← Общие книги

Общие книги · id 122393

تهافت العلمانية في الصحافة العربية

سالم البهنساوي

Полный текст (277 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفَصْلُ الرَّابِعُ: القِيَمُ الأَخْلاَقِيَّةُ بَيْنَ الإِلْحَادِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: • خطر الحرية الجنسية. • الدور النسائي في المخطط الأنجلو - صهيوني. • الشيطان الأخرس والجمعيات النسائية. • إخضاع النفس للتجارب. • المخطط الإسرائيلي وواجب العرب. • السلطة وحدودها. • إتلاف الخمر بين الشرعية والمصالح الفردية. • كرامتنا المهانة بين السياحة والفن. • الغزو الماركسي للتاريخ والسيرة. • المؤتمرون وأزمة التطور الحضاري.

стр. 142

القِيَمُ الأَخْلاَقِيَّةُ بَيْنَ الإِلْحَادِ وَالعِلْمَانِيَّةِ: خَطَرُ الحُرِّيَّةِ الجِنْسِيَّةِ: (١). انتشرت الحرية الجنسية في الغرب بفعل المناهج التحررية والعلمانية (اللادينية)، التي سادت أوروبا في القرن الماضي كرد فعل لمظالم القرون الوسطى، وهي قرون الظلام في أوروبا وحدها، وأصبح مفهوم الحرية عند هؤلاء هو التحرر من الفضائل، فهي قيود على نزواتهم ومصالحهم المادية. والماركسية أكثر إمعانًا في هذا، فعقيدتها وهي المادية الجدلية، تحتم على الإنسان أن يكون ماديًا فحسب، فغايته إشباع غرائزه وشهواته. والحرية في الإسلام هي التحرر من العبودية للمادة، والعبودية للأهواء، والتحرر من العبودية للبشر. والحرية في الإسلام: هي قانون الحركة المتوازنة حول محور ثابت، لكنها حركة إرادية، فقد خص الله الإنسان بالإرادة وكرمه على سائر المخلوقات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٢). ففي هذا الإطار يتحرك الإنسان في نطاق بشريته التي هي مزيج بين المادة والروح، فالإنسان ليس حيوانًا، وليس ملاكًا، وليس مطلوبًا منه أن يكون هذا وذاك، والإسلام بهذا المفهوم يحقق التوازن بين المادة والروح، فلا يهمل مطالب الجسد، ولا يلغي الروح والمعاني والقيم. قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٣). وهذا التطبيق الصحيح لمفهوم الحرية، يصلح حياة الناس جميعًا وتستقر به النفوس، ولن تستقيم الحياة في ظل الحرية الجنسية، فكلما تحرر الإنسان من القيم والأخلاق ازداد تعطشًا وَنَهَمًا للانحراف والطغيان، وما أمر بريطانيا عنا ببعيد، فقد أباحت كل أنواع الحرية الجنسية بما فيها الشذوذ، فكانت النتيجة هي خطف الصغار من المدارس والاعتداء عليهم، ولم

стр. 143

يوقف ذلك مظاهرات الآباء والأمهات، والمطالبة بالتدخل لحماية النشء من هذه الحيوانية المفترسة. لقد حاول المصلحون الاجتماعيون علاج هذه الظاهرة، ولكنهم ضلوا السبيل ففاقد الشيء لا يعطيه. فالبرغم من محاولات كنائس الوحدويين في أمريكا علاج جرائم الجنس، بعرض أفلام كاملة للعمليات الجنسية، ما زال المجتمع جنسيًا خالصًا، وتعلل العالمة الاجتماعية (إيرا رايس) ذلك بغياب الدين عن الواقع. ولقد انتقلت إلينا هذه الحيوانية ضمن ما ورثناه من التقليد الأعمى باسم التقدم والرقي، وشاعت الصدور العارية وانتشرت الإباحية الضارية وأضفينا على هذه الأمراض شتى المسميات، فكان أدب الجنس، وأصبح له فلاسفة بدعوى أنه حقيقة بين الصغار والكبار، بل أصبح للجنس وعاظ يزعمون أن الحرية الجنسية ليست حرامًا، فالدكتورة (هلين رايت) الفرنسية المشهورة والتي عملت مبشرة خمس سنوات لحساب الكنيسة الإنجليزية تقول في كتاب باسم " الجنس والمجتمع " بوجوب الحرية الجنسية بين الناس جميعًا بما فيهم المتزوجون، وتدعو إلى ضرورة تقبل الرجل والمرأة هذا على السواء، منعًا من هدم حياتهما الزوجية، وهي تنسب إلى الدين المسيحي هذا الفهم الغريب وتقول: «إن هذا السلوك لا يخالف المسيحية، لأن الأفكار القديمة الخاصة بالأخلاقيات قد انهارت، ويلزمنا أفكار جديدة للعلاقة الجنسية وهي الحرية الجنسية». وبين العرب من يزعم أن هذه الحرية لا تخالف القواعد الشرعية ويحتجون ببعض الأشعار وأخبار بعض الأدباء. ولئن صح أن هذا حال البعض فهي فئة منقرضة لا تمثل إلا نفسها، ولا تعدو أن تكون قليلة نادرة. والنادر لا حكم له. أما المجتمع العربي الإسلامي فقد كان في عصوره الأولى، طاهرًا متطهرًا من مظاهر ومحركات الشهوة الجنسية وعوامل الإغراء، ومن ثم انتصر على الإمبراطوريتين العالميتين الفرس والروم. وإذا افترضنا جدلاً - والجدل خلاف الواقع - أن الأقلية أو الأغلبية قد سلكت سبيلاً غير ذلك فالاحتكام إنما يكون لحكم الله ورسوله أي لما يجب أن يكون، وهو تطهير المجتمع من الفساد وعوامل الإغراء الجنسي، لأنها تؤدي إلى شيوع الفاحشة، ومن ثم تنحل أسباب ومقومات التكامل والقوة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا

стр. 144

تَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال رسول الله ﷺ : «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ. وَخُلُقُ الْإِسْلاَمِ الحَيَاءُ». وقال: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (٢). من أجل ذلك لا يحل إشعال نار هذه الفتنة، لأن إباحة نشر وإذاعة هذه المسائل، لا يقل خطرًا عن نشر وشيوع السرقة أو القتل، بل إن الحرية الجنسية أشد خطرًا من هذه الجرائم، ولا أدل على ذلك من أن الله جعل عقوبة الزاني الرجم، بينما اكتفى بقطع يد السارق، ذلك أن الزنا يهلك الأمة كلها ويضعف كل مقوماتها، ووسائل الحرية الجنسية، جزء من الزنا فهي أبوابه ومقوماته. أَدَبُ الجِنْسِ: من أجل ذلك لم يكتف الإسلام بتحريم الزنا، بل حرم الطرق المؤدية إليه. ففي الحديث الشريف: «فَالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». كما حرم الإسلام الكلام في المسائل الجنسية، فالوقاية خير من العلاج، قال ﷺ : «لَا تُبَاشِرُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ حَتَّى تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا». وإذا كان وصف المرأة حرامًا، ولو كان ذلك في معرض الحديث بين زوج وزوجته، فهو أشد حرمة وأكبر خطرًا فيما وراء ذلك، ولهذا حرم الله تعالى أيضًا الأفعال التي تؤدي إلى هذه الفتنة فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣). ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] (٤). فشيوع الجنس والدعوة إليه إضفاء الأوصاف الأدبية عليه قد أدى إلى انتشار الفواحش وانحلال المجتمعات، فأصبح شعار الشباب «مارس الحب والجنس واترك الحرب والشهامة». إن الذين روجوا للحفلات الراقصة بين الجنود باسم الترفيه، يجنون على الأمة شر جناية فلقد أدت هذه الوسائل إلى أن ترك الجنود الفرنسيون ميادين القتال في الحرب العالمية الأولى وتزاحموا على دور البغاء، ولم يملك قائدهم منعهم فأصدر بيانًا في ٣ مايو سنة

стр. 145

١٩١٩ جاء فيه: «ومكتب القيادة لا يزال يسعى لزيادة عدد العاهرات في دور البغاء حتى يكفين الجنود، ولكن قبل أن يتم ذلك نوصي رجال البنادق ألا يطيلوا مكثهم داخل تلك الدور ويتعجلوا بقضاء شهواتهم». ولقد نتج عن ذلك كما جاء في تصريح المسيو (فرديناند ريفوس) أحد أعضاء المجلس الفرنسي، أن أصبح البغاء حرفة كسائر أنواع المهن وأصبح له أسواق لتصيد واستيراد الفتيات، وأصبحت بعض الفنادق أوكارًا لذلك، وجندت هذه الفئة أرباب القلم وناشري الكتب والأساتذة والأطباء. فهل إلى علاج من سبيل؟ مَعَ الخَطَرِ البَدَنِيِّ: والجدير بالذكر أنه صدرت عدة توصيات وكتب عن الأخطار المادية الجسدية للأمراض الجنسية، الناتجة عن الحرية الجنسية، والتي لم تعد شيئًا خافيًا، بل الأمر واضح وضوح الشمس ومتداول في الأوساط العلمية، بل ولدى جمهور المثقفين. يقول قرار منظمة الصحة العالمية في الاجتماع الثامن والعشرين، المنعقد في مايو ١٩٧٥: «إن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض المعدية انتشارًا، والتي تشكل تهديدًا خطيرًا على الصحة العامة في العالم اليوم». وهو ما أكده أيضًا " مرجع مرك العلمي الطبي " الطبعة الثالثة عشر ١٩٧٧. ونذكر من الأمراض الجنسية أشهرها، وهي أكثر من أن تحصر في مقالة عاجلة، وهي الزهري الذي يؤدي إلى الشلل والجنون، والسيلان الذي يؤدي إلى العقم ثم الهربس المرض الفيروسي الذي لا شفاء منه إلى الآن. وهو سريع الانتشار إذ أن عدد ضحاياه في الولايات المتحدة فقط عام ١٩٨٢ بلغوا عشرين مليونًا، والمرض يتسبب في آلام بدنية ونفسية للمصاب، كما أن وجوده في المرأة يؤدي إلى عدم اكتمال الحمل، وينتقل بصورة قاتلة إلى جنينها، كما ثبت علاقته بسرطان عنق الرحم. وفي عام ١٩٧٩ ظهر لأول مرة داء خطير جديد هو مرض فقدان المناعة المكتسبة في الولايات المتحدة المعروف باسم (الإيدز) وانتشر بسرعة رهيبة بين الشاذين جنسيًا، والمريض يموت خلال عامين أو ثلاثة منذ ظهور الأعراض، وعلاجه غير متيسر ولا معلوم حتى الآن (١).

стр. 146

الدَّوْرُ النِّسَائِيُّ فِي المُخَطَّطِ الأَنْجْلُو - صُهْيُونِي: لقد جعل الإسلام الأسرة هي البوتقة الطبيعية لصهر الأبناء، ليكونوا لَبِنَاتٍ صَالِحَةٍ في بناء متماسك قال عنه رسول الله ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ [الْجَسَدِ] بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، ولن تكون الأسرة والمجتمع على هذا النمط إلا إذا كانت الفضيلة والشرف هما قوام هذه الأسرة وهذا المجتمع. ومن هنا اهتم الإسلام بالمرأة فقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي المؤثر الأصيل في المجتمع في جميع أدوار حياتها وجميع أطوار المجتمع، فلها أثرها كبنت، ولها أثر أكبر وهي زوجة، ولها الأثر الأكبر وهي أم، فهي مدرسة لو أعددتها على القيم الربانية كنت قد أعددت الشعب كله على تلك القيم. لهذا الأثر، عندما فشل الأجانب في غزو الإسلام عن طريق الحروب، لجأوا إلى غزو المجتمعات عن طريق النساء، لتصبح المرأة أداة للترفيه وترويج السلع وهدم القيم. إن المجتمع الإسلامي الذي رد الصليبيين على أعقابهم خاسرين، لم يستطع أن يسترد أشبارًا من أرضه بعد أن احتلتها نساء صهيون أبناء القردة والخنازير وعبدة الطاغوت. فما السر وراء ذلك؟ لقد لجأت الصهيونية متحالفة مع الماديين في الشرق والغرب إلى إفساد المجتمعات، واتخذت المرأة وسيلة لذلك. جاء في البروتوكول الأول من " بروتوكولات حكماء صهيون ": «ومن خلال الفساد الحالي الذي نلجأ إليه مكرهين». أي أن فساد اليهود وسيلة لإفساد الناس وليس غاية في ذاته ومن ثم قال كاتب " البروتوكولات ": «إن الغاية تبرر الوسيلة .. وعلينا ونحن نضع مخططنا ألا نلتفت إلى ما هو خير، وأخلاقي .. من المسيحيين أناس قد أضلتهم الخمر، وانقلب شبابهم مجانين بالكلاسيكيات .. والمجون المبكر الذي أغراهم به وكلاؤنا ومعلمونا وخدمنا .. ومن إليهم، ونساؤنا في أماكن لهوهم». وقال الأستاذ (سرجي نيلوس) في تعليقه على " البروتوكولات " عندما نشرت سنة

стр. 147

١٩٠٢: النساء في خدمة صهيون يعملن كأحابيل ومصايد .. إن فرنسا أجبرت تركيا على منح امتيازات لجميع المدارس والمؤسسات الدينية. هناك ستمهد السبيل لإفساد الحماسة والنخوة والانحلال الخلقي، وخاصة بمساعدة النساء اليهوديات المتنكرات في صورة الفرنسيات .. والإيطاليات ومن إليهن. والتخطيط الوارد عند الصهاينة تراه عند حلفائهم، فيقول (مورو بيرجر) الأستاذ بجامعة برنستون الأمريكية: «إن نمو وضع النساء ومشاركتهن في الشؤون العامة، هو أخطر قوى تغيير، لا في الأسرة العربية وحدها، بل في المجتمع العربي على العموم، وإذ سمح للقوى التي حملت سلاحها الآن (النساء) .. أن تبرز إمكانياتها فما من شك أن مطامع النساء وحقوقهن سوف تحول المجتمع العربي عميقًا، وبصورة أبدية» (١). الشَّيْطَانُ الأَخْرَسُ وَالجَمْعِيَّاتُ النِّسَائِيَّةِ: إن الجمعيات النسائية في المنطقة العربية والإسلامية ما زالت تقلد الغرب والشرق تقليدًا إيجابيًا أو سلبيًا، على اختلاف بينها في مدى هذا التقليد إلا ما رحم ربك. وصور التقليد الإيجابي أن تتبنى الجمعية قضايا لا تخص المرأة العربية في شيء، كموضوع المساواة في الأجور بين الرجل والمرأة، وموضوع جعل الطلاق بيد القاضي، أو قضية المساواة على إطلاقها، دون إدراك أن المرأة في الغرب تابعة للرجل في اسمها وفي أموالها، كما أنها تحصل على نصف أجر الرجل، رغم تساوي العمل بينهما، ودون إدراك أن قضية المساواة هناك لها جذورها وأسبابها، ولا كذلك الحال في المنطقة العربية اللهم إلا في بعض الأمور اليسيرة الموروثة عن التقاليد، ومن ثم وجب حصر المطالب فيها دون غيرها، لأن التقليد يضعف منزلة المقلد رجلاً كان أو امرأة كما أنه يضر بالمجتمع كله. أما صور التقليد السلبي فهو السكوت على التيار العام السائد في أوساط المرأة العربية، والمؤدي إلى تقليدها للمرأة الغربية في كل شيء، حتى في طريقة الكلام والزي. وإذا لم يكن للمرأة العربية طابعها المميز، وكانت صورة بالكربون من المرأة الغربية فما ذلك بمدنية، إنها مدنية القرود، ونحن نربأ بالجمعيات النسائية العربية أن تقف موقف المتفرج من هذه الظاهرة.

стр. 148

كما ننزهها أن تكون عربية الوجه غربية السلوك والمظهر، إن هذه الإدانة قد سطرتها أقلام غربية، فهل تدرك المرأة العربية أن التقليد صفة غير إنسانية، وأن ذوي الفهم السليم من أهل الغرب يحتقر مثل هذا التقليد. أَيْنَ الطَّابَعُ الشَّرْقِيُّ وَالإِسْلاَمِيُّ ؟: إن من الناقدات لمثل هذا التقليد صحفية إنجليزية زارت القاهرة سنة ١٩٦١ قبل أن تظهر موجات العري السافر. فماذا قالت؟ لقد نشرت جريدة " الأهرام " (بتاريخ ٢٧/ ٣ / ١٩٦١ م - ١٠/ ١٠ / ١٣٨٠ هـ) تعليقًا لهذه الصحيفة جاء فيه: «لقد صدمت بمجرد نزولي إلى أرض المطار، فقد كنت أتصور أنني سأقابل المرأة الشرقية بمعنى الكلمة، ترتدي الأزياء العملية، التي تتسم بالطابع الشرقي، وتتصرف بطريقة شرقية، ولكن لم أجد هذا، فالمرأة هنا هي نفس المرأة التي أبعدوها عن فطرتها، الأزياء هي نفسها بالحرف وتسريحة الشعر، والمكياج، حتى طريقة الكلام والمشي». ثم تقول الصحفية الإنجليزية: «لقد صدمني من المرأة الشرقية أنها تصورت أن التمدن والتحضر هو بتقليد المرأة الغربية». خَطَرُ تَقْلِيدِ الإِبَاحِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ: وتحت عنوان " امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية المرأة " نشرت جريدة " الجمهورية " القاهرية في ٩/ ٦ / ١٩٦٢ للصحفية الأمريكية (هلسيان ستانسبري) وهي متخصصة في مشاكل الشباب والأسرة وتكتب في أكثر من ٢٥٠ صحيفة أمريكية وتعمل في أمريكا في مجال الإعلام ومنه التلفزيون والإذاعة والصحافة، وبعد أن أجرت استطلاعًا في المدارس والجامعات والأحياء المختلفة بالقاهرة نشرت هذا المقال وفيه: «إن المجتمع العربي مجتمع كامل وسليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوروبي والأمريكي، فعندكم تقاليد موروثة تحتم تقييد المرأة، وتحتم احترام الأب والأم، وتحتم أكثر من ذلك عدم الإباحية الغربية، التي تهدد اليوم المجتمع والأسرة في أمريكا وأوروبا، ولهذا أنصح أن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، وامنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة. إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار قد جعلت منهم عصابات أحداث،

стр. 149

وعصابات جيمس دين، وعصابات للمخدرات والرقيق. إن الاختلاط والإباحية والحرية في المجتمع الأوروبي والأمريكي هدد الأسر وزلزل القيم والأخلاق، فالفتاة الصغيرة تحت سن العشرين في المجتمع الحديث، تخالط الشبان وترقص وتشرب الخمر والسجائر، وتتعاطى المخدرات باسم المدنية والحرية والإباحية». إذا كان هذا! فإننا نتساءل لماذا لا تتبنى الجمعيات النسائية، الثورة على الإباحية الغربية؟. ليس غريبًا أن تظل الهند متمسكة بتقاليدها في المظهر والسلوك، مهما كان رأينا في هذه التقاليد. لكن الغريب هو مسلك العرب رجالاً ونساءً، حيث شاع التقليد بين الجنسين دون أدنى تفكير بما يصلح وما لا يصلح، أو تفريق بين الممنوع والمشروع، إنما السينما في الهند تمنع القبلة على الشاشة ومن باب أولى تمنع ما هو أكبر من ذلك، لأن العمل السينمائي والمسرحي هو سفير متجول يعرف الشعوب الأخرى ببلده وأهله. وقد شعرت الهند بذلك على الصعيد الجماعي والفردي حتى أن أشهر ممثلة هناك وهي (وهدا دحمان) تقول: «من المستحيل أن أكون على الشاشة في قبلة سينمائية، إذ سأموت من الخجل». (" أخبار اليوم " المصرية: ٢١/ ٣ / ١٩٧٠). ولكن العرب - المسلمين بألسنتهم المهزومين في أنفسهم ومجتمعاتهم - جعلوا من العمل السينمائي والمسرحي وسيلة لإفساد النشء وأصبح سبة للبلد المصدر لمثل هذا العمل، حيث إنه في ظاهره يمثل مجتمع هذا البلد، وهو في الحقيقة لا يمثل إلا أخلاق حفنة من الماجنين والماجنات. فهذا العمل كما يراه ويلمسه الجميع صوره أحد الكتاب في جريدة " الجمهورية " يوم ٢٢/ ٣ / ١٩٧٠ وقبل أن نزداد فحشًا وسوءًا، فقال: «بعد أن كانت ملابس فاتنات المسرح على موضة الميني جيب ثم الميكرو جيب، وفي بعض المسارح كشفت مساحات جديدة فوق الصدر وما تحت الصدر، فأصبحت بمايوه من قطعتين، وعلى سبيل المثال في إحدى المسرحيات المعروضة حاليًا، تستلقي الممثلة على كنبة وترفع إحدى ساقيها العاريتين لتضعها فوق حجر الممثل الأول، والساق الأخرى تجدها على الأرض ويبدأ هو بدوره يحدثنا عن البروتينات بالكلمة والنظرة واللمسة ...»

стр. 150

إن الخليج لم يقلد بعد هذا العمل الفاحش، ولكنه يصدر إليه وبالتالي مع الزمن المتطور يصبح من التقاليد المتعارف عليها، فأين أولو الأحلام والنهى بين الرجال والنساء بلدًا من البلدان المصدرة لهذا العمل، استحله في وقت تحرمه الشعوب التي لا دين لها ألا وهو زمن الحرب. ففي أعقاب الهزيمة النكراء جاء مسؤول واعترض أن يناقش هذا ممثلو الشعب، وجمع كُتَّابًا بمكتبه من الماجنين والماجنات ليعلن أنه شكل لجنة لبحث موضوع الأفلام الجنسية وأن اللجنة انتهت إلى إباحة عرضها للجميع ولهذا بصفته المسؤول عن الثقافة والأدب والمصنفات يعلن إباحة عرض هذا النوع من الأفلام، وبالتالي منع مناقشة ذلك في مجلس الأمة. هذا يجري بين العرب ومن خلال الهزيمة بينما تقف سيدة دانماركية لتحتج على معرض الجنس الثاني في الدانمارك وتدون ذلك بسجلات المعرف فتقول: «هذا المعرض يريد أن يؤكد للعالم الفكرة الشائعة، وهي أن الدانماركيين لا هم لهم إلا الفراش وقراءة المجلات والكتب الجنسية، وهذا زائف وغير حقيقي فإن أهمية المعرض أن يجعل ما ليس بحقيقة، وبالتالي لا تنهض الدانمارك إلى مصاف الدول القوية الآمنة عندما يراد لاستقلالها ولسيادتها أن تمس». (" الجمهورية ": ٢١/ ٣ / ١٩٧٠). فهل تثور الأنشطة النسائية على ما يجري في المنطقة العربية؟. أَيْنَ الجَمْعِيَّاتُ النِّسَائِيَّةُ ؟: إذا كان هذا هو رد الفعل عند الأصحاء من نساء ورجال الأمم غير العربية، بما فيها تلك التي لا دين لها، حيث منعت فيتنام الشمالية أعمال المسرح والسينما بجميع أشكالها خلال فترة نضالها. فلماذا سكتت الجمعيات والأنشطة النسائية العربية؟ ولماذا قبلت المرأة مثل هذا الدور في هذه الأفلام وغيرها؟ وهل تقبل أن يظل هذا رمزًا لوطنها وبني جنسها؟ إن أضعف الإيمان هو الاحتجاج، فأين التوصيات والمطالب في هذا. ولماذا تسكت الأنشطة النسائية عن اقتران حرية المرأة بالحرية السائدة بين الفنانات، وهي حرية كشف الصدور وخلع الملابس وإرخاء الستور على الخيانات المختلفة. لماذا لم تعلن الحرب على الحرية الجنسية التي أدت إلى أن تصبح الشاشة معرضًا

стр. 151

لمناظر، موضعها في أماكن خاصة؟ ولماذا رضي الرجال الشرفاء بدور الشيطان الأخرس، حتى أصبح الشارع مسرحًا لاصطياد الفتيات ومطاردتهن واغتصابهن. إن من ثمار هذه الحرية أن اعتدى شاب على زوجة أبيه واغتصبها، واغتصب ثان عروسًا في شهرها الأول، واغتصب شابان فتاة، لأن صدرها المكشوف أهاج ما كان ساكنًا عندهما من الغرائز. وأن (أنيس منصور)، احتج وضاق ذرعًا بذلك منذ خمس سنوات إذ كتب: «المعاكسة والمتابعة والمطاردة في كل مكان، حتى لو كان مع السيدة أو الفتاة زوجها أو أخوها أو الاثنان مَعًا، إن صديقًا كان يسير في شارع سليمان باشا ومعه زوجته وأخته وابنته، فإذا شاب يقول ما لا يقال، ويصف ويتمنى، ويحلم بالسيدة التي يراها بين أحضانه». وينتهي (أنيس منصور) إلى المطالبة بالعمل الجاد لتأمين سلامة وصحة الحياة الاجتماعية كلها، ولو عن طريق الإكراه. (جريدة " الأخبار " في ٢١/ ٩ / ١٩٦٩ م - ٩/ ٦ / ١٣٨٩ هـ). وأخيرًا وليس آخرًا، لماذا تقصر الجمعيات النسائية مطالبها على ما كان ظاهرة نسائية. إن المطالبة برفع الظلم الاجتماعي وتأمين الحريات المختلفة ليس مطلبًا رجاليًا فحسب، إن آثاره سلبًا وإيجابًا، تشمل المجتمع كله رجالاً ونساءً، شيبًا وشبانًا، فلماذا خلت المطالب النسائية العالية من هذا وغيره من الأمور المشتركة؟ (١).

стр. 152

إِخْضَاعُ النَّفْسِ لِلْتَّجَارِبِ: إن إخضاع العلاقات الإنسانية للتجارب من أخطر ما ابتلي به البشر، لأن العلوم المادية وحدها هي التي تخضع للتجارب المادية، أما العلوم الإنسانية فليست كالطبيعة والكيمياء، ومن هنا تولى الله وحده وضع مناهجها فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (١). ولقد تجسم خطر التجارب في المنهاج البشري للمشكلة الجنسية، ففي العصور القديمة كانت العلاقات الجنسية حيوانية بحتة وكانت المرأة متاعًا ولا شيء غير ذلك، ولذا تباع وتشترى. ثم في عصور انحراف بعض الديانات كانت العلاقة الجنسية فحشًا ودنسًا، لأنها رجس من عمل الشيطان، وكان الكمال هو الرهبنة للقادر على أن يموت حبًا، والكبت لمن هم دون ذلك، ثم عادت النظرة الحيوانية مع عصر النضهة الأوروبية، وورثنا هذا المنهاج الحيواني ضمن ما ورثناه عن الغرب والشرق. ولكن الإسلام يقرر أن الرهبنة ليست علاجًا، وكذا الكبت أو الحرية الجنسية، كل ذلك يبعد عن النظرة الإنسانية للمشكلة الجنسية. النظرة الإنسانية هي في المنهاج الرباني الذي جعل الزواج هو العلاج، ثم هو السبيل الصحيح لبناء الأسرة الفاضلة، التي من خلالها تنشأ المودة والمحبة من المجتمعات، ليصبح الجميع جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر. إن الحرية الجنسية ليست علاجًا، والمجتمعات التي أصبحت جنسية في كل مظاهر حياتها كما في أوروبا وأمريكا، تواجه أخطار هذه الإباحية .. إن الاعتداء اليومي على البنات في المدارس اللندنية، ليس سببه الحرمان من الجنس، فقد أباحت بريطانيا كل أنواع العلاقات الجنسية بما فيها الشذوذ، والنتيجة هي التطرف في العلاقات، الذي بلغ حد الاعتداءات الصارخة مما اضطر معه الآباء والأمهات لتنظيم مظاهرة توجهت إلى مقر الحكومة للمطالبة بحماية أبنائهم وبناتهم من الحيوانات المفترسة وثورة الحريم في أمريكا لم يكن للمطالبة بالحرية في العلاقات، بل الحد منها إذ أصبحت المرأة متاعًا، لا كرامة لها. فالعلاج الطبيعي هو الزواج. لذلك كفل الإسلام تزويج الرجال والنساء فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ

стр. 153

مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). وفي تطبيق هذا المبدأ يقول النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ مُوسِرًا لأَنْ يَتَزَوَّجْ، ثُمَّ لَمْ يَتَزَوَّجْ فَلَيْسَ مِنِّي» (*)، كما يضع العلاج لمن لا يستطيع الزواج فيقول: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». فهل يدرك الشباب ذلك؟ وهل توقن الفتاة والفتى أن الحيوانات هي التي لا تملك إرادة التهذيب، ومن ثم تندفع في بهيميتها وحيوانيتها الجنسية في الشوارع، لا تدرك ولا تبالي، إن الذين يفعلون ذلك قد فقدوا شخصيتهم وأصبحوا أيتامًا على موائد اللئام (٢). المُخَطَّطُ الإِسْرَائِيلِيُّ وَوَاجِبُ العَرَبِ: (٣) لقد أدت الانتصارات العربية العاجلة التي حققتها القوات المصرية إلى إصابة إسرائيل بمخاض مفاجئ، هذت خلاله هذيانًا زعمت معه أن دخول مصر الحرب الرابعة، ليس إلا تهورًا سيدفع الرئيس المصري ثمنه، وهذى المتحدث الإسرائيلي في نتائج نترفع عن الرد عليها أو ذكرها، لأن مثل هذه الوقاحة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. إن مصر تسترد أرضها، فهل يصبح استرداد الحق عدوانًا آثمًا؟. إن الفكر الإسرائيلي يزعم ذلك، لأن المخطط الصهيوني يقوم على أساس ما وضع في التوراة، إذ جاء بالإصحاح الخامس عشر: «عهد من الله إلى أبرام (أي نبي الله إبراهيم) لنسلك تعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات». وتطبيقًا لهذا الحق المزيف أعلن (بن جوريون) سنة ١٩٤٨ في بداية قيام إسرائيل: «ليست هذه هي نهاية كفاحنا، بل إننا اليوم قد بدأنا، وعلينا أن نمضي لتحقيق قيام الدولة التي جاهدنا في سبيلها من النيل إلى الفرات». ثم أعلن شروطه لتشكيل الوزارة سنة ١٩٥٢ وهي: «أنني أقبل تشكيل الحكومة الإسرائيلية، بشرط استخدام كل الوسائل الممكنة للتوسع جنوبًا، وليفهم الجميع أن إسرائيل قامت بالحرب، وأنها لن تقنع بما بلغته حدودها حتى الآن، إن الإمبريالية الإسرائيلية سوف تمتد من النيل إلى الفرات». وبناءً على هذا المخطط رسمت الخريطة الإسرائيلية فشملت فلسطين كلها، وأجزاء من

стр. 154

كل من مصر وسوريا ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية. ومن هذا يتضح أن العقيدة الدينية تلعب دورة رئيسًا في المخطط الصهيوني، وعلى أساسها قام المفهوم الإسرائيلي، وكانت بياناتهم الرسمية. وهذه العقيدة تتطلب اليوم قبل الغد تلاحمًا كاملاً شاملاً لجميع مقومات الشعوب العربية، شعوبًا وحكومات، وذلك إعمالاً لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (١). كما يتطلب المستقبل تصحيحًا لمفاهيم الجميع وتطهيرًا للمجتمعات من أدران الغزو الفكري بجميع صوره، وتربية الشباب على أساس الإسلام، ليحول ذلك دون توزيع الولاء يمينًا وشمالاً، هذا فضلاً عن إصلاح أخطاء الماضي ليكون النصر كاملاً غير منقوص: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). أَخْلاَقٌ يَهُودِيَّةٌ: لقد رسمت التوراة لليهود خطة تمكنهم من سرقة المصريين، جاء ذلك في " الإصحاح الثالث " من " سفر الخروج " قول الرب في الوصية الثامنة: «أعطى نعمة لهذا الشعب (اليهود) في عيون المصريين، فيكون عندما تمضون فارغين، بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها، أمتعة فضة وأمتعة ذهب، وثيابًا، وتضعونها على بنيكم وبناتكم، فتسلبون المصريين». هذه بعض وسائل اليهود في التعامل مع غيرهم، وقاعدتهم في هذا أشار إليها القرآن الكريم وهي: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (٣). أي لا يلتزمون بقواعد الأخلاق مع غيرهم (الأميين). وقد زعموا أن الله خصهم بهذا، ولهذا كان جواب الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). كما مدحت التوراة فتاة قدمها عمها (مردخاي) لملك الفرس لتعاشره لتتمكن من إبعاد وزيره (هامان) الذي يعادي اليهود، وفعلاً بعد أداء دورها مع الملك استجاب لنصحها وقتل (هامان)، وسلم منصبه إلى اليهودي (مردخاي) (٥).

стр. 155

إن هذا السلوك لا يتنافى معه أن تكشف اليهودية ما أمر الله بستره من الجسم، أو أن تصادق الرجال بدعوى الحب لتشيع الفحش بين غير اليهود. ولكنه سلوك محرم في الإسلام، وتأباه الفطرة السليمة - فلماذا نقلد هذه الأخلاق ونستورد هذه العادات تحت شتى الشعارات؟ إن هذا السلوك وهذه الأخلاق سبيل طبيعي إلى الهزيمة، ولهذا هزمنا في الماضي رغم كثرة عددنا وسلاحنا! فهل يمكن تدارك ذلك ابتداءً من البيت، فالمدرسة، فالطرقات؟ وهل توقن أجهزة الإعلام أن من واجبها لتصل إلى النصر، تعرية هذه الشعارات والتمكين للقيم الإسلامية؟. إن انتصار اليهود في الماضي كان خاطفًا وطارئًا، فهم غير مؤهلين أخلاقيًا لهذا النصر، ولكن عندما تصبح مصادر التوجيه والسلوك متقاربة، وعندما تكون هذه الأساليب عندهم وسيلة لتحطمنا ونستوردها لتكون غاية لنا، يفتخر بها المثقف والجاهل، وتتباهى بها الفتيات والسيدات عندئذٍ، نفقد أسباب النصر فضلاً عن مظالم الطواغيت. إن الوقوف بجانب الجندي في المعركة لا يكون بالتصفيق ولا بالأقوال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (١). صِفَاتٌ وَأَخْلاَقٌ يَجِبُ أَنْ تَنْهَزِمَ: لقد نقلت عن التوارة بعض أخلاق اليهود، وذلك لأن الفكر اليهودي قد تمكن من نشر بعض نظريات لإفساد البشرية أمثال نظرية نسبية القيم لـ (دوركايم)، والنظرية الجنسية لـ (فرويد)، وهدم تقاليد الآباء والأجداد لـ (صمويل بتلر). ولما كان بعض قومنا قد تلقى هذه النظريات على أنها علوم إنسانية، فإنني أنقل صفات وأخلاق اليهود أصحاب هذه النظريات، وأصحاب بيوت الأزياء العالمية ليحدد كل منا موقعه وموقفه. وسننقل عن كتبهم التي يقدسونها وأولها التوارة، ثم عن القرآن الكريم وأخيرًا عن الإنجيل بوصفه الكتاب المقدس عند النصارى: ١ - جاء في " سفر الملوك الثاني "، " الإصحاح ١٧ " وصف لأعمال اليهود: «وعملوا أمورًا قبيحة لإغاظة الرب ... وساروا وراء الباطل وصاروا».

стр. 156

٢ - وجاء في " سفر ميخا " (٣): «اِسْمَعُوا هذَا يَا رُؤَسَاءَ بَيْتِ يَعْقُوبَ وَقُضَاةَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ يَكْرَهُونَ الْحَقَّ، وَيُعَوِّجُونَ كُلَّ مُسْتَقِيمٍ، الَّذِينَ يَبْنُونَ صِهْيَوْنَ [بِالدِّمَاءِ]، وَأُورُشَلِيمَ بِالظُّلْمِ ...»، «لاَ تَأْتَمِنُوا صَاحِبًا. لاَ تَثِقُوا بِصَدِيق. [احْفَظْ] أَبْوَابَ فَمِكَ عَنِ الْمُضْطَجِعَةِ فِي حِضْنِكَ، لأَنَّ الابْنَ مُسْتَهِينٌ بِالأَبِ، وَالْبِنْتَ قَائِمَةٌ عَلَى أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ عَلَى حَمَاتِهَا، وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ». ٣ - أما أخلاق وصفات اليهود في القرآن الكريم فقد ذكرت في مواضع كثيرة فقد اشتملت سورة البقرة على أكثر هذه الصفات فنحيل إليها وننقل آيات من غيرها. ٤ - في سورة المائدة يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١). ٥ - ثم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). ٦ - أما راي المسيحيين في اليهود فقد ورد في الإنجيل قول المسيح: «فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ ... أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ ... لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ [بَرَخِيَّا] الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ ... لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ ... وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ» (٣). السُّلْطَةُ وَحُدُودُهَا: لقد سأل سائل عن حدود السلطة التي يمارسها المجتمع على الفرد في مسألة الصوم. وقال لماذا يمارس الصائم نوعًا من الضغط تجاه الآخرين، فلماذا تمنع الغير من ممارسة حرية العقيدة، فلا نغلق المطاعم ولا نمنع الأكل والشرب في الأماكن العامة، ولو تم

стр. 157

ذلك من المسلمين فلهم حرية ممارسة عقيدتهم والموت في سبيلها. قلت: إن الإسلام لا يجبر أحدًا على اعتناقه. قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢). ولكن الإسلام كسائر العقائد لا يسمح لأتباعه بالخروج عن منهاجه. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣). فعقيدة المسلم هي صلاحية المنهج الإسلامي، ولا حرية له في الطعن على ذلك، ولا طاعة لمخلوق في هذا، قال ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ». والإسلام كسائر النظم تسري أحكامه الدنيوية على المقيمين في وطنه من المسلمين وغيرهم. وجميع الأنظمة الأرضية تعاقب على المظهر الخارجي للإرادة، بل توجد قوانين دولية في هذا الشأن من هذه القوانين، اتفاقية ١٤ ديسمبر ١٩٦٢، والتي تحظر تداول المخدرات بين الدول، والأفراد، فلا حرية لأحد في تداول المخدرات مهما كانت عقيدته بشأنها. ومن هذه القوانين الدولية، اتفاقية ٤ مايو سنة ١٩١٠ و ١٢ سبتمبر ١٩٢٣ بمنع تداول المطبوعات الشائنة، فلا حرية لأحد في تداول ذلك مهما كانت عقيدته فيها. فلماذا يصبح الإسلام معتديًا على الحريات أن منع المسلم من المظهر الخارجي المتنافي مع الإسلام. إن الدول المختلفة تمنع جميع المقيمين فيها من الإتيان بمظهر خارجي يخالف أنظمتها، ولكن الإسلام لا يفعل ذلك، هو يمنع المسلمين فقط في مسائل الحرام عنده، أما غير المسلمين فلا يهدر ما أحلته لهم شرائعهم من أشياء حرمها الإسلام، فلو أكل أو شرب أهل الكتب السابقة عندنا لا يعاقبهم الإسلام، وإذا ضبطت عندهم خمور لا عقاب عليهم، بل من أهدرها من المسلمين يلزم بتعويضهم. أما غير المسائل المتصلة بالمحرمات، كسائر العقوبات، فتخضع لها المسلم وغير المسلم وذلك شأنه شأن النظم التي ظهرت بعد الإسلام بقرون وهذا ما يعرف في القانون

стр. 158

الدولي باسم إقليمية القوانين الجنائية. فجميع الأنظمة تنص على أن الإرادة وحدها أي التفكير والنية لا عقاب عليها ولكن المظهر الخارجي للإرادة تعاقب عليه، فلماذا يصبح الإسلام وحده مطية كل أصحاب الشذوذ الفكري. إن منع المسلم من الأكل والشرب في الأماكن العامة ليس مرده إلى إجباره على الصوم فالصوم مسألة بين العبد وربه، وفيه يقول رب العزة في الحديث القدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». إنما مرد المنع إلى قواعد وضعها الإسلام لأنها من الفطرة ومن ثم سارت عليها جميع الأنظمة المعادية للإسلام وهي قاعدة إقليمية القوانين الجنائية، أي سريان القانون الجنائي على جميع المقيمين بإقليم الدولة من وطنيين وأجانب، ولو كانت عقائدهم لا تجرم هذه الأعمال فالأحزاب جريمة في دول وعقوبتها الإعدام وهو مظهر من مظاهر الحرية في دول أخرى، فهل تنتقل خاصية التحريم والتحليل إلى الناس فيشاركون الله في سلطانه ويصبح لكل فرد أن يحلل ويحرم باسم حرية العقيدة (١). أُمَّيَّةُ المُثَقَّفِ وَحَدِيثُ الصَّوْمِ: قد يكون غريبًا أن نجد أكثر المتباهين بالمعاصي من المثقفين، ووجه الغرابة أن العلم والمدنية التي يقلدونها قد توصلت إلى فوائد الصوم وأضرار الخمر والزنا. فمن شدة ولع العالم الأمريكي (ماك فادن) بفوائد الصوم ألف في ذلك كتابًا، ولسبب كثرة أضرار الخمر حرمتها بعض الولايات في أمريكا، ومنعتها الهند وتباهى رئيسها بذلك إذ أثبت الأطباء أن الخمر تؤدي إلى التهاب في الأعصاب ينتهي تدريجيًا بفقدان الإحساس ويسبب الإدمان قروحًا جلدية، وأمراضًا نفسية واجتماعية. كما ثبت لعلماء الطب أن الزنا يسبب مرض السيلان والزهري، الذي تصل جرثومته إلى جدار الأورطي والنخاع الشوكي والعظام، وتؤدي إلى تلف مستديم في المخ ينتهي بشلل نصفي أو جنون أو وفاة، وجرثومة الأمراض التناسلية تصل إلى هذه الأماكن بمباشرة العمل الجنسي، أو بالتقبيل لأنها تنتشر في أغشية الشفتين وحلمة الثديين. وقد يكون غريبًا أن نجد طالبات الجامعات وسائر المثقفات مندفعات في تقليد الغربيات

стр. 159

في الزي وغيره، وكأنهن قردة أو ببغاوات، فقد ثبت علميًا أن كشف الجسم في الحر يشعر الإنسان بالحرارة بنسبة ٦٠ % بينما الملابس القطنية الخفيفة تمتص العرق من الجسم ثم تبخره فتزداد المساحة المرطبة للجسم بازدياد المساحة المغطاة من جسم الإنسان. ولكنا نشفق على هذه الجاهلية بالنسبة للمثقفين وغيرهم، لأن الصهيونية المتحالفة مع المذاهب العالمية، قدمت لهم هذه الأمور في ثوب التقدم والرقي بعد أن جعلتهم في فراغ عقائدي، بحسن استخدامها لحالة الساسة ووسائل الإعلام في كل مكان، وهي تفعل ذلك على أساس أنهم أحط من الحيوانات، ولذا استجابوا لهذه المنكرات. فالبروتوكول الخامس عشر فيه: «يسهل دفع الأمميين (غير اليهود) إلى حالة مضحكة من السذاجة والغفلة بإثارة غروره وإعجابه بنفسه .. إننا لم نعتمد قط بالضحايا من ذرية أولئك البهائم من الأمميين». وفي البروتوكول الثامن: «دعوهم يعتقدون أن هذه القوانين النظرية التي أوحينا إليهم بها إنما لها القدر الأسمى من أجلهم» (١).

стр. 160

إِتْلاَفُ الخُمُورِ بَيْنَ الشَّرْعِيَّةِ القَانُونِيَّةِ وَالمَصَالِحِ الفَرْدِيَّةِ: لقد نشرت الصحف بعض الاعتراضات على إتلاف الشرطة لكميات من الخمور عن طريق إلقائها في قاع البحر. ويرى المعترضون أن بعض الجهات كشركة الخطوط الجوية الكويتية، والسفارات الكويتية بالخارج تشتري هذه الخمور وتقدمها للغير، فكان يجب أن تحال الخمور المصادرة إليها بمقابل أو بدون مقابل. ولقد أجاب السيد الأستاذ النائب العام بأنه محكوم في عمله بنصوص قانون العقوبات، ومن ثم لا مجال لتنفيذ قرار المصادرة بغير هذه الطريقة وهي الإتلاف، لأن التصرف فيها إلى الجهات المشار إليها يخلق تناقضًا لا ينسجم مع قانون العقوبات الذي حرم التعامل في الخمور ومنع تداولها، وأوضح أن سلطة التصرف فيها تكون في حدود القانون المذكور. كما أوضح النائب العام حقيقة غابت وتغيب عن الناس، وهي أن المشرع لا يجوز له أن يساير الأفكار الجماهيرية، التي تضن عليه بهذا الإتلاف للخمور التي حرمها التشريع الكويتي، استنادًا إلى الشريعة الإسلامية، ومراعاة لتقاليد البلاد الإسلامية. وأمام هذه الاعتراضات سطرت هذه الكلمات، بعيدًا عن زخرف القول وابتعادًا عن أي جدل بيزنطي. ذلك أنه إن جاز الجدل في هذا في الدول الأخرى، فلا يجوز في الدول العربية، لأنها صاحبة حضارة وتراث عظيم حرم الخمر وسائر ما يضر بالمجتمع، وكان هذا التراث وأهله سائدًا وقائدًا ورائدًا يوم أن التزم به أهله، واليوم وبعد هزيمة العرب لا لشيء سوى تفرقهم واختلافهم وتقليدهم رغم أصالة عقائدهم، لا يجوز لهم الانصراف إلى هذه الصغائر ولو كانت مباحة في عقيدتهم، لأن وصمة العار ما زالت فوق الجبين، بسبب احتلال أبناء القردة لأراضيهم، ولا أطلب الانصراف عن المجادلات في إتلاف الخمر، لضعف في المنطق أو قصور في الحجة. فكل صبي وصبية من المسلمين، يعلم أن الله لا يحرم إلا الضار بالخلق، ولا مصلحة له في إرهاق الناس، ولهذا امتنع العرب عن شرب الخمور وارتكاب الفواحش، ولم تكن عندهم معمل أبحاث ليدركوا منها أن هذه الأمور ضارة بهم، بل

стр. 161

امتنعوا لأنهم آمنوا بالله رَبًّا، وبمحمد رسولاً، وارتضوا الإسلام دينًا، فكان لزامًا أن يصدقوا الله ورسوله وألا يستدركوا عليه، ويطعنوا في حكمه لأنه خالف أهوءهم. وكل من زالت عنه الجهالة يعلم أن الأطباء غير المسلمين، اكتشفوا أن الخمر ينتج عنها التهاب في الأعصاب، وتؤدي إلى فقدان الإحساس تدريجيًا، كما تسبب قروحًا جلدية. وكل منصف من غير المسلمين يدرك أضرار الخمر في النواحي الاجتماعية، ولذلك حرمتها بعض الولايات الأمريكية رغم أن عقائدها تبيح الخمر. وكلنا نرى أعمال السكارى وجرائمهم التي لم تجف آثارها بعد، بل لم يجف مداد الصحف التي نشرت أخبار هذه الجرائم. إن الغرب الذي نقلده يعلم أن الزنا يورث مرض الزهري والسيلان، وأن جرثومة المرض تصل إلى جدار الأورطي وإلى النخاع الشوكي وإلى العظام، وتؤدي إلى تلف مستديم في المخ، وينتج عن ذلك إما شلل نصفي أو جنون أو وفاة. ولكن الغرب يمارس الحرية الجنسية، وهي أمر من مظاهر المدنية، وقد أسرف بعض العرب في تقليدهم. فهل تصبح هذه الفواحش حقائق علمية وأصولاً اجتماعية تجعلنا نطلب توريد بيوت الدعارة إلى الخارج، أو فتحها تحت أسماء أخرى وفي أماكن على الحدود بدلاً من غلقها ومعاقبة أصحابها وأتباعها. إن المناداة بتسليم الخمور إلى السفارات أو شركات الطيران بمقابل أو بدون مقابل، هو كالمناداة بتوريد الساقطات إلى هذه الأماكن أو غيرها، والمناداة بتوريد المخدرات إلى هذه الأماكن أو غيرها ولا فرق بين الأمرين. ولسنا ندري هل تقلب الأوضاع فنعترض على إتلاف الخمر، لأن شركة أو سفارة تتعاطاها، أم نعترض على تداول هذه الخمر في السفارات وشركات الطيران، لأن كل أمة تحترم نفسها تجعل غيرها يحترم تقاليدها، وعقائدها، فإذا لم تستطع فأضعف الإيمان ألا تسعى هي إلى الإساءة إلى نفسها، بتقديم الخمر أو غيرها من الموبقات إلى الغير، أجنبيًا كان أم وطنيًا. إن المنطق يقضي بذلك، وبغيره يظل التناقض الذي أشار إليه النائب العام.

стр. 162

فهل تنتصر الشرعية القانونية، أم تتغلب النزوات الخفية والمصالح الفردية (١). أَنْقَذُوا كَرَامَتَنَا المُهَانَةَ بِاسْمِ الفَنّ وَالسِّيَاحَةِ: خلال فترات ضعف الأمة وهزيمتها، يجنح بعض الضعفاء إلى تقليد قيم وعادات فاسدة، ظنًا أنها من مظاهر التقدم التي أدت إلى انتصار الدولة الغازية، من ذلك ما كتبه محمد توفيق دياب بتاريخ ١٩/ ٦ / ١٩٢٦ م الموافق ٨/ ١٢ / ١٣٤٤ هـ، بالعدد ٨٩، ونصه بجريدة " السياسة " المصرية الأسبوعية: «أرجو أن تفهم كلامي على وجهه، فلست أقول هدم أركان العفة، إنما أقتصر فأقول: زعزعة أركان العفاف. أريد أن أسأل الشرقيين عامة والمصريين خاصة، هل يريدون أن يحتفظوا كما كان أسلافهم بذلك المبدأ القديم، الذي نسميه صيانة الأعراض أو طهارة الآداب أو العفاف؟ أم هل نريد رأيًا جديدًا، هو أن آباءنا قد غلوا في ذلك غلوًا شديدًا، وأن الأمثل والأقرب إلى دواعي الفطرة هو التهاون في أمر هذا الشيء الذي يسمونه العِرْضَ، وأن المرأة خلقت للرجل والرجل خلق للمرأة، وأن هذه القيود العتيقة التي تقصر الرجل على زوجته والزوج على بعلها، في سائر وجوه المتاع البدني، قيود بالية يجب القضاء عليها مماشاة للروح الاشتراكية!!». ولكن عند يقظة الأمة تزول هذه الغشاوة ويتحدد ولاء الأفراد والجماعات، وبالتالي تختفي موجات التقليد وأسباب الهدم والفساد. وكان طبيعيًا أن يكون زوال الاحتلال الأجنبي مقترنًا بزوال عاداته وقيمته الفاسدة، ولكن الواقع المر أخرج لنا نتائج أخرى هنا وهناك، منها: ظاهرة البغاء وتجارة الجسد في العواصم العربية باسم السياحة أو الفن أو الحرية. ولقد تنبه إلى ذلك المكتب العربي الدولي لمكافحة الجريمة، فدعا إلى ندوة علمية خلال شهر نوفمبر سنة ١٩٧٠، عقدت بمدينة القاهرة ونشرتها الصحف في ٥/ ١١ / ١٩٧٠ تحت عنوان (ظاهرة البغاء وتجارة الجسد).

стр. 163

السِّيَاحَةُ وَالبَغَاءُ: لقد وزعت أسئلة على مندوبي الدول العربية، ويضمنها سؤال عن أثر السياحة في البغاء، وسؤال عن أثر فرق الفنانات على البغاء. وكانت إجابة أكثر المندوبين، أن لهذا وذاك أثرًا على البغاء، بل إن الدول العربية التي تخرج ما يسمى بالفرق الوطنية لتجوب أنحاء العواصم الأخرى، أكدت أن كثيرًا من أفراد الفرق ينزلقون إلى الدعارة. وكم أوصى هذا المؤتمر بعلاج هذه الظاهرة ولكن دون جدوى، لأن تحصيل المال والرغبة في الحصول على العملات الأجنبية أعمى القوم عن قيم الأمة وأخلاقها، الأمر الذي أدى إلى شيوع وانتشار الجرائم الأخرى كالسرقة والقتل. كما هو مشاهد ومعلوم للجميع. تَوْصِيَاتٌ فِي سَلَّةِ المُهْمَلاَتِ: وقد اهتمت أيضًا المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي، بظاهرة السياحة وأثرها السيء فوضعت عدة توصيات لعلاج البغاء وتجارة الجسد، وقد نشرتها جريدة " الأهرام " في ١٦/ ١٢ / ١٩٧٠. ومن هذه التوصيات: أ - التوصية رقم ٧ عن الإعلام وتضمنت هذه التوصية (المطالبة بأن تساهم أجهزة الأعلام إيجابيًا في تربية النشء العربي، والحد من نشر وعرض المصنفات التي تؤدي إلى الإثارة الجنسية). ب - التوصية رقم ٨ عن الأفلام تضمنت هذه التوصية (ضرورة تشديد الرقابة على الأفلام والمسرحيات والكتب والمنشورات وغيرها). ج - التوصية رقم ٩ عن السياحة وتضمنت هذه التوصية أنه (لوحظ من اقتران السياحة بالبغاء ومساهمتها في انتشاره، لذا يجب عدم التغاضي عن مقتضيات حماية الأخلاق، ومن الضروري منع انتشار البغاء مهما كانت أهمية السياحة اقتصاديًا. صَلاَةٌ لِلْسُّيَّاحِ الهَارِبِينَ: لقد مضى على هذه التوصيات أكثر من خمس سنوات، لم تجد خلالها أي توصية السبيل إلى النور، بل زاد الأمر ووفدت فرق باسم الفن الشعبي، التي عرضت بالأحياء

стр. 164

والمناطق السكنية رقصات تحكي الفعل الجنسي، حتى أن شرطة الآداب في بعض العواصم العربية أوقفت هذه الأعمال وحررت محاضر بضبط هذه الجرائم، لأنها مخلة بالآداب، وتشكل جريمة بمقتضى قانون العقوبات، ولكن حفظت هذه المحاضر ومارست الفرق عملها وذلك تحت ستار المجاملة الديبلوماسية أو لأسباب أخرى خفية، وانتصرت هذه الفرق الفنية ذات الفن المخجل!!. وزاد الطين بلة أن تخصصت بعض الفنادق في العواصم العربية المختلفة في توظيف فتيات للترفيه عن الضيوف، ولا نجد صوتًا لرجال الآداب. لهذا وتحت عنوان " صلاة للسياح الهاربين " كتب مدير تحرير مجلة " صباح الخير " بالعدد ١٠٧٤ الصادر في القاهرة بتاريخ ٥/ ١ / ١٩٧٦ ما نصه: «لم يحقق الموسم السياحي في الصيف الماضي أكثر مما يصرفه أحد أثرياء العرب في ليلة بلندن أو موناكو، والأرقام موجودة في وزارة السياحة، والأموال المحولة رسميًا معروفة ومسجلة، وما استفادته ميزانية الدولة من السياحة معروف ومنشور والنتيجة: كادت مصر أن تتحول في صيف العام الماضي إلى شقة مفروشة مباحة لمن يدفع أكثر! وينحني لأصحاب المال رجال ونساء، فتلتوي قوانين وتنكسر المحاذير، وترتفع الأصوات المخمورة في ليل القاهرة تعربد بجنيهاتها المهربة، فترتمي تحت الأقدام أخلاقيات وتقاليد، وطالما أغمضنا عيوننا وسددنا آذاننا وغطينا أنوفنا! والمضحك جدًا أن يخرج البعض بتحليل عبقري يقول: " إن السياح هربوا من مصر لأن هناك قانونًا صدر يمنع تداول الخمور وعدم السماح ببيعها ... "». وبعد .. فذلك مجمل ما كتبه مدير تحرير مجلة " صباح الخير " منذ عامين ولكن الأوضاع لم تتغير، والدور حاليًا لمجلة " منبر الإسلام " أو " مجلة الأزهر "، إذ لا بد أن تكون أكثر استنكارًا وأشد لهجة وأكثر أثرًا لدى المسؤولين، لأن الدولة قامت على العلم والإيمان!!. احْذَرُوا وَسَائِلَ الصُّهْيُونِيَّةَ: والذي يجب أن يدركه كل مسؤول أن النظرة الاقتصادية الخاطئة لهذا الموضوع ولغيره، تؤدي إلى إهدار كل ما هو أخلاقي في سبيل المال أو جريًا وراء التحرر، كما أن هذا نفسه من وسائل الصهيونية ويجب أن نتنبه لها، ففي " بروتوكولات حكماء صهيون " ما نصه: «إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا ونحن نضع خطتنا ألا نلتفت

стр. 165

إلى ما هو خير وما هو أخلاقي». إن هذه الفلسفة الخاطئة تحطم الأمة بتحطيم أخلاقها وإيمانها، وهذا ما تسعى إليه الصهيونية، فقد جاء في " البروتوكول الرابع عشر ": «يجب تحطيم كل عقائد الإيمان ويتم ذلك عن طريق المذاهب السياسية والاجتماعية والبيولوجية، مثل مذهب (دروكايم) والشيوعية والوجودية، ومذهب التطور والسريالية .. إن تلاميذهم من المسلمين والمسيحيين في كل الأقطار ومنها مصر يروجون لآرائهم الهدامة بين الناس جهلاً وكبرًا». إن هذه الفئة التي تصنع هذا الطعام الفاسد ثم تقدمه للشعب بل وتصدره إلى العواصم العربية في شكل أفلام وفرق فنية، يجب أن تعزل من مواقعها ليمكن تطهير الأمة من هذا الفساد (١).

стр. 166

الغَزْوُ المَارْكْسِيُّ لِلْتَّارِيخِ وَالسِّيرَةِ: كِتَابَاتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّرْقَاوِي وَالغَزْوِ المَارْكْسِيِّ لِلْتَّارِيخِ وَالسِّيرَةِ: تناول الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي سير صحابة رسول الله ﷺ في كتابه " محمد رسول الحرية " في مقالات ما زالت تنشر في جريدة " الأهرام " وفي جريدة " الوطن ". وتناول أيضًا مواقف الإمام ابن تيمية في مقالات باسم الفقيه المعذب. وهذه المقالات ظاهرها أنها إسلامية، وتقدم صاحبها للقراء باسم المفكر المسلم، حتى أن جهات إسلامية رشحته لجائزة عالمية لإنتاجه في خدمة العمل الإسلامي. وإنه بتمحصيها يتضح أنها تؤول النصوص الشرعية، وتحرف مواقف الصحابة والفقهاء لتخدم الفكر الماركسي. فمثلاً زعم أن الجماهير ناقشت ابن تيمية كيف نصد التتار ونقاتل، بينما أصحاب رؤوس الأموال هو المستفيدون من صد التتار، حماية لأموالهم فكيف ندافع نيابة عنهم. فهذا التفسير من شأنه أن يوصم ابن تيمية بالعمل لصالح الرأسمالية والأغنياء، والمعلوم للجميع أن عمله كان جهادًا في سبيل الله وحفاظًا على الإسلام والمسلمين. من ناحية أخرى، فإن هذا التفسير الماركسي من شأنه أن تقف الجماهير متفرجة أثناء العدوان على الأوطان، لأن الماركسية تجعل ولاء الماركسيين في كل أنحاء العالم لوطنهم الأم وهو روسيا، ولهذا عندما صالح جمال عبد الناصر مع قيادات الماركسية المصريين اشترط عليهم أن يكون الولاء لمصر لا لروسيا، وأن يكون هو المكافح بدلاً من (لينين) وأن يدعو هؤلاء الماركسيين من خلال عملهم في الاتحاد الاشتراكي وغيره بصورة علنية ومشروعة، ليضمن أنهم لا يعملون سرًا ضد حكمه. مَوْقِفُ عُثْمَانَ مِنَ الفِتْنَةِ: نشرت " الوطن " بتاريخ ٢١/ ٩ / ١٩٨٣ م مقالاً عن أحداث الفتنة التي انتهت بمقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فكان مما كتبه: «وروى أهل مصر ما كان من أمرهم وأمر عثمان لأهل المدينة، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا ضيق على عثمان وطالب بتسليمه مروان، فانضم أهل المدينة إلى وفود الأنصار وشددوا النكير على عثمان». كما قال: «وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة النصوح، ويحتجون ويقسمون عليه بالله أن يعطيهم حق الله فإذا لم يفعل قتلوه». وكتب أيضًا ما يفيد أن الصحابة تحولوا إلى جمع المال وتركوا

стр. 167

الجهاد. والأستاذ الشرقاوي في هذا يستخدم الفلسفة المادية في تفسيرها للتاريخ، فيقدم الأحداث في ثوب ثورة من أهل المدينة ضد أمير المؤمنين، والمصادر التاريخية تكذب ذلك، فأصحاب الفتنة لم يكونوا أهل المدينة بل إن الصحابة بها أرادوا حماية عثمان والدفاع عنه فنهاهم عن ذلك وأعلن أن من كان في عنقه بيعة فليغمد سيفه وليلزم بيته. كما أن جهاد الصحابة وهجرتهم إلى الأمصار لم يكن لهدف مادي بل كان لنشر الإسلام وحماية عقيدته، كما هو معلوم للجميع (١). وينقل ابن حجر العسقلاني فيقول: «[رحل] أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فعزله، وكتب له كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه به، فحلف أنه ما كتب ولا أذن، فقالوا: سلمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه، فغضبوا وحصروه في داره. واجتمع جماعة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، واللَّه المستعان» (٢). ولقد روى الطبري: ج ٥ ص ٣٩٣ أن الإمام عليًا قال للثوار: «كيف علمتم يَا أَهْلَ الكُوفَةِ ويا أهل البَصْرَة بِمَا لقي أهل مصر، وَقَدْ سرتم مراحل، ثُمَّ طويتم نحونا؟ هَذَا وَاللَّهِ أمر أبرم بِالمَدِينَةِ!». قال الثوار العراقيون بلسان رؤسائهم: «فضعوه عَلَى مَا شئتم، لا حاجة لنا فِي هذا الرجل». لقد أشار الإمام علي على أن هذه مؤامرة دبرها من خطط لعودة قوافل من الغرب، أي المصريين، في وقت واحد مع قوافل الشرق وهم أهل العراق، فالذين استأجروا الراكب ليمثل دور رسول الخليفة إلى والي مصر، عبد الله بن أبي سرح، هم الذين دبروا مسرحية أخرى أمام وفود العراق لتعود في نفس الوقت مع قوافل المصريين. وقد أشار الطبري أن هذه المؤامرة دبرها الأشتر وحكيم بن جميلة، فلم يرجعا مع جماعتهما إلى بلدهم وتخلفا بالمدينة. إن هؤلاء أيضًا ومن معهم من المنافقين كانوا وراء الرسائل التي

стр. 168

أدت إلى قيام الحرب بين معاوية والإمام علي، وأدت إلى موقف عائشة وطلحة والزبير، فقد قال مسروق بن الأجدع الهمذاني - وهو من الأئمة الأعلام المقتدى بهم -: «" يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ كَتَبْتِ إِلَى النَّاسِ فَأَمَرْتِهِمْ بِالخُرُوجِ عَلَى عُثْمَانَ "، قَالَتْ: " وَاللِه مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ سَوَادًا فِي بَيَاضٍ "». قَالَ الأَعْمَشُ: «فَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى لِسَانِهَا». وفي جميع الأحوال فإن انتصارنا للحق الذي كان يمثله الإمام علي، لا يترتب عليه سب الصحابة وتقديمهم للناس على أنهم يقاتلون من أجل المادة، أو أنهم حرفوا أو خانوا فذلك قد حكم فيه القرآن الكريم. ونرجو أن يعلم الأستاذ الشرقاوي ومن رضي بمثل هذا المنهج لأي سبب من الأسباب، أن الإسلام يحكم بأن نقف عند حدود قول الله تعالى عن الصحابة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١). فهل يجوز لأحد أن يتهمهم بالتبديل وعدم الصدق. كما قال تعالى عنهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢). ولو كان الشرقاوي كاتبًا إسلاميًا ويخدم الإسلام في كتبه فليعلن توبته عن كتابه " محمد رسول الحرية "، فالرسول في هذا الكتاب ليس رسول الله بل رسول الحرية، كـ (ماركس) عند الشيوعيين، ففي هذا الكتاب يذكر أن الذي حرم الخمر ليس هو الله، للأسباب الواردة في القرآن لأنها رجس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتجلب العداوة والبغضاء، بل حرمها رسول الحرية لأن صحابته المقاتلين معه في أُحُدْ كانوا يذهبون غلى بيوت العاهرات اليهوديات ويشربون الخمر، فأراد الرسول أن يوجه هذه الأموال لأسر الشهداء. فهل يرجع الأستاذ الشرقاوي عن هذا التحريف الذي يغلب على كتابه ومقالاته الإسلامية، ليكون كاتبًا إسلاميًا أم أنه يفترض جهل القراء وعدم إدراكهم ذلك، أم أن هناك أمورًا أخرى فوق مستوى الشعوب؟ (٣).

стр. 169

نَحْوَ مَزِيدٍ مِنَ الصِّرَاعِ يَا عَرَبْ فَذَلِكَ هُوَ المَطْلُوبُ: نقلت إلينا وكالة الأنباء التركية وغيرها، أن قتالاً نشب بين القوات العراقية ورجال القبائل الكردية. كما نقلت إلينا وكالة رويتر أن راديو المُلاَّ مصطفى البرزاني دعا الأكراد إلى حمل السلاح، ورفض اقتراحات الحكومة العراقية المتعلقة بالحكم الذاتي للأكراد. كما أذاعت صحف تركية بأن الأكراد زُوِّدُوا بأسلحة جديدة من إيران، غير أن سفارة إيران في أنقرة نفت ذلك. ولقد حاول بعض الكُتَّابِ تحليل الموقف وعلاج الأزمة بتوجيه النقد إلى الملا البرزاني، لأنه لم يقبل الحكم الذاتي وآثر الصراع والقتال إلى غير مصلحة. وهذه جهود مشكورة لهؤلاء الذين يريدون الحد من سفك الدماء العربية. ولكن رغم خطأ البرازاني فليس وحده المسؤول عن هذا الواقع المؤسف. كما أن الحكم الذاتي لا يحقق الاستقرار المنشود فهل يمكن أن يصارح العرب أنفسهم بأسباب الصراع والعلاج الطبيعي والحاسم له أم تقوم القيامة لو قلنا غير ما ألفه الناس وارتبطت به مصالحهم. لقد شغل (لورانس) و (مكماهون) نعرات الوطنية والقومية في المنطقة العربية، وكان المراد بها هو ثورة العرب عن تركيا، لتتمكن أوروبا من احتلال المنطقة والقضاء على اتحاد العالم الإسلامي الممثل آنذاك في الخلافة التركية. وانخدع العرب بالوعود الكاذبة، والتي كانت لا تنطلي أصلاً على الصبيان، لأن النفاق في هذه الوعود كان أسطع من الشمس، فرسائل اليهودي (مكماهون) كانت تتضمن عبارات تنطق بالنفاق والكذب في شكلها وفحواها. من ذلك خطابه إلى أمير مكة ونصه: «إلى ساحة ذلك المقام الرفيع ذي الحسب الطاهر والنسب الفاخر، قبلة الإسلام والمسلمين، معدن الشرف، سلالة الوحي المحمدي الشريف ابن الشريف حسين بن علي أمير مكة المعظم، زاده الله رفعة وعلاءً، آمين». وكانت وعود (مكماهون) لا تقل عن هذا النفاق ففيها بالحرف الواحد: «فنحن نؤكد لكم أقوال اللورد (كتشنر) التي وصلت سيادتكم على يد (علي أفندي)، والتي كان موضحًا بها رغبتنا في استقلال بلاد العرب وسكانها، مع استصوابنا للخلافة العربية عن

стр. 170

إعلانها، وإنا نصرح هنا مرة أخرى أن جلالة ملكة بريطانيا العظمى ترحب باسترداد الخلافة على يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة». (صدر في ٣٠ أغسطس سنة ١٩١٥). فبمثل هذه الوعود كفل العرب للجيوش البريطانية الأمن، والخدمات وللفرنسيين مثل ذلك، لأنهم حلفاء جاؤوا لإقامة الخلافة الإسلامية العربية الهاشمية. ثم كان ما سمي بالثورة العربية الكبرى، التي أدت إلى احتلال بريطانيا وفرنسا للعالم العربي، والتي قال عنها (لورانس) في كتابه " أعمدة الحكمة السبعة ": استطاع (اللنبي) بحكمته أن يحقق ذلك «أي إسقاط الخلافة التركية ودون أن يراق دم إنجليزي». وهكذا أشعل هؤلاء النعرات القومية والوطنية، والمراد بها ترك رابطة الإسلام العالمية، والتي توجد بين الجميع ثم إحياء الآثار والأجناس القديمة. فالمصريون أحفاد الفراعنة، واللبنانيون أحفاد الفينيقيين، والعراقيون أحفاد البابليين، والحجازيون أحفاد العرب، ثم تحول ذلك إلى صراع القوميات فهذه قومية عربية، وتلك كردية وبتركيا طورانية وبغيرها بربرية. وهكذا يجدد العرب المسلمون ما قضى عليه الإسلام من النعرات الجاهلية، وذلك باسم الوطنية والحرية والقومية. فهل أدرك القوم ذلك بعد أن وزعت أوطانهم ومزقت أوصالهم وأصبحوا أيتامًا على موائد اللئام، أم أن العصبية والمصالح ستحجب الرؤيا، أم سترفع شعارات أخرى واتهامات لكل من كشف النقاب عن مكمن الخطر، وكل من تمسك بقول الله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١). لقد وجد بجانب صراع القوميات، صراع الأيديولوجيات، فهذه دولة رجعية وتلك تقدمية، والشعوب هي المجني عليها هنا وهناك فهل إلى علاج من سبيل؟ (٢). مَكَانُكُمْ أَيُّهَا المُؤْتَمِرُونَ لِبَحْثِ أَزْمَةِ التَّطَوُّرِ الحَضَارِيِّ فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ: لقد دعت الجامعة وجمعية الخريجين إلى بحث أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي، فاجتمعت ندوة لهذا الغرض خلال الفترة من ٧ إلى ١١ أبريل، وكان واضحًا من المناقشات أن الندوة تحولت إلى مباريات وصراعات بين مختلف العقائديات والاتجاهات.

стр. 171

وكان واضحًا أن أكثر الأعضاء قد جاء حاملاً فكرًا، أو عقيدة أو اتجاهًا وحاول فرضه، فلم يكن للبحث العلمي مجاله الطبيعي، وإن كان الجميع قد تحصن وتوارى خلف العلم، والعلم براء من المتعصبين براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وحتى لا نلقي القول على عواهنه نسطر بعض الأمثلة من أقوال بعض الأعضاء المختارين للندوية. فمن أقوال العضو (محمد ربيع): «إن الإيمان بالغيب خرافة»، ومن أقوال (محمد المويهي): «ليس للإسلام ميزة خاصة عن الأديان الأخرى». ولعل الكثيرين من القراء قد رأوا وسمعوا اتجاهات النماذج التي قدمها التلفزيون من بين أعضاء هذا المؤتمر. فهل تدارك البيان الختامي الأمر أم أنه كان مرآة لهذه الاتجاهات؟ وهل عالج المؤتمرون المشكلة التي انعقد المؤتمر من أجلها؟. وما هو نوع العلاج؟ هل هو عربي الصنع - أم أجنبي؟ وإذا كان أجنبيًا، فهل هو أجنبي الشكل والمضمون، أم أنه عربي الوجه أجنبي الفكر؟ سننقل فقرات من البيان الختامي، ثم نكشف مصادرها الفكرية لنعلم أيها أولى بالاتباع؟. مَفْهُومُ الدِّينِ فِي البَيَانِ: لقد جاء في البيان: «إذا كان الدين حقيقة عميقة الجذور .. فيجب ألا يفهم الفهم الجامد الثابت، على شكل صيغ محدودة يفرضها الخلف باسم السلف .. بل يجب العمل على أن يسمح للفروع فيها - مع حفظ الأصول - بمواكبة التغيير الحضاري المستمر وذلك بالاجتهاد الحكيم والتطور الواعي». إن البيان يطالب بتطوير الإسلام، وهذه رسالة حمل لواءها المبشرون والمستشرقون، لغرض أفصحوا عنه، لقد وضع جماعة منهم كتابًا علق عليه أحدهم وهو المستشرق الإنجليزي (جيب) الذي كان عضوًا بمجمع اللغة العربية بمصر. والكتاب اسمه " إلى أين يتجه الإسلام " وقد جاء فيه أن مشكلة الإسلام بالقياس إلى الأوروبيين ليست مشكلة أكاديمية خالصة فحسب، فإن لتعاليم الدين الإسلامي من السيطرة على المسلمين في كل تصرفاتهم، ما يجعل لها مكانًا بارزًا في أي تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي. ثم يقول:

стр. 172

«والواقع أن التعاليم الدينية ومظاهرها عند أشد المسلمين محافظة على الدين وتمسكًا به، قد أخذت في التحول ببطء في الإسلام آخذة في التحول، وأن هذا التحول يتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق، التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية في الكنيسة المسيحية». إن هؤلاء قد ضلوا السبيل واتخذوا من المسيحية ستارًا لإثارة العصبية، فلا ينكر أحد أن القيم الأخلاقية في الغرب اليوم ليست هي التعاليم الأخلاقية للسيد المسيح، وهؤلاء لا يخفون أغراضهم، ففي هذا الكتاب، يقول (جيب): «أصبح الرجل من عامة المسلمين يرى أن الشريعة الإسلامية لم تعد هي الفيصل فيما يعرض له من مشاكل». ثم يقول: «إن نجاح التطور يتوقف إلى حد يعيد على القادة والزعماء». ماذا يقول (كرومر)؟ إن (كرومر) كان المعتمد البريطاني بمصر خلال فترة الاحتلال البريطاني. وقد وضع كتابًا باسم " مصر الحديثة " يقول فيه: «الإسلام بطبيعة تعاليمه عدو للحضارة الأوروبية، والمسلم غير المتخلق بأخلاق الأوروبيين لا يقوى على حكم مصر في هذه الأيام، لذلك سيكون المستقبل الوزاري للمصريين المتربين تربية أوروبية». ولقد أكد (كرومر) بقوله: «سنرحل عن مصر على أن تحكم بأيد مصرية وعقول بريطانية». وكنا نود أن نواجه (كرومر) أو (جيب) أو (جولدتسيهر) (*) أو غيرهم، ولكن من دواعي الأسى والأسف أننا نحطم أنفسنا من الداخل بما تبناه البعض لدعوات هدامة، تسعى إلى تطوير مفهوم الدين باسم الحرية والتقدم والبعد عن الجمود، وهي الدعوات التي حمل لواءها أعداء الإسلام. لَهْجَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَاتِّجَاهٌ أَجْنَبِيٌّ: إن ما نقلناه عن المبشرين والمستشرقين تبناه بعض أعضاء المؤتمر، وتبناه غيرهم، وستظل المعركة حامية الوطيس طالما وجد على الأرض مستشرقون ومبشرون من الغرب والشرق. وعلى سبيل المثال منشورات جامعة برنستون الأمريكية المطبوعة في كتاب باسم " مستقبل الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة " نشر سنة ١٩٦٣. فمن مقالات هذا الكتاب يقول الدكتور صبحي المحمصاني المحامي اللبناني:

стр. 173

«إن روح الشريعة الإسلامية تأبى الجمود ... ولكن المسلمين عندما نسوا هذه القاعدة وأرادوا أحكامًا ثابتة، وقبلوا أن يتقيدوا بها دون تعديل أو تبديل، حتى لو تطورت الأمم والعلوم، كان متحتمًا عليهم الوقوف عن ركب الحضارة». إن ما كتبه هذا المحامي ودعا إليه تحت أروقة مكتبة الكونغرس وجامعة برنستون، هو نفس ما كتبه ودعا إليه (جيب) و (كرومر) و (جولدتسير). ثم يأتي (فون جرونباوم) (*) لتنشر له الجامعة المذكورة في نفس الكتاب خطته وقومه فيقول: «فالتردد بل التأخير المتعمد في الأخذ بقيم الغرب، حيلة من حيل العقل الباطن، بالاحتفاظ بالذات الذي لا يصبح نبذة، قبل أن يجري نوع من التوفيق، المقنع بين القيم الجديدة والآمال القديمة». وقيم الغرب منها إباحة الفواحش والشذوذ. مَاذَا يُرِيدُ المَارْكْسِيُونَ ؟: هذا ما يهدف إليه الغرب من تطوير الإسلام، فماذا يريد البلاشفة؟ لقد دعت " الأهرام " المفكر الماركسي (روجيه غارودي) لإلقاء محاضرات بمصر، موضوعها " الإسلام والماركسية "! وكان ذلك خلال المدة من ٢٥ إلى ٢٩ نوفمبر ١٩٦٩، وفي إحداها قال: «إِنَّ الإِسْلاَمَ يَدْعُو إِلَى العَدْلِ وَالمَارْكْسِيَّةِ تُحَقِّقُ العَدْلَ، فَالمُؤْمِنُ عِنْدَمَا [يُطَبِّقُ] المَارْكْسِيَّةَ إِنَّمَا يُطَبِّقُ الإِسْلاَمَ» (**). إن المفهوم الماركسي والتطوير الأحمر للإسلام، حتى لا يظل جامدًا، هو أن الإسلام مجرد دعوة إلى العدل لا يصاحبها أي تطبيق، بينما الماركسية تطبق العدل، فمن طبق الماركسية فهو المسلم الحق!!! (يلاحظ أنه أسلم حديثًا وتاب عن هذا). تَطْوِيرُ القِيَمِ وَأَثَرُهُ: لقد ظن المؤتمرون أن ما قاله المستشرقون والمبشرون بشأن تطوير الإسلام، ظنوا أنه العلاج لمشاكل الأمة فقالوا في بيانهم: «وإذا كان أعضاء الندوة يؤكدون على أهمية تطوير القيم وأنماط السلوك الإيجابية والمؤثرة في صنع التقدم المرتكز على التخطيط العلمي ومستلزماته وعلى المصالح الحقيقية للجماهير، فإنهم يشددون في الوقت نفسه على ضرورة الفهم المتعاطف للقيم والمواصفات المحفزة للثقافات الشعبية وعلى التفاعل مع هذه الثقافات

стр. 174

تأثرًا وتأثيرًا». ولا شك أن هؤلاء المؤتمرون يعلمون أن اليهود هم الذين دفعوا بعض الفلاسفة من أتباعهم، لينشروا نظرية نسبية القيم وغيرها من النظريات التي تسبب الخلافات وتشتت جهود الأمم، فظهرت نظريات (داروين) و (دوركايم) و (فرويد) واتبعها من اتبعها منا ظَنًّا أنها نظريات علمية، والعلم منها براء. فالقيم الدينية سواء في الإسلام أو غيره من الأديان السماوية، لا يمكن أن تختلف باختلاف الزمان والمكان، فما كان الكذب رذيلة في عصر نوح ثم أصبح فضيلة في عصر (ميكيافيلي)!. والسرقة لم تكن ولن تكون فضيلة! والفحش والدنس والانحراف الجنسي لم يكن مذمومًا ثم أضحى محمودًا!. إن الأديان تضع المناهج للنفس الإنسانية، وهذه النفس لم تتغير منذ الخليقة، فالذي يتغير هو وسائل حياة الإنسان ومعايشه، وهذه تركها الإسلام للناس ينظمونها حسب علومهم وتجربتهم، فروى " مسلم " عن النبي ﷺ : «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ». إن القول بأن القيم تتغير أو تتطور مع الزمن، يؤدي إلى أن يرتبط الدين بسدنة وكبراء كل عصر حتى تكون بقية الشعوب عبيدًا لهم ويتبعونهم ويقلدونهم. لقد جاءت الأديان لتحطم هذا المعتقد وهذا السلوك وتحرر الناس من هذه التبعية. وقد وصف الله تبرؤ الجماهير من هؤلاء القادة، فقال تعالى حاكيًا على لسانهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (١). إن المناداة بتطوير القيم الإسلامية هدف من أهداف أعداء الإسلام، لتكون تبعًا لهم في السلوك والأخلاق والتقاليد، كما صرحوا في كتبهم، وهذا من شأنه أن نظل مستضعفين مهزومين في كل شيء. فهل أراد المؤتمرون ذلك؟. ثم إن القول بتطوير القيم الإسلامية يؤدي إلى أن يكون هناك إسلام ماركسي وإسلام رأسمالي، وأن يكون لدعاة الجنس إسلام، وللمصريين إسلام وللعراق غيره وهكذا. فهل

стр. 175

أراد المؤتمرون ذلك. لقد أفصح أعداء الإسلام عن أهدافهم في إصرارهم على تطوير الإسلام، ونذكر المؤتمرين بقول (كرومر) البريطاني في مصر: «فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور مع الزمن المتطور .. عند ذلك سوف يتحرر ملايين البشر من هذه العقائد». فهل يدرك المؤتمرون ذلك؟ ثم ماذا بعد الحق إلا الضلال (١).

стр. 176

الفَصْلُ الخَامِسُ: الفِكْرُ الإِسْلاَمِيُّ بَيْنَ التَّأْوِيلِ وَالتَّعْطِيلِ: • حول اجتهادات الشيخ محمد سعاد جلال. • الدولة ومشاكل الأسرة. • قوانين الأسرة بين ضعف النساء وعجز العلماء. • تحديد موقف العلمانية والقوميين والإسلاميين مع سيف الدولة فيما لا يقبل الخلاف. • حول الأخطاء الإصلاحية.

стр. 177

حَوْلَ هَذَا الفَصْلِ: إن الاجتهادات التي يتناولها المؤلف بالرد عليها في هذا الفصل ليست كلها لأصحاب الفكر العلماني، فمنها ما صدر عن علماء لا يمتون إلى العلمانية أمثال الشيخ محمد سعاد جلال والشيخ أحمد حمائي وعلماء كانوا أقرب إلى القومية العلمانية ثم نشروا ما يهدم العلمانية واللادينية، أمثال الأستاذ الدكتور عصمت سيف الدولة، ولكن مع نفي الفكر العلماني عن هؤلاء فإن جانبًا من اجتهاداتها تؤدي إلى النتيجة التي يسعى إليها العلمانيون مثل استبعاد عقوبة الرجم واعتبار النقاب قضية عامة وهي مسألة شخصية وفردية، ثم استبعاد سُنَّةَ الآحَادِ. كما أن الجمود والتقليد الأعمى في علاج مشاكل الأسرة يؤدي إلى الأخذ بالحلول العلمانية كما فعل بورقيبة وخلفائه، وكما فعلت جيهان رؤوف حرم السادات، ولهذا ضممت هذه كلها إلى هذا الكتاب.

стр. 178

الحُكْمُ جُزْءٌ مِنَ العَقِيدَةِ وَالنِّقَابُ لَيْسَ بِدْعَةً وَالرَّجْمُ حَدٌّ شَرْعِيٌّ وَلاَ اجْتِهَادَ مَعَ النَّصِّ: نشر للدكتور الشيخ محمد سعاد جلال آراء تضمنت، أن الرجم ليس حَدًّا شرعيًا، وأن النقاب بدعة، والحكم بالإسلام خاص بالنص القطعي. وجوابنا على ذلك: (*) أَوَّلاً: حَدُّ الرَّجْمِ: وهو خاص بالزاني - أي المتزوج - إذا ارتكب جريمة الزنا. وقال الشيخ: «ولنا في هذه المسألة رأي وهو أن حد الرجم لم يوجد في القرآن بل وجد حد الزنا وهو مائة جلدة في الشيخ الأعزب إذا زنى، وفي الشخص المتزوج إذا زنى، وليس بينهما فرق، وذهب أصحاب المذاهب الأربعة وكثير من أهل السنة إلى القول بأن الزاني المحصن يرجم وهذا الرجم موجود في أحاديث كثيرة ولكن هذه الأحاديث كلها ليست متواترة ولكنها أحاديث خبر آحاد». والجواب عن ذلك: ١ - أن النبي ﷺ بحكم أنه كما جاء في القرآن في أمور التشريع ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) قد نبه على أنه ستظهر مثل هذه الأراجيف لِرَدِّ السُّنَّةِ. فحدد الموقف منها حيث روى عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه أنه قال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ». ٢ - إن القرآن قد تضمن طاعة الرسول فيما جاء به من أحكام تبين القرآن، ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). ٣ - إن القرآن الكريم كان يتنزل من الله طوال حياة النبي، وكان ينسخ أي اجتهاد يجتهده النبي قبل نزول الوحي عليه، ومن ذلك قول الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ...﴾ (٤). فلو كان حكم الرجم اجتهادًا من النبي بغير وحي لنزل القرآن بالحكم النهائي، كما حدث في أمر

стр. 179

أسرى الحرب وغيره مما لا مجال لتفصيله وقد فصلت هذه الأمور في كتاب " السنة المفترى عليها ". والمعلوم لنا أن النبي ﷺ رجم كل من ماعز والغامدية بحضور جمع من الصحابة وهؤلاء شهود عيان للرجم مما يدخل حكم المتواتر ولو كان حكم الله غير ذلك لنزل القرآن بنسخ هذا الرجم. ٤ - إن الوحي ينزل بالسنة كما كان ينزل بالقرآن، ولكن الفرق في ألفاظ القرآن من الله. وألفاظ السنة من النبي - ومن الأمثلة على نزول الوحي بالسنة، ما رواه " البخاري " في كتاب الحج أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ [مُتَضَمِّخٌ] بِطِيبٍ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ [سَاعَةً]، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، ... فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ، وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ [سُرِّيَ] عَنْهُ» ... فَسَأَلَ عَنْ الرَّجُلِ وَقَالَ لَهُ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الذِي بِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ». ٥ - لهذا قال ابن حزم: «وَلَوْ أَنَّ امْرُءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ مَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ ...». (" الإحكام ": ج ١ ص ١٠٩). ثَانِيًا: الحُكْمُ بِالإِسْلاَمِ: يقول الشيخ [محمد] سعاد جلال: «إذا قال قائل: يجب أن نحكم بما أنزل الله نقول له: نعم، ما كان خطابًا قطعي الدلالة والثبوت. أما ما كان مصوغًا بلفظ ظني فهذا موضع اجتهادنا، لأنه يحتمل أقوالاً كثيرة ليس لأحد قط أن يلزمنا برأي دون آخر. إذن فجميع التصرفات وجميع الأعمال التي يقوم بها المسلمون راجعة إلى اجتهاد صحيح، مهما اختلفت فيها الآراء فهي حكم الله، لأن الله قد كلفنا بالعمل بالأحكام التي يقوم عليها الدليل الظني، ثم ترك لنا حرية الاجتهاد في هذا الدليل الظني». والجواب عن ذلك هو: ١ - من حيث المبدأ الحكم بالإسلام جزء من العقيدة يكفر من أنكرها قولاً أو عملاً. ٢ - إن تعميم الحكم بعدم الالتزام إلا بما كان قطعي الثبوت من النصوص، يعني عدم الالتزام بالسنة النبوية في معظمها، لأن العلماء الذين قسموا السنة إلى قطعية الثبوت وظنية الثبوت، انتهوا إلى: أن المتواتر منها هو القطعي، وهذا قليل جِدًّا، فجميع أحكام العبادات والمعاملات من أحاديث الآحاد وهي في هذا التقسم ظنية الثبوت. وعدم الالتزام بالسنة قد أوضحنا فساده في البند السابق، بل قال ابن حزم بكفر

стр. 180

من يدعي ذلك. ٣ - إنه لو صح ما يريد أن يجعله محل اجتهاد بالنسبة للأحاديث النبوية المنسوب إليها أنها ظنية الثبوت، لتحلل المسلمون جميعًا من أحكام العبادات والمعاملات، وأمكن أن يكون الإسلام ماركسيًا عند من يرغبون ذلك، ورأسماليًا عند الرأسماليين وأصبح الحلال والحرام بين الناس يجتهدون فيه وفق مصالحهم وأهوائهم وهذا لا يقول به أحد من المسلمين، حيث يوجد إجماع على أن أحاديث الآحاد يجب العمل بها ولا يحل مخالفتها. ٤ - إن أحاديث الآحاد قد قال جمع من الفقهاء إنها قطعية الثبوت، أو العلم بها يقيني كابن حزم الظاهري، وأبي يعلى الحنبلي وأبي إسحاق الشيرازي بل أكثرهم قال: إن أحاديث الآحاد إذا تلقتها الأمة بالقبول فقد أجمع المسلمون على تثبيتها، قال ذلك الإمام الشافعي في " الرسالة "، وكذا ابن الصلاح وابن كثير وابن تيمية وقال: هذا مذهب السلف عامة. ٥ - أما النصوص الظنية الدلالة وهي التي يحتمل النص فيها أكثر من معنى واحد، مثل «القَرْءِ» في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). فهذا اللفظ له معنيان، الطهر والحيض وهو وأمثاله مجال للاجتهاد فيه قائم، لأن الله ترك هذه الحرية للمسلمين في مثل هذه النصوص، وهذه لا تعني أبدًا عدم الالتزام بالتشريع في مجال الأحكام أو إخضاعه فالغالبية من أحكامه ليست ظنية الدلالة. ٦ - هذا ما قطع به الشيخ أن الذين يطالبون بحكم الإسلام يريدون الحكم لأنفسهم، أمر يدخل في النيات وهذه لا يعلمها إلا الله بحكم حديث النبي لأسامة: «هَلاَّ شَقَقْتَ عَلَى قَلْبِهِ»، فضلاً عن أن الأحزاب كلها تتضمن برامجها الوصول للحكم وهي لا تحكم بالإسلام، ولم يعترض عليهم أحد ونبي الله يوسف قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. ومع هذا فإن المعلوم للجميع أن الجماعات الإسلامية بباكستان انسحبت من الحكم وأن " الإخوان المسلمين " في مصر سنة ١٩٥٣ رفضوا الحكم لعلمانيته. ثَالِثًا: حُكْمُ النِّقَابِ: وقال الشيخ: «اتفق علماء المسلمين على الإطلاق أن المرأة يجب عليها أن تستر جسدها كله إلا وجهها وكفيها. ويوجد أقوال للتابعين أنه يجوز كشف ذراعيها وقد أخذت
следующие страницы →