← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقد أورد ابن إسحق وابن سعد روايات دون أسانيد تفيد أن بعض المشركين اقتحموا الخندق وذكرا أسماء خمسة منهم، وأن علياً بارز عمرو بن عبد ود فارس قريش وقتله، وأن الزبير قتل نوفل المخزومي وأن الثلاثة الآخرين فروا إلى معسكرهم (١). ولكن هجمات المشركين لم تنقطع حتى إن الرسول ﷺ والمسلمين لم يتمكنوا من أداء صلاة العصر - في أحد الأيام - في وقتها بل صلوها بعدما غربت الشمس (٢). ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد لأنها إنما شرعت بعد ذلك في غزوة ذات الرقاع (٣). ورغم طول مدة الحصار فقد استشهد من المسلمين ثمانية (٤)، منهم سعد بن معاذ زعيم الأوس، أصيب في أكحله (٥)، فضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، ثم مات بعد غزوة بني قريظة، حيث انتقض جرحه (٦). وكان من خيرة الصحابة وله مناقب كثيرة وتضحيات عظيمة من أجل قضية الإسلام (٧). وقتل من المشركين أربعة، فكانت غزوة الخندق أقل الغزوات قتلى رغم كثرة أعداد المشتركين فيها من الجانبين إذ لم يقع التحام مباشر بينهم حيث حال الخندق دون ذلك.

стр. 422

وكان طول الحصار سبباً في إضعاف معنوية الأحزاب، خاصة إن أهدافهم لم تكن واحدة، فقريش تريد القضاء على المسلمين لتحرير طرق تجارتها وللانتصار لوثنيتها، والأعراب يريدون نصراً سريعاً لنهب المدينة، ويهود مترددة بحيث لم تدخل القتال رغم نقضها للعهد خوفاً من ترك الأحزاب للحصار وجعلها تقف وحدها وجهاً لوجه أمام المسلمين فهي تريد رهائن قبل اشتراكها في القتال. وقد ساق ابن إسحق وموسى بن عقبة والواقدي أخباراً وحكايات حول دور نعيم بن مسعود الغطفاني، وأنه كان مسلماً جديداً لا تعرف قريش ويهود والأعراب بإسلامه، فقام بزرع الشك بين الأطراف المتحالفة بأمر من رسول الله ﷺ ، فأغرى اليهود بطلب رهائن من قريش لئلا تدعهم وتنصرف عن الحصار، وقال لقريش بأن يهود إنما تطلب الرهائن لتسليمها للمسلمين ثمنا لعودتها إلى صلحهم، وهذه الروايات لا تثبت من الناحية الحديثية، ولكنها اشتهرت في كتب السيرة (١). وهي لا تتنافى مع قواعد السياسة الشرعية فالحرب خدعة (٢). وأياً كان فإن معنوية الأحزاب انهارت لطول الحصار من ناحية ولهبوب العواصف الشديدة الباردة فقد نصر الله المسلمين بريح الصبا (٣). فاقتلعت خيامهم وكفأت قدورهم وأطفأت نيرانهم ودفنت رجالهم، فنادى فيهم أبو سفيان بالرحيل (٤). وما نالهم من الغزوة سوى التعب وخسارة النفقات. وقد ثبت ذلك بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

стр. 423

إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١). ولنترك الحديث لشاهد عيان هو حذيفة بن اليمان الذي أرسله الرسول ﷺ لاستطلاع حال الأحزاب قال: "لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذننا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة"؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد" ثم كرر قوله مرتين فلم يجبه أحد، "فقال: قم يا حذيفة، فأتتا بخبر القوم. فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم على)، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار فوضعت سهماً في كبد القوس، فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ﷺ (ولا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت (٢)، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قم يا نومان" (٣). وفي رواية البزار لما رجع حذيفة إلى الرسول ﷺ قال: "يا رسول الله تفرق الناس عن أبي سفيان، فلم يبق إلاّ في عصبة يوقد النار وقد صب الله عليهم من البرد مثل الذي صب علينا ولكنا نرجو من الله مالا يرجون" (٤). وهكذا انفض الأحزاب عن المدينة فتنفس المسلمون الصعداء ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا

стр. 424

عَزِيزًا﴾ (١). واستجاب الله لدعاء نبيه خلال الحصار "أللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم" (٢). وقد عبر الرسول ﷺ عن الآثار الخطيرة التي ترتبت على فشل الأحزاب في غزوة المدينة رغم ما حشدوه من طاقاتهم- وهو أقصى ما يستطيعون- بقوله "الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم" (٣) مما يدل على تغير الاستراتيجية الإسلامية من مرحلة الدفاع عن المدينة إلى مرحلة الهجوم ومما يوضح ذلك أن مسرح الأحداث انتقل من المدينة وما حولها إلى مكة والطائف ثم تبوك بعيداً عن عاصمة الإسلام "المدينة المنورة". * * *

стр. 425

في أعقاب غزوة الخندق سرية الخبط (سرية سيف البحر) استثمر المسلمون ما أصاب الأحزاب من فشل، وضيقوا على قريش الخناق الاقتصادي من جديد فأرسل النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار لرصد قافلة لقريش قرب ساحل البحر فأصابهم الجوع حتى أكلوا الخبط، فسمي جش الخبط، وقد نحروا بعض الإبل ثم نهاهم أبو عبيدة لحاجتهم إليها إذا لقوا عدوهم، فألقى إليهم البحر بحوت عظيمة فأكلوا منها نصف شهر وحملوا بعضها إلى النبي ﷺ فأكل منها (١). ولعل هذه السرية آخر ما أرسل من سرايا وبعوث لتهديد تجارة مكة حيث توقف ذلك تطبيقاً لمعاهدة صلح الحديبية بعد أن أجهدت اقتصاد مكة حيث عبر أبو سفيان عن ذلك بقوله "وكانت الحرب قد حصبتنا" (٢).

стр. 426

غزوة الحديبية الحديبية اسم بئر تقع على بعد اثنين وعشرين كيلاً إلى الشمال الغربي من مكة وتعرف الأن بالشميسي، وفيها حدائق الحديبية ومسجد الرضوان (١). وأطرافها تدخل في حدود الحرم المكي ومعظمها من الحِلِّ خارجه (٢). وقد سميت الغزوة بها لأن قريشاً منعت المسلمين من دخول مكة وهم في الحديبية. وكان خروج الرسول ﷺ إلى الحديبية في يوم الاثنين مستهل ذي القعدة من السنة السادسة (٣). وقد قصد بخروجه العمرة (٤)، وفي ذلك إظهار لحقيقة مشاعر المسلمين نحو البيت العتيق وتعظيمهم له، وإبطال لدعاية قريش المعادية التي تريد إظهارهم وكأنهم لا يعترفون بحرمة الكعبة. ولا يخفى أن هذه التظاهرة الإسلامية تبرز قوة المسلمين في أرجاء الجزيرة العربية، خاصة بعد فشل غزوة الأحزاب، وكانت قريش تفطن لهذه المعاني عندما منعت المسلمين من دخول مكة وأداء العمرة. وكان الرسول ﷺ يتوقع أن تصده قريش وقد تقاتله، لذلك أراد أن يخرج بأكبر عدد من المسلمين، فاستنفر أهل البوادي من الأعراب فأبطأوا عليه فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار وقد سجل القرآن الكريم على الأعراب هذا الموقف الضعيف: ﴿سَيَقُولُ لَكَ

стр. 427

الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (١). وقد ذكر مجاهد: أن المراد بالآية أعراب المدينة جهينة ومزينة (٢). ونظرا لتوقع الشر من قريش فإن المسلمين أخذوا معهم سلاحهم فكانوا مستعدين للقتال (٣). خلافا لما ذكر الواقدي من كونهم لم يحملوا السلاح (٤). وبلغ عدد المسلمين في الحديبية ألفاً وأربعمائة رجل، ذكر ذلك شهود العيان من الصحابة وهم جابر بن عبد الله والبراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع (٥) والمسيب بن حزن (٦). وقال جابر في رواية أنهم ألف وخمسماثة (٧). وقال الصحابي عبد الله بن أبي أوفى أنهم ألف وثلثمائة (٨). واتفاق خمسة من شهود العيان على أنهم ألف وأربعمائة أولى من سواه من الأقوال فهو أصح الصحيح، وإن كان الجمع ليس بمتعذر والاختلاف ليس بكبير.

стр. 428

وقد صلى المسلمون بذي الحليفة وأحرموا بالعمرة (١) وساقوا الهدي سبعين بدنة (٢)، وبعث الرسول ﷺ عيناً إلى مكة هو بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي (٣). ولما بلغ المسلمون الروحاء على بعد ٧٣ كيلاً عن المدينة، أرسل أبا قتادة الأنصاري- ولم يكن محرماً بالعمرة- مع جمع من الصحابة إلى غيقة على ساحل البحر الأحمر حيث بلغه وجود بعض المشركين الذين يخشى من مباغتتهم للمسلمين، وقد اصطاد لهم أبو قتادة حمارا وحشيا وهم حرم فأكلوا منه ثم شكوا في حل ذلك، فالتقوا بالرسول ﷺ في السقيا على بعد ١٨٠ كيلاً عن المدينة فسألوه فأذن لأصحابه بأكل اللحم ما داموا لم يعينوا على صيده (٤). ومضى المسلمون إلى أن وصلوا عسفان على ثمانين كيلاً من مكة فجاءهم بسر بن سفيان الكعبي بخبر قريش وأنها سمعت بمسيرهم، وجمعت لهم الجموع لصدهم عن دخول مكة، وأن خالد بن الوليد خرج بخيلهم إلى كراع الغميم- على بعد ٦٤ كيلاً عن مكة- طليعة، فاستشار النبي أصحابه في أن يغير على ديار الذين ناصروا قريشاً واجتمعوا معها ليدعوا قريشاً ويعودوا للدفاع عن ديارهم، فقال: (أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري

стр. 429

هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عيناً من المشركين وإلا تركناهم محروبين؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامراً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله) (١). وكان رسول الله ﷺ كثير الاستشارة لأصحابه. وقد صلى الرسول ﷺ بأصحابه بعسفان صلاة الخوف، وذلك عندما علم بقرب خيل المشركين منهم (٢)، فتكون أول صلاة خوف صلاها رسول الله ﷺ بعسفان في الحديبية (٣). على رأي من أخّر غزوة ذات الرقاع إلى ما بعد خيبر وهو الصحيح (٤). خلافاً لرأي ابن إسحق والواقدي ومن تبعهما (٥)، لأن أبا موسى الأشعري وأبا هريرة قدما على النبي ﷺ بعد فتح خيبر وليس قبل ذلك التاريخ وقد اشتركا في غزوة ذات الرقاع (٦)، فلزم أن تتأخر عن خيبر، ولزم أن تكون الصلاة بعسفان في الحديبية، إذ أعقبها الصلح ولم يجر قتال في مكة وما حولها حتى كان الفتح.

стр. 430

وسلك رسول الله ﷺ طريقاً وعرة عبر ثنية المرار وهي مهبط الحديبية وقال: "من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل" فكان أول من صعدها خيل الخزرج (١). وقد غبر الرسول ﷺ طريق جيشه تجنبا للقتال مع خالد بن الوليد وخيالة المشركين فلما أحس خالد بذلك رجع إلى مكة فخرجت قريش فعسكرت ببلدح (٢)، فنزلوا على الماء وسبقوا المسلمين إليه. حتى إذا اقترب الرسول ﷺ من الحديبية بركت ناقته فقالوا: خلات القصواء. فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" (٣) ثم عدل عن دخول مكة إلى أقصى الحديبية فنزل على بئر قليلة الماء فاشتكى المسلمون العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها فمازال يجيش بالري حتى صدروا عنه (٤)، فكان تكثير الماء من معجزاته ﵊ في هذه الغزوة. وكان الرسول ﷺ يحرص على الاستبقاء على حياة قريش ويأمل إسلامهم وإفادة الدعوة منهم فالناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وقريش من أكثر العرب فصاحة وذكاء وخبرة ومكانة، واستبقاؤها للأسلام فيه خير عظيم للدولة والدعوة كما برهنت الأيام. وها هو الرسول ﷺ

стр. 431

يتحسر لعناد قريش وفنائها في الحرب مع المسلمين، فيقول: "يا ويح قريش أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة .. " (١). وقد بين الرسول ﷺ لقريش عن طريق رجال محايدين أحياناً وبواسطة رسل أرسلهم لهذا الغرض أحياناً أخرى أنه لا يريد حرب أحد، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وقد قدم عليه بديل بن ورقاء الخزاعي وبيّن أن قريشاً تعتزم صد المسلمين عن دخول مكة، فأوضح له الرسول ﷺ موقفه، فقام بتوضيحه لقريش (٢)، فأجابته قريش: "وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدا عليناً ولا تتحدث بذلك العرب" (٣). والحق أن المسلمين كسبوا الموقف سياسياً سواء دخلوا مكة وتحدثت العرب عن ذلك، أو لم يدخلوا فتحدثت العرب عن صد قريش لمن قصدوا تعظيم البيت العتيق، بعد أن كانت قريش تدعي أن السلمين لا يحترمون المقدسات. وقد سعى الرسول ﷺ لبيان موقفه أمام الناس جميعاً، فأرسل رسله تترى إلى قريش يعلنون مقصدهم، فأرسل خراش بن أمية الخزاعي فأرادت قريش قتله لولا أن منعهم الأحابيش (٤). وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب ثم عدل عنه إلى عثمان بن عفان عندما بين عمر شديد عداوته لقريش وأنها تعلم ذلك وأن بني عدي قومه لا يحمونه (٥). فذهب عثمان إلى قريش، فأجاره أبان بن سعيد بن

стр. 432

العاص حتى أبلغهم رسالة النبي ﷺ . وقد سمحت له قريش بالطواف فأبى أن يسبق الرسول ﷺ بالطواف، وقد أخَّرته قريش فحسب المسلمون أنها قتلته (١). فدعا رسول الله ﷺ أصحابه للبيعة تحت شجرة سمرة فبايعوه جميعاً سوى الجد ابن قيس- وكان منافقاً (٢) - وكانت البيعة على الموت (٣). وفي روايات أخرى أنهم بايعوه على ألا يفروا وليس على الموت (٤). أو أنهم بايعوه على الصبر ولا تعارض في ذلك لأن المراد بالمبايعة على الموت ألا يفروا (٥). وأول من بادر إلى البيعة أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي (٦). ثم تتابع الأصحاب وقد أثنى الرسول ﷺ على موقف الصحابة ومبادرتهم إلى البيعة، فقال: "أنتم خير أهل الأرض" (٧). وقال: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" (٨). ولما كان عثمان محبوساً في قريش فقد قال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان" (٩). فعد في المبايعين تحت الشجرة، ولكن عثمان رجع إلى المسلمين بعد بيعة الرضوان مباشرة. وأرسلت قريش عدداً من الرسل للتفاوض، أولهم عروة بن مسعود الثقفي، وقد لاحظ تعظيم المسلمين للرسول ﷺ وحبهم له وتفانيهم في طاعته،

стр. 433

فلما رجع إلى قريش قال:"أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً" (١). ثم أرسلت قريش الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، فلما رآه الرسول ﷺ مقبلاً طلب من أصحابه أن يظهروا أمامه الإبل المشعرة، وأن يلبوا أمامه لأنه من قوم يعظمون ذلك، فلما رأى ذلك رجع إلى قريش، فقال: "رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت" (٢). فقالوا: أجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك (٣). ثم أرسلت قريش مكرز بن حفص وأعقبته بسهيل بن عمرو فقال النبي ﷺ متفائلاً: "لقد سهل لكم أمركم" (٤). وقال: "لقد أراد القوم الصلح حيث بعثوا هذا الرجل"، وكانت قريش قد ألزمت سهيل بن عمرو ألا يكون في صلحه إلا أن يرجع المسلمون دون عمرة في ذلك العام. وقد جرت مفاوضة طويلة بين الرسول ﷺ وسهيل بن عمرو وانتهت إلى عقد صلح الحديبية (٥). وقد وقع اختلاف في مقدمة العقد حيث أراد الرسول ﷺ إعطاءه صبغة إسلامية فاعترض سهيل بن عمرو، وكان علي بن أبي طالب يكتب العقد (٦)، فقال النبي ﷺ أكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: أما "الرحمن فو الله ما أدري ما هي ولكن أكتب "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال النبي ﷺ :

стр. 434

أكتب: "باسمك اللهم". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن أكتب "محمد بن عبد الله" فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: "محمد بن عبد الله" فقال النبي ﷺ : "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة (١). ولكن ذلك من العام المقبل فكتب. فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف (٢) في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال: والله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً. فقال النبي ﷺ : فأجزه لي (٣). فقال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك (٤). وقد تم الاتفاق على الأمور التالية: "على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه. وأن بيننا عيبة (٥) مكفوفة.

стр. 435

وأنه لا إسلال ولا إغلال (١). وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك. وأقمت فيها ثلاث معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب (٢) " (٣). وهكذا وقعت الهدنة لمدة عشر سنوات، على ألا يدخل المسلمون مكة إلا بعد مرور عام فيقيموا بها ثلاثة أيام معهم السيوف مغمودة فقط، ولا يقوم الطرفان بأي أعمال دعائية أو عدوانية، ويجوز للطرفين التحالف مع القبائل العربية على قدم المساواة، ويلتزم المسلمون برد المسلمين الفارين من قريش إليها، ولا تلتزم قريش برد المسلمين الفارين إليها. والواقع أن المسلمين تذمروا من هذه الاتفاقية وضاقوا بها ذرعاً، خاصة بعد أن جرت التعديلات على الصياغة الإسلامية للعقد، فقد اعتذر علي بن أبي طالب عن مسح كلمة "رسول الله" فأخذ الرسول الله ﷺ الكتاب فكتب (٤) ما أراد

стр. 436

سهيل بن عمرو. وغضب المسلمون لرد المسلمين الفارين من قريش إليها فقالوا: "يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم. إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً" (١). وظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب فراجع الرسول ﷺ في ذلك قال: "فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به" (٢). لكن عمر (رض) لم يكتف بذلك بل أعاد الكلام أمام أبي بكر (رض) بمثل كلامه مع رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: "يا عمر إلزم غرزه (٣) حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد" (٤). وقال عمر:"ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيراً" (٥).

стр. 437

وكان عمر (رض) يراجع الرسول ﷺ ليقف على الحكمة من موافقته على شروط الصلح، وكان يرغب في إذلال المشركين "فجميع ما صدر منه كان معذوراً فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه" (١). وكان المسلمون لا يشكون في دخول مكة فلما جرى الصلح تألموا "حتى كادوا أن يهلكوا" وخاصة عندما أعيد أبو جندل وهو يستنجد بهم ويقول: "يا معشر المسلمين أترودنني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني" والرسول ﷺ يقول: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً" (٢). وكان عمر يمشي بجنب أبي جندل يغريه بأبيه ويقرب إليه سيفه، لكن أبا جندل لم يفعل فأعيد (٣). ومما يعبر عن مشاعر المسلمين من إبرام الصلح فهو سهل بن حنيف يوم صفين: اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول الله لرددته" (٤). ولا شك أن ندم عمر (رض) ومن كره الصلح إنما هو لإبداء رأي مخالف لرأي ارتضاه الرسول ﷺ مع أن ما يقرره الرسول ﷺ نص لا مكان للرأي معه. لذلك لما علموا أنه أمر الله لم يكن منهم إلا التسليم (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة في أمرهم" (٥). ويلاحظ أن قريشاً لم تكف عن التحرش بالمسلمين خلال المفاوضات لكتابة الصلح بل وبعد إنجازه، وسواء أكان ذلك بعلم قادتها للضغط على المسلمين خلال المفاوضات، أم هو من تصرفات شبابها الطائشين، وقد احتمل المسلمين ذلك بانضباط دقيق، فقد أراد ثمانون رجلاً من أهل مكة أخذ معسكر

стр. 438

المسلمين غرةً فأسروا وعفا عنهم الرسول ﷺ فأطلقهم (١). وخرج على معسكر المسلمين ثلاثون شاباً من قريش أثناء كتابة الصلح فأسرهم المسلمون، وأطلق سراحهم النبي ﷺ (٢)، وحتى بعد إبرام الصلح واختلاط المسلمين بالمشركين كان أربعة من المشركين يقعون بالرسول ﷺ فأخذهم سلمة بن الأكوع إلى الرسول ﷺ فعفا عنهم، كما عفا عن سبعين من المشركين آخرين أسرهم المسلمون بعد إبرام الصلح، وقد نزلت في ذلك الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) (٤). ولعل هذه الأحداث إضافة لتصور معظم المسلمين أن في شروط الصلح إجحافاً بهم أدت إلى غضب المسلمين حتى إذا أمرهم الرسول ﷺ بأن ينحروا الهدي ويحلقوا رءوسهم وكرر ذلك ثلاث مرات لم يقم منهم أحد، فكأنهم كانوا يأملون العودة عن الصلح، فلما رأوه قام - بمشورة من أم سلمة (رض) - فذبح بدنه وحلق رأسه قاموا "فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً" (٥)!! فدعا رسول الله ﷺ لمن حلق منهم ثلاثاً ولمن قصَّر مرة (٦). وكان عدد ما نحره المسلمون من الإبل سبعين (٧). كل بدنة عن سبعة (٨).

стр. 439

وقد نحر الرسول ﷺ جملاً كان لأبي جهل غنمه المسلمون ببدر ليغيظ بذلك المشركين (١). وقد نحر الهدي في الحديبية في الحل (٢)، لكن بعض الهدي دخل به ناجية بن جندب منطقة الحرم فنحره (٣). وهكذا تحلل المسلمون من عمرتهم وشرع التحلل للمحصر وأنه لا يلزمه القضاء. ثم شرع الناس في التهيؤ للعودة إلى المدينة، بعد أن أقاموا بالحديبية عشرين يوماً (٤). واستغرقت رحلتهم ذهاباً وإياباً شهراً ونصف الشهر (٥). وفي غزوة الحديبية أذن النبي ﷺ لكعب بن عجرة - وكان محرماً بالعمرة - أن يحلق رأسه لأذى أصابه على أن يقدَّم فديه؛ يذبح شاة أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستين مسكينا. وقد نزلت فيه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (٦)﴾ (٧). وفيها أذن النبي ﷺ للصحابة بالصلاة في منازلهم عندما نزلت المطر (٨). وفي الغزوة نماذج أخرى من تطبيق النبي ﷺ لمبدأ الشورى في الإسلام حيث استشار المسلمين في الإغارة على ذراري المشركين وأخذ برأي الصديق (رض) (٩). واستشار أم سلمة في أمر الناس لما لم يبادر بالنحر والحلق حين أمرهم، وأخذ برأيها (١٠).

стр. 440

ويستشف من غزوة الحديبية الحد الأعلى للمدة التي يجوز فيها مهادنة الكفار عليها لأن الأصل في العلاقة معهم الحرب لا الهدنة. ويستدل بها على جواز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلماً. وفيها وضح الرسول ﷺ بعض مسائل العقيدة فبين كفر من يقول (مطرنا بنوء كذا وكذا) فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب (١). وبين استحباب التفاؤل بقوله (سهل أمركم) لما قدم سهيل بن عمرو (٢). وفي الغزوة يظهر جواز التبرك بآثار النبي ﷺ مثل التوضأ بماء وضوئه، وهو خاص به خلافاً لآثار الصالحين من أمته (٣). وحدث في طريق العودة أن نام المسلمون عن صلاة الصبح فلم يوقظهم إلا حر الشمس، وكان بلال بن رباح موكلاً بحراستهم فغلبه النوم، فصلوها بعد خروج وقتها، فهي السنة فيمن نام عن صلاته أو نسيها (٤). وفي طريق العودة ظهرت معجزة الرسول ﷺ في تكثير الطعام والماء، قال سلمة بن الأكوع: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا (٥)، فأمر النبي ﷺ فجمعنا مزاودنا (٦)، فبسطنا له نطعاً (٧) فاجتمع زاد القوم على النطع قال: فتطاولت لأحرزه كم هو؟ فحرزته كربضة العنز، ونحن أربع عشر مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً ثم حشونا

стр. 441

جربنا (١). فقال النبي ﷺ : "فهل من وضوء؟ " قال: فجاء رجل بأدواة (٢) له فيها نطفة فأفرغها في قدح، فتوضأنا كلنا ندغفقه (٣) دغفقة أربع عشرة مائة (٤) ". وفي الطريق إلى المدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٥). وقد عبر الرسول ﷺ عن عظيم فرحته بنزولها: "أنزلت عليَّ الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" (٦). قال أنس بن مالك: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً" قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئاً مريئاً فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٧) (٨). وقد أسرع الناس إلى الرسول ﷺ وهو واقف على راحلته بكراع الغميم فقرأ عليهم "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" فقال رجل: يا رسول الله: أفتح هو؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح (٩). فانقلبت كآبة المسلمين وحزنهم إلى فرح غامر، وأدركوا أنهم لا يمكن أن يحيطوا بالأسباب والنتائج، وأن التسليم لأمر الله ورسوله فيه كل الخير لهم ولدعوة الإسلام.

стр. 442

وسوف تتوالى الأحداث مؤكدة الحكمة البالغة والنتائج الباهرة لهذا الصلح الذي سماه الله تعالى: ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾.وكيف لا يكون كذلك وقد اعترفت قريش بكيانهم لأول مرة فعاملتهم معاملة الند للند بعد أن كانت تصورهم أمام الناس بأبشع الصور مما كان صداه العميق في داخل مكة وأرجاء الجزيرة العربية، وأول ما يظهر في مبادرة خزاعة للتحالف مع المسلمين علنا دون هيبة قريش. وكان لهذا الموقف جذور تاريخية بعيدة، فقد كان العداء التقليدي بين خزاعة وبني بكر من كنانة، وموقف قريش المتحيز لبني بكر قد دفعها إلى محالفة عبد المطلب بن هاشم جد الرسول ﷺ وهو الحلف الذي أشار إليه عمرو بن سالم في قصيدته التي استنصر بها الرسول ﷺ قبيل الفتح بقوله: "حلف أبينا وأبيه الأتلدا" (١). ويلاحظ أن تعاطف خزاعة مع المسلمين كان واضحاً منذ قيام دولتهم في المدينة حتى إعلانهم الصريح للتحالف في الحديبية "إذ كانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة" (٢). ولكن خزاعة كانت تخفي حقيقة تعاطفها مع المسلمين عن قريش قبل إعلان التحالف الصريح مع المسلمين، وبذلك حافظت على علاقاتها مع قريش طيلة المدة السابقة. وكان السلام المبرم يتيح الفرصة للمسلمين للتفرغ ليهود خيبر آخر معاقل يهود التي استغلت للتحريض على المسلمين في الخندق وما بعدها. كما أتاح الفرصة لهم لنشر الإسلام، يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث

стр. 443

والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك" (١). قال ابن هشام: "والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف" (٢). وقد ظهرت حكم أخرى لهذا الصلح فبعد أن وصل الرسول ﷺ إلى المدينة جاءه أبو بصير مسلماً وقد فرَّ من قريش، فأرسلت في طلبه رجلين، فسلمه رسول الله ﷺ إليهما، وفي الطريق تمكن أبو بصير من قتل أحد الرجلين وفرَّ الثاني إلى المدينة وخلفه أبو بصير، "فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: "قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم" فقال النبي ﷺ : "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد"! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده عليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر ... " (٣). وقد فهم المستضعفون من المسلمين بمكة من عبارة الرسول ﷺ أن أبا بصير بحاجة إلى الرجال، فأخذوا يفرون من مكة إلى أبي بصير في سيف البحر، فلحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو وغيره حتى اجتمعت منهم عصابة، وتعرضوا لقوافل قريش التجارية يقتلون حرسها ويأخذون أموالها "فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم" (٤) وهم بناحية العيص، فقدموا وكانوا قريباً من الستين أو السبعين (٥).

стр. 444

وقصة أبي جندل وأبي بصير وام احتملاه في سبيل العقيدة، وما أبدياه من الثبات والإخلاص والعزيمة والجهاد حتى مرّغوا رءوس المشركين بالتراب، وجعلوهم يتوسلون بالمسلمين لترك ما اشترطوه عليهم في الحديبية. هذه القصة نموذج يقتدى به في الثبات على العقيدة وبذل الجهد في نصرتها وفيها ما يشير إلى مبدأ (قد يسع الفرد مالا يسع الجماعة) فقد ألحق أبو بصير وجامعته الضرر بالمشركين في وقت كانت فيه دولة الإسلام لا تستطيع ذلك وفاء بالصلح، لكن أبا بصير وأصحابه خارج سلطة الدولة - ولو في ظاهر الحال- ولم يكن ما قام به أو بصير والمستضعفون بمكة مجرد اجتهاد فردي لم يحظ باقرار الرسول ﷺ ورضاه، بل كان بوسع الرسول ﷺ أن يأمر أبا بصير بالكف عن قوافل المشركين ابتداء أو بالعودة إلى مكة، لكن ذلك لم يحدث فكان اقراراً له، إذ كان موقف أبي بصير وأصحابه في غاية الحكمة حيث لم يستكينوا لطغاة مكة يفتنونهم عن دينهم ويمنعونهم عن اللحاق بالمدينة، فاختاروا موقفا فيه خلاصهم وإسناد دولتهم بأعمال تضعف اقتصاد مكة وتزعزع إحساسها بالأمن في وقت الصلح. بل يمكن القول بأن اتخاذ هذا الموقف كان بإشارة وتشجيع من النبي ﷺ حين وصف أبا بصير بأنه "مسعر حرب لو كان معه رجال"!! وقد اقتصر الرسول ﷺ على رد الرجال من المسلمين الفارين من قريش بموجب الصلح، أما النساء المهاجرات فلم يردهن، وقد جاءته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة، فجاء أهلها يطلبونها، فلم يردها إليهم" لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١) فكان الرسول ﷺ يختبرهن فإن خرجن بسبب

стр. 445

الإسلام استبقاهن مع دفع مهورهن لأزواجهن، وكان قبل الصلح لا يعيد إليهم مهور الزوجات (١). وعدم رد المؤمنات إما لعدم دخولهن في العهد أصلاً، وأنه قصد به الرجال وحدهم، كما في أحد نصوص البخاري "وعلى أنه لا يأتيك منا رجل" (٢). وإما لأن القرآن نسخ ما ورد بحقهن بالآية: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (٣). وهذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين وقد كان جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك مؤمنة، وكذلك أمر المسلمون بفسخ نكاح المشركات ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٤). ويبدو أن إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وهما من رجالات مكة وهجرتهما تم بعد تنازل قريش عن شرط إعادة المسلمين الجدد الذين يلتحقون من مكة بالمدينة حيث لا توجد إشارة لمطالبة قريش بهما. وقد استمرت هدنة الحديبية نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهرا، ثم نقضت قريش الهدنة حيث أعانت حلفاءها بني بكر ضد خزاعة حلفاء المسلمين على ماء الوتير قريباً من مكة (٥)، فاستنصرت خزاعة بالمسلمين، وبذلك بطلت المعاهدة، وكان ذلك سبباً مباشراً لفتح مكة.

стр. 446

رسائل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء أتاح صلح الحديبية الفرصة لتوسيع نطاق الدعوة إلى الإسلام داخل الجزيرة العربية وخارجها، حيث أرسل النبي ﷺ دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، وعبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري إلى نجاشي الحيشة، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس حاكم مصر، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي في اليمامة (١). وقد أرَّخ الواقدي والطبري إرسال هؤلاء الرسل في ذي الحجة سنة ٦ هـ (٢)، وأرخ ابن سعد ذلك في محرم من العام السابع (٣) وتابعه ابن القيم (٤). كما أرخ ابن سعد لرسالة كسرى قبل ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادي الأولى سنة سبع التي قتل فيها كسرى (٥). وقد ذكر البخاري رسالة كسرى في أعقاب غزوة تبوك في العام التاسع الهجري (٦)، لكن من الواضح أن البخاري لم يراع عنصر الزمن

стр. 447

في سرد محتويات "صحيحه". وقد يكون أراد الإشعار بذلك، كما ذهب الحافظ ابن حجر ولكنه يبقى مجرد استنتاج لا يمكن القطع به (١). مما يقوي ما ذكرت أن ابن هشام ساق خبر خروج الرسل إلى الملوك بعد حجة الوداع في العام العاشر رغم أن النص الذي ذكره يصرح بأن ذلك بعد عمرة الحديبية (٢). مع ان مراعاة الترتيب على أساس زمني أقوى في سيرة ابن هشام من صحيح البخاري، وقد نبه الحافظ بن حجر نفسه على احتمال تصرف بعض رواة صحيح البخاري في تقديم وتأخير بعض التراجم مثل تقديم حج أبي بكر سنة تسع على ذكر الوفود ومثل تقديم حجة الوداع على غزوة تبوك (٣). كما نبه إلى أن البخاري جمع ما وقع على شرطه من البعوث والسرايا والوفود ولو تباينت تواريخهم (٤). وواضح أن الاختلاف يسير بين التاريخين ووّفق ابن حجر بينهما بقوله "إن دحية أرسل إلى هرقل في آخر سنة ست بعد أن رجع النبي ﷺ من الحديبية فوصل إلى هرقل في المحرم سنة سبع (٥). ويدل حديث صحيح على أن كتاب الرسول ﷺ كان قد وصل إلى هرقل في مدة صلح الحديبية، ويرى ابن حجر أن ذلك كان سنة ست (٦). وقال أنس بن مالك "كتب النبي ﷺ إلى كل جبار يدعوهم إلى الله" وسمَّى منهم كسرى وقيصر والنجاشي، وقال: وليس بالنجاشي الذي أسلم (٧). ولا شك أن مكاتبة الملوك خارج جزيرة العرب تعبير عملي عن عالمية الرسالة الإسلامية، تلك العالمية التي أوضحتها آيات نزلت في العهد المكي مثل قوله تعالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٨) مما يوضح خطأ النظرة القائلة

стр. 448

بالتدرج في نطاق الدعوة من الإقليمية إلى العالمية تبعاً لاتساع النفوذ السياسي للرسول ﷺ . فإن صفة العالمية تقررت والمسلمون مستضعفون بمكة يخافون أن يتخطفهم الناس. وقد أخرج البخاري في صحيحه نص كتاب الرسول ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل، وهو النص الوحيد الذي ثبتت صحته وفق شروط المحدثين من بين سائر نصوص الكتب التي وجهت إلى الملوك والأمراء التي ينبغي أن تنقد من جهة المتن والسند معاً قبل اعتمادها تاريخياً فضلاً عن الاستدلال بها في مجال التشريع، ونصه كما يلي: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (١) و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢). وقد استشكل الحفاظ المتأخرون ورود هذه الآية - التي قيل إنها نزلت بمناسبة قدوم وفد نجران إلى المدينة في العام التاسع (٣) - في نص الخطاب الذي أرسل في آخر العام السادس الهجري (٤)!! وقد ذكروا بعض الحلول التوفيقية للتخلص من هذا التعارض فقالوا إنه يجوز أن تكون الآية المذكورة قد أنزلت مرتين، ثم استبعدوا ذلك (٥). وقال البعض: إن النبي ﷺ كتب ذلك قبل

стр. 449

نزل الآية فوافق لفظه لفظها لما نزلت (١). وقيل: بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة، وقيل: نزلت في اليهود (٢). ولا شك أن حل الإشكال يتوقف على معرفة سبب النزول ولم تثبت رواية صحيحة مسندة في أنها نزلت في وفد نجران، ولكن قال بذلك ابن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلاً وهو ثقة وفي إسناد الطبري إلى ابن إسحق محمد بن حميد الرازي ضعيف، وقال بذلك السدي وفي إسناد الطبري إليه أسباط وهو صدوق كثير الخطأ يغرب، وكذلك قال به علي بن زيد بن جدعان مرسلا وهو ضعيف، فهذه ثلاث روايات مرسلة، وفي إسنادها جميعا ضعف، وقد ورد في تفسير الطبري (٣) ما يعارضها بإسناد حسن إلى قتادة مرسلا وبإسناد فيه ضعف إلى ابن جريج مرسلا، وبإسناد فيه ضعف إلى الربيع بن خثيم مرسلا، فهذه ثلاث روايات مرسلة أيضا تقول بأن الآية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ...﴾ نزلت في يهود المدينة، تدعوهم إلى الكلمة السواء ومعنى ذلك أنها نزلت قبل إجلائهم، وكان آخر إجلائهم في السنة الخامسة بعد الخندق وهو يعضد القول بأن نزول الآية قبل إرسال كتاب هرقل، ولعل في إيراد البخاري في صحيحه ما يشير إلى ترجيحه للروايات القائل بتقدم نزول الآية المذكورة وإلا ما كان يثبت نص الكتاب في صحيحه.

стр. 450

فما دامت الآية قد وردت في نص كتاب صحيح كتب في العام السادس فإن ذلك من أقوى الأدلة على تقدم نزولها قبل قدوم وفد نجران. وينبغي أن يكون نص الكتاب مرجحاً لتاريخ نزولها لا أن تكون سبباً في استشكال نص الكتاب. وقد أشار البخاري إلى إرسال كتاب النبي إلى كسرى دون أن يذكر نص الكتاب. لكنه بيّن أن الرسول ﷺ أرسل كتابه مع عبد الله بن حذافة السهمي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين المنذر بن ساوي العبدي، وأن المنذر دفعه إلى كسرى الذي مزقه بعد أن قرأه وقد دعا عليهم الرسول ﷺ أن يمزقهم الله كل ممزق (١). وقد مَزَّق الله ملك كسرى فقتله ابنه واستولى على عرشه وتمزقت الإمبراطورية الفارسية ثم زالت من الوجود. وأما نص الكتاب إلى كسرى فلم يثبت من طريق صحيحة وإنما أورده الطبري وغيره بأسانيد ضعيفة. وقد ثبت في صحيح مسلم إرسال كتاب النبي إلى النجاشي، وبين الإمام مسلم أنه ليس بالنجاشي الذي أسلم (٢). ولم يثبت نص الكتاب فقد أورده ابن إسحق بدون إسناد (٣). وأما نصوص الكتب التي وجهت إلى المقوقس حاكم مصر وهي كتابان وكذلك ردود المقوقس وهي كتابان أيضا فلم تثبت من طريق صحيحة. وكذلك لم تثبت نصوص الكتب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق وهوذة بن علي الحنفي حاكم اليمامة وجيفر وعباد ابني الجلندي حاكمي عمان والمنذر بن ساوي في البحرين (٤) من الناحية الحديثية، ولا يعني ذلك نفي إرسال الكتب إلى

стр. 451

هؤلاء الملوك والحكام كما أنه لا يعني الطعن التاريخي بالنصوص إذ يمكن أن تكون صحيحة من حيث الشكل والمضمون، ولكنها لا ترقى إلى مستوى الاحتجاج بها في السياسة الشرعية. ومن ثم يبقى نص كتاب النبي ﷺ إلى هرقل هو الوحيد الذي يصح حديثياً ويمكن اعتباره نموذجا تقارن به بقية الكتب لغرض النقد التاريخي. وإن هذا الحكم يسري على معظم وثائق العهد النبوي الأخرى إذ لا مجال لتصحيحها من الناحية الحديثية ولم تُعنَ الكتب الستة بتخريجها سوى كتاب هرقل في البخاري وكتاب عمير ذي مران في (سنن أبي داؤد) (١)، رغم أن الكثير منها يمكن أن يكون صحيحاً من الناحية التاريخية، ولكنه يبقى دون الاحتجاج به في موضوعات العقيدة والشريعة. وقد ثبت أن النبي ﷺ لما أراد أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لن يقرأوا كتابك إذا لم يكن مختوما، فاتخذ خاتماً من فضة ونقشه: محمد رسول الله (٢). مما يدل على مرونة السياسة الإسلامية في الإفادة من الوسائل والرسوم المعاصرة ما دامت لا تتعارض مع أحكام الشريعة وروحها العامة (٣).

стр. 452

ويلاحظ أن الكتاب الموجه لهرقل يتسم بالمحافظة على الصيغة الإسلامية حيث بدأ بالبسملة، كما يتسم بالصراحة في الدعوة إلى الإيمان بالإسلام وبنبوة محمد ﵊، لكنه بنفس الوقت يصبطغ بالحكمة والموعظة الحسنة واحترام المخاطب (عظيم الروم) لمكانته بين قومه وترغيباً له في الإسلام ومع الترغيب بالأجر ذكر الترهيب من الإثم الذي يلحقه إذا حجب قومه عن الإسلام. ...

стр. 453

تأديب الأعراب ولم تخل فترة الصلح من أحداث شغب قام بها الأعراب، لكنها لم تكن خطيرة ولم تؤثر على تفرغ المسلمين للدعوة ونشر الإسلام من ذلك ما حدث في: غزوة ذات القرَد: وقد وقعت قبل غزوة خيبر بثلاث ليال، وذلك حين أغار عبدالرحمن بن عيينة بن حصن الفزاري على نياق للرسول ﷺ فأخذها وقتل راعيها، فلحقه سلمة بن الأكوع بعد ان أنذر المسلمين، فخرج الرسول ﷺ فوجد سلمة بن الأكوع قد خلص النياق منهم واضطرهم للهرب وقد انتهى الرسول ﷺ إلى ماء ذي قرد ورجع إلى المدينة (١). ومن ذلك أيضاً: قصة عُكل وعرينة: وبعد غزوة ذي قرد قدم رجال من قبيلتي عكل وعرينة إلى المدينة معلنين إسلامهم، ثم طلبوا أن يسكنوا الريف لأنهم يستوخمون المدينة، فأمر لهم الرسول ﷺ بنياق وراع فخرجوا إلى الحرة فارتدوا وقتلوا الراعي وأخذوا النياق، فأرسل إليهم بعثا فجاءوه بهم حيث سمرت أعينهم وقطعت أيديهم وتركوا في حرة حتى ماتوا. وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة بعدها (٢). ...

стр. 454

ومن ذلك: غزوة ذات الرقاع: اختلف كتاب السيرة في تاريخ هذه الغزوة، فجنح البخاري إلى أنها بعد خيبر، وذهب ابن إسحق أنها بعد النضير وقبل الخندق سنة أربع، وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس، وأما أبو معشر فجزم أنها كانت بعد بني قريظة والخندق. والراجح ما ذهب إليه البخاري وأبو معشر لأن أبا موسى الأشعري شهدها وقد قدم من الحبشة بعد فتح خيبر مباشرة، وأبو هريرة شهدها وقد أسلم حين فتح خيبر، وقد سميت بغزوة ذات الرقاع كما سميت بغزوة نجد وغزوة بني محارب وبني ثعلبة من غطفان. وقد اقترب المسلمون من جموع غطفان دون أن يقع قتال بينهم، ولكن أخافوا بعضهم حتى صلى المسلمون صلاة الخوف في مكان يبعد من المدينة يومين يدعى نخلا ثم عادوا إلى المدينة، وقد اختلف في سبب تسميتها بغزو ذات الرقاع، لكن أبا موسى الأشعري ذكر أنها سميت بذلك لأنهم لفّوا في أرجلهم الخرق بعد أن تنقبت خفافهم، وكان لكل ستة بعير يتعاقبون على ركوبه (١). وهذه الأحداث لم تحظ باهتمام كبير عند قدامى المؤرخين حيث طغت عليها أخبار إرسال الرسل لدعوة الملوك والامراء إلى الإسلام (٢)، وفتح خيبر، وتوجه المسلمين إلى مكة في عمرة القضاء. وعلى أية حال فإن سقوط خيبر فسح المجال أمام المسلمين للسيطرة على المناطق الشمالية المتاخمة للشام ويبدو أن غزوة ذات الرقاع التي اتجهت إلى

стр. 455

غطفان - وهي القوة الثانية في المنطقة بعد يهود خيبر - كانت ضمن خطتهم هذه، وقد أعقبتها غزوة مؤتة في هذا الاتجاه ولكن اهتمام المسلمين بزيارة الكعبة وأداء عمرة القضاء أخّر إرسال جيش مؤتة قليلاً.

стр. 456

عمرة القضاء وفي ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة خرج الرسول ﷺ إلى مكة قاصدا العمرة، كما اتفق مع قريش في صلح الحديبية (١)، حيث اشترطوا "ألا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وألا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وألا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها" (٢) وقاضاهم أن يقيم بمكة ثلاثة أيام ثم يخرج عنها (٣). وقد ذكر موسى بن عقبة أن المسلمين صحبوا معهم أسلحتهم خشية من غدر قريش، وأنهم أبقوها خارج الحر (٤). وقد بلغ عدد من شهد عمرة القضاء ألفين سوى النساء والصبيان فيهم الذين شهدوا الحديبية (٥)، ولما دخل الرسول ﷺ مكة كان عبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وينشد: خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله (٦) وطاف المسلمون بالكعبة وأمرهم الرسول ﷺ أن يُظهروا القوة والجَلَد في طوافهم، لأن قريشا أشاعت أنهم ضعفاء "قد وهنتهم حمى يثرب" فأرملوا وسارعوا بالعدو في الأشواط الثلاثة الأولى (٧)، وكانت قريش قد تركت مكة إلى جبل قعيقعان تنظر إليهم يطوفون (٨) ويتعجبون من قوتهم، وقعيقعان يواجه ما بين الركنين من الكعبة.

стр. 457

ولما انتهت الأيام الثلاثة جاء المشركون إلى علي (رض) فقالوا (قل لصاحبك اخرج عنا فقط مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ (١). وقد نزل في عمرة القضاء قوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢). ومن الأحكام التي اتضحت في هذه العمرة حكم من اعتمر فصد عن البيت فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه، وتحقيقه هل كانت عمرة القضاء قضاء لعمرة الحديبية التي لم تتم أم شروعا في عمرة جديدة؟. ومن الأحكام المتعلقة بالرضاعة قصة عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب حيث لحقت وهي طفلة بالرسول ﷺ عند خروجه من مكة فأخذها (رض) ودفعها لفاطمة (رض) وهي ابنة عم أبيها فاختصم فيها زيد بن حارثة لأخوته لحمزة (بالمؤاخاة) وجعفر بن أبي طالب لأن خالتها زوجه وعلي بن أبي طالب، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال:"الخالة بمنزلة الأم". لأن جعفر محرم لها إذ لا يجمع الرجل بين المرأة وخالتها في الزواج (٣).

стр. 458

(صورة لمواضع بعض الغزوات من كتاب الرسول القائد لمحمود شيث).

стр. 459

غزوة مؤتة ينفرد الواقدي بذكر السبب المباشر لهذه الغزوة، وهو أن شرحبيل ابن عمرو الغساني، قتل صبرا الحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله الرسول ﷺ إلى ملك بصرى بكتابه، وكانت الرسل لا تقتل فغضب رسول الله ﷺ وأرسل الجيش إلى مؤتة (١). والواقدي ضعيف لا يعتمد عليه خاصة إذا انفرد بالخبر. والحق أن البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيراً، لأن تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة. فكان لابد من إخضاع الدويلات العربية النصرانية الموالية للروم، وبالتالي سبق الروم في التحرك في المنطقة قبل قيامهم بعمل ضد الدولة الإسلامية الفتية. وقد أقام الرسول ﷺ بالمدينة بعد عودته من عمرة القضاء بقية شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول والثاني، وفي جمادي الأولى بعث (٢) جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل إلى الشام (٣)، وعين زيد بن حارثة أميرا عليه، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن أبي رواحة (٤) مما يدل على جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب (٥). وهذه هي المرة الأولى التي يتخذ فيها مثل هذا الاحتياط، وربما كان متوقعا أن تحف الأخطار هذه الحملة لوجهتها البعيدة، ولعدم وقوع احتكاك سابق بمناطق تخضع لنفوذ دولة قوية كالأمبراطورية البيزنطية التي كانت قبائل الشام وأطرافها موالية لها سياسيا.

стр. 460

وقد وصل الجيش إلى معان عندما وصلته أخبار نزول هرقل بأرض مآب - وهي البلقاء- في مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من نصارى العرب لخم وجذام وقضاعة (بهراء وبلي وبلقين) فأمضى المسلمون ليلتين في معان يتشاورون في أمرهم وبعضهم يرى مكاتبة الرسول ﷺ وإخباره بقوة العدو ليمدهم أو يأمرهم بأمره. فشجع عبد الله بن رواحة الجيش، وقال: "يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة" (١). وأحدثت كلماته أثرها فدب الحماس في الجيش، وفقدت آراء المتريثين قوتها، فاندفع زيد بن حارثة بالناس إلى منطقة مؤتة جنوب الكرك بيسير حيث آثر الاصطدام بالروم هناك، فكانت ملحمة سجل فيها القادة الثلاثة بطولات عظيمة انتهت باستشهادهم، فشاط زيد بن حارثة في رماح الروم فاستشهد، وأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فعقر فرسه الشقراء وقاتل بالراية فقطعت يمينه فأمسكها بشمال فقطعت فاحتضن الراية حتى استشهد، فأخذ الراية عبد الله ابن رواحة فتردد يسيرا ثم اندفع فقاتل حتى استشهد، فأخذ الراية ثابت بن أرقم ونادى في المسلمين أن يختاروا لهم قائدا فاختاروا خالد بن الوليد، وقد أدرك خالد خطورة الموقف فأعاد تنظيم جيشه وبدل المسيرة بالميمنة وجعل قسما من الجيش يتقدمون من الخلف وكأنهم أمداد جديدة لإيهام الروم، وتمكن خلال ذلك من القيام بانسحاب منظم لم يفقده إلا اليسير من جنده حيث سمت المصادر ثلاثة عشر شهيدا فقط (٢).
следующие страницы →