← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقد ذكر موسى بن عقبة أن أبا سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وهم زعماء مكة كانوا يقفون في الخطوط الخلفية للمعركة ينظرون لمن يكون النصر!! وذكر عروة بن الزبير أن صفوان بن أمية كان يرسل غلاماً له للتعرف على أخبار القتال!! وذكر ابن إسحق أن أبا سفيان قال عندما رأى إدبار المسلمين في الجولة الأولى: "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر" وكان يحمل الأزلام -وهي القداح- التي يستقسم بها في كنانته!! (١). ورغم أن ما رواه موسى بن عقبة وعروة وابن إسحق لا يصح من الناحية الحديثية لعلة الإرسال فيه، إلا أن الثلاثة أئمة المغازي ورواياتهم تتضافر لتعطي الصورة التاريخية لموقف زعماء مكة وفيهم صفوان المشرك وأبو سفيان مسلم جديد من المؤلفة قلوبهم آنذاك. المعركة: سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين، واختاروا مواقعهم وبثوا كتائبهم في شعابه ومنعطفاته وأشجاره. وكانت خطتهم محكمة تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في وادي حنين المنحدر (٢)، وكانت معنويات هوازن عالية فقد أوضح لهم قائدهم مالك النصري ان المسلمين لم يلقوا مثلهم من قبل من حيث معرفتهم بالحرب وشجاعتهم وكثرتهم العددية (٣). وقد تقدم المسلمون في الوادي قبل انبلاج الفجر، تتقدمهم الخيالة بقيادة خالد بن الوليد، وفي طليعتها بنو سليم، ثم بقية الجيش بشكل صفوف منتظمة (٤).

стр. 492

وفي بداية القتال تراجعت طلائع هوازن أمام تقدم المسلمين تاركين بعض الغنائم التي أقبل على جمعها الجند (١)، وكأنهم حسبوا أن هوازن قد هزمت هزيمة نهائية، ولكن هوازن فاجأتهم بالسهام الكثيفة تنهال عليهم من جنبات الوادي، وكان بعض المسلمين قد تعجلوا بالخروج دون استكمال عدة القتال، فكان بعضهم حاسري الرءوس، والبعض الآخر من الشبان لم يحملوا معهم السلاح الكافي (٢) ولم يحسبوا للأمر حسابه، وأمام هول المفاجأة ودقة الرماة من هوازن حتى: "ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوه رشقاً ما يكادون يخطئون" (٣) كما وصفهم البراء بن عازب أحد شهود المعركة من الصحابة - فانكشفت خيالة المسلمين ثم المشاة، وفر الطلقاء والأعراب، ثم بقية الجيش، حتى لم يصمد مع الرسول ﷺ سوى فئة قليلة صمدت بصموده. لقد استمر القتال في هذه الجولة الأولى من الفجر إلى العشاء ثم طيلة الليل ثم انكشف المسلمون وأدبروا، وكان الحر خلال النهار شديداً فكان المسلمون يأوون قبل المعركة إلى ظلال الأشجار في النهار، أما في وقت المعركة فكانوا معرضين للشمس الملتهبة، وكانت الأرض رملية فكان الغبار يرتفع في وجوههم، فيحد من قدرة المقاتلين على الرؤية كما عبر أحدهم: "فما منا أحد يبصر كفَّه" (٤). في حين استفادت هوازن من كمائنها في المنعطفات والشعاب.

стр. 493

وكان الرسول ﷺ يركب بغلته دلدل (١) رغم امتلاكه للخيل وبذلك يرسخ في أذهان المسلمين فكرة الصمود، فالبغلة لا تصلح للكر والفر ولا للإدبار خلافاً للخيل، وكان الرسول ينظر إلى إدبار المسلمين ويدعوهم للثبات وهو يدفع بغلته للأمام ويقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" والعباس عمه وأبو سفيان بن الحارث يمسكان بعنان بغلته لئلا تسرع به خلال العدو (٢)، وقد تراجع قليل من المسلمين يسيراً (٣)، في حين ابتعد معظمهم عن الميدان مدبرين ولم يصمد معه سوى عشرة أو اثني عشر من الصحابة كانوا يحيطون به فيهم العباس وأبو سفيان بن الحارث وأبو بكر وعمر وعلي (٤)، وقد أمر النبي ﷺ عمه العباس - وكان جهوري الصوت - فنادى الناس للعودة ثم خص الأنصار وأصحاب الشجرة بالنداء ثم خص بني الحارث بن الخزرج بالنداء فتلاحقوا نحوه حتى صاروا ثمانين أو مائة، فقاتلوا هوازن (٥)، وبدأوا جولة جديدة مليئة بالشجاعة والصدق والعزيمة والإيمان وحسن التوكل، فكان النبي ﷺ يدعو الله

стр. 494

ويسأله النصر، يقول: "إنك إن تشأ لا تبعد بعد اليوم" (١). حتى إذا غشيه الأعداء نزل عن بغلته وترجل (٢)، وكان الصحابة إذا اشتد البأس والتحم القتال يتقون به لشجاعته وثباته (٣)، فلما رأى الفارون من المسلمين ذلك وسمعوا العباس يناديهم أخذوا يتلاحقون به ويرددون: لبيك لبيك. حتى أن من لم يستطع منهم أن يثني بعيره ويعود به أخذ سلاحه وتركه (٤)، فاشتد القتال من جديد وقال الرسول ﷺ "هذا حين حمي الوطيس" (٥) وأخذ تراباً أو حصيات فرمى بهن وجوه الكفار وهو يقول:"شاهت الوجوه", "انهزموا ورب محمد" (٦)، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧) ولم تصمد هوازن وثقيف طويلاً في الجولة الثانية، بل فروا من الميدان وتعقبهم المسلمون بعيداً عن حنين تاركين وراءهم قتلى كثيرين وأموالاً عظيمة في الميدان. ولم يتمكنوا من الانسحاب المنظم حتى أنهم تركوا خلفهم شراذم من الجيش تمكن المسلمون من القضاء عليها بسهولة (٨) فكانت خسارتهم في الأرواح خلال الهزيمة أعظم من خسارتهم خلال المعركة فقد أمر الرسول ﷺ بتعقب الفارين وقتلهم لإضعاف شوكتهم حتى لا يعودوا إلى الاجتماع والقتال (٩). وقد أباح سلب المشرك لقاتله (١٠) ولكنه نهى عن قتل

стр. 495

النساء عندما رأي امرأة مقتولة فقال:"ما كانت هذه تقاتل" (١). وكذلك نهي عن قتل الذراري لما بلغه أن بعض المسلمين يقتلونهم، فلما ذكروا: إنما هم أولاد المشركين؟ قال: "أو هل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها" (٢). ولم يعنَّف الرسول ﷺ أحدا ممن فرَّ عنه، بل لما قالت له أم سليم الأنصارية أن يقتل الطلقاء لفرارهم قال: "إن الله قد كفى وأحسن" وكانت أم سليم تحمل خنجراً تدافع به عن نفسها (٣) في المعركة. وقد بلغ قتلى هوازن خلال المعركة اثنين وسبعين قتيلاً من بني مالك من ثقيف وحدهم حسب رواية ابن إسحق (٤)، وقتيلين من الأحلاف من ثقيف لأنهم سارعوا إلى مغادرة ميدان المعركة (٥). وخلال الهزيمة ثلثمائة قتيل من بني مالك فقط قتلهم المسلمون بقيادة الزبير بن العوام في أوطاس (٦) كما قتل عدد آخر في أوطاس (٧) وقد قتل أبو طلحة وحده عشرين رجلاً منهم وأخذ أسلابهم (٨)، كما

стр. 496

قتل المئات من بني نصر بن معاوية ثم من بني رئاب حيث استحر فيهم القتل وهم من أهم فروع هوازن (١). وهكذا كانت خسارة هوازن وثقيف في الأرواح جسيمة فضلا عن الجرحى وأما السبي فقد بلغ ستة آلاف في رواية سعيد بن المسيب (٢). وقال عروة إن الستة آلاف من النساء والأبناء معاً (٣)، وهو قول ابن إسحق أيضاً (٤). ووصف الزهري كثرة السبي بقوله: "وملئت عُرُش مكة منهم" (٥) وأما الأموال فكانت أربعة آلاف أوقية فضة (٦) وأما الإبل فكانت أربعة وعشرين ألفاً (٧)، وأما الشاة فكانت أكثر من أربعين ألف شاة (٨). وكان معهم خيل وبقر وحمير لكن المصادر لم تذكر عدد ما غنمه المسلمون منها. وقد أمر الرسول ﷺ بحبس الغنائم في الجعرانة لحين عودته من حصار الطائف (٩). وأما تضحيات المسلمين فتتمثل في استشهاد أربعة منهم سماهم ابن إسحق (١٠) وإصابة عدد منهم بجروح منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن أبي أوفى وخالد بن الوليد (١١).

стр. 497

ولعل خسارتهم الطفيفة هذه في الأرواح ترجع إلى أن الجولة الأولى التي أدبروا فيها كان القتال خلالها في الغالب تراشقاً بالسهام، وكان الالتحام في الجولة الثانية أكثر لكن الدائرة كانت على هوازن وثقيف فكانت معظم إصابات المسلمين جروحاً شفوا منها، ومما يدل على سلامة جيش المسلمين أنهم طاردوا المنهزمين في حنين إلى مسافات بعيدة كما أنهم اتجهوا إلى حصار الطائف مباشرة دون استجمام يزيل عنهم آثار هذه الموقعة الحاسمة. والتي تشبه في خطورتها غزوة بدر الكبرى فإن المسلمين قدموا كل جيشهم وكذلك فعلت هوازن، وكانت العرب والأعراب تنتظر مصير المعركة لتتخذ موقفها الأخير من الإسلام فلما هزمت هوازن أقبلت الوفود تعلن الدخول في الدين الجديد ... تعقب الفارين نحو نخلة وأوطاس: انهزمت هوازن وتفرقت في الجبال والأودية، وتحصن مالك بن عوف النصري بالطائف في حين عسكر آخرون منهم بأوطاس - وهو واد بين الطائف وحنين - وعسكر بنو غيرة من ثقيف في نخلة بين سبواحة والشرائع (حنين) (١). وقد تبعت خيل المسلمين من سلك في نخلة من هوازن، وأرسل النبي ﷺ أبا عامر الأشعري إلى أوطاس فقاتلهم وقتل دريد بن الصمة (٢)، ثم أصيب بسهم وهو يقاتلهم فاستشهد بعد أن استخلف أبا موسى الأشعري وأوصاه بتبليغ

стр. 498

السلام لرسول الله وأن يطلب منه أن يستغفر له، وقد دعا له الرسول ﷺ لما أبلغه أبو موسى ذلك (١). وممن وقع في الأسر الشيماء أخت الرسول ﷺ من الرضاعة حيث تضافرت الأحاديث المرسلة من ابن إسحق وغيره على إكساب هذه الحادثة القوة التاريخية، وقد أكرمها الرسول بعد أن استدل على صحة ما تقول من عضة عضها لها أيام رضاعه في بني سعد (٢)، كما تدل روايات ليست قوية - لكنها تتضافر لإسناد الخبر التأريخي - على أن أمه من الرضاعة حليمة السعدية قدمت إليه فأكرمها وطوى لها ثوبه لتجلس عليه (٣).

стр. 499

غزوة الطائف بعد أن شتت المسلمون هوازن وتعقبوها في نخلة وأوطاس اتجهوا إلى مدينة الطائف التي تحصنت فيها ثقيف ومعهم مالك بن عوف النصري قائد هوازن. وكانت الطائف تمتاز بموقعها الجبلي وبأسوارها القوية وحصونها الدفاعية، وليس إليها منفذ سوى الأبواب التي أغلقتها ثقيف بعد أن أدخلت من الأقوات ما يكفي لسنة كاملة، وهيأت من وسائل الحرب ما يكفل لها الصمود طويلاً، وكان وصول المسلمين إلى الطائف في حدود العشرين من شوال دون أن يستجم الجيش طويلاً من غزوة حنين وسرايا نخلة وأوطاس التي بدأت في العاشر من شوال واستغرقت أكثر من أسبوع. وقد حاصر المسلمون الطائف بضع عشرة ليلة في رواية عروة بن الزبير وموسى بن عقبة (١)، وحدَّدت رواية عن عروة أيضاً المدة بنصف شهر (٢)، ورغم أن سائر هذه الروايات مراسيل لا تقوم بها حجة (٣) فإن عروة وموسى من أجلّ كتاب المغازي وأوثقهم، وروايتهما تتفق مع تواريخ الأحداث وسياقها، وزعمت روايات أخرى أن الحصار استمر خمسة وعشرين يوماً (٤) أو شهراً (٥) أو أربعين يوماً (٦)، والقول بهذا لا يتفق مع تواريخ الأحداث الأخرى وسياقها، وخاصة إذا قلنا أن الحصار دام أربعين يوماً. فإن الرسول ﷺ وصل إلى المدينة لست ليال

стр. 500

بقين من ذي القعدة (١) بعد أن مكث بضع عشرة ليلة في الجعرانة ثم قام بالعمرة ثم عاد إلى المدينة ويحتاج ذلك إلى ثمانية عشر يوماً على الأقل بعد فك الحصار عن الطائف. وقد سلك المسلمون في تقدمهم نحو الطائف الطريق القديم الذي يدخل الطائف من ناحية الجنوب. فمروا على نخلة اليمانية ثم قرن المنازل - على بعد ٨٠ كيلاً عن مكة و ٥٣ كيلاً جنوب الطائف - ثم المليح من وديان الطائف ثم بحرة الرغاء على بعد ١٥ كيلاً جنوب الطائف (٢) وهي طريق طويلة إذا قورنت بالطريق المسفلت بين مكة والطائف وطوله ٩٠كيلاً لكن الطائف يستحيل اقتحامها من ناحية الشمال حيث التضاريس الجبلية المعقدة التي تعطيها تحصيناً طبيعياً، ثم إن الرسول ﵊ أراد أن يحول بين ثقيف وبين أمدادها من هوازن شرق وجنوب الطائف. وقد نزل المسلمون قريباً من حصون الطائف فكانوا في متناول سهام ثقيف فأصيب بعضهم فتحولوا بعسكرهم إلى الموضع الذي بنى فيه مسجده (٣) وهو المعروف اليوم بمسجد عبد الله بن عباس، والطائف قديماً كانت إلى الجنوب الغربي من المسجد (٤) وكان القتال تراشقاً بالسهام على بعد، وقد استخدم المسلمون آلة من الخشب الثخين المغلف بالجلود مركبة على عجلات مستديرة احتموا بها من السهام حتى وصلوا إلى الأسوار ليثقبوها، فألقت ثقيف عليهم قطع حديد محماة فأحرقت "الدبابة" - وهو اسم الآلة - وخرج المقاتلون من

стр. 501

تحتها فأصابتهم السهام (١) وهذه هي أول غزوة يستخدم فيها المسلمون آلات لضرب الحصون، وقد اشتهرت جرش اليمانية - التي لا تزال أطلالها قائمة أعلى وادي بيشة (٢) - بصناعة الدبابات والمجانيق والضبور (٣). ويذكر ابن إسحق أن اثنين من وجوه ثقيف كانا يتعلمان في جرش صنعة هذه الآلات للاستفادة منها في الدفاع عن الطائف (٤). أما عن حصول المسلمين على آلات الحرب هذه حيث ضربوا الحصون بالمنجنيق (٥) فقد ذكر أن خالد بن سعيد بن العاص جاء بمنجنيق ودبابتين من جرش في حين تفيد رواية أخرى أن سلمان الفارسي عمل المنجنيق بيده (٦). ومن الواضح أن آلات فك الحصار لم تكن متوافرة للمسلمين بالقدر الكافي. وقد أمر الرسول ﷺ بتحريق بساتين العنب والنخيل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف التي ناشدته ألا يفعل فتركها بعد أن أحدثت المحاولة أثرها في إضعاف معنوياتهم (٧).

стр. 502

وكذلك وجه نداء لعبيد الطائف أن من ينزل منهم من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون من العبيد منهم أبو بكرة الثقفي فأسلموا فأعتقهم (١) ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامها (٢). ورغم ما واجهته ثقيف من وابل السهام التي أمطرها بها المسلمون لينالوا درجة في الجنة وعدهم بها رسول الله (٣)، فإنها صمدت أمام الحصار بكبرياء وإصرار. وقد كثرت الجراحات في المسلمين (٤). واستشهد منهم اثنا عشر رجلا (٥). في حين لم يقتل من المشركين سوى ثلاثة بسبب امتناعهم بالحصون والأسوار (٦). وتدل رواية صحيحة (٧) على أن الرسول ﷺ لم يقصد بحصار الطائف فتحها، بل كسر شوكة ثقيف وتعريفها بأن بلدها في قبضة المسلمين، وأنهم متى شاءوا دخلوها. وما كان الرسول ﷺ ليشق على المسلمين ويكثر من تقديم الشهداء لفتح بلد حصين يحيط به الإسلام من كل مكان وليس له إلا الإسلام أو الاستسلام طال الوقت أم قصر، كما أنه كان يحرص على ثقيف حرصه على قريش من قبل، فهم إن تحولوا إلى الإسلام كانوا مادة له، فهم أهل فطنة وذكاء، وكان يطمح لإسلامهم وقد سعى لنشر الدعوة فيهم منذ المرحلة المكية

стр. 503

ودعا لهم بالهداية بعد أن رفضوا دعوته وآذوه، وقد سأله بعض الصحابة أثناء حصار الطائف أن يدعو على ثقيف فدعا لهم بقوله: "اللهم إهد ثقيفاً" (١). لا غرابة إذاً في أن يدعو الرسول أصحابه إلى فك الحصار، فلما رأى حرصهم على القتال في أوله سمح لهم ببعض المناوشات التي أثبتت لهم أن لا جدوى من القتال، عندئذ أعاد عليهم الرسول فكرة فك الحصار فأظهروا الرضا بهذا القرار الحكيم (٢). وعادوا إلى الجعرانة، فوصلوها في اليوم الخامس من ذي القعدة. وفي الجعرانة كانت تقبع غنائم حنين الجليلة، وكان الرسول ﷺ قد أخَّر قسمتها، ولم يعجل بالقسمة حتى بعد عودته من حصار الطائف - سوى بعض الفضة التي قسمها إثر العودة من حصار الطائف (٣) -، بل انتظر بضع عشرة ليلة (٤) متطلعاً إلى قدوم هوازن عليه ودخولها في الإسلام، لكنها أبطأت عليه، فقسم الغنائم. والأصل أن الغنيمة يؤخذ منها الخمس يتصرف فيه الرسول ﷺ وفقاً للتوجيه القرآني ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٥). وأما الأربعة الأخماس الأخرى فهي حصة المقاتلين الذين شهدوا القتال، توزع بينهم بالتساوي للرجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه. هذا في غنيمة الأموال المنقولة، وأما الأموال غير المنقولة فالإمام مخير فيها بين قسمتها أو وقفها واعتبارها ملكاً عاماً للدولة. والأموال التي يحوزها المسلمون

стр. 504

في القتال هي الغنيمة التي تقسم كما ذكرت، وأما الأموال التي يحوزونها دون قتال فتسمى بالفيء ويصرف في المصالح العامة وفقاً لاجتهاد الحاكم، وقد يعطي الحاكم النفل لبعض المقاتلين المبرزين من الغنيمة قبل إخراج الخمس منها أو بعده، كما يجوز أن يعطيهم من الخمس، وكذلك يأذن لهم بأخذ سلب من قتلوه من المشركين. وقد تم توزيع غنائم حنين بصورة خفيت حكمتها على بعض الصحابة آنذاك، حيث حظي بهذه الغنائم الطلقاء تأليفاً لقلوبهم لقرب عهدهم بالإسلام، وعدم تمكين معاني الإيمان من قلوبهم، فأعطى مائة من الإبل لكل من عيينة بن حصن - من زعماء غطفان - والأقرع بن حابس - من زعماء تميم-، وعلقمة بن علاثة والعباس بن مرداس وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية - من زعماء قريش (١) - وقد بلغ عدد أصحاب المائة من الإبل إثني عشر رجلا في قائمة ابن إسحق، ما ذكر خمسة آخرين أخذوا أقل من المائة من الإبل (٢). وذكر ابن هشام أسماء تسعة وعشرين رجلا من المؤلفة قلبوهم (٣). وزاد غيره ثلاثة وعشرين، فصار جملة العدد اثنين وخمسين رجلاً. وقد استمالت هذه الأعطيات قلوب هؤلاء الزعماء وأتباعهم فأظهروا الرضا بها وزادتهم رغبة في الإسلام، ثم حسن إسلامهم جميعاً فأبلوا في الإسلام بلاء حسناً وخدموه بأنفسهم وأموالهم إلا يسيراً منهم مثل عيينة بن حصن الفزاري "لم يزل مغموزاً" كما يقول ابن حزم (٤).

стр. 505

قال أنس بن مالك: "إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (١). وقد عبر بعض المؤلفة قلوبهم عن أثر ذلك فقال صفوان بن أمية "لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما ربح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" (٢). لقد كان صفوان بن أمية من المؤلفة قلوبهم، وكان يحب أن يناله من أعطيات الرسول ﷺ فكلما أعطاه سأله المزيد، فبين له النبي ﷺ نظرة الإسلام إلى المال ووعظه، فإذا به يرغب حتى عن أخذ عطائه السنوي من بيت المال (٣)! مما يوضح ما حدث من تحول عظيم في نفوس المؤلفة قلوبهم التي تشبعت بمعاني الإسلام على مر الأيام. وقد تأثر بعض المسلمين في بداية الأمر لعدم شمولهم بالأعطيات فكان لابد من بيان الحكمة لهم في ذلك. فقال الرسول ﷺ موضحا: "والله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكن أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير" (٤). وقال: "إني لأعطي رجالاً حدثاء عهد بكفر أتألفهم" (٥). وقال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار" (٦).

стр. 506

وقد بلغ رسول الله ﷺ أن الأنصار وجدوا في أنفسهم لعدم أخذهم شيئاً من الأعطيات، وأن بعض أحداثهم قالوا: "إذا كانت الشدة فنحن ندعي، وتعطى الغنائم غيرنا". وقالوا: "يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم". فجمعهم في قبة من أدم وقال: "إن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصيبة"، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم، لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار" فلما وضحت لهم الحكمة من التوزيع، وأن الرسول ﷺ وكلهم إلى إيمانهم، فهم مثال للتضحية والتجرد في سبيل العقيدة، يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع، ولم تكن الدنيا همهم ولا المال مقصدهم، فلما عرفوا سبب منع الأعطيات عنهم أعلنوا رضاهم بذلك (١) ما دام فيه إعزاز الإسلام ومصلحة العقيدة التي يفتدونها بكل عزيز وغال من نفس ومال. وكيف لا يرضون وقد أدركوا أن الرسول القائد قدمهم على سواهم، واعتمد على إخلاصهم للعقيدة ووكلهم إلى إيمانهم فكانوا عند حسن ظنه بهم، فقد بكوا بعد سماع كلامه وقالوا: "رضينا برسول الله قسماً وحظاً" (٢). وقد أظهر بعض الأعراب المشتركين في غزوة حنين جفاءً وغلظة عند قسمة الغنائم بالجعرانة، فقال أحدهم (٣) مخاطباً الرسول ﵊: "اعدل، فقال: شقيت إن لم أعدل" (٤). وقد غضب عمر بن الخطاب من كلام الأعرابي فطلب من الرسول ﷺ أن يأذن له بقتله، فأبى عليه وقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" (٥).

стр. 507

ولا غرابة في موقف الأعراب وهم إنما خرج معظمهم طلباً للغنائم، وقد ازدحموا على رسول الله ﷺ وهو يقسم غنائم حنين حتى علق رداؤه بغصن شجرة، فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة - شجر الشوك وكان يملأ المكان - نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً" (١). ثم أخذ وبرة من سنام بعير وقال: "والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم" ثم ذكر لهم تحريم أخذ شيء من الغنائم قبل قسمتها فجاء رجل أنصاري بخيوط شعر مكببة كان قد أخذها من الغنائم فألقاها (٢). ولما مات كركرة مولى الرسول ﷺ قال: "هو في النار" ففتشوا في متاعه فوجدوا عباءة قد غلَّها (٣). وهكذا كانت تعليمات الرسول ﷺ واضحة لحماية الأموال العامة، وموقف الأنصاري يدل على الورع والالتزام بأوامر الرسول حتى في المال اليسير الذي لا قيمة له مثل خيوط الشعر التي أعادها. وقد ظهر من رسول الله ﷺ الكثير من الصبر على جفاء الأعراب وطمعهم في الأموال وحرصهم على المكاسب، فكان مثالاً للمربي الذي يدرك أحوالهم وما جبلتهم عليه بيئتهم وطبيعة حياتهم من القساوة والفظاظة والروح الفردية، فكان يبين لهم خلقه ويطمئنهم على مصالحهم ويعاملهم على قدر عقولهم، فكان بهم رحيماً، ولهم مربياً ومصلحاً، فلم يسلك معهم مسلك ملوك عصره مع رعاياهم الذين كانوا ينحنون أمامهم أو يسجدون وكانوا دونهم محجوبين، وإذا خاطبوهم التزموا بعبارات التعظيم والإجلال كما يفعل العبد مع ربه. أما الرسول ﵊ فكان كأحدهم يخاطبونه ويعاتبونه، ولا يحتجب عنهم قط،

стр. 508

وكان الصحابة، رضوان الله عليهم، يراعون التأدب بحضرته ويخاطبونه بصوت خفيض، ويكنون له في أنفسهم المحبة العظيمة. وأما جفاة الأعراب فقد عنفهم القرآن الكريم على سوء أدبهم وجفائهم وارتفاع أصواتهم وجرأتهم في طبيعة مخاطبتهم للرسول ﷺ (١). وبعد قسمة الغنائم، قدم وفد من هوازن يعلن إسلامها، ويطلب من رسول الله ﷺ رد الأموال والسبي عليهم، فخيَّرهم بين السبي والمال، فاختاروا السبي (٢)، فخطب الرسول في المؤمنين فقال: "إن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين، وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: طيبنا يا رسول الله لهم. فقال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا" (٣). ويلاحظ أن الرسول ﷺ أراد أن يعود السبي إلى هوازن عن طيب نفس المقاتلين، لأن الغنيمة من حقهم، فلا بد أن يتنازلوا عنها برضاهم ووعد من لا يرضى بتعويضه عن السبي، وتأكد من ذلك عن طريق العرفاء المسئولين عن الجند. وقد تنازل معظم الجند عن السبي سوى الأقرع بن حابس وتكلم باسم قبيلة تميم كلها وعيينة بن حصن وتكلم باسم قبيلة فزارة، فوعدهم الرسول ﷺ

стр. 509

بتعويضهم عنها (١). وهذا يدل على أن قدوم وفد هوازن كان بعد تقسيم الأموال والسبي وليس قبل ذلك كما تشير رواية لابن إسحق (٢). وقد سر الرسول ﷺ بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه بالطائف مع ثقيف، فوعدهم برد أهله وأمواله عليه وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلماً، فجاءه مالك مسلماً فأكرمه وأمَّره على قومه وبعض القبائل المجاورة الأخرى. وقد حسن إسلام مالك، فكان يقاتل ثقيفاً في الطائف حتى ضيَّق عليهم (٣). وفكر زعماؤهم في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع تحركاً ولا تجارة، ومال بعض زعمائها إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله ﷺ ، وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوباً عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذَّن في أعلى منزله فرماه بعضهم بسهام فأصابوه، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف (٤). ولكن زعماء ثقيف كانوا يحسون بحراجة موقفها، ويسعون لتأمين أنفسهم وأموالهم، فأرسلوا في رمضان من العام التاسع - بعد عودته ﷺ من تبوك - وفداً منهم برئاسة عبد ياليل بن عمرو ومعه ثلاثة من بني مالك واثنين من الأحلاف، وقد لقيهم المغيرة بن شعبة في وادي قناة شمال المدينة بيسير، فأخبر بقدومهم

стр. 510

أبا بكر الذي سارع لتبشير الرسول ﷺ ، وقد علمهم المغيرة تحية الإسلام وأدب مخاطبة الرسول وقد أنزلهم الرسول في قبة في ناحية مسجده ليستمعوا القرآن ويشاهدوا صلاة المسلمين فيه، وقد أعلنوا إسلامهم، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا (١)، وقد طلبوا من الرسول أن يؤخر هدم اللات ثلاث سنين - خوفا من غضب قومهم - فأبى إلا أن يهدمها، ولكنه أعفاهم من القيام بذلك وأرسل أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها، كما طلبوا إعفاءهم من الصلاة لأنهم يرون فيها دناءة!! لما فيها من انحناء وسجود لله تعالى، وكأنهم نسوا أنهم

стр. 511

يفعلون ذلك للات وغيرها من الأصنام والأحجار!! فأبى عليهم قائلا: "لا خير في دين ليس فيه ركوع" (١). واشترطوا إعفاءهم من الزكاة والجهاد، وقد وافقهم، وسمعه جابر بن عبد الله يقول "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" (٢). وسألوه أن يسمح لهم بترك الوضوء بحجة أن بلادهم باردة، وأن ينتبذوا في الدباء (القرع)، وأن يعيد لهم أبا بكرة الثقفي فأبى عليهم ذلك كله (٣). وكان عثمان بن أبي العاص أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين فأمره الرسول على الطائف، وكان أصغرهم سناً (٤). وبعد إسلام وفد ثقيف سألوا الرسول ﷺ أسئلة كثيرة تتعلق بأمور دينهم، حتى سألوا الصحابة عن كيفية تقسيم القرآن إلى أحزاب فقالوا: "كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم" (٥). وهو نفس ترتيب القرآن المعروف الآن، ويبدوا أن الوفد تأثر بمقابلاته مع الرسول ﷺ وباختلاطه مع الصحابة وما جرى من حوار بينهم وبين المسلمين حتى أنهم صاموا ما بقي عليهم من شهر رمضان (٦).

стр. 512

وقد مكث الوفد خمسة عشرة يوما في المدينة ثم عادوا إلى الطائف ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفي ليهدما اللات، وقد حكى ابن إسحق وصفا لحادثة هدم اللات واجتماع النساء الثقفيات حولها يبكين حتى أتم المغيرة هدمها وأخذ مالها من الذهب والجزع (١). وأهل الطائف يظنون أنها ستثأر لنفسها وقد سخر منهم المغيرة فرمى معوله وركض فقالوا: ثأرت الربة! فضحك ونصحهم بتوحيد الله وعاد فأنجز عمله. وبذلك زالت أسطورة اللات التي عبدت طويلا من دون الله. * * * وفيما يلي بيان أهم الأحكام المستنبطة من هذه الغزوة، لما في بيان تواريخ التشريعات من فوائد عظيمة فبها يعرف الناسخ والمنسوخ فيمكن الترجيح عند التعارض، وتبين علل الأحكام بمعرفة الظروف والملابسات التي أحاطت بتشريعها. الأحكام المستنبطة من غزوة حنين والطائف: ١ - نزول الآية الكريمة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في يوم أوطاس لبيان حكم المسبيات المتزوجات، وقد فرق السبي بينهن وبين أزواجهن، فأوضحت الآية جواز وطئهن إذا انقضت عدتهن، لأن الفرقة تقع بينهن وبين أزواجهن الكفار بالسبي وتنقضي العدة بالوضع للحامل وبالحيض لغير الحامل (٢). ٢ - منع المخنثين خلقة من الدخول على النساء الأجنبيات، وكان ذلك مباحاً إذ لا حاجة للمخنث بالنساء، وكان سبب المنع سماع الرسول ﷺ أحد

стр. 513

المخنثين يصف بادية بنت غيلان الثقفي قبيل حصار الطائف (١). وفي المنع حيطة لأخلاق المجتمع الإسلامي. ٣ - النهي عن قصد قتل النساء والأطفال والشيوخ والأجراء ممن لا يشتركون في القتال ضد المسلمين (٢). ٤ - إقامة الحد في دار الحرب، حيث فعل ذلك الرسول ﷺ بشارب الخمر في يوم حنين (٣). ٥ - جواز الاستعانة بالمشركين كما فعل النبي ﷺ باستعارة الدروع من صفوان ابن أمية مع ضمانه ﷺ لها، ولا تكون الاستعانة بهم إلا بشرط الوثوق بهم، وألا يغلبوا على المعركة ويصبغوها بصبغتهم، بل يكون حكم الإسلام هو الغالب (٤). ٦ - جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنيمة، إذا رأى الإمام أن ذلك يعين على دخولهم في الإسلام أو دفع أذاهم عن المسلمين، أو جلب نفع للمسلمين. قال أنس بن مالك:"إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٥) ٧ - تشريع العمرة من الجعرانة.

стр. 514

غزوة تبوك وقعت هذه الغزوة في رجب من صيف عام تسع للهجرة بعد العودة من حصار الطائف بستة أشهر تقريباً (١). ورغم أن المؤرخين - على عادتهم - حاولوا أن يجدوا سبباً مباشراً لها، فذكر ابن سعد أن هرقل جمع جموعاً من الروم وقبائل العرب الموالية لها، وأن المسلمين علموا بخبرهم فخرجوا إلى تبوك (٢). وذكر اليعقوبي أن الثأر لجعفر بن أبي طالب هو سبب الغزوة (٣) ولكن الصحيح أنها استجابة طبيعية لفريضة الجهاد وقد نبه على ذلك الحافظ ابن كثير بقوله: "فعزم رسول الله ﷺ على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ " (٤). ولا صحة لما قيل أن الخروج إلى تبوك كان عن مشورة يهود وقولهم إنها أرض المحشر وأرض الأنبياء تغريراً بالمسلمين ليخرجوهم من المدينة ويعرضوهم لخطر المواجهة مع الروم، وأن الآية ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ نزلت في ذلك، فإن الخبر في ذلك مرسل ضعيف ويرده أن الآية مكية (٥) وتتميز هذه الغزوة وغزوة مؤتة التي سبقتها بأن وجهتها إلى الروم ونصارى العرب، في حين كانت الغزوات والسرايا الأخرى وجهتها إلى يهود

стр. 515

والقبائل العربية المشتركة. وكانت النصرانية قد فقدت روحها وأضاعت تعاليمها وانقسمت إلى فرق عديدة، ومنشأ الخلاف عقيدتهم في المسيح ﵇ فأكثرهم يعتقد بالأقانيم الثلاثة (الأب والابن وروح القدس) واتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح، وبعضهم يرى أن له طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية وهم اليعاقبة (المنوفستية) في الشام ومصر، وقد عقدوا لذلك المؤتمرات، وحاول هرقل التأليف بين الفرق الدينية حفاظا على الإمبراطورية الرومانية دون جدوى، وقد أوقعت الإمبراطورية الاضطهاد بسكان الشام ومصر اليعاقبة (المنوفستية) مما أدى إلى نفي بعض كبار رجال الدين من مصر وفرار بعضهم الآخر. ولم يقتصر الفساد على النواحي العقيدية بل امتد إلى سائر جوانب الحياة، فالظلم والاستبداد، وكثرة الضرائب وثقلها على الشعوب، والروح الطبقية التي تجعل الناس متفاوتين في المكانة بحكم المولد والانتماء للطبقة، كل ذلك كان يعشعش على البلاد، حتى إنه لم تعد ثمة فروق أساسية بين حياة النصارى والمشركين، وقد أمر الله تعالى المسلمين بجهاد أهل الكتاب كما أمرهم بجهاد المشركين، ولكنه وافق على احتفاظهم بدينهم إذا خضعوا سياسياً للمسلمين وأدوا إليهم الجزية، خلافاً لعبدة الأوثان فإنه لم يقبل منهم الجزية بل لا بد لهم من الدخول في الإسلام إذا أرادوا الأمن من القتال ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). وبذلك دخل المسلمون مرحلة جديدة بعض قضائهم على الوثنية في جزيرة العرب، وإجلائهم أهل الكتاب من يهود إلى قتال أهل الكتاب من النصارى (٢).

стр. 516

هذا التحول الذي يتسق مع طبيعة الإسلام وأهدافه في الحياة والذي تعتبر غزوة تبوك أحد شواهده. وتبوك موقع شمال الحجاز يبعد عن المدينة المنورة ٧٧٨ كيلا حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الروم آنذاك، وقد سماها الرسول ﷺ بتبوك (١)، وسميت بغزوة العسرة أيضا لما كان أصاب المسلمين من الضيق الاقتصادي وقتها (٢)، والذي تدل عليه أيضا الآية الكريمة ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ..﴾ (٣)، وقد بين كل من قتادة ومجاهد (٤) - وهما إمامان كبيران في التفسير بالمأثور - أن "الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها" (٥) ولا يعرف إن كانت الأزمة الاقتصادية وقت هذه الغزوة ترجع إلى توقيت الحملة قبل جني ثمار التمر وبيعه أم أنها ترجع لعوامل أخرى أبعد (٦). المنفقون على جيش تبوك: وقد حث الرسول ﷺ على النفقة ووعد المنفقين بعظيم الأجر من الله، فسارع أغنياء الصحابة وفقراؤهم إلى تقديم الأموال، وكان عثمان بن عفان أكثر

стр. 517

المنفقين على جيش تبوك، فقد قال الرسول ﷺ : "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزهم عثمان (١). حيث جاء بألف دينار فصبها في حجر النبي ﷺ والنبي ﷺ يقول: "ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم" - يرددها مرارا (٢) -. وقد وردت روايات أخرى لكنها ضعيفة تفيد أن عثمان قدم معونات أخرى للجيش كالإبل وعدتها (٣). وإن كان ذلك لا يمنع أن عثمان قدم ذلك، فقد ثبت أن الصحابة أقروا له بتجهيز جيش العسرة، وهم ثلاثون ألف مقاتل فلابد أنه أنفق نفقة عظيمة في ذلك. وقد ذكر الطبري بأسانيد عديدة لا تخلوا جميعا من ضعف لكنها تتساند لتقوية الخبر تاريخيا - أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم - وهي نصف أمواله في تجهيز جيش العسرة (٤).

стр. 518

ولم يجد فقراء المسلمين إلا أن يتقدموا باليسير الذي يقدرون عليه فجاءوا على استحياء متعرضين لسخرية المنافقين. فقد جاء خيثمة الأنصاري بصاع تمر فلمزه المنافقون (١) وجاء أبو عقيل بنصف صاع من تمر، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا!! وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ (٢)﴾ (٣) فهم يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من فقر الفقراء!!. موقف المنافقين في غزوة تبوك: وقد استعلن أمر النفاق في هذه الغزوة وقام المنافقون بحرب دعائية عند إعلان النفير فمضوا يثبطون الناس ويقولن: (لا تنفروا في الحر) فقد كان الحر شديدا، وكان الناس يفيئون إلى ظلال الأشجار، فكان المنافقون يستغلون ذلك لإشاعة روح التخاذل وقد ذهب بعضهم إلى النبي ﷺ يستأذنه بالتخلف مبدياً الأعذار الكاذبة حتى عاتب الله نبيه على إذنه لهم ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤) وقد وصف القرآن منافقي الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً من منافقي أهل المدينة لأنهم أقسى قلوباً وأقل علماً بالسنن والأحكام ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٥). وهكذا فإن النفاق لم يكن منحصراً في المدينة بل امتد إلى البوادي ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (٦). وقد نهى القرآن عن قبول أعذار المنافقين

стр. 519

وتصديقهم ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) ووصفهم القرآن بأنهم رجس (٢). وهكذا وضعت الحواجز بين المؤمنين والمنافقين، ولم يعد التعامل مع المنافقين يقوم على الستر وعدم المجابهة، بل صارت المفاصلة أساسا للتعامل، فقد فضحهم القرآن الكريم، وامتنع الرسول ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار الذي بنوه وأحرقه كما أمتنع عن الصلاة على أمواتهم وكان قد صلى على عبد الله ابن أبي بن سلول حين موته عقب عودة المسلمين من تبوك ثم منعه الله من ذلك ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٣). وقد ابتنى المنافقون مسجداً قبيل غزوة تبوك ليجتمعوا فيه مكايدة للمسلمين ومضرة بهم، وزعموا أنهم بنوه للمنفعة والتوسعة على المسلمين، وقد أرادوا أن يفرقوا اجتماع المؤمنين في مسجد الرسول ﷺ بالمدينة بصرف بعضهم للصلاة فيه، وقد طلب المنافقون من الرسول أن يصلي فيه تمويهاً على الناس فنهاه القرآن عن ذلك وسماه مسجدا ضراراً ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٤). وقد تخلف معظم المنافقين عن الغزوة ومضى بعضهم الآخر مع الجيش يقتنصون الفرص للكيد والإرجاف.

стр. 520

وقد انفرد الواقدي بأن النبي ﷺ أرسل رسلا إلى القبائل يستنفرها للخروج إلى تبوك (١). ورغم تفرده فإنه يتفق مع النفير العام المعلن ولا شك أن قبائل العرب استنفرت للقتال كما تدل على ذلك سورة التوبة. أما داخل المدينة فقد أعلن النفير، وذكر ذلك القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢). فقد ذكر مجاهد أنها نزلت في غزوة تبوك حيث أمروا بالنفير حين جني التمر وطيب الثمار واشتهاء الظلال. فشق عليهم المخرج (٣). وقد طالبهم القرآن الكريم كما يبين مجاهد بأن ينفروا شباناً وشيوخاً وأغنياء وفقراء بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ولما استأذن بعضهم في التخلف عن الغزوة نزل فيهم قرآن ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إذا كانت تبوك بعيدة عن المدينة والسفر إليها شاقاً، ولم تكن غنيمة سهلة (٥). فتخلف الأعراب والمنافقون وعدد يسير من الصحابة رضوان الله عليهم من أصحاب الأعذار سوى ثلاثة لم يكن لهم عذر عن شهود هذه الغزوة.

стр. 521

مسارعة المؤمنين إلى الجهاد: ونظرا لبعد السفر وكثرة الأعداء فقد كشف الرسول ﷺ للمسلمين عن وجهته ليستعدوا لذلك خلافا لنهجه في الحروب فإنه لا يعلن وجهته حتى لا يصل الخبر إلى عدوه فيأخذوا أهبتهم (١). وقد سارع المؤمنون إلى الخروج في هذه الغزوة، حتى إذا طلب الرسول ﷺ من علي بن أبي طالب أن يخلفه في أهله، قال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ وقال له الرسول ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي (٢) "، وهكذا شأن أصحاب العقيدة لا يفرحون بالثمار والظلال بل يؤثرون الحر والظمأ والجوع في سبيل الله، فهي غنيمتهم التي يدخرونها لآخرتهم. قال أبو خيثمة الأنصاري: "تخلفت عن رسول الله ﷺ ، فدخلت حائطا فرأيت عريشا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول الله ﷺ في السموم والحرور وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت، فلما طلعت على العسكر فرآني الناس، قال النبي: كن أبا خيثمة فجئت، فدعا لي" (٣). وقد حزن الفقراء المؤمنين لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد فهذا علبة بن زيد أحد البكاءين صلى من الليل وبكى، وقال: "اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني

стр. 522

أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض" فأخبره النبي ﷺ أنه قد غفر له (١). وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي ﷺ أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضي بعض الوقت فحل لهم على ثلاثة من الإبل (٢). وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقا للجهاد وتحرجا من القعود حتى نزل فيهم قرآن: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٣) وقد خص النبي ﷺ هؤلاء المتخلفين المعذورين ممن حسنت نياتهم واستقامت طويتهم بقوله: "إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر" (٤). وقد حكى كعب بن مالك أنه لم يبق بالمدينة إلا المنافقون وأهل الأعذار من الضعفاء (٥).

стр. 523

عدد جيش تبوك: وقد وردت روايات في عدد جيش تبوك ظاهرها التعارض ولكن يسهل التوفيق بينها فقد قال كعب بن مالك: "والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان" (١). وفي رواية أخرى عن كعب: "يزيدون على عشرة آلاف" (٢). وقال الحاكم في الإكليل إنهم "زيادة على ثلاثين ألفاً" وبهذه العدة جزم ابن إسحق. وقال الواقدي "إنه كان معه عشرة آلاف فرس" فيمكن أن تحمل رواية كعب على إرادة عدد الفرسان (٣)، دون بقية الجيش من المشاة، ونقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفاً (٤). وقال زيد بن ثابت إنهم كانوا ثلاثين ألفاً (٥). ويبدو أن أغلب المؤرخين يميلون إلى القول أنهم كانوا ثلاثين ألفاً وهو عدد يدل على مدى استجابة المؤمنين لدواعي العقيدة في تلك الظروف القاسية من الحر الشديد والعسرة. وهو أكبر جيش قاده الرسول ﷺ في حياته. ويذكر الواقدي أنه لما اجتمع الجيش مضى بهم الرسول ﷺ من المدينة إلى ذي خشب على ٤٠ كيلاً من المدينة في طريق الشام، ومنها انطلق إلى تبوك وكان دليله علقمة ابن الفغواء الخزاعي (٦). وفي تبوك أعطى اللواء الأعظم للصديق (رضي) والراية العظمى للزبير، وراية الأوس إلى أسيد بن حضير ولواء الخزرج إلى أبي دجانة ويقال إلى الحباب

стр. 524

ابن المنذر (١). وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواء وراية، والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية. وكان زيد بن ثابت يحمل راية بني مالك بن النجار، وأبو زيد يحمل لواء بني عمرو بن عوف، ومعاذ بن جبل يحمل راية بني مسلمة (٢). وسائر هذه المعلومات عن طريق الجيش وتوزيع الرايات ينفرد بها الواقدي، وهو متروك، ولكنه غزير المعلومات في السيرة، وأخذ مثل هذه المعلومات منه لا يضر. المتخلفون عن غزوة تبوك: وقد تخلف عن غزوة تبوك ثلاثة من الصحابة وهم: كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، والثلاثة من الأنصار المعروفين بحسن إيمانهم، فقد شهد كعب بن مالك سائر الغزوات قبلها سوى بدر، كما شهد بيعة العقبة الثانية، وقد سوَّف في الاستعداد للغزوة ولم يكن يعتزم التخلف عنه، ولكن غلبه التسويف، والميل إلى الظلال والثمار حتى خرج الناس!! وأما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فكلاهما قد شهد بدراً، كما تخلف عنه بعضة وثمانون رجلاً (٣) آخرون، وقد ذكر الواقدي أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضا اثنين وثمانين رجلا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عدد كثيرا (٤). وكان من يختلف يظن أن لا أحد يفطن لتخلفه لكثرة الجيش (٥).

стр. 525

وقد تفقد الرسول ﷺ وهو في طريقه إلى تبوك بعض من تخلف وسأل أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري عمن تخلف من بني غفار واسلم (١) كما سأل في تبوك عن كعب بن مالك (٢). وقد عقَّبت سورة التوبة بتفصيل على موقف المتخلفين، فأنكرت عليهم التخلف عن النفير العام حيث تحول الجهاد بذلك إلى فرض عين، ثم أعلنت قبول توبتهم وأخذ صدقات أموالهم بعد اعترافهم بذنوبهم في التخلف عن الغزوة وطلبهم قبول صدقاتهم منهم، كما عرَّت السورة المنافقين وأنهم لا يؤمنون بقدر الله ويحبون الحياة ويرغبون عن الجهاد بالنفس خوفاً من الموت، وقد ينفقون المال كرهاً دون نية صالحة، ولهم جرأة على قول الباطل فهم يتهمون سواهم بالجبن فإذا حوسبوا عن أقوالهم تنصلوا منها وزعموا أنهم كانوا يمزحون!! وقد رفض القرآن عذرهم وأعلن كفرهم ونهى عن الاستغفار لهم والصلاة على أمواتهم، وتوعدهم بالبكاء طويلاً في جهنم مقابل ضحكهم في الدنيا الفانية، ومنعهم من المشاركة في الجهاد مستقبلاً تبكيتاً لهم وتنقية لصف المؤمنين من أمثالهم، وتمييزاً لهم عن المؤمنين لئلا يشيعوا فيهم الضعف والخذلان، وقد أرجأت إحدى الآيات البت في أمر بعض المتخلفين الذين ندموا على تخلفهم وهم من غير المنافقين المعتذرين والمتخلفين المعترفين بخطئهم. وقد عاتبت هذه السورة المتخلفين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب مبينة عظيم أجر الجهاد. وما ذلك إلا لأن الجهاد يصير متعيناً وقت النفير العام.

стр. 526

الوصول إلى تبوك: وقد ذكرت المصادر نصَّ خطبة طويلة ألقاها الرسول ﷺ في تبوك ولم تثبت هذه الخطبة من طريق صحيح (١) رغم أن فقراتها مأخوذة من أحاديث أخرى معروفة بعضها صحيح وبعضها حسن، ويبدو أن بعض الرواة لفق منها هذه الخطبة. وفي تبوك أرسل النبي ﷺ خالد بن الوليد مع عدد من الصحابة إلى دومة الجندل وقد ذكر عروة بن الزبير مرسلا أنه أرسله في أربعمائة وعشرين فارسا (٢)، حيث أسر أكيدر بن عبد الملك الكندي - ملكها - وهو في الصيد خارجها (٣)، فصالحه النبي ﷺ على الجزية (٤). وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه فقال الرسول ﷺ : "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا" (٥). وقد ورد أن غنائم خالد من أكيدر كانت ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح (٦). وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبي ﷺ وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية (٧).

стр. 527

وتشير رواية ضعيفة إلى قيام مراسلة بين النبي ﷺ وهرقل ملك الروم من تبوك وأن النبي أوفد دحية الكلبي إليه، وأن هرقل أرسل التنوخي ليعرف بعض علامات النبوة (١) ولو صح ذلك لكان إرسال دحية للمرة الثانية لأنه حمل رسالة النبي ﷺ إلى قيصر في أول سنة ٧ هـ. ولم يقع قتال مع الروم في هذه الغزوة بل انتهى المسلمون إلى تبوك ولم يلقوا جموع الروم والقبائل العربية المتنصرة وآثر حكام المدن الصلح على الجزية. وقد مكث الجيش عشرين ليلة (٢) في تبوك ثم عادوا إلى المدينة. العودة من تبوك: وفي طريق العودة من تبوك إلى المدينة مر المسلمون بالحجر، وهي في ديار ثمود الذين امتحنوا بالناقة فنحروها فأخذتهم الصيحة لعتوهم وعصيانهم (٣) وقد سارع الناس إلى دخول بيوت الحجر فنهاهم الرسول ﷺ (٤) وقال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (٥)، كما نهاهم عن شرب الماء من بئرها أو الوضوء منه، وأن يعلفوا إبلهم ما عجنوه من عجين بمائها (٦). وقد اشتكى المسلمون إلى النبي ﷺ ما أصاب إبلهم من الجهد في طريق العودة فدعا ربَّه: "اللهم احمل عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي

стр. 528

والضعيف، وعلى الرطب واليابس، في البر والبحر" فنشطت بهم حتى أبلغتهم المدينة ولم يشتكوها (١). وفي طريق العودة حاول المنافقون وهم متلثمون لا يعرفون تنفير دابة الرسول ﷺ في إحدى الثنايا لتطرحه، ففطن لهم وأمر بإبعادهم (٢). ولما اقترب الجيش من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه (٣)، ودخل المدينة فصلى في مسجده ركعتين ثم جلس للناس. وجاءه المنافقون المتخلفون عن الغزوة فاعتذروا بشتى الأعذار، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وجاء كعب بن مالك وقد سبقه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وقد أقر الثلاثة بأنه لا عذر لهم في تخلفهم عن الغزوة، ولم يرضوا أن يضيفوا إلى ذنب التخلف ذنباً جديداً وهو الكذب ن فنهى الرسول ﷺ المسلمين عن الكلام مع الثلاثة، فاجتنبهم الناس خمسين ليلة وأمرت نساؤهم باعتزالهم، فذهبن عند أهلهن إلا زوجة هلال إذ كان شيخا كبيرا فبقيت لخدمته فقط بإذن من الرسول ﷺ . وقد ضاقت بهم الدنيا، وحاول ملك الغساسنة استغلال الموقف فراسل كعب بن مالك ليلحق به، لكن كعب بن مالك أحرق الرسالة وقال إنها زيادة في امتحانه. واستمرت المقاطعة حتى نزل القرآن يعلن توبة الله عليهم ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٤)﴾ (٥).

стр. 529

الأحكام المستنبطة من غزوة تبوك: صلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف الذي أم المسلمين في صلاة الفجر بتبوك حيث تأخر عنهم في حاجته، ولما قدم أراد عبد الرحمن أن يتأخر فأومأ له النبي أن يتم بهم الصلاة وصلى خلفه. مما يدل على جواز إمامة المفضول وصلاة الأفضل خلفه (١). وقد سأله معاذ بن جبل عن عمل يدخله الجنة وهما في طريق العودة فأجابه النبي ﷺ بأن رأس هذا الأمر الشهادة وقوامه الصلاة والزكاة وذروة سنامه الجهاد (٢). وقد سئل ﷺ في هذه الغزوة عن سترة المصلي؟ فأجاب بأنها مثل مؤخرة الرحل (٣). وقد جمع في الغزوة بين صلاة الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء (٤). وقد أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (٥). وفي الطريق إلى تبوك خرص الرسول ﷺ حديقة في وادي القرى، أي حزر مقدار التمر الذي يجتني من الرطب على النخل، مما يدل على مشروعية الخرص (٦). وطلب الماء من بيت في تبوك وهو في قربة من جلد، وقال عن أهبة الميتة: دباغها طهورها (٧). وأهدر ثنية رجل عض يد رجل آخر فانتزعها بقوة ومعها الثنية (٨).

стр. 530

ويستدل من مقاطعة الثلاثة المتخلفين عن الغزوة من الصحابة على جواز الهجر أكثر من ثلاث لسبب شرعي (١). * * * لقد حققت هذه الغزوة أهدافها بتوطيد سلطان الإسلام في الأقسام الشمالية من شبه الجزيرة العربية، وكانت تمهيداً لفتوح بلاد الشام، حيث أن الرسول ﵊ كان قد جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة قبيل وفاته للتوجه إلى الشام، لكن الجيش لم يتحرك نحو أهدافه إلا في خلافة الصديق (رض) حيث حالت وفاة الرسول ﷺ دون إنفاذه في حياته، ورغم ظروف الخطر المحدقة بالمدينة وبكيان الإسلام كله بسبب حركة الردة فإن الصديق أصر على إنفاذ الجيش وما أن استتبت الأمور نسبيا حتى جهز الصديق جيوش الفتح إلى بلاد الشام والعراق تحقيقا لأهداف الدعوة الإسلامية بتحرير البشر من نير الظلم والطغيان والعبودية لغير الله ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
следующие страницы →