الفَصْلُ الخَامِسُ: الفِكْرُ الإِسْلاَمِيُّ بَيْنَ التَّأْوِيلِ وَالتَّعْطِيلِ:
• حول اجتهادات الشيخ محمد سعاد جلال.
• الدولة ومشاكل الأسرة.
• قوانين الأسرة بين ضعف النساء وعجز العلماء.
• تحديد موقف العلمانية والقوميين والإسلاميين مع سيف الدولة فيما لا يقبل الخلاف.
• حول الأخطاء الإصلاحية.
стр. 177
حَوْلَ هَذَا الفَصْلِ:
إن الاجتهادات التي يتناولها المؤلف بالرد عليها في هذا الفصل ليست كلها لأصحاب الفكر العلماني، فمنها ما صدر عن علماء لا يمتون إلى العلمانية أمثال الشيخ محمد سعاد جلال والشيخ أحمد حمائي وعلماء كانوا أقرب إلى القومية العلمانية ثم نشروا ما يهدم العلمانية واللادينية، أمثال الأستاذ الدكتور عصمت سيف الدولة، ولكن مع نفي الفكر العلماني عن هؤلاء فإن جانبًا من اجتهاداتها تؤدي إلى النتيجة التي يسعى إليها العلمانيون مثل استبعاد عقوبة الرجم واعتبار النقاب قضية عامة وهي مسألة شخصية وفردية، ثم استبعاد سُنَّةَ الآحَادِ.
كما أن الجمود والتقليد الأعمى في علاج مشاكل الأسرة يؤدي إلى الأخذ بالحلول العلمانية كما فعل بورقيبة وخلفائه، وكما فعلت جيهان رؤوف حرم السادات، ولهذا ضممت هذه كلها إلى هذا الكتاب.
стр. 178
الحُكْمُ جُزْءٌ مِنَ العَقِيدَةِ وَالنِّقَابُ لَيْسَ بِدْعَةً وَالرَّجْمُ حَدٌّ شَرْعِيٌّ وَلاَ اجْتِهَادَ مَعَ النَّصِّ:
نشر للدكتور الشيخ محمد سعاد جلال آراء تضمنت، أن الرجم ليس حَدًّا شرعيًا، وأن النقاب بدعة، والحكم بالإسلام خاص بالنص القطعي.
وجوابنا على ذلك: (*)
أَوَّلاً: حَدُّ الرَّجْمِ:
وهو خاص بالزاني - أي المتزوج - إذا ارتكب جريمة الزنا.
وقال الشيخ: «ولنا في هذه المسألة رأي وهو أن حد الرجم لم يوجد في القرآن بل وجد حد الزنا وهو مائة جلدة في الشيخ الأعزب إذا زنى، وفي الشخص المتزوج إذا زنى، وليس بينهما فرق، وذهب أصحاب المذاهب الأربعة وكثير من أهل السنة إلى القول بأن الزاني المحصن يرجم وهذا الرجم موجود في أحاديث كثيرة ولكن هذه الأحاديث كلها ليست متواترة ولكنها أحاديث خبر آحاد».
والجواب عن ذلك:
١ - أن النبي ﷺ بحكم أنه كما جاء في القرآن في أمور التشريع ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) قد نبه على أنه ستظهر مثل هذه الأراجيف لِرَدِّ السُّنَّةِ. فحدد الموقف منها حيث روى عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه أنه قال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ».
٢ - إن القرآن قد تضمن طاعة الرسول فيما جاء به من أحكام تبين القرآن، ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
٣ - إن القرآن الكريم كان يتنزل من الله طوال حياة النبي، وكان ينسخ أي اجتهاد يجتهده النبي قبل نزول الوحي عليه، ومن ذلك قول الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ...﴾ (٤). فلو كان حكم الرجم اجتهادًا من النبي بغير وحي لنزل القرآن بالحكم النهائي، كما حدث في أمر
стр. 179
أسرى الحرب وغيره مما لا مجال لتفصيله وقد فصلت هذه الأمور في كتاب " السنة المفترى عليها ". والمعلوم لنا أن النبي ﷺ رجم كل من ماعز والغامدية بحضور جمع من الصحابة وهؤلاء شهود عيان للرجم مما يدخل حكم المتواتر ولو كان حكم الله غير ذلك لنزل القرآن بنسخ هذا الرجم.
٤ - إن الوحي ينزل بالسنة كما كان ينزل بالقرآن، ولكن الفرق في ألفاظ القرآن من الله. وألفاظ السنة من النبي - ومن الأمثلة على نزول الوحي بالسنة، ما رواه " البخاري " في كتاب الحج أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ [مُتَضَمِّخٌ] بِطِيبٍ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ [سَاعَةً]، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، ... فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ، وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ [سُرِّيَ] عَنْهُ» ... فَسَأَلَ عَنْ الرَّجُلِ وَقَالَ لَهُ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الذِي بِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ».
٥ - لهذا قال ابن حزم: «وَلَوْ أَنَّ امْرُءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ مَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ ...». (" الإحكام ": ج ١ ص ١٠٩).
ثَانِيًا: الحُكْمُ بِالإِسْلاَمِ:
يقول الشيخ [محمد] سعاد جلال: «إذا قال قائل: يجب أن نحكم بما أنزل الله نقول له: نعم، ما كان خطابًا قطعي الدلالة والثبوت. أما ما كان مصوغًا بلفظ ظني فهذا موضع اجتهادنا، لأنه يحتمل أقوالاً كثيرة ليس لأحد قط أن يلزمنا برأي دون آخر. إذن فجميع التصرفات وجميع الأعمال التي يقوم بها المسلمون راجعة إلى اجتهاد صحيح، مهما اختلفت فيها الآراء فهي حكم الله، لأن الله قد كلفنا بالعمل بالأحكام التي يقوم عليها الدليل الظني، ثم ترك لنا حرية الاجتهاد في هذا الدليل الظني».
والجواب عن ذلك هو:
١ - من حيث المبدأ الحكم بالإسلام جزء من العقيدة يكفر من أنكرها قولاً أو عملاً.
٢ - إن تعميم الحكم بعدم الالتزام إلا بما كان قطعي الثبوت من النصوص، يعني عدم الالتزام بالسنة النبوية في معظمها، لأن العلماء الذين قسموا السنة إلى قطعية الثبوت وظنية الثبوت، انتهوا إلى: أن المتواتر منها هو القطعي، وهذا قليل جِدًّا، فجميع أحكام العبادات والمعاملات من أحاديث الآحاد وهي في هذا التقسم ظنية الثبوت.
وعدم الالتزام بالسنة قد أوضحنا فساده في البند السابق، بل قال ابن حزم بكفر
стр. 180
من يدعي ذلك.
٣ - إنه لو صح ما يريد أن يجعله محل اجتهاد بالنسبة للأحاديث النبوية المنسوب إليها أنها ظنية الثبوت، لتحلل المسلمون جميعًا من أحكام العبادات والمعاملات، وأمكن أن يكون الإسلام ماركسيًا عند من يرغبون ذلك، ورأسماليًا عند الرأسماليين وأصبح الحلال والحرام بين الناس يجتهدون فيه وفق مصالحهم وأهوائهم وهذا لا يقول به أحد من المسلمين، حيث يوجد إجماع على أن أحاديث الآحاد يجب العمل بها ولا يحل مخالفتها.
٤ - إن أحاديث الآحاد قد قال جمع من الفقهاء إنها قطعية الثبوت، أو العلم بها يقيني كابن حزم الظاهري، وأبي يعلى الحنبلي وأبي إسحاق الشيرازي بل أكثرهم قال: إن أحاديث الآحاد إذا تلقتها الأمة بالقبول فقد أجمع المسلمون على تثبيتها، قال ذلك الإمام الشافعي في " الرسالة "، وكذا ابن الصلاح وابن كثير وابن تيمية وقال: هذا مذهب السلف عامة.
٥ - أما النصوص الظنية الدلالة وهي التي يحتمل النص فيها أكثر من معنى واحد، مثل «القَرْءِ» في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). فهذا اللفظ له معنيان، الطهر والحيض وهو وأمثاله مجال للاجتهاد فيه قائم، لأن الله ترك هذه الحرية للمسلمين في مثل هذه النصوص، وهذه لا تعني أبدًا عدم الالتزام بالتشريع في مجال الأحكام أو إخضاعه فالغالبية من أحكامه ليست ظنية الدلالة.
٦ - هذا ما قطع به الشيخ أن الذين يطالبون بحكم الإسلام يريدون الحكم لأنفسهم، أمر يدخل في النيات وهذه لا يعلمها إلا الله بحكم حديث النبي لأسامة: «هَلاَّ شَقَقْتَ عَلَى قَلْبِهِ»، فضلاً عن أن الأحزاب كلها تتضمن برامجها الوصول للحكم وهي لا تحكم بالإسلام، ولم يعترض عليهم أحد ونبي الله يوسف قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
ومع هذا فإن المعلوم للجميع أن الجماعات الإسلامية بباكستان انسحبت من الحكم وأن " الإخوان المسلمين " في مصر سنة ١٩٥٣ رفضوا الحكم لعلمانيته.
ثَالِثًا: حُكْمُ النِّقَابِ:
وقال الشيخ: «اتفق علماء المسلمين على الإطلاق أن المرأة يجب عليها أن تستر جسدها كله إلا وجهها وكفيها. ويوجد أقوال للتابعين أنه يجوز كشف ذراعيها وقد أخذت
стр. 181
بهذا الرأي وأخذ بهذا الرأي صاحب الاختيار من أئمة المذهب الحنفي». وقال: «إن ذارع المرأة في غير الصلاة ليس بعورة». ثم قال: «وتغطية الوجه بصورة النقاب فهذا ما لا يعرف له أصلاً في الإسلام .. إن هذا النقاب إذا اصطنعته امرأة على أنه ضرب من حرية الإنسان في اختيار الملابس التي يختارها وليس على أنه حكم شرعي فنحن لا ننازع في ذلك ولا نتدخل في حرية الإنسان في اتخاذ أي ملابس يلبسها».
والجواب على ذلك هو:
١ - إن القول بكشف الذراعين ليس منسوبًا للتابعين بل نقل ابن جرير الطبري: ١٨/ ٨٤ ذلك عن النبي في أسلوب يضعف الحديث ونص الحديث: «" لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُخْرِجَ يَدَهَا إِلاَّ إِلَى هَاهُنَا "وَقَبَضَ نِصْفَ الذِّرَاعِ». وهذا من رواية قتادة وهي رواية سندها منكر (" حجاب المرأة " للألباني). وبالتالي فلا تعتبر سندًا في الحكم ولا عبرة لنقل هذا عن بعض التابعين أو من جاء بعدهم لبطلان الحكم تبعًا لبطلان السند.
٢ - أما تحديد (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بنص شرعي فقد ورد قول النبي لعائشة: «" إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ المُسْلِمَةِ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا " وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ».
أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد ": ٥/ ١٣٧ برواية الطبراني في " الكبير " و " الأوسط ".
٣ - قول الشيخ سعد: إن النقاب بدعة ولم يؤثر عن الصحابة وما ارتدته من باب الحرية (الموضة) يكون مقبولاً، أما من باب الحكم الشرعي فلا.
هذا القول يخالف ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ في تفسيرهم لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. منهم من قال: إن ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفان. قال الطبري: «هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ». والحديث السابق حجة في هذا.
ولكن من الصحابة عبد الله بن مسعود قال: هي الرداء والثياب على ما كان عند نساء العرب من القناع فما يبدو من أسفل الثياب فلا حرج منه.
ومن الفقهاء من استدل بقول الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (١). ولكن هذا الحكم خاص بزوجات النبي كما هو ظاهر من الآيات السابقة واللاحقة لهذا النص، وأيضًا لحديث عائشة بالعفو عن الوجه والكفين ومع هذا فإن من قالوا بالنقاب ليسوا مبتدعين، ولا يجوز أن نرميهم بالابتداع في الدين ولا أن يقال إن
стр. 182
هذا الرأي لم يكن عند أحد من الصحابة والتابعين (١).
رَابِعًا: رَدُّ العَقْلِ لِلْسُّنَّةِ:
يقول شيخنا في مقاله الأخير: «إن الحديث النبوي له صورتان من الانقطاع. الانقطاع الظاهر: وهو انقطاع السند بسقوط فرد أو أكثر من سلسلة السند، وهو يقضي بعدم حجية الحديث، والانقطاع الباطن: وهو أن يكون سند الحديث متصلاً لكن يقع معناه على خلاف مقتضى العقل، فيكون من أسباب انقطاع معناه وترك العمل به».
ولقد نسب هذه المقولة إلى الخوارج وعززها بقوله: «إن روح العصر الحاضر ومشاعر الناس في هذ الزمن لم تعد تحتمل وقع هذه العقوبة الشنيعة، وأصبح ذلك موضع نقد موجه إلى أحكام الفقه الإسلامي الاجتهادي، لا نقول إلى الشريعة الإسلامية وهو نقد غير مرفوض حتى من وجهة نظر الشريعة نفسها، لأن الشريعة يجب أن تكون فيما لا يصطدم بقطعي، أداة قانونية مرنة موظفة للتعبير عن مشاعر الجماهير المتطورة بتطور العصر».
هذا الذي يؤمن به شيخنا ويدعو المسلمين للإيمان به يحتاج إلى وقفة موضوعية، لأن الإيمان به من شأنه أن يصبح كل من يظن أن عقله قد بلغ مرتبة الاجتهاد حاكمًا على سنة النبي ﷺ فيرد ما يشاء منها، ويحل منها ما يشاء ويحرم ما يشاء. وبهذا يصبح عند المسلمين الآلاف من الأرباب الذين يملكون التحليل والتحريم، وهذا ما حذر منه ربنا في القرآن الكريم، وفصله بالسنة النبوية حيث قال النبي لعدي بن حاتم: «أَلْقِ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ» وَكَانَ يَحْمِلُ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَاءَ يُعْلِنُ إِسْلاَمَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فَقَالَ عَدِيٌّ: «مَا عَبَدْنَاهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ الحَرَامَ فَاتَّبَعْتُمُوهُمْ». قَالَ: «بَلَى»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَتِلْكَ عِبَادَتُكُمْ إِيَّاهُمْ» (*).
ولسنا ندري ما هو العقل الذي سيحكم على الحديث النبوي بعدم حجيته وعدم جواز العمل به لأن معناه يخالف هذا العقل.
إن النبي ﷺ بوحي من الله قد أخبرنا أن شؤون الدنيا تخضع لعقول الناس
стр. 183
وتجاربهم فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ».
ومن المعلوم للكافة أن العقل لا يستطيع الحكم على شيء إلا من خلال الحواس الخمس، فهي التي تمده بما يحكم به، فمثلاً لا يعرف الأبيض من الأسود إلا عن طريق حاسة البصر. فكيف يحكم العقل على السنة النبوية وهي من الوحي، ولا تتضمن أحكامها بأمور الحلال والحرام، وهذه تخرج عن نطاق الحواس الخمس وعن نطاق أحكامها بأمور الحلال والحرام، وهذه لا تخرج عن نطاق الحواس الخمس وعن نطاق التجارب البشرية. ومن المعلوم للكافة أن الناس تتفاوت أحكامهم وتختلف اختلافًا كبيرًا في الأمور التي لا تخضع لنطاق الحواس الخمس، فأي عقل من هذه العقول يصبح هو الحكم على هذه الخلافات.
إن الإسلام قد صحح الانحرافات التي مارسها كثير من رجال الدين من أهل الكتاب حيث زعموا أن بيدهم صكوك الغفران والحرمان، فجاء القرآن وأبطل اختصاص هؤلاء بالتحليل والتحريم. فهل تعود هذه الانحرافات مرة أخرى تحت اسم جديد هو حكم العقل. إن العقل لا يصدق أَنْ يَرُدَّ أحد البصر للأعمى، أو أن يحيي الموتى، ولكن القرآن قد أخبر أن نبي الله عيسى فعل ذلك فصادقنا ذلك وقبلناه، لا بحكم العقل، بل بالإيمان بصدق القرآن.
والإيمان بصدق النبي ﷺ هو الذي يجعلنا نقبل الأحكام التي جاء بها عن طريق السنة أو القرآن ومع هذا لم يثبت أحد أنها تضر بالخلق.
كما أن عقول الأوروبيين تحسن الزنا وتراه أمرًا عاديًا وليس جريمة في حق المجتمع. فهل تصبح هذه العقول حكمًا على سنة رسول الله ﷺ سواءً نطق بهذا الحكم شخص غير مسلم، أو نطق به مسلم بلسانه لكنه أوروبي بعقله وبيانه.
إن مشاعر أصحاب هذه العقول لا تحكم على الله ورسوله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. إن مشاعر ملايين من البشر في روسيا قد تقبل أن يقتل السارق ولكنها لا تقبل أن تعاقب الزوجة الزانية بأدنى العقوبات، وهي مشاعر دعاة الحرية الجنسية ترى أن الرجم عقوبة شنيعة بينما رجم القرى والمدن بأهلها بوابل من القنابل في لبنان وفلسطين وأفغانستان وأرتريا وكشمير وتشاد والفلبين لا يعد أمرًا شنيعًا أو مَاسًّا بمشاعر الناس، ومع هذا يصبح من الاجتهاد في شرع الله أن يقال إن اعتراض هؤلاء على عقوبة الزنا نقد غير مرفوض من وجه نظر الشريعة نفسها.
стр. 184
ثم من هو الذي يملك أن يتحدث وحده باسم الشريعة ليقول: إن هذا مقبول من جهة نظر الشريعة. إن الشريعة الإسلامية لا تعبر عن مشاعر الجماهير المتطورة بتطور العصر. فهذه المشاعر تحل الزنا والخمر والقتل الجماعي وغير ذلك من الموبقات والمهلكات، وقد جاء الإسلام لتحكم نصوصه من قرآن وسنة على أعمال هؤلاء وتصحح أخطاءهم، فكيف تتبع الشريعة مشاعرهم؟.
حسبنا أن الله تعالى قد قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١).
وحسبنا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
وبالله تعالى نعتصم ونتأيد.
ملحوظة: تناولت الطبعة الثالثة من كتاب " السنة المفترى عليها " الرد على جميع الشبهات الخاصة بالسنة النبوية ومنها شبهات الشيخ [محمد] سعاد جلال وعز الدين بليق وحسين أحمد أمين، والشيخ محمود أبو رية وجولدتسيهر وغيرهم.
стр. 185
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خِطَابُ مَفْتُوحٌ إِلَى رَئِيسِ الجُمْهُورِيَّةِ حَوْلَ مَشَاكِلِ الأُسْرَةِ:
السيد رئيس الجمهورية العربية المتحدة
السيد المشرف العام على الاتحاد القومي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما زالت تطالعنا الصحف بأنباء غير سارة عن مشروع قوانين الأحوال الشخصية، ولما كانت هذه من أخص خصائص الدين ولا مجال للعقل في تحريم أو تحليل أي من أصول قواعدها وكان المشرع الإسلامي قد نظم هذه الأحوال تنظيمًا يمتنع معه الشكوى من سوء استعمال الحقوق التي قررها لأي من الزوجين، وكان ما عليه لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ليس مستمدًا بأكمله من المصادر الأصلية للشريعة الإسلامية بل من أقوال فقهائها، الأمر الذي يشكو منه المجتمع اليوم.
لما كان ذلك فإننا نرى لزامًا علينا أن نضع أمامكم المبادئ العامة للأحوال الشخصية مستمدة من مصادر الشريعة المتفق عليها، وذلك علاجًا لما نشر بالصحف عن مشروع القانون الجديد.
ونأمل مخلصين أن تتفضلوا بالعمل على وضعها موضع التنفيذ.
أَوَّلاً: بَيْتُ الطَّاعَةِ وَمُخَالَفَتُهُ لِلْشَّرِيعَةِ:
تنفيذًا للائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة بالقانون رقم ٢٥/ ١٩٢٩، تجبر الزوجة على معاشرة زوجها وتسجن في بيته إن أبت ذلك، وهذا أمر لا يمكن أن يصدر عن القرآن والسنة. فالزواج يقوم على المودة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١). وقد عالج القرآن الخلاف الذي قد ينشأ بين الزوجين. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢).
وبالضرورة يدري كل ذي حِسٍّ وبصيرة أن حق هؤلاء المحكمين مطلق في الإصلاح أو التفريق، والقاضي يقضي بما يرى بأنه الأصلح.
стр. 186
ولا يمكن القول بأن طاعة الزوجة لزوجها تتضمن إجبارها على الحياة معه. قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).فإذا تعذر الإمساك المشار إليه فلا مفر من الطلاق. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ (٢).
فإذا كان رأي الحكمين مؤيدًا للزوج حكم القاضي على الزوجة بالطاعة، إلا أن التنفيذ الجبري يكون غير ممكن إذ يستلزم تدخل شخص الزوجة، ومن ثم يسلك القاضي سبيل التهديد المالي كما في المادة ٢١٣، ٢١٤ من القانون المدني.
فإذا لجأ القاضي إلى هذا التهديد ولم يفلح، لا مناص من الحكم بالطلاق مع تعويض الزوج كما في نص المادة ٢١٥ من القانون المدني. والتعويض في الشريعة الإسلامية يحدد فيما لحق الشخص من ضرر، وذلك خلافًا للقوانين الوضعية التي تضيف إلى ذلك التعويض عما فاته من كسب.
ثَانِيًا: الطَّلاَقُ وَبِيَدِ مَنْ يَكُونُ:
إنه وإن جاز فصام عرى الرباط المقدس بمعرفة القاضي في أحوال معينة، إلا أنه لا يجوز إسناد هذا الأمر إلى الزوجة، فالعصمة بيد الرجل وحده، وجعلها بيد المرأة مخالف للنظام العام في الشريعة الإسلامية، ويجب عدم الاعتداد به. كما لا يجوز تقييد الطلاق بحكم المحكمة، إذ أن هذا لا يتفق مع الحياة السعيدة، إذ كيف يرضى الزوجان بالاستمرار في حياة ظاهرها حفظ كيان الأسرة وباطنها من قبله العذاب.
إن تقييد الطلاق بصورته الواردة في مشروع القانون لا يفترق عن تقييد حق صاحب العمل في فصل العامل، ومن ثم تصبح العلاقة الزوجية أقرب ما تكون إلى الإجارة وعقود العمل، بل ليتها كذلك، فقانون العمل الموحد رقم ٩١ لسنة ٥٩ لم يعلق إنهاء عقد العمل على حكم القاضي، بل منع الفصل التعسفي فحسب، فإذا ما خالف صاحب العمل هذا القانون، ولم تفلح التسوية الودية التي يقوم بها مكتب العمل، ثم رفض صاحب العمل تنفيذ حكم المحكمة القاضي بإعادة العامل إلى عمله لكون الفصل غير مشروع، لا ينفذ هذا الحكم جبرًا على صاحب العمل بل ينتقل حق العامل إلى التعويض، والحال ليس كذلك بالنسبة لمشروع قانون الأحوال الشخصية، فقد حجر على الزوج، وجعل القاضي
стр. 187
قيمًا على الرجال جميعًا، وهذا فيه خطورة بالغة، إذ يؤدي إلى الإحجام عن الزواج، الأمر الذي يعانيه المجتمع اليوم وكفى.
والشريعة الإسلامية إنما أعطت الرجل حق الطلاق، لأنه قوام على المرأة، ويملك التحكم في أعصابه ويفكر كثيرًا قبل أن يقدم على هدم الأسرة، ثم جاءت الشريعة الإسلامية فوضعت قيودًا زمنية تحول دون إساءة استعمال هذا الحق، دون أن تتدخل في الحريات أو تعرض أسرار العائلات إلى هذه العلانية الأمر الذي يحول دون استئناف الحياة الزوجية. كما أعطت المرأة حق التطليق فيما يسمى بالخلع فقد قال ابن رشد: «[فَإِنَّهُ لَمَّا جُعِلَ] الطَّلَاقُ بِيَدِ الرَّجُلِ [إِذَا فَرَكَ المَرْأَةَ]، جُعِلَ الخُلْعُ بِيَدِ المَرْأَةِ [إِذَا فَرَكَتِ الرَّجُلَ]» (*).
كما قرر المشرع الإسلامي حق التعويض وهو يحول تلقائيًا دون إساءة استعمال حق الطلاق.
ونركز هذه القيود في البنود التالية:
١ - بطلان الطلاق المعلق.
٢ - بطلان الطلاق الموصوف بِعَدَدٍ لفظًا وإشارة، وإيقاعه طلقة واحدة.
٣ - بطلان الطلاق الواقع في فترة الحيض أو في طهر مس الزوج زوجته فيه.
والمبدأ الأول والثاني تأخذ بهما لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، أما المبدأ الثالث فمهجور بمقولة أنه طلاق بدعي، يجوز مع الكراهة، وفي ذلك مغالطة، ولو صح هذا أو جاز، فبطلان مثل هذا الطلاق أولى وألزم من الحجر على الرجال وجعل الطلاق بيد القاضي.
وبطلان هذا الطلاق يستمد من القرآن والحديث، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ (١).
وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنَ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
стр. 188
ومقصد الشريعة من هذه القيود الزمنية الإمساك على الزواج في كثير من حالات الطلاق التي مبعثها أمور وقتية تزول بعد فترة من الزمن.
وهذا الطلاق المنهي عنه هو كالنكاح المنهي عنه، لا يصح ولا يعتد به إذ النهي يقتضي البطلان في الحالتين.
٤ - النص على مبدأ التعويض:
فإذا أساء الزوج استعمال حقه في الطلاق حكمت المحاكم بالتعويض المناسب للزوجة، قال ﷺ : «لاَ ضَرَر وَلاَ ضِرَارَ».
فوقًا عن ذلك فإن مبدأ تعويض المطلقة، قد قرره الإسلام بغض النظر عن سوء استعمال الحق من عدمه، قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
هذه هي المتعة وهذا هو التعويض وعلته فيما ترى هو الضرر الأدبي الذي يحيك بالزوجة نتيجة الطلاق أيًا كان.
وإذا رأت اللجنة المختصة أن هذه الحلول تحتاج إلى تفصيل أو أسانيد شرعية فيمكن التعاون معها في ذلك.
وبالله نعتصم ونتأيد (٢).
سالم البهنساوي
تحريرًا في ١٦ ذو القعدة ١٣٧٩ هـ.
١١ مايو سنة ١٩٦٠ م.
стр. 189
مَجَلَّةُ المَنْصُورَةِ تَحْتَ عُنْوَانِ " الشَّرِيعَةُ تَحُلُّ مَشَاكِلَ الأُسْرَةِ ":
حوالي ألف مواطن احتشدوا بمدرج مدرسة ابن لقمان الإعدادية، ليستمعوا وليناقشوا مشكلة الطلاق .. من أين بدأوا؟
وما موقف الديانات منه؟ .. وكيف يتم الطلاق في الإسلام؟.
ولماذا ينادي البعض بتقييد الطلاق؟ .. ولماذا لا تلجأ لجان الأحوال الشخصية إلى الأسس الدينية في العلاقات الزوجية؟ ..
أسئلة كثيرة تناولها بالتحليل والإجابة والنقد ثلاثة من علماء الدقهلية .. هم الشيخ عبد الحكيم مرسي الأستاذ بالمعهد الديني والشيخ عبد الخالق بدور مفتش الوعظ والأستاذ سالم البهنساوي مدير التأمينات الاجتماعية ..
وتحدث الاثنان الأولان عن حكمة الطلاق، وكيف أنه أبغض الحلال إلى الله .. وكيف لم يجعل الإسلام الطلاق مباحًا .. ويعطي الرجل حق الطلاق كيفما شاء .. بل أوجب عليه العدل في المعاشرة والإحسان في المفارقة وفي القرآن الكريم: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وتحدثا أيضًا عن تاريخ الطلاق وحدوده في الديانات السماوية، وقالا: إن شريعة موسى وعيسى تحرم الطلاق تحريمًا نهائيًا مهما كانت الظروف.
وَذَكَرَا أن رسول الله ﷺ قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ [مَا بَأْسٍ]، لَمْ تُرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».
وتلاهما الأستاذ سالم البهنساوي فتحدث عن تقييد الطلاق.
وقال: «إنني لا أوافق عليه» - ودهش الجميع ..
واستطرد يقول: «ولا أوافق أيضًا على الفكرة القائلة بالتأمين على الزواج لدى شركة التأمين» ..
وعلت الدهشة وجوه الحاضرين .. إذن ماذا يقصد؟ .. ودارت أسئلة ومناقشات كثيرة حول التقييد والتأييد .. ولم أجد مفرًا من حديث خاص معه أعرف منه آراءه في هذا الموضوع الهام.
стр. 190
وذهبت إليه في مكتبه وسألته:
هل تعني بعدم موافقتك على تقييد الطلاق بأنك تؤيد الانطلاق فيه؟؟.
قال: «إن رفضي لتقييد الطلاق لا يعني الانطلاق فيه، بل إنني أطالب بالرجوع إلى القيود التي وضعها الدين على الطلاق .. إن كتاب الله فيه كل التشريعات التي تقيده ولو اتبعناها لأرحنا واسترحنا» ..
وما هي هذه القيود؟
- هذه القيود كثيرة وهي تؤكد حرص الإسلام على العلاقة الإنسانية السامية القائمة بين الزوجين.
١ - وأول هذه القيود: أن طلاق الرجل للزوجة يبطل إذا طلقها وهو غاضب، وطلاق الرجل للزوجة يبطل إذا كان معلقًا بفعل عمل من الأعمال.
وبديهي أن جميع حالات الطلاق لا تحدث إلا والغضب يملك زمام نفوس الزوجين.
ولذلك فإن النية الحقيقية والإرادة الصحيحة للطلاق غير موجودة، ولقد قال رسول الله ﷺ في ذلك: «لَا طَلَاقَ [وَلَا عِتَاقَ] فِي إِغْلَاقٍ».
وذلك حرصًا على بيت الزوجية أن يتهدم في لحظة غضب.
٢ - وثاني هذه القيود: أن الطلاق لا يقع في فترة الحيض،ويصبح باطلاً، لأنه قد يكون هناك بعض النفور في العلاقة الزوجية في هذه الفترة.
٣ - وثالث هذه القيود: أن الطلاق لا يقع إذا حدث جماع بين الزوجة وزوجها، لأنه يمكن بعد ذلك أن تحمل الزوجة أو يكون بينهما من التآلف والمودة السابقين ما يجعل الطلاق لا يقع.
٤ - ورابع هذه القيود هو: الإقامة في البيت بعد الطلاق وهذه هي العدة التي تبلغ ثلاثة شهور.
والحكمة في هذا أوردها القرآن وهي احتمال أن يزيل الله هذا الشقاق وتستأنف الحياة الزوجية.
ولكن الذي يحدث الآن أنه مجرد وقوع الخلاف بين الزوجين تترك الزوجة منزل
стр. 191
الزوجية وتلجأ إلى أهلها، وهي لا تعلم أن خروجها يزيد هوة الخلاف اتساعًا.
واستأنف مدير التأمينات الاجتماعية:
«وإنني أختتم حديثي باقتراح هام هو: لماذا لا يدرس الزواج وأسسه والطلاق وقيوده في مرحلة معينة من مراحل الدراسة للبنين والبنات ... حتى يشبوا جميعًا فاهمين للتعاليم الدينية الأصيلة عاملين على تنفيذها.
وبعد ..
يا رجال الفقه والقانون ما رأيكم في هذا الحديث؟؟ ..» (١).
قَوَانِينُ الأُسْرَةِ بَيْنَ ضَعْفِ النِّسَاءِ .. وَعَجْزِ العُلَمَاءِ:
تردد على لسان بعض السيدات اللاتي يشعرن أنهن في مواقع المسؤولية، أن هدفهن وغايتهن، تعديل قانون الأحوال الشخصية، لتحصل المرأة على ضمان عدم الطلاق ولهذا فمطلبهن العادل، كما صرحت إحداهن في المؤتمر العالمي للمرأة المنعقد في المكسيك والمنشور في صحف يوم ١٨/ ٦ / ١٩٧٥، هذا المطلب هو، إلغاء الطلاق الذي يكون بناءً على طلب من الزوج، وكذلك إلغاء تعدد الزوجات، قالته حرم السادات.
ولما كانت هذه الدعوة ليست في صالح المجتمعات البشرية عامة والإسلامية بصفة خاصة، كما أنها استسلام للغزو الفكري والمخطط الذي يهدف إلى القضاء على البقية الباقية من التشريع الإسلامي، ألا وهي ما سمي بقانون الأحوال الشخصية، وذلك ليقترب الإسلام من التشريعات الغربية وليذوب تدريجيًا في هذه المجتمعات، وذلك ليس تكهنًا مني بل هو ما سطره سدنة الفكر الغربي، فمن ذلك ما سجله المستشرق الإنجليزي (جب) في كتابه " إلى أين يتجه الإسلام " إذ قال: «إن مستقبل التغريب - أي جعل الإسلام غربيًا، أو حمل العالم الإسلامي على حضارة الغرب - لا يتوقف على هذه المظاهر الخارجية للتأثر والاقتباس، فهذه ليست إلا شيئًا ثانويًا، علينا أن نبحث عن الآراء الحديثة والحركات المستحدثة، التي ابتكرت بدافع من التأثر بالأسباب الغربية بعد أن تهضم يصبح جزءًا من كيان هذه الدول الإسلامية». ثم يقول: «والمدارس والمعاهد ليست إلا خطوة أولى في الطريق. يجب أن يكون الاهتمام الأكبر منصرفًا إلى خلق رأي عام، والسبيل إلى ذلك هو الاعتماد على الصحافة». ثم يقول: «إلى عهد قريب لم يكن للمسلم من عامة
стр. 192
الناس من أدب إلا الأدب الديني، ولم يكن ينظر إلى العالم الخارجي إلا بمنظار الدين، أما الآن، فلم يعد مرتبطًا بالدين». لأن وجهة نظر الدين لا تناقش على الإطلاق، وأصبح الرجل من عامة المسلمين يرى أن الشريعة لم تعد هي الفصل فيما يعرض له من مشاكل ثم يقول: «إن نجاح التطور يتوقف إلى حد بعيد على القادة والزعماء في العالم الإسلامي، والشباب منهم خاصة».
وكما أن الاعتماد في ذلك على القادة والزعماء، فهو أيضًا يعتمد على النساء، وهذا ما أفصح عنه مؤتمر جامعة برنستون الأمريكية، الذي نشرت أعماله في كتاب " العالم العربي اليوم " للأستاذ (مورو بيرجو)، فمما جاء فيه - أن نمو وضع النساء ومشاركتهن في الشؤون العامة، هو أخطر قوى التغيير لا في الأسرة العربية وحدها، بل في المجتع العربي على العموم، فإن سمح للقوى التي حملت سلاحها الآن - أي النساء - أن تبرر إمكانياتها، فما من شك أن مطامح النساء وحقوقهن سوف تحول المجتمع العربي تحولاً عميقًا وبصورة أبدية.
لما كان ذلك:
نسأل قومنا: هل تم وضع مشروعات القوانين من خلال الواقع هذه الأمة على افتراض أنها أمة إسلامية؟ أم وضعت المشروعات لأمة لا دين لها، وبالتالي فيمكن أن تدخل التخطيطات الغربية والشرقية إلى قوانين الأسرة بدعوى الإصلاح والتجديد، كما دخلت على القوانين الأخرى من قبل، والتي أدت إلى الازدواج في شخصية الأمة.
القَانُونُ وَالمَشْرُوعُ المِصْرِيِّ:
لما كانت أكثر الدول العربية تعاني من اختلال العلاقات الأسرية، وكان مشروع قانون الأحوال المصري على الأبواب، وكانت مصر هي المصدر الأكبر في التشريعات والعادات، ولهذا تقلدها أكثر الدول العربية، فإننا نناقش بعض قواعد هذا القانون وبعض نصوص المشروع: في حالات طلب الطلاق العادية، على المحكمة أن تعين حكمين للتوفيق بينهما، ويكونان من أهل الزوجين، فإن كانت الإساءة من الزوج يقترح الحكمان الطلاق، وإن كان الزوج يطلب الطلاق بدون إساءة من الزوجة يرفض طلبه، وإذا كانت الإساءة من الزوجة تدفع قدرًا من المال يقرره الحكمان، وإذا كانت الإساءة مشتركة يقترح الحكمان التفريق.
فهذا المشروع بهذه الصورة قد أدخل أمرًا غريبًا على المجتمع الإسلامي، ألا وهو جعل الطلاق بيد القاضي، ولأسباب بلورها القانون في الإساءة.
стр. 193
وعلى الرغم من هذا فإن المتباكيات على مصلحة المرأة وحقوقها لم يقفن عند هذه الحدود، بل وكما نشرت مجلة " حواء " يوم ١٨/ ١٠ / ١٩٧٤ في العدد - ٩٩٥ - طالبن بمشروع جديد مثل مشروع وزارة الشؤون الاجتماعية.
المَرْأَةُ عَدُوَّةُ نَفْسِهَا:
إن المرأة التي تسعى لجعل الطلاق بيد القاضي ولأسباب معينة، هي عدوة نفسها وتحارب دينها بسلاح التبشير الصريح أو المقنع.
لقد سعى المجتمع الغربي لجعل الطلاق بيد القاضي، للتخلص من عقدة حظر الطلاق وعدم السماح به إلا لعلة الزنا، وتبرعت سيدات مسلمات لتكون صوتًا للغرب في الطعن على الإسلام، لأنه لم يجعل الطلاق بيد القاضي، على الرغم من أن الذين لا يجدون الطريق مفتوحًا أمامهم للتخلص من حياة زوجية أصابها التمزق والشقاق، إنما يلجأون إلى الإسلام ويتحولون عن المسيحية، وعلى الرغم من أن المجتمعات الغربية سعت إلى جعل الطلاق بيد القاضي، لتتوصل إلى فصم عرى هذا الرباط عندما تستحيل الحياة، أما نحن معاشر المسلمين، فمن يسعى منا لجعل الطلاق بيد القاضي إنما يقلد من غير إدراك، لأن ذلك الذي نسعى إليه وهو حظر الطلاق إنما شكى منه الغرب، وتخلص منه بجعل الأمر بيد القاضي.
وإذا كانت ثمة حالات يتسرع فيها الرجل فيطلق فهي حالات نادرة، ولا يجب أن تكون سببًا في الحجر على جميع الرجال، وجميع الأسر وإصابتها بالاضطرابات والخلل والصراعات المختلفة.
إن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء قد أصدر نشرة الأرقام عن المرأة والأسرة، وتفيد أن نسبة الطلاق أصبحت سنة ١٩٧٢: ١.٧ % من عدد حالات الزواج، وأما نسبة الزواج بثانية فيقد أصبح: ٢.٧ % ونسبة الزواج بثالثة أصبحت: ٠.٣٧ أقل من الواحد الصحيح (نقلاً عن " أخبار اليوم " عدد ٢٢/ ٩ / ١٩٧٣)، فهل من أجل ١ % أو ٢ % تصدر قوانين بالحجر على جميع الرجال، حتى لو كان هذا الحجر يضر بالمرأة قبل الرجل.
إن هذا لشيء عجاب، وإنه السفه بعينه، والجهل بنفسه.
إن حظر الطلاق على الزواج وجعله بيد القاضي، ولسبب محدد مثل الإساءة يؤدي إلى نتائج منها:
١ - أنه قد لا يعبأ الرجل بالقانون ويطلق بدون الالتجاء إلى القضاء، وذلك
стр. 194
استنادًا إلى أن حكم الله أولى من حكم البشر، وأن من المهانة أن يلجأ إلى القضاء ويسطر ما أمر الله به أن يستر.
هما تكون الزوجة مُطَلَّقَةً شَرْعًا وَزَوْجَةً قَانُونًا وبذا تظل بائسة لا تتمتع بحقوق الزوجة وليست حرة من قيودها فلا تستطيع أن تتزوج، وإن زنت سجنت، وأما زوجها فلا ضرر عليه:
أ - فله أن يتزوج بثانية.
ب - فإن صدر قانون يمنع ذلك فلا يمنعه من أن يلجأ إلى الزواج العرفي، لأن القانون المانع من التعدد يخالف الشرع.
ج - وإن كان لا يخشى الله اتخذ خليلة أو أكثر على ما هو نظام الحياة في المجتمعات الغربية التي تقلدها.
٢ - وقد يلجأ الرجل المحجور عليه في أمر الطلاق إلى الإضرار بزوجته، حتى تطلب هي الطلاق، بل وحتى تدفع المال في سبيل موافقته على طلاقها، كما يحصل في بعض الحالات بسبب سوء تطبيق نظام الخلع كما شرعه الله، إذ القوانين العربية تجعله رهن موافقة الزوج مما ييسر لبعضهم طلب مقابل غير عادل.
٣ - وقد يخلق السبب المؤدي إلى الطلاق وجمع من الشهود عندنا في المنطقة العربية على أتم استعداد لذلك إذا ما طلبهم الأزواج ولوحوا لهم بالمنفعة.
٤ - من النتائج السيئة لهذا القانون إن صدر أن يزيد استهتار بعض أصحاب النفوذ من السيدات، وهن من يدفعهن الغرور إلى الاستعلاء، أو يدفعهن توفر المال في أيديهن إلى النشوز، أو يدفعهن حب الشهرة إلى ترك واجبات الزوجية.
فهذه الفئة قد تظن أن القانون يمكن لها أن تصبح زوجة رغم أنف الرجل فتعمل ما شاءت ولا تبالي وهنا تكون الطامة وتكمن المشاكل.
انْعِدَامُ الصَّلاَحِيَّةِ:
لا خلاف في أن حماية الأسرة والمحافظة على مقومات بقائها لا بد منه للمجتمعات الفاضلة.
ولكننا نختلف مع القوم في صلاحية أي من الجنسين أو كليهما في وضع أصول هذه
стр. 195
المقومات، ولا ينبغي أن يترك الأمر للأخذ والرد بين الجنسين والإرخاء والشد بين الاتجاهين، أو يعلق ذلك على حصول أي منهما على موافقة ممثلي الشعب.
ذلك أن الجهة التي أرست قواعد الزواج ورتبت آثاره هي صاحبة الصلاحية في علاج هذه المشاكل على ضوء مبادئها وفي حدود المفاهيم والقيم التي بنت عليها نظمها الاجتماعية (" الوعي الإسلامي ": في صفر ١٣٩٨ هـ).
فهل وضع أفراد المجتمع وممثلوه نظام الزواج والطلاق حتى يحق لهم تغيير ما شرعوه لأنفسهم؟
من هو صاحب الصفة في تحديد مفاهيم العلاقة بين الجنسين، والصورة التي تكون فيها هذه العلاقة مشروعة من عدمه؟
من الذي جعل عقد الزواج يتصف بالمشروعية إذا صاحب قيامه شهود، ويصبح جريمة فاضحة إذا انعدم عنصر الشهادة مع توفر الرضا بين الجنسين في الحالتين؟
من الذي منع قيام العلاقة الزوجية بين درجات معينة من الأقارب أو بعد مدة زمنية من الانفصال أو الطلاق؟
هل وضع القوم هذه النظم أم أن واضعها رب القوم وخالقهم؟
وهل صفة هذا المشروع ما زالت قائمة أم قضت عليها معالم الحضارة؟
هل زال دين القوم الذي رسم هذه النظم فأصبح للجنسين مجتمعين أو منفردين الحق في اختيار النظام الأصلح في نظر أي منهما؟
تحت ظلال هذه المبادئ وفي حدود هذه الصلاحيات وضعت هذا البحث، حتى لا تؤدي الحلول الوضعية إلى إفساد الحياة الاجتماعية، والقضاء على النظم الأخلاقة القائمة في المجتمعات العربية الإسلامية، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله رب العالمين.
لما كان ذلك فإننا نتعرض ل مشكلة الطلاق .
مُشْكِلَةُ الطَّلاَقِ:
نادى البعض بإلغاء الطلاق ونادى آخرون بحظره على الرجل، وإسناده للمحكمة،
стр. 196
ونشأ حل وسط بتضمين عقد الزواج نصًا بالتأمين ضد الطلاق لدى إحدى شركات التأمين. وهذه الحلول مقتبسة من التشريعات الأجنبية التي ضل ضلالاً بعيدًا، وما زالت تلتمس الهداية ولا سبيل لها، لأن علاج النفوس بيد الخلاق العليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. وسنوجز أسباب بطلان هذه الحلول.
١ - إِلْغَاءُ الطَّلاَقِ:
إن القول بضرورة إلغاء الطلاق ارتداد إلى العصور الأولى للمسيحية التي قضت بعدم جواز الطلاق، بل وعدم السماح للقاضي بالتطليق، لأن ما جمعه الرب لا يفرقه العبد.
هذه النظم لم تستطع البقاء أمام المطالب الاجتماعية، فأباحت الكنيسة للقاضي التطليق في حالة زنا الزوجة، ثم توسعت في أسباب الطلاق حتى شملت زنا الزوج أيضًا، أو أصبح الزوج عِنِّينًا، أو حكم عليه بالحبس خمس سنوات، أو إصابته بجنون، أو اعتداء أي من الزوجين على حياة الآخر أو تعود إيذائه.
ورغم أن المذهب الكاثوليكي كان من أشد المذاهب المسيحية تمسكًا بالزواج المؤبد الذي لا ينحل ولو بسبب الزنا ... إلا أنه خر راكعًا أمام التطور الاجتماعي، ومن هنا نجد إيطاليا وهي معقل هذا المذهب تبيح الطلاق لعدة أسباب، منها الزنا وهجر أحد الزوجين منزل الزوجية أو اعتدائه على الآخر باللفظ أو الإشارة بمعاملته للآخر أو رفض الزوج إعداد سكن ملائم لزوجته (١).
وفي ديسمبر سنة ١٩٧٠ عقب تعديل القانون والتوسع في أسباب الطلاق بلغ عدد قضايا الطلاق في شهر واحد مليون قضية، أكثرها كان ينتظر هذا التعديل من عشر سنوات.
ولا يخفى على القوم أن بعض الولايات الأمريكية اليوم يبيح الطلاق لأتفه الأسباب، كإرسال الزوج للحيته أو تأخره في العودة إلى منزله مساءً.
ولسنا في حاجة بعد هذا إلى التدليل على فساد نظام العقد المؤبد، فقد أثبت التاريخ فشل هذا النظام وتمت إباحة الطلاق على الوضع المشار إليه.
أما الشرائع المسيحية التي لم تتوسع في أسباب التطليق فيلجأ أصحابها إلى تغيير
стр. 197
دينهم توصلاً إلى الطلاق، أو يهجرون منزل الزوجية، وهذا ما يسمى بالتفريق الجثماني المنصوص عليه في المادة - ١٧ من الإرادة الرسولية.
٢ - إِسْنَادُ الطَّلاَقِ لِلْمَحْكَمَةِ:
نادى القوم بجعل الطلاق بيد القاضي حفاظًا على الأسرة من الانهيار لتسرع الزوج في استعمال حقه في الطلاق، وهذا العمل يؤدي إلى إفشاء أسرار العائلات وتسطيرها في محاضر بعد أن كانت داخل إطار الأسرة، مما يؤذي الأولاد المرزوقين من هذا الزواج، كما أنه لن يأتي بالإصلاح المنشود، لأن القاضي لا يستطيع الحكم في الحالات التي يتعذر إثباتها بالشهود، وغير ذلك من الأمور الشخصية المتصلة بذات الزوجين، أو الحالات التي توجد فيها مواقع أدبية أو أخلاقية، بالإضافة إلى أن هذا العمل سيخلق مشاكل أكثر من الوضع القائم اليوم، فأمام شعور الرجال بالحجر عليهم ظلمًا وزورًا قد يؤدي هذا بعضهم إلى اختلاق الاتهامات لزوجاتهم تمكنًا من طلاقهن، عندها تصبح الحياة جحيمًا في نظرهم ونعيمًا في نظر القاضي.
ثم من ذا الذي يتحمل تبعة هذا العمل فيما لو تولى الرجل استعمال حقه المخول له بمقتضى الشريعة الإسلامية، وطلق ولم يعترف بالقيود الوضعية، ولا يحق للقاضي أو غيره إبقاء زوجته في عصمته.
هنا تصبح الزوجة أجنبية عنه في نظر الشريعة الإسلامية، بينما لا تعترف القوانين بذلك وتجبرها على البقاء في أسرة انحل رباطها.
هل تعاشر الزوجة رجلاً آخر ويفعل الرجل مثل ذلك؟
وهل هذه حياة كريمة في نظر القوم؟.
من دواعي الأسى والأسف أن تطالب النساء بمثل هذا التدخل السافر في شؤون الأسرة، ظنًا أن ذلك حماية لها وهي في الحقيقة وبال.
مَوْقِفُ الغَرْبِ مِنْ حَظْرِ الطَّلاَقِ:
إن حظر الطلاق وجعله بيد القاضي قد تعرض له المفكرون في دول الغرب وانتهوا إلى أنه ليس من مصلحة الفريقين، فالفيلسوف الإنجليزي المستر (بنتام) سجل ذلك في كتاب " أصول الشرائع " فقال: «إن القانون الكنسي يتدخل بين العاقدين (الزوجين)،
стр. 198
ليقول: فلتعلما أنكما تدخلان سجنًا يحكم غلق بابه ولن أسمح بخروجكما وإن تقاتلتما بسلاح العداوة والبغضاء».
ويقول الفيلسوف (سبنسر) في كتابه " علم الاجتماع ": «لو كان الموت هو المخلص من زواج هذا شأنه، لتنوعت صنوف القتل وتعددت مذاهبه».
ويقول الدكتور (نظمي لوقا) في كتابه " محمد الرسول والرسالة ": «الزواج الذي تستقيم به حياة الإنسان هو الذي يستحق الإبقاء عليه». ثم يقول: «إن التطبيق العملي أتلف ذلك، وصارت أمم الغرب المسيحية تجيز الطلاق في قوانينها بواسطة المحاكم، وذهب بعضها إلى التوسع في أسباب الطلاق وإجراءاته حتى كأنها أصبحت مهزلة شكلية».
٣ - التَّأْمِينُ ضِدَّ الطَّلاَقِ:
نادى بعض القوم بالتأمين ضد الطلاق لدى إحدى شركات التأمين، وهذا الأمر لا يتأتى في المجتمعات القائمة على الفضيلة، كما أنه غير قائم في غيرها، فمثل هذا العمل يزيد من إحجام الرجال عن الزواج، وييسر انتشار الرذائل والجرائم الاجتماعية، لأنه يحول دون اكتمال العلاقة الشريفة، كما ييسر السبل للعلاقة الغير المشروعة حيث لا قيود عليها ولا حرج ولا تثريب، بينما العلاقة الشرعية تحاط بأغلال كثيرة منه المغالاة في المهور، ثم غلاء المعيشة مما أدى إلى نتيجة محزنة وهي تزايد عدد السكان إلى الضعف، وتناقص حالات الزواج إلى النصف.
ووضح أن هذا الاقتراح قد هدم نفسه للسبب المشار إليه، ولأن شركات التأمين لا تقبل مثل هذه العقود، لأنه قد يتفق الطرفان على الطلاق للحصول على قيمة التعويض ثم يعلنا استئناف الحياة الروحية بعد المدة اللازمة.
لهذا لا مجال لبحث مدى شرعيته.
٤ - انْحِلاَلُ الأُسْرَةِ بِإِرَادَةِ المَرْأَةِ:
الشريعة الإسلامية وحدها هي التي جعلت الزواج ينحل بإرادة الزوج أصلاً، ولكن لا تضار الزوجة من ذلك، فإن كرهت الحياة مع زوجها لها أن تطلب الطلاق على أن ترد المهر. ففي " صحيح البخاري " أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا [أَعْتِبُ] عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلاَمِ - لاَ تُحِبُّهُ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» - الصَّدَاقَ - قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» - كان
стр. 199
صداقها حديقة -.
وقد يحلو للبعض - ممن يحسون إحساسًا عميقًا بالشعور بالنقص - أن ينادى بالمساوة التامة بين الرجل والمرأة، ومن ثم إعطائها حق الطلاق بإرادتها المنفردة من غير أن تلجأ إلى القضاء ودون أن ترد الصداق.
ولم نجد جهلاً أكثر من هذا، ذلك أنه لا مساواة إلا بين متكافئين، ولا تعادل بين الرجل والمرأة فهي أكثر منه عاطفة، ومن هنا اختصت هي بالنسل والرضاعة ولم يختص الرجل بذلك، كما أن عليه وحده النفقة والصداق.
ولا تستطيع أي قوة في عالم الجنسين أن تغير من هذه الطبيعة والخلقة، فقد أودع اللهُ في الرجل خصالاً وطبائع تخالف طبائع المرأة وغرائزها، وجعل لكل منهما وظيفته في المجتمع، ومن ثم جعل قيادة الأسرة بيد الرجل، وجعل له حق فصم هذا الرباط بعد إجراءات هي قيود على هذا الحق، كما هو مبين فيما بعد.
وإعطاء الزوجة حق الطلاق ييسر هدم بيت الزوجية لأقل الأسباب، كما أنه يرتب على الزوج تبعات مالية لا تجوز إلا بموافقته، وحتى لو فوض زوجته في ذلك فهذا تفويض باطل في نظرنا، لأن مبدأ القوامة للرجل من النظام العام في الشريعة الإسلامية ولا يجوز الاتفاق على مخالفته لصريح ألفاظ القرآن الكريم، ولا اجتهاد مع النص - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
وعدم صلاحية إسناد العصمة للمرأة لا ضرر فيه عليها لأن الإسلام كفل لها حق الطلاق عند الضرر كما أوضحناه (" الوعي الإسلامي ": العدد ١٥٩/ ١٣٩٨ هـ).
الطَّلاَقُ وَمَسْؤُولِيَّةِ القُضَاةِ:
كتب فيصل السعد:
«ترددت كثيرًا في مواجهة الأستاذ (سالم البهنساوي) لأنني أعتقد أنه نشر كل ما عنده عن قانون الأحوال الشخصية، إذ نشرت له الصحف عشر مقالات في هذا الموضوع، كما ساهم في بعض برامج التلفزيون شارحًا وجهة نظره، وأجرت بعض المجلات الأسبوعية مقابلات صحفية معه في هذا الشأن، ولكني مع هذا توجهت إليه لا لأنه مارس المحاماة منذ ما يقرب من عشرين عامًا، ولا لأنه خبير اجتماعي أو كان مديرًا
стр. 200
للتأمينات الاجتماعية في محافظات الشرقية والمنوفية والمنصورة ودمياط بجمهورية مصر العربية، وأخيرًا لم أواجهه بصفته المستشار القانوني لإدراة الأيتام ولديه العديد من المشكلات والحلول.
بل واجهته لأنه عارض تقييد الطلاق بالندوة التي ناقشت مشروع قانون الأحوال الشخصية، ورفض أن يكون الطلاق بيد القاضي، ومع هذا اختير عضوًا بلجنة الصياغة.
توجهت إليه بهذه الأسئلة:
س: لقد عارضت جعل الطلاق بيد القاضي وعارضت تقييد الطلاق، فهل غيرت رأيك بعد أن شرعت سيدة في الانتحار إذا لم تطلق؟».
ج: ليس صحيحًا أنني عارضت قيود الطلاق بل عارضت أن توضع أسباب محددة لا يتم الطلاق إلا بمقتضاها، وعارضت أن يكون الطلاق بيد القاضي وحده لأسباب كثيرة أوضحناها في مقالات عديدة، ولكني أوجزها بما لا يعد تكرارًا. فالحياة الزوجية إذا أصبحت جحيمًا فلا يجوز إجبار الزوجين على حياة العداوة والبغضاء. وبالتالي فوضع أسباب محددة، لا يتم الطلاق إلا من خلالها، من شأنه أن يحرض أحد الزوجين أو كلاهما على اختلاق أحد هذه الأسباب إذا أراد الطلاق، كما يفعل الأوروبيون حاليًا، فالطريقة السهلة للحصول على الطلاق عندهم، هو أن يصطحب الزوج امرأة شابة إلى الفندق، ثم تطلب الزوجة الشرطة في وقت متفق عليه، بحيث يمكن ضبط الزوج متلبسًا بحالة معينة يمكن وصفها بأنها خيانة زوجية.
وإذا لم تقبل أخلاق الزوجة أو الزوج لمثل هذه الوسائل للحصول على الطلاق، فالنتيجة أن يظلا يقتتلان بسلاح العداوة والبغضاء إلى أن يموت أحدهما أو تتغير الظروف أو يقتل أحدهما الآخر.
وسبب رئيسي آخر يخص المرأة التي تظن أن جعل الطلاق بيد القاضي من مصلحتها، هذا السبب هو أنه إذا رفض القاضي الطلاق، أو طلق الزوج عن غير طريق المحكمة فالزوجة هي المضارة، لأن الزوج يستطيع أن يهجر البيت ويستعيض عنها بأخرى في صورة زواج لمن التزم بالأخلاق، أو يستعيض عنها بأخريات في صورة خليلات لمن كانت الأخلاق عنده غير ثابتة ونسبية.
أما الزوجة، فتظل هي المجني عليها، فإما أن تصبر على هذا الظلم، أو أن تحاول
стр. 201
الحصول على الطلاق ولو بالتهديد بالانتحار لمن استطاعت ذلك.
ولهذا أو لغيره جعل الله الطلاق حَقًّا لكل من الزوج والزوجة، وليس صحيحًا أن الإسلام يمنع الزوجة من حق الطلاق إلا لأسباب على سبيل الحصر، بل الصحيح أن النبي ﷺ حكم في عدة قضايا بما يعطي الزوجة الحق في فسخ الزواج لغير ما سبب ظاهر، ومن هذا قضية ثابت بن قيس إذ رفعت زوجته أمرها إلى النبي وأفصحت عن عدم حبها له إذ قالت: «مَا [أَعْتِبُ] عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلاَمِ».أي لا تحب الزوج ولا تريد أن تكون منافقة وهي مسلمة، أو أن تخل بحقوق الزوجية وهي مسلمة فلم يسألها النبي عن السبب، بل استشارها هل تستطيع أن ترد الصداق لأنها الكارهة فقالت: نعم. فأمر النبي الزوج أن يقبل الصداق ويطلقها والمذهب الذي لا يأخذ بذلك يرد حكمه فلا اجتهاد مع النص.
س: لكن الزوج حاليًا يسيء استخدام الطلاق فلماذا ترفض القيود على حق الزوج في الطلاق؟
ج: إنني لم أرفض البحث عن علاج مشروع لمسألة سوء استخدام حق الطلاق، بل عارضت فقط أن يكون القيد أو العلاج هو جعل الطلاق بيد القاضي للسبب السابق ذكره.
أما قيود الطلاق أو علاج سوء استخدام الرجل لهذا الحق، فقد أورده النبي ﷺ من ذلك:
١ - أنه منع الطلاق عند شدة الغضب.
٢ - ومنع الطلاق خلال مدة الحيض.
٣ - ومنع الطلاق خلال مدة الطهر المصحوب باتصال.
٤ - ومنع الطلاق في حالة التأثر بالمسكرات.
ففي هذه الحالات الغالب أن الطلاق جاء وليد ظروف طارئة ولهذا منعه الإسلام، فإذا أصر الزوج على الطلاق وانتظر حتى زالت الأسباب التي منعها الشرع من الطلاق عند وجودها، فلا جدوى من إكراهه على الحياة الزوجية التي أصيبت بالشلل، بل يضع له الإسلام علاجًا آخر من ذلك:
١ - أمر بإقامة المطلقة في بيت الزوجية خلال مدة العدة ليفتح الباب لإلغاء أثر
стр. 202
الطلاق.
٢ - جعل المطلقة في حكم الزوجة خلال فترة العدة وأباح معاملتها كزوجة ليسهل إلغاء أثر الطلاق بأي قول أو فعل من أحد الزوجين.
٣ - جعل للمطلقة تعويضًا ورد ذلك في قول الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١). وهذا في الحالات التي يكون فيها الطلاق من جهة الزوج. وبهذا وغيره يفتح الباب لإلغاء أثر الطلاق. وإذا لم تستقم الحياة الزوجية، وأصر أحد الزوجين على الفراق، فالمجتمع الإسلامي يكفل المطلقة بل ويضمن لها حياة كريمة. أما إذا لم يراع الزوج هذه القيود وأساء استخدام الطلاق، فالإسلام يخول الحاكم حق وضع عقوبات مالية وبدنية في مثل هذه الحالات.
س: فلماذا إذن لم يطبق القضاة هذه المبادئ السامية ولماذا لجأت هذه السيدة إلى الانتحار وما علاج سوء التطبيق؟
ج: أرجو أن يوجه هذا السؤال إلى القضاة وبعدها أستبيح لنفسي أن أناقشهم وألقي المسؤولية على من التزم بحرفية بعض الأقوال أو النصوص التي للفهم فيها مجال.
وأرجو أن يوجه هذا السؤال إلى كل مختص ومسؤول بأجهزة الإعلام المختلفة، إذ من الواجب أن تعالج هذه الأجهزة المشاكل الاجتماعية علاجًا لا يقتصر على الموعظة العنكبوتية، بل يمتد إلى السينما والمسرح والمدرسة ويدخل البيت من خلال ما يعرض ويذاع، وأرجو أن يوجه السؤال إلى المتصديات لقضية المرأة، إذ يجب أن تحدد المفاهيم أولاً، قبل أن نقلد الغرب أو الشرق، رغم أن الواضح أن النشاط النسائي بالكويت لم يساير غيره في الدول العربية من حيث الطعن السافر على قوانين الأحوال الشخصية. أما مسألة علاج سوء التطبيق فالتربية والتوجيه العام هما الوقاية، ولا يمنع هذا من وضع عقوبات مختلفة لعلاج الحالات الشاذة، أما موقف هذه المرأة فهي تتبع مذهبًا آخر!.
س: لماذا أباح الله للزوج ضرب زوجته إذن؟
ج: لقد فهم البعض هذه المسألة على غير طبيعتها في الإسلام فقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (٢).
стр. 203
جعل الضرب العلاج الأخير لحالة خاصة هي النشوز عند فئة خاصة من النساء، وهن من كانت هذه هي طباعهن وفي هذا يقول النبي: «أَيَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ كَمَا يَضْرِبُ العَبْدَ؟».
وقد نهى النبي عن عادة ضرب النساء التي كانت في الجاهلية. واشتكى الرجال من أن الزوجات قد تمردن في النشوز أي في الاستعلاء، وطلبوا أن يسمح لهم بالضرب كعلاج قال: «لَنْ يُضْرَبَ خِيَارُكُمْ». وأخيرًا كان آخر العهد هو دستور حجة الوداع إذ قال النبي: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ».
ففي الدستور قد أوضح الحالات التي يباح فيها الضرب، وهي التلبس بالفاحشة، أو إدخال الزوجة للغير في بيت الزوجية رغم كراهية الزوج لذلك، ولا شك أن الضرب في مثل هذه الحالات أشرف للزوجة من تطليقها بهذه الأسباب، ومع هذا فإن الضرب ليس مندوبًا إليه بل هو علاج من بين وسائل أخرى للعلاج (١).
تَحْدِيدُ مَوْقِفِ العِلْمَانِيِّينَ وَالقَوْمِيِّينَ وَالإِسْلاَمِيِّينَ:
وإذ أشكر الأستاذ الدكتور / عصمت سيف الدولة على الموضوعية والدقة العلمية التي كانت سمات دراسته التي نشرت في " الوطن " عن العروبة والإسلام أود أن يقبل عتابًا لائقًا بمكانته ودراسته القيمة، وأود أن يتعمق دعاة القومية العلمانية وكذا دعاة الإسلام في فهم هذه الدراسة فقد أظهرت ما يأتي:
أولاً: أن كل من يؤمن بفكرة أو عقيدة فهو كافر بما يخالفها، وما يصدق على النظم غير الإسلامية يصدق على الإسلام، فيكفي لقيام النظام الإسلامي أن تقبله الأغلبية وأن عدم قبول الأقلية لهذا النظام يلزمها برأي الأغلبية حتى يقتنع الناس برأي الأقلية إذ يبقى عليهم إقناع الناس برأيهم للحصول على أغلبية بما يرونه. وأنه لا توجد صعوبة في معرفة متى يكون النظام إسلاميًا، وقد يسيئ البعض فهم الإسلام فيعتبر أن رأيه أو مذهبه هو الشريعة الإسلامية، ويكاد أن يفرضه بالقوة، مع أن كل الآراء أو المذاهب التي يشملها تعبير
стр. 204
الشريعة الإسلامية بذاتها فليس أصحابها رسلاً بعد الرسول، أي أنها إسلامية بمقدار ما تستند إلى القرآن والسنة النبوية، وبالتالي فما يعبر عليه البعض من تكفير الرأي المخالف إنما يجعلون أنفسهم أحبارًا، والقاعدة أنه لا إنكار في الأمور الخلافية.
ثانيًا: كشف عن أن نظام فصل الدين عن الدولة - أي العلمانية - ليست نزعة خارج الإنجيل أو موقفًا منكرًا له بل هي ركن من أركان الديانة في أوروبا، ولا كذلك في الإسلام، وسجل انحراف من يقول بخلاف ذلك، فمن الغريب أنهم ما قالوا مقولتهم عن جهل بل عن عمد وتبعية. كما أوضح أن مبدأ الفصل بين الدين والدولة أساسه تحريم تدخل الدولة في شؤون الدين، لكن لما قويت شوكة الدولة في القرن العشرين طبقت المبدأ على الوجه الذي يتفق مع موازين القوة الجديدة، فحرمت على الكنيسة أن تتدخل في شؤون الدولة. (مقال ٢٥/ ١٢ / ١٩٨٥).
ثالثًا: أوضح أن العلمانية في مجتمع من المسلمين، هي أن نستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام شرائع وقواعد وآداب وضعية. (١١/ ١ / ١٩٨٦). وأن الاحتلال الأجنبي ارتهن مصر أرضًا وأذلها شعبًا، وهم يبذرون فيها بذور العلمانية ويستنبتون من أبنائها علمانيين، لأن من المحال مخادعة كل الناس كل الوقت فكان لا بد لكي يقبل الناس نظامهم، من إقناعهم بأن الإسلام دين للهِ وليس نظام للحياة في الوطن، وذلك عن طريق دعوة فكرية (العلمانية) يقوم بها دعاة من العرب المسلمين.
رابعًا: أوضح أن العلمانية التي جعلت مصدر مشروعية أي نظام، هو قبول أغلبية الناس له، وفدت إلينا فاستبدت بنا شعبًا وأرضًا، وفرضت علينا نظامها فرضًا، وخلقت الازدواج في السلطة فنقضت مبادئها، لأنها ليست مع الدين أو ضده بل هي بداية نظام فردي ربوي (٦/ ١ / ١٩٨٦). وضرب أمثلة لنتائج العلمانية بقانون (نابليون) الذي ساد المنطقة العربية، وتغنى به العلمانيون ورجال القانون الذين تربوا على أساس من هذه العلمانية، وأوضح أن هذا القانون يتعارض مع الإسلام في أمور منها:
١ - إن القانون يعرف الحق في حالة السكون كالحق في الحرية وفي المساواة، أي دون أن يتوفر لصاحبها مضمون هذا الحق، والإسلام يعرف الحق في حالة الحركة كمضمون عيني يمارسه صاحبه فعلاً فيضع يده عليه ويتبعه.
٢ - القانون يطلق ملكية الأرض بغير حدود، والإسلام يضع قيودًا لصالح المجتمع.
٣ - والقانون يطلق حرية استعمال الحقوق بغير قيود حتى لو أتلف الشيء وحرم المجتمع
стр. 205
منه، والإسلام يجعل استعمال الحق محدودًا بمصالح المجتمع.
٤ - القانون سالف الذكر يجعل تعويض الضرر منوطًا بالفاعل المباشر، والإسلام يجعل هذا التعويض للفاعل المباشر والفاعل غير المباشر أي المتسبب في الضرر.
٥ - القانون لا يحمي المغفلين والنظام الإسلامي يحمي ذي الغفلة والمغبون أو ضحية الغش والتدليس.
٦ - القانون لا يحرم الربا والزنا، والإسلام يحرم ذلك تحريمًا قطعيًا كما حرمته كل الأديان.
فهل آن الأوان لأتباع العلمانية، من العرب أَسَرُّوا أَوْ جَهَرُوا بالتبعية للشرق أو الغرب أن يكفوا عن خداع الشباب بهذه الفلسفات الخاطئة الكاذبة، والتي تزعم أن الحكم الإسلامي يردنا إلى نظام الحكومة الإلهية في أوروبا، وهو ما كان يردده الدكتور وحيد رأفت والدكتور خلف الله وتلاميذهما هنا وهناك.
خامسًا: أوضح أن الإسلام لا يتفق مع العلمانية في أكثر من وجه، ولهذا فإنه طالما أن أغلب الشعب العربي مسلمون فسبيل خديعتهم بالعلمانية هو الإبقاء على الإسلام كدين للهِ واستبعاده كنظام للحياة، لتخلو الحياة العربية لنظام علماني لا يتفق مع الإسلام نظامًا، وهذا هو النفاق طبقًا لمعايير الصدق والكذب في مخاطبة شعب عربي مسلم.
سادسًا: كشف أن وحدة الانتماء إلى الإسلام لا تلغي الانتماء القومي، وأن تعدد الانتماء القومي لا يناقض وحدة الانتماء إلى الدين الإسلامي.
وأوضح أن الحضارة العربية حضارة إسلامية، حسبما يكشفه الواقع من الحياة العامة للعرب مسلمين وغير مسلمين فمعيار الحكم على الأشياء عند الجميع يتم بمقياس الإسلام كتحريم الكذب والغش والظلم والفواحش .. وأكد أنه لا شك أن الشعب العربي إذا تحققت وحدته شعبًا ووطنًا ليقيم دولته فلن يقبل إلا الإسلام، لأن الأمة العربية هي أمة الإسلام، والحضارة العربية هي حضارة الإسلام وبهذا المنطق فإن الدكتور سيف الدولة قد كشف النقاب عن عمالة وتبعية المثقفين العرب الذين يستترون بالعلم و (مركز دراسات الوحدة العربية)، فزعموا أن من مقومات القومية العربية التمسك بالعلمانية لأنها تمنح العرب حرية وانطلاقًا لتحقيق الصالح العام، وهذه مقولة الدكتور محمد خلف الله، في كتاب " الإسلام والقومية العربية ": ص ٥٥. وفي نفس المرجع نسب إلى الدكتور محمد عمارة أن المصلحة هي المعيار، وهي تقوم على النص ولو كان قرآنًا قطعي الثبوت وقطعي الدلالة: ص ٥٥٤، وذلك على الرغم من أنه في موضع آخر يقول: أراد أحد آباء الكنيسة القبطية وضع قانون مدني،
стр. 206
فوضع كتابًا سماه " المجموع الصفوي " نقله عن فقه الشافعي، وهو يطبق حاليًا في أثيوبيا، وهذا يعني أن الفقه الإسلامي هو التراث القانوني للأمة العربية على اختلاف الديانات: ص ٥٥٤ (١).
عِتَابٌ أَخَوِيٌّ فِيمَا لاَ يَقْبَلُ الخِلاَفَ وَبِدْعَةُ تَعْطِيلِ سُنَّةِ الآحَادِ:
إنه على الرغم من الدقة العلمية والتعمق في البحث اللذين اتصفت بهما الدراسة التي نشرت للأستاذ الدكتور عصمت سيف الدولة عن العروبة والإسلام وهو ما أشرت إليه من قبل داعيًا القوميين والعلمانيين العرب وكذا الدعاة من المسلمين إلى الاهتمام بهذه الدراسة.
على الرغم من ذلك فإنه قد اكتنف بعض عباراتها غموض وإبهام يحتاج إلى بيان يزيل هذه الشبهات التي لا يقبلها الكاتب بحال من الأحوال، لأنها تؤدي إلى استبعاد السنة النبوية وهذا لا يقبله أي مسلم كما توجد عبارات أخرى تقبل الخلاف والأخذ والرد مثل:
أ - نفي أن تكون دولة الخلافة في عصر الخلفاء الراشدين دولة إسلامية وقال: إنها تحمل خصائض النظم الإمبراطورية المعاصرة لها وهي عدم ثبات حدود الأرض والخليط من الشعوب والقتال المستمر والقيادة المركزية الموحدة.
وكان لزامًا عليه أن يذكر ما انفردت به دولة الخلافة في هذا الشأن، من ذلك أنها لا تعيش على أشلاء الشعوب الأخرى المغلوبة كما هي سمات النظم الإمبراطورية، كما لا تستولي على موارد هذه الشعوب وترفض إقامة معسكرات داخل عواصم هذه الشعوب لتختار ما ترغب من الديانات، كما أن دولة الخلافة تتميز أنها ما قاتلت من أجل الغنائم، إنما قاتلت من أجل المستضعفين، وهو ما عبر عنه ربعي بن عامر في مواجهة رستم قائد الفرس حيث أعلنه برسالة المسلمين في كلمات هي: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلاَمِ».
ب - التمس عذرًا للعرب الذين قاموا ضد الخلافة العثمانية، لأنه في نظره حيث بدأ الأتراك الهجوم على القومية العربية بدأ العرب الدفاع، ومع هذا فإن العرب في مؤتمر باريس لم يطالبوا بالاستقلال عن تركيا: (مقال ١٤/ ١٢ / ١٩٨٥). ونرى أن اتجاه " جمعية الاتحاد والترقي " إلى إحياء القومية التركية، دفع زعماء العرب بالتحالف مع بريطانيا لحرب الخلافة
стр. 207
العثمانية نظير وعد من (بلفور) للعرب باستقلال بلادهم عن تركيا، سواءً علم زعماء العرب بوعد بريطانيا لليهود أم جهلوه والسبيل الوحيد أو رد الفعل هو العمل على إعادة النظام الإسلامي للحكم فهو الضمان الوحيد لعلاج هذه المعضلات.
فالدعوة إلى تنازع القوميات من عربية وطورانية وفرعونية وفينيقية وبربرية ليس علاجًا، والواقع قد أثبت ذلك فضعفت دولة الخلافة بظهور التنازع سالف الذكر واقتسمتها بريطانيا وفرنسا والأولى أن نبحث عن الحل الإسلامي لهذه الظاهرة.
• مَا لَا يَقْبَلُ الخِلاَفَ: (*)
أما العبارات التي لو فهمت على ظاهرها لكانت مرفوضة من المسلمين لأنها أمر لا يقبل الخلاف وهو حجية السنة، فهي قوله:
١ - «إن شهادة أن لا إله إلا الله تعني على سبيل القطع أنه ليس مقدسًا إلا كلام الله وليس ملزمًا للمسلمين كافة إلا أوامره ونواهيه، كل ما عدا ذلك ليس مقدسًا وغير ملزم للمسلمين إلا إذا حولوه إلى نظام ارتضوه فالتزموه» (١٨/ ١٢ / ١٩٨٥).
فهذه العبارات ظاهرها يؤدي إلى القول أن السنة غير ملزمة فهي على سبيل القطع ليست كلام الله، ولكن الله أمرنا أن نلتزم بما جاء فيها من أمر أو نهي ولا يجادل في ذلك أي مسلم، فهي وحي من الله ولكن الكلام والألفاظ من النبي.
٢ - «كل قاعدة تستند إلى حديث غير متواتر أو تجيء عن طريق تأويل حديث متواتر هي قاعدة وضعية وليست بيانًا فهي ليست من قواعد النظام العام الإسلامي».
فهذه العبارات تؤدي إلى القول أن سنة الآحاد وضعية غير ملزمة، وهذا ما لا يقبله مسلم، فلا يجادل في قوة إلزام سنة الآحاد إلا من يجادل في قوة إلزام السنة كلها، وهذا لا يعد من المسلمين.
٣ - «كل قاعدة جاءت بها آيات القرآن المحكمة - أي القطعية الدلالة - أو حديث متواتر قطعي الدلالة، هي قاعدة ملزمة ولا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها».
وكل ما عدا هذا مما يقال أنه من مصادر الشريعة الإسلامية هو من عند البشر، فهو موضوع وكل ما جاء من القواعد بناءً عليه جاء بها البشر فهي موضوعة، والاستنباط موضوع، والقياس موضوع، والاستحسان موضوع، والاستصحاب موضوع والإجماع موضوع.
стр. 208
فهذه العبارات بهذا العموم تفيد:
أ - أن السنة النبوية لا تلزم المسلم إلا إذا كانت متواترة وقطعية الدلالة مَعًا.
ب - أن الأحكام المستمدة من آيات قرآنية غير محكمة، أحكام وضعية، أي من عند البشر، ولا تلزم المسلم.
ويرى أن المسلم لا يلتزم بما كان مصدره سنة الآحاد أو الآيات القرآنية ظنية الدلالة إلا إذا قبل ذلك وفي حدود ما يقبله.
وهذا يؤدي إلى عدم الالتزام بما كان مصدره سنة الآحاد مثل:
١ - المحرمات من الرضاع والنسب:
فالقرآن الكريم نص على المحرمات بسبب الرضاع في قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١). والحديث النبوي فصل ذلك فقال النبي ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» فزاد بذلك محرمات أخريات مثل: أم زوج المرضعة، وبنات أبناء المرضعة، وبنات بناتها، والقرآن الكريم حَرَّمَ الجمع بين الأختين في قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢).
والسنة النبوية أخذت في تفصيل هذا التحريم، روى " البخاري " و" مسلم ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، ولو أخذنا بعموم هذه الأقوال للمفكر لكانت هذه المحرمات مرهونة بقبول المسلم، لا لأنها في نظره من وضع الفقهاء الذين قالوا بها.
٢ - العبادات:
وبهذه القاعدة البشرية فأحكام الطهارة والنجاسات والصلاة والصوم والزكاة والحج مما كان مصدره أحاديث آحاد كل ذلك وهو الكثرة الغالبة من الأحكام يصبح من صنع البشر ولا يلزم المسلم إلا إذا قبله، لأنها ليست قطعية الثبوت عنده.
٣ - المعاملات:
وبهذه القاعدة البشرية تكون أحكام المعاملات من بيع وشراء وإجارة وأحكام الزواج والطلاق وَالمُحَرَّمُ من الطعام والشراب يصبح كل ذلك من وضع البشر لو كان مصدره سنة الآحاد.
стр. 209
٤ - الحدود والعقوبات:
وبهذه القاعدة البشرية يكون الرجم حكمًا بشريًا، وكذا تحديد مكان قطع اليد في السرقة، وشروط المال المسروق وصفات السارق، كما تكون حكمًا بشريًا سائر العقوبات التي كان مصدر حكمها سنة الآحاد.
• حُكْمُ القُرْآنِ الكَرِيمِ:
إن الله تعالى قد أمرنا بطاعة ما أمر به النبي ﷺ أو نهى عنه، ولم يخص السنة المتواترة بهذا الإلزام وذلك لعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقد جعل الله طاعة الرسول في ذلك طاعة لله فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
ومهما كانت أقوال الفقهاء في تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، فإن ذلك لا يؤثر على لزوم العمل، فالفقهاء مجمعون على أنه إذا صح الحديث ولم يصح ما ينسخه بالفرض على المسلمين الأخذ به، وأن سنة الآحاد يقينية في مجملها.
• المُحْكَمُ وَغَيْرُهُ فِي القُرْآنِ:
لقد جعل الإلزام بالأحكام الشرعية قاصرًا على آيات القرآن الكريم المحكمة والأحاديث المتواترة إذا كانت هي الأخرى قطعية الدلالة، وقطع أن ما عدا هذا مما يقال أنه من مصادر الشريعة الإسلامية هو من عند البشر.
وهذا المبحث من المباحث اللغوية فمن الألفاظ ما هو واضح في دلالته على المراد منه، مثل ألفاظ الأعداد فلا تحتمل إلا دلالة واحدة. فإذا كان النص لا يحتمل التأويل ولا يقبل حكمه النسخ سمي بالمحكم.
أما إذا كان يحتمل التأويل مثل لفظ «القَرْءِ»، حيث يطلق على الطهر والحيض، ولفظ العين حيث يطلق على أداة الإبصار والتبر والجاسوس.
فمثل هذا اللفظ لا يدل على المراد منه بنفس الكلمة بل يفهم من دلالة خارجة.
إن هذ النص يدل على أكثر من معنى ولكن هذا لا يعني أن الحكم المستفاد منه قول بشري غير ملزم، حيث توجد قواعد لذلك نعرفها جميعًا ومنها:
١ - أن الأصل في النص الظاهر أنه يدل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على
стр. 210
أمر خارجي، ولكن المراد منه ليس هو المقصود من السياق، ومن ثم يحتمل التأويل من هذا الوجه كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ...﴾ (١).
فالظاهر هو إباحة زواج ما حل من النساء، ولكن هذا المعنى غير مقصود أصالة [من] سياق الآية ولكن المقصود أصالة هو الزواج بواحدة وإباحة تعدد الزوجات إلى أربع عند القدرة وتحقيق العدالة.
٢ - وقد يدل اللفظ على ما سيق له مما يزيده وضوحًا على الظاهر، مثل قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فالنص في اللغة هو توضيح الشيء وتبيينه، لهذا إذا تعارض الظاهر مع النص يقدم النص ويرجح على الظاهر، ومن ثم يرجح الخاص على العام عند التعارض، لأن الخاص هو المقصود أصالة بالحكم.
٣ - وقد يكون اللفظ مفسرًا وهو ما دل بنفسه على معناه المفصل بحيث لا يبقى معه احتمال، كقول الله في عقوبة القذف: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢)، لهذا إذا تعارض النص مع المفسر يرجح المفسر.
٤ - ويكون اللفظ خفيًا أي تدل صفته على المراد منه بوضوح، ولكن في تطبيقه يوجد خفاء في بعض أفراده ويزول هذا الخفاء عن طريق المباحث اللغوية والقرائن، مثل لفظ «السَّارِقِ» فهو واضح الدلالة ولكن يعرض الخفاء لبعض من يشملهم هذا اللفظ مثل النشال الذي يسرق الجيوب خفية والنباش الذي يسق الكفن من القبر.
فتوصل العلماء بدخول النشال في عداد السارقين في حكم القرآن الكريم، لأن اسمه دل على نوع خاص من السرقة ولا يمنع فهو يسرق في غفلة من الأعين الساهرة، والآخر يسرق في غفلة من الأعين النائمة، أما النباش فلا يدخل في حد السرقة، لأنه يسرق ما ليس له صاحب.
٥ - والمجمل: لفظ لا يدل بصيغته على المراد منه ولا توجد قرائن تبينه، والسنة النبوية جاءت لتبين ذلك فلا يقال: إن الحكم المستخلص من هذا اللفظ من وضع البشر. فقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣)، لفظ الصدقة فيه مجمل، ولكن دلت القرائن على أنه قد أريد به زكاة المال حسبما فصلتها السنة النبوية، فوجد العمل بذلك، ولا يقال إن هذا التفصيل حكم بشري غير ملزم. وكذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 211
آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١).
الإجمال هنا في لفظ «أَخْرَجْنَا» فلم يبين المقدار، وجاءت السنة النبوية وفصلت ذلك في أقوال النبي ﷺ : «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ [بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ]» (فيما سقي بدلو أو راشية نصف العشر) (*)، كما فصل الزكاة ومقاديرها وكل هذا بوحي من الله.
٦ - أما اللفظ المشترك مثل «القَرْءِ» و «عَيْنٍ» لا يقال أنه يشمل جميع المعاني، فتشمل العين حاسة الرؤية وعين الماء وعين الركبة وعين الجاسوس وعين الشمس بل يصبح هذا اللفظ المشترك موقوفًا على بيان المعنى المقصود بالقرائن أو سياق الكلام.
• بَيْنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ:
إن آيات القرآن تشتمل على ألفاظ تحتاج إلى بيان، وإن بيانها يجيء في السنة وأكثرها آحاد، وكل ما ثبت من الأحكام عن طريق السنة النبوية المتواتر منها، والآحاد هو وحي من الله ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقال إن سنة الآحاد غير ثابتة، وبالتالي فالحكم المأخوذ منها وضع بشري، أو أن يقال إن قطعي الدلالة من المتواتر هو الملزم وما عداه غير ملزم، فلا يقبل من أحد أن يقول بوجوب الصلاة على الحائض، بدعوى أن رفع هذا التكليف جاء عن طريق السنة النبوية، التي أمرت الحائض بقضاء الصوم ولم تأمرها بقضاء الصلاة.
فقد جعل النبي ﷺ خبر الآحاد حجة في أمور الدين فأرسل آحادًا يبلغون أحكام الإسلام إلى الآخرين (٢) (**).
فالصحابة: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري، قد أرسلهم النبي ﷺ كُلاًّ منهم منفردًا إلى إقليم من أقاليم اليمن، لينقل إلى المسلمين أمور الدين وأحكامه، كما أرسل عَلِيًّا وحده إلى المسلمين في موسم الحج ليبلغهم الأحكام الواردة في سورة براءة وفيها ما يتعلق بالكفر والإيمان، كما أرسل آحادًا غير هؤلاء إلى قومهم لتبليغ أحكام الإسلام.
فلو كان خبر الواحد الثقة العدل لا يصلح في هذا ولا يعد ثابتًا أو يقينيًا ما فعل ذلك رسول الله ﷺ ولنزل القرآن الكريم بذلك كما نزل في أمور أخرى منها عدم الاعتداد بأقل من أربعة شهود لإثبات جريمة الفاحشة.
стр. 212
ولهذا قال الإمام الشافعي: «اِجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَديثًا عَلَى تَثْبِيتِ خَبَرَ الوَاحِدِ وَالاِنْتِهاءِ إِلَيْهِ» (١).
والألفاظ المجملة في القرآن والسنة المتواترة تفصلها سنة الآحاد ولا يمكن أن يقال إنها ليست وحيًا من الله تعالى، فقد حدد النبي ﷺ موضع قطع يد السارق، قطع اليد من الرسغين ولم يقطعهما من الكتف أو مفصل الذراع، فلا يجوز لأحد أن ينسب هذا إلى وضع البشر، ومن هنا قال الفقهاء: إن هذا حكم بالقرآن، وكذلك الحال في الصلوات الخمس والصيام وسائر الأحكام التفصيلية كلها دل عليها القرآن الكريم (٢). قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣).
• الإِجْمَاعُ وَالمَصَادِرُ المُخْتَلَفُ فِيهَا:
لقد ذكر الدكتور عصمت سيف الدولة أن الإجماع والقياس والاستحسان وكل ما جاءت بها من القواعد هي حكم بشري ينسب إلى من اجتهد فوضعه، وهذه المسألة كانت تحتاج إلى تفصيل وإلى تفرقة بين أنواع منها:
١ - إذا أجمع صحابة رسول الله ﷺ على حكم شرعي ورد أصله في القرآن مجملاً، وفي هذا قال الفقهاء: «كُلُّ مَا وُجِدَ فِي القُرْآنِ مِنْ حُكْمٍ مَنُوطٍ بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ وَرَدَتْ (السُّنَّةُ بِهِ) (فَالوَاجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ) مَأْخُوذٌ مِنْ القُرْآنِ وَأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاسْمِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] لَمَّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الجِمَاعَ وَاللَّمْسَ بِاليَدِ ثُمَّ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ الجُنُبَ بِالتَّيَمُّمِ» فَالوَاجِبُ أَنْ يَقْضِيَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ (٤)».
هذا والأمر بالتيمم للجنب. رواه النسائي في كتاب الطهارة - باب ٩٢: ١/ ١٧٠؛ و" عون المعبود " (**)، كتاب الطهارة، باب ١٢٣، ١/ ٥٢٨. ويدل أيضًا أن المراد باللمس الجماع وليس اللمس باليد، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ». فالإجماع هنا ليس اجتهادًا بشريًا.
стр. 213
٢ - وقد أورد الجصاص أمثلة أخرى عن الأخذ بالإجماع على حكم ورد بالقرآن غير معين المراد منه، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (١). فقال: «اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ القَوَدَ حُكْمٌ لِبَعْضِ المَقْتُولِينَ ظُلْمًا فَالوَاجِبُ بِأَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ القَوَدَ مُرَادٌ بِالْآيَةِ».
ويسمى قودًا لأن الجاني يقاد إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه أو تصالحوا على شيء أو عفوا عنه.
٣ - كذلك قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). حدد مراد الله فيه قول النبي ﷺ : «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» (٣).
والحكم أن ما سقي من غير جهد من الإنسان فزكاته هي العشر، وغيره الزكاة فيه هي نصف العشر والإجماع على ذلك.
هذا والقول بإجماع الصحابة على تخصيص الآيات القرآنية لا يراد به أن إجماعهم في ذاته هو الحجة ولو خالف القرآن، فالدليل المخصص هو سند الإجماع حسبما ورد في الأمثلة السابقة.
• القِيَاسُ وَالاِجْتِهَادُ البَشَرِيُّ:
ليس كل حكم مصدره القياس هو من اجتهاد البشر ووضعهم بالتالي يكون غير مفروض، فتوجد أحكام من هذا النوع التي يكون مصدرها المصالح المرسلة وتسمى المناسب المرسل، لأن علة الحكم فيها لم يرتب الشارع حكمًا بموجبها بل هي مرسلة لا يوجد دليل باعتبارها أو بإلغائها، مثل وضع الخراج على الأراضي الزراعية.
ولكن الأحكام التي يكون مصدرها القياس الجلي وهو الذي يدل فيه النص على علته فلا تحتاج إلى اجتهاد بشري مثل تحريم الخمر الوارد في القرآن الكريم، فإن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٤). بهذا يأخذ حكم الخمر وهو التحريم لكل مسكر من السائل أو الجامد، ولا يمكن أن يقال إن النبيذ المسكر والذي لا يسمى خمرًا قد حرم باجتهاد بشري ويكون غير ملزم إلا إذا قبله الناس.
стр. 214
وبعد، فهذا التعقيب فيما ورد من حكم تعطيل سنة الآحاد لا يقصد به الدكتور سيف الدولة، فلم يتعمد ذلك. ولكن وجب تحديد المفاهيم حتى لا يستغل المرجفون عموم العبارات (١).
حَوْلَ الأَخْطَاءِ الإِصْلاَحِيَّةِ:
لقد نشر مقال لفضيلة الشيخ أحمد حمائي رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر (٢) تضمن أنني لم أكن محققًا ولا مدققًا أو متحريًا الحق فيما نسبته إلى الشيخ محمد عبده ومدرسته بشأن رد المعجزات النبوية الواردة عن طريق الأحاديث النبوية التي دونت بطريق الآحاد. ونسب إلى المقال أيضًا الإفتاء بخروج هؤلاء على الإسلام وكفرهم به، وهذه الفتوى تنسحب في نظره على صحابة أبرار قالوا: بأن الإسراء بالروح فقط ومنهم حذيفة ومعاوية وعائشة ﵃.
الاِتِّهَامُ المُوَجَّهُ إِلَى الشَّيْخِ مُحَمَّدْ عَبْدُهْ وَمَدْرَسَتِهِ:
لقد نسب إلينا المقال القول بأن الشيخ محمد عبده ومدرسته الإصلاحية ردت المعجزات النبوية وأولت النصوص الشرعية تبعًا للهوى ومسايرة للغرب.
ثم دافع عنه لأنه «ليس في طائفتهم من ينكر معجزة أو يرده، مما ورد في القرآن أو جاءت به الأحاديث الصحيحة تواترًا أو آحادًا، وليس فيهم من يؤول المعجزات الواردة في القرآن بنص صريح بل فيهم من يعتبر ذلك ردة وكفرًا».
ولقد أيد وجهة نظره بأقوال الشيخ محمد، رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده.
ونود أن نؤكد أنه لم يرد في مقالي أن تأويلهم النصوص كان تبعًا للهوى، بل قلت: إنهم تأثروا في الغرب فسايروه في إنكار الإسراء بالجسد ظنًا منهم أنهم يدافعون عن الإسلام.
وكنت أود أن ينقل لنا الأستاذ أقوالاً للشيخ محمد عبده تفيد أنه لا يرد المعجزات النبوية الواردة بطريق أحاديث الآحاد، لأن أقوال الشيخ رشيد رضا تعبر عن وجهة نظر شيخه، اللهم إن كان شيخه لم يصرح بخلافها، فما بالنا والشيخ محمد عبده قد تجاوز الحدود العلمية في تأويل المعجزات، وقد نقلنا هذا التأويل عنه وكان الأولى أن يناقش ذلك من خالفنا ليتضح هل رجمناه بالغيب عندما نسبنا له ذلك أم أن هذه أقواله.
стр. 215
لقد جاء في مقالي ما نصه:
«وقد بدأ أصحاب هذا التيار برد المعجزات التي لم ينص عليها القرآن الكريم والسنة المتواترة، ولكن النتيجة الطبيعية لهذه البدعة هي أن هؤلاء العلماء أصبحوا يؤولون المعجزات الواردة في القرآن الكريم بنص صريح. فزعموا أن الإسراء كان بالروح فقط، وزعموا أن هزيمة أصحاب الفيل كانت عن طريق الرعب والخوف مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١) ولكن الإصلاح الديني الذي أرادوه هو الزعم بأن هذه الطيور هي مرض الجدري والحصبة الذي جعل الجيش يولي هاربًا». وهذه تأويلات الشيخ محمد عبده كما نقلت عنه في " التفسير " وفي " الأعمال الكاملة " وكتابه " رسالة التوحيد " حيث قال: «لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُتَّخَذَ حَدِيثٌ مِنْ أَحَادِيثِ الآحَادِ، دَلِيلاَ عَلَى العَقِيدَةِ مَهْمَا قَوِيَ سَنَدُهُ».
تَأْوِيلُ صَرِيحِ القُرْآنِ:
والشيخ محمد عبده أَوَّلَ الملائكة والجن والشياطين، فقال عن الملائكة: «هِيَ نَوَازِعُ الخَيْرِ فِي أَنْفُسِنَا، وَعَنْ الشَّيَاطِينِ هِيَ نَوَازِعُ الشَّرِّ». (المرجع السابق: ج ٤ ص ١٤٣).
والشيخ محمد عبده لا يجهل ما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس ﵄ (في تفسر سورة الجن): ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١].
فقد جاء في الحديث النبوي: «وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ. فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ. قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ. فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا. فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا».
فالحديث صريح في أن الشياطين مخلوقات تتحرك وليست نوازع في النفس الإنسانية.
والقرآن الكريم فيه آيات كثيرة تدل على أن الملائكة مخلوقات وكذا الشياطين، وأن لها حياة ومملكة ووظائف نكتفي هنا بقول الله في وصف إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ