← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عمرة القضاء وفي ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة خرج الرسول ﷺ إلى مكة قاصدا العمرة، كما اتفق مع قريش في صلح الحديبية (١)، حيث اشترطوا "ألا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وألا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وألا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها" (٢) وقاضاهم أن يقيم بمكة ثلاثة أيام ثم يخرج عنها (٣). وقد ذكر موسى بن عقبة أن المسلمين صحبوا معهم أسلحتهم خشية من غدر قريش، وأنهم أبقوها خارج الحر (٤). وقد بلغ عدد من شهد عمرة القضاء ألفين سوى النساء والصبيان فيهم الذين شهدوا الحديبية (٥)، ولما دخل الرسول ﷺ مكة كان عبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وينشد: خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله (٦) وطاف المسلمون بالكعبة وأمرهم الرسول ﷺ أن يُظهروا القوة والجَلَد في طوافهم، لأن قريشا أشاعت أنهم ضعفاء "قد وهنتهم حمى يثرب" فأرملوا وسارعوا بالعدو في الأشواط الثلاثة الأولى (٧)، وكانت قريش قد تركت مكة إلى جبل قعيقعان تنظر إليهم يطوفون (٨) ويتعجبون من قوتهم، وقعيقعان يواجه ما بين الركنين من الكعبة.

стр. 457

ولما انتهت الأيام الثلاثة جاء المشركون إلى علي (رض) فقالوا (قل لصاحبك اخرج عنا فقط مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ (١). وقد نزل في عمرة القضاء قوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢). ومن الأحكام التي اتضحت في هذه العمرة حكم من اعتمر فصد عن البيت فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه، وتحقيقه هل كانت عمرة القضاء قضاء لعمرة الحديبية التي لم تتم أم شروعا في عمرة جديدة؟. ومن الأحكام المتعلقة بالرضاعة قصة عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب حيث لحقت وهي طفلة بالرسول ﷺ عند خروجه من مكة فأخذها (رض) ودفعها لفاطمة (رض) وهي ابنة عم أبيها فاختصم فيها زيد بن حارثة لأخوته لحمزة (بالمؤاخاة) وجعفر بن أبي طالب لأن خالتها زوجه وعلي بن أبي طالب، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال:"الخالة بمنزلة الأم". لأن جعفر محرم لها إذ لا يجمع الرجل بين المرأة وخالتها في الزواج (٣).

стр. 458

(صورة لمواضع بعض الغزوات من كتاب الرسول القائد لمحمود شيث).

стр. 459

غزوة مؤتة ينفرد الواقدي بذكر السبب المباشر لهذه الغزوة، وهو أن شرحبيل ابن عمرو الغساني، قتل صبرا الحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله الرسول ﷺ إلى ملك بصرى بكتابه، وكانت الرسل لا تقتل فغضب رسول الله ﷺ وأرسل الجيش إلى مؤتة (١). والواقدي ضعيف لا يعتمد عليه خاصة إذا انفرد بالخبر. والحق أن البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيراً، لأن تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة. فكان لابد من إخضاع الدويلات العربية النصرانية الموالية للروم، وبالتالي سبق الروم في التحرك في المنطقة قبل قيامهم بعمل ضد الدولة الإسلامية الفتية. وقد أقام الرسول ﷺ بالمدينة بعد عودته من عمرة القضاء بقية شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول والثاني، وفي جمادي الأولى بعث (٢) جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل إلى الشام (٣)، وعين زيد بن حارثة أميرا عليه، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن أبي رواحة (٤) مما يدل على جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب (٥). وهذه هي المرة الأولى التي يتخذ فيها مثل هذا الاحتياط، وربما كان متوقعا أن تحف الأخطار هذه الحملة لوجهتها البعيدة، ولعدم وقوع احتكاك سابق بمناطق تخضع لنفوذ دولة قوية كالأمبراطورية البيزنطية التي كانت قبائل الشام وأطرافها موالية لها سياسيا.

стр. 460

وقد وصل الجيش إلى معان عندما وصلته أخبار نزول هرقل بأرض مآب - وهي البلقاء- في مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من نصارى العرب لخم وجذام وقضاعة (بهراء وبلي وبلقين) فأمضى المسلمون ليلتين في معان يتشاورون في أمرهم وبعضهم يرى مكاتبة الرسول ﷺ وإخباره بقوة العدو ليمدهم أو يأمرهم بأمره. فشجع عبد الله بن رواحة الجيش، وقال: "يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة" (١). وأحدثت كلماته أثرها فدب الحماس في الجيش، وفقدت آراء المتريثين قوتها، فاندفع زيد بن حارثة بالناس إلى منطقة مؤتة جنوب الكرك بيسير حيث آثر الاصطدام بالروم هناك، فكانت ملحمة سجل فيها القادة الثلاثة بطولات عظيمة انتهت باستشهادهم، فشاط زيد بن حارثة في رماح الروم فاستشهد، وأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فعقر فرسه الشقراء وقاتل بالراية فقطعت يمينه فأمسكها بشمال فقطعت فاحتضن الراية حتى استشهد، فأخذ الراية عبد الله ابن رواحة فتردد يسيرا ثم اندفع فقاتل حتى استشهد، فأخذ الراية ثابت بن أرقم ونادى في المسلمين أن يختاروا لهم قائدا فاختاروا خالد بن الوليد، وقد أدرك خالد خطورة الموقف فأعاد تنظيم جيشه وبدل المسيرة بالميمنة وجعل قسما من الجيش يتقدمون من الخلف وكأنهم أمداد جديدة لإيهام الروم، وتمكن خلال ذلك من القيام بانسحاب منظم لم يفقده إلا اليسير من جنده حيث سمت المصادر ثلاثة عشر شهيدا فقط (٢).

стр. 461

ويعتبر هذا الانسحاب المنظم الناجح فتحا عظيما حيث تمكن خالد من إنقاذ جيشه بخسائر طفيفة مع الإثخان في الروم وإصابتهم بقتلى وجرحى، ولا شك أن استبسال المسلمين في القتال وشجاعتهم النادرة وحرصهم على الشهادة بالإضافة إلى عبقرية خالد العسكرية هو الذي مكنهم بعون الله من الخلاص من المأزق. لقد وجد في جسد جعفر بن أبي طالب أكثر من تسعين إصابة بالرماح والسهام (١)، وما أقعده ذلك عن القتال حتى الرمق الأخير!! وقد انكسرت تسعة أسياف في يد خالد بن الوليد (٢). ومن معجزاته ﵊ أنه أخبر أصحابه باستشهاد القادة الثلاثة وعيناه تذرفان بالدموع قبل أن يأتيه الرسول بالخبر، وأخبرهم باستلام خالد للراية وبشرهم بالفتح على يديه (٣). والمراد بالفتح في هذا الحديث الصحيح إما الانسحاب المنظم الناجح، وإما ما أوقعه المسلمون بالروم من خسائر رغم تفوقهم العددي الكبير. ورغم نجاح الانسحاب، فقد صاح الناس في وجوههم- وهم يحثون في وجوههم التراب- "يافرار فررتم في سبيل الله!! فقال الرسول ﷺ : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله" (٤). ولا شك أن موقف الرأي العام يعبر عن مدى عمق الوعي الإسلامي في تلك المرحلة. وقد بين الرسول ﵊ مكانة شهداء مؤتة عند الله تعالى بقوله: "ما يسرني أو قال ما يسرهم أنهم عندنا" (٥)، أي: لما نالهم من عظيم

стр. 462

التكريم. وجيء بأبناء جعفر بن أبي طالب فداعبهم وأمر بحلق رءوسهم ودعا لهم وقال لأمهم وهي تذكر يتمهم "العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة" (١)!! ولا شك أن المسلمين أفادوا دروسا وخبرات عظيمة من هذا اللقاء الأول مع الروم في مستقبل حركاتهم الجهادية معهم حيث تعرفوا على قوتهم وعددهم وأساليب قتالهم وخططهم وطبيعة الأرض التي يقاتلون عليها.

стр. 463

غزوة ذات السلاسل ولم تمض سوى أيام على عودة الجيش من مؤتة إلى المدينة حتى جهز النبي ﷺ جيشا بقيادة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وذلك لتأديب قضاعة التي غرّها ما حدث في مؤتة التي اشتركت فيها إلى جانب الروم فتجمعت تريد الدنو من المدينة، فتقدم عمرو بن العاص في ديارها ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، وأمره الرسول ﷺ أن يستعين ببعض فروع قضاعة من بليّ وعذرة وبلقين عليها، وقد بلغ عمرو بن العاص أن جموعها كبيرة فاستمد الرسول ﷺ فأمده بمائتين من المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر ﵄ وعليهم أبو عبيدة عامر بن الجراح. ويذكر عامر الشعبي (ت ١٠٣ هـ) أن النبي ﷺ استعمل أبا عبيدة على المهاجرين وعمرو بن العاص على الأعراب وطلب منهما أن يتطاوعا وأن الجيش أرسل ضد بني بكر لكن عمرو بن العاص أغار على قضاعة (١). وقد توغل الجيش في ديار قضاعة التي هربت وتفرقت، وقد أعادت هذه الحملة الهيبة للمسلمين في هذه المنطقة، تلك الهيبة التي كانت أحداث غزوة مؤتة قد زعزعتها (٢). وفيها صلى عمرو بن العاص بالمسلمين بعد أن تيمم من الجنابة حيث خاف على نفسه المرض إذا اغتسل بسبب البرد، وقد أقرّ النبي ﷺ اجتهاده حين بلغه (٣).

стр. 464

ويدل تأمير عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر على جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية (١). وإذا كانت حملات المسلمين العسكرية قد اتجهت نحو الشمال منذ صلح الحديبية الذي أوقف حملاتهم نحو الغرب والجنوب الغربي حيث تقبع مكة آمنة في ظلال الصلح، فإن ذلك لم يدم طويلا حيث لم تقدّر قريش نعمة الأمن والسلم، فبادرت إلى نقض الصلح مما أدى إلى عودة النشاط الإسلامي العسكري إلى سابق عهده نحو مكة وما حولها.

стр. 465

فتح مكة لقد ارتكبت قريش خطأ فادحاً عندما أعانت بالخيل والسلاح والرجال حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين، فأوقعوا بها الخسائر على ماء بأرض خزاعة يدعى الوتير، فاستنجدت خزاعة بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة فأنشد أبياتا من الشعر أمام الرسول ﷺ يستنصره، فقال الرسول ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم" (١). ويذكر ابن إسحاق أن بني بكر ألجأوا خزاعة إلى الحرم وقاتلوها فيه (٢)، ويذكر الواقدي أن قتلى خزاعة بلغوا عشرين رجلا (٣). وقد أوضح موسى بن عقبة أن الذين أعانوا بكرا على خزاعة من زعماء قريش فيهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، ويذكر أن الإعانة كانت بالسلاح والرقيق (٤). وتصرف قريش هذا نقض صريح لمعاهدة الحديبية، وعدوان سافر على حلفاء المسلمين، وقد أدركت قريش خطورة الموقف، وتشير بعض الروايات إلى أن الرسول ﷺ أرسل إلى قريش يخيرهم بين دفع دية قتلى خزاعة أو البراءة من حلف بكر أو القتال فاختارت القتال، ثم ندمت وأرسلت أبا سفيان إلى المدينة يطلب تجديد المعاهدة، لكنه فشل في الحصول على وعد بتجديد المعاهدة (٥).

стр. 466

وأمر الرسول ﷺ أصحابه بالتجهز للغزو ولم يعلمهم بوجهته وحرص على السرية لئلا تستعد قريش للقتال (١). وقد استنفر القبائل التي حول المدينة: أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق، وقد بلغ عدد جيش المسلمين عشرة آلاف مقاتل (٢). "وأوعب مع رسول الله المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد" (٣) مما يدل على طاقة المسلمين العليا في حشد الجيوش في هذه المرحلة. وكان في الجيش ألف من مزينة وألف من سليم (أو سبعمائة) (٤). وهذا العدد الكبير يدل على تعاظم قوة المسلمين ما بين صلح الحديبية وفتح مكة. وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة - وهو صحابي بدري- كتابا إلى قريش يخبرها بأن المسلمين يريدون غزوها، وحملت الكتاب امرأة عجوز، فأرسل النبي ﷺ علياً والزبير والمقداد، فأمسكوا المرأة في روضة خاخ على بعد اثني عشر ميلا من المدينة، وهددوها أن يفتشوها إن لم تخرج الكتاب، فسلمته لهم "فقال رسول الله ﷺ يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امراً ملصقاً في قريش، يقول: كنت حليفاً، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين، من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً، يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : أما أنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال: اعملوا

стр. 467

ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخر قوله ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) (٢). وبذلك شرع الله عداوة الكفار ومصارحتهم ومنع موالاتهم وصداقتهم. وفي حادثة حاطب هذه تظهر معجزة الرسول ﷺ حيث أخبر بأمر المرأة وكتاب حاطب الذي أرسله معها. وفيها حكم الجاسوس وجواز هتك ستره، وأنه بارتكابه هذه الكبيرة لا يكفر. وقد خرج النبي ﷺ من الدينة في رمضان سنة ثمان للهجرة، وكان المسلمون صياما حتى بلغوا كديدا - وهي عين جارية تبعد عن مكة ٨٦ كيلا، وبينهما وبين المدينة ٣٠١ كيل - فأفطروا (٣). وقد استخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري (٤). وقد وصل الجيش الإسلامي إلى مر الظهران دون أن تعلم قريش بتحركه، وكان خروجه من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخوله لتسع عشرة خلت منه وهو المشهور في كتب المغازي (٥). وقد وقع اختلاف في تاريخ الفتح ما بين ثلاث عشرة وست عشرة وسبع عشرة وثماني عشرة من رمضان واتفقوا أنه في رمضان سنة ثمان (٦).

стр. 468

وفي طريق المسلمين إلى مكة قدم بعض زعماء المشركين، فأعلنوا إسلامهم، ففي الأبواء قدم أبو سفيان بن الحارث أخو الرسول ﷺ من الرضاعة، وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة، فأسلما. وكانا شديدين في معاداة الإسلام، فكان أبو سفيان بن الحارث يهجو المسلمين ويقاتلهم في سائر الحروب عشرين سنة حتى قذف الله في قلبه الإسلام، وحسن إسلامه فكان أحد الذين صمدوا مع الرسول ﷺ في غزوة حنين حين فر الناس (١). وكان عبد الله بن أبي أمية شديد العداوة للمسلمين وهو أخو أم سلمة -أم المؤمنين- لأبيها، وقدم على الرسول ﷺ بين السقيا والعرج على طريق (المدينة - مكة)، فأسلم وحسن إسلامه فشهد فتح مكة واستشهد في حصار الطائف (٢). وفي الجحفة - قرب رابغ الآن- قدم العباس بن عبد الطلب على الرسول ﷺ مهاجرا (٣)، وكان العباس قد أسلم قبل فتح خيبر (٤)، وقد وردت روايات ضعيفة تبين إسلامه قبل بدر (٥). بل قبل الهجرة إلى المدينة (٦). ويردُّ ذلك أن النبي ﷺ طالبه بأن يفتدي عندما أسر ببدر ولا شك أن العباس قدم خدمات جليلة للإسلام قبل دخوله فيه فقد كان يوافي الرسول ﷺ بأخبار قريش، وكان ملاذاً للمسلمين المستضعفين بمكة.

стр. 469

وفي مر الظهران عسكر المسلمون وعميت أخبارهم عن قريش فخرج أبو سفيان ابن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي يتحسسون الأخبار، فالتقى بهم العباس بن عبد المطلب، وكان يريد أن يرسل إلى قريش رسولاً يطلب منهم أن يخرجوا أن يخرجوا لمصالحة الرسول ﷺ قبل أن يدخل عليهم مكة، وكان أبو سفيان وصاحباه يتناقشون بينهم في أمر الجيش المعسكر بمر الظهران وقد ظنه بعضهم "خزاعة" مما يدل على نجاح المسلمين في كتمان خبر تقدمهم إلى مكة، فلما أخبرهم العباس بأنه جيش المسلمين، سألوه عن رأيه، فطلب من أبي سفيان أن يمضي معه وبجواره إلى معسكر المسلمين، فوافق، وقابل الاثنان الرسول ﷺ ، فدعا أبا سفيان للإسلام فتلطف في الكلام وتردد في الإسلام فأمر الرسول ﷺ العباس بأن يأخذه إلى خيمته ويحضره في صباح اليوم التالي، ففعل وأسلم أبو سفيان في اليوم التالي، وأطلعه العباس على قوة المسلمين حيث استعرض الجيش أمامه، فأدرك أبو سفيان قوة المسلمين وأنه لا قبل لقريش بهم، حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار وفيهم رسول الله ﷺ قال: والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذاً. ومضى أبو سفيان إلى مكة فأخبر قريشا بقوة المسلمين ونهاهم عن المقاومة (١). وكان سعد بن عبادة يحمل راية الأنصار عند استعراض الجيش فقال لما مر بأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فاشتكى أبو سفيان للرسول ﷺ من قولة سعد فقال الرسول ﷺ : "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم

стр. 470

الله فيه الكعبة ويوم تُكسى فيه الكعبة" (١). وأخذ الراية من سعد بن عبادة فدفعها إلى ابنه قيس ثم كلم سعد الرسول ﷺ أن يأخذ الراية من ابنه قيس مخافة أن يقع في خطأ، فأخذها منه (٢). وفي مر الظهران قرر النبي ﷺ الزحف على مكة، فعين القادة وقسم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب، فكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير بن العوام على المجبنة اليسرى، وأبو عبيدة على الرجالة، وكانت راية الرسول ﷺ سوداء ولواؤه أبيض (٣). وقد فصَّل الواقدي الكلام عن توزيع الرايات وحملتها، وذكر أن عدد المقاتلين من المهاجرين سبعمائة ومن الانصار أربعة آلاف ومن سليم أربعمائة ومن جهينة ثمانمائة ومن بني كعب بن عمرو خمسمائة ومجموع هؤلاء سبعة آلاف وأربعمائة مقاتل، وأن خيل هؤلاء المقاتلين بلغت تسعمائة وثمانين (٤). وما ذكره من العدد يخالف الروايات الصحيحة والواقدي متروك فلا يعول عليه خاصة إذا خالف غيره. وقد جمعت قريش جموعاً من قبائل شتى ومن أتباعها لحرب المسلمين، وقصدت من ذلك أن تحمي أنفسها فإن أحرزوا نصراً أعانتهم وإلا صالحت المسلمين. فأمر الرسول ﷺ بقتالهم ودخلت جيوشه حتى انتهت إلى الصفا ما يعرض لهم أحد إلا قتلوه ودخل الرسول ﷺ مكة من أعلاها من جهة كداء (٥) ودخل خالد بن الوليد من أسفلها (٦). وكانت مقاومة القرشيين يسيرة، حيث ذكر ابن إسحق أن عدد قتلى المسلمين في الخندمة حيث التحم خالد بن الوليد مع

стр. 471

بعض المشركين في قتال بلغ ثلاثة من الفرسان في حين قتل من المشركين اثنا عشر رجلا (١). وذكر موسى بن عقبة أن قتلى المشركين بلغوا قريبا من أربعة وعشرين (٢) وقال الواقدي إنهم بلغوا ثمانية وعشرين (٣). وقد ذكرت رواية ضعيفة أوردها الطبراني أن قتلى المشركين بلغوا سبعين قتلا (٤). وأقوى هذه الروايات ما ذكره ابن إسحق وموسى بن عقبة فهما أوثق كتاب المغازي، ومغازي ابن عقبة أوثق بالجملة من سيرة ابن إسحق كما أن أبا سفيان أشار إلى كثرة القتلى من قريش فربما ترجِّحُ هذه القرائن رواية موسى بن عقبة. فقد قال أبو سفيان للرسول ﷺ :"يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم" مما يشير إلى كثرة القتلى، فقال الرسول ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق آخرون أبوابهم. وقد خشى الأنصار أن يكون الأمان الذي أعطي لقريش دليلاً على رأفة النبي ﷺ بقومه ورغبة في البقاء بمكة فطمأنهم الرسول بقوله:"المحيا محياكم والممات مماتكم" (٥). وكان الرسول ﷺ قد أمر قادة جيشه ألا يقاتلوا إلا من يقاتلهم، وأعلن الأمان للناس سوى أربعة رجال وامرأتين أباح دماءهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة وهم: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد

стр. 472

الله بن سعيد بن أبي سرح، وقد قتل عبد الله بن خطل (١) وهو متعلق بأستار الكعبة وقتل مقيس بن صبابة في سوق مكة، وتمكن عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح من الوصول إلى رسول الله ﷺ حيث أعلنا إسلامهما وحقنا بذلك دمهما (٢). وقد جمع الحافظ ابن حجر أسماء الذين أهدر النبي ﷺ دماءهم من مفرقات الأخبار فبلغ عدد الرجال تسعة وعدد النساء ثماني (٣). وهؤلاء الذين أهدرت دماؤهم كانوا ممن ألحق الأذى الشديد بالمسلمين، فكان في إهدار دمهم عبرة لم تسول له نفسه الظلم والطغيان على أمل أن ينجو من العقاب طمعا في رحمة الإسلام وطيبة أتباعه. وقد أباح النبي ﷺ لخزاعة أن تثأر من بني بكر في اليوم الأول من فتح مكة حتى العصر، وذلك لما كان من غدر بني بكر بخزاعة قبل الفتح رغم دخولها في صلح الحديبية.

стр. 473

فلما كان العصر أعلن وقف أي قتال بمكة وأوضح حرمتها فلما قتلت خزاعة رجلا تطلبه بثأر وداه الرسول ﷺ وبين أن من قتل بعد ذلك قتيلا فأهل القتيل بالخيار بين القصاص والدية (١). وأما عامة أهل مكة فقد نالهم عفو عام رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول ﷺ ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول ﷺ فيهم فقال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. فقال:"لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم" (٢). وقد نزلت الآية الكريمة ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٣). فاختار الرسول ﷺ أن يعفو عنهم ويصبر على ما كان منهم ويدع عقوبتهم تفضلاً منه واحتسابًا فقال: "نصبر ولا نعاقب" (٤). وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها وعدم فرض الخراج عليها، فلم تعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى المفتوحة عنوة لقدسيتها وحرمتها، فإنها دار النسك ومتعبد الخلق وحرم الرب تعالى، لذلك ذهب جمهور الأئمة من السلف

стр. 474

والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها (١)! فهي مناخ لمن سبق، يسكن أهلها فيما يحتاجون إلى سكناه من دورها وما فضل عن حاجتهم فهو لإقامة الحجاج والمعتمرين والعباد القاصدين، وذهب آخرون إلى جواز بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها، وأدلتهم قوية في حين ان أدلة المانعين مرسلة وموقوفة (٢). ولم ينزل رسول الله ﷺ في بيته بمكة بل ضربت له قبة في الحجون - في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين- وقال عندما سأله أسامة بن زيد إن كان سينزل في بيته: (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟) مبينا أنه لا يرث المسلم الكافر (٣)، وكان عقيل قد ورث أبا طالب هو وطالب أخوه وباع الدور كلها. وأما علي وجعفر فلم يرثاه لأنهما مسلمان وأبو طالب مات كافراً (٤). ولم يدخل الرسول ﷺ مكة دخول الفاتحين المتغطرسين، بل كان خاشعا لله شاكرا لأنعمه يقرأ سورة الفتح ويرجِّع في قرائتها (٥) وهو على راحلته، بل إنه لما طاف بالكعبة استلم الركن بمحجنه كراهة أن يزاحم الطائفين وتعليماً لأمته (٦). وقد بين الرسول ﷺ حرمة مكة وأنها لا تغزى بعد الفتح (٧)، كما أعلى من مكانة قريش فأعلن أنه لا يقتل قرشي صبراً بعد يوم الفتح إلى يوم القيامة (٨).

стр. 475

وقد أمر الرسول ﷺ بتحطيم الأصنام وتطهير البيت الحرام منها، وشارك في ذلك بيده فكان يهوي بقوسه إليها فتساقط وهو يقرأ ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١). وكانت ستين وثلاثمائة من الأنصاب (٢)، ولطخ بالزعفران صور إبراهيم وإسماعيل وإسحق وهم يستقسمون بالأزلام وكانت هذه الصور داخل الكعبة، وقال: قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام (٣). وفي رواية أن صورة مريم كانت داخل الكعبة أيضاً (٤). ولم يدخل الرسول ﷺ الكعبة إلى بعد أن محيت هذه الصور منها (٥). ثم دخلها فصلى فيها ركعتين، وذلك بين العمودين المقدمين منها، وكانت مبنية على ستة أعمدة متوازية، وقد جعل باب الكعبة خلف ظهره، وترك عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة وراءه (٦). ثم خرج فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه مفتاح الكعبة، وكانت الحجابة في بني شيبة في الجاهلية فأبقايا بأيديهم (٧). ثم استلم الرسول ﷺ الحجر الأسود وطاف بالبيت مهللا مكبرا ذاكرا شاكرا، وكان غير محرم وعلى رأسه المغفر ثم لبس عمامة سوداء مما يدل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة (٨). وهكذا تم تطهير البيت العتيق من مظاهر الوثنية وأوضار الجاهلية ليعود كما أراد له الله تعالى وكما قصد ببنائه إبراهيم وإسماعيل مكانا لعبادة الله وتوحيده.

стр. 476

ولا شك أن تطهير البيت من الأصنام كان أكبر ضربة للوثنية في أرجاء الجزيرة العربية حيث كانت الكعبة أعظم مراكزها، وما أن تم فتح مكة وطُهرت الكعبة حتى أرسل الرسول ﷺ خالد بن الوليد إلى نخلة لهدم العزى التي كانت مضر جميعا تعظمها فهدمها (١). وأرسل عمرو بن العاص إلى سواع صنم هذيل فهدمه (٢). وأرسل سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة بالمشلل (ناحية قديد على طريق مكة - المدينة) فهدمها (٣) وبذلك أزيلت أكبر مراكز الوثنية حيث ذكرها القرآن الكريم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٤). وفي فتح مكة نزلت سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥) فقد كان العرب تنتظر نهاية الصراع بين المسلمين وقريش فلما كان الفتح أقبلت بمجموعها وبادرت لإعلان إسلامها (٦). قال عمرو بن سلمة الجرمي: "وكانت العرب تلوّم بإسلامها الفتح يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق وهو نبي، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم" (١) وعقب ابن إسحق على حادثة الفتح بقوله: "وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوخها الإسلام،

стр. 477

وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كام قال الله أفواجاً يضربون إليه من وكل وجه" (١). وقد خطب الرسول ﷺ بمكة عدة خطب بيَّن في الخطبة الأولى- وكانت على باب الكعبة- دية الخطأ شبه العمد، وألغي مآثر الجاهلية وثأراتها واستثنى سقاية الحاج وسدنة البيت فاستبقاهما (٢). وأعلن في الخطبة الثانية إبطال أحلاف الجاهلية إلا ما كان من المعاقدة على الخير ونصرة الحق وصلة الأرحام (٣). ثم أعلن في الخطبة الثالثة تحريم مكة وتحريم صيدها وخلاها وشجرها ولقطتها وتحريم القتال فيها وبين أن الله تعالى أحلها له ساعة وقت الفتح (٤)، وأوضح أن لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية (٥)، فلم تعد الهجرة من مكة إلى المدينة واجبا، وإن بقي حكمها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام إلى يوم القيامة (٦). فقد شرعت الهجرة إلى المدينة ليعبد المسلمون ربهم بأمان، وليقوى كيان الإسلام بالمدينة أمام خصومه، وليتمكنوا من حماية الدولة ثم توسيع رقعتها عن طريق الجهاد، والهجرة بعد فتح مكة لم تعد ضرورة فقد قوي كيان الإسلام وصار وجود المسلمين في ديارهم أجدى لإقامة شعائر الإسلام ونشر هداه في سائر الأرجاء، وأما الجهاد فباق إلى يوم القيامة. ولذلك بايع النبي ﷺ المسلمين بعد الفتح على الإسلام والإيمان والجهاد ولم يبايعهم على الهجرة (٧). وقد

стр. 478

بين ابن عمر (رض) ذلك بقوله (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) أي ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة على من أسلم وخشى أن يفتن عن دينه (١). وأوضح في الخطبة الرابعة أن من قتل له قتيل فيخير بين أخذ الدية أو القصاص (٢). وقد اتضحت بعض الأحكام الشرعية خلال فتح مكة، من ذلك جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية حيث صام الرسول ﷺ في مسيرة الجيش من المدينة حتى بلغ كديدا فأفطر (٣). ومن ذلك صلاته ﵊ صلاة الضحى ثماني ركعات خفيفة (٤). فهي سنة مؤكدة. ومن ذلك أن أحق المصلين بالإمامة أكثرهم حفظاً للقرآن (٥) ومن ذلك تحديد مدة قصر الصلاة للمسافر، حيث أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة (٦). ومن ذلك إقرار أمان النساء وجوارهن حيث أجازت أم هاني رجلين من أحمائها، فأمضى الرسول ﷺ جوارها (٧). وقد أجمع أهل العلم على أن أمان المرأة جائز (٨).

стр. 479

ومن ذلك تحريم نكاح المتعة بعد إجازته ثلاثة أيام فقط ثم صار حراماً إلى الأبد (١). وكان تحريم المتعة وإباحتها مرتين، فكانت حلالاً قبيل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة واستمر التحريم (٢). ومن ذلك بيان حكم أن (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وذلك من خلال قصة ابن وليدة زمعة. حيث تنازع فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، فحكم به الرسول ﷺ لعبد بن زمعة لأنه ولد على فراش أبيه (٣). وحكم نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله كما حدث لصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وقد اعتبر عقد النكاح قائما بينهما وبين زوجتيهما لأنهما أسلما قبل انقضاء عدة الزوجتين (٤). ومنها حكم الوصية وأنها لا تجوز في أكثر من ثلث المال، كما تدل قصة سعد ابن أبي وقاص حين مرضه حيث نهاه الرسول ﷺ أن يوصي بأكثر من الثلث (٥). ومنها أن للمرأة أن تأخذ من مال زوجها لنفقتها ونفقة أولادها بالمعروف دون علمه إذا امتنع عن النفقة كما في قصة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان حيث استفتت النبي ﷺ في ذلك (٦). ومنها تحريم بيع الخمر والميتة والأصنام (٧). ومنها بيان حكم خضاب الشيب بالحناء أو الصفرة كما في قصة أبي قحافة حيث أمر النبي ﷺ بتغيير شيبه (٨).

стр. 480

ومنها تحريم الشفاعة في حدود الله بعد بلوغها للإمام كما حدث في قصة المرأة المخزومية التي سرقت فقطعت يدها، وغضب الرسول ﷺ من أسامة بن زيد لأنه شفع لها وقوله؛ (إنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (١). وفي هذا الحديث إقرارا لمبدأ المساواة بين الناس أمام أحكام الشريعة وتحذير للحكام من أن يقيموا الحدود على الضعفاء دون الأقوياء الذين يحاولون بالوساطات والضغوط تخطي الأحكام .. ولا شك أن بقاء الدول واستقرار المجتمعات منوط بالدرجة الاولى بإقرار العدالة وإنما يجد خصوم الدولة السبيل إلى هدمها من خلال الظلم الذي يقع منها فهو مبرر لاجتماع المظلومين وحافز للتضحية من أجل إسقاطها. ونتيجة لفتح مكة تحول ثقل معسكر الشرك من قريش إلى قبيلتي هوازن وثقيف اللتين سارعتا لملء الفراغ وقيادة المشركين لحرب الإسلام فكانت غزوة حنين وحصار الطائف. ويؤرخ ابن إسحاق سرية الطفيل بن عمرو الدوسي في أعقاب فتح مكة، حيث أحرق ذا الكفين صنم عمرو بن حُمَمَة (٢).

стр. 481

غزوة حنين هوازن قبيلة عربية مشهورة من عرب الشمال، فهي مضرية عدنانية تفرعت منها فروع كثيرة منها ثقيف، وقد استقرت ثقيف في مدينة الطائف الحصينة وما حولها، في حين انتشرت بطون هوازن الأخرى في تهامة على ساحل البحر الأحمر من حدود بلاد الشام الجنوبية إلى حدود اليمن الشمالية (١). وفي ديار ثقيف كانت تقام أسواق العرب في الجاهلية منها سوق عكاظ الشهير بين نخلة والطائف، حيث تتم البيوع والمقايضات التجارية، وتعقد الندوات الأدبية والشعرية، ومنها سوق ذي المجاز قرب عرفت على بعد فرسخ منها من جهة الطائف، وسوق مَجَنَّة بمر الظهران التي تبعد عن الطائف، وتقرب من مكة (٢). ولا شك أن الثقفيين كانوا يستفيدون فوائد عظيمة من أسواق العرب هذه سواء في تجارتهم وتصريف نتاجهم الزراعي حيث يمتلكون بساتين الأعناب والرمان والخضراوات. أو في رقيهم الأدبي وتفتح مداركهم حيث التلاقح الثقافي في هذه اللقاءات الموسمية المنظمة، وحيث يقومون بالوساطة في التجارة الخارجية بين الشام واليمن من ناحية وسكان البوادي من ناحية أخرى. وقد تشابكت مصالح ثقيف وهوازن مع مصالح قريش تشابكاً وثيقاً بحكم الجوار. فمكة والطائف قريبتان من بعضهما بينهما تسعون كيلا فقط، وكان القرشيون يصطافون بالطائف، ويمتلكون فيها البساتين والدور حتى سميت الطائف "بستان قريش" (٣)، وقد وطَّد هذه العلاقات ما كان بين قريش وهوازن

стр. 482

من صلات نسبية قديمة توثقها المصاهرات المتجددة فكلاهما من مضر الذي هو الجد السادس لهوازن والسابع أو الخامس لقريش تبعاً لاختلاف النسابين (١). وإن نظرة إلى كتب معرفة الصحابة يمكن أن توضح تشابك العلاقات بين قريش وهوازن نتيجة المصاهرات الكثيرة بين القبيلتين (٢). ولتوثيق هذه الصلات نجد أن عروة بن مسعود الثقفي كان رسولا لقريش إلى المسلمين في الحديبية (٣). فلا غرابة وقد تشابكت علاقة قريش وهوازن بهذا الوثوق أن تقف هوازن مع قريش في صراعها ضد المسلمين منذ المرحلة المكية، وأن يئول إليها حمل الراية ضد الإسلام بعد فتح مكة لتملأ الفراغ إثر سقوط زعامة قريش لمعسكر الشرك في الجزيرة العربية. فمنذ أن لجأ رسول الله ﷺ إلى ثقيف في الطائف يدعوهم بدعوة الإسلام، ثم يطلب منهم بعد رفضهم دعوته أن يكتموا ذلك، أبوا إلا أن يظهروا العداء الصريح وأمروا صبيانهم فرشقوه بالحجارة .. إن قريشا وهوازن أمرهم واحد، فمن خرج على قريش ودينها ومصالحها فقد خرج على دين هوازن وهدد مصالحها. وكان رسول الله ﷺ يدرك أهمية إسلام ثقيف، لمكانتها العسكرية والاقتصادية، ولعلاقاتها الوثيقة بقريش، وقد سعى إلى دعوة زعمائها للإسلام حتى بعد إخفاق رحلته إلى ثقيف، فالتقى بالعقبة وهو يعرض نفسه على زعماء

стр. 483

القبائل بابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبه إلى الإسلام مما أهمَّه حتى انطلق بعيدا عن مكة لا يتعرف في طريقه إلى داره لفرط الهم (١). وقد وقفت هوازن بعيدا عن الصراع الذي احتدم بين قريش والمسلمين بعد الهجرة، ولعلها كانت تظن أن قريشا تكفيها، وظلت ترقب المعارك في بدر وأحد والخندق دون أن تحرك ساكنا، بل إن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة أقنعها بالرجوع عن المشاركة ببدر ما دامت تجاراتها قد سلمت (٢). وكان عروة بن مسعود الثقفي يطلب من قريش قبول الخطة التي عرضها عليها رسول الله ﷺ في الحديبية (٣). ولكن هذه المواقف الفردية تعبر عن حكمة بعض الثقفيين فقط، ولا تعبر عن موقف مسالم لثقيف وهوازن. ويبدو أن عدم اشتراك ثقيف في الأحداث التي جرت حتى فتح مكة يرجع إلى اعتمادها على قريش وضعف تصورها لحقيقة القوة الإسلامية. وليس معنى ذلك أن هوازن لم تشعر قط بخطر المسلمين قبيل فتح مكة، فقد كان موقف قريش مشعرا بضعفها أمام المسلمين منذ اعترافها بهم ومعاهدتها معهم في الحديبية، واستمر موقفها يضعف مع الأيام ويعلو صوت الإسلام، وكانت معنوية قريش ضعيفة وقت فتح مكة، فلا شك أن جيرانها الثقفيين كانوا على قدر من الوعي بذلك، وكان بعض رجالهم قريبا من الأحداث، ولعل عدم نجدة هوازن وثقيف لقريش يرجع إلى نجاح المسلمين في كتمان هدف تحركهم. كما كانت هوازن تخشى على ديارها منهم، لذلك لم تبادر للدفاع عن مكة، ويشير الواقدي إلى أنهم أرسلوا عينا لهم لمعرفة إن كان المسلمون سيتوجهون إلى قريش أم هوازن، بل إن هوازن اتخذت موقف الاستعداد للمواجهة بجمع جموعها منذ

стр. 484

أن تحرك المسلمون من المدينة، وقد تصورت أنها المقصودة (١). وأعان على هذا التصور غموض موقف المسلمين من مصير صلح الحديبية. فلما فتحت مكة وسقطت الزعامة القريشية، حملت هوازن راية الشرك، وتحركت بسرعة لمواجهة الموقف خاصة أن الرسول ﷺ لم يوقف نشاط المسلمين العسكري بعد الفتح، بل أرسل السرايا منها سرية بقيادة خالد بن الوليد بثلاثين فارسا نحو نخلة لهدم العزى فهدمها (٢)، وكانت بيتاً تعظمه العرب وهي من ديار ثقيف (٣). وكان ذلك لخمس ليال بقين من رمضان كما أرسل سعد بن يزيد الأشهلي في عشرين فارسا لست بقين من شهر رمضان إلى مناة بالمشلَّل - وهي القديدية الآن- وكان صنماً يعظمه العرب وخاصة الأنصار قبل إسلامهم، فهدمه سعد الأشهلي، وعاد إلى مكة (٤)، وقيل إن علياً (رض) هو الذي هدم مناة أرسله رسول الله ﷺ وهو في طريقه إلى مكة قبل الفتح (٥). والروايتان ضعيفتان من الناحية الحديثية فابن سعد ساقها دون إسناد ومصدره فيما يبدو شيخه الواقدي وهو ضعيف، وابن الكلبي ضعيف، وثمة رواية تفيد أن أبا سفيان بن حرب هو الذي تولى هدمها، وليست بأقوى من الروايتين (٦). ولكن لا شك أن مناة قد هدمت فهذا الذي يثبت تاريخيا، وليس الحديث كالتاريخ من حيث الحاجة إلى قوة الأدلة. وكذلك أرسل النبي ﷺ سرية بقيادة خالد بن الوليد في شهر شوال من سنة ثمان للهجرة تضم ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار إلى بني

стр. 485

جذيمة في يلملم جنوب مكة بثلاثين كيلا، داعيا لهم إلى الإسلام، فلما وصلهم دعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فقتل منهم وأسر، ثم أمر بعد حين بقتل الأسرى، وقد توقف عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن عوف وبعض الصحابة عن قتل الأسرى، حتى قدموا على النبي ﷺ الذي تبرأ مما صنع خالد مرتين (١). لقد تأول خالد بن الوليد قولهم "صبأنا" بأنهم لا يريدون إعلان إسلامهم أو أنهم ينتقصون الإسلام بذلك فلم يحقن دماءهم (٢)، ورأى عبد الرحمن بن عوف وعبد الله أنهم عبروا عن إسلامهم بما يعرفون، ولم تكن المصطلحات الشرعية قد اتضحت لسائر العرب آنذاك، لذلك فإن الرسول ﷺ وإن تبرأ من فعل خالد لعجلته وعدم تثبته فإنه لم يعاقبه ولم يعزله عن إمارة جنده، إذ أنه اجتهد فأخطأ. وتقول رواية لا تصلح للاحتجاج بها لانقطاعها أن النبي ﷺ دفع ديات القتلى جميعا وزادهم فيها تطييبا لنفوسهم وبراءة من دمائهم (٣). وهذا يتفق مع أحكام الإسلام في قتل الخطأ، ولو اعتمدنا على الرواية المنقطعة فينبغي أن نقبلها جميعا وفيها أن خالد بن الوليد لما وصل بني جذيمة حملوا السلاح فأمرهم بإلقائه وذكرهم بأن الناس قد أسلموا، فوضعوا السلاح فكتفهم وقتل العديد منهم. وقد ساق هذه الرواية ابن إسحق وساق روايات أخرى تفيد أن عمل خالد كان ثأراً لعمه الفاكه بن المغيرة الذي قتلته بنو جذيمة في الجاهلية وقد عقب ابن كثير على روايات ابن إسحق بقوله: "وهذه مرسلات

стр. 486

ومنقطعات" أي لا تقوم بها حجة (١). إن أعظم ما يبريء ساحة خالد ويفيد أنه اجتهد فأخطأ هو عدم معاقبة الرسول ﷺ له واكتفاؤه بالبراءة من عمله. وعلى أية حال فإن اثنتين من سرايا المسلمين كانت في ديار هوازن وثقيف. ولم تكن هذه السرايا لتخفى على هوازن التي بدأت تحشد قواها في حنين بعد نصف شهر فقط من فتح مكة لمواجهة المسلمين (٢). وقد عزمت على مهاجمة المسلمين قبل أن يهاجموها، ومما يدل على أنهم أرادوها موقعة فاصلة حشدُهُم للأموال والنساء والأبناء، حتى لا يفر أحد دون ماله وأهله. وكان يقودهم مالك بن عوف النصري وقد انضمت إلى هوازن بعض القبائل الأخرى من غطفان وغيرها (٣)، وتخلف عنه من هوازن كعب وكلاب (٤). ويلاحظ أن مالك بن عوف رتب قومه بشكل صفوف حسنة، وقد الخيل ثم الرجالة ثم النساء ثم الغنم ثم الإبل (٥). وكان مالك النصري في الثلاثين من عمره، وقد عرف بالشجاعة وحسن البلاء في القتال (٦)، وقد وردت روايات تبين أن دريد بن الصَّمة أنكر على مالك النصري الخروج بالنساء والأطفال والأموال لأن المنهزم لا يرده شئ- في رأيه- لكن مالك النصري لم يعمل برأيه (٧). وقد انفرد الواقدي بتقدير عدد جيش هوازن فذكر انهم عشرون ألفا (٨). وقد مال الحافظ ابن حجر إلى قبول هذا التقدير فقال إنهم كانوا ضعف عدد المسلمين وأكثر (٩).

стр. 487

وقدر أرسل إليهم النبي ﷺ عبد الله بن حدرد الأسلمي للتعرف على أمرهم فمكث فيهم يوماً أو يومين ثم عاد إلى المسلمين بخبرهم (١). فأخذ المسلمون أهبتهم واستعدوا لمواجهتهم. واستعار النبي ﷺ مائة درع من صفوان بن أمية (٢)، وكان لا يزال على الشرك، وقد سأله صفوان إن كان يأخذها غصباً أم عارية؟ فأخبره أنها عارية، وقد أعادها إليه بعد غزوة حنين شاكرا له صنيعه (٣). وقد أورد عبد البر روايات دون أسانيد تذكر أنه ﷺ استقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، وقبل عون نوفل بن الحارث بن عبد المطلب له بثلاثة آلاف رمح (٤). ولا مانع من استعانته بهما إذ ثبت أنه استعان بصفوان وهو مشرك. وخاصة أن كيان الإسلام كان راسخا وأن صبغة المعركة الإسلامية لا يؤثر فيها قبول معونة من سواهم ما دامت لا تفرض عليهم شروطا تخل بالتزاماتهم العقدية. ولم يطل استعداد المسلمين فإن الجيش الذي فتح مكة لم يلق من الجهد والقتال سوى مناوشات يسيرة في الخندمة، فكان على استعداد لمواجهة هوازن، وخلال أيام تحرك المسلمون باتجاه حنين في اليوم الخامس من شوال - وقد مضى على مقامه بمكة بعد الفتح خمس عشرة ليلة وكان فتحها في التاسع عشر من رمضان- ووصلوا إلى حنين في مساء العاشر من شوال (٥). ويبدو من ذلك أنهم

стр. 488

كلما اقتربوا من حنين ساروا ببطء وحذر فإنها لا تبعد عن مكة سوى عشرين كيلا شرقي مكة وتعرف الآن بالشرائع (١). أما في أول خروجهم من مكة فقط مضوا مسرعين (٢). وقد استخلف الرسول ﷺ عتاب بن أسيد أميرا على مكة عند خروجه (٣). وكان عدد جيش المسلمين كبيرا إذا قورن بسائر الغزوات السابقة فقد انضم إلى الجيش الذي فتح مكة -وعدده عشرة آلاف مقاتل (٤) - ألفان من أهل مكة من مسلمة الفتح الذين سموا بالطلقاء، حيث أجمعت الروايات على ذلك رغم أنها لا ترقى إلى درجة الصحة الحديثية في عدد الطلقاء الذين انضموا إلى الجيش، ولكنها تكفي لاعتمادها تاريخياً (٥). ولذلك تعتبر غزوة حنين أكبر المعارك التي خاضها المسلمون في عصر السيرة ومن أكثرها خطورة. وقد اهتم الرسول ﷺ بحراسة جيشه حتى إذا حضرتهم صلاة العشاء وهم قريبون من العدو أمر أحد الصحابة بمراقبة عدوهم من أحد الجبال المطلة على وادي حنين وقد عبر عن ثقته الكبيرة بربه وبنصره عندما أخبره الصحابي بما رأى من جموع هوازن وأموالها بقوله "تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله" ثم تطوع انس بن أبي مرثد الغنوي بحراسة المسلمين حيث ناموا في المكان وأوصاه ألا

стр. 489

يغفل عن الحراسة حتى الفجر، وقد أدى أنس مهمته خير أداء فوعده النبي ﷺ بالجنة (١). لقد كان لوجود الطلقاء في جيش المسلمين آثار سلبية، فقد كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يتخلصوا من كل الرواسب الجاهلية المستقرة في أعماقهم وحياتهم، حتى إذا رأى بعضهم في الطريق إلى حنين شجرة تعرف بذات أنواط يعلق عليها المشركون أسلحتهم قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال: "سبحان الله، كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من قبلكم" (٢). ولا شك أن طلبهم يعبر عن عدم وضوح تصورهم للتوحيد الخالص رغم إسلامهم لكن النبي ﷺ أوضح لهم ما في طلبهم من معاني الشرك وحذرهم من ذلك، ولم يعاقبهم أو يعنفهم لعلمه بحداثة عهدهم بالإسلام. ومن تلك الآثار السلبية ما أصاب المسلمين من إعجاب بكثرتهم حتى رد أحدهم (٣) ما سيحوزونه من نصر إلى أنهم "لن يغلبوا من قلة". وعبر عن ذلك جهرة، في حين أصاب هذا الشعور آخرين سواه حتى استحقوا معاتبة القرآن الكريم لهم وتذكيرهم بعدم الاتكال إلا على الله وحده، وإلا وكلهم إلى أنفسهم ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٤). وقد انتبه الرسول ﷺ لهذا الأمر،

стр. 490

فأكد لهم بدعائه افتقاره لربه ولجوءه إليه وحده، فقال: "اللهم بك أحاول، وبك أصاول، وبك أقاتل"، وحكى لهم قصة نبي أعجبته كثرة أمته فسلط الله عليهم الموت (١). وهكذا كان الرسول ﷺ يراقب المسلمين ويقِّوم ما يظهر من انحرافات في التصور أو السلوك حتى في أخطر ظروف المواجهة مع خصومه العتاة. لأن النصر معلق بشرط ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ولكن هل تتم تربية الجموع وإزالة رواسب الجاهلية التي عاشوا فيها أعمارهم بين عشية وضحاها، لقد كان الشعور بالزهو لكثرتهم سبباً لإدبارهم في أول المواجهة، وكان إدبارهم وهول اللقاء قد أعادهم إلى التصور الصحيح والتوكل الخالص فكانت الجولة الثانية خالصة لهم من دون الكفارين. ومن الآثار السلبية لوجود الطلقاء وبعض الأعراب في جيش المسلمين، أن معظمهم خرجوا للحصوص على الغنائم والنظر لمن تكون الغلبة، فلم يشعروا أنهم يدافعون عن قضية ومبدأ، إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يتذوقوا طعم الإيمان ولا حب الجهاد في سبيل الله وكان منهم المقيم على الكفر (٢) -ومنهم بالطبع من كان حسن الإسلام- فلا غرابة أن ينهالوا على الغنائم، في بدء المعركة وينشغلوا بها ويشغلوا سواهم من الجند معهم، ولم يكن مصير المعركة يهم بعضهم كثيراً، فقد عبر أحدهم عن فرحته بإدبار المسلمين في الجولة الأولى، فقال كلدة بن أمية - أخو صفوان بن أمية الجمحي-: ألا بطل السحر اليوم!! فقال له صفوان -وكان مشركاً آنذاك- اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يَرُبَّني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يَرُبَّني رجل من هوازن (٣)!!

стр. 491

وقد ذكر موسى بن عقبة أن أبا سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وهم زعماء مكة كانوا يقفون في الخطوط الخلفية للمعركة ينظرون لمن يكون النصر!! وذكر عروة بن الزبير أن صفوان بن أمية كان يرسل غلاماً له للتعرف على أخبار القتال!! وذكر ابن إسحق أن أبا سفيان قال عندما رأى إدبار المسلمين في الجولة الأولى: "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر" وكان يحمل الأزلام -وهي القداح- التي يستقسم بها في كنانته!! (١). ورغم أن ما رواه موسى بن عقبة وعروة وابن إسحق لا يصح من الناحية الحديثية لعلة الإرسال فيه، إلا أن الثلاثة أئمة المغازي ورواياتهم تتضافر لتعطي الصورة التاريخية لموقف زعماء مكة وفيهم صفوان المشرك وأبو سفيان مسلم جديد من المؤلفة قلوبهم آنذاك. المعركة: سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين، واختاروا مواقعهم وبثوا كتائبهم في شعابه ومنعطفاته وأشجاره. وكانت خطتهم محكمة تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في وادي حنين المنحدر (٢)، وكانت معنويات هوازن عالية فقد أوضح لهم قائدهم مالك النصري ان المسلمين لم يلقوا مثلهم من قبل من حيث معرفتهم بالحرب وشجاعتهم وكثرتهم العددية (٣). وقد تقدم المسلمون في الوادي قبل انبلاج الفجر، تتقدمهم الخيالة بقيادة خالد بن الوليد، وفي طليعتها بنو سليم، ثم بقية الجيش بشكل صفوف منتظمة (٤).

стр. 492

وفي بداية القتال تراجعت طلائع هوازن أمام تقدم المسلمين تاركين بعض الغنائم التي أقبل على جمعها الجند (١)، وكأنهم حسبوا أن هوازن قد هزمت هزيمة نهائية، ولكن هوازن فاجأتهم بالسهام الكثيفة تنهال عليهم من جنبات الوادي، وكان بعض المسلمين قد تعجلوا بالخروج دون استكمال عدة القتال، فكان بعضهم حاسري الرءوس، والبعض الآخر من الشبان لم يحملوا معهم السلاح الكافي (٢) ولم يحسبوا للأمر حسابه، وأمام هول المفاجأة ودقة الرماة من هوازن حتى: "ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوه رشقاً ما يكادون يخطئون" (٣) كما وصفهم البراء بن عازب أحد شهود المعركة من الصحابة - فانكشفت خيالة المسلمين ثم المشاة، وفر الطلقاء والأعراب، ثم بقية الجيش، حتى لم يصمد مع الرسول ﷺ سوى فئة قليلة صمدت بصموده. لقد استمر القتال في هذه الجولة الأولى من الفجر إلى العشاء ثم طيلة الليل ثم انكشف المسلمون وأدبروا، وكان الحر خلال النهار شديداً فكان المسلمون يأوون قبل المعركة إلى ظلال الأشجار في النهار، أما في وقت المعركة فكانوا معرضين للشمس الملتهبة، وكانت الأرض رملية فكان الغبار يرتفع في وجوههم، فيحد من قدرة المقاتلين على الرؤية كما عبر أحدهم: "فما منا أحد يبصر كفَّه" (٤). في حين استفادت هوازن من كمائنها في المنعطفات والشعاب.

стр. 493

وكان الرسول ﷺ يركب بغلته دلدل (١) رغم امتلاكه للخيل وبذلك يرسخ في أذهان المسلمين فكرة الصمود، فالبغلة لا تصلح للكر والفر ولا للإدبار خلافاً للخيل، وكان الرسول ينظر إلى إدبار المسلمين ويدعوهم للثبات وهو يدفع بغلته للأمام ويقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" والعباس عمه وأبو سفيان بن الحارث يمسكان بعنان بغلته لئلا تسرع به خلال العدو (٢)، وقد تراجع قليل من المسلمين يسيراً (٣)، في حين ابتعد معظمهم عن الميدان مدبرين ولم يصمد معه سوى عشرة أو اثني عشر من الصحابة كانوا يحيطون به فيهم العباس وأبو سفيان بن الحارث وأبو بكر وعمر وعلي (٤)، وقد أمر النبي ﷺ عمه العباس - وكان جهوري الصوت - فنادى الناس للعودة ثم خص الأنصار وأصحاب الشجرة بالنداء ثم خص بني الحارث بن الخزرج بالنداء فتلاحقوا نحوه حتى صاروا ثمانين أو مائة، فقاتلوا هوازن (٥)، وبدأوا جولة جديدة مليئة بالشجاعة والصدق والعزيمة والإيمان وحسن التوكل، فكان النبي ﷺ يدعو الله

стр. 494

ويسأله النصر، يقول: "إنك إن تشأ لا تبعد بعد اليوم" (١). حتى إذا غشيه الأعداء نزل عن بغلته وترجل (٢)، وكان الصحابة إذا اشتد البأس والتحم القتال يتقون به لشجاعته وثباته (٣)، فلما رأى الفارون من المسلمين ذلك وسمعوا العباس يناديهم أخذوا يتلاحقون به ويرددون: لبيك لبيك. حتى أن من لم يستطع منهم أن يثني بعيره ويعود به أخذ سلاحه وتركه (٤)، فاشتد القتال من جديد وقال الرسول ﷺ "هذا حين حمي الوطيس" (٥) وأخذ تراباً أو حصيات فرمى بهن وجوه الكفار وهو يقول:"شاهت الوجوه", "انهزموا ورب محمد" (٦)، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧) ولم تصمد هوازن وثقيف طويلاً في الجولة الثانية، بل فروا من الميدان وتعقبهم المسلمون بعيداً عن حنين تاركين وراءهم قتلى كثيرين وأموالاً عظيمة في الميدان. ولم يتمكنوا من الانسحاب المنظم حتى أنهم تركوا خلفهم شراذم من الجيش تمكن المسلمون من القضاء عليها بسهولة (٨) فكانت خسارتهم في الأرواح خلال الهزيمة أعظم من خسارتهم خلال المعركة فقد أمر الرسول ﷺ بتعقب الفارين وقتلهم لإضعاف شوكتهم حتى لا يعودوا إلى الاجتماع والقتال (٩). وقد أباح سلب المشرك لقاتله (١٠) ولكنه نهى عن قتل

стр. 495

النساء عندما رأي امرأة مقتولة فقال:"ما كانت هذه تقاتل" (١). وكذلك نهي عن قتل الذراري لما بلغه أن بعض المسلمين يقتلونهم، فلما ذكروا: إنما هم أولاد المشركين؟ قال: "أو هل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها" (٢). ولم يعنَّف الرسول ﷺ أحدا ممن فرَّ عنه، بل لما قالت له أم سليم الأنصارية أن يقتل الطلقاء لفرارهم قال: "إن الله قد كفى وأحسن" وكانت أم سليم تحمل خنجراً تدافع به عن نفسها (٣) في المعركة. وقد بلغ قتلى هوازن خلال المعركة اثنين وسبعين قتيلاً من بني مالك من ثقيف وحدهم حسب رواية ابن إسحق (٤)، وقتيلين من الأحلاف من ثقيف لأنهم سارعوا إلى مغادرة ميدان المعركة (٥). وخلال الهزيمة ثلثمائة قتيل من بني مالك فقط قتلهم المسلمون بقيادة الزبير بن العوام في أوطاس (٦) كما قتل عدد آخر في أوطاس (٧) وقد قتل أبو طلحة وحده عشرين رجلاً منهم وأخذ أسلابهم (٨)، كما
следующие страницы →