← Сира

Сира · id 122394

الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية بترتيب أحداث السيرة النبوية

أبو أسماء محمد بن طه

Полный текст (633 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

منهم قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المحجَّل، وعبد الله بن قُراد الزيادي، وشداد بن عبد الله القَناني، وعمرو بن عبد الله الضِّبابي، وأمَّر رسول الله ﷺ على بني الحارث بن كعب قيسَ بن الحصين، فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال، أو في صدر ذي القعدة (١). ٣ - وفي شعبان من هذه السنة: قدم عدي بن حاتم الطائي على رسول الله ﷺ فأسلم . الشرح: عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْقَوْمُ هَذَا عَدِيُّ بن حَاتِمٍ وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلا كِتَابٍ فَلَمَّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخَذَ بِيَدِي وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ الله يَدَهُ فِي يَدِي" قَالَ: فَقَامَ فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَصَبِيٌّ مَعَهَا، فَقَالَا: إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَامَ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُمَا ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَى بِي دَارَهُ فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةُ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا يُضرُّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله؟ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى الله؟ " قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا تَفِرُّ أَنْ تَقُولَ الله أَكْبَرُ وَتَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا أَكبَرُ مِنْ الله؟ "، قَال: قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَإنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيهِمْ وَإِنَّ النَّصَارَى ضُلَّالٌ"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي جِئْتُ مُسْلِمًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ تَبَسَّطَ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ جَعَلْتُ أَغْشَاهُ آتِيهِ طَرَفَيْ النَّهَارِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ عَشِيَّةً إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ في ثِيَابٍ مِنْ الصُّوفِ مِنْ هَذِهِ النِّمَارِ، قَالَ: فَصَلَّى وَقَامَ فَحَثَّ عَلَيْهِمْ، ثُم قَالَ:

стр. 527

"وَلَوْ صَاعٌ وَلَوْ بنصْفِ صَاعٍ وَلَوْ بِقَبْضَةٍ وَلَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ أَوْ النَّارِ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي الله وَقَائِلٌ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا فَيَقُولُ: بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَقِي بِهِ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيّبَةٍ فَإنِّي لَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الْفَاقَةَ فَإنَّ الله نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ فِيمَا بَيْنَ يثْرِبَ وَالْحِيرَةِ أَوْ أكثَرَ مَا تَخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السَّرَقَ"، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ في نَفْسِي: فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيّىءٍ؟ (١). وذكره الطبري (٢)، ضمن أحداث السنة العاشرة. ٤ - وفي شعبان من هذه السنة: قدم وفد خولان على رسول الله ﷺ مؤمنين مُصَدِّقين . الشرح: قدم وفد خولان في شعبان سنة عشر، وهم عشرة نفر، فسألهم رسول الله ﷺ -عن صنمهم الذي يقال له: عَمُّ أَنَس، فقالوا: أُبدلنا به خيرًا منه، ولو قد رجعنا لهدمناه، وتعلَّموا القرآن والسنة، فلما رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله، وحرموا ما حرم الله (٣).

стр. 528

٥ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم وفد غامد على رسول الله ﷺ -. الشرح: قدم وفد غامد على رسول الله ﷺ في شهر رمضان، وهم عشرة، فنزلوا ببقيع الغرقد، ثم لبسوا من صالح ثيابهم، ثم انطلقوا إلى رسول الله- ﷺ ، فسلَّموا عليه وأقرُّوا بالإِسلام، وكتب لهم رسول الله ﷺ -كتابًا فيه شرائع الإِسلام، وأتوا أبي بن كعب فعلَّمهم قرآنًا، وأجازهم رسول الله ﷺ كما يجيز الوفد وانصرفوا (١). ٦ - وفي رمضان من هذه السنة: اعتكف رسول الله ﷺ عشرين يومًا، وعارضه جبريل ﵇ بالقرآن مرَّتين . الشرح: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ (٢). ٧ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم وفد غسَّان على رسول الله ﷺ -. الشرح: عن عدي بن بكير الغساني عن قومه غسان قالوا: قدمنا علي رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة عشر، المدينة، ونحن ثلاث نفر، فنزلنا دار رملة بنت

стр. 529

الحارث، فإذا وفود العرب كلهم مصدقون بمحمد ﷺ ، فأتينا رسول الله ﷺ ، فأسلمنا وصدقنا، وشهدنا أن ما جاء به الحق، ولا ندري أيتبعنا قومنا أم لا، فأجاز لهم رسول الله ﷺ بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان مسلمين وأدرك واحد منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة فخبَّره بإسلامه فكان يكرمه (١). ٨ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية عليِّ بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن، فأسلمت على يده هَمْدان كلُّها في يوم واحد . الشرح: عن البراء بن عازب ﵄ قال: بعث رسولُ الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإِسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإِسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﷺ بعث عليَّ بن أبي طالب، وأمره أن يُقفل خالدًا، إلا رجلاً كان ممن مع خالد فأحبَّ أن يُعَقب مع عليٍّ فَلْيُعَقِب معه، قال البراء: فكنت فيمن عَقَّب مع عليِّ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلَّى بنا عليٌّ، ثم صفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعًا، فكتب عليٌّ إلى رسول الله بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خَرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همْدان، السلام على همْدان" (٢).

стр. 530

٩ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم جرير بن عبد الله البَجَليُّ ﵁ على رسول الله ﷺ مسلمًا، فبعثه رسول الله ﷺ إلى ذي الخلصة فهدمها . الشرح: عن جَرِير بن عبد الله ﵁ قال: لَمَّا دَنَوْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ أَنَخْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي، ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحَدَقِ (١)، فَقُلْتُ: لِجَلِيسِي. يَا عبد الله ذَكَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: نعَمْ ذَكَرَكَ آنِفًا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ عَرَضَ لَهُ في خُطْبَتِهِ، وَقَالَ: "يدخلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ- أَوْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ- مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ" (٢). قَالَ جَرِيرٌ: فَحَمِدْتُ الله عَلَى مَا أَبْلَانِي (٣). قال ابن حجر ﵀ -: جزم الواقديُّ بأنه وَفِدَ على النبي ﷺ في شهر رمضان سنة عشر .... وفيه عندي نظر؛ لأنَّ شريكًا حدَّث عن الشيباني، عن الشعبي، عن جرير؛ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِي قَدْ مَاتَ ... " الحديث. أخرجه الطبراني (٤)، فهذا يدل علئ أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر؛ لأن

стр. 531

النجاشي مات قبل ذلك. اهـ (١). قَالَ جَرِيرٌ ﵁ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ " وَكَانَ بَيْتًا في خَثْعَمَ يُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمانِيَةَ فَانْطَلَقْتُ في خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ (٢)، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ في صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ في صدْرِي، وَقَالَ: "اللهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا"، فَانْطَلَقَ إِلَيهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا ثُمَّ بَعَثَ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، قَالَ: فَبَارَكَ في خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ (٣). ١٠ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية عليِّ بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن المرة الثانية . الشرح: قال ابن سعد ﵀ -: يقال مرتين: إحداهما في رمضان سنة عشر من مهاجره ﷺ ، وعقد له لواءً وعمَّمه بيده، وقال: "امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك"، فخرج في ثلاثمائة فارس، وكانت أوَّل خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهي بلاد مَذْحج، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإِسلام فأبوا، ورموا بالنبل

стр. 532

والحجارة، فصفَّ أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السَّلِمي، ثم حمل عليهم عليٌّ بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرَّقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإِسلام فأسرعوا وأجابوا، وتابعه نفر من رؤسائهم على الإِسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا, فخذ منها حقَّ الله، ثم قفل عليٌّ فوافى النبيِّ ﷺ بمكة، وقد قدمها للحج سنة عشر (١). ١١ - وفي شوال من هذه السنة: قدم وفد سلامان على رسول الله ﷺ -. الشرح: قدم وفد سلامان على رسول الله ﷺ في شوال سنة عشر، فصلَّى النبي ﷺ الظهر ثم جلس بين المنبر وبيته، فتقدم الوفد فسألوه عن أمر الصلاة وشرائع الإِسلام، وعن الرُّقى، وأسلموا، وأعطى كل رجل منهم خمس أواق، ثم رجعوا إلى بلادهم (٢). ١٢ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: حجَّ النبي ﷺ حجة الوداع . الشرح: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أُذِّن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاجُّ هذا العام، فقدم المدينة بشر كثير- وفي رواية: فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلاً إلا قدم- فتدارك الناس ليخرجوا معه، كلهم يلتمس أن يأْتمَّ برسول الله ﷺ -ويعمل مثله عمله.

стр. 533

وقال جابر ﵁ خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ومهل أهل الطريق الآخر الجُحْفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلَمْلَم". قال: فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة -أو أربع- وساق هديًا، فخرجنا معه، معنا النساء والولدان، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عُميس: محمَّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: "اغتسلي واستثفري (١) بثوب وأحرمي". فصلى رسول الله ﷺ في المسجد وهو صامت (٢). الإحرام ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهلَّ الحج- وفي رواية: أفرد الحج هو وأصحابه- قال جابر: نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ الله ﷺ بَينَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيهِ يَنْزِلُ الْقُرآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيءٍ عَمِلْنَا بِهِ. فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ- وفي رواية: ولبى الناس- والناس يزيدون: لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ الله ﷺ شيْئًا مِنْهُ،

стр. 534

وَلَزِمَ رَسُولُ الله ﷺ تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ: ونحن نقول: لبيك اللهم، لبيك الحج، نصرخ صراخا، لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ مفردا، لا نخلطه بعمرة- وفي رواية: لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، وفي أخرى: أهللنا أصحاب النبي ﷺ بالحج خالصًا ليس مع غيره، خالصًا وحده (١) - وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كانت بسرف (٢) عركت (٣). دخول مكة والطواف حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ صبح رابعة مضت من ذي الحجة، دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي ﷺ باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد، فاسْتَلَمَ الرُّكْنَ- وفي رواية: الحجر الأسود (٤) - ثم مضى عن يمينه فَرَمَلَ حتى عاد إليه ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا هيّنته (٥)، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَرَأَ:

стр. 535

﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ورفع صوته يسمع الناس فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَينَ الْبَيْتِ، فصلى ركعتين فَكَانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ - وفي رواية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصب على رأسه، ثم رجع إلى الركن فاستلمه. الوقوف على الصفا والمروة ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ- وفي رواية: باب الصفا- إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وَكَبَّرَهُ ثلاثاً، وحمده وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يحيى ويميت، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لا شريك له، أَنْجَزَ وَعْدَه وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" ثُمَّ دَعَا بَينَ ذَلِكَ، وقَالَ: مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ ماشيًا إلى الْمَروَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذا صَعِدَتَا -يعني: قدماه- الشق الآخر مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَروَةَ، فرقى عليها حتى نظر إلى البيت، فَفَعَلَ - عَلَى الْمَروَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا. الأمر بنسخ الحج إلى العمرة حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ- وفي رواية: كان السابع- عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: "يا أيها الناس لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرتُ لَم أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرةٌ"،- وفي رواية:

стр. 536

فقال: "أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا (١)، وأقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية (٢) فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة". فَقَامَ سُرَاقَةُ بن مَالِكِ بن جُعْشُمٍ - وهو في أسفل المروة- فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أرأيت عمرتنا هذه لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ قال: فَشَبَّكَ رَسولُ الله ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الْأُخْرَى، وَقَالَ: "دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ إلى يوم القيامة، لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ، لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ"، ثلاث مرات، قال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو فيما نستقبل؟ قال: "لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير"، قال: ففيم العمل إذن؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٣). قال جابر: فأمرنا إذا حللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، كل

стр. 537

سبعة منا في بدنة، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: الحِلُّ كله، قال: فكَبُر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا. النزول في البطحاء قَالَ: فَخَرَجْنَا إلى الْبَطْحَاءِ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: عَهْدِي بِأَهْلِي الْيَوْمَ، قَالَ: فتذاكرنا بيننا فقلنا: خرجنا حجاجًا لا نريد إلا الحج، ولا ننوي غيره، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع- وفي رواية: خمس ليال- أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكرينا المني من النساء (١)، قال: يقول جابر بيده، قال الراوي: كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء بلغه من قِبَل الناس. خطبته ﷺ بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، فقال: "أبالله تعلموني أيها الناس؟ قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، افعلوا ما آمركم به، فإني لولا هديي لحللتُ كما تحلون، ولكن لا يحل منِّي حرام (٢). حتى يبلغ الهدي محلَّه، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلُّوا". قال: فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وسمعنا وأطعنا. فحلَّ الناس كلهم وقعدوا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي.

стр. 538

قال: وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة (١). التوجُّه إلى منى مُحرمين يوم الثامن فلما كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر، توجهوا إلى مني فأهلوا بالحج من البطحاء. قال: ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي، فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني قد حضت، وقد حلَّ الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج، ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي"، ففعلت- وفي رواية: فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت. وركب رسول الله ﷺ ، وصلى بها -يعني: مني وفي رواية: بنا- الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبَّة له- من شعر تُضرب له بنمِرة (٢). التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة فَسَارَ رَسُولُ الله ﷺ (٣) وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ

стр. 539

بالمزدلفة، ويكون منزله ثَمَّ كَمَا كَانَتْ قُرَيْش تَصْنَعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضرِبَتْ لَهُ بنمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فركب حتى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي (١). خطبة عرفات فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْركُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتين مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بن الْحَارِثِ بن عبد المطلب، كَانَ مُسْتَرْضِعًا في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا: رِبَا عَبَّاسِ بن عبد الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا الله في النِّسَاءِ، فَإِنكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِة الله، وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَاِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ الله، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ- وفي رواية: مسؤولون- عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ " قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رسالات ربك، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ لأمتك، وقضيت الذي عليك، فَقَالَ بِإِصبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: "اللهُمَّ اشْهَدْ اللهمَّ اشْهَدْ". الجمع بين الصلاتين والوقوف على عرفة ثُمَّ أَذَّنَ بنداء واحد، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ

стр. 540

يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ القصواء حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ (١)، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بين يديه (٢)، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ (٣)، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفُ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ (٤). وقال: "وقفت هنا وعرفة كلها موقف". وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بن زيد خَلْفَهُ.

стр. 541

الإفاضة من عرفات وَدَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ وفي رواية: أفاض وعليه السكينة- وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى هكذا وأشار بباطن كفه إلى السماء: "أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ". كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا (١) مِنْ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ (٢). الجمع بين الصلاتين في المزدلفة والبيات بها حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا، فجمع الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَينِ، وَلَم يُسَبِّحْ (٣) بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ (٤) وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الفجر، بِأَذَانٍ وإقَامَةٍ. الوقوف على المشعر الحرام ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ (٥) فرقى عليه، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ- وفي لفظ: فحمد الله- وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ.

стр. 542

فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفُ حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، وقال: "وقفت ها هنا، والمزدلفة كلها موقف". الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة فَدَفَعَ من جمع قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وعليه السكينة (١)، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بن عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ الله- ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُول الله ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الفضل، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الْآخَرِ، يَنْظُرُ فَحَوَّلَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ. حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ (٢) فَحَرَّكَ قَلِيلًا (٣)، وقال: "عليكم السكينة". رمي الجمرة الكبرى ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا ضحى، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وهو على راحلته، يقول: "لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلِّي لا أحج بعد حجتي هذه" (٤). قال: ورمى بعد يوم النحر في

стр. 543

سائر أيام التشريق (١)، إذا زالت الشمس، ولقيه سُراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله ألنا هذه خاصة؟ قال: "لا، بل لأبد". النحر والحلق ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ - يقول: ما بقى- وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا.- وفي رواية: قال: نحو رسول الله ﷺ عن نسائه بقرة، وفي أخرى قال: فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وفي رواية: فاشتركنا في الجزور سبعة، فقال له رجل: أرأيت البقرة أيشترك؟ فقال: "ما هي إلا من البدن"، وفي رواية: قال جابر: كنا لا نأكل من البدن إلا ثلاث منى، فأرخص لنا رسول الله ﷺ ، قال: "كلوا وتزودوا"، قال: فأكلنا وتزودنا حتى بلغنا بها المدينة (٢). رفع الحرج عمن قدم شيئًا من المناسك أو أخر يوم النحر وفي رواية: نَحَرَ رَسُولُ الله ﷺ فَحَلَقَ وَجَلَسَ بمنى يوم النحر لِلنَّاسِ، فَمَا سُئِلَ يومئذ عَنْ شَيءٍ قدم قبل شيء إِلَّا قَالَ: "لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ" حَتَّى جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: "لَا حَرَجَ". ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "لَا حَرَجَ". ثم جاء آخر فقال: طفت قبل أن أرمي؟ قال: "لا حرج". وقال آخر: طفت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح لا حرج".

стр. 544

ثم جاءه آخر فقال: إني نحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم لا حرج". ثم قال النبي ﷺ : "قد نحرت ها هنا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ، فانحروا من رحالكم". خطبة النحر وقال جَابِر ﵁: خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: "أَيُّ يوم أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ " فَقَالُوا: يَوْمُنَا هَذَا، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ أَعْظَمُ حُرمَةً؟ "، قَالُوا: شَهْرُنَا هَذَا، قَالَ: "أَيُّ بَلَدٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ "، قَالُوا: بَلَدُنَا هَذَا، قَالَ: "فَإنَّ دمَاءَكُم وَأَمْوَالَكم عَلَيْكُم حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، هَلْ بَلَّغْتُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "اللهُمَّ اشْهَدْ". الإفاضة لطواف الصدر ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فطافوا (١)، ولم يطوفوا بين الصفا والمروة (٢)، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. فَأَتَى بني عبد الْمُطلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: "انْزِعُوا بني عبد الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ. تمام قصة عائشة ﵂ - وقال جابر ﵁ وإن عائشة حاضت فنسكت المناسك كلها غير أنها لم

стр. 545

تطف بالبيت. قال: حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، والصفا والمروة، ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا". قالت: يا رسول الله أتنطلقون بحج وعمرة وانطلق بحج؟ قال: "إن لك مثل ما لهم". فقالت: إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: وكان رسول الله ﷺ رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه (١). قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم"، فاعتمرت بعد الحج، ثم أقبلت، وذلك ليلة الحَصْبة (٢). وقال جابر: طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحِجْر بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غَشَوْه. وقال: رفعت امرأة صبيًا لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٣). ١٣ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: قدم عليُّ بن أبي طالب ﵁ من نجران إلى مكة ليحج مع النبي ﷺ -. الشرح: وقدم عليٌّ من سعايته من اليمن بِبُدْن النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ﵂ ممن

стр. 546

حلَّ: ترجلَّت (١)، ولبست ثيابًا صبغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟! فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان عليٌّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت مُستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال: "صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، أنا أمرتها به". قال جابر: وقال لعليّ: "ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ . قال: "فإن معي الهدي فلا تحل، وامكث حرامًا كما أنت". قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به عليٌّ من اليمن، والذي أتى النبي ﷺ من المدينة مائة بدنة (٢). ١٤ - وفي ذي الحجة منه هذه السنة: نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة يوم الجمعة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . الشرح: عَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ في كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ نزلت عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ

стр. 547

وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَة (١). ١٥ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: ادَّعى مُسَيلِمة الكذاب النبوة، فرأى النبي ﷺ رؤيا فيه وفي الأسود العَنْسي، فتحقَّقتْ . الشرح: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفِّي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأَوْحَى الله إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ (٢). وفي "البخاري" عن أبي هريرة أيضًا: أحدهما العنْسي والآخر مسيلمة (٣) ١٦ - وفي هذه السنة: قدم وفد الأَزْد بقيادة صُرَد بن عبد الله الأَزْدي ﵁ على رسول الله ﷺ -. الشرح: قدم صُرَد بن عبد الله الأزدي في بضعة عشر رجلاً من قومه، وفدًا على رسول الله ﷺ ، فنزلوا على فروة بن عمرو فحيَّاهم وأكرمهم، وأقاموا عنده عشرة أيام، وكان صُرَد أفضلهم، فأمَّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فقاتل بهم أهل

стр. 548

جُرَش، فهزمهم (١). ١٧ - وفي هذه السنة: قدم وفد زُبيد على النبي ﷺ -. الشرح: قدم عمر بن معد يكرب الزبيدي في عشرة نفر من زبيد المدينة، فقال: من سيِّد أهل هذه البحرة من بني عمرو بن عامر؟ فقيل له: سعد بن عبادة، فأقبل يقول راحلته حتى أناخ ببابه، فخرج إليه سعد فرحَّب به، وأمر رحله فُحُطَّ وأكرمه وحباه، ثم راح به إلى رسول الله ﷺ فأسلم هو ومن معه, وأقام أيامًا، ثم أجازه رسول الله ﷺ بجائزة وانصرف إلى بلاده، وأقام مع قومه على الإسلام فلما تُوفِّي رسول الله ﷺ ، ارتدَّ، ثم رجع إلى الإسلام، وأبلى يوم القادسية وغيرها (٢). ١٨ - وفي هذه السنة: قدم على رسول الله ﷺ فَرْوُة بن مُسَيك المراديُّ، فأسلم، فولّاه رسول الله ﷺ على: مُراد, وزُبيد، ومُذْحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة . الشرح: قال ابن إسحاق ﵀ -: وقدم فروة بن مُسَيك المرادي على رسول الله ﷺ مفارقًا لملوك كندة، ومباعدًا لهم، إلى رسول الله ﷺ . واستعمله النبي ﷺ على مُراد، وزبيد، ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن

стр. 549

سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى تُوفِّي رسول الله ﷺ (١). ١٩ - وفي هذه السنة: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ القَدْمَة الثانية، وفيهم الجاورد بن المعلَّى, وكان نصرانيًا فأسلم . الشرح: قدم على رسول الله ﷺ الجارود بن عمرو بن حَنَش أخو عبد القيس، وكان نصرانيًا، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلَّمه فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فخرج من عنده الجارود راجعًا إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صُلبًا في دينه حتى هلك (٢). ٢٠ - وفي هذه السنة: قدم وفد بني حنيفة على رسول الله ﷺ وفيهم مُسيلمة الكذَّاب . الشرح: قدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب، فكان منزلتهم في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار من بني النجار، فأتت به بنو حنيفة إلى رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، معه عسيب من سَعَف النخل (٣)، في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب، كلمة وسأله, فقال له رسول الله ﷺ : لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه (٤).

стр. 550

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ مُسَيلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وَقَدِمَهَا في بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بن قَيْسِ بن شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ رَسُولِ الله ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ في أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ الله فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ الله، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ". (١). ٣١ - وفي هذه السنة: قدم الشقيَّان: عامر بن الطفيل، وأَرْبَد بن قيس بن جَزْء على النبي ﷺ للغدر به، فدعا عليهما، فطُعِن أحدهما، وصُعِق الآخر . الشرح: عن ابن عباس ﵄ قال: قدم عامر بن الطفيل وأَرْبَد على رسول الله ﷺ ، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: "دعه فإن يرد الله به خيرا يهده"، فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد مالي إن أسلمت؟ قال: "لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم"، قال: تجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: "لا ليس ذلك إلى إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء"، قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر؟، قال: "لا"، قال: فماذا تجعل لي؟ قال: "أجعل لك أَعنَّة الخيل تغزو عليها"، قال: أو ليس ذلك إلى اليوم؟ وكان أوصى إلى أَرْبَد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله ﷺ ويراجعه، فدار أَرْبَد خلف النبي ﷺ ليضربه، فاخترط من

стр. 551

سيفه شبرًا ثم حبسه الله تعالى فلم يقدر على سلَّه، وجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع بسيفه, فقال: "اللهم اكفنيهما بما شئت"، فأرسل الله تعالى على أَرْبَد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربًا وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلا جردًا وفتيانًا مردًا. فقال رسول الله ﷺ : "يمنعك الله تعالى من ذلك وابنا قيلة" - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضمّ عليه سلاحه، فخرج وهو يقول: واللات والعزى لئن أصحر محمَّد إليّ وصاحبه - يعني ملك الموت - لأنفذنّهما برمحي، فلما رأى تعالى ذلك منه أرسل ملكًا فلطمه بجناحيه فأذراه في التراب، وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة كغدة البعير، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية، ثم مات على ظهر فرسه، وأنزل الله تعالى فيه هذه القصة: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٣ - ١٤] (١). ٢٢ - وفي هذه السنة: قدم وفد طيِّئ على رسول الله ﷺ وفيهم زيد الخير، فأسلموا . الشرح: وقدم على رسول الله ﷺ وقد طيئ فيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلَّموه وعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم، وسماه رسول الله ﷺ زيد الخير (٢).

стр. 552

٢٣ - وفي هذه السنة: قدم وَبَرُ بن يُحَنس على الأبناء باليمن، يدعوهم إلى الإسلام, فأسلم فيروز الديلمي، ووهب بن منبِّه، وعطاء بن مَرْكَبود، وغيرهم . الشرح: في سنة عشر قدم وبر بن يُحَنّس على الأبناء من عند النبي ﷺ ، فنزل على بنات النعمان بن بُزْرَج، فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي، فأسلم، وإلى مركبود، فأسلم (١). ٢٤ - وفي هذه السنة: أسلم (باذان) ملك اليمن، وبعث إلى النبي ﷺ بإسلامه، فأقره النبي ﷺ على اليمن . الشرح: كان باذان ملك اليمن في زمانه، وأسلم (باذان) لما هلك كسرى، وبعث بإسلامه إلى النبي ﷺ ، فاشتغله على بلاده (٢). ٢٥ - وفي هذه السنة: قدم وفد كندة على رسول الله ﷺ وفيهم الأشعث بن قيس الكندي، فأسلموا . الشرح: قدم وقد كِنْدة على رسول الله ﷺ فأسلموا (٣)، وعَن الْأَشْعَثِ بن قَيْسٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، وَلَا يَرَوْنِي إِلَّا أَفْضَلَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا

стр. 553

رَسُولَ الله أَلَسْتُمْ مِنَّا؟ فَقَالَ: نَحْنُ بنو النَّضْرِ بن كِنَانَةَ، لَا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا، قَالَ فَكَانَ الْأَشْعَثُ بن قَيْسٍ، يَقُولُ: لَا أُتِي بِرَجُلٍ نَفَى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، ومِنْ النَّضْرِ بن كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ (١). ٢٦ - وفي هذه السنة: قدم وفد مُحارب على رسول الله ﷺ -. الشرح: قدم وفد محارب على رسول الله ﷺ سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر، منهم سواء بن الحارث، وابنه: خزيمة بن سواء، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء، فأسلموا، وقالوا: نحن على من وراءنا. وأجازهم رسول الله ﷺ كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى أهلهم (٢). ٢٧ - وفي هذه السنة: نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾ [النور: ٥٨] , وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك الشرح: قال ابن سيد الناس ﵀ في معرض ذكره لأحداث السنة العاشرة من هجرة النبي ﷺ : ونزول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨]،

стр. 554

وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك. اهـ (١). ٢٨ - وفي هذه السنة: مات إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن سنة ونصف . الشرح: قال ابن حجر ﵀ -: إبراهيم ابن سيد البشر محمد ﷺ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، أمُّه مارية القبطية، ولدته في ذي الحجة سنة ثمان، قال مصعب الزبيري: ومات سنة عشر، جزم به الواقدي، وقال يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول. اهـ (٢). ٢٩ - وفي هذه السنة: كسفت الشمس يوم موت إبراهيم, فصلَّى النبي ﷺ صلاة الكسوف . الشرح: عن الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ ﵁ قال: كَسَفَتْ الشَّمْسُ على عهد رسول الله ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا الله وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ" (٣). وعَنْ جَابِرِ بن عبد الله ﵄ قَالَ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ في يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلكَ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ عُرِضَ عَلَىَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ - أوْ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَما قِطْفًا - فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ، وَعُرِضَتْ عَلَىَّ النَّارُ،

стр. 555

فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بني إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ في هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ (١)، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بن مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ (٢) في النَّارِ". وفي رواية: "وَرَأَيْتُ في النَّارِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْداءَ طَوِيلَةً" وَلَمْ يَقُلْ مِنْ بني إِسْرَائِيلَ. وفي رواية: أن النبي ﷺ انْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ - من الصلاة - وَقَدْ آضَتْ الشَّمْسُ (٣)، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ، مَا مِنْ شَيءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ في صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَن يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ (٤)، فَإنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ, وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ, الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ في مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ في صَلَاتِي هَذِهِ" (٥). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: انْصَرَفَ رَسُولُ الله - من الصلاة - وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ الله، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا

стр. 556

وَادْعُوا الله وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنْ الله أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" (١). وفي رواية: عَنْ عَائِشَةَ أيضًا أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأيتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ" (٢). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن الصحابة قَالُوا: يَا رَسُولَ الله رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا في مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ (٣)، فَقَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ"، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "بِكُفْرِهِنَّ"، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: "بِكُفْرِ الْعَشِيرِ، وَبكُفْرِ الإِحْسَانِ، لَوْ أَحْسَنْتَ إلى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ" (٤). قال ابن حجر ﵀ -: يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم- يَعْنِي: اِبْن النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ ذَكَرَ جُمْهُور أَهْل السِّيَر أَنَّهُ

стр. 557

مَاتَ في السَّنَة الْعَاشِرَة مِنْ الْهِجْرَة، فَقِيلَ: في رَبِيع الْأَوَّل، وَقِيلَ: فِي رَمَضَان، وَقِيلَ: في ذِي الْحِجَّة، لِأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ إِذْ ذَاكَ بِمَكَّة في الْحَجّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ شَهِدَ وَفَاته وَكَانَتْ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَاف، نَعَمْ قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَة تِسْع فَإِنْ ثَبَتَ يَصِحّ، وَجَزَمَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة الْحُدَيْبِيَة، وَيُجَاب بِأَنَّهُ كَانَ يَوْمئِذٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَجَعَ مِنْهَا في آخِر الشَّهْر. اهـ (١). ٣٠ - وفي هذه السنة: أسلم أميرُ من أُمراء الروم، وأرسل إلى النبي ﷺ يخبره بإسلامه، فعلم الروم، فأخذوه وقتلوه، وهو فروة بن عمرو الجذامي . الشرح: قال ابن إسحاق ﵀ -: وبعث فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله ﷺ رسولاً بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملاً للروم على من يليهم من العرب، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه، غلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم، ثم أخذوه فصلبوه على ماء يقال له: عفرى بفلسطين، ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء. اهـ (٢). ٣١ - وفي هذه السنة: قدم وفد الرهاويين على رسول الله ﷺ -. الشرح: قدم خمسة عشر رجلاً من الرهاويين، وهم حيٌّ من مذحج، على رسول الله ﷺ سنة عشر، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فأتاهم رسول الله ﷺ

стр. 558

فتحدث عندهم طويلاً، وأهدوا لرسول الله ﷺ هدايا منها فرس يقال له: المرواح وأمر به فشوّر بين يديه فأعجبه، فأسلموا وتعلَّموا القرآن والفرائض، وأجازهم كما يُجيز الوفد (١). ٣٢ - وفي هذه السنة: قدم وفد عَنْس على رسول الله ﷺ -. الشرح: ذكره ابن سعد في "الطبقات"، أنه وفد على رسول الله ﷺ رجل من بني عَنْس يقال له: ربيعة، وذكر له قصة مع النبي ﷺ ، وأنه مات بعد انصرافه من عند النبي ﷺ وهو في طريقه إلى أهله (٢). ٣٣ - وفي هذه السنة: قدم وفد الصَّدِف على رسول الله ﷺ -. الشرح: قدموا في بضعة عشر راكبًا فصادفوا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر، فجلسوا ولم يسلموا، فقال: "أمسلمون أنتم؟ "، قالوا: نعم، قال: "فهلَّا سلمتم"، فقاموا، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال: "وعليكم السلام، اجلسوا"، فجلسوا، وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلوات (٣). ٣٤ - وفي هذه السنة: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل ﵄ إلى اليمن . الشرح: عَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ الله ﷺ إلى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ

стр. 559

يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ الله ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وْلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وْقَبْرِي"، فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ الْتَفَتَ رسول الله ﷺ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إلى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا" (١). وعَنْ أبي بُرْدَةَ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَ بن جَبَل إلى الْيَمَنِ قَالَ وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ (٢)، قَالَ وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ ثمَّ قَالَ يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلى عَمَلِهِ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ في أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَارَ مُعَاذٌ في أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أبي مُوسَى فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَقَدْ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ يَا عبد الله بن قَيْسٍ أَيُّمَ هَذَا قَالَ هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ قَالَ لَا أَنْزِلُ حَتَّىِ يُقْتَلَ قَالَ إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ فَانْزِلْ قَالَ مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ فَأَمَرَ بهِ فَقُتِلَ ثُمَّ نزَلَ فَقَالَ يَا عبد الله كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا (٣)، قَالَ فَكَيْفُ تَقْرَأُ أنْتَ يَا مُعَاذُ قَالَ أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ الله لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي (٤). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِمُعَاذِ بن جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى

стр. 560

الْيَمَنِ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرهُم أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله حِجَابٌ (١). وعَنْ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إلى الْيَمَنِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ، فَقَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. الْبِتْعُ: نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَالْمِزْرُ: نَبِيذُ الشَّعِيرِ (٢). ٣٥ - وفي هذه السنة: ظهر الأسود العَنْسي باليمن، وادَّعى النبوة، وعظمت فتنته, فقتله فيروذ الديلمي . الشرح: ذكره ابن عبد البر (٣)، وقال: وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة (٤).

стр. 561

٣٦ - وفي هذه السنة: كانت سرية إلى رعْيه السُّحيمي الذب وقَّع بكتاب النبي ﷺ دَلْوَهُ . الشرح: عَنْ رِعْيَةَ السُّحَيْمِيّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيهِ رَسُولُ الله ﷺ فِي أَدِيمٍ أَحْمَرَ، فَأَخَذَ كِتَابَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَرَقَعَ بِهِ دَلْوَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً، فَلَمْ يَدَعُوا لَهُ رَائِحَةً وَلَا سَارِحَةً وَلَا أَهْلًا وَلَا مَالًا إِلَّا أَخَذُوهُ، وَانْفَلَتَ عُرْيَانًا عَلَى فَرَسٍ لَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلى ابْنَتِهِ، وَهِيَ مُتَزَوِّجَةٌ في بني هِلَالٍ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ أَهْلُهَا، وَكَانَ مَجْلِسُ الْقَوْمِ بِفِنَاءِ بَيْتِهَا فَدَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا مِنْ وَرَاءِ الْبَيْتِ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَتْهُ أَلْقَتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا، قَالَتْ: مَا لَكَ، قَالَ: كُلُّ الشَّرِّ نَزَلَ بِأَبِيكِ مَا تُرِكَ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا سَارِحَةٌ وَلَا أَهْلٌ وَلَا مَالٌ إِلَّا وَقَدْ أُخِذَ، قَالَتْ: دُعِيتَ إلى الْإِسْلَامِ، قَالَ: أَيْنَ بَعْلُكِ؟ قَالَتْ: في الْإِبِلِ، قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ، قَالَ: كُلُّ الشَّرِّ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَا تُرِكَتْ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا سَارِحَةٌ وَلَا أَهْلٌ وَلَا مَالٌ إِلَّا وَقَدْ أُخِذَ وَأَنَا أُرِيدُ مُحَمَّدًا أُبَادِرُهُ قَبْلَ أَنْ يُقَسِّمَ أَهْلِي وَمَالِي، قَالَ: فَخُذْ رَاحِلَتِي بِرَحْلِهَا، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، قَالَ: فَأَخَذَ قَعُودَ الرَّاعِي وَزَوَّدَهُ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ إِذَا غَطَّى بِهِ وَجْهَهُ خَرَجَتْ اسْتُهُ وَإِذَا غَطَّى اسْتَهُ خَرَجَ وَجْهُهُ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يُعْرَفَ حَتَّى انْتَهَى إلى الْمَدِينَةِ، فَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَكَانَ بِحِذَائِهِ حَيْثُ يُصَلِّي، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ الْفَجْرَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله ابْسُطْ يَدَيْكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَهَا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهَا قَبَضَهَا إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ، قَالَ: فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ ثَلَاثًا قَبَضَهَا إِلَيهِ وَيَفْعَلُهُ، فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ، قَالَ: "مَنْ أَنْتَ؟ "، قَالَ: رِعْيَةُ السُّحَيْمِيُّ، قَالَ: فَتَنَاوَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَضُدَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا رِعْيَةُ السُّحَيْمِيُّ الَّذِي كَتَبْتُ إِلَيهِ فَأَخَذَ كتَابي فَرَقَعَ بِهِ دَلْوَهُ فَأَخَذَ يَتَضَرَّعُ إِلَيهِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَهْلِي وَمَالِي، قَالَ: "أَمَّا مَالُكَ، فَقَدْ قُسِّمَ، وَأَمَّا أَهْلُكَ، فَمَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ"،

стр. 562

فَخَرَجَ، فَإِذَا ابْنُهُ قَدْ عَرَفَ الرَّاحِلَةَ وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَهَا، فَرَجَعَ إلى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: هَذَا ابْنِي، فَقَالَ: يَا بِلَالُ اخْرُجْ مَعَهُ فَسَلْهُ أَبُوكَ هَذَا، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ بِلَالٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَبُوكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إلى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا رَأَيْتُ أَحَدًا اسْتَعْبَرَ إلى صَاحِبِهِ (١)، فَقَالَ: "ذَاكَ جَفَاءُ الْأَعْرَابِ" (٢). ٣٧ - وفي هذه السنة: قدم وفد قُشَير بن كعب على رسول الله ﷺ -. الشرح: وفد على رسول الله ﷺ ، نفر من قُشير، فيهم ثور بن عروة بن عبد الله بن قُشير، فأسلم، فأقطعه رسول الله ﷺ قطيعة وكتب له بها كتابًا، ومنهم: حيدة بن معاوية بن قُشير، وذلك قبل حجة الوداع وبعد حُنين، ومنهم: قُرَّة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قُشير، فأسلم، فأعطاه رسول الله ﷺ وكساه بُردًا، وأمره أن يتصدّق على قومه - أي: يلي الصدقة - (٣). ٣٨ - وفي هذه السنة: قدم وفد بجيلة على رسول الله ﷺ -. الشرح: سبق ذكر وفد بجيلة في الفقرة (٩) من هذه السنة، قدوم جرير بن عبد الله البجلي ﵁ على رسول الله ﷺ مسلمًا، فليُنظر، وقد ذكر هذا الوفد ابن سعد (٤)

стр. 563

السنة الحادية عشر من الهجرة

стр. 564

السنه الحاديه عشر من الهجرة وفيها خمسة عشر حدثا: ١ - فى المحرم من هذه السنة: ظهر الأسود العنْسى الكذاب باليمن، فادَّعى النبوة، ودانت له نجران وصنعاء وعظمت فتنته . الشرح: ذكر ابنُ كثير -عليه رحمة الله ﵎ قصة ظهور الأسود العنسي وفتنته التي استفحلت، إلى حين قتله فيروز الديلمي. وهذا أمره الذي ذكره ابن كثير باختصار: خرج الأسود العنسي واسمه عَبْهَلَة بن كعب بن غوث، من بلد يقال لها: كهف خُبَّان، في سبعمائة مقاتل، وكتب إلى عمال النبي ﷺ باليمن: أيها المورودون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفِّروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجَّه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه، ثم قصد إلى صنعاء، فخرج إليه شهر بن باذان، فتقاتلا فغلبه الأسود فقتله، واحتلَّ صنعاء لخمس وعشرين ليلة من مخرجه، ففرَّ معاذ بن جبل ﵁ من هنالك، واجتاز بأبي موسى الأشعري، فذهبا إلى حضرموت، وانحاز عمال رسول الله ﷺ إلى الطاهر، ورجع عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، واستوسقت اليمن بكاملها للأسود العنسي، وجعل أمره يستطير استطارة الشرارة، واشتدَّ ملكه، واسغلظ أمره، وارتدَّ خلق من أهل اليمن، وتزوج امرأة شهر بن باذان، وهي ابنة عم فيروز الديلمي، واسمها آزاذ، وكانت امرأة مؤمنة بالله ورسوله ﷺ . ولما بلغ النبي ﷺ أمر الأسود العنسي، أرسل كتابًا مع وَبْر بن يُحنَّس

стр. 565

الديلمي، يأمر فيه المسلمين بمقاتلة الأسود العنسي، وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتمَّ القيام، وبلَّغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي ﷺ باليمن، فاتفقوا مع أمراء جنده ومنهم قيس بن عبد يغوث، وداذويه- وكانوا قد كرهوه وكرهوا أمره لاستهانته بهم- على قتله ودبَّروا لذلك مع امرأته آزاذ، فأدخلت فيروز الديلمي، فقتله وهو نائم (١). ٢ - وفي هذه السنه: قدم وفد النخع على رسول الله ﷺ -. الشرح: قال ابن سعد ﵀ -: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله ﷺ وفد النخع، وقدموا من اليمن للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا رسول الله ﷺ مقرِّين بالإِسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن (٢). ٣ - وفي صفر من هذه السنة: أمّر رسول الله ﷺ -أسامه بن زيد ﵄ على سريه لغزو الشام، فتوقَّف بالجُرف لمرض رسول الله ﷺ -. الشرح: قال ابن إسحاق ﵀: أن رسول الله ﷺ استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد، وهو في وجعه، فخرج عاصبًا رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا في إمرة
следующие страницы →