← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقد وردت روايات تفيد الصلاة على شهداء أحد لكنها لا تقوى على معارضة أحاديث نفي الصلاة عليهم، فكلها متكلم فيها (١). وقد دفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد (٢) وحمل بعض الشهداء أهلوهم ليدفنوهم في المدينة فأمرهم الرسول ﷺ بدفنهم في أماكن استشهادهم بأحد (٣). ولما انتهى من دفن الشهداء صف أصحابه وأثنى على ربه (٤) فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة (أي الفاقة)، والأمن يوم الخوف، اللهم عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الخلق" (٥) ثم ركب فرسه ورجع إلى المدينة.

стр. 387

وقد ظلت ذكرى شهداء أحد عميقة في نفسه ﵊ فقد تمنى أن يكون استشهد معهم فكان إذا ذكروا يقول: "أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابي نحص الجبل - أي سفحه - " (١). وكانت صور المقاتلين الشجعان تمر بمخيلته فيثنى عليهم، لما أعطى علي (رض) سيفه لفاطمة (رض) قائلا: "هاك السيف فإنها قد شفتني" قال رسول الله ﷺ : "لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت الأقلح والحارث بن الصمة" (٢). وفي المدينة خرجت نسوة وأطفال يتطلعون في وجوه الجيش ينشدون آباءهم وأزواجهم، وقد استعلت فيهم معاني الإيمان واحتمال المصاب، فلما أخبرت حمنة بنت جحش باستشهاد أخيها عبد الله بن جحش وخالها حمزة بن عبد المطلب استرجعت واستغفرت، ثم أخبرت باستشهاد زوجها مصعب فصاحت وولولت، فقال الرسول ﷺ إن زوج المرأة منها لبمكان. لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها (٣). ومر رسول الله ﷺ بامرأة من بني عبد ديتار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل - تعني صغيرة (٤)!! وقد بشر رسول الله ﷺ المسلمين بما نال الشهداء من عظيم الأجر فقال

стр. 388

لابنة عبد الله بن عمرو والد جابر: لم تبكين؟! فما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفع (١). وقد سمع رسول الله لأهل المدينة نحيبا وبكاء على قتلاهم، فقال: لكن حمزة لا بواكي له. فبكته نسوة الأنصار، فقال لهن رسول الله ﷺ خيراً ونهاهن عن النياحة أشد ما يكون النهي (٢). وبذلك حرمت النياحة على الميت إلى الأبد ولم يؤذن إلا بدمع العيون. وقد نزل في شهداء أحد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣)، وقال الجمهور: إن الشهداء أحياء حياة محققة وإن أرواحهم في أجواف طير خضر، وإنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون (٤). وكذلك نزلت آيات القرآن الكريم تمسح جراحات المسلمين، وتزيل عنهم آثار أحد: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥). ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٦). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٧). وكان المسلمون يواجهون في المدينة اليهود الشامتين والمنافقين االمرجفين ويواجهون في أطراف المدينة الأعراب المشركين الذين كانوا يتطلعون بشراهة إلى

стр. 389

ثمار المدينة وخيراتها. وكان ثمة احتمال أن تندم قريش فتعود لمهاجمة المدينة فكان لابد من التحرك السريع لاستعادة موقع المسلمين والاحتفاظ بمكانتهم، ومن هنا أمر الرسول ﷺ الجيش الذي شهد "أحدا" أن يخرج لمطاردة جيش قريش إلى حمراء الأسد (١) رغم إصابة الكثيرين منهم بالجراح، ولم يأذن لسواهم بالاشتراك في حملة المطاردة هذه (٢)، وقد سارع سبعون من الصحابة للاشتراك ثم بقية الجيش فصار عددهم ستمائة وثلاثين. وقد أثنى القرآن الكريم على مبادرتهم بالخروج. قالت عائشة (رض) لعروة بن الزبير في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: أبوك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: من يذهب في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً" (٣). ويذكر ابن إسحق دون إسناد أن النبي ﷺ أقام بحمراء الأسد ثلاثة أيام هي الاثنين والثلاثاء والأربعاء وأن معبد الخزاعي مر به ثم لقي أبا سفيان والمشركين بالروحاء وقد اعتزموا العودة لاستئصال المسلمين، فخذلهم وأخبرهم بخروج المسلمين إلى حمراء الأسد ونصحهم بالعودة إلى مكة (٤). ولا شك أن حملة حمراء الأسد حققت الأهداف المرسومة بإظهار قدرة المسلمين على التصدي لخصومهم من الأعراب وقريش رغم ما أصابهم في أحد، فإنهم إذا كانوا قادرين على التحرك العسكري خارج المدينة فهم أقدر على مواجهة اليهود والمنافقين داخلها.

стр. 390

في أعقاب أحد وكان من نتائج غزوة أحد أن تجرأ الأعراب حول المدينة على المسلمين، وظهر ذلك في التجمعات التي قام بها بنو أسد بقيادة طليحة الأسدي وأخيه سليمة في نجد، وبنو هذيل بقيادة خالد بن سفيان الهذلي في عرفات، مستهدفين غزو المدينة طمعا في خيراتها وانتصارا لشركهم ومظاهرة لقريش وتقربا إليها، وكان ذلك في شهر محرم من السنة الرابعة للهجرة (١). وتحرك المسلمون قبل أن يستفحل الأمر، فأرسل الرسول ﷺ أبا سلمة بن عبد الأسد بمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار إلى طليحة الأسدي الذي تفرق عنه أتباعه تاركين إبلهم وماشيتهم بيد المسلمين من هو المفاجأة (٢). وأرسل عبد الله بن أنيس الجهني إلى خالد بن سفيان الهذلي فقتله وهو يرتاد بماشيته في بطن عرنة (٣) - واد معروف قرب عرفات -. وسعت هذي للثأر لسفيان الهذلي ولجأت إلى الغدر والخديعة، ففي صفر (٤) سنة أربع قدم وفد من قبيلتي عضل والقارة المضريتين إلى المدينة، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يرسل جمعا من أصحابه ليفقهوهم في الدين، فبعث عشرة من الصحابة - وقال ابن إسحق إنهم ستة، وقال موسى بن عقبة إنهم سبعة وذكرا أسماءهم - وجعل عليهم عاصم بن ثابت الأقلح أميرا، فلما وصل الوفد بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان (من هذيل) وهم قريب من مائتي

стр. 391

مقاتل، فأحاطوا بهم وقد لجأ الوفد إلى مكان مرتفع، وأعطى الأعراب الأمان من القتل للوفد، لكن عاصم بن ثابت قال: "أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر" فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما وستة من أصحابه، وبقي ثلاثة فأعطاهم الأعراب الأمان من جديد فقبلوا، فلما نزلوا إليهم ربطوهم وغدروا بهم، فقاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه واقتادوا الاثنين إلى مكة فباعوهما لقريش وهما خبيب وزيد. فأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل ليقتلوه بالحارث الذي كان خبيب قد قتله يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث، استحد بها فأعارته، وغفلت عن صبي لها فجلس على فخذه، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقاماً منهم. فقال خبيب: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. فكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزق رزقه الله, فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سَنَّ الركعتين عند القتل هو. ثم قال اللهم أحصهم. ثم قال: ما أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع فقتل (١)

стр. 392

وأما زيد بن الدثنة فاشتراه صفوان بن أمية وقتله بأبيه (أمية بن خلف الذي قتل ببدر)، وقد سأله أبو سفيان قبل قتله: أنشدك الله يا زيد أتحب محمداً الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً (١). ويرى الواقدي أن هذيلاً على اتفاق مع عضل والقارة في الترتيب لهذا الحادث (٢) الذي عرف بحادثة الرجيع نسبة إلى الماء الذي جرت عنده. ورغم ما حدث في الرجيع فإن وفود المسلمين لدعوة الأعراب لم تنقطع إذ لا بد من تبليغ دعوة الإسلام مهما غلت التضحيات. فلما قدم أبو براء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنَّة على المدينة دعاه الرسول ﷺ إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد ووعد بإجارة وفد يرسله النبي ﷺ لدعوة الأعراب في نجد، فأرسل الرسول ﷺ وفدا برئاسة المنذر بن عمرو الخزرجي (٣) في شهر صفر من سنة أربع (٤) ومعه سبعون من القراء - وقال ابن إسحق أنهم أربعون فقط - فلما وصلوا بئر معونة من نجد على بعد ١٦٠ كيلاً عن

стр. 393

المدينة (١) غدر بهم عامر بن الطفيل (٢) فقتل رسولهم إليه حرام بن ملحان طعنه رجل بأمره في ظهره برمح فصاح "الله أكبر فزت ورب الكعبة"!! وأحاط بهم الأعراب من رعل وذكوان (من بني سليم)، ودافع القراء عن أنفسهم فاستشهدوا سوى عمرو بن أمية الضمري كان قد تأخر عنهم، فعاد وأخبر الرسول ﷺ الخبر. فمكث يدعو على رعل وذكوان شهراً في صلاة الغداة وذلك بدء تشريع القنوت. وكان القراء السبعون هؤلاء من خيار المسلمين يحتطبون بالنهار ويتصدقون به على أهل الصفة ويصلون بالليل ويتدارسون القرآن (٣). وهكذا فقد المسلمون في شهر صفر من سنة أربع ثمانين من خيرة الدعاة فلم يكن تبليغ الدعوة الإسلامية سهلاً مأموناً في بوادي الأعراب بل كان محفوفاً بالأخطار والموت ولكن لم يحل شيء دون الدعاة وتبليغ دعوة الله. وكان لابد من تأديب الأعراب الغادرين فقاد الرسول ﷺ جيشاً إلى بني لحيان - الذين قتلوا القراء في الرجيع - في جمادي الأولى من سنة أربع فعلموا به وتفرقوا في الجبال وهذه رواية المدائني (٤). وأما ابن إسحق فذكر أنها كنت سنة ست (٥). ولعلهما يشيران إلى حادثتين مختلفتين. غزوة بدر الموعد: وفي ذي القعدة من سنة أربع خرج الرسول ﷺ بألف وخمسمائة من أصحابه إلى بدر ومعه عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، وذلك في انتظار

стр. 394

قدوم قريش حسب الموعد المحدد منذ وقعة أحد مع أبي سفيان زعيم قريش. وانتظر المسلمون ثمانية أيام دون أن تقدم قريش، وكان أبو سفيان قد خرج بألفين ومعهم خمسون فرساً فلما وصلوا مر الظهران على أربعين كيلا من مكة عادوا بحجة أن العام عام جدب، وكان لإخلافهم الموعد أثر في تقوية مكانة المسلمين وإعادة هيبتهم (١). وقد واصل المسلمون إرسال سراياهم إلى الأنحاء المختلفة من نجد والحجاز لتأديب الأعراب فقاد أبو عبيدة بن الجراح سرية إلى طيء وأسد بنجد فتفرقوا في الجبال دون أن يقع قتال (٢). وقاد الرسول ﷺ جيشاً من ألف مقاتل في شهر ربيع الأول من سنة خمس باتجاه دومة الجندل، وقد بلغه وجود تجمع للمشركين بها، ولكن الجمع تفرق عندما علموا بقدوم المسلمين الذين أقاموا أياماً في المنطقة بثوا خلالها السرايا فلم يلقوا مقاومة ورجعوا إلى المدينة بعد أن وادع في العودة عيينة بن حصن الفزاري (٣). من تاريخ التشريع: وفي سنة أربع من الهجرة حرمت الخمر في قول البلاذري (٤). وفي ذي القعدة من سنة أربع للهجرة تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش الأسدية، وفي حادثة زواجها نزل فرض الحجاب، وقد لخص الحافظ ابن حجر الأقوال في تاريخ نزول الحجاب بقوله: "كان في قول أبي عبيدة وطائفة

стр. 395

في ذي القعدة سنة ثلاث، وعند آخرين فيها سنة أربع وصححه الدمياطي. وقيل: فيها سنة خمس" (١). فأما القول بأنه نزل سنة ثلاث فلا يعقل أن يقوم المسلمون بغزو بني المصطلق بعد أسابيع من أحد - التي وقعت في النصف من شوال سنة ثلاث - ولم تندمل جراحاتهم بعد!!. وأما القول بأنه نزل في الخامسة فلا يمكن، لأن ذا القعدة من السنة الخامسة يقع بعد حادثة الإفك التي جرت في شعبان من السنة الخامسة، ومن الثابت أن تشريع الحجاب نزل قبلها، فلا يبقى إلا سنة أربع".

стр. 396

غزوة بني المصطلق (المريسيع) بنو المصطلق بطن من قبيلة خزاعة الأزدية اليمانية (١)، وكانوا يسكنون قديداً (٢) وعسفان (٣) على الطريق من المدينة إلى مكة، فقديد تبعد عن مكة ١٢٠ كيلاً، وعسفان تبعد ٨٠ كيلاً، فيكون بينهما أربعون كيلاً. في حين تنتشر ديار خزاعة على الطريق من المدينة إلى مكة ما بين مر الظهران التي تبعد عن مكة ٣٠ كيلاً وبين الأبواء (شرق مستورة بثلاث أكيال) (٤) التي تبعد عن مكة ٢٤٠ كيلاً (٥)، وبذلك يتوسط بنو المصطلق ديار خزاعة، وموقعهم مهم بالنسبة للصراع بين المسلمين وقريش وقد عرفت خزاعة بموقفها المسالم للمسلمين، وربما كان لصلات النسب والمصالح مع الأنصار تأثير في تحسين العلاقات (٦)، رغم المحالفات القديمة بينها وبين قريش ذات المصالح الكبرى في الطريق التجارية إلى الشام، ورغم سيادة الشرك في ديار خزاعة حيث كانت هضبة المشلل التي كانت بها "مناة" في قديد. ورغم أن ديارها كانت أقرب إلى مكة منها إلى المدينة.

стр. 397

ولعل هذه العوامل أعاقت - في نفس الوقت - انتشار الإسلام في خزاعة عامة وبني المصطلق خاصة الذي يستفيدون إلى جانب الموقع التجاري بوجود مناة الطاغية في ديارهم معنوياً ومادياً حيث يحج إليها العرب. وأول موقف عدائي لبني المصطلق من الإسلام كان في إسهامهم ضمن الأحابيش في جيش قريش في غزوة أحد (١). وقد تجرأت بنو المصطلق على المسلمين نتيجة لغزوة أحد كما تجرأت القبائل الأخرى المحيطة بالمدينة (٢)، ولعلها كانت تخشى انتقام المسلمين منها لدورها في غزوة أحد، وكذلك كانت ترغب في أن يبقى الطريق التجاري مفتوحاً أمام قريش لا يهدده أحد لما في ذلك من مصالح لها محققة فكانت - بزعامة الحارث ابن أبي ضرار - تتهيأ للأمر بجمع الرجال والسلاح وتأليب القبائل المجاورة ضد المسلمين. وقد أرسل الرسول ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي للاطلاع على أحوالهم، فأظهر أنه جاء لعونهم وعرف نيتهم في الهجوم على المدينة فعاد وأخبر الرسول ﷺ بما يبيتون (٣).

стр. 398

وفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة خرج الرسول ﷺ بجيشه من المدينة نحو ديار بني المصطلق، وهذا هو الراجح وهو قول موسى بن عقبة الصحيح حكاه عن الزهري وعن عروة (١). وتابعه أبو معشر السندي والواقدي وابن سعد (٢) ومن المتأخرين ابن القيم والذهبي (٣) أما ابن إسحق فذهب إلى أنها في شعبان سنة ست، ويعارض ذلك مافي صحيحي البخاري ومسلم من اشتراك سعد بن معاذ في غزوة بني المصطلق مع استشهاده في غزوة بني قريظة عقب الخندق مباشرة، فلا يمكن أن تكون غزوة بني المصطلق إلا قبل الخندق (٤). ولا توجد روايات صحيحة تبين عدد الجيش الذي خرج إلى ديار بني المصطلق أو عدته، ولكن الذهبي قال إنهم سبعمائة مقاتل (٥) وقال الواقدي: إن معهم ثلاثين فرساً، للمهاجرين عشرة وللأنصار عشرون (٦). وقد وردت روايتان مهمتان عما حدث عند المريسيع وهو ماء في ديار بني المصطلق بقديد. فالبخاري ومسلم يذكران عن عبد الله بن عمر - وهو شاهد عيان حضر الغزوة - أن النبي ﷺ "أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ

стр. 399

جويرية" (١) ولفظ مسلم "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون ... " (٢) ورواية مسلم صريحة في أن الغارة وقعت دون إنذار (٣) لبني المصطلق لأنهم ممن بلغتهم دعوة الإسلام، وقد كانوا يعتبرون في حرب مع المسلمين منذ اشتراكهم مع قريش في غزوة أحد، كما كانوا يجمعون الجموع لحرب المسلمين، فبوغتوا واضطربوا ولم يتمكنوا من المقاومة طويلاً، بل إن رواية الصحيحين لا تشير إلى المقاومة، ولكن ابن إسحق ذكر وقوع قتال على ماء المريسيع ثم انهزم بنو المصطلق وقتل بعضهم وأخذ المسلمون أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فتمت قسمة ذلك بينهم (٤). ولم تصح رواية في عدد القتلى ومقدار السبي والأموال سوى ما ذكره ابن إسحق من عتق "مائة أهل بيت من بني المصطلق" (٥)، ولكن الواقدي يذكر أنه قتل عشرة من بني المصطلق وأسر سائرهم "فما أفلت منهم إنسان" (٦) ويذكر أيضاً أن الغنائم كانت ألفي بعير، وخمسة آلاف شاة، وأن السبي كان مائتي أهل بيت (٧). وروى أن السبي أكثر من سبعمائة (٨).

стр. 400

وعاد الرسول ﷺ إلى المدينة لهلا رمضان بعد أن غاب عنها شهراً إلا ليلتين (١). وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فكلما كسب الإسلام نصراً جديداً ازدادوا غيظاً على غيظهم، وقلوبهم تتطلع إلى اليوم الذي يهزم فيه المسلمون لتشتفى من الغل، فلما انتصر المسلمون في المريسيع سعى المنافقون إلى إثارة العصبية بين المهاجرين والأنصار، فلما أخفقت المحاولة سعوا إلى إيذاء الرسول ﷺ في نفسه وأهل بيته فشنوا حرباً نفسية مريرة من خلال حادثة الافك التي اختلقوها. ولندع الصحابي زيد بن أرقم وهو شاهد عيان ومشارك في الحادث الأول يحكي خبر ذلك قال: "كنت في غزاة (٢) فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي (٣) - أو لعمر - فذكره للنبي ﷺ فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا. فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٤) فبعث إلى رسول الله ﷺ ، فقرأ، فقال: "إن الله قد صدقك يا زيد" (٥).

стр. 401

ويحكي شاهد عيان آخر هو جابر بن عبد الله الأنصاري ما حدث عند ماء المريسيع، وأدى إلى كلام المنافقين لإثارة العصبية وتمزيق وحدة المسلمين، قال: "كنا في غزاة فكسع (١) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال: دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله ابن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : دعه لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه. وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد" (٢). وقد وردت روايات قوية (٣) أخرى تعارض هذه ومفادها أن عبد الله بن أبي قال هذه الكلمات في غزوة تبوك، وهو وهم والصحيح أنه لم يشهد غزوة تبوك (٤). لقد أوضح الرسول ﷺ أن العصبيات هي من دعاوي الجاهلية وقال: "لينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه فإنه له نصر، وإن كان مظلوماً فلينصره" (٥) فجعل التناصر في طلب الحق والإنصاف، وأبطل المفهوم الجاهلي لـ (أنظر أخالك ظالماً أو مظلوماً). ويلاحظ اهتمامه بسمعة المسلمين في أوساط القبائل بترك معاقبة المنافق عبد الله بن أبي لما في ذلك من مصلحة تأليف القبائل ومنع الدعاية التي قد تنفر من الإسلام. ولم يقتصر الرسول ﷺ على معالجة الموقف بالبيان وإنما أمر الجيش

стр. 402

بالرحيل طيلة اليوم حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً، ليشغل الناس عن الحديث في الفتنة. وقد ضعف مركز عبد الله بن أبي بن سلول في قومه فكانوا يعنفونه ويلومونه كلما أخطأ (١). بل إن ابنه عبد الله بن أبي بن سلول استأذن الرسول ﷺ في قتل أبيه، فنهاه فقال: "لا" ولكن بر أباك وأحسن صحبته" (٢)، ومنع أباه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ﷺ بدخولها (٣). مع شدة بِرَّه بأبيه وهيبته له (٤) وهو من أعجب المواقف التي تدل على صفاء عقيدة الابن وتخلصه من عصبية الجاهلية رغم قرب عهده بها، مما يبين قوة تأثير الإسلام في اتباعه وإحداثه التغيير العميق في مقاييسهم وسلوكهم. وقد علل الرسول ﷺ منعه لعبد الله من قتل أبيه بالحرص على سمعة الإسلام فقال: لا يتحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه (٥). وبعد فشل محاولة المنافقين في إثارة العصبية الجاهلية أعماهم الغضب وقد واتتهم الفرصة لإيذاء الرسول ﷺ في نفسه وأهل بيته، وكانت عائشة (رض) أم المؤمنين قد خرجت معه إلى غزوة بني المصطلق وذلك بعدما شرع الله الحجاب للنساء، وفي طريق العودة، عندما اقترب المسلمون من المدينة نزلت من هودج البعير لبعض شأنها، فلما عادت افتقدت عقداً لها، فرجعت تبحث عنه فحمل الرجال هودجها فوضعوه على البعير وهم يحسبونها فيه - إذ كانت صغيرة

стр. 403

خفيفة - ومضى المسلمون إلى المدينة تاركيها في البيداء وقد وجدت عقدها وفقدت الركب، فمكثت في مكانها تنتظر أن يعرفوا بخبرها ويعودوا إليها، فمر بها صفوان بن المعطل السلمي وهو من خيرة الصحابة فحملها على بعيره وانطلق بها إلى المدينة، فوصل إليها بعد دخول الرسول ﷺ ، وقد استغل المنافقون هذا الحادث ونسجوا حوله، وتولى ذلك عبد الله بن أبي بن سلول وأغرى بالكلام مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش فاتهمت عائشة أم المؤمنين بالإفك. وضاق الرسول ﷺ ذرعاً بدعايات المنافقين وصرَّح بذلك للمسلمين وهم مجتمعون في المسجد معلناً ثقته بزوجته وبالصحابي صفوان بن المعطل، وقد أبدى سعد بن معاذ استعداده لقتل من يروج ذلك إن كان من الأوس، فأظهر سعد بن عبادة معارضته لسعد بن معاذ لأن عبد الله بن أبي من الخزرج حتى كادت تقع الفتنة بين الأوس والخزرج لولا أن الرسول ﷺ هدأهم. ومرضت عائشة فاستأذنت النبي في الذهاب إلى بيت أبيها فأذن ثم علمت بخبر الإفك فكانت "لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم" وهي تنتظر أن يعلم الله نبيَّه ببراءتها برؤيا صادقة، وقد انقطع الوحي شهراً عانى خلاله الرسول ﷺ أشد المعاناة فقط طعنه المنافقون في عرضه وآذوه في زوجه، ولا شك أنه كان يتطلع إلى الوحي وهو في أشد الحاجة إليه لتطمئن نفسه ويخرس ألسن النفاق ويذب عن زوجه الحبيبة وأبيها الذي كان أحب الناس إليه. ثم نزل الوحي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ...﴾ (١). وكان أبو بكر (رض) ينفق على قريبه مسطح، فحلف أن لا ينفق عليه فنزلت الآية ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى ..﴾ إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) فعاد أبو بكر إلى النفقة عليه (٣).

стр. 404

ولا شك أن المسلمين الثلاثة اشتركوا في إشاعة الإفك ولكن الدور الكبير كان للمنافقين أتباع عبد الله بن أبي بن سلول، وإنما ذكرت أسماء الثلاثة لأنهم مسلمون، وما كان ينبغي أن يقعوا في حبائل المنافقين وقد عاتبهم القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (١) وكان كثير من المؤمنين على يقظة كاملة وثقة كبيرة بآل بيت النبوة، فلما سمع أبو أيوب الأنصاري بإشاعات المنافقين قال: (سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم) (٢). وقد أمر النبي ﷺ بإقامة حد القذف على مسطح وحسان وحمنة (٣)، أما عبد الله بن أبي بن سلول الذي تولى كبر الإفك وقاد حملة الدعاية فلم يقم عليه الحد ولعل ذلك لأن إقامة الحدود فيها كفارة عن الجناة، وهو ممن توعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة فليس أهلاً لإقامة الحد عليه، وقيل لأن هذا المنافق كان لا يترك دليلاً ضده فلا يتكلم بالإفك أمام المؤمنين (٤). وقد وردت أحاديث ضعيفة تفيد إقامة الحد عليه أيضاً (٥). والحق أن حادثة الإفك كادت تشعل نار العصبية من جديد بين الأوس والخزرج هذه المرة حيث تجادل زعماؤهم بغضب في المسجد، وكان هذا هو مقصد المنافقين أن يهدموا وحدة المسلمين ويزعزعوا ثقتهم بقيادتهم، ويشعلوا نار الفتنة. بينهم، ولكن الله سلم، وتمكن الرسول ﵊ من تهدئة الجميع والحفاظ على وحدتهم والخروج من الامتحان الصعب بنجاح.

стр. 405

وقد نالت عائشة (رض) تعويضاً عن محنتها وصبرها وحسن توكلها على الله فنزل في براءتها قرآن يتعبد به الناس على مر الدهور. وما أن رجع الرسول ﷺ إلى المدينة حتى جاءته جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار تستعينه في عتق نفسها من ثابت بن قيس بن الشماس الذي وقعت في سهمه، وكانت قد كاتبته، وقد ذكرت للرسول مكانها في قومها، فقضى عنها في كتابها وتزوجها فلما علم الناس بذلك أطلقوا سائر السبي وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ فأعتق مائة أهل بيت، "فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها" (١) فكان عتقها صداقها. وقد جاء الحارث بن أبي ضرار إلى المدينة وطلب من الرسول ﷺ أن يخلي سبيلها، فأذن له أن يخيرها، فلما خيرها اختارت البقاء مع رسول الله ﷺ (٢). وقد أسلم الحارث بن أبي ضرار وقومه، وجعله الرسول ﷺ يلي صدقات قومه (٣). وكان لزواج الرسول ﷺ من جويرية وإطلاق السبي أثر بالغ في تأليف قلوبهم , فبدأوا عهداً جديداً من المشاركة في الجهاد ذوداً عن الإسلام، ومن الطاعة والانقياد لأحكامه حتى إذا تأخر مصدق الرسول ﷺ مرة عن موعد دفع الزكاة قلق الحارث بن أبي ضرار وقومه واعتزموا المضي إلى رسول الله ﷺ لمعرفة السبب، وكان الرسول ﷺ قد أرسل الوليد بن عقبة ليقبض صدقاتهم، فمضى بعض الطريق ثم خافهم فرجع وزعم أنهم منعوه الزكاة وأرادوا قتله، فأتى الرسول ﷺ سرية إليهم فحلف لهم أنه ما رأى الوليد ومضى معهم إلى الرسول ﷺ فوضح موقفه فنزلت بحقه الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ

стр. 406

جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١) (٢) وهو من أحسن ما روى في سبب نزول هذه الآية كما يقول ابن كثير (٣). وقد حدثت هذه الحادثة بعد إسلام الوليد بن عقبة في فتح مكة (٤). مما يشير إلى توطد الإسلام في بني المصطلق وحسن إسلامهم بعد غزوة بني المصطلق بسنوات قليلة. ومن الأحكام المستنبطة من هذه الغزوة جواز الإغارة على من بلغتهم دعوة الإسلام دون إنذار. أما من لم تبلغهم دعوة الإسلام فتجب دعوتهم أولا قبل قتالهم. ومنها صحة جعل العتق صداقاً كما فعل ﷺ مع جويرية بنت الحارث في هذه الغزوة، وكما فعل مع صفية بنت حيي بن أخطب في غزوة خيبر (٥) - فيما بعد. ومنها مشروعية القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن كما فعل الرسول ﷺ في هذه الغزرة حيث أصابت القرعة عائشة فخرج بها (٦). وقد ذكر الواقدي

стр. 407

خروج أم سلمة أيضاً في هذه الغزوة لم يثبت (١). وخروج عائشة يدل على جواز خروج النساء في الغزو، وقد تقدم في غزوة أحد ذكر ذلك وبيان حدوده. ومن الأحكام ثبوت إقامة الحد على القاذفين. ومنها جواز استرقاق العرب كما حدث في الغزوة وهو قول جمهور العلماء (٢). وقد أجمع العلماء قاطبة على أن من سب عائشة ﵂ بعد براءتها براءة قطعية بنص القرآن، ورماها بما اتهمت به فإنه كافر لأنه معاند للقرآن (٣). ومن الأحكام التي عرفت في هذه الغزوة حكم العزل عن النساء حيث سأل الصحابة الرسول ﷺ عنه فأذن به وقال: "ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" (٤). فذهب الجمهور إلى جواز العزل عن الزوجة الحرة بإذنها (٥). وفي حادثة الإفك توضيح دقيق لبشرية الرسول ﷺ فقد تأثر أبلغ التأثر لرمي المنافقين زوجه. ومع حرصه عليها وحبه لها ولأبيها، فإنه لم يتمكن من الكشف عن الغيب أو استحضار الوحي الذي انقطع عنه شهراً ليجري عليه الابتلاء والامتحان. فلو كان الوحي إلهاماً أو تألقاً عقلياً - أي انبثاقاً من فكرة - فإن الحوافز الكثيرة التي أثرت في كيانه وأقلقت فكره وحفزت عاطفته كانت كفيلة بانطلاق الوحي لإنهاء الصراع والقلق والألم في نفسه ﵊ ولكن الرسول كما حكى القرآن ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٦) ولا سلطان له على الوحي ولا يقدر على استحضاره ولا الإضافة إليه ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ

стр. 408

الْأَقَاوِيلِ (٤٣) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١). ولا شك أن حركات المسلمين العسكرية في أنحاء شبه الجزيرة العربية وتحديهم لقريش في بدر الموعد، واستمرارهم في الضغط على اقتصاد مكة بالسيطرة على الطرق التجارية كل ذلك كان يهييء ظرفاً مناسباً لتحالف المشركين مع يهود الذين أجلى المسلمون منهم بني قينقاع وبني النضير عن المدينة, وبقيت قريظة ظاهرها احترام الحلف بينها وبين المسلمين وباطنها الحقد والرغبة في الانتقاض والانتقام وقد تكشفت حقيقة ذلك فيما حدث في غزوة الأحزاب ..

стр. 409

(صفحة تحتوي على خريطة أثرية للمدينة المنورة)

стр. 410

غزوة الخندق (الأحزاب) وقد جرت غزوة الأحزاب في شوال سنة خمس، وهو قول جمهور العلماء ومنهم ابن إسحق والواقدي ومن تابعهم (١)، ونقل عن الزهري ومالك بن أنس وموسى بن عقبة أنها سنة أربع (٢)، ولا اختلاف بين القولين في الحقيقة، لأن القائلين أنها سنة أربع كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، فتكون غزوة بدر عندهم في السنة الأولى وأحد في الثانية والخندق في الرابعة، وهو مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة (٣). فإذاً لا اختلاف بين المؤرخين في أن الخندق في السنة الخامسة. وقد شذ ابن حزم بقوله أنه لم يكن بين أحد والخندق سوى سنة واحدة (٤)، وبني رأيه على ظاهر حديث عبد الله بن عمر بأن الرسول ﷺ رده يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة (٥). ولكن البيهقي وابن القيم والذهبي وابن حجر فسروا ذلك بأن ابن عمر كان يوم أحد في بداية الرابعة عشرة ويوم الخندق في نهاية الخامسة عشرة (٦). وهو الموافق لقول جمهور علماء السيرة. وتعتبر غزوة الأحزاب للمدينة حلقة من حلقات الصراع العسكري بين المسلمين وقريش فالحرب معلنة بين الطرفين، ولا حاجة لتلمس الأسباب الرئيسية لوقوع القتال، ولكن ثمة عوامل مباشرة في التأثير يمكن بيانها، فغزوة الأحزاب جاءت على أثر إخفاق قريش في تحرير طرق تجارتها إلى الشام في غزوة

стр. 411

أحد، فقد أوقع المشركون خسائر بالمسلمين في أحد، لكنهم عجزوا عن القضاء عليهم أو دخول بلدتهم، وظلت طرق التجارة القرشية مهددة، ونشطت سرايا المسلمين وغزواتهم بعد أحد حتى محت آثار أحد في المدينة والبوادي معاً، فكانت قريش تفكر بالقيام بعمل عسكري يحسم الموقف لصالحها بالقضاء على المسلمين في المدينة قضاء مبرماً، ونظراً إلى أن قوة قريش وحدها لا تكفي لإنجاز المهمة، فقد سعت قريش إلى التحالف مع الآخرين لحرب المسلمين، وجاءت الفرصة المواتية عندما أجلى الرسول ﷺ يهود بني النضير من المدينة، فذهب عدد من زعمائهم الموتورين إلى خيبر، ومن هناك بدأوا اتصالاتهم بقريش والقبائل الأخرى للثأر لأنفسهم والعودة إلى أرضهم وأموالهم في المدينة، وهكذا خرج وفد منهم إلى مكة فيهم سلام بن أبي الحقيق النضري وحيي بن أخطب النضري، فدعوا قريشاً إلى حرب المسلمين ووعدوهم أن يقاتلوا معهم وشهدوا بأن الشرك خير من الإسلام، وقد نزلت في ذلك الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١) ثم خرجوا من مكة إلى نجد حيث حالفوا قبيلة غطفان الكبيرة على حرب المسلمين وهكذا تحالف الأحزاب بجهود من يهود بني النضير (٢). ويذكر موسى بن عقبة أن وفد اليهود وعد غطفان بنصف ثمر خيبر لإغرائها بالمشاركة في التحالف (٣). وكان مكان تجمع جيش قريش وحلفائها في مر الظهران التي تبعد أربعين كيلاً عن مكة، حيث وافاهم حلفاؤهم من بني سليم (٤) وكنانة وأهل تهامة.

стр. 412

والأحابيش، ثم تحركوا نحو المدينة حتى نزلوا بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة. أما غطفان وبنو أسد فنزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد (١) وقد سمى السيوطي القبائل النجدية المشاركة - ومعظمها فروع من غطفان - وهي: غطفان وبنو سليم وبنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة (٢). وما أن علم المسلمون بخبر تجمع الأحزاب لغزوهم حتى بدأ الرسول ﷺ باستشارتهم فيما ينبغي عمله لمواجهة الموقف، وكان هذا دأبه في المواقف كلها تأليفاً لقلوب أصحابه ويقتدي به من بعده وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية الأخرى (٣)، وتدريباً لهم على التفكير بالمشاكل التي تواجه المجتمع والدولة فيظهر فيهم القادة النابهون والساسة المتمرسون، وليشعروا بمسئوليتهم تجاه القضايا العامة ومشاركتهم فيها. وقد أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق (٤) في المنطقة الشمالية من المدينة ليربط بين طرفي حرة واقم وحرة الوبرة، وهي المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة، أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن تتشابك فيها الأبنية وأشجار النخيل وتحيطها الحرات التي يصعب على الإبل والمشاة السير فيها (٥). ولم يعترض أحد على خطة الدفاع عن المدينة، فقد كانت جموع الأحزاب كبيرة، وكانت دروس أحد ماثلة قريبة، والخندق يشكل حاجزاً يمنع الالتحام المباشر بين الغزاة والمسلمين، ويمنع اقتحام المدينة، ويوفر للمسلمين موقعاً دفاعياً جيداً، فيكبدون الغزاة الخسائر برشقهم بالسهام من رواء الخندق.

стр. 413

وشرع المسلمون بحفر الخندق، وكان يمتد من أم الشيخين طرف بني حارثة شرقاً حتى المذاذ غرباً (١)، وكان طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة. وكان على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعاً (٢). وقد تولى المهاجرين الحفر من ناحية حصن راتج في الشرق إلى حصن ذباب، والأنصار من حصن ذباب إلى جبل عبيد في الغرب (٣). وقد تم الحرف بسرعة رغم الجو البارد والمجاعة التي أصابت المدينة في ذلك الوقت (٤). فكان طعام الجيش قليلاً من الشعير يخلط بدهن سنخ (متغير الرائحة لقدمه) ويطبخ فيأكلونه رغم طعمه الكريه ورائحته المنتنة لفرط الجوع (٥). وأحياناً لا يجدون سوى التمر (٦)، وقد يلبثون ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً (٧). ولكن حرارة الإيمان طغت على آثار البرد والجوع القارصين، فكان المسلمون يعملون بقوة ويحملون التراب على أكتافهم، وفيهم من كان لا يخدم نفسه من التجار والزعماء، وقد استووا جميعاً في الحفر وحمل الأتربة وهم في غاية الحماس يرددون الأهازيج، والرسول ﷺ يحفر معهم وينقل التراب حتى اغبرَّ بطنه ووارى التراب جلده، وقد شدَّ على بطنه حجراَّ لفرط الجوع (٨)، وكان الصحابة يلجأون إليه إذا عرضت لهم الصخرة الكبيرة فيأخذ المعول ويفتت الصخرة (٩).

стр. 414

وكان يردد معهم الأهازيج والأرجاز مشاركة لهم وتواضعاً، ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لا قينا إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا وكان يمد صوته بآخرها (١). وكان المسلمون يقولون وهم يحفرون وينقلون التراب: نحن الذين بايعوا محمداً ... على الإسلام ما بقينا أبَدَاً فكان يجيبهم بقوله: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة" (٢)، وربما يبدؤهم بقوله فيردون عليه بقولهم (٣). وكان لمشاركته ﷺ بصورة فعلية - وليست رمزية - أثر كبير في الروح التي سادت موقع العمل، وقد تمكن المسلمون من إنجاز الخندق في ستة أيام فقط (٤). وبذلك نفذوا متطلبات خطة الدفاع عن المدينة قبل وصول الأحزاب. وقد حدثت عدة معجزات للنبي ﷺ أثناء حفر الخندق، منها تكثير الطعام، فقد لاحظ الصحابي جابر بن عبد الله ما أصاب الرسول ﷺ من الجوع الشديد فطلب من زوجته أن تصنع له طعاماً، فذبح معزى له، وطحنت زوجته صاعاً من شعير، وصنعت برمة، وذهب جابر فدعا النبي ﷺ إلى الطعام، وساره بكمية الطعام، فصاح النبي بالمسلمين ودعاهم إلى طعام جابر، فحضر

стр. 415

منهم ألف، وأسقط في يد جابر وأهله، لكن النبي ﷺ بارك في البرمة فأكل منها الجميع حتى شبعوا وتركوا فيها الكثير، فأكل منه أهل جابر وأهدوا منه (١). ومن معجزاته إخباره لعمار بن ياسر وهو يحفر بأمر غيبي حيث قال له: "تقتلك الفئة الباغية" فكان أن قتل في صفين (٢). وعندما واجهت الصحابة صخرة عجزوا عن كسرها أثناء الحفر ضربها الرسول ﷺ ثلاث ضربات ففتتها وقال إثر الضربة الأولى: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضربها الثانية، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة (٣). وهكذا بشرهم بما سيكون من فتوح لهذه البلدان وهم محصورون في خندق يقرصهم البرد والجوع! فقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٤) وأما المنافقون فقد سخروا من هذه البشارة وقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٥). وموقف المنافقين كان يتسم بالجبن والإرجاف وتخذيل المؤمنين، وقد وردت روايات ضعيفة تحكي

стр. 416

أقوالهم في السخرية والإرجاف والتخذيل (١)، ولكن القرآن الكريم يتكفل بتصوير ذلك أدق تصوير والآيات هي: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

стр. 417

﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١). والآيات تشير إلى حالة النفاق وما تولده من القلق في النفوس والجبن في القلوب وانعدام الثقة بالله عند تعاظم الخطوب والجرأة على الله تعالى بدل اللجوء إليه عند الامتحان، ولا يقف الأمر عند الاعتقاد بل يتبعه العمل المخذل المرجف، فهم يستأذنون الرسول ﷺ للانصراف عن ميدان العمل والقتال بحجج واهية زاعمين أن بيوتهم مكشوفة للأعداء، وإنما يقصدون الفرار من الموت لضعف معتقدهم وللخوف المسيطر عليهم، بل ويحثون الآخرين على ترك مواقعهم والرجوع إلى بيوتهم، ولم يراعوا عقد الإيمان وعهود الإسلام. ورغم كل تخذيل المنافقين وإرجافهم وظروف المجاعة وشدة البرد، فقد مضى المسلمون في تنفيذ مهامهم وإكمال خطة الدفاع عن المدينة، فلما أنجز الخندق، وضع الرسول ﷺ النساء والأطفال في حصن فارع (٢) وهو أقوى حصون المسلمين وهو لبني حارثة (٣). وقد رتب النبي ﷺ جيشه، فأسند ظهرهم إلى جبل سلع داخل المدينة (٤)، ووجوهم إلى الخندق الذي يفصل بينهم وبين المشركين الذين نزلوا رومة بني الجرف والغابة ونقمى (٥).

стр. 418

وكان تفوق المشركين العددي كبيراً فقد بلغوا عشرة آلاف مقاتل (١)، وذكر ابن سعد أن قريشاً وأحابيشها ومن قدم معها من العرب كانوا أربعة آلاف ومعهم ثلثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير ثم التحق بهم بنو سليم بمر الظهران وهم سبعمائة (٢). وأضاف ابن الجوزي أن فزارة كانوا ألف رجل، وأشجع كانوا أربعمائة رجل وبنو مرة كانوا أربعمائة (٣). وبذلك يكون جملة العدد ستة آلاف وخمسمائة مقاتل، وتكون بقية العشرة آلاف مقاتل من بني أسد وبقية غطفان. وأما جيش المسلمين فقد ذكر ابن إسحق أنهم ثلاثة آلاف مقاتل (٤). وتابعه جمهور علماء السيرة. وجزم ابن حزم أنهم سبعمائة فقط (٥)، وقد بنى ذلك على أساس أن المسلمين كانوا سبعمائة بأحد وبينها وبين الخندق في رأيه سنة واحدة فمن أين صار للمسلمين ثلاثة آلاف مقاتل!!. ورأي ابن حزم الذي جزم بصحته لا يصح، فالذين شهدوا الوليمة وحدهم في بيت جابر بن عبد الله كانوا ألفاً كما في الحديث الصحيح. والذين كانوا يقومون بالدوريات لحراسة المدينة كانوا خمسمائة (٦)، فكيف يكون سائر الجيش تسعمائة!!. وما بين أحد والخندق سنتان وقد كبر من الصبيان عدد ممن لم يشهدوا أحداً لصغر سنهم، وقام المسلمون بنشاط كبير في الدعوة إلى الإسلام رغم الأخطار، وكانت الهجرة إلى المدينة تعقب دخول الإسلام، فلا غرابة إذا ما زاد عدد جيش المسلمين.

стр. 419

ولما رأى الرسول ﷺ كثرة الأحزاب، رأى أن يخفف الضغط على المدينة، وأن يصالح غطفان بأن يعطيهم ثلث ثمار المدينة لعام، لكنه لما شاور سعد بن معاذ زعيم الأوس وسعد بن عبادة زعيم الخزرج قالا: "لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام". وفي رواية الطبراني أنهما قالا: يا رسول الله أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى. فقطع رسول الله ﷺ المفاوضة مع الأعراب. وكان يمثلهم الحارث الغطفاني قائد بني مرة (١). وقد اشتد الخطب على المسلمين عندما بلغهم أن حلفاءهم يهود بني قريظة قد نكثوا العهد وغدروا بهم، وكانت ديار بني قريظة في العوالي في الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مهزور، فكان موقعهم يمكنهم من إيقاع ضربة بالمسلمين من الخلف. وقد أرسل الرسول ﷺ الزبير بن العوام إلى بني قريظة للاستطلاع، فلما رجع قال له: فداك أبي وأمي، وقال: إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير (٢). ثم أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فمضيا إلى بني قريظة فوجداها قد نقضت العهد ومزقت الصحيفة إلا بني سعنة فإنهم خرجوا من الحصون إلى المسلمين وفاء بالعهد. وكان ذلك على أثر سفارة حيي بن أخطب النضري الذي أقنع كعب بن أسد القرظي بنقض العهد مع المسلمين مبيناً له قوة الأحزاب وأنهم قادرون على القضاء على المسلمين مواعداً له إن رجع الأحزاب

стр. 420

عن المدينة أن يدخل معه حصنه، فأعلنت قريظة نقض العهد، وشاع الخبر بين المسلمين، فخافوا على نسائهم وأطفالهم من بني قريظة (١). وقد وصف القرآن الكريم البلاء الذي أصاب المسلمين في الآية ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٢). فالأحزاب جاءوا فوقهم وبنو قريظة من أسفل منهم والمنافقون ظنوا بالله الظنونا. فأصاب المسلمين زلزال شديد وبلاء عظيم، ولكن الإيمان العميق والتربية الدقيقة جعلت المسلمين يصمدون أمام سائر هذه الأخطار. وقد نظمت الدوريات لحراسة المدينة فكان سلمة بن أسلم الأوسي يقود مائتي رجل وزيد بن حارثة يقود ثلثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير لإشعار بني قريظة بيقظتهم ووجودهم خوفاً منها على النساء والأطفال في الحصون (٣). وقد فوجئت قريش برؤية الخندق، واحتاروا في كيفية اقتحامه، إذا كلما هموا بذلك أمطرهم المسلمون بالسهام، واشتد الحصار وطال أربعا وعشرين ليلة (٤). لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبال، وقال قتادة إن الحصار دام شهراً (٥)، وقال موسى بن عقبة دام عشرين ليلة (٦).

стр. 421

وقد أورد ابن إسحق وابن سعد روايات دون أسانيد تفيد أن بعض المشركين اقتحموا الخندق وذكرا أسماء خمسة منهم، وأن علياً بارز عمرو بن عبد ود فارس قريش وقتله، وأن الزبير قتل نوفل المخزومي وأن الثلاثة الآخرين فروا إلى معسكرهم (١). ولكن هجمات المشركين لم تنقطع حتى إن الرسول ﷺ والمسلمين لم يتمكنوا من أداء صلاة العصر - في أحد الأيام - في وقتها بل صلوها بعدما غربت الشمس (٢). ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد لأنها إنما شرعت بعد ذلك في غزوة ذات الرقاع (٣). ورغم طول مدة الحصار فقد استشهد من المسلمين ثمانية (٤)، منهم سعد بن معاذ زعيم الأوس، أصيب في أكحله (٥)، فضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، ثم مات بعد غزوة بني قريظة، حيث انتقض جرحه (٦). وكان من خيرة الصحابة وله مناقب كثيرة وتضحيات عظيمة من أجل قضية الإسلام (٧). وقتل من المشركين أربعة، فكانت غزوة الخندق أقل الغزوات قتلى رغم كثرة أعداد المشتركين فيها من الجانبين إذ لم يقع التحام مباشر بينهم حيث حال الخندق دون ذلك.

стр. 422

وكان طول الحصار سبباً في إضعاف معنوية الأحزاب، خاصة إن أهدافهم لم تكن واحدة، فقريش تريد القضاء على المسلمين لتحرير طرق تجارتها وللانتصار لوثنيتها، والأعراب يريدون نصراً سريعاً لنهب المدينة، ويهود مترددة بحيث لم تدخل القتال رغم نقضها للعهد خوفاً من ترك الأحزاب للحصار وجعلها تقف وحدها وجهاً لوجه أمام المسلمين فهي تريد رهائن قبل اشتراكها في القتال. وقد ساق ابن إسحق وموسى بن عقبة والواقدي أخباراً وحكايات حول دور نعيم بن مسعود الغطفاني، وأنه كان مسلماً جديداً لا تعرف قريش ويهود والأعراب بإسلامه، فقام بزرع الشك بين الأطراف المتحالفة بأمر من رسول الله ﷺ ، فأغرى اليهود بطلب رهائن من قريش لئلا تدعهم وتنصرف عن الحصار، وقال لقريش بأن يهود إنما تطلب الرهائن لتسليمها للمسلمين ثمنا لعودتها إلى صلحهم، وهذه الروايات لا تثبت من الناحية الحديثية، ولكنها اشتهرت في كتب السيرة (١). وهي لا تتنافى مع قواعد السياسة الشرعية فالحرب خدعة (٢). وأياً كان فإن معنوية الأحزاب انهارت لطول الحصار من ناحية ولهبوب العواصف الشديدة الباردة فقد نصر الله المسلمين بريح الصبا (٣). فاقتلعت خيامهم وكفأت قدورهم وأطفأت نيرانهم ودفنت رجالهم، فنادى فيهم أبو سفيان بالرحيل (٤). وما نالهم من الغزوة سوى التعب وخسارة النفقات. وقد ثبت ذلك بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

стр. 423

إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١). ولنترك الحديث لشاهد عيان هو حذيفة بن اليمان الذي أرسله الرسول ﷺ لاستطلاع حال الأحزاب قال: "لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذننا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة"؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد" ثم كرر قوله مرتين فلم يجبه أحد، "فقال: قم يا حذيفة، فأتتا بخبر القوم. فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم على)، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار فوضعت سهماً في كبد القوس، فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ﷺ (ولا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت (٢)، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قم يا نومان" (٣). وفي رواية البزار لما رجع حذيفة إلى الرسول ﷺ قال: "يا رسول الله تفرق الناس عن أبي سفيان، فلم يبق إلاّ في عصبة يوقد النار وقد صب الله عليهم من البرد مثل الذي صب علينا ولكنا نرجو من الله مالا يرجون" (٤). وهكذا انفض الأحزاب عن المدينة فتنفس المسلمون الصعداء ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا

стр. 424

عَزِيزًا﴾ (١). واستجاب الله لدعاء نبيه خلال الحصار "أللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم" (٢). وقد عبر الرسول ﷺ عن الآثار الخطيرة التي ترتبت على فشل الأحزاب في غزوة المدينة رغم ما حشدوه من طاقاتهم- وهو أقصى ما يستطيعون- بقوله "الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم" (٣) مما يدل على تغير الاستراتيجية الإسلامية من مرحلة الدفاع عن المدينة إلى مرحلة الهجوم ومما يوضح ذلك أن مسرح الأحداث انتقل من المدينة وما حولها إلى مكة والطائف ثم تبوك بعيداً عن عاصمة الإسلام "المدينة المنورة". * * *

стр. 425

في أعقاب غزوة الخندق سرية الخبط (سرية سيف البحر) استثمر المسلمون ما أصاب الأحزاب من فشل، وضيقوا على قريش الخناق الاقتصادي من جديد فأرسل النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار لرصد قافلة لقريش قرب ساحل البحر فأصابهم الجوع حتى أكلوا الخبط، فسمي جش الخبط، وقد نحروا بعض الإبل ثم نهاهم أبو عبيدة لحاجتهم إليها إذا لقوا عدوهم، فألقى إليهم البحر بحوت عظيمة فأكلوا منها نصف شهر وحملوا بعضها إلى النبي ﷺ فأكل منها (١). ولعل هذه السرية آخر ما أرسل من سرايا وبعوث لتهديد تجارة مكة حيث توقف ذلك تطبيقاً لمعاهدة صلح الحديبية بعد أن أجهدت اقتصاد مكة حيث عبر أبو سفيان عن ذلك بقوله "وكانت الحرب قد حصبتنا" (٢).
следующие страницы →