يتمكن من إفشال الجهود العديدة المتضاعفة والهادفة إلى حرمانه من سيادته، وإلى قطع مسيرته الثورية نحو الاشتراكية». ثم يقول الناصح: «وبما أن وجود وبقاء اليمن الجنوبي الثوري هما شرطان أساسيان لامتداد الحركة التحريرية في الخليج العربي، وفي بلدان البحر الأحمر، لذا من واجب الثوريين في العالم أجمع، أن يقوموا بجميع الخطوات اللازمة والفعالة الملموسة لمساعدة شعب اليمن الجنوبي، وإفشال جميع المحاولات التي تقوم بها الإمبريالية العالمية وعملاؤها». إن هذا النداء قد غفل أصحابه عن أن السياسة الأمريكية الحالية في المنطقة العربية والإسلامية وما تطلق عليه اسم البلاد النامي تنفذ ما أوصى به (والتوروستو) الأستاذ بجامعة برتستون والمستشار بالبيت الأبيض، من ضرورة قيام حكومات عسكرية في هذه البلاد تتبنى الاشتراكية وتتحالف مع روسيا في الظاهر، لتحقيق هدفين: الأول: تصفية الحركات الدينية وعلى الأخص الإسلامية. الثانية: تحويل الشيوعيين من العمل السري إلى العمل العلني المرتبط بالولاء للنظام، وعن طريقهم يتم تصفية القوى الإسلامية والرأسمالية. وقد غفل هؤلاء عن الطريقة التي نفذها النظام المصري مع الحزب الشيوعي المصري (حدتو) (*)، حيث تم الاتفاق معه على أن يذوب في الاتحاد الاشتراكي، ويعمل من خلاله علانية، على أن يكون جمال عبد الناصر هو المكافح بدلاً من (لينين)، وتكون مصر هي الأم بدلاً من روسيا، وأشارت " الأهرام " إلى ذلك في صفحتها الأولى، واعتبرت أن هذه أول مرة في العالم يحل حزب شيوعي نفسه. ولهذا لا يستغرب أن تقوم دول عربية معينة غير اشتراكية بالمحافظة على نظام الحكم في عدن، ولهذا سارعت هذه الدول بعمل مصالحة بين عدن وصنعاء بعد أن احتلت القبائل وقوات المجاهدين قعطبة (**) وبعض مدن اليمن الجنوبي، معلنة إسقاط هذا الحكم، فكان اتفاق الوحدة الذي سارعت مصر وليبيا في إخراجه، والتوفيق بين نظامي اليمن مع العداء السافر بين القذافي والسادات.

стр. 114

ولقد تضمن اتفاق الوحدة اليمنية مبادئ لم يستطع محسن العيني مواصلة خطة تنفيذها في الشمال وهذه المبادئ هي: أ - النص في ميثاق الوحدة على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع فهم يهدم ما نص عليه الدستور اليمني من أن الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع. ب - ما تضمنه ميثاق الوحدة من أن أهداف الدولة الموحدة هو تحقيق الاشتراكية، وهذا يهدم نَصًّا من الدستور يبطل ما خالف الإسلام، ويجدد معالم العدالة الاجتماعية والاشتراكية بالإحالة إلى الشريعة الإسلامية، وليس في إطار الولاء العربي للاشتراكية بأنواعها. ج - ما تضمنته اتفاقية الوحدة من تكوين حزب سياسي في شطري اليمن، لأن هذا من شأنه اتباع نظام الحزب الواحد الحكومي الذي يحطم الأمة، كما هو الحال في الجنوب وفي الدول العربية التي سلكت هذا السبيل ولا شك أن هذه البنود الثلاث التي تضمنها الدستور الموحد ستؤدي إلى: ١ - شرعية أي قانون يصدر عن طريق المجلس أو في غيبته يخالف الشريعة الإسلامية، إذ أن خلو الدستور من بطلان القانون يضفي شرعية قانونية لأي تصرف مخالف للشريعة، سواءً كان هذا التصرف قانونًا أو إجراءً إداريًا. ٢ - شرعية ممارسة الإلحاد في الشمال والجنوب بالنشاط السريع والعلني تحت شعار الاشتراكية، ومن خلال النظام السياسي والولاء للاشتراكية بأنواعها. ٣ - شرعية اضطهاد وتصفية العلماء تحت اسم الثورة المضادة، وعرقلة الوحدة والعداء للاشتراكية والنظام. ٤ - تحويل اليمن تدريجيًا وبخطة لتصبح دولة علمانية «لادينية»، وتلك هي غاية المعسكرين، وهذا هو ما يفسر محافظتهما مَعًا على الحكم الشيوعي في عدن. الوَاقِعُ اليَمَنِيُّ وَالعِلْمَانِيَّةُ: إن العلمانية في المجتمعات العربية تجعل رأي أغلبية الشعب هو القانون الواجب التطبيق، ولكن الاستعمار إنما سلم الحكم في عدن إلى اليسار الأمريكي الذي يتبنى الشيوعية المحلية، ليكبت رأي الأغلبية ولكن تحت ستار من الخداع الذي يبقى على الأذان والمناسبات الدينية، حتى يوم عاشوراء، وفي ذلك يقول أحد الماركسيين العرب:

стр. 115

«يشاع أن في اليمن الديمقراطية الإلحاد سائد، والقضية ليست إلحادًا بل هي الإجراءات التي تتخذها السلطة لإسعاد الشعب، وإذا كانت القضية إلحادًا فجمال عبد الناصر مثلاً هو الملحد الأول»، «كل ما في الموضوع أن النظام يحاول علمنة هذه البرامج، وهو يعرف أن هذا الأساس الأيديولوجي العريض والمنغرس في عروق الجماهير لا يمكن إلغاؤه وشطبه بقانون، ولا حتى مواجهته والتصدي له بشكل مباشر»، لهذا فالوسائل هي «العمل يوميًا على تنوير الشعب، ونسف كل أشكال العلاقات السابقة، ونسف الأساس الأيديولوجي الغيبي» (١) أي نسف الدين بالتدريج. والوسائل أيضًا هي اتساع دائرة المثقفين الثوريين، وهم الذين فشلوا في الحصول على الإعدادية أو الثانوية، حيث يبعثون إلى موسكو على نفقة الاتحاد السوفياتي، لتتلقفهم جامعة الصداقة، أو جامعة لومومبا، ليعود حاملاً شهادة جامعية أو دكتوراه في الفلسفة، وهم لم يشموا رائحة العلوم الفلسفية بل تشربوا الفلسفة الشيوعية. والمثال الحي لذلك هو عبد الله باذيب، وزير التربية والتعليم في عدن، فقد فشل في المدرسة الثانوية فبعث الرسائل إلى موسكو، ثم انتهى الأمر إلى أن يصبح زعيمًا ثم وزيرًا للتربية والتعليم، وأصبح سمسارًا لهاتين الجامعتين وأصبح من أصحاب الأموال (٢). الطَّلِيعَةُ وَاليَمَنُ الشَّمَالِيُّ: وفيما يتعلق باليمن الشمالي، نشرت مجلة " الطليعة " المصرية يوم ١/ ١ / ١٩٧١، تحليلاً للدكتور (محمد علي الشهاوي) جاء به: أنه ابتداءً من أغسطس ١٩٥٥ سمح جمال عبد الناصر بإصدار نشرة باسم جريدة " صوت اليمن "، يرأسها الزبيري، ثم بعد ذلك أوقفها كما أوقف الأحاديث الموجهة ضد الإمام أحمد من إذاعة صوت العرب، ودعا كل من الملك سعود والإمام أحمد إلى ميثاق وحدة بينهم، الذي أبرم في ٢٦/ ٤ / ١٩٥٦، ثم في ٨/ ٣ / ١٩٥٨ أعلن عبد الناصر عن قيام اتحاد الدول العربية الذي انضمت فيه اليمن إلى الوحدة المصرية السورية، وهي وحدة صورية، فلم يجتمع المجلس الأعلى للاتحاد مرة واحدة. وبعد قرارات يوليو ١٩٦١ هاجم الإمام أحمد هذه الوحدة في قصيدة كانت

стр. 116

ممنوعة بمصر، مطلعها: هَيَّا بِنَا إِلَى وَحْدَةٍ مَبْنِيَّهْ ... عَلَى أُصُولٍ بَيْنَنَا مَرْضِيَّهْ قَانُونُهَا شَرِيعَةُ الإِسْلاَمِ ... قُدْسِيَّةُ الأَوْصَافِ وَالأَحْكَامِ لَيْسَ فِيهَا شَائِبَةُ مِنَ البِدَعْ ... تُجِيزُ مَا الإِسْلاَمُ عَنْهُ قَدْ مَنَعْ مِنْ أَخْذِ مَا لِلْنَّاسِ مِنْ أَمْوَالِ ... وَمَا كَسَبُوا مِنَ الحَلاَلِ بِحُجَّةِ التَّأْمِيمِ وَالمُعَادَلَهْ ... بَيْنَ ذَوِي المَالِ وَمَنْ لاَ مَالَ لَهْ لأَنَّ هَذَا مَا لَهُ دَلِيلُ ... فِي الدِّينِ أَوْ تُجِيزُهُ العُقُولُ لهذا أعلنت القاهرة في ٢٦/ ١٢ / ١٩٦١ إلغاء الاتحاد مع المملكة المتوكلية اليمنية، بعلة أن شعب اليمن لم يستفد من هذه التجربة حسبما نشرته " الأهرام " يوم ٢٧/ ١٢ / ١٩٦١، ومن هنا فتحت الحرب الكلامية على الإمامية، بإشارة من الأستاذ هيكل في " الأهرام "، يوم ٢٩/ ١٢ / ١٩٦١. والجدير بالذكر أنه بعد هذه القصيدة أعلن عبد الناصر في الإذاعة يوم ١٦/ ١٠ / ١٩٦١ ما نصه: «لقد وقعنا ضحية وهم خطير، فقد كنا دائمًا نرفض المصالحة مع الاستعمار، ولكننا وقعنا في خطأ المصالحة مع الرجعية، ولا بد أن نقاتل الاستعمار في تصور الرجعية». ومن هذا التاريخ بدأ عبد الرحمن البيضاني يذيع من صوت العرب ضد الإمام، وينشر في " روز اليوسف "، أما الزبيري والنعمان فأعلنا معارضتهما لتدخل مصر في شؤون اليمن الداخلية، فهذه سُبة في جبين الشعب اليمني إلى الأبد، فاتهمت مصر الزبيري أنه يعكس مصالح الجناح القبلي الإقطاعي المعارض للإمام أحمد، أما النعمان فقالت إنه يعبر عن مصالح الفئة الكومبرادورية (*) الهزيلة. وعندما قام السلال بانقلابه ضد الإمام أحمد، قال عبد الناصر: «إن هذا الانتصار لكم وللثورة في اليمن، وهذا خطر على الاستعمار وإسرائيل وعلى مصالحهم، وفيه قضاء على مطامعهم، ولكننا سنصمد لكل التحديات». ويستكمل الدكتور الشهاوي تحليله في " الطليعة "، بقوله: «ثم أعلن عبد الناصر سياسة النفس الطويل في اليمن، أي الانكماش، وهكذا ذهب الجيش المصري إلى اليمن في الربع الثاني من القرن التاسع عشر تحت علم محمد علي باشا الكبير، مما جعل الاستعمار البريطاني يحتل عدن سنة ١٨٣٩، ثم عاد الجيش المصري إلى اليمن تحت علم الثورة الوطنية، ثم انسحب منها بعد سياسة النفس الطويل.

стр. 117

بَرِيطَانْيَا وَشُيُوعِيَّةُ عَدَنْ: ويقول شاكر الجوهري في تحليله عن الصراع في عدن، والذي نشر في جريدة " السياسة " الصادرة في الكويت في ٥/ ٣ / ١٩٨٨: إن الصراع في عدن غذته عوامل خارجية، تمثلت في مؤامرات السلاطين وأجهزة المخابرات البريطانية، وأجهزة المخابرات المصرية، حيث انحاز جمال عبد الناصر إلى (جبهة التحرير)، بقيادة عبد القوي مكاوي وعبد الله الأصنج، وذكر أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب، وأن على بريطانيا أن تعترف بهذا الوضع، وتقوم بالتفاوض مع (الجبهة)، ووصفت (جبهة التحرير)، (الجبهة القومية) بأن أعضاءها عملاء جدد للاستعمار، واتهمتهم بتدبير نسف منزل عبد القوي مكاوي حيث مات في الحادث أولاده الثلاثة. والجدير بالذكر أن بريطانيا سلمت الحكم لـ (الجبهة القومية) في ٣٠/ ١١ / ١٩٦٧، مع إعلانها البعية للشيوعية وتولي قحطان الشعبي رئاسة الدولة، وفي ٢٢/ ١١ / ١٩٦٩ تم إقصاؤه وَسُجِنَ وأعلن انتصار اليسار على اليمين في ٢٦/ ٦ / ١٩٧٨، تم إقصاء سالم ربيع فأعدم وأعلن أن اليسار تخلص من اليسار الانتهازي. وفي أبريل ١٩٨٠ تم تنحية عبد الفتاح إسماعيل عن رئاسة الحزب والدولة، وفي ١٣ يناير ١٩٨٦ تم تصفية علي ناصر محمد في أبشع حرب أهلية. وفي كتاب " الجبهة القومية " يقول مؤلفه (فيتالي تاؤمكين): إن جمال عبد الناصر كان قد أعلن عن استعداده للإقدام على حل سلمي لمسألة الجنوب العربي، وتسهيلاً لذلك قام عبد الله الأصنج بالاتفاق مع عبد الناصر في أول يناير ١٩٦٧، على تشكيل حكومة انتقالية من زعماء منتمين إلى تنظيمات وطنية (ص ٧٩) وقد أعلنت (جبهة التحرير) عن تشكيل حكومة في المنفى برئاسة عبد القوي مكاوي: (ص ١٧٩) هذا ولم نتعرض لما كتبه السفير أحمد عطية المصري عن (النجمة الحمراء في عدن)؛ حيث أن ذلك يحتاج إلى كتاب كامل لأنه كتاب قد كتب بمنظار أحمر ليوافق العنوان، وهذا حجب عنه رؤية الأطراف الأخرى، وحقيقة الصراع، ودور أمريكا في زرع الفكر الماركسي في المنطقة العربية لأهداف مرحلية، مستخدمة بريطانيا في هذه اللعبة.

стр. 118

مَرَاحِلُ النُّمُوِّ الاِقْتِصَادِيِّ وَحُكَّامِ النُّخْبَةِ: عرض (وولتر رستو) أستاذ التاريخ الاقتصادي نظريته عن أطوار ومراحل النمو الاقتصادي، وذلك في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وقد لاقت من أجهزة الإعلام ومن الإدارة الأمريكية اهتمامًا دون غيرها من النظريات، حتى عقدت ندوة دولية لمناقشته في هذه النظرية .. التي أعدت للقضاء على الفكر الديني والفكر الشيوعي واستطاعت سحب البساط من تحت أقدام الماركسيين، ذلك أن (كارل ماركس) يقسم العوامل الاقتصادية في التاريخ إلى ست مراحل هي: ١ - مرحلة البدائية: وهي مرحلة تخلو من التناقض لانعدام الملكية. ٢ - العصر العبودي: وتظهر فيه طبقة الأسياد والعبيد وهي تمثل قمة التناقض. ٣ - العصر الإقطاعي: وفيه تسيطر طبقة الأسياد وهي الطبقة المالكة، لكن يسمح للعبيد بملكيات صغيرة. ٤ - العصر البرجوازي: ويمثل احتكار الطبقة البرجوازية ويمهد إلى الرأسمالية. ٥ - العصر الرأسمالي: ويتمثل في انتصار رأس المال وسيطرته. ٦ - مرحلة الشيوعية العالمية: وفيها تحكم طبقة العمال وتختفي الحكومات، ويتحول العالم في نظر (ماركس) إلى أسرة عالمية واحدة، وتنتهي جميع صور التناقض. ونظرية (ماركس) هذه تبشر بحتمية ظهور الشيوعية وسيادة الطبقة العاملة، وقد جاء (رستو) بنظرية مضادة: هي مراحل النمو الاقتصادي، وقد قسمها إلى خمس مراحل هي (١): ١ - مرحلة المجتمع التقليدي. ٢ - مرحلة ما قبل الإقلاع أو الانطلاق. ٣ - مرحلة الانطلاق. ٤ - مرحلة النضوج. ٥ - مرحلة الاستهلاك الجماهيري. • والمرحلة الأولى عند (رستو) تتسم بانخفاض الإنتاج لهيمنة القطاع الزراعي. • أما الثانية عند (رستو) فهي تمهيد لتوفير شروط الإقلاع، والانطلاق، حيث تتدخل النشاطات الزراعية والصناعية، وتتحسن مجالات الاستثمار. ولتوفير شروط الانطلاق، يقسم (رستو) الدول إلى مجموعتين: - المجموعة الأولى:

стр. 119

هي مجموعة الدول النامية أو المتخلفة، وفيها تظهر المشكلة السكانية، وتتمثل في انخفاض حاد في الوفيات وزيادة في المواليد، وهي مرحلة طويلة وشاقة، ويرى (رستو) أن أكثر الدول النامية لا تزال في هذه المرحلة. - المجموعة الثانية: هي مجموعة الدول الغنية بمواردها الطبيعية حيث تنخفض فيها كثافة السكان ويكون معظم السكان من أصل أوروبي. • والمرحلة الثالثة: هي مرحلة الانطلاق، وفيها يستطيع المجتمع توفير شروط الإقلاع أو الانطلاق، عندما يهيئ المجتمع نفسه لمرحلة الانطلاق نفسها. ويرى (رستو) أن يلزم ظهور حافز جاد، في هذه المرحلة، والذي يمكن أن يكون ثورة سياسية، تغير ميزان القوى الداخلي، وتحدث تغييرات في القيم الاجتماعية، وفي طبيعة المؤسسات الاقتصادية (١). وقد لوحظ أنه بهذه الطريقة ظهرت عدة انقلابات عسكرية في الدول النامية، كلها ترفع شعار الاشتراكية المحلية، وتتغنى بمرحلة الانطلاق، حتى سميت في مصر الثروة بمرحلة الانطلاق العظيم. وصدرت في ذلك عدة كتب ونشرات، ولكن (رستو) يحاول أن يخفي هدفه من نظريته، وهو سحب البساط من تحت أرجل الماركسيين، وتحطيم القوى الأخرى في المجتمعات النامية عن طريق تغيير ميزان القوى وإحداث تغييرات في القيم الاجتماعية. يحاول أن يخفي هذا الهدف بإشراك عوامل أخرى للتغيير في هذه المرحلة بخلاف الثورة السياسية. وذلك في شكل ابتكارات تكنولوجية، أو في شكل إحداث تطورات إيجابية في هذه الدولة، كفتح أسواق جديدة للصادرات، أو تطورات سلبية كالاستيلاء من شروط التبادل التجاري. ويضيف (رستو) شرطًا ضروريًا آخر لهذه المرحلة، وهو أن تكون هناك صفوة أو فئة يسميهم المنظمين. ويتساءل من أين سيأتي بهؤلاء؟ ثم يجيب بأن ذلك يشمل أكثر الحركات الإصلاحية الدينية أو الثقافية، كدور اليهود في كثير من الدول، وبالطبع تكون الحركات العسكرية هي صاحبة الدور الرئيسي. • المرحلة الرابعة: مرحلة النضوج: وفيها تضمحل القطاعات التي كانت رائدة في المرحلة السابقة ليحل محلها قطاعات رائدة جديدة، ويستمر النمو الاقتصادي حتى لا يدخل مرحلة

стр. 120

الركود، وذلك تمهيدًا لمرحلة الاستهلاك. • المرحلة الخامسة: مرحلة الاستهلاك الجماهيري: وفيها تتحول القطاعات الاقتصادية الرئيسة إلى إنتاج السلع الاستهلاكية المعمرة، وهذه المرحلة هي أطول المراحل. وفي هذه المرحلة يصبح في متناول المواطنين جميع السلع الاستهلاكية الضرورية، والعديد من السلع الكمالية، بل يبشر أن يتحقق للمواطن الرفاهية الاجتماعية، حتى تضمن له مستوى عال من التعليم والخدمات الصحية والترفيهية، وتتحول النسبة الكبرى من الأيدي العاملة إلى قطاع الخدمات الحكومية والخاصة (١). وبتطبيق هذه النظرية على مصر، نجد أن عهد جمال عبد الناصر، قد قام بدور المرحلة الثانية والثالثة، بينما قام السادات بدور المرحلتين الرابعة والخامسة وهما النضوج، ثم الاستهلاك الجماهيري. دَوْرُ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ المِصْرِيِّ: لقد استخدم جمال عبد الناصر، الحزب الشيوعي المصري (حدتو) في هذه المرحلة، وأبرم معهم اتفاقًا وقعه خمسون من قياداتهم. تضمن أن يكفل لهم حرية العمل على نشر مذهبهم، مقابل مساندة النظام واعتبارهم جزءًا منه، وذلك طبقًا للشروط التالية: ١ - أن يكون جمال عبد الناصر هو رمز الكفاح وليس (لينين). ٢ - أن تكون مصر هي الأم وليس موسكو. ٣ - أن يحل حزب (حدتو) نفسه، ويندمج في الاتحاد الاشتراكي، ويعمل من خلاله بصورة علنية. ٤ - أن يتم القضاء على الخلايا السرية وتصبح جزءًا من أجهزة الاتحاد الاشتراكي. ٥ - أن يتم الإفراج عن المعتقلين والمسجونين من الشيوعيين، وتسند إليهم أدوار هامة في الإعلام وغيره من أجهزة الدولة، وأن يتم تعويضهم ماديًا عن فترة السجن. والجدير بالذكر أن جريدة " الأهرام " قد نشرت في الصفحة الأولى في آخر مارس ١٩٦٥، أن الحزب الشيوعي المصري قد حل نفسه، وذلك ليعمل من خلال قنوات الشرعية وهي الاتحاد الاشتراكي، وأنه لأول مرة في العالم يقوم حزب شيوعي بحل نفسه.

стр. 121

هذا وقد تخوف بعض قادة هذا الحزب من عدم تمكينهم من صباغة الشعب المصري، في القالب الذي تقبله روسيا، لأن بعض هذه الشروط تعد خيانة لمبادئ (لينين) وهذه المخاوف قد ترجمها الأستاذ (غالي شكري) في كتابه " الأرشيف السري للثقافة المصرية " والذي نشرته دار الطليعة بيروت في مايو ١٩٧٥. فقد ذكر ما نصه: «خرج اليساريون من السجون في أبريل ومايو سنة ١٩٦٤، وبدأ الكتاب منهم يعودون إلى صحفهم، ومن لم يكن مقيدًا منهم في إحدى الصحف راح يبحث عن عمر، والدكتور عبد القادر حاتم وزير الثقافة يستقبلهم بناءً على التعليمات بالترحاب الشديد، ويفتح لهم قلبه مشيرًا إلى مؤلفات ماركس وإنجلز ولينين» (ص ٨٧). ويعلق الكاتب على ذلك بقوله: «إن قرار الانفتاح على اليسار علوي، وقنوات التنفيذ مسدودة، حيث كانت مجلة " الرسالة " تنشر مقالات للمحقق اللغوي (محمود شاكر)، يرد فيها على سلسلة مقالات الدكتور (لويس عوض) في " الأهرام ". فاستخدم (محمود شاكر) معاجم الاتهام بالشعوبية، ومعاداة الإسلام، وتحولت " الرسالة " إلى ما يشبه جريدة " الدعوة " التي كان يصدرها الإخوان المسلمون - قبل حلهم -، إلى ما يشبه المنشورات الداعية إلى قلب نظام الحكم، وراح الشيخ (محمد الغزالي) يخطب في المساجد ضد (صلاح جاهين) (*)، الذي كان متحمسًا لعلمنة الأزهر، وتطوير قانون الأحوال الشخصية، وفي هذا المناخ وبالضبط سنة ١٩٦٥ قامت المنظمات الشيوعية بحل نفسها. وكان الأمر فيما يبدو فوق السطح مزيدًا من الالتفاف حول قيادة عبد الناصر، لتوحيد الجهد والإسراع في طريق التحول السلمي نحو الاشتراكية، ولكن تحت السطح كان اليمين المتطرف بجمع صفوفه، وينظم تشكيلاته، ويستعد لوثبة مسلحة ضد اليسار والنظام، وحين أسفرت الفتنة عن وجهها المسلح تصدت لها أجهزة الأمن بالسجون والمعتقلات والمشانق واكتفى الرئيس عبد الناصر بإهداء وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى إلى الدكتور (لويس عوض)، واكتفى (شعراوي جمعة) بأن يكون أول عمل له في الداخلية سنة ١٩٦٦ هو القبض على جيلين من مثقفي اليسار. وحين دخلت معتقل طرة في التاسع من أكتوبر وجدت معي (أحمد فوزي) و (أحمد فرج) و (سيد خميس) و (جمال الغيطاني)، وغيرهم من عشرات الشيوخ والكهول والشباب اليساري، وكانوا قد أفرجوا عن (لطفي الخولي) و (محمد الخفيف) و (إبراهيم سعد الدين) و (أمين عز الدين) بعد يوم أو يومين من اعتقالهم، وبقي بعضنا سبعين يومًا بين طرة والقلعة، وبقي البعض الآخر حتى الهزيمة في

стр. 122

يونيو ١٩٦٧. إن إقالة (حاتم) وحبس الإخوان المسلمين لم يمنع الهزيمة من الحدوث، لأن التناقض المأساوي كان فادحًا، وبدلاً من إبراز التناقض علت الأصوات المتعفنة: إن الاشتراكية لم تولد وإن البعد عن الدين هو السبب ... ورحل عبد الناصر سنة ١٩٧٠. وعادت نغمة الدين تحتل موقع الصدارة بأقلام غير متدينة، كـ (أنيس منصور) و (مصطفى محمود) .. إنه هوس وجنون أن نتحول إلى مجتمع ضد المدنية والحضارة حتى طلبة الجامعة بدأت تتسرب إليهم التيارات الخبيثة تتلفع بثياب الدين , وتخفي أظافرها المتعطشة للدم بقفازات حديدية من السلف الصالح، وسأدعو إلى تكوين جمعية ضد أعداء الحضارة الذين [يتهجدون] بالصلوات والعبادات نهارًا» (ص ٩٩). مُوسْكُو بَيْنَ اليَهُودِ وَالمُسْلِمِينَ: (١). لقد كشفت قرارات السادات عن موقف التأزم الصاعد للقادة العرب من الاتحاد السوفياتي، إذ أن أول من أعلن خيبة الأمل العربي في العون الروسي هو الرئيس هواري بومدين، بعد زيارته لموسكو في أعقاب الهزيمة المخزية للعرب عام ١٩٦٧. وجاء معمر القذافي ليؤكد استحالة معاونة الروس للعرب، وليظهر خطأ التوسع السوفياتي في المنطقة العربية، ذلك التوسع الذي اقترن بنفوذ سياسي وعقائدي واقتصادي وعسكري، والذي تم على حساب مقومات الأمة العربية (٢) وعلى أشلاء القوى الوطنية بها. فما هي الأسباب الحقيقية لهذا التغيير، الذي يظنه المواطن العادي انقلابًا سلميًا، ويزعم الروس أنه تيار يميني تاركين لليسار العربي أن يعمق هذا المفهوم دفاعًا عن روسيا، لأنها الأم الذي فرض عليه إعطاء الولاء لها دون سواها. لقد كثرت التعليقات والتحقيقات الصحفية، بين مدافع عن الروس والماركسية وبين مهاجم، وكلها بأقلام عربية ووجوه عربية، بلغ الحال بينهما إلى السباب والفسوق في القول والسلوك ثم انتهى إلى الاتهام بالعمالة إلى المعسكرين. لست يمينيًا ولا يساريًا ولا أدين بالولاء لأيهما إنهما ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]، من هنا وانطلاقًا من المصلحة الوطنية وحدها نكتب الجواب على هذه المسألة دون أن يكون للاستنتاج الصحفي أدنى دور في هذا الأمر.

стр. 123

الصَّدَاقَةُ العَرَبِيَّةُ السُّوفْيَاتِيَّةِ: لقد اضطرت الأنظمة العربية التي تبنت المفاهيم الجديدة الثورية إلى كشف حقيقة الصداقة العربية السوفياتية، قبل أن تحل المشكلة الرئيسية، التي قيل إنها سبب هذه الصداقة، حتى ظن البعض أو حاول إقناع الأمة أن الوقت لم يكن ليسمح بهذا التصدع في العلاقات بين العرب والروس، إذ أن الحرب لم تضع أوزارها. والحقيقة أن الأنظمة العربية لم تكن لتستطيع إقناع الشعوب، باستمرار صداقة جرت العرب إلى هزيمة محققة. فقد أعلن جمال عبد الناصر في خطابه مساء ٢٣ يوليو ١٩٦٧ أنه بعد إغلاق خليج العقبة أصبح احتمال الحرب ١٠٠ %، وأنه أخبر القيادة العامة للقوات المسلحة في اجتماع الجمعة ٢ يونيو ١٩٦٧ أنه يتوقع ضربة من إسرائيل خلال ٤٨ ساعة، ويتوقع أن يكون العدوان يوم ٥ يونيو وأن الضربة الأولى ستوجه إلى قواتنا الجوية. ثم أعلن في هذا الخطاب أنه بعد التشاور مع القادة السوفيات وأخذًا بنصائحهم، رأى ألا يبدأ بإطلاق النار، وقد جاء في كتاب الفريق (صلاح الدين الحديدي) أن المخابرات الروسية هي التي استدرجت مصر للحرب، ومشيرًا إلى أن الهزيمة سببها التكتيك الروسي. مَنْطِقُ الرُّوسِ فِي دِفَاعِهِمْ: وقد نشرت مجلة " دير شبيجل " الألمانية الصادرة في أعقاب الهزيمة، أن الرئيس المصري أعطى إشارة الأمان الثالثة من صباح ٥ يوليو بناءً على نصيحة الروس. والأنظمة العربية أيضًا لا تستطيع إقناع الشعوب بصداقة الروس، لأن روسيا تزود إسرائيل بالرجال عن طريق الهجرة، كما أن أمريكا تزودها بالمال والسلاح. لقد ادعت روسيا وروج لها بعض القادة العرب أنها ليست وراء هجرة اليهود من دول المعسكر الشيوعي كرومانيا وغيرها، ولكن ما لبثت الهجرة أن تمت من روسيا مباشرة وذلك اختصارًا للطريق، واختزالاً للوقت خصوصًا بعد أن استكملت إسرائيل بناء المستعمرات في شرم الشيخ وسيناء والجولان ورفح، وسائر المناطق المحتلة. وكيف يصدق الشعب العربي ما نشرته جريدة " البرافدا " السوفياتية بعنوان (جهود لا طائل تحتها). من أن السعودية والكتلة الخليجية والإخوان المسلمين وسائر المتدينين وأصحاب الميول القومية وهيكل والأردن كانوا جميعًا وراء تصدع الصداقة الروسية المصرية.

стр. 124

حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ: كيف يصدق ذلك وهو يشاهد الهجرة الروسية إلى إسرائيل، تدعيمًا لها بالعصب الرئيسي وهو الرجال، لأن اليهود الأمريكان والأوروبيين يستحيل هجرتهم إلى إسرائيل لمصالحهم الاقتصادية، والإخوان كانوا في السجون كما يعلم الروس. ثم كيف يصدق الماركسيون العرب في دفاعهم عن أمهم روسيا، والشعب يقرأ في الصحف أن الصهيونية العالمية لم تفكر في استدعاء المهاجرين الروس إلا عندما اقتضى الأمر بناء إسرائيل الكبرى. ثم ما هي العقول التي تصدق الماركسيين العرب وقد اتضح للجميع أن الروس يرفضون تزويد العرب بالسلاح اللازم، لتحرير أرضهم وطرد المعتدين وهو السلاح الهجومي، بل فرضوا قيودًا على الأسلحة الدفاعية التي أصبحت المحاصيل رهينة لها مع سائر الرهائن الاقتصادية. مَطَالِبُ المُسْلِمِينَ فِي سَيْبِيرْيَا وَالسَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِي هَذِهِ المَوَاقِفِ: لقد تذرع الروس بالضغوط الأدبية في إباحتهم الهجرة إلى إسرائيل، فإن كان ذلك فيه مسحة من الصدق فأين كانت الاعتبارات الأدبية عندما رفض القادة السوفيات مطالب المسلمين في سيبيريا وآسيا الوسطى، التي نشرتها وكالات الأنباء يوم الأربعاء ١٦ أغسطس ١٩٧٢، وتتخلص في أنهم ما زالوا في مجاهل سيبيريا منذ عشرين عامًا ويطلبون السماح لهم بالعودة إلى بلادهم، ووضع حد للإرهاب والتمييز الطبقي الذي يرتكب ضد المسلمين التتر في شبه جزيرة القرم. لقد ذكرت وكالات الأنباء أن عريضة وقع عليها ثمانية عشر ألفًا، قدمت إلى (ليونيد بريجنيف) نيابة عن الملايين من المسلمين في شبه جزيرة القرم، تذكر أنهم رُحِّلُوا بالقوة المسلحة بعيدًا عن أوطانهم [سنة] ١٩٤٤ في عهد ستالين وقذف بهم في أراضي سيبيريا وآسيا الوسطى وما زالوا مشردين بها حتى اليوم. ولم تكن هذه أول الاستغاثات من هذه التفرقة العنصرية، فقد توالت الالتماسات والعرائض تطالب بتنظيم عودة التتر إلى وطنهم، وقد أشارت وكالات الأنباء إلى جانب من هذا الاضطهاد، وهو انتقال المنازل والأراضي الخاصة بهؤلاء المسلمين إلى أيدي محتلين جدد تم ترحيلهم من روسيا. (نقلاً عن " الهيرالد تريبون أنترنشينال " - الخميس ١٧ أغسطس ١٩٧٢).

стр. 125

ثم ما هي الضغوط الأدبية وراء الأحداث التي جرت في براج سنة ١٩٦٩، إذ نشرت الصحف أن (جولد شتوكر) رئيس اتحاد الأدباء التشيك و (أوتاسيك) نائب رئيس الوزراء السابق، عادوا إلى تشيكوسلوفاكيا، لأنهم من اليهود الصهاينة وكانوا قد طردوا منها، كما نشرت الصحف (" الجمهورية ": ٢/ ٤ / ١٩٦٩) ١٥ محرم سنة ١٣٨٩ هـ، أنه ليس من قبيل المصادفة أيضًا أن يكون (سميركوفسكي) رئيسًا للبرلمان التشيكي، وهو يهودي صهيوني. المُسْلِمُونَ بَيْنَ رُوسْيَا القَيْصَرِيَّةِ وَرُوسْيَا المَارْكْسِيَّةِ: في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدأت روسيا القيصرية بضم المناطق الإسلامية إليها، ففي عام ١٧٧٩ ضمت منطقة القرم، وفي ١٨٠١ احتلت جورجيا، وفي ١٨٦٤ أخذت بقية مناطق قفقاسيا وكذا آسيا الوسطى. وفي عام ١٨٦٨ تم احتلال بخارى وسمرقند، ثم خوقند سنة ١٨٧٦ وطشقند سنة ١٨٦٥. كل ذلك تم لضعف المسلمين في هذه المناطق، لأن حب الزعامة والسيطرة جعل بعض الحكام يتحالفون مع القياصرة ضد الحكام الآخرين، حتى ابتلعتهم روسيا تدريجيًا كما حدث من قبل في نكبة الأندلس. وكما حدث قريبًا في اللد والرملة بفلسطين، إذ سلمتها بعض الملوك لليهود كما سلمت شرخ الشيخ سنة ١٩٥٦ لإسرائيل من بعض الرؤساء العرب الذين حولوا الهزيمة إلى نصر. ولقد أبقى الروس على إسلام هذه المناطق في عهد القيصرية بشرط أن تظل غير موحدة إداريًا أو سياسيًا أو دينيًا، إنما تخضع للاستعمار الروسي العسكري. وبقيام الثورة الشيوعية سنة ١٩١٧ ظن المسلمون أن الأمور قد تبدلت، فأعلن سكان قرية بجوار كازان عودتهم إلى الإسلام، وكانت الحكومة القيصرية قد أكرهتهم على اعتناق النصرانية، وظلوا على ذلك مائتي سنة ولكنهم ظلوا مسلمين سِرًّا رغم تحول مساجدهم إلى كنائس. هَدْمُ البَلاَشِفَةِ لِلْمَسَاجِدِ: ولكن بعد أن استتب الأمر للثورة الشيوعية، هدمت المساجد التي بناها هؤلاء،

стр. 126

وعم الاضطهاد سائر المناطق الإسلامية وصودرت المحاصيل الزراعية والثروة وذبح الملايين، وحولت المساجد إلى اصطبلات ومواخير والمدارس الدينية إلى نوادي. غير أنه خلال الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩ م خفف الشيوعيون من حرب الإبادة، فقامت بعض الطوائف الدينية ببناء مساجد على حسابها الخاص، وتم إنشاء أربع مراكز إسلامية جديدة، ولكن ما أن انتهت الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٥ حتى بدأت المجازر من جديد. صَدْمَةُ القَادَةِ الرُّوسِ مِنْ قُوَّةِ الإِيمَانِ: غير أن هذه القسوة لم تستطع أن تمحو الإيمان إلا عند النفوس المريضة، لأنها تخشى أن تصبح في السجن أو القبر. ولقد روت جريدة " الحياة "، العدد ٦٧٦ - ٢٠ تشرين الأول سنة ١٩٦٤ نقلاً عن صحيفة " الكمسومول اسكايا برافدا " أن وفاة طالب ثانوي في الصف التاسع كشف النقاب عن وجود مدارس دينية إسلامية سرية في آسيا الوسطى، فقد رفض الطالب (دولية إصلانوف) مساعدة الطبيب الشيوعي وقال: «لاَ أُريِدُ مُسَاعَدَةَ المُلْحِدِينَ فَكُلُّ شَيْءٍ بِيَدِ اللِه». ومات وهو يسب الماركسية. وقالت الصحيفة الروسية: إن المسؤولين الشيوعيين صدموا أمام هذا الموقف، خصوصًا أن الشاب عضو في " الكمسومول " أي (رابطة الشباب الشيوعي)، وقد تبين أنه كان يحضر الدروس في المدرسة الثانوية الحكومية، ثم يحضر دروسًا أخرى في مدرسة دينية إسلامية سرية، وكان من أمهر الطلاب. وذكرت الصحيفة أن أحد المحققين تحرى عن هذه المدرسة السرية ووصل إلى مقهى للشاي في مزرعة جدانوف التعاونية فوجد أربعة صفوف (فصول) من المراهقين يتعلمون اللغة العربية والآيات القرآنية، غير أن المحقق عندما اقترب من المكان سمع صفيرًا لتنبيه الطلاب، فما إن دخل عليهم حتى وجد الشاي في أيديهم واختفت الكتب الدينية وأجزاء القرآن. وتختم الصحيفة الشيوعية مقالها بقولها: «هكذا فإن الأيدي القذرة لهؤلاء المشايخ المشردين تتولى تكوين طباع الأطفال». بِلاَدُ الأَئِمَّةِ العَشْرَةِ: والجدير بالذكر أنه قد نشأ بهذه المنطقة علماء لن تنسى الأمة آثارهم ومنهم:

стр. 127

• من علماء الحديث: ١ - الإمام البخاري، المتوفى سنة ٢٥٦ هـ. ٢ - الإمام مسلم، المتوفى سنة ٢٦١ هـ. ٣ - الإمام الترمذي، المتوفى سنة ٢٧٩ هـ. ٤ - الإمام النسائي، المتوفى سنة ٣٠٣ هـ. ٥ - الإمام البيهقي، المتوفى سنة ٥٦٥ هـ. • ومن علماء التفسير والتاريخ: ٦ - الإمام الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ. ٧ - الإمام الزمخشري، المتوفى سنة ٥٣٨ هـ. • ومن علماء الفقه والفلسفة: ٨ - الإمام أبو حامد الغزالي، المتوفى سنة ٥٠٥ هـ. • ومن علماء الطب والفلسفة والأدب: ٩ - ابن سينا، المتوفى سنة ٤٢٨ هـ. • ومن علماء التاريخ والأدب واللغة: ١٠ - الخوارزمي، المتوفى سنة ٤٢٨ هـ.

стр. 128

المَوْقِفُ مِنَ اليَهُودِ: (١). لقد نقلت بإيجاز شديد موقف الزعماء الشيوعيين من المسلمين الروس وهم سكان البلاد الأصليين، وقد قيل إن هذا الموقف ينبثق من العقيدة الشيوعية، التي تقوم على قاعدة ثابتة هي أن الدين أفيون الشعوب، فوجب تصفية العقيدة الدينية ونفي وتعذيب أصحابها. فهل كان ذلك كذلك بالنسبة لليهود الروس؟ لن نلجأ إلى الاستنتاج، إنما ننقل من المصادر الرسمية قولاً وعملاً. مَارْكِسْ وَالمَسْأَلَةُ اليَهُودِيَّةِ: في كتابات (كارل ماركس) بعنوان " المسألة اليهودية " يقول: «إن تحرير اليهود سياسيًا ليس كافيًا لحل المسألة اليهودية، بسبب مئات السنين من العنصرية والقيصرية المضادة، وبسبب ما يكون لدى اليهود من أوهام قومية ارتبطت بالتجارة والبيع والشراء». وإذا كان تحرير اليهود سياسيًا ليس كافيًا لحل مشكلتهم فما هو الحل الماركسي؟ يقول (ماركس): «إن تنظيم المجتمع الذي يلغي الظروف الأساسية للاتجار عن طريق الوسطاء والباعة المتجولين، ويلغي بالتالي إمكان القيام بذلك العمل، مما يجعل صفة اليهودي مستحيلة، والوعي لليهود سيذوب ويتحلل كالسديم في الهواء الحيوي الحقيقي للمجتمع». وخلاصة آراء (ماركس)، أن اضطهاد اليهود من القياصرة الروس هو الذي خلق العنصرية اليهودية فالعلاج هو زوال الاضطهاد. ثم يدعي (ماركس) أن القومية اليهودية ترتبط بالبيع والشراء، أي حياتهم التجارية وهذا سيذوب ويتحلل كالسديم في الهواء الحيوي الحقيقي للمجتمع! ولقد تناسى (كارل ماركس) قوله: «الدين أفيون الشعوب». وحصر المسألة اليهودية في البيع والشراء فإذا حلت هذه المسألة عن طريق النظام الاقتصادي الشيوعي ذابت المسألة اليهودية، خصوصًا إذا زال الاضطهاد لهذه الفئة.

стр. 129

وهكذا يتلخص الموقف النظري لـ (ماركس) في إعطاء الأمن والأمان لليهود الروس، ووقف الاضطهاد الذي مارسته روسيا القيصرية بالنسبة لهم. لِينِينْ وَالحَرَكَةِ الصُّهْيُونِيَّةِ: أما (لينين) فيرى نفس الشيء إذ يقول: «الحركة الصهيونية لا تحل المشكلة اليهودية، والحل الوحيد هو اندماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، وإلغاء جميع أنواع الاضطهاد والتمييز وإعلان المساواة بين الجميع». ويقول: «الفكرة القائلة بأن اليهود يشكلون أمة منفصلة عن غيرها غير ثابتة من الناحية العملية، كما أنها فكرة رجعية من الناحية السياسية». ويحلل ذلك بقوله: «إن القوى الرجعية في أوروبا ولا سيما في روسيا القيصرية، هي التي تعارض اندماج اليهود وتسعى إلى إدامة عزلهم». فالموقف النظري لخليفة (ماركس)، هو إزالة جميع أوجه الاضطهاد والسماح لليهود بالاندماج في المجتمع الروسي. مَوْقِفُ سْتَالِينْ مِنَ اليَهُودِ الرُّوسِ: أما (جوزيف ستالين) فيقول في كتابه " الماركسية والمسألة اليهودية ": «اليهود لا يشكلون قومية ما داموا غير متحدين من الناحية الاقتصادية، ويسكنون مناطق مختلفة ويتكلمون لغات مختلفة». والجدير بالذكر أنه بعد قيام الثورة الشيوعية صدر بيان بالقضاء الفعال على الحركة اللاسامية المعادية لليهود، واقتلاعها من جذورها. فهل جاءت الثورة الشيوعية من أجل هذا؟ وهل قام الشيوعيون بإذابة اليهود في المجتمع السوفياتي؟ المَوْقِفُ العَمَلِيُّ لِلْمَارْكْسِيِّينَ، بَيَانٌ رَسْمِيٌّ بِعَدَمِ مُعَادَاةِ اليَهُودِ، وَتَخْصِيصِ إِقْلِيمٍ لَهُمْ: الموقف العملي للشيوعية تجسد في البيان الصادر بالقضاء على الحركة المعادية لليهود، فهل اقتصر التطبيق العملي على ذلك؟

стр. 130

تدل إحصائية سنة ١٩٥٩ الروسية أن اليهود يتمسكون بلغتهم بنسة ٥٠ %، وأنه ما زالت لهم قومية مستقلة، فقد قام الزعماء الشيوعيون بتخصيص إقليم مستقل لليهود في الاتحاد السوفياتي هو إقليم (بيروبدخان) الذي أنشئ لهم سنة ١٩٣٤ مع السماح لهم في الإقامة بالأقاليم الأخرى. أما " دائرة المعارف السوفياتية " الصادرة سنة ١٩٣٢، فهي أكثر سخاء من الشاء على اليهود، حتى اضطر الروس لتغطية هذا سنة ١٩٦٩ فصدر كتاب " حذار من الصهيونية " كتبه (يوري إيفانوف) (*) وفيه: «أن ما جاء في " دائرة المعارف السوفياتية بشأن اليهودية يعتبر تزييفًا لفكرة (لينين) عن الصهيونية، أما كون قادة الجيش الروسي الحاليين من اليهود فأمر ليس بغريب أمام هذه الفلسفة». هَلْ هِيَ أَسْبَابٌ اقْتِصَادِيَّةٌ خَلْفَ هَذَا التَّنَاقُضِ ؟: لقد كان رأي بعض الخبراء السياسيين أن العوامل الاقتصادية هي السبب في موقف روسيا من مشكلة الشرق الأوسط، والذي وصفه الرئيس السادات بأنه موقف اللاسلم واللاحرب. فيقول الخبراء: إن بقاء هذا الوضع يضمن تصريف الروس المخزون من الأسلحة التي لا مكان لها في الحروب الخاطفة، ويضمن استنزاف الروس للموارد المصرية، واستمرار تدفق المنتجات المصرية إلى الاتحاد السوفياتي. فهل هو السبب في محاباة اليهود الروس ثم محاباة إسرائيل؟ .. وإذا كان ذلك كذلك، جدلاً، فهل هو أيضًا العامل الرئيسي في طرد الروس لمسلمي أرض القرم ونفيهم إلى سيبيريا وغيرها؟ إن المناطق الإسلامية أغنى مناطق الاتحاد السوفياتي، فهي المنتج الأول للكروم والرصاص والنحاس والتوتياء والحديد والفحم والذهب والفضة وإليك الأمثلة: ١ - تركستان بها أكثر من نصف النحاس والرصاص في الاتحاد السوفياتي، وأول مناطق العالم في إنتاج الكروم، وكان فيها ٣٥ مليون مسلم أصبحوا ١٣ مليونًا في تعداد سنة ١٩٦٣. ٢ - كازاكستان وهي أكبر جمهورية في الاتحاد السوفياتي - ويكثر فيها الحبوب والفاكهة حتى سميت منطقة بحيرة بلقاش ببلاد التفاح، وكثرت فيها زراعة القطن، والثروة

стр. 131

الحيوانية بها تبلغ ١٥ % من مجموع الجمهوريات السوفياتية، و ٢٠ % بالنسبة للغنم، و ٥٧.٤ % من النحاس، و ٥٦.٣ % من الرصاص، و ٤٩.٨ % من التوتياء، وبها ثروة ضخمة من الفحم والبترول والفضة. وعدد الشكان بها ١٢ مليون نسمة، ورغم عمليات البلشفة الواسعة فلم يزد أعضاء الحزب الشيوعي بها عن ١ إلى ٣ % من السكان. وتدل الإحصائيات الروسية أن عدد السكان في انخفاض ولم تذكر السبب. ٣ - أوربكستان: جمهورية أقيمت على أنقاض بخارى وخوارزم وغيرهما، سكانها ٨ مليون نسمة. يكثر فيها الثروة الزراعية والحيوانية وفيها نهر سيحون ونهر جيحون. ٤ - تركمانستان: تبلغ مساحتها مساحة فرنسا، ولكن سكانها مليون ونصف فقط، شردوا جميعًا ولم يبق منهم سوى ٩٠٠ ألف، بها قناة تصل نهر جيحون الأرمني ببحر قزوين، وبها صحراء (قرة قرم) تشمل تسعة أعشار المنطقة. وأهم مدنها عشق آباد ومدينة مرو التي كانت مركز خراسان ومقر الوالي أيام الحكم الإسلامي. ٥ - قيرغيزيا: منطقة جبلية سكانها حوالي ٢.٥ مليون نسمة، مشهورة بتربية الأغنام، وعدد السكان في تناقص مستمر بينما يزداد عدد الروس الوافدين. وهو المخطط المنفذ في سائر المناطق الإسلامية. والمنطقة غنية أيضًا بالزراعة وتكثر فيها الفاكهة، وتنقل خيرات المنطقة كغيرها إلى الروس، حتى طالب رئيس وزرائها (يوسوب عبد الرحمانوف) بعدم تصدير الخبز إلا بعد اكتفاء السكان منه، فاتهم بالخيانة واختفى من البلاد سنة ١٩٣٧، ولا يعرف أحي هو أم ميت. ٦ - طادجكستان: هي أصغر جمهورية في آسيا الوسطى، سكانها من أصل إيراني بينما الجمهوريات الأخرى من أصل تركي، سكانها يزيدون قليلاً عن المليون ونصف، عاصمتها (ستالين آباد) (*). وواضح من اسم العاصمة أنه اسم حديث، لأن هذه الجمهورية أنشئت في ٢٥ مارس - آذار سنة ١٩٢٥ لأغراض سياسية منها: [١]- أن إنشاء جمهورية على أساس قومي سلاح بيد الروس لينشر على العالم أنه يستعمر المناطق ولا يغير الأمر الواقع. [٢]- هذه الجمهورية سلاح آخر للروس ضد أفغانستان، التي يقيم فيها نسبة

стр. 132

كبيرة من أبناء هذه المنطقة. [٣]- وغاية ثالثة من إنشاء هذه الجمهورية وهي أن تقود بمبادئها الإيرانيين، إذ يزعم الروس أن الثقافة الإيرانية أصلها طاجيكية، كما أن الطاجيك (سكان هذه الجمهورية) هم الذين وقفوا أمام تقدم الإسكندر المقدوني، وأمام زحف المغول بقيادة (جانكيزخان). هذا وتوجد جمهوريات أخرى صغيرة مثل باشكيريا وإستونيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تعامل بنفس الأسلوب ويسيطر عليها الأقلية الحزبية. ولكن الاضطهاد والإبادة بهذه المناطق ليس بسبب ثرواتها الاقتصادية فقط، لأنها تحت السيطرة الشيوعية ومواردها بيد الروس طوعًا أو كرهًا، فكان استمرار الاضطهاد والنفي إلى سيبيريا وغيرها لسبب آخر هام فما هو؟ ولماذا لم يعامل اليهود في روسيا نفس المعاملة التي عومل بها المسلمون؟. الجَوَابُ فِي " البْرُوتُوكُولاَتِ " وَ" التَّوْرَاةِ ": لقد وضع اليهود مخططًا يهدف إلى هدم الأديان وتعميق الاختلافات المذهبية والسياسية، وخلق صراع يؤدي إلى حروب عالمية تمهد لسيادة اليهود ممثلين في دولة إسرائيل التي خططوا لقيامها ثم سيطرتها على العالم كله، بعد إضعافه وانهياره بالحروب والأزمات الاقتصادية. هذا المخطط السري هو " بروتوكولات حكماء صهيون "، الذي سرقته سيدة فرنسية أثناء معاشرتها لأحد زعماء اليهود بفرنسا، فتمكن العلامة (سرجي نيلوس) من نشره سنة ١٩٠٢. ولقد جاء في البروتوكول الخامس عشر: «سَنَعْمَلُ كُلَّ مَا فِي وُسْعِنَا عَلَى مَنْعِ المُؤَامَرَاتِ التِي تُدَبَّرُ ضِدَّنَا، حِينَ نَحْصُلُ نِهَائِيًّا عَلَى السُّلْطَةِ، مُتَوَسِّلِينَ إِلَيْهَا بِعَدَدٍ مِنَ الانْقِلاَبَاتِ السِّيَاسِيَّةِ». المَارْكْسِيَّةُ رَبِيبَةُ اليَهُودِيَّةِ وَدَوْرُ يَهُودِ أَمِرِيكَا: من هنا وتخلصًا من اضطهاد روسيا القيصرية لليهود، قام يهود روسيا بالثورة الشيوعية سنة ١٩١٧، إذ كان على رأس الثورة (كريتسكي) و (تروتسكي) و (زينوفييف) و (رادك) وكلهم يهود، وكان للمذهب اليهودي الأمريكي دور في إسقاط الحكم القيصري الروسي، وتمكين الشيوعية في روسيا، وقد أشار إلى ذلك الأستاذ (سرجي نيلوس) ونقل عن كتاب " المؤامرة يهودية " ما نصه: «إن المحفل الأمريكي الماسوني الذي يدير الماسونية الكونية،

стр. 133

وكل أعضائه من أعاظم زعماء اليهود وحدهم، عقد مؤتمرًا، قرر فيه خمسة من اليهود أصحاب الملايين، خراب روسيا القيصرية، بإنفاق مليار دولار والتضحية بمليون يهودي لإثارة الثورة في روسيا، والخمسة الذين تبرعوا بالمال هم: (إسحاق موتير)، و (شتر)، و (ليفي)، و (رون)، و (شيف)». المَكْتَبُ السُّوفْيَاتِي كُلُّهُ يَهُودْ: ولا ينكر أحد أن (كارل ماركس) يهودي، وأن (تروتسكي) اليهودي هو الذي سعى لتمكين (لينين) وتسليم السلطة له لصلته باليهود. ولا ينكر أحد أن المكتب السوفياتي سنة ١٩٠١ تكون من سبعة عشر عضوًا منهم أربعة عشر يهوديًا هم: (جانوفيتش) نائب الرئيس و (برياوشفرتيك) و (كيرتشنين)، و (جوركين)، و (إليا ايرهمبرج)، و (هينسبرج)، و (يخليس وفربين)، و (جودي ولوزوفسكي)، و (كافتانون)، و (بيتر ليفنتسكي)، أما الثلاثة الباقون ففيهم يهودي الأم وجميعهم متزوجون يهوديات وعلى رأسهم (ستالين) رئيس الدولة، و (مولوتوف) و (غيرشليوف). الشُّيُوعِيَّةُ مُخَطَّطٌ صُهْيُونِي: ولقد جاء في البروتوكول الثاني: «لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء. ولاحظوا هنا ان نجاح دارون وماركس ونيتشه وقد رتبناه من قبل. والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي (غير اليهودي) سيكون واضحًا لنا على التأكيد». كما جاء في البروتوكول التاسع: «وإننا سنسخر في خدمتنا أناسًا من جميع المذاهب والأحزاب، من رجال يرغبون في إعادة الملكيات، واشتراكيين، وشيوعيين، وحالمين بكل أنواع الطوبيات (الممالك الفاضلة)، ولقد وضعناهم جميعاً تحت السرج، وكل واحد منهم على طريقته الخاصة ينسف ما بقي من السلطة، ويحاول أن يحطم كل القوانين القائمة. وبهذا التدبير تتعذب الحكومات، [وتصرخ طلبًا للراحة، وتستعد ـ من أجل السلام ـ لتقديم أي تضحية]، ولكننا لن نمنحهم السلام حتى يعترفوا في صراحة بحكومتنا الدولية العليا». الشُّيُوعِيَّةُ فِي التَّوْرَاةِ: ولقد حاول اليهود التنكر للبروتوكولات، وحرقوها مرارًا وتمكنوا من مصادرتها في بريطانيا وغيرها، ولكن التوراة تؤكد أن الشيوعية من صنع اليهود فقد جاء في الإصحاح الخامس من سفر اللاويين ما نصه «الأرض لا تباع، لأن لي الأرض وأنتم غرباء نزلاء عندي». وفي

стр. 134

البروتوكول ١٥: «هم كالغنم غباوة، ورؤوسهم مملوءة بالفراغ. سنتركهم يركبون في أحلامهم على حصان الآمال العقيمة، لتحطيم الفردية الإنسانية بالأفكار الرمزية لمبدأ الجماعية». فهذه الأفكار وغيرها هي التي جعلت (كارل ماركس) اليهودي يضع نظريته رأس المال، ويدعو إلى إلغاء الملكية الفردية والمناداة بالملكية الجماعية. وفي إسرئيل حاليًا نظام المزارع الجماعية، ولها حزبان شيوعيان لهما كامل الحرية السياسية والاجتماعية. الصِّلَةُ بَيْنَ البْرُوتُوكُولاَتِ وَالكُتُبِ المُقَدَّسَةِ: والتوراة تؤكد نسبة البروتوكولات إليهم، ففي التوراة: «سيقوم الرب ويقيس الأرض ويجعل عبدة الأوثان تحت يد إسرائيل .. ويسلم جميع ممتلكاتهم لليهود». وفي آخر " سفر المزامير " وهو " الزبور ": «وليرغموا على مضاجعهم، تنويهات الله في أفواههم، وسيف ذو حدين في أيديهم، كي ينزلوا نقمتهم بالأمم، وتأديباتهم بالشعوب، ويأسروا ملوكهم بقيود وأشرافهم بأغلال من حديد، وينفذوا فيهم الحكم المكتوب». وفي " التلمود " وهي الكتاب السري لليهود: «واليهود يفضلون الأمميين - غير اليهود - كما يفضل الإنسان البهيمة، والأمميون جميعًا كلاب وخنازير ..». ونفس الشيء بالبروتوكول الأول: «إن الأمميين كقطيع من الغنم وإننا الذئاب». وفي البروتوكول الثاني: «لسنا في حاجة أن نقيم وزنًا للأمميين». الشُّيُوعِيَّةُ الجِنْسِيَّةُ فِي التَّوْرَاةِ: أما الإباحية الجنسية التي يتبناها الشيوعيون، فهي مباحة في التوراة التي تمتدح دور الفتاة التي قدمها عمها إلى ملك الفرس فأعجبته، وعن طريق الجنس قامت بدور في الإحاطة بل بقتل (هامان) وزير الملك، لأنه كان قد بدأ في اضطهاد اليهود، وقد أوعزت إلى الملك ليسلم منصب الوزير إلى (موردخاي) اليهودي (١). وتنسب التوارة إلى نبي الله (داود)، أعمال الجنس والفحش فتزعم أنه اغتصب زوجة أحد جنوده، وبعد أن حملت دبر قتله وتزوجها وولدت منه ابنًا آخر هو (سليمان). وتنسب إلى نبي الله (سليمان) الضلال الجنسي كأبيه فتزعم أنه ضم إليه ألف امرأة، بل تزعم أنه في

стр. 135

شيخوخته «أمال النساء قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملاً للرب إلهه». فتزعم أنه أقام معابده تماثيل لآلهة نسائه وشعوبهن وقد برأه القرآن كما برأ أباه. مَنْ كَانَ لَهُ أُذْنٌ لِلْسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ: عبارة خالدة، قد صرخ الأستاذ (نيلوس) (*) صرخة المسيح من قبل ليوقظ بها الروس قبل حلول كارثة الحكم الشيوعي باثني عشر عامًا، ولكنهم لم يسمعوا .. وأنا اليوم أعيدها مرارًا لمن كان له قلب، ليكون لنا فيما جرى عبرة، ولكي لا تنخدع الأمة العربية مرة أخرى بوعود الروس البراقة، وما من شك أنهم لن يتخلوا عن أحلامهم في المنطقة بهذه البساطة، ولكنهم كالحية التي تدخل جحرها الآن، انتظارًا لفرصة أخرى تنقض على الفريسة، ومن قبل عندما ساءت علاقاتهم مع (جمال عبد الناصر) سنة ١٩٥٩ في أعقاب ثورة الشواف وسحق (عبد الكريم قاسم) لها بواسطة الشيوعيين، طأطأوا رؤوسهم للعاصفة ريثما أتيحت لهم الفرصة بعد ذلك والتفوا حول عنقه، وأصبح لا يعرف لسانه إلا أن يكيل المدح لهم حتى في ساعة الهزيمة برغم شهود الدنيا على تواطؤ الروس .. وإن نجحوا هذه المرة في مداهنة السادات فإنها ستكون الماحقة لكل مقومات الأمة العربية إلى الأبد، لأن الغدر طبع الدب الروسي (١). وهم ينسقون مع أمريكا في ذلك. هَلْ يَفِيقُ اليَسَارُ العَرَبِيُّ ؟: إن أكثر أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي منذ قيامه وحتى أوائل الخمسينيات كانوا من اليهود. والذين أسسوا الأحزاب الشيوعية العربية كانوا في معظمهم يهودًا، كـ (هنري كورييل) في مصر، و (يوسف زليخة) و (وشلومو دلال) في العراق، حتى الحزب الشيوعي في فلسطين وحتى عام ١٩٣٢ كان جلهم من اليهود الذين اعتبروا ثورة البراق عام ١٩٢٩ «مذابح لليهود»، ودعوا فيما بعد لوحدة العمال العرب واليهود ضد الرأسماليين! وعندما كانت تختلف الزعامات الشيوعية فيما بينها، وتنشأ الانشقاقات كان «الكومينترن» يرسل إليهم شيوعيين يهودًا ليوحدوا بينهم. ومنذ تكوين الخلايا الأولى للأحزاب الشيوعية العربية، رفعت شعارات الوطنية والتحرر من الاستعمار والتقدمية، ودخلت في جبهات «وطنية» مع قوى أخرى،

стр. 136

وتجسدت هذه الشعارات أسماء نشرتها " الوطن "، " الحقيقة "، " إلى الأمام "، الشرارة "، " الطليعة " وغيرها، وما تزال هذه الأسماء هي العناوين التي يتسللون من خلالها! وإذا كان شعار «الوطنية» هي أكثر الشعارات التي تغنوا بها، فإن مواقفهم السياسية تكشف زيف هذا الشعار، وبخاصة مواقفهم من القضية الفلسطينية، القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية. ففي العراق طالب الشيوعيون رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ بعدم اضطهاد اليهود، وفي عام ١٩٤٨ بارك الشيوعيون قيام دولة إسرائيل باعتراف الاتحاد السوفياتي بها. ومن قبل وقف الحزب الشيوعي الفلسطيني وكل الأحزاب الشيوعية العربية مع قرار التقسيم الصادر عام ١٩٤٧. وبعد النكبة وتحديدًا عام ١٩٥١ كان أهم بنود برنامج الحزب الشيوعي الأردني، «النضال في سبيل تنفيذ قرار هيئة الأمم المتحدة، وفي سبيل عودة المشردين إلى ديارهم». وبعد قيام العمل الفدائي بعد هزيمة ١٩٦٧ تحفظ عليه الشيوعيون بدعوى «أن الظروف لم تتضح للخوض في مثل هذا الأسلوب من الكفاح فضلاً عن أنه يعرقل التوصل إلى تسوية سلمية». وفي مواجهة العمل الفدائي رفعت قيادة الحزب الشيوعي الأردني «حكومة الوحدة الوطنية». وفي العراق أيد الشيوعيون قرار مجلس الأمن ٢٤٢: ١ - الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. ٢ - ومحاربة التوجه الإسلامي على مستوى انتشار الدعوة والتشريعات الإسلامية، بل وحتى على مستوى أعمال الخير والبر والإحسان. وفي بعض دول الخليج العربية استطاع بعض العلمانيين والشيوعيين التسلل لبعض المواقع المؤثرة سياسيًا وإعلاميًا وأجهزة حكومية. إن بعض اليهود كانت لهم الصدارة في الحزب الشيوعي العراقي وقيادته وهم: - كان المسؤول عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في بغداد عام ١٩٤٧: اليهودي (يهودا صديق). - والمسؤول الأول عن عمال بغداد: اليهودي (يوسف زلوف) ثم تناوب المسؤولية عن

стр. 137

العمال كل من اليهودي: (حسقيل صديق)، واليهودي (موشي مراد كوهين). ثم أصبح اليهودي (يوسف زلوف) مسؤولاً عن تنظيم البصرة. - والمسؤول الأول عن مجلة " العصبة ": اليهودي (يوسف زلخة). - وتتكون لجنة التثقيف الحزبي من: (ساسون دلال) و (موسى مختار) و (إبراهيم شاؤول). - والمسؤول عن عمال الأحذية: (سليم منشي). - وعن عمال الخياطة: (موسى كوهين). - وعن عمال الصياغة: (يوسف زلوف). - وعن عمال التجارة: (حسقيل إبراهيم). - والمسؤول عن قطاع الكرخ: (مير يعقوب كوهين). - والمسؤول عن الكرادة: (موريس يعقوب). - عضو اللجنة المحلية للواء البصرة: اليهودي (ناجي شاؤول). - عضو اللجنة المحلية للواء كركوك: اليهودي (يونان وليم). - والمسؤول الأول عن اللجنة المركزية الثالثة: اليهودي (ساسون شلومو دلال). - والمساعد الأيمن في الحزب: اليهودي (سامون دلال)، واليهودي (مناحيم قوجمان). - المسؤول عن المطبعة السرية للحزب: اليهودي (يعقوب مير مصري). - والمسؤول عن الكليات: اليهودي (موشي سليمان). - والمسؤولة عن نساء بغداد: اليهودية (سعيدة ساسون). - أما اللجنة المركزية الرابعة: فالمنظم الأعلى للعمال: اليهودي (منشي يعقوب عبد الله). - والمسؤول عن الثانويات: اليهودي (ناظم يعقوب يونا). - والمسؤول عن تنظيم نساء السليمانية: اليهودية (حنبلة هارون زلخة). - أما الممولان الرئيسيان للحزب فهما: اليهودي (شلومو دانيال) واليهودي (داود دانيال). - أما اللجنة الخامسة فأحد أعضائها: اليهودي (يعقوب قوجمان). - ومنظم القطاع الجنوبي: اليهودي (سعيد شلومو صيون).

стр. 138

- ومراسل اللجنة المركزية فرع البصرة: اليهودي (يوسف ساسون). - والمسؤول عن مركز المراسلات في بغداد: اليهودي (شنطوب شميل). فهل يتدبر المنخرطون في سلك اليسار والسائرون في ركابه إلى أي وجهة يقصدون وبقيادة من يسيرون (١). تَزْوِيرُ المَذْهَبِ المَادِّيِّ لِلْتَّارِيخِ: إن أتباع المذهب المادي وخدامه يزعمون أن أصحاب رسول الله ﷺ إنما اتبعوا ليخلصهم من المظالم، وليهنأوا برغد العيش في ظل الحكم الجديد. وهؤلاء لا يجهلون أنه لا يخلو مصدر من المصادر التاريخية من بيان موقف الرواد الأوائل لهذا الدين. إنهم لم يدخلوا هذا الدين ابتغاء مغنم في الدنيا أو لرفع ظلم السادة لهم، لأنهم يعلمون تمامًا أن دخولهم في هذا الدين لن يرفع عنهم الأغلال الدنيوية، ولن يمنحهم المال أو الجاه أو السلطان. فالقرآن الكريم يعلن أن أتباع هذا الدين لا بد أن يفتدوه بأموالهم وأنفسهم. قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (٢). وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣). ولهذا عندما أسلم بلال بن رباح صب عليه سيده أمية بن خلف كل أنواع العذاب، بما في ذلك وضع الصخرة الكبيرة على صدره، وتركه فوق الرمال الملتهبة في الظهيرة مع ضربه بالسياط بمعرفة حراس غلاظ شداد لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلاً. كما أن المصادر التاريخية تعلن أن النبي ﷺ لم يقدم وعودًا لأحد بتحسين وضعه الاجتماعي، أو رفع الظلم والعذاب عنه. وَفِي هَذَا يَقُولُ خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ

стр. 139

وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». إن النبي الذي طلب منهم الصبر على البلاء لأنه سنة الدعوات، قد أعلن لهم بكل الثقة في الله، أن الله سينصر دينه، وسيحكم الإسلام أرض الجزيرة بل ومن صنعاء إلى حضرموت. ولكن النبي ﷺ لم يقل للمستضعفين إن هذا النصر سيتم على أيديهم، ولم يقدم وعودًا لأحد منهم يجني ثمار صبره في هذه الدنيا. ذلك لأن المسلم لا يبتغي بإسلامه إلا نصرة دينه، وطاعة ربه والجزاء الذي وعده الله به، وهو الجنة في الحياة الآخرة وليس الفوز بشيء من الدنيا. قد يأتي هذا النصر، وقد يتأخر ليجني ثماره أجيال أخرى كما حدث لأصحاب الأخدود. فقد أدخلوا نار الدنيا وحرقوا عن آخرهم، والسبب الذي رواه القرآن الكريم هو قول الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١). والعقاب الذي توعد به الظالمين هو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (٢). لقد تجاهل هؤلاء هذه الحقائق التاريخية، وزعموا أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية هي التي دفعت المستضعفين للانضمام إلى جماعة رسول الله ﷺ كما تجاهلوا أن الإسلام قد اعتنقه أغنياء وفقراء، بل لم يكتفوا بهذا التفسير الخاطئ الكاذب، بل زوروا التاريخ ليثبتوا صدق زعمهم، وذلك على حساب القرآن والسنة النبوية. ومن صور هذا قول أحدهم: «كان المدين ينزل للدائن عن زوجته أو عن أمه أو عن ابنته أو عن زوجة أبيه ليتسلمها الدائن، لا ليستمتع بها وحده فحسب، فقد كان من حقه بعد أن يستمتع بها، أن يلحقها بأحد بيوت اللهو الكبيرة، التي كانت ترفع عليها رايات خاصة». والمصادر التاريخية تثبت كذب هذا الافتراء أصلاً، كما تثبت عدم صدق التفسير المادي الذي اختاروه. يقول (فيليب حتي) في كتابه " تاريخ العرب ":

стр. 140

«الحياة في الصحراء تخلق المساواة. فإن كانت الشعوب تفخر بقوميتها، فإن سكان الصحراء من البدو يحق لهم أن يفخروا بحريتهم الشخصية». وما يذكره كتاب " محمد رسول الحرية " عن استرقاق المرأة وتسليمها للغير من دَيْنٍ على العائلة أمر غير صحيح، فالمصادر التاريخية كلها تثبت أن الدفاع عن الشرف والعرض كان من سمات العرب، وأنه قد نشبت حروب بسبب الدفاع عن شرف النساء، ومن هذه الحروب حرب البسوس التي ظلت أربعين عامًا، وسببها أن البسوس قد تركت ناقتها فوردت ماء كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ، فصرع هذه الناقة فاستنجدت البسوس بابن أختها جساس بن مرة فقام لنصرتها وقتل كُلَيْبًا. وأيضًا حرب الفجار، سببها أن شبانًا حاولوا كشف وجه امرأة من بني عامر فرفضت فشد أحدهم ثوبها من الخلف فصاحت وطلبت النجدة فكانت هذه الحرب. وتأكيدًا لذلك يقول (فيليب حتي): «يفخر العرب فخرًا لا حد له بنقاء دمه، وقبل هذا وذاك بشرف نسبه، أما المرأة الأعرابية فكانت تتمتع بقدر من الحرية، بينما غيرها كان يعيش في مجتمع يغلب عليه النفاق ويسيطر عليه الرجل» (ج ١ ص ٣٦). وتفصيل الرد على محاولات مَرْكَسَةِ الإِسْلاَمِ في كتاب " الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار ".

стр. 141

الفَصْلُ الرَّابِعُ: القِيَمُ الأَخْلاَقِيَّةُ بَيْنَ الإِلْحَادِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: • خطر الحرية الجنسية. • الدور النسائي في المخطط الأنجلو - صهيوني. • الشيطان الأخرس والجمعيات النسائية. • إخضاع النفس للتجارب. • المخطط الإسرائيلي وواجب العرب. • السلطة وحدودها. • إتلاف الخمر بين الشرعية والمصالح الفردية. • كرامتنا المهانة بين السياحة والفن. • الغزو الماركسي للتاريخ والسيرة. • المؤتمرون وأزمة التطور الحضاري.

стр. 142

القِيَمُ الأَخْلاَقِيَّةُ بَيْنَ الإِلْحَادِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: خَطَرُ الحُرِّيَّةِ الجِنْسِيَّةِ: (١). انتشرت الحرية الجنسية في الغرب بفعل المناهج التحررية والعلمانية (اللادينية)، التي سادت أوروبا في القرن الماضي كرد فعل لمظالم القرون الوسطى، وهي قرون الظلام في أوروبا وحدها، وأصبح مفهوم الحرية عند هؤلاء هو التحرر من الفضائل، فهي قيود على نزواتهم ومصالحهم المادية. والماركسية أكثر إمعانًا في هذا، فعقيدتها وهي المادية الجدلية، تحتم على الإنسان أن يكون ماديًا فحسب، فغايته إشباع غرائزه وشهواته. والحرية في الإسلام هي التحرر من العبودية للمادة، والعبودية للأهواء، والتحرر من العبودية للبشر. والحرية في الإسلام: هي قانون الحركة المتوازنة حول محور ثابت، لكنها حركة إرادية، فقد خص الله الإنسان بالإرادة وكرمه على سائر المخلوقات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٢). ففي هذا الإطار يتحرك الإنسان في نطاق بشريته التي هي مزيج بين المادة والروح، فالإنسان ليس حيوانًا، وليس ملاكًا، وليس مطلوبًا منه أن يكون هذا وذاك، والإسلام بهذا المفهوم يحقق التوازن بين المادة والروح، فلا يهمل مطالب الجسد، ولا يلغي الروح والمعاني والقيم. قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٣). وهذا التطبيق الصحيح لمفهوم الحرية، يصلح حياة الناس جميعًا وتستقر به النفوس، ولن تستقيم الحياة في ظل الحرية الجنسية، فكلما تحرر الإنسان من القيم والأخلاق ازداد تعطشًا وَنَهَمًا للانحراف والطغيان، وما أمر بريطانيا عنا ببعيد، فقد أباحت كل أنواع الحرية الجنسية بما فيها الشذوذ، فكانت النتيجة هي خطف الصغار من المدارس والاعتداء عليهم، ولم

стр. 143

يوقف ذلك مظاهرات الآباء والأمهات، والمطالبة بالتدخل لحماية النشء من هذه الحيوانية المفترسة. لقد حاول المصلحون الاجتماعيون علاج هذه الظاهرة، ولكنهم ضلوا السبيل ففاقد الشيء لا يعطيه. فالبرغم من محاولات كنائس الوحدويين في أمريكا علاج جرائم الجنس، بعرض أفلام كاملة للعمليات الجنسية، ما زال المجتمع جنسيًا خالصًا، وتعلل العالمة الاجتماعية (إيرا رايس) ذلك بغياب الدين عن الواقع. ولقد انتقلت إلينا هذه الحيوانية ضمن ما ورثناه من التقليد الأعمى باسم التقدم والرقي، وشاعت الصدور العارية وانتشرت الإباحية الضارية وأضفينا على هذه الأمراض شتى المسميات، فكان أدب الجنس، وأصبح له فلاسفة بدعوى أنه حقيقة بين الصغار والكبار، بل أصبح للجنس وعاظ يزعمون أن الحرية الجنسية ليست حرامًا، فالدكتورة (هلين رايت) الفرنسية المشهورة والتي عملت مبشرة خمس سنوات لحساب الكنيسة الإنجليزية تقول في كتاب باسم " الجنس والمجتمع " بوجوب الحرية الجنسية بين الناس جميعًا بما فيهم المتزوجون، وتدعو إلى ضرورة تقبل الرجل والمرأة هذا على السواء، منعًا من هدم حياتهما الزوجية، وهي تنسب إلى الدين المسيحي هذا الفهم الغريب وتقول: «إن هذا السلوك لا يخالف المسيحية، لأن الأفكار القديمة الخاصة بالأخلاقيات قد انهارت، ويلزمنا أفكار جديدة للعلاقة الجنسية وهي الحرية الجنسية». وبين العرب من يزعم أن هذه الحرية لا تخالف القواعد الشرعية ويحتجون ببعض الأشعار وأخبار بعض الأدباء. ولئن صح أن هذا حال البعض فهي فئة منقرضة لا تمثل إلا نفسها، ولا تعدو أن تكون قليلة نادرة. والنادر لا حكم له. أما المجتمع العربي الإسلامي فقد كان في عصوره الأولى، طاهرًا متطهرًا من مظاهر ومحركات الشهوة الجنسية وعوامل الإغراء، ومن ثم انتصر على الإمبراطوريتين العالميتين الفرس والروم. وإذا افترضنا جدلاً - والجدل خلاف الواقع - أن الأقلية أو الأغلبية قد سلكت سبيلاً غير ذلك فالاحتكام إنما يكون لحكم الله ورسوله أي لما يجب أن يكون، وهو تطهير المجتمع من الفساد وعوامل الإغراء الجنسي، لأنها تؤدي إلى شيوع الفاحشة، ومن ثم تنحل أسباب ومقومات التكامل والقوة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا

стр. 144

تَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال رسول الله ﷺ : «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ. وَخُلُقُ الْإِسْلاَمِ الحَيَاءُ». وقال: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (٢). من أجل ذلك لا يحل إشعال نار هذه الفتنة، لأن إباحة نشر وإذاعة هذه المسائل، لا يقل خطرًا عن نشر وشيوع السرقة أو القتل، بل إن الحرية الجنسية أشد خطرًا من هذه الجرائم، ولا أدل على ذلك من أن الله جعل عقوبة الزاني الرجم، بينما اكتفى بقطع يد السارق، ذلك أن الزنا يهلك الأمة كلها ويضعف كل مقوماتها، ووسائل الحرية الجنسية، جزء من الزنا فهي أبوابه ومقوماته. أَدَبُ الجِنْسِ: من أجل ذلك لم يكتف الإسلام بتحريم الزنا، بل حرم الطرق المؤدية إليه. ففي الحديث الشريف: «فَالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». كما حرم الإسلام الكلام في المسائل الجنسية، فالوقاية خير من العلاج، قال ﷺ : «لَا تُبَاشِرُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ حَتَّى تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا». وإذا كان وصف المرأة حرامًا، ولو كان ذلك في معرض الحديث بين زوج وزوجته، فهو أشد حرمة وأكبر خطرًا فيما وراء ذلك، ولهذا حرم الله تعالى أيضًا الأفعال التي تؤدي إلى هذه الفتنة فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣). ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] (٤). فشيوع الجنس والدعوة إليه إضفاء الأوصاف الأدبية عليه قد أدى إلى انتشار الفواحش وانحلال المجتمعات، فأصبح شعار الشباب «مارس الحب والجنس واترك الحرب والشهامة». إن الذين روجوا للحفلات الراقصة بين الجنود باسم الترفيه، يجنون على الأمة شر جناية فلقد أدت هذه الوسائل إلى أن ترك الجنود الفرنسيون ميادين القتال في الحرب العالمية الأولى وتزاحموا على دور البغاء، ولم يملك قائدهم منعهم فأصدر بيانًا في ٣ مايو سنة

стр. 145

١٩١٩ جاء فيه: «ومكتب القيادة لا يزال يسعى لزيادة عدد العاهرات في دور البغاء حتى يكفين الجنود، ولكن قبل أن يتم ذلك نوصي رجال البنادق ألا يطيلوا مكثهم داخل تلك الدور ويتعجلوا بقضاء شهواتهم». ولقد نتج عن ذلك كما جاء في تصريح المسيو (فرديناند ريفوس) أحد أعضاء المجلس الفرنسي، أن أصبح البغاء حرفة كسائر أنواع المهن وأصبح له أسواق لتصيد واستيراد الفتيات، وأصبحت بعض الفنادق أوكارًا لذلك، وجندت هذه الفئة أرباب القلم وناشري الكتب والأساتذة والأطباء. فهل إلى علاج من سبيل؟ مَعَ الخَطَرِ البَدَنِيِّ: والجدير بالذكر أنه صدرت عدة توصيات وكتب عن الأخطار المادية الجسدية للأمراض الجنسية، الناتجة عن الحرية الجنسية، والتي لم تعد شيئًا خافيًا، بل الأمر واضح وضوح الشمس ومتداول في الأوساط العلمية، بل ولدى جمهور المثقفين. يقول قرار منظمة الصحة العالمية في الاجتماع الثامن والعشرين، المنعقد في مايو ١٩٧٥: «إن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض المعدية انتشارًا، والتي تشكل تهديدًا خطيرًا على الصحة العامة في العالم اليوم». وهو ما أكده أيضًا " مرجع مرك العلمي الطبي " الطبعة الثالثة عشر ١٩٧٧. ونذكر من الأمراض الجنسية أشهرها، وهي أكثر من أن تحصر في مقالة عاجلة، وهي الزهري الذي يؤدي إلى الشلل والجنون، والسيلان الذي يؤدي إلى العقم ثم الهربس المرض الفيروسي الذي لا شفاء منه إلى الآن. وهو سريع الانتشار إذ أن عدد ضحاياه في الولايات المتحدة فقط عام ١٩٨٢ بلغوا عشرين مليونًا، والمرض يتسبب في آلام بدنية ونفسية للمصاب، كما أن وجوده في المرأة يؤدي إلى عدم اكتمال الحمل، وينتقل بصورة قاتلة إلى جنينها، كما ثبت علاقته بسرطان عنق الرحم. وفي عام ١٩٧٩ ظهر لأول مرة داء خطير جديد هو مرض فقدان المناعة المكتسبة في الولايات المتحدة المعروف باسم (الإيدز) وانتشر بسرعة رهيبة بين الشاذين جنسيًا، والمريض يموت خلال عامين أو ثلاثة منذ ظهور الأعراض، وعلاجه غير متيسر ولا معلوم حتى الآن (١).
следующие страницы →