الوصول إلى تبوك:
وقد ذكرت المصادر نصَّ خطبة طويلة ألقاها الرسول ﷺ في تبوك ولم تثبت هذه الخطبة من طريق صحيح (١) رغم أن فقراتها مأخوذة من أحاديث أخرى معروفة بعضها صحيح وبعضها حسن، ويبدو أن بعض الرواة لفق منها هذه الخطبة.
وفي تبوك أرسل النبي ﷺ خالد بن الوليد مع عدد من الصحابة إلى دومة الجندل وقد ذكر عروة بن الزبير مرسلا أنه أرسله في أربعمائة وعشرين فارسا (٢)، حيث أسر أكيدر بن عبد الملك الكندي - ملكها - وهو في الصيد خارجها (٣)، فصالحه النبي ﷺ على الجزية (٤). وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه فقال الرسول ﷺ : "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا" (٥). وقد ورد أن غنائم خالد من أكيدر كانت ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح (٦).
وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبي ﷺ وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية (٧).
стр. 527
وتشير رواية ضعيفة إلى قيام مراسلة بين النبي ﷺ وهرقل ملك الروم من تبوك وأن النبي أوفد دحية الكلبي إليه، وأن هرقل أرسل التنوخي ليعرف بعض علامات النبوة (١) ولو صح ذلك لكان إرسال دحية للمرة الثانية لأنه حمل رسالة النبي ﷺ إلى قيصر في أول سنة ٧ هـ.
ولم يقع قتال مع الروم في هذه الغزوة بل انتهى المسلمون إلى تبوك ولم يلقوا جموع الروم والقبائل العربية المتنصرة وآثر حكام المدن الصلح على الجزية.
وقد مكث الجيش عشرين ليلة (٢) في تبوك ثم عادوا إلى المدينة.
العودة من تبوك:
وفي طريق العودة من تبوك إلى المدينة مر المسلمون بالحجر، وهي في ديار ثمود الذين امتحنوا بالناقة فنحروها فأخذتهم الصيحة لعتوهم وعصيانهم (٣) وقد سارع الناس إلى دخول بيوت الحجر فنهاهم الرسول ﷺ (٤) وقال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (٥)، كما نهاهم عن شرب الماء من بئرها أو الوضوء منه، وأن يعلفوا إبلهم ما عجنوه من عجين بمائها (٦).
وقد اشتكى المسلمون إلى النبي ﷺ ما أصاب إبلهم من الجهد في طريق العودة فدعا ربَّه: "اللهم احمل عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي
стр. 528
والضعيف، وعلى الرطب واليابس، في البر والبحر" فنشطت بهم حتى أبلغتهم المدينة ولم يشتكوها (١).
وفي طريق العودة حاول المنافقون وهم متلثمون لا يعرفون تنفير دابة الرسول ﷺ في إحدى الثنايا لتطرحه، ففطن لهم وأمر بإبعادهم (٢).
ولما اقترب الجيش من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه (٣)، ودخل المدينة فصلى في مسجده ركعتين ثم جلس للناس. وجاءه المنافقون المتخلفون عن الغزوة فاعتذروا بشتى الأعذار، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وجاء كعب بن مالك وقد سبقه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وقد أقر الثلاثة بأنه لا عذر لهم في تخلفهم عن الغزوة، ولم يرضوا أن يضيفوا إلى ذنب التخلف ذنباً جديداً وهو الكذب ن فنهى الرسول ﷺ المسلمين عن الكلام مع الثلاثة، فاجتنبهم الناس خمسين ليلة وأمرت نساؤهم باعتزالهم، فذهبن عند أهلهن إلا زوجة هلال إذ كان شيخا كبيرا فبقيت لخدمته فقط بإذن من الرسول ﷺ . وقد ضاقت بهم الدنيا، وحاول ملك الغساسنة استغلال الموقف فراسل كعب بن مالك ليلحق به، لكن كعب بن مالك أحرق الرسالة وقال إنها زيادة في امتحانه. واستمرت المقاطعة حتى نزل القرآن يعلن توبة الله عليهم ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٤)﴾ (٥).
стр. 529
الأحكام المستنبطة من غزوة تبوك:
صلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف الذي أم المسلمين في صلاة الفجر بتبوك حيث تأخر عنهم في حاجته، ولما قدم أراد عبد الرحمن أن يتأخر فأومأ له النبي أن يتم بهم الصلاة وصلى خلفه. مما يدل على جواز إمامة المفضول وصلاة الأفضل خلفه (١).
وقد سأله معاذ بن جبل عن عمل يدخله الجنة وهما في طريق العودة فأجابه النبي ﷺ بأن رأس هذا الأمر الشهادة وقوامه الصلاة والزكاة وذروة سنامه الجهاد (٢).
وقد سئل ﷺ في هذه الغزوة عن سترة المصلي؟ فأجاب بأنها مثل مؤخرة الرحل (٣).
وقد جمع في الغزوة بين صلاة الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء (٤).
وقد أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (٥).
وفي الطريق إلى تبوك خرص الرسول ﷺ حديقة في وادي القرى، أي حزر مقدار التمر الذي يجتني من الرطب على النخل، مما يدل على مشروعية الخرص (٦).
وطلب الماء من بيت في تبوك وهو في قربة من جلد، وقال عن أهبة الميتة: دباغها طهورها (٧).
وأهدر ثنية رجل عض يد رجل آخر فانتزعها بقوة ومعها الثنية (٨).
стр. 530
ويستدل من مقاطعة الثلاثة المتخلفين عن الغزوة من الصحابة على جواز الهجر أكثر من ثلاث لسبب شرعي (١).
* * *
لقد حققت هذه الغزوة أهدافها بتوطيد سلطان الإسلام في الأقسام الشمالية من شبه الجزيرة العربية، وكانت تمهيداً لفتوح بلاد الشام، حيث أن الرسول ﵊ كان قد جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة قبيل وفاته للتوجه إلى الشام، لكن الجيش لم يتحرك نحو أهدافه إلا في خلافة الصديق (رض) حيث حالت وفاة الرسول ﷺ دون إنفاذه في حياته، ورغم ظروف الخطر المحدقة بالمدينة وبكيان الإسلام كله بسبب حركة الردة فإن الصديق أصر على إنفاذ الجيش وما أن استتبت الأمور نسبيا حتى جهز الصديق جيوش الفتح إلى بلاد الشام والعراق تحقيقا لأهداف الدعوة الإسلامية بتحرير البشر من نير الظلم والطغيان والعبودية لغير الله ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
стр. 531
الأحداث الأخيرة
- عام الوفود
- حج أبي بكر بالناس ص ٩ هـ
- حجة الوداع.
- تجهيز جيش أسامة بن زيد بن حارثة.
- وفاة الرسول ﷺ .
стр. 532
عام الوفود
سمى العام التاسع بعام الوفود، حيث ابتدأت وفود القبائل العربية تقدم من أنحاء الجزيرة العربية معلنة دخولها في الإسلام منذ رجوع النبي ﷺ من الجعرانة في أواخر سنة ثمان، فقد "كانت العرب تلوم بإسلامها الفتح" فلما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، ويعتبر طبقات ابن سعد أوسع المصادر جمعاً لأخبار تلك الوفود (١)، وقد بلغ مجموع ما ذكرته المصادر أكثر من ستين وفداً (٢).
وقد ساقت المصادر أخبار هذه الوفود دون أسانيد في الغالب، وأقدم من تكلم عنها بتفصيل ابن إسحق ولم يبين مصادر معلوماته وأسانيد مروياته إلا نادراً (٣)، وهذه الروايات النادرة إنما هي مراسيل الزهري وعبد الله بن أبي بكر والحسن البصري سوى خبر ضمام بن ثعلبة وافدا فقد أسنده إلى ابن عباس وفيه محمد بن الوليد بن نويفع مقبول ولم يتابع فتضعف الرواية لأجله. والوفود التي ساق ابن إسحق أخبارها هي وفد تميم ووفد بني عامر ووفد بني سعد بن بكر ووفد عبد القيس ووفد بني حنيفة ووفد طيء ووفد بني زبيد ووفد كندة ووفد ملوك حمير، ووفد بني الحارث بن كعب ووفد همدان، ووفد عدي بن حاتم ووفد فروة ابن مسيك المرادي، ووفد صرد بن عبد الله الأزدي ووفد فروة بن عمرو الجذامي ويلاحظ أنه يكثر من سرد الأشعار ضمن الأخبار.
وأما ابن سعد (٤) فقد فصل كثيراً واستقصى في جمع المعلومات عن الوفود ولكن معظم رواياته من طريق الواقدي وهشام الكلبي وكلاهما متروك وبقيتها إلا القليل جدا من طريق على بن محمد المدائني وهو صدوق، ولكن سائر الأسانيد
стр. 533
التي أوردها ابن سعد لا تخلو من مطعن في ضعف الرواة أو الإرسال. والقليل جدا (بضع روايات) عن عفان بن مسلم وعارم بن الفضل الدوسي. وهما ثقتان من شيوخ البخاري.
ورغم عدم ثبوت هذه الأخبار المفصلة التي ساقها المؤرخون عن الوفود بالنقل الصحيح المعتمد عند المحدثين، فإن خبر قدوم بعض هذه الوفود ثابت بالروايات الصحيحة (١)، وكذلك بعض الأخبار المتعلقة بهم، فقد ذكر الإمام البخاري قدوم وفد تميم، كما حكت سورة الحجرات بعض ما صدر منهم من الأعمال المتسمة بجفاء الطبع وقلة الذوق حيث نادوا الرسول ﵊ بصوت عال من خارج حجرته دون أن يستأذنوا عليه (٢)، ولا شك أن سورة الحجرات نزلت لتعليم المسلمين جميعا بهذه المناسبة أدب مخاطبة الرسول ﷺ والاستئذان عليه.
كما ذكر البخاري قدوم وفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب، وأنه اشترط لإسلامه أن يكون له الأمر بعد الرسول ﷺ وأن النبي ﷺ قال له إنه لو سأله قطعة جريد ما أعطاه، وأشار إلى ما سيكون منه من فتنة!!، وذكر وفد نجران وفيهم العاقب والسيد حاكما نجران، وقد دعاهم الرسول ﷺ إلى الإسلام فأبوا فدعاهم إلى المباهلة لما نزلت آية المباهلة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا
стр. 534
وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
فأرادا الاستجابة إلى الملاعنة ثم عدلا عن ذلك خوف أن تصيبهم اللعنة وطلبا منه المصالحة على أن يدفعوا الجزية، فأرسل معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح لتحصيلها (٢)، ولا شك أن مصالحة أهل نجران (٣) على الجزية ربطتهم بدولة الإسلام، وقطعت الأواصر بينهم وبين الروم، فكان ذلك تأميناً لظهر المسلمين وهم يخططون لمواجهة كبيرة مع الروم في الشام.
وقد ذكر البخاري وفد الأشعريين وأهل اليمن كما ذكر وفد دوس ووفد طيء وقدوم عدي بن حاتم الطائي.
وذكر ابن عباس إرسال بني سعد بن بكر لضمام بن ثعلبة إلى المدينة، وكان رجلا جلدا كثير الشعر له غديرتان، فأناخ بعيره على باب المسجد وعقله، ثم دخل على رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا ابن عبد المطلب. قال: محمد؟ قال: نعم، قال: يا محمد إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن علي في نفسك فأني لا أجد في نفسي، قال: سل عما بدا لك. قال: أنشدك الله ... الله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك الله ... الله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأوثان والأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ قال: اللهم نعم.
стр. 535
ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة وينشده عند كل فريضة حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ولا أزيد ولا أنقص ثم أنصرف، فقال رسول الله ﷺ : إن يصدق دخل الجنة.
ثم رجع ضمام إلى قومه فاجتمعوا إليه فسب أمامهم اللات والعزى، فقالوا: ياضمام اتق البرص والجذام والجنون!!
فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وأني قد جئتكم من عنده وبما أمركم به ونهاكم عنه. فوالله ما أمسى ذلك اليوم من حاضرته رجل ولا امرأة إلا مسلما (١).
فلا شك إذا في قدوم الوفود في العام التاسع إلى المدينة لإعلان إسلام قبائلهم ولكن الأخبار المفصلة تحتاج إلى نقد تاريخي للمتون وقد أدبي للأشعار التي ربما تخضع لمقاييس أدق يمكن عن طريقها تثبيت صحة المعلومات تاريخيا أو نفيها.
وعلى أية حال فإنه في العام التاسع ساد الإسلام الجزيرة العربية التي توحدت سياسيا لأول مرة في تاريخها تحت رايته، فرغم أنها عرفت نشوء الدويلات ونظم السياسة قبل الإسلام، إلا أن أية دويلة من تلك الدويلات مثل (معين وسبأ وحمير وكندة والغساسنة والمناذرة) لم تتمكن من توحيد الجزيرة العربية تحت رايتها، بل إن حضارات تلك الدويلات كانت قد اضمحلت وطغت البداوة
стр. 536
على مراكزها قبل الإسلام، وقد تمكن الرسول ﷺ من تحقيق وحدة الجزيرة في أقل من عشر سنوات رغم قوة الروح الفردية وتغلغل العصبية القبلية والنزعات الجاهلية ولم تكن وحدة صورية بل كانت تشابكا وثيقا وتجانسا في الروح والعقل والسلوك لذلك صلحت أن تكون لبنة قوية وأساسا متينا قامت عليه الدولة الإسلامية التي بسطت سلطانها على رقعة شاسعة من آسيا وأفريقيا وأوروبا.
***
стр. 537
حج أبي بكر بالناس عام ٩ ه ـ
لم يحج الرسول ﷺ عام فتح مكة، بل اعتمر ورجع إلى المدينة، وقد حج المشركون والمسلمون معا في عام ٨ هـ، فلما كان العام التاسع، أمر أبا بكر علي الحج، فخرج في ذي الحجة (١) إلى مكة، وقد انفرد الواقدي بذكر عدد من حج معه فقال: إنهم ثلثمائة من الصحابة ومعهم عشرون بدنة (٢).
ولما خرج أبو بكر بالناس من المدينة نزلت سورة براءة، فأرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب بصدر سور براءة ليعلنها على الناس في موسم الحج يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة وقال النبي (لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي) (٣) ولما رأى أبو بكر علياً سأله: أأمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، فمضيا (٤)؛ أبو بكر أمير على الحج وعلي يبلغ صدر سورة براءة، ويساعده عدد من الصحابة في النداء بها منهم أبو هريرة (٥). والطفيل بن عمرو الدوسي، وقد ذكر علي بن أبي طالب أنه بعث بأربع: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته) (٦).
وقد تضمن صدر سورة براءة مفاصلة مع الوثنية وأتباعها حيث منعت حج المشركين بعد التاسع وأعلنت الحرب عليهم، لكنها أمهلت المعاهدين منهم إلى انتهاء مدتهم، وأمهلت من له عهد إلى أجل غير محدود - أو إلى أجل محدود قد
стр. 538
نقضه - أربعة أشهر متتابعة تبتدئ في العاشر من ذي الحجة وتنتهي في نهاية العاشر من ربيع الآخر وأمهل من لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم أي خمسين يوما تنتهي بنهاية المحرم، فإذا انتهت مددهم صاروا في حالة حرب مع المسلمين (١). ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢).
لقد مضت على دعوة الإسلام اثنتان وعشرون سنة، بذل المسلمون خلالها كل جهد وسلكوا كل طريق مشروع لتبليغ الدعوة، ومع ذلك أصر بعض المشركين على عبادة الأصنام، والطواف بالبيت العتيق وفق طقوس الجاهلية، وقد آن الأوان لمفاصلتهم ووضع حد لعنادهم وتجاهلهم لدعوة الحق.
ولم يقتصر الأمر على ذلك بل ساندته حملة للتوعية والدعوة إلى الإسلام وتنظيم المناطق النائية التي انضمت للدولة الإسلامية فقد أرسل النبي ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع كلا منهما على أحد مخلافيها وأوصاهما بقوله: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) (٣).
وقال لمعاذ: (إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على
стр. 539
فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (١).
ثم أرسل خالد بن الوليد إلى اليمن ثم أرسل علي بن أبي طالب مكانه فمكث بها ثم رجع فحج مع رسول الله ﷺ حجة الوداع وقد نجح على في نشر الإسلام في صفوف قبيلة همدان (٢).
стр. 540
حجة الوداع
يمثل الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، وقد فرض في العام العاشر أو التاسع أو السادس على اختلاف الروايات (١)، وفي العام العاشر أعلن النبي ﷺ عزمه على الحج وهي المرة الوحيدة التي حج فيها بعد الهجرة إلى المدينة، فتقاطر الناس من أرجاء الجزيرة للحج معه، وخرج من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة (٢). ولما وقف في عرفة نزلت عليه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣).
وقد تعلم المسلمون مناسك الحج من النبي ﷺ حيث قال لهم (خذوا عني مناسككم)، فجاءت حجته حافلة بالأحكام الشرعية وخاصة ما يتعلق بالحج وبالوصايا والأحكام العامة التي ورد في خطبة عرفات، لذلك اهتم العلماء بحجة الوداع اهتماما كبيرا واستنبطوا منها الكثير من أحكام المناسك وغيرها مما تحفل به كتب الفقه وكتب شروح الحديث وخصص بعضهم مؤلفات مستقلة في حجة الوداع (٤).
وقد شهد الموسم معه جمع غفير من المسلمين (٥). استمعوا إلى خطبة الوداع التي ألقاها في عرفات في وسط أيام التشريق وجاء فيها: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلا أن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث، وربا الجاهلية موضوع
стр. 541
وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فأنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، وأديت ونصحت لأمتك، قضيت الذي عليك، فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد) (١).
وقد ألقى خطبا أخرى في منى وذكر في إحداها: (لا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (٢)
وفي طريق العودة من حجة الوداع خطب الرسول ﷺ الناس في غدير خم قريبا من الجحفة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وأمسك بيد علي بن أبي طالب فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وكان علي قد أقبل من اليمن وشهد
стр. 542
حجة الوداع (١) وقد اشتكى بعض الجند عليا وأنه اشتد في معاملتهم وكان قد استرجع منهم حللا وزعها عليهم نائبه، فأوضح لهم النبي ﷺ في غدير خم مكانة علي ونبه على فضله لينتهوا عن الشكوى (٢).
стр. 543
تجهيز جيش أسامة بن زيد بن حارثة
قفل النبي ﷺ من حجة الوداع، ومضت بقية ذي الحجة والمحرم وصفر من العام العاشر فبدأ بتجهيز جيش إلى الشام وأمَّر عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقاء وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان منهم أبو بكر وعمر، وكان أسامة بن زيد بن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار، فلم يقبل الرسول ﷺ طعنهم في إمارة أسامة وأوصى به خيراً (١). ولكن هذه الحملة تأخرت بسبب مرض الرسول ﷺ بعد البدء بتجهيزها بيومين فقط. وكان أسامة قد أخذ اللواء الذي عقده الرسول ﷺ بيده وعسكر بالجرف (٢). وقد انفرد الواقدي بذكر عدد جيش أسامة وأنهم ثلاثة آلاف (٣).
стр. 544
وفاة الرسول ﷺ
وقد ألم المرض بالرسول ﷺ فاشتكى بعد عودته من حجة الوداع بحوالي ثلاثة أشهر (١)، وكان بدء شكواه في بيت ميمونة أم المؤمنين (٢)، واستغرق مرضه عشرة أيام (٣)، ومات في يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول (٤). وهو ابن ثلاث وستين (٥) وقد صح أن شكواه ابتدأت منذ العام السابع عقب فتح خيبر بعد أن تناول قطعة من شاة مسمومة قدمتها له زوجة سلاّم بن مشكم اليهودية رغم أنه لفظها ولم يبتلعها لكن السم أثر عليه (٦). وقد طلب من زوجاته أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة أم المؤمنين (٧)، فكانت تمسح بيده عليه لبركتها وتقرأ عليه المعوذتين (٨).
ولما حضرته الوفاة واشتد به المرض قال للصحابة: "هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده" فاختلفوا فمنهم من أراد إحضار أدوات الكتابة، ومنهم من خشي أن يشق على الرسول ﷺ ذلك، ويبدوا أن ثمة قرائن احتفت بذلك أفادت أن الأمر بإحضار أدوات الكتاب ليس على الوجوب بل فيه تخيير، فلما قال عمر (رض): حسبنا كتاب الله، لم يكرر الرسول ﷺ ذلك، ولو كان ما أراد كتابته
стр. 545
لازماً لأوصاهم به كما أوصاهم في تلك الحالة مشافهة بإخراج المشركين من جزيرة العرب وبإكرام الوفود (١). وقد أفادت رواية صحيحة أن طلبه الكتابة كان يوم الخميس قبل وفاته بأربعة أيام، "ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم لأنه لم يترك التبليغ (٢) لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر".
وقد دعا إليه فاطمة (رض) فسَارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسَارَّها بشيء فضحكت، وقد أخبرت بعد وفاته أنه أخبرها أنه يموت فبكت وأخبرها بأنها أول أهله لحاقاً به فضحكت (٣) وقد كان ذلك فهو من علامات النبوة.
وقد أثقله المرض ومنعه من الخروج للصلاة بالناس فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس، وقد راجعته عائشة (رض) لئلا يتشاءم الناس بأبيها فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن (٤) فأصر على ذلك، فمضى أبو بكر يصلي بهم (٥) وخرج النبي مرة يتوكأ على العباس وعلي فصلى بالناس وخطبهم وقد أثنى في خطابه على أبي بكر (رض) وبين فضله وأشار إلى تخيير الله له بين الدنيا والآخرة واختياره الآخرة (٦).
وكانت آخر خطبة له قبل موته بخمس ليال وقال فيها: إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة، ففطن أبو بكر إلى أنه يقصد نفسه فبكى وتعجب الناس منه إذ لم يدركوا ما فطن له (٧).
стр. 546
وكشف في صلاة الفجر يوم وفاته ستر حجرة عائشة ونظر إلى المسلمين وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم وضحك وكأنه يودعهم، وهم المسلمون أن يفتتنوا فرحاً بخروجه. وتأخر أبو بكر (رض) حيث ظن أن الرسول ﷺ يريد الخروج للصلاة فأشار الرسول إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
ودخلت عليه فاطمة فقالت: واكربَ أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم (١).
ودخل عليه أسامة بن زيد فدعا له بالإشارة إذ كان صامتاً لا يتكلم لثقل المرض (٢).
وكان عندما حضره الموت مستنداً إلى صدر عائشة، وقد أخذت سواكاً من أخيها عبد الرحمن فقضمته وأعدته فاستن به الرسول ﷺ (٣).
وكان يدخل يده في إناء الماء فيمسح وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات (٤). وأخذته بحة وهو يقول (مع الذين أنعم الله عليهم) (٥). ويقول: اللهم في الرفيق الأعلى، فعرفت عائشة أنه يخير وأنه يختار الرفيق الأعلى (٦).
وقبض ﷺ ورأسه في حجر عائشة (رض) حين اشتد الضحى وقيل عند زوال الشمس، ودخل أبو بكر (رض) وكان غائباً في السنح فكشف عن وجه النبي ﷺ ثوباً كان عليه، ثم أكب عليه وقبله وخرج إلى الناس، وهم بين منكر ومصدق من هول الأمر، فرأى عمر (رض) يكلم الناس منكراً موت الرسول ﷺ فاجتمع الناس على أبي بكر فقال: أما بعد من كان منكم يعبد محمداً فإن
стр. 547
محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ فسكن الناس وجلس عمر (رض) على الأرض لا تحمله قدماه وكأنهم لم يسمعوا الآية إلا تلك الساعة (١).
وقالت فاطمة (رض):
يا أبتاه أجاب رباً دعاه.
يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه.
يا أبتاه إلى جبريل ننعاه (٢).
وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 548
الفصل الرابع
الرسالة والرسول ﷺ
стр. 549
عالم الغيب:
إن الإيمان بالغيب يعني أن المؤمن لا يقتصر وعيه على العالم الفيزيائي المشهود، بل يعتقد بوجود عالم آخر غير مرئي هو عالم الغيب، وإليه يشير اصطلاح: "ما وراء الطبيعة" أو "الميتافيزيقيا" لكن الاصطلاح الفلسفي يظل غامضاً ومضطرباً أمام وضوح الاصطلاح الديني، فالمسلم يعتقد بوجود الله خالق الكون والحياة، وأنه يرسل رسلاً يوحي إليهم بالرسالات التي تنظم حياة الإنسان على الأرض، وتحدد القيم الأخلاقية المطلقة، وتجعل أتباعها يدينون لله بالعبودية، والعبودية لله لا تعني شل إرادة الإنسان ولا تقييد طاقاته، ولا إذلاله، بل هي منطلق لتحرره من عبادة المخلوقات إذ (لا إله إلا الله)، وهي تبصير له وتفتيح لوعيه على حقيقته وحقيقة الوجود، فلا يتضاءل فيحسن بأنه ذرة في فلاة، لا أهمية لها ولا غاية، ولا يستعلي فيحس أنه "الإله الخالق" كما يعبر الماركسيون والماديون في القرن العشرين، وهم يحسبون أنهم بنفي "الله" وإثبات الخلق للإنسان يعلون من قدر الإنسان ويحررونه، ويجعلونه مصدر القيم النسبية المتغير في الزمان والمكان تبعاً لرقي الإنسان وتغيره المستمر. وبذلك يكلون الإنسان إلى نفسه وطاقاته، ويحرمونه من رعاية الله ونور رسالاته، ويكبتون روحه عندما يمنعونها من الاتصال بخالقها ويحصرونها في عالم ضيق مظلم هو عالم المادة. وقد وصف الله تعالى المؤمنين المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب، فقال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ...﴾ (١).
وعالم الغيب الذي يؤمن به المتقون يشتمل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى. ولا يسمى مؤمناً إلا من آمن بهذه العقيدة كاملة، فلا يسعه أن يؤمن ببعضها وينكر بعضها الآخر.
стр. 550
والإسلام هو الدين الخاتم لرسالات الله تعالى إلى الإنسان، وهو الرسالة الخالد مدى الحياة، وهو يهدف إلى تبصير الإنسان بخالقه وبذاته وبعالمه وبمصيره، في حين تسعى الأدبيات الإنسانية من فلسفة وعلم اجتماع وانثروبولجي ونفس وسياسة واقتصاد وأدب شعري ونثري قصصي ومسرحي إلى تبصير الإنسان بذاته وعالمه فقط إلا تلك الأدبيات المتأثرة بالفكر الديني والمستوحية لرسالات الله فإنها تبصر الإنسان بالخالق وبالمصير.
وفي عالم اليوم تركزت الأدبيات الإنسانية على ذات الإنسان وعالمه المادي وتهمل إلى حد كبير قضية المصير والعلاقة مع الخالق، وهو اتجاه محكوم بالفلسفات المادية التي لا تؤمن إلا بالمادة المحسوس، والتي تنكر عالم الغيب وتتنكر له، ولا ترى في المصير إلا العودة إلى تراب الأرض عودة نهائية ليس وراءها بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب ولا جنة ولا نار.
وهكذا عاش إنسان القرن العشرين داخل نفسه وداخل حدود العالم المادي الضيقة لا يضيء قبسُ الإيمان إلاّ نفوساً قليلة، ولا يعيش تجارب الروح إلاّ عدد محدود، ولا يتطلع إلى الله وما عنده من رحمة ورضوان في الدنيا والآخرة إلا صفوة من الخلق، وقليل ما هم.
إنَّ الناظر في كتاب الله تعالى وسنّة الرسول ﵊ يدرك أن الإسلام أعطى مساحة واسعة من نصوصه للتعريف بالخالق وما يحبه ويرضاه، وما يبغضه وينهي عنه، وبين الأمر والنهي الالهيين تقع سياسات المجتمع والثورة، فتتحدد خصائص الدولة وقيم الاقتصاد وسنة الاجتماع، وتتضح علاقة الإنسان بالإنسان، والرجل بالمرأة. وهنا تبرز تفصيلات كثيرة دقيقة وجليلة لتحديد العلاقات الاجتماعية ضمن أحكام الشريعة التي تمثل إرادة الله تعالى في شؤون خلقه.
ولكن ما الذي يدعو الإنسان إلى الوقوف عند أحكام الشرع، والتماس رضا الله والبحث عن مراداته ومنهياته؟
стр. 551
هل يكفي أن يعرف الإنسان عظمة الخالق وقدرته وكمال صفاته؟ وهل يكفي أن يطلع على أمره ونهيه ليلتزم بشرعه في شؤون حياته؟.
أم لابد أن يتربى الإنسان وفق منهج معين يرتكز على توثيق الصلاة بالله نظراً وعملاً، وفكراً وتطبيقاً. ويقوم بالإشراف على هذه التربية أساتذة المنهج الرباني. إن مطالعة التاريخ تبرز أن المنهج الإلهي تعاقب الأنبياء على تربية الناس وفقه، وهذا المنهج يتعامل مع النفس الإنسانية فيغرس فيها الخوف والرجاء، والخوف من الله تعالى وعقابه، والرجاء في رحمة الله ورضوانه ونيل ثوابه، وقد استقامت نفوس الملايين من البشر على العقيدة الصحيحة والسلوك الصالح عبر التاريخ عندما توازنت معاني الخوف والرجاء في نفوسهم.
وعندما يستقيم الإنسان ويستبصر بالرؤية الإيمانية الصادقة فإن حياته ترقي حضاريا فيتوخى السلوك الراقي مع عالمه، يعاون الإنسان، ويرفق بالحيوان، ويحافظ على خيرات الأرض، ويمنع التلوث عن البيئة، ويرشد الاستهلاك وينظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفق معايير العدل والحق والمساواة والحرية والكرامة.
لا غرابة إذاً عندما يعطي الإسلام مساحة واسعة للتعريف بالخالق وعظمته وقدرته المطلقة، ولا غرابة حين يجعل منهجه التربوي يقوم أساساً على تكوين الإنسان الصالح بغرس التقوى ومعانيها في قلبه، وأداتا المنهج في تحقيق التقوى هما الخوف والرجاء، قال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (٢). ووصف تقلبهم بين الخوف والرجاء في الآية: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى كاشفاً عن العلة في ثوابه ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (٤).
стр. 552
وغرس الخوف من الله في قلب المؤمن إيجابي في ثمرته خلافا للخوف من غير الله من قوى الطبيعة مظاهر الكون، فإن الشجاعة في مواجهتها والإفادة ثمن تسخيرها للإنسان، وذلك بإخضاعها لعلمه وصناعاته وإنتاجه. واجتناب الظن بأنها تملك قدرةً وإرادةً وتأثيراً على مجريات الأحداث في الحياة كما كان يظن قدامى اليونان عندما سيطرت عليهم أفكار التوهم والتخيل، فنسبوا لمظاهر الطبيعة صفات الألوهية، وعبدوها من دون الله، فللبحر إله، وللخصب إله، وللرعد إله، وللعواصف إله، وللحب إله وللجمال إله، حتى أن الآلهة العديدة التي اعتقدوها سلبت الإنسان كل سلطان فما هو إلاّ ذرة في مهب الرياح الهوجاء لا قدرة له على الثبات والمواجهة، بل هو خاضع للحتميات القاهرة التي تفرضها إرادات الآلهة المتعارضة.
لقد جرد الإسلام الإنسان من خوف الطبيعة الصماء، ومن خوف الأحياء الضخمة والقوية، ومن خوفه من بعض بني جنسه، عندما وضح له حقيقة الأشياء، ومنعه من السقوط في عبودية غير الله. بل إن الخوف من الله تعالى عودل بالرجاء لئلا يسقط الإنسان فريسة القنوط والاكتئاب، ولئلا يشل الخوف طاقته، ويعطله عن العمل المثمر والإنتاج النافع، فكانت آيات الرجاء تبعث الأمل في نفوس المؤمنين، وتدفع إلى العمل، وتقاوم اليأس بل تحرمه ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
(١).
لقد اهتم الإسلام بتوجيه أتباعه نحو التفكير التأملي في ظواهر الكون وقوانين الحياة، فملاحظة الظواهر الطبيعية ورصدها هي أولى مراحل التفكير العلمي المنظم.
قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢). وقد تبدو بعض الظواهر غامضة، لا تعرف أسبابها وعللها، وقد يحاول الإنسان
стр. 553
تعليلها تعليلاً عقلياً قد لا يُوفَّق فيه، ومن هنا فإن الإسلام وهبه بعض القواعد والتفسيرات التي تعينه على فهم الكون والحياة، وتمنعه من الانحراف في تفسير ظواهر الكون والحياة تفسيراً يفسد عقيدة التوحيد، أو يقود إلى الخرافة والأساطير التي تعشعش في العقل وتحرفه عن التصور السليم، ومن هذا بادر رسول الله ﷺ لتصحيح تصور بعض الصحابة إزاء ظاهرتي الكسوف والخسوف، حيث اعتقدوا أن خسوف الشمس والقمر يتعلق بموت إبراهيم ابن الرسول ﵊، فبينَّ لهم رسول الله ﷺ أن ظاهرتي الكسوف والخسوف علامتان وآيتان من آيات الله تشيران إلى إسلام الشمس والقمر لله بخضوعهما للقانون الفلكي الذي يحكمهما،
وأن لا علاقة لما يحدث في الأفلاك وعالم النجوم بما يقع من أحداث إنسانية على الأرض، فقال ﵊: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا" (١). وهكذا يظهر المؤمن سجوده لخالقه وخضوعه الإرادي لمن تخضع له السموات والأرض طوعاً وكرهاً.
وبذلك وضع الإسلام حداً لكل ما يتعلق بعلم التنجيم القائم على تأثير الكواكب على أحداث الأرض، ومن ثم الإفادة من رصد الأفلاك في التنبؤ بأحداث المستقبل التي تقع للأفراد والجماعات. وما أكثر المتشبثين بالتنجيم عبر تاريخ البشرية الطويل، بل وما أكثرهم في عالم اليوم رغم انتشار الوعي والعلم، بل قد نجد من المثقفين والعلماء المتخصصين في علوم الطبيعة والفلك والرياضيات وأنواع العلوم الدقيقة من يتقبل عقله أفكار التنجيم والتنبؤ بالمستقبل. ويبدو أن الإنسان مستعد للتعامل مع عالم الغيب بطريقة بعيدة عن المنطق وقيم العلم مهما بلغ من مكانة في علوم الدنيا وأن العقيدة الإسلامية هي سبيل النجاة من الوقوع تحت تأثير الأساطير.
стр. 554
لقد حددت العقيدة الإسلامية مجالات الغيب التي أتاح الوحي الإلهي للإنسان التعرف عليها، وسدت ما سوى ذلك. فليس على الإنسان إلا التحرك الواعي في التعامل مع "الغيب" من خلال نافذة الوحي الإلهي التي جعلته يطل على الإلهيات والروحانيات والسمعيات والنبوات دون أن يقع تحت سلطان الخرافات أو استغلال المشعوذين والسحرة. يقول المفكر "كولن ولسن" في كتابه "الإنسان وقواه الخفية": "لا تستطيع الحضارة أن تتقدم إلى أبعد مما وصلت إليه حتى يسلم الناس بقوى الغيب غير المنظورة تسليماً بديهياً على مستوى تسليمهم بالطاقة الذرية". ولكن هذا المفكر يدو إلى استخدام قوى الإنسان "الكامنة في لا وعيه" لإحداث الاتصال بعالم الغيب وهو ما يسميه بعلم السيطرة والاتصال - أو السيرناطيقا اصطلاحاً - والذي كشف عن حقيقة أن ثمة برمجة تتخلل الطبيعة بأسرها (١).
وبعد دراسة عميقة لكل مكتشفات علم السيرناطيقا قال ولسن -وهو فيلسوف وجودي بريطاني-: "قد أقنعتني -يعني الأدلة- بأن المزاعم الأساسية للنزعة الغيبية، وهي مزاعم صحيحة، ويبدو لي أن حقيقة الحياة بعد الموت قد أصبحت قائمة بعيدة عن متناول أي شك معقول" (٢).
إن المعقول البشرية غالباً ما تتسم بالسذاجة ويسهل خداعها وغشها من قبل السحرة والمحتالين، ومن ثم فإن خواص العقل هذه جعلت الكثيرين من أبناء هذا القرن وبدافع الإحساس بالعقم والضجر اندفعوا نحو أحياء الاهتمام بالعالم الغامض وبالوسائل السحرية بعد أن ظن العلماء منذ القرن السادس عشر الميلادي أن عصر العقل قد بزغ وأن عهود السحر قد ولّت (٣). ويقول كولن
стр. 555
ولسن: "إن انجلترا وأمريكا تضمان الآن أعداداً من السحرة تزيد على ما كان فيها منذ عصر الإصلاح" (١).
وهكذا فإن العلم والمدنية المعاصرة لم يتمكنا من تحرير عقل الإنسان من الخرافة والأساطير، أما الإسلام فقد قطع السبيل على المشعوذين منذ أربعة عشر قرناً، عندما قال ﵊: "الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا" (٢).
وفهم الصحابة والتابعون المقصود وهو القطع بعدم تأثير النجوم في أحداث الناس والحياة، فقال قتادة السدوسي في تفسير الآية: " ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ": خلق -الله- هذه النجوم لثلاث؛ جعلها زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدي بها، فمن تأول بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف مالا علم له به" (٣).
إن عالم الغيب لا ينكشف للإنسان إلا عن طريق الوحي الإلهي، أما التعرف على القوى الكامنة في الإنسان والكون فهو لا يدخل في دائرة الغيب. فالله وحده عالم الغيب والشهادة، أما الإنسان فمجال نشاطه عالم الشهادة، ولكن الله تعالى أطلعه على قدر من عالم الغيب يوسع دائرة وعيه، ويلزمه في حياته الوجدانية والعقلية، ويفسح له في وجوده الذي تحده المادة، وهكذا أرسل الله الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، لنقل القدر المناسب من المعرفة الغيبية للإنسان، وفق ما حدده الله تعالى في وحيه لأنبيائه فليس للإنسان أن يطلب علم الغيب خارج دائرة الوحي، إذ ليس له أن يبدد قواه العقلية وطاقاته فيما لا سبيل لها إليه، ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربّك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" رواه البخاري في صحيحه (٤).
стр. 556
لقد جرت محاولات الإنسان الذاتية أن يتصور الخالق إلى أنواع من التجسيم والتجسيد، ومن هنا أمر الرسول الكريم ﷺ بعدم التفكير في ذات الله والانصراف إلى التفكير في المخلوقات الجامدة والحية، ومحاولة التوصل إلى قوانين المادة وأسرار الطبيعة، للإفادة من ذلك كله في بناء الحضارة، أما التعرف على الله تعالى وصفاته وكيفية توحيده وعبادته فيتلقاه الإنسان عن الرسل الكرام، دون أن يجهد عقله في التصور أو الاستقراء أو الاستدلال، إلا ضمن دائرة الوحي الإلهي.
إنَّ الإنسان المعاصر الذي يعيش في دائرة الحضارة الغريبة امتلأ غروراً وعجباً، وصورت له الإمكانيات التكنولوجية الهائلة أنه قادر على الاستقلال بذاته، والاعتماد على تجاربه وعقله لإحراز العلم والمعرفة وتسخير الطبيعة والكشف عن أسرار الكون، وقد نسي ربَّه في بهرج الانتصار العلمي، بل صور له الفلاسفة الوضعيون الوجوديون والبراجماتيكيون أنه الكائن الأول الذي تخضع له الموجودات الأخرى، وما عليه إلا أن يكتشف حريته ويثق بقدرته، وفي غمرة هذا التمويه الفكري سقط الإنسان في جاهلية القرن العشرين، وبدل أن يتحرر عاد ليسقط بفعل حاجاته النفسية والروحية في براثن السحر والشعوذة.
وسبيل النجاة من أزمة الإنسان المعاصر هو العودة إلى تعاليم الوحي الإلهي، والتعرف على الله وعالم الغيب من خلاله. وبذلك يحقق الإنسان وجوده المتكامل ولا يفقد شيئا من طاقاته، وهو يندفع للكشف عن المجهول البعيد بوسائله الذاتية القاصرة.
إن كبت الروح ومنعها من التعرف على الله - الواحد الأحد الفرد الصمد - لن يولِّد إلاّ موت الإنسان وبقاء الجسد المادي الذي لا يفضل عن الحيوان، وهذا هو مصدر شقاء الإنسان المعاصر إنه لا يشعر باكتمال الحياة. قال ﵊: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت" (١).
стр. 557
وقد يرى بعض الفلاسفة والمفكرين أن تحديد العلاقة بالله أخذت حيزاً كبيرا في تعاليم الإسلام، وأن عالم اليوم قد اتجه إلى بحث العلاقات الاجتماعية وتحديد الحقوق والواجبات وأكد على حرية الإنسان وكرامته وتطلعاته نحو الرفاه والسعادة.
والحق إن الإسلام أكد على التوحيد وجعله محورا للحياة، وأن أول العدل والوفاء أن يعدل المرء مع ربه وأن يفي له بحق الألوهية، ويجرد له العبادة. فإن لم يعدل مع الرب المنعم المتفضل القادر على الحساب والثواب والعقاب فكيف يعدل مع أمثاله من البشر؟ وإن لم يتحرر من أوهام الشرك وخرافة الخضوع لقوى الطبيعة أو للآلهة المصنوعة أو للمعتقدات الخاطئة فكيف سيتحرر من الخضوع لطواغيت البشر وكيف يحقق ذاته، ويحافظ على حريته وكرامته اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً؟
إن الموحِّد هو الرجل الحرُّ لأنه يعرف إن لا إله إلا الله، وأن لا أحد - كائنا من كان - يقدر على ضُرِّه أو نفعه إلا بإذن الله.
وهكذا يعرف مكانه في الكون، ويعتز بدينه ونفسه، ويحقق الخير والحق والجمال، وقبل ذلك يحقق الغاية من وجوده.
ولن يقع المؤمن بالاغتراب الذي يصوره سارتر والبير كامي والوجوديون الآخرون، ولن ينتهي اغترابه إلى الإحساس بالضياع والتمزق والعبث، ولن يحتاج إلى إثبات حريته ووجوده بإنكار وجود الله والبعد عن سلطانه، فتلك رؤى فكرية قاصرة لا تخرج عن حدود التجربة والمعاناة الإنسانية، مما يعبِّر عن خيبة الأمل وضياع اليقين، في حين يعيش المؤمن في رحاب واسعة ورؤى عريضة تقتبس من علم الله ونوره ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (١).
стр. 558
ومهما حاول الفلاسفة والمصلحون أن يتخطوا هذا الطريق، طريق الإيمان بالله وتوحيده، وطرحوا برامج الإصلاح الاجتماعي في إطار الفلسفات المتنوعة البعيدة عن الله تعالى فإنهم لن يحققوا الصلاح المنشود، لأن التنكر لله تعالى لن ينجب إلا الشر ولن يزرع إلا الحقد، ولن يكون إلا شخصيات قلقة تفتقد مقومات الإنسان الصالح.
ولو قَدَرَ الفلاسفة والمصلحون الله حقَّ قدره لعرفوا أن أول لوازم اصلاح الإنسان تعريفه بالخالق ، وتوثيق صلته به بالعبادة والطاعة لأوامره ونواهيه، وأن مهمة المصلحين ليست في تشريع أديان جديدة، وتحديد رؤية للعالم والإنسان عن طريق النظر والاجتهاد، فإن حق التشريع لله وحده، لا ينازعه فيه إلا ظالم جاحد ومتكبر جاف، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢).
إن همة المفكرين ينبغي أن تتوجه نحو فهم المضامين العقدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية في الإسلام وتعميق هذا الفهم باستمرار للوصول بالإنسان إلى الله تعالى وتحقيق سعادته في دنياه وآخرته.
الألوهية والربوبية:
ويرتكز نظام الاعتقاد في الإسلام على عقيدة الألوهية والربوبية استمع جبير ابن مطعم إلى رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور فلما بلغ هاتين الآيتين: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٣) قال: جبير: "كاد قلبي أن يطير" (٤).
стр. 559
فلماذا كاد قلب هذا الصحابي أن يطير عند سماع الآية؟ أليس لما فيها من بليغ الحجة على الخلق مما وعاه عقله واستشفته روحه؟ وكم من الناس يمرون على هذه الآية وغيرها فلا تحرك قلوبهم ولا تهز وجدانهم ولا تثير من المعاني ما أثارته في قلب هذا الصحابي الجليل.
لقد تأمل المفسرون في هذه الآية تأملات شتى فـ (أم) هنا ليست بمعنى (بل) وإنما هي للاستفهام، ولم يكن المشركون ينكرون أن الله خلقهم وخلق السماوات والأرض وأنهم ليسوا بخالقين، ولكنهم يغفلون ما يترتب على ذلك من توحيد الألوهية وهو مقتضى الاعتراف بالخالق ونعمه.
وقد لخص ابن تيمية أقوال المفسرين في الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فقال: "من غير رب خلقهم، وقيل من غير مادة، وقيل من غير عاقبة وجزاء. والأول مراد قطعاً، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلابد له من خالق" (١).
لقد جنح بعض فلاسفة القرن العشرين إلى القول بأن المادة هي الأصل الأول وأن "الإنسان يقوم وحده" لم يخلقه رب ولم يحكمه إله، وهذا عنوان كتاب جوليان هكسلي الذي أنكر فيه وجود الله زاعماً أنه يعتمد على أدلة العلم. وقد نقض رأيه عالم آخر هو كريسي موريسون في مؤلفه المشهور (الإنسان لا يقوم وحده) الذي بين فيه بأدلة العلم الحديث نفسه أن الله خالق كل شيء.
وهذا يدل على أن الصراع بين الإيمان والإلحاد قديم وحديث وأن مقوله فيورباخ (لا إله والحياة مادة) ليست جديدة، وإنما هي ترديد لأقوال الدهريين القدامى والطبيعيين المحدثين، على أن هذه الآراء تصدعت منذ منتصف هذا القرن عندما تم الكشف عن حقيقة المادة، إذا تفجرت ذراتها، ودلت على أنها ليست "مادة" بالمعنى القديم بل هي طاقة سالبة وموجبة وهي في حالة حركة وليست ساكنة. وبذلك أطل العلم الحديث على تصور جديد للمادة نفسها هدم به كل التصورات القديمة للدهريين القدامى والطبيعيين الجدد.
стр. 560
ولم يكن العرب المشركون الذين أخبر القرآن عن عقائدهم ينكرون أن الله تعالى هو خالقهم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) كما أنهم ما كانوا ينكرون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢).
بل لم يكونوا يجهلون بعض صفات الخالق مثل كونه عزيزا عليما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).
ولكن المشركين مع اعترافهم بالربوبية، فقد أشركوا معه غيره في العبودية، متجاهلين تفرده بالخلق، ومن هنا أنكر عليهم الله تعالى هذا الخلط الذي أفضى إلى صرف العبادة إلى من لا يستحقها، لأن العبادة شكر للخالق المنعم فمن ليس بمصدر للخلق وللنعم لا يستحق العبادة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٦).
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٧).
وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٨).
وبين ما هم فيه من تخليط، قال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾
(٩). فما دام الشركاء ليس لهم خلق فما مصدر
стр. 561
التشابه والالتباس إذاً؟. إن التمايز بين الخالق الواحد والمخلوقات المتنوعة واضح، لا يقبل اللبس والخلط إلا عندما تختل المقاييس وتعوج الموازين وتنحرف الفطرة. فكل ما في السماوات والأرض مخلوق لله وحده. قال تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (١). إن وحدة واتساق نظام الكون والحياة في العالم المشهود دليل على صدوره عن أمر واحد وإرادة واحدة لا تنازع، ولولا ذلك لتفكك نظام الكون واختلت وحدته واضطرب تناسقه و ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢).
قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (٣).
يقول كريسي موريسون: "إن وجود الخالق تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة، وإن وجود الإنسان على ظهر الأرض والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون" (٤).
ويقول: "إن الإنسان ليكسب مزيداً لا حدَّ له من التقدم الحسابي في كل وحدة للعلم، غير أن تحطيم - ذره - دالتون التي كانت تعد أصغر قالب في بناء الكون إلى مجموعة نجوم مكونة من جرم مذنب وإلكترون طائرة قد فتح مجالاً لتبديل فكرتنا عن الكون والحقيقة تبديلاً جوهريا، ولم يعد التناسق الميت للذرات الجامدة يربط تصورنا بما هو مادي. وإن المعارف الجديدة التي كشف عنها العلم لتدع مجالاً لوجود مدبِّر جبار وراء مظاهر الطبيعة (٥) ". ويقول ستانلي كونجدن: "إن جميع الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار يدي الله وعظمته ذلك هو الله
стр. 562
الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آيته في أنفسنا، وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته" (١).
ويقول بول كلارنس: "إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة هو أن الإنسان وهذا الوجود من حوله لم ينشأ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق، بل أن لهما بداية، ولابد لكل بداية من مبديء، كما أننا نعرف أن هذا النظام الرائع المعتمد الذي يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان، وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية، كما أن وراءها توجيهاً وتدبيراً خارج دائرة الإنسان. إنها بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير إلهي محكم" (٢).
ويقول جورج أيول: "إن كل ذرة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله، وإنها تدل على وجوده حتى دون حاجة إلى الاستدلال بأن الأشياء المادية تعجز عن خلق نفسها" (٣).
فهذه أقوال علماء الطبيعة الكبار في القرن العشرين تشهد بما قاله الله تعالى في كتابه المنزل على نبيه من أن وجود المخلوق يدل على وجود الخالق، وأن سبب الكفر يرجع إلى انعدام اليقين عند الكافرين لأن الله تعالى لم يكتب لهم الإيمان ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. قال الخطابي: "فذكر العلة التي عاقتهم عن الإيمان، وهي عدم اليقين الذي هو موهبة من الله ولا ينال إلا بتوفيقه، ولهذا كان انزعاج جبير ابن مطعم حتى قال: كاد قلبي أن يطير والله أعلم" (٤).
стр. 563
النبوات
الإيمان بسائر الأنبياء وأثره:
يهتم الإسلام بتوجيه أتباعه نحو النظرة الإنسانية الواسعة، ونحو استشراف التاريخ واختراق الجدران بين الثقافات والحضارات والإفادة من الحصيلة الثقافية العالمية لخير المجتمع الإسلامي. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) يوضح القرآن عقيدة المسلمين في الإيمان الشامل بأنبياء الله وأمنائه على وحيه، فالدين في نظر المسلم واحد من لدن آدم ﵇ وحتى محمد ﷺ وهو الإسلام، والإيمان بالأنبياء واجب حتى إن إنكار نبوة أحدهم تفضي بالمنكر إلى الردة عن الإسلام، بل إن تعاليم الأديان ومناسك العبادة أحيانا تبقى ثابتة، تشير عمليا إلى وحدة المصدر الإلهي لهذه الأديان جميعاً ... فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أفاض جبريل بإبراهيم صلى الله عليهما، فصلى به بمنى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا من منى إلى عرفة، فصلى به الصلاتين: الظهر والعصر، ثم وقف له حتى غابت الشمس، ثم دفع حتى أتى المزدلفة، فنزل بها فبات وصلى، ثم صلى كأعجل ما يصلى أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلى أحد من المسلمين، ثم دفع منه إلى منى فرمي وذبح، ثم أوحى الله تعالى إلى محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين" (٢). وهو يدل على وحدة مناسك الحج في تعاليم إبراهيم ومحمد ﷺ وهو مصداق قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
стр. 564
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١).
إن التشابه وأحيانا التماثل بين الأديان في العقيدة خاصة ثم في بعض المناسك التعبدية والتشريعات الاجتماعية لا يبعث على الشك في صحتها، كما هو منحى بعض العلماء المعاصرين من الأنثروبولوجيين والمؤرخين، والذي يدرسون الدين على نفس منهجهم في دراسة الفولكلور والأساطير الشعبية، فهم يرصدون أوجه التماثل بين الديانة اللاحقة والديانة السابقة ليصلوا إلى نتيجة قد حددوها - خلافا للمنهج العلمي - وهي أن الإسلام ليس مصدره الوحي الإلهي، بل هو نسيج من تعاليم سابقة بعضها استمد من التوراة مثل قصص الأنبياء، وبعضها من الأنجيل، وبعضها من القانون الروماني، وهكذا متناسين أن التماثل سببه وحدة المصدر الإلهي، وأثر الأديان السابقة في المجتمعات البشرية المتنوعة عبر التاريخ الإنساني، فهذا ما يتغافله الأنثروبولوجيون والمؤرخون، وبذلك يخونون الحقيقة عندما يغفلون هذا الوجه منها. لقد حاول بعضهم ربط معاني الآيات القرآنية بالأساطير السومرية والبابلية والآشورية والفرعونية واليونانية والرومانية لإسقاط فكرة الوحي الإلهي، والقول بأن مصادر الدين - كما يثبتها العلم الذي يدعونه - هي الفولكلور والأساطير الشعبية وليس الوحي الإلهي (٢). وبالطبع فليس العيب في علم الأنثربولوجي -وهو علم الإنسان وبيئته الثقافية التاريخية - بل هو في التوجيه المنحرف الذي سعى اللادينيون لإقحام هذا العلم فيه تحقيقا لأهداف عقدية بعيدة عن العلم المجرد ومتطلبات البحث العلمي، ومن هنا صار لزاما على المؤمنين في هذا العصر أن يعيدوا لهذا العلم وجهته الصحيحة في الكشف عن فطرة الإنسان، وحقيقة الأديان، وصلة البشر بالخالق الرحيم الرحمن، مستشرفين التاريخ باحثين في جذور الحياة وأول الآثار، وعندما يقود
стр. 565
العلم رجال يتسمون بالوعي والتجرد فإنهم سيقبلون النتائج التي أعلنها اللادينيون من المتلبسين بثياب العلم زورا وبهتانا.
لقد بين القرآن بوضوح التشابه بين الأديان ولم ينكره، فقال تعالى مخاطباً رسوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (١) فالقرآن تصديق لرسالات الأنبياء السابقين وليس نقيضاً لها.
وقد اختار الله تعالى الرسل الكرام من بين الناس، وجعلهم أئمة يهدون العباد إلى توحيد الله وتحكيم شرائعه، وهم أمثلة عالية في عمل الخير وتنفيذ أوامر الله، لذلك فإن الإسلام ينظر إليهم بوصفهم أمثل الناس وأفضلهم وأعلاهم درجة وقدرا، وأسماهم تصورا وسلوكا. كيف لا وقد اختارهم الله تعالى رسلاً ﴿اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).
وهو ﴿يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٣) لذلك فهم منزهون عن المعاصي، معصومون من الخطايا، ليصح الاقتداء بهم في سائر سلوكهم وجميع أحوالهم. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (٤).
من أجل ذلك كانت صورة الأنبياء السابقين على محمد ﷺ في القرآن والسنة أمثل وأجل وأسمى من الصور التي ترسمها الكتب الدينية الأخرى كالتوراة - وشرحه التلمود - والإنجيل، لما نال الكتب الأخرى من تحريف على أيدي أتباعها.
والأنبياء أوحي إليهم بشرع دون أن يكلفوا بتبليغه، لكنهم يعملون بموجبه، وأما الرسل فأوحى إليهم بشرع وكلفوا بتبليغه. وقد سمى القرآن منهم خمسة وعشرين رسولاً، وهم: آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب