التشابه والالتباس إذاً؟. إن التمايز بين الخالق الواحد والمخلوقات المتنوعة واضح، لا يقبل اللبس والخلط إلا عندما تختل المقاييس وتعوج الموازين وتنحرف الفطرة. فكل ما في السماوات والأرض مخلوق لله وحده. قال تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (١). إن وحدة واتساق نظام الكون والحياة في العالم المشهود دليل على صدوره عن أمر واحد وإرادة واحدة لا تنازع، ولولا ذلك لتفكك نظام الكون واختلت وحدته واضطرب تناسقه و ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢).
قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (٣).
يقول كريسي موريسون: "إن وجود الخالق تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة، وإن وجود الإنسان على ظهر الأرض والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون" (٤).
ويقول: "إن الإنسان ليكسب مزيداً لا حدَّ له من التقدم الحسابي في كل وحدة للعلم، غير أن تحطيم - ذره - دالتون التي كانت تعد أصغر قالب في بناء الكون إلى مجموعة نجوم مكونة من جرم مذنب وإلكترون طائرة قد فتح مجالاً لتبديل فكرتنا عن الكون والحقيقة تبديلاً جوهريا، ولم يعد التناسق الميت للذرات الجامدة يربط تصورنا بما هو مادي. وإن المعارف الجديدة التي كشف عنها العلم لتدع مجالاً لوجود مدبِّر جبار وراء مظاهر الطبيعة (٥) ". ويقول ستانلي كونجدن: "إن جميع الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار يدي الله وعظمته ذلك هو الله
стр. 562
الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آيته في أنفسنا، وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته" (١).
ويقول بول كلارنس: "إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة هو أن الإنسان وهذا الوجود من حوله لم ينشأ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق، بل أن لهما بداية، ولابد لكل بداية من مبديء، كما أننا نعرف أن هذا النظام الرائع المعتمد الذي يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان، وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية، كما أن وراءها توجيهاً وتدبيراً خارج دائرة الإنسان. إنها بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير إلهي محكم" (٢).
ويقول جورج أيول: "إن كل ذرة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله، وإنها تدل على وجوده حتى دون حاجة إلى الاستدلال بأن الأشياء المادية تعجز عن خلق نفسها" (٣).
فهذه أقوال علماء الطبيعة الكبار في القرن العشرين تشهد بما قاله الله تعالى في كتابه المنزل على نبيه من أن وجود المخلوق يدل على وجود الخالق، وأن سبب الكفر يرجع إلى انعدام اليقين عند الكافرين لأن الله تعالى لم يكتب لهم الإيمان ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. قال الخطابي: "فذكر العلة التي عاقتهم عن الإيمان، وهي عدم اليقين الذي هو موهبة من الله ولا ينال إلا بتوفيقه، ولهذا كان انزعاج جبير ابن مطعم حتى قال: كاد قلبي أن يطير والله أعلم" (٤).
стр. 563
النبوات
الإيمان بسائر الأنبياء وأثره:
يهتم الإسلام بتوجيه أتباعه نحو النظرة الإنسانية الواسعة، ونحو استشراف التاريخ واختراق الجدران بين الثقافات والحضارات والإفادة من الحصيلة الثقافية العالمية لخير المجتمع الإسلامي. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) يوضح القرآن عقيدة المسلمين في الإيمان الشامل بأنبياء الله وأمنائه على وحيه، فالدين في نظر المسلم واحد من لدن آدم ﵇ وحتى محمد ﷺ وهو الإسلام، والإيمان بالأنبياء واجب حتى إن إنكار نبوة أحدهم تفضي بالمنكر إلى الردة عن الإسلام، بل إن تعاليم الأديان ومناسك العبادة أحيانا تبقى ثابتة، تشير عمليا إلى وحدة المصدر الإلهي لهذه الأديان جميعاً ... فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أفاض جبريل بإبراهيم صلى الله عليهما، فصلى به بمنى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا من منى إلى عرفة، فصلى به الصلاتين: الظهر والعصر، ثم وقف له حتى غابت الشمس، ثم دفع حتى أتى المزدلفة، فنزل بها فبات وصلى، ثم صلى كأعجل ما يصلى أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلى أحد من المسلمين، ثم دفع منه إلى منى فرمي وذبح، ثم أوحى الله تعالى إلى محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين" (٢). وهو يدل على وحدة مناسك الحج في تعاليم إبراهيم ومحمد ﷺ وهو مصداق قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
стр. 564
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١).
إن التشابه وأحيانا التماثل بين الأديان في العقيدة خاصة ثم في بعض المناسك التعبدية والتشريعات الاجتماعية لا يبعث على الشك في صحتها، كما هو منحى بعض العلماء المعاصرين من الأنثروبولوجيين والمؤرخين، والذي يدرسون الدين على نفس منهجهم في دراسة الفولكلور والأساطير الشعبية، فهم يرصدون أوجه التماثل بين الديانة اللاحقة والديانة السابقة ليصلوا إلى نتيجة قد حددوها - خلافا للمنهج العلمي - وهي أن الإسلام ليس مصدره الوحي الإلهي، بل هو نسيج من تعاليم سابقة بعضها استمد من التوراة مثل قصص الأنبياء، وبعضها من الأنجيل، وبعضها من القانون الروماني، وهكذا متناسين أن التماثل سببه وحدة المصدر الإلهي، وأثر الأديان السابقة في المجتمعات البشرية المتنوعة عبر التاريخ الإنساني، فهذا ما يتغافله الأنثروبولوجيون والمؤرخون، وبذلك يخونون الحقيقة عندما يغفلون هذا الوجه منها. لقد حاول بعضهم ربط معاني الآيات القرآنية بالأساطير السومرية والبابلية والآشورية والفرعونية واليونانية والرومانية لإسقاط فكرة الوحي الإلهي، والقول بأن مصادر الدين - كما يثبتها العلم الذي يدعونه - هي الفولكلور والأساطير الشعبية وليس الوحي الإلهي (٢). وبالطبع فليس العيب في علم الأنثربولوجي -وهو علم الإنسان وبيئته الثقافية التاريخية - بل هو في التوجيه المنحرف الذي سعى اللادينيون لإقحام هذا العلم فيه تحقيقا لأهداف عقدية بعيدة عن العلم المجرد ومتطلبات البحث العلمي، ومن هنا صار لزاما على المؤمنين في هذا العصر أن يعيدوا لهذا العلم وجهته الصحيحة في الكشف عن فطرة الإنسان، وحقيقة الأديان، وصلة البشر بالخالق الرحيم الرحمن، مستشرفين التاريخ باحثين في جذور الحياة وأول الآثار، وعندما يقود
стр. 565
العلم رجال يتسمون بالوعي والتجرد فإنهم سيقبلون النتائج التي أعلنها اللادينيون من المتلبسين بثياب العلم زورا وبهتانا.
لقد بين القرآن بوضوح التشابه بين الأديان ولم ينكره، فقال تعالى مخاطباً رسوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (١) فالقرآن تصديق لرسالات الأنبياء السابقين وليس نقيضاً لها.
وقد اختار الله تعالى الرسل الكرام من بين الناس، وجعلهم أئمة يهدون العباد إلى توحيد الله وتحكيم شرائعه، وهم أمثلة عالية في عمل الخير وتنفيذ أوامر الله، لذلك فإن الإسلام ينظر إليهم بوصفهم أمثل الناس وأفضلهم وأعلاهم درجة وقدرا، وأسماهم تصورا وسلوكا. كيف لا وقد اختارهم الله تعالى رسلاً ﴿اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).
وهو ﴿يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٣) لذلك فهم منزهون عن المعاصي، معصومون من الخطايا، ليصح الاقتداء بهم في سائر سلوكهم وجميع أحوالهم. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (٤).
من أجل ذلك كانت صورة الأنبياء السابقين على محمد ﷺ في القرآن والسنة أمثل وأجل وأسمى من الصور التي ترسمها الكتب الدينية الأخرى كالتوراة - وشرحه التلمود - والإنجيل، لما نال الكتب الأخرى من تحريف على أيدي أتباعها.
والأنبياء أوحي إليهم بشرع دون أن يكلفوا بتبليغه، لكنهم يعملون بموجبه، وأما الرسل فأوحى إليهم بشرع وكلفوا بتبليغه. وقد سمى القرآن منهم خمسة وعشرين رسولاً، وهم: آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب
стр. 566
وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحي وإدريس ويونس وهود وشعيب وصالح ولوط وإلياس واليسع وذو الكفل وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (١). وهؤلاء الرسل يجب الإيمان برسالاتهم على تعيين أسمائهم وأشخاصهم، وإنكار واحد منهم كفر بصريح القرآن، وهم يتفاضلون، وأفضلهم أولو العزم من الرسل لشدة ابتلائهم وعظيم جهادهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) وأفضل الرسل جميعا محمد ﷺ كما في الحديث (ما من نبي، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) (٣)، ولا يتنافى هذا التفضيل مع قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٤) لأن المراد عدم التفريق بالإيمان برسالاتهم جميعا وليس في التفاضل بينهم. والأنبياء والمرسلون من البشر، لا يخرجون من البشرية بالوحي، بل هم يحافظون على طبيعتهم، وقد حرَّف النصارى وحي الله، وخالفوا عيسى ﵇ عندما أضفوا عليه صفات الألوهية، وقد بين القرآن بوضوح أن أفضل المرسلين محمد ﷺ هو بشر لم تكسبه الرسالة صفات الألوهية قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥) فالوحي هو الذي يميز الرسول، ويكشف له الغيب، ويعرفه بالله وبصفاته وبأسمائه، وما يحب وما يكره، وبأوامر ونواهيه، وبشريعته التي يريد إنفاذها في الحياة، وبأسرار الخلق والأمر، والقضاء والقدر. ولم يكن الأنبياء من أرباب الفلسفات أو علماء الطبيعيات، ولم يكن علمهم كسباً، بل كان أفضل الأنبياء محمد ﷺ أميا لا
стр. 567
يحسن القراءة والكتابة، وعاش في بيئة خالية من الدراسات الفلسفية والطبيعية المعقدة، كالتي عرفها اليونان والفرس والهنود ومع ذلك فإن تعاليمه رسمت طريق السعادة والفلاح، وأثرت في مئات الملايين من البشر الذين اتبعوها، ونظمت حياتهم الخاصة والعامة, وحكمت اجتماعهم واقتصادهم وسياستهم وأخلاقهم وقيمهم قرونا طويلة، وأثمرت حضارة عالمية سامقة كان لها دور كبير في الحضارة العالمية، ولا شك أن هذا ما كان ليحدث لولا الوحي الإلهي. وكان تكليف الرسل بحمل الوحي الإلهي وتبليغه مما يجر عليهم الأخطار، لأن الرسالات التي يدعون إليها تقتضي أحداث تغيير كبير في أطر الحياة العقدية والاجتماعية، فكانوا يلقون مقاومة كبيرة من أصحاب النفوذ والمصالح، ومن الجمهور الذي تنتشر فيه العقائد المخالفة لرسالاتهم، وهذا عرَّضهم للأخطار. ولم يكن بوسع الأنبياء أن يتخذوا مواقف وسطاً أو حلولاً توفيقية، لأن الرسالة ليست نابعة من اجتهادهم فيغيروا ويبدلوا، بل لابد لهم من الالتزام بنص الوحي الإلهي وبمضامينه، قال تعالى في حق سيد المرسلين ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). فلابد للرسول إذاً من التزام أمانة التبليغ مهما كابد من البلاء والمقاومة ومن هنا جاءت محن الأنبياء. فهذا نوح ﵇ أول رسول إلى الناس - كما أن آدم أول نبي - عمر طويلا، فدعا قومه ليلا ونهارا سرا وجهرا إلى توحيد الله، فما استجاب له بعد إقامته فيهم ودعوتهم إلا قليل، هم الذين نجوا من الغرق. قال تعالى ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢) وقد اتهمه قومه بالسفه والضلال والجنون وكثرة الجدل بالافتراء على الله، وهددوه بالرجم، وقابلوه بالسخرية والتهكم، وهو يقابل ذلك بالصبر والاستمرار في دعوتهم حتى أدرك أنهم لا يستجيبون -بعد أن دعاهم قرونا-، فدعا عليهم كما يحكي القرآن
стр. 568
الكريم: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (١). فعاقبهم الله تعالى بالطوفان ونجَّى نوحا ومن آمن معه.
وهذا إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء، وخليل الرحمن نشأ في بابل التي يحكمها النمرود الذي أدعى الألوهية، وكان قومه يعبدون الأصنام، وقد عصم الله إبراهيم وآتاه الحجة منذ صغره، فدعا قومه واحتج عليهم وكسر أصنامهم ليثبت لهم عجزها عن الدفاع عن ذاتها فكيف تدافع عن غيرها!! فما كان منهم إلا أن ألقوه في النار فحفظه الله ونجاه. قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢).
وهاجر إبراهيم في الأرض يدعو إلى الله، فنزل حران حيث تعبد الكواكب، ثم مصر الفراعنة، وهو يتعرض لأنواع الابتلاء والمحن في نفسه وأهله وولده.
وهذا موسى - كليم الله ﵇ -واجه طغيان فرعون مصر وهو يدعي الإلوهية، ويستعبد بني إسرائيل، يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم، فدعاه إلى عبادة الله وحده، فتمادى فرعون في كفره، واعتزم قتل موسى وقومه لولا أن نجاهم الله وأغرق فرعون وجنده.
وقد لقى موسى من بني إسرائيل أنفسهم من العنت والكبرياء والجدل والاستعداد للانحراف عن العقيدة حتى توفاه الله.
وهذا عيسى ﵇ دعا اليهود إلى دين الحق الذي انحرفوا عنه، وأجرى الله عليه يديه المعجزات الباهرة، فعارضه الكهنة واجمعوا على قتله، فأنجاه الله منهم ورفعه.
وهذا رسول الله محمد ﷺ خاتم النبيين، وقع عليه من أنواع الابتلاء من أذى المشركين بمكة ودعايتهم وتحديهم وحصارهم له ولأتباعه في شعب أبي طالب
стр. 569
واضطرارهم لأتباعه للهجرة إلى الحبشة، ثم تركه ﷺ موطنه وهجرته إلى المدينة، ثم استمرارهم في حربه والتأليب عليه حتى نصره الله عليهم وأظهر دينه في الأرض.
وهذه السيرة النبوية تشير إلى حال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وأنهم تعرضوا للابتلاء والامتحان بسبب تبليغهم لرسالات الله تعالى، ولم ينتفعوا في الحياة الدنيا بالنعيم والراحة، بل كانت حياتهم شديدة يلحقهم الأذى في أنفسهم وأهليهم، ويهجرون مواطنهم، ويتعرضون للقتل، فما يصدهم ذلك عن تبليغ دعوة الله وتغيير الواقع الجاهلي. ومن أجل ذلك النهج العملي في الدعوة والتربية للأتباع كان أثر رسالات الأنبياء في حياة البشرية أثرا عميقا شاملا، في حين بقيت آراء الفلاسفة قابعة في كتبهم ولم تتحول إلى واقع عملي .. ولكل عاقل أن يقارن بين أثر القرآن والسنة وبين جمهورية أفلاطون أو مدينة الله لأوغسطين أو المدينة الفاضلة للفارابي، ليدرك أن رسالة النبي ﷺ هي النهج العملي المؤثر في حركة التاريخ ومصير الأحياء.
إن إيمان المسلمين بالأنبياء جميعا أعطاهم نماذج روحية متنوعة وعظيمة القيمة، تتمثل فيها القيم الخلقية بأرفع سلوكيات التي يمثلها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهكذا فإن المسلم يجد في نوح ﵇ مثالا للداعية الصامد، فرغم تنكر قومه لدعوته بما فيهم ابنه وزوجه، فإن ذلك لم يقعده عن الاستمرار في دعوته، وتهيئة العوامل اللازمة لنجاحها ثم لنجاة أصحابه.
كما يجد المسلم في أيوب ﵇ مثالا للصبر على الأمراض والأسقام وجفوة الناس والخلطاء حتى الزوجة، فلم يزده ذلك إلا احتسابا وإيمانا، ودعاء وتضرعا حتى رفع الله عنه البلاء. وإذا كان الإيمان الشامل بالأنبياء يوسع من مجال الاقتداء، ويعبر عن وحدة الرسالات الإلهية، فإنه يورث المسلمين التسامح الديني ويوجد بينهم وبين أهل
стр. 570
الكتاب بعض عناصر الالتقاء، ويكسبهم مرونة عالية في التعامل معهم داخل المجتمع الإسلامي بمنح الأقليات الدينية حرية المعتقد، وحق الحماية. وإمكان التعايش السلمي معهم، بل تلطيف هذه العلاقة مع الأقليات الدينية عندما تسمح عقائد المسلمين ببرهم ومهاداتهم.
ولو افترضنا على سبيل الجدل أن المسلمين ينكرون نبوات الأنبياء السابقين على رسالة محمد ﷺ ، لتغير موقفهم من الأقليات الدينية التي ما كانت لتتمكن من المحافظة على وجودها لولا التسامح الديني الذي لم يشهد له التاريخ الإنساني مثيلا حتى اعتبرت الدولة الإسلامية مسئولة عن حماية أماكن العبادة للديانات الإلهية الأخرى مثل حمايتها للمساجد الإسلامية قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (١).
ولا مانع من الجدل الديني بين المسلمين وأهل الكتاب بشرط أن يتقيد الجميع بأدب المناظرة. قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣).
وقد اعترف عديد من الباحثين الغربيين بتسامح الإسلام والمسلمين فقال غوستاف لوبون: "إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينا سمحا مثل دينهم".
ويقول توماس أرنولد: "كان المسلمون -على خلاف غيرهم- إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جدها في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحين بالعدل والقسطاس".
стр. 571
إن عالم اليوم بحاجة أشد إلى أن تسود روح التسامح ويتقرر العدل ويقضى على العصبيات والعنف الذي يمكن أن يحول التقدم التقني إلى كارثة خطيرة تعصف بالبشر وحضاراتهم.
وليس كالإسلام في غرس روح الخير وبذر التعاون في ظلال الإيمان والسماحة الدينية.
стр. 572
بشرية الرسول
ومما لاشك فيه أن الأنبياء هم أوعى البشر بحقيقة الألوهية، ومعرفة استحقاق الإله وحده للعبادة، وذلك بما اختصهم الله به من علم الوحي الإلهي، فالتمييز واضح عندهم بين ما هو حق لله وما هو حق للنبي. لذلك نفي القرآن الكريم عن الأنبياء أن يوجهوا الناس لعبادتهم بدلا من عبادة الله قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (١).
وهكذا اتضحت طبيعة العلاقة بين "الإله" و "النبي" و "البشر"، ولم يقع في تاريخ الإسلام الطويل أي جدل حول طبيعة النبي كما جرى في تاريخ النصرانية التي كانت قضية طبيعة المسيح وهل هي إلهية أم بشرية، أم إلهية وبشرية متحدة أساسا لانقسامها إلى فرق عديدة متطاحنة.
لقد أعلن محمد ﷺ للمسلمين جميعا أنه بشر مثلهم كما ورد في القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢). وإذا كان الأنبياء لا يستحقون العبادة - وهم أفضل البشر، فإن القادة الفكريين والزعماء المبرزين لا يستحقون
стр. 573
العبادة من باب الأولى، وبالتالي قطع الإسلام الطريق أمام الدعوة إلى عبودية الإنسان من دون الله مهما بلغ مقامه وعظم مكانه. وبذلك حافظ على كرامة الإنسان وحريته، ومنعه من السقوط في هاوية الخضوع الأعمى لغيره من البشر، فضلا عن حمايته من عبادة المخلوقات الأخرى من حيوان وجماد وقوى الطبيعية.
وقد لا يدعو القائد المفكر إلى عبادة ذاته، ولكن يحرف كلام الله ويغير أحكامه، وهو بذلك يعطي نفسه حق التشريع، وهو من حقوق الله وحده، وبذلك يتعبد الناس ويخضعهم لفكره وتشريعه، وهو نمط من العبودية حذر منه الرسول الكريم ﵇ ونبه بعض المفسرين إلى وقوع الأم السابقة فيه. فقال المفسر ابن جريج في تفسير قوله تعالى: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) قال: "كان ناس من اليهود يتعبدون الناس دون ربهم، بتحريفهم كتاب الله عن مواضعه بغير الذي يقرأون مما أنزل الله في كتابه (٢). وقال عدي بن حاتم ﵁: "أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته، وانتهيت إله وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣) قال: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم" (٤).
وهكذا أوضح المصطفى ﷺ أن حق التشريع لله، ومن نازعه فيه فقد دعا الناس إلى تأليه ذاته وعبادته من دون الله تعالى.
стр. 574
بل إن الإسلام مضى إلى ما هو أبعد من هذه التوجيهات، احتياطا للناس وإبعادا للأمة من الوقوع في براثن المضللين فجعل الولاء للعقيدة وليس للرجال مهما علت مكانتهم، فهذا رسول الله ﷺ ينهي أصحابه عن المبالغة في تعظيمه يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) (١).
وينهى عن مديح الرجل في وجهه، لئلا يناله العجب بالنفس فيجره ذلك إلى الهلاك، فلما أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ قال له: "ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك (٢) - مرارا".
فأين هذه التعاليم مما تتعود عليه الأمم التي لا دين لها من الانحناء والسجود للزعماء، والتقرب إليهم بمعسول الكلام وعظيم الثناء، وتشبيهم بالله تعالى وإسباغ صفاته عليهم، بل والوقوف طوابير في انتظار زيارة قبورهم بعد موتهم في الأعياد والمناسبات الوطنية وصرف المبالغ الطائلة على بناء مقابرهم وزخرفة أضرحتهم، وقديما صرف الفراعنة الملايين وسخروا الألوف من شعبهم لبناء أهراماتهم، وحديثا نجد هذه المظاهر في دول تدعي نبذ الدين وتخليص الناس من الخرافة وتحريرهم من عبودية الله!! فإذا بها تتعبدهم للزعماء من البشر في حياتهم وبعد مماتهم!!
روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال نعم
(٣).
стр. 575
ولم يكن الداخل على مجلس رسول الله ﷺ يميزه عن أصحابه من هيئته أو مكان جلوسه، بل كان الغريب يسأل عنه ليعرفه .. أخرج الدارمي قال العباس: يا رسول الله إني رأيتهم قد آذوك وآذاك غبارهم فلو اتخذت عريشا تكلمهم منه؟ فقال: لا أزال بين أظهرهم يطأون عقبي، وينازعون ردائي، حتى يكون الله يريحني منهم" (١).
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن جبير الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يمشي في أناس من أصحابه فتستر بثوب، فلما رأى ظله رفع رأسه، فإذا بملاءة قد ستر بها فقال له: مه!! وأخذ الثوب فقال: "إنما أنا مثلكم" (٢).
وسئلت عائشة ﵂ هل كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: نعم. كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. (٣).
فهذه صورة النبي في الإسلام، وهو أرفع البشر، له الحب والتوقير والدعاء، وله الدرجة الرفيعة، لكنه لا يتجاوز مقام العبودية والطاعة لله، ولا يخلع على نفسه صفات الألوهية، ولا يدعو الناس إلى عبادته، بل يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويجعل نفسه مثلهم الأعلى في عبادة الله وطاعته، وشعاره (﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٤).
وقد حرص الرسول الكريم ﵊ على التمييز بين الألوهية والنبوة، خاصة أن الأمم السابقة قد ألهت أنبياءها، فقالت اليهود عزير ابن الله
стр. 576
وقالت النصارى المسيح ابن الله، ولا شك أن تأليه الأنبياء لم يكن في حياتهم، بل بعد زمنهم بقليل أو كثير حيث تدخل المبالغات والأساطير إلى تاريخهم وسيرتهم، ويبالغ أتباعهم في أخبارهم، حتى يوصلوهم إلى مرحلة الألوهية، ويعبدوهم من دون الله، أو يشركوهم في عبادة الله. ومن هنا حذر رسول الله ﷺ من تأليهه وأكد على صفاته البشرية. فقد "أتى النبي ﷺ رجل، فكلمه، فجعل ترعد فرائصه فقال: (هوِّن عليك. فإني لست بملك. إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد) (١) وهذا تواضع منه ﵊، وهو الذي اختاره الله من خيار خلقه، وعصمه في نسبه وطهارة محتده؛ فكل آبائه وأمهاته من زواج صحيح.
ورغم علو مكانته وسمو خلقه وإشادة القرآن برفعته وعظمته فإنه لم يتخط خصائص البشرية، فهو يتألم كما يتألم البشر، بل إن آلامه تفوق آلامهم. روى البخاري أنه ﵊ قال: (إن أوعك كما يوعك رجلان منكم) (٢)، ولما اشتد المرض عليه حين وفاته لاحظت فاطمة - بنته - ما كان يتغشاه فكانت تقول: واكرب أباه. فيقول لها مهدئا: ليس على أبيك كرب بعد اليوم) (٣). وكان يقول: (إنا معشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء) (٤).
ولم يدع مناسبة إلا وبين خصائصه البشرية التي لا تنفك عنه إلا في عصمة النبوة، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد أخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته، أو سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارة وقربة، تقربه بها إليك يوم القيامة) (٥).
стр. 577
وكما يطرأ عليه الغضب يطرأ عليه النسيان، فهو وإن كان الله قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فإنه لم يبرئه من سمات الحدث ولم يخله من الأعراض البشرية (١). فقد سها في صلاته ونسى بعض العدد من ركعاتها حتى ذكر بها ونبه عليها.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين قال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم) (٢).
ولم تمنع نبوته ورفعة درجته أصحابه من مراجعته في الرأي حتى يعزم الله له، ففي صلح الحديبية راجع عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ في موافقته على شروط الصلح فقال عمر ﵁ "فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به) (٣).
стр. 578
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يراجع رسول الله ﷺ ليقف على الحكمة من موافقته على شروط الصلح، وكان يرغب في إذلال المشركين، "فجميع ما صدر منه كان معذورا فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه" (١).
ولم تقتصر المراجعة على أصحاب النبي ﷺ المقربين، ولا على أصحاب المسئولية في الدولة والمجتمع، بل إن النساء كن يراجعنه أيضا. قال عمر بن الخطاب ﵁:"كنا معشر قريش نغلب الناس، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني! فقالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فأفزعني ذلك فقلت: جاءت من فعلت ذلك منهم بعظيم، ثم جمعت علي ثيابي فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة، أتغاضب إحداكن رسول الله حتى الليل، فقالت: نعم. فقلت: خبت وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله. لا تستكثري على رسول الله، ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني ما بدا لك" (٢).
وكان رسول الله ﷺ يؤكد لأصحابه هذا المعنى، معنى بشريته، وأنه إنما يمتاز عليهم بالنبوة، ويحذرهم من فعل الأمم السابقة مع أنبيائهم عندما غلت فيهم فاتخذتهم آلهة مع الله سبحانه.
وإنما نهاهم عن المبالغة في مدحه خشية أن يجر ذلك مع الأيام إلى إسباغ صفات الألوهية عليه كما حصل لمن أطرى عيسى ابن مريم من النصارى، وقد تمسك ﵊ بصفة العبودية لله وصفة الرسالة، فهو عبد الله ورسوله، وفيه تتمثل العبودية الصادقة لله فهو أكثر البشر عبادة وطاعة وأشدهم التزاما بتعاليم الرسالة ....
стр. 579
عن المغيرة بن شعبة ﵁: "أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" (١).
إن عبادة المصطفى ﷺ هي ثمرة إحساسه ﷺ بعظمة الخالق ونعمه الكثيرة عليه، وخاصة ائتمانه على الرسالة الخاتمة التي حملها للعالمين .. والتي صارت بفضل الله ثم بفضل تبليغ الرسول لها أعظم نعم الله على العباد، فهي تتقدم سائر النعم الأخرى جليلها وصغيرها، فليس من نعمة أعظم من الهداية إلى معرفة الله الخالق، واستبانة طريقه المستقيم المفضي إلى النعيم المقيم. في الآخرة، وإلى الطمأنينة والراحة النفسية في الدنيا، حيث لم يعد الإنسان بحاجة إلى طواف طويل وجهد عقلي كبير سعيا للوصول إلى الحق، وتعرفا على الله، ووصولا إلى الحق والخير والجمال. فكل ذلك جاءت به الرسالة الخاتمة التي حملها رسول الله ﷺ وبلغها لأصحابه رضوان الله عليهم، وهم بدورهم حملوها إلى أمم الأرض، وتوارثها الخلف عن السلف عبر القرون، فاهتدى بنورها ألوف الملايين من أهل الأرض.
إن نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى في روحه وعقله وبدنه، بحيث إن الإنسان الواحد يمتلك ثروة عظيمة جهزه بها الخالق القدير في أعضائه المختلفة، ومن البديهي أن الإنسان صاحب هذه الأعضاء لا يرضى أن يستبدل أيا منها بالألوف المؤلفة من الدنانير والذهب والفضة، وهذا ينطبق على نعمة البصر والسمع والعقل، بل واليد والرجل .... وقد جاء الوقت الحاضر ليرى الناس جميعا أن أعضاء البدن تقوم بالمال الكثير عندما يحتاج مريض إلى كلية أو غيرها.
إن النعم تحيط بالإنسان وتكتنفه لكن تعوده عليها ينسيه قيمتها، ولو فقد الإنسان شربة ماء ثم وجدها بالمال الكثير لدفعه لحيازتها، لكن كرم الخالق معه
стр. 580
أن وهبه الماء والطعام والهواء وكل ما يلزم لحياته دون أن يطالب بشيء سوى العبادة التي تحقق غاية الوجود. وكان رسول الله يعبر عن إحساسه بكل معاني الإحسان الإلهي والتعهد الرباني عندما يصلي حتى ترم قدماه. (أفلا أكون عبدا شكور؟).
ختم النبوة وعموم الرسالة الإسلامية:
بعث محمد ﷺ رحمة للعالمين، بعد أن ضاعت معالم الرسالات السماوية السابقة، وتحرفت تعاليمها، وخفت إشعاعها، وضعف أثرها في الحياة الإنسانية، فكانت رسالته تجديدا لدعوة التوحيد التي بعث بها سائر الأنبياء والمرسلين، وتعديلا للشرائع السابقة وإكمالا لها، بعد أن ارتقت البشرية وتفتحت عقولها وتهيأت نفوسها لاستقبال الرسالة الخاتمة بكل جوانبها الروحية والاجتماعية، وقد أوضح المصطفى ﷺ أن رسالته إكمال لرسالات الأنبياء السابقين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
وفي الحديث الشريف عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجي بني دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة. فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة". قال رسول الله ﷺ : "فأنا موضع اللبنة، فجئت فختمت الأنبياء" (٢).
والحديث يبين اكتمال الرسالة الخاتمة ووفاءها بحاجات البشرية، مهما درجت في مراقي التقدم الحضاري ثقافة وصناعة، مما نص القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣)، فالإسلام هو الدين الخاتم الذي لا دين بعده، ومحمد هو
стр. 581
الرسول الخاتم فلا نبي بعده، فهو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء حتى قيام الساعة، وقد أمر الله أتباع الديانات الأخرى بالدخول فيه مبينا لهم أنه نسخ الأديان كلها فلا يقبل الله بعد بعث محمد ﷺ دينا سواه ... قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
وقد أخذ الله العهد على جميع الأنبياء والرسل من قبله أن يؤمنوا به إذا أدركوا بعثته وأن ينصروه، لذلك فقد كانوا وأتباعهم على علم بصفاته حيث وردت في كتبهم المنزلة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...﴾ (٣).
وقد اختار الله تعالى الاسم لأمته ﷺ فقال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤) فمن الخطأ تسميت المسلمين بغير الاسم قياسا على أتباع الديانات الأخرى، كما يفعل المستشرقون فيطلقون اسم (المحمدية) على (الإسلام)، واسم (المحمدين) على المسلمين، وينبغي للمسلم أن يجهر بإسلامه ويعلنه ويعتز به كما في القرآن ... ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥).
ومحمد ﷺ هو أول المسلمين من هذه الأمة، وهو أولى بالأنبياء من أتباعهم الذين حرفوا تعاليمهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦).
стр. 582
وقال ﵊: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة" (١). وقال ليهود: "أنا أولى بموسى منكم" (٢).
وكما أن الرسالة الخاتمة امتدت بآفاقها الرحيبة إلى الماضي، فاعترفت برسالات الأنبياء السابقين في التاريخ، فإنها اختصت بعمومها فهي لسائر البشر وليست خاصة بقوم معينين وهي دين الحاضر والمستقبل وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣).
وقال ﵊: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (٤) وفي رواية مسلم "وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون" (٥).
فالرسالة الخاتمة دعوة لوحدة الإنسانية تحت راية التوحيد لا تعترف بالطبقة، ولا بالعنصرية، ولا باختلاف اللون والعرق واللغة، بل هي تتجاوز كل ذلك تحقيقا للمساواة التامة بين البشر، وتوحيدا لموكب الإيمان في طريقه إلى الله.
ونظرا لأن رسالة محمد ﷺ عامة، تمتد في المكان لتشمل المعمورة، وفي الزمان لتستغرق ما بقي من تاريخ الإنسان، فقد تكفل الله بحفظها من التحريف والتبديل والضياع، وهكذا حفظ كتاب الله الخالد "القرآن الكريم" وحفظت سنة المصطفى ﷺ منذ أربعة عشر قرنا، فصار بوسع الأجيال المتلاحقة أن تعرف حقيقة الإسلام وتفاصيل العقيدة والشريعة كما عرفتها الأجيال الأولى دون اختلاف.
قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٦).
стр. 583
ومعجزة الرسالة الإسلامية الخالدة هي القرآن الكريم، فهي معجزة دائمة باقية، ظاهرة الإعجاز في كل زمان ومكان، وكانت رسالات الأنبياء من قبله موقوتة محدودة بالزمان والمكان، فكانت معجزاتهم حسية تهدف إلى قهر وتعجيز من يحضرها في حينها، ويشهدها عند حدوثها، كما هو ظاهر من معجزات موسى ﵇، حين ضرب البحر بعصاه فانفتح أمامه طريق العبور وسط الماء، وكما هي معجزات عيسى ﵇ حين يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله ... فمن لم يشهد هذه المعجزات فإنه لا يذعن للحق ولا يتبع النبي .. أما معجزة الرسول الكريم فكانت معجزة خالدة لخلود الرسالة، باقية - بحفظ الله - بقاء الحياة، تذعن لها العقول المستنيرة والقلوب الواعية في كل زمان ومكان، ويتذوق بيانها وبلاغتها الفصحاء والبلغاء فهي معجزة بيانية بلاغية تحدث العرب وقت النزول وبعده، وهم أمة البيان، فعجزوا عن إجابة التحدي عبر العصور (١). وقد أشار المصطفى ﵊ إلى اختلاف معجزته عن معجزات الأنبياء من قبله فقال: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما الذي أوتيت وحيا أوحي الله، إلي, فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) (٢).
وقد كثر أتباع الرسول ﷺ على مر القرون حتى بلغوا في الوقت الحاضر ربع سكان المعمورة، ولو أنهم التزموا بتعاليم النبي الكريم في عقائدهم وسلوكهم ونظمهم، وأدركوا مسئوليتهم في الدعوة إلى دين الله لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، ولحققوا السعادة لأنفسهم في الدنيا ونالوا مغفرة الله ورضوانه في الآخرة.
لقد قطع الإسلام بختم النبوات بنبوة محمد ﷺ الطريق أمام أدعياء النبوة، وضيق مسالك نشر دعواتهم الباطلة بأن هيأ الأذهان لعدم قبولها، وكذلك قطع
стр. 584
الطريق على الأفكار السلبية التي تدعو للإبقاء على الأوضاع الظالمة وعلى الشر والفساد لحين ظهور نبي أو إمام منتظر. فلم يبق أمام المسلمين إلا العمل الدائب وفق هدي النبي محمد ﷺ دون انتظار لوحي جديد.
القرآن معجزة الرسول الخالدة:
القرآن هو كتاب الله المنزل على نبيه لفظا ومعنى، وهو قطعي الثبوت لتواتر نقله، ولوعد الله بحفظه.
ولم يكن النبي ﵊ يعرف الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحي إليه القرآن الذي جعله الله تعالى يهدي به عباده إلى الصراط المستقيم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وقد سئل ابن مسعود ﵁: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢).
وتدلنا رواية أحمد والنسائي على أن عبد الله بن مسعود تعلم هذا التعريف للصراط المستقيم من رسول الله ﷺ ، فقد قال ابن مسعود: خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال:
стр. 585
هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
ومعنى كلام ابن مسعود أن النبي ﷺ ترك أصحابه بعد أن أخذ بأيديهم إلى طرف الطريق المفضية إلى الجنة، فتركهم على المحجة البيضاء والسنة الزهراء، لكن هذه الطريق تحتاج إلى الاستقامة عليها حتى النهاية، وعدم سلوك أية جادة مما يتشعب عنها نتيجة الإفراط والمبالغة والتعمق، أو نتيجة التفريط ورقة الدين وإتباع الهوى حيث يحاول أهل الأهواء دعوتهم وإغراءهم بسلوك الطرق المتفرقة والشاذة التي تبعد بهم عن الجنة، فطريق السنة هو أقصر الطرق إلى الجنة.
والوحي: بمعنى، الإيماء، وهو لغة: الإعلام بالشيء سرا، وشرعا هو الإعلام بالشرع وهو خاص بتعليم الله للأنبياء بواسطة ملك، أو بدون واسطة إما بإلقاء المعنى في النفس وهو الإلهام، وإما بالكلام من وراء حجاب أي بدون رؤية كما حدث لموسى ﵇.
وكان الرسول ﷺ يشاهد جبريل ﵇ إما على صورته الحقيقية وهذا نادر، وإما متمثلا في صورة بشر فيكلمه فيعي ما يقول، وهو أيسر الوحي عليه، وتارة لا يراه بل يسمع عند قدومه دويا وصلصلة شديدة، فيدرك من عنده من الصحابة أنه يوحى إليه بثقل بدنه وتفصد جبينه عرقا، وأحيانا بسماع دوي كدوي النحل عند وجهه، وكان ﷺ يسمع صلصلة الجرس ويجد من ذلك شدة - فإذا قضي جبريل رسالة ربه عاد النبي ﷺ إلى حالته العادية، ونظرا لحب النبي ﷺ حفظ القرآن ولشدة الوحي عليه من ناحية أخرى، فإنه كان ينازع جبريل القراءة ولا يصبر حتى يتمها مسارعة إلى الحفظ لئلا ينفلت منه شيء، فنزل قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (١).
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" (٢).
стр. 586
ويدل حديث عائشة ﵂ على أن الرؤيا الصادقة للنبي ﷺ كانت وحياً, وكانت أول الوحي إيناسا للرسول ﷺ فهي أخف وقعا على نفسه البشرية كما أنها تهيئة لتلقي شدائد الوحي في اليقظة.
والوحي المحمدي نظير الوحي إلى الأنبياء قبله لا تباين فيه. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. وكان رسول الله ﷺ قد حبب الله إليه العزلة في غار حراء يتعبد متبعا الحنيفية، وهي دين إبراهيم ﵇، فيبقى في الغار مدة شهر، ثم يرجع إلى أهله ليتزود بالطعام أخذا بالأسباب، وقد تكررت خلوته في غار حراء حتى جاءه الوحي وهو في الغار معتكفا في شهر رمضان، وقد طلب منه الملك أن يقرأ. فأجاب: ما أنا بقارئ، إذ كان رسول الله ﷺ أميا لا يقرأ. والأمية من دلائل معجزته، وأبعد الله تعالى بها عنه شبهة الأخذ عن الكتب السابقة، فأمسك به الملك وضمه ضما شديدا مكررا طلبه منه أن يقرأ. ثم أوضح له أن يقرأ عن ظهر الغيب لشيء لم يسبق له حفظه، بل يتعلمه في الآن بأمر الله، وهي الآيات الخمس من صدر سورة العلق - وهي أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، ونزل باقي سورة العلق بعد ذلك بسنين، وأما أول سورة نزلت بتمامها فهي الفاتحة على المشهور - فرجع النبي ﷺ بهذه الآيات الخمس يرتجف قلبه فطلب من زوجته أن تدثره، ففعلت حتى ذهب عنه الفزع، وأخبرها الخبر، ولم يكن ذلك عن شك بما أوحي إليه، بل للمفاجأة التي لم يكن يتوقعها، ولما أبدى لخديجة ﵂ خشيته أقسمت له أن الله لا يعرضه للذل والهوان والفضيحة، وذكرته بحسن أخلاقه، فهو يصل الرحم ببر أقربائه والإحسان إليهم، ويعين المحتاج، وينال معالي الأمور والسبق إلى المكرمات، ويقري الضيف، ويعين صاحب الحق على بلوغه فمن كان هذا شأنه لا يخزيه الله بل يرفعه مكانا عليا. ثم إن خديجة انطلقت به إلى ورقة بن نوفل، وكان نصرانيا عالما بالعربية والعبرية، وله اطلاع على التوراة والإنجيل حيث كان متمكنا من نقل التوراة من العبرية إلى العربية، وكان شيخا
стр. 587
قد صقلته التجارب والنظر في الكتب، فلما سمع من النبي ﷺ خبر ما رأى أدرك حقيقة الأمر فصرح بأنه وحي مثل الوحي الذي تلقاه موسى ﵇، وتمنى ورقة لو عاد شابا ليتمكن من نصرة النبي ﷺ على قومه حين يخرجوه من مكة، ثم أدرك استحالة ذلك لشيخوخته فتمنى لو يدرك ذلك اليوم فقط، واستغرب النبي ﷺ من كلام ورقة فقومه يحبونه وينادونه بالصادق الأمين فكيف يخرجونه من بلده!، فسأل ورقة: أو مخرجي هم؟ فبين ورقة: أن هذه هي سنة الحياة، فما من نبي دعا قومه إلى نبذ الجاهلية وتوحيد الله بالعبادة والطاعة إلا عادوه، وآذوه ... وتوفى ورقة ... وانقطع الوحي فترة - قال الشعبي إنها سنتان ونصف السنة - وحزن النبي ﷺ على انقطاعه حتى عاوده الوحي آمرا له بالدعوة والإنذار ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. وكان ذلك في بيت خديجة ﵂.
وهكذا بدأت مرحلة الرسالة وقد سبقتها ثلاث سنوات هي مرحلة النبوة.
ومع نزول الوحي المحمدي عرف البشر مصدرا للتلقي والعلم عن الله ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تكفل الله بحفظه لينير لأجيال العالمين الطريق الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم صراط الله العزيز الحميد.
تكفل الله بحفظ القرآن
وقد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم من أن يزاد فيه ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو من أحكامه وحدوده وفرائضه، فهو الكتاب الخالد المحفوظ بحفظ الله له على تعاقب الزمان واختلاف السكان، فما دام القرآن دستور الرسالة الإسلامية، وما دامت الرسالة الإسلامية لكل البشر، في كل الأزمان والأصقاع، فإن حفظ القرآن وخلوده لازم ودائم دوام الرسالة نفسها. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١)
стр. 588
ونظرا لطبيعة الإسلام التي تحمل الإنسان المسئولية، وتطلب منه بذل الجهد في الوصول إلى الحق والحفاظ على المبدأ والجهاد في سبيل الرسالة، فإن الله تعالى هيأ للقرآن الكريم كل لوازم حفظه وخلوده، فمنذ كان الوحي الأمين يلقي الآيات القرآنية على سمع النبي الأمين، بينت آيات كريمة أن الله يتكفل بحفظ النبي لهذه الآيات ونبهت الرسول إلى ألا يسترسل في بذل الجهد العنيف في الانتباه والتحفز النفسي والشد العقلي الكثير خوفا من تفلت آيات الوحي منه وعدم القدرة على حفظها ... قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
لقد حفظ النبي ﷺ القرآن الكريم، وكان جبريل يتعاهده به ويعرضه عليه في رمضان من كل عام، وكان النبي ﷺ يملي ما ينزل عليه من الآيات على الكتاب من الصحابة منذ المرحلة المكية.
وقد بلغ عدد كتاب الوحي تسعة وعشرين كاتبا أشهرهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير بن العوام وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وأبي بن كعب ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت ومعاوية وزيد كانا أكثر التصاقا بهذه المهمة الخطيرة، وكانت الكتابة في الغالب على قطع الجلد وأكتاف العظام وجريد النخل وصفائح الحجارة، إذ لم يكن البردي متوافرا آنذاك في الحجاز.
وكان كتاب الوحي يحتفظون بما يكتبونه عندهم، ولم تكن ثمة نسخة عند الرسول ﷺ نفسه، وقد جمع القرآن أربعة من الأنصار هم أبي بن كعب ومعاذ ابن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد (١) من الصحابة في حياة الرسول ﷺ ، ولكن كانت الرقاع متفرقة بينهم، وكانت بمجموعتها تشتمل على نص القرآن الكريم كاملا كما أملاه الرسول ﷺ ، وكما كان محفوظا في صدور الكثيرين من الصحابة إلى حد التواتر
стр. 589
وقد حظي بعض الصحابة بالعرضة الأخيرة للقرآن الكريم حيث عرض جبريل القرآن على الرسول ﷺ عام وفاته في رمضان مرتين، وعرضه الرسول على بعض الصحابة منهم زيد بن ثابت، وميزة هذه العرضة أنها تمثل نص القرآن الخالد دون الآيات التي نسخت تلاوتها.
وكان هذا مما رشح زيد بن ثابت للقيام بجمع نسخة كاملة من القرآن الكريم بأمر من الخليفة أبي بكر الصديق تنفيذا لاقتراح قدمه عمر بن الخطاب (رض الله عنهما).
قال أبو بكر لزيد: (إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه) (١). فقام زيد بهذه المهمة بكل دقة، واعتمد على ما كتب في حياة الرسول ﷺ على أن يشهد شخصان بأن المكتوب من إملاء الرسول ذاته وأنه جزء من التنزيل في صورته النهائية.
وهكذا تم الجمع الأول للقرآن الكريم في خلافة الصديق، وانتقل المصحف من الصديق إلى عمر بن الخطاب الذي أودعه لدى حفصة أم المؤمنين عند استشهاده. فلما بويع عثمان ﵁ بالخلافة قام بالجمع الأخير معتمدا على المصحف الذي عند حفصة مع تشكيل لجنة من زيد بن ثابت الذي تولى الجمع الأول ومعه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، ويلاحظ أن الثلاثة الأخيرين من قريش، في حين أن زيد بن ثابت أنصاري ويفسر طبيعة تكوين اللجنة ما ذكره عثمان من قاعدة العمل: (ما اختلفتم فيه وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم).
وقد أتمت اللجنة عملها بنجاح ونسخت ست مصاحف وزعت أربعة منها على مكة والشام والكوفة والبصرة، وبقي المصحف الخامس في المدينة والسادس لدى عثمان .. وصارت المصاحف تنقل عنها عبر القرون التالية ويقال لرسمها (الرسم العثماني) نسبة إلى الخليفة عثمان بن عفان ﵁.
стр. 590
وقد استمر علماء المسلمين طيلة القرون يبذلون جهودا عظيمة في خدمة المصحف، بإضافة النقط والشكل إلى الرسم العثماني الذي كان خاليا منهما، ويرجع الفضل في ذلك إلى أبي الأسود الدؤلي الذي وضع النقاط فوق الحروف لتمييزها، وإلى نصر بن عاصم الليثي ويحي بن يعمر العدواني اللذين وضعا الحركات فوق الحروف لمنع اللحن فيها، ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي ليجعل الشكل على صورته الحالية.
ولم تقتصر جهود العلماء في خدمة المصحف على النقط والشكل وإنما عرفوا بمواضع الوقف والابتداء، ووضعوا العلوم المتنوعة لخدمته مثل التفسير وعلوم القرآن والتجويد ومعرفة القراءات وشرح غريب القرآن وكتب إعراب القرآن، فتكونت مكتبة نفيسة في العلوم القرآنية وما زال اللاحقون يضيفون فيها إلى جهود السابقين تحقيقا لإرادة الله في حفظه وبيانه.
وقد آثار حفظ القرآن بهذا الإتقان على مر الأزمان دهشة وإعجاب المنصفين من علماء الشرق والغرب فقال لوبلوا: "من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام بتدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة".
إنَّ هذه الجهود التي سخرها الله تعالى لحفظ القرآن تحقيقا لوعده قد أفلحت في إيصال النص القرآن كاملا إلى الأجيال المتعاقبة حتى اليوم، في الوقت الذي وقع التحريف على سائر الكتب السماوية الأخرى والتي كتبت بعد أزمان طويلة من حياة أنبيائها.
لقد ظل القرآن الكريم يغذي عقول وأرواح المسلمين، ويدخل الطمأنينة والقدرة على مواجهة صعاب الحياة إلى نفوسهم، ويذكي فيهم الطموح إلى المعرفة والاندفاع لبناء الحضارة وتشييد المدنية، ويهيئ لهم أسباب ذلك كله، بما حواه تشريعه من قوانين الأخلاق، ومبادئ الاجتماع، وإقرار العدل، وتحقيق السلام في داخل النفس وفي إطار المجتمع، فضلا عن حفاظه على اللغة العربية التي توحَّد أمة الإسلام، وتسهم بآدابها في توحيد ثقافتهم ومقاييسهم
стр. 591
الخلقية والاجتماعية وأذواقهم الأدبية والفنية, فلا غرابة إذا ما عبَّر مفكر غربي هو الدكتور موريس عن إعجابه بقوله (إن القرآن أفضل كتاب أخرجته العناية الإلهية الأزلية لبنى البشر).
أثر القرآن فى تبصير الإنسان:
إن القرآن يفتح للمؤمن آفاقا بعيدا لاستشراف الحق والخير إذا سلك العبد سبيل الهداية ومجاهدة النفس, وبإلزامها المعروف وتجنبيها المنكر ,أو بتعبير آخر بإقامتها على السنة التى سنها محمد ﷺ وتنفيرها من البدعة ,فهذه المجاهدة للنفس والأخذ بها فى مسالك الهداية والنور تفضي إلى انفساح الآفاق أمام النفس لزيادة الصعود والارتقاء, والإشراق .. فكلما زادت المجاهدة قويت البصيرة وعظمت معرفة الإنسان بالله ثم بالنفس وبالعالم من حوله.
وفعل الأوامر واتباع المواعظ يفضى إلى الأجر العظيم فى الدنيا الآخرة, ويفضى إلى زيادة الهداية والاستقامة على نهج الحق.
لقد علم الله تعالى عباده المؤمنين أن يدرسوا أنفسهم, ويحللوا دوافع سلوكهم, ويتبصروا فى خطرات النفس, ويستشرفوا نوايا أعمالها وكانت آيات القرآن الكريم تتابع فى رسم منحنيات النفس وبيان مكامن القوة ومواطن الضعف فيها قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٣).فكان هذا التوجيه دافعا لظهور مدارس علم النفس فى الإسلام، ذلك العلم الذى زرع المسلمون الأوائل جذوره وأهمل الخلف تعهد تلك الجذور .. فلم يصل إلى غاياته إلا فى حضارة الغرب
стр. 592
ومفاهيمها ,مما حرفه عن الطريق الأصيل الذى وجه إليه القرآن أتباعه, وبهذه الصورة الجاهلية استورده المسلمون فيما استوردوا من ثقافة الغرب, مما كان له أثر خطير فى تشويه صورة الإنسان ودوافع سلوكه لدى مدرسة التحليل النفسي الفرويدية.
إن الخواطر التى تبعث على إرتكاب الجريمة تبدأ بتسويل من النفس لتطويع المجرم ,قال تعالى على لسان أبي يوسف ﵇: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١) ومن يقرأ قصة يوسف ﵇ فى القرآن يجد تحليلا دقيقا لكوامن الغيرة والحسد فى نفوس إخوة يوسف, ويجد عواطف الأبوة والرحمة والحب والأمل بالله وعدم اليأس من روحه فى نفس يعقوب, ويجد تحليلا لشخصية بعض النساء ممن ينتمين إلى طبقة الحكم بمصر فى ذلك العصر, بل ويقرأ تعبيرا للرؤيا التنبؤية التى هى جزء من الوحى.
وفى قصة قتل قابيل لأخيه هابيل تطالعنا دوافع أول جريمة قتل على الأرض بسبب الحسد, عندما تقبل الله تعالى قربان هابيل ولم يتقبل من الآخر, وهنا يبرز الدافع النفسي لارتكاب الجريمة تلعب فيه النفس الأمارة دورا بارزا قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ (٢) لكنه سرعان ما ندم على ما فعل, فأراد أن يقدم الإحسان للقتيل ,ولم يأب أن يتعلم من الغراب طريقة الدفن ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (٣) وهكذا كشفت قصة ابنى أدم عن النفس الأمارة والنفس اللوامة فى لقطة سريعة وبعبارات وجيزة تكشف عن أغوار الإنسان وتعرفه بذاته. وبذلك تتقدم به نحو الرشد الفكرى, بتكوين معتقداته الأساسية التى تمنع وقوعه فى التيه ,والاحساس بعبثية الحياة ولا جدوى الوجود, أو عدم معقولية العالم التى سقط ضحيتها الكثيرون من أبناء القرن العشرين, عندما ضاعت منهم حقائق الدين فى تثبيت أهداف الخلق والحياة ,وتحديد قضية مصير
стр. 593
الإنسان ,وأخلاقيات السلوك المترتبة على تقرير قضية المصير ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (١).
إن منهج القرآن فى تعريف الإنسان بذاته يرتكز على الصراحة والحق, فيكشف عن جوانب سلبية كما يكشف عن جوانب إيجابية
ويوضح أن جوانب السلب والإيجاب تكمن فى أعماق النفس وتتعايش داخلها ,وقد يظهر جانب على آخر ويطغى بقوته عليه ويبقى الجانب الآخر فى أغوار الإنسان قال تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٢) وبين أن الطغيان يجر الإنسان إلى الكفر والرغبة فى الاستغناء عن الله قال تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣) وقال ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) وقال ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٥) وقال ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (٦) وكاشف القرآن الإنسان بحقيقة وجوده ,ومصدر متاعبه وصراعاته فى هذه الحياة, وإنه مخلق للمكابدة والتعب والنصب قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٧) فالدنيا دار امتحان وابتلاء وتمحيص, وعلى الإنسان أن يسعى لخلاص روحه ونفسه, بتوحيد الله وطاعته وعبادته وشكره واستغفاره, قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٨) وقال تعالى ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ (٩) وقال تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١٠) وكما أن الإنسان لديه استعدادا للطغيان فإن لديه أيضا قابلية للخضوع والاستخذاء قال تعالى عن قوم فرعون وقومه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (١١) وهكذا فإن القرآن انكر الطغيان كما انكر الاستخذاء ,وهما خلقان متلازمان فى المجتمعات, فحيثما يوجد أحدهما يوجد الآخر, وليس من منجى سوى الاستجابة لداعى الله فى التزام الحق والعدل والرحمة والخير, قال تعالى ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٢) وإذا أسرف الإنسان على
стр. 594
نفسه ونأى جنبا عن ربه, فإن باب التوبة مفتوح أمامه للعودة ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (١).
إن ما جُبلت عليه النفس الأمارة من سوء يقتضى من الإنسان الحذر منه ومدافعته, وإلا سقط فى المحذور وارتكب جرما بحق نفسه, أو بحقوق من حوله أو بحق الله تعالى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢) وقد لا يبدو السوء ظاهرا للعيان, بل مستورا بالخديعة والمكر, مزخرفا بالتزيين والتحسين, يحتاج الكشف عنه إلى العمل والتثبيت والعرض على كتاب الله تعالى وسنة المصطفى ﷺ وإجماع العلماء. قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وسمى القرآن هذا التزيين وسوسة كما فى قول الله تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ (٥).ولا شك أن قدرة الناس على معرفة الخير الخالص والحق المحض ليست واحدة, بل يتبع ذلك بصيرتهم ومعرفتهم بالشرع وتمييزهم للخير وللشر, فكلما تيقظت بصائرهم وزادت تقواهم وعظمت معرفتهم بالشرع وحدوده ,ازدادوا قدرة على تمييز نفحات الخالق وخطرات الخير, من وساوس الشيطان وتزيينه ونفثات النفس الأمارة ومكايدها.
ولا عذر لمن غفل عن الله وأهمل التعرف على أحكام الشرع بادعاء الجهل, فإن الله تعالى ذم أولئك الذين يلتبس عليهم الخير والشر ويفقدون القدرة على الرؤية الصحيحة فقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٦) وقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (٧).
وكيف يعذر من بلغته دعوة محمد -صلى الله عليه وسلم_ وفيها البيان والتبصير والمعرفة والتذكير, وقد قال ﵊: "إنَّ للشيطان لَمَّةً بابن أدم,
стр. 595
وللمَلَك لَمَّةً ,فأما لَمَّةُ الشيطان فإيعادُ بالشر وتكذيب بالحق, وأما لَمَّةً المَلَك فإيعاد بالخير وتصديقُ بالحق, فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ,فليحمَدِ الله ,ومن وجد الأخرى فليتعوَّذ بالله من الشيطان ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ (١)﴾ " (٢).
ولكن معرفة الخير والحق الذى يخطر بنفس المؤمن لا تتم إلا بمعرفة الدين عقيدةً وشريعةً, نظراً وتطبيقاً, لذلك أرسل الله الرسل لتبصير العباد وإنارة الدرب أمامهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٣).
خلو القرآن من التعارض:
ولا شك أن كلام الله تعالى وكلام رسوله المبلغ عنه يخلو من التناقض الذى قد يقع فى كلام البشر. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤)
لأن علم الله تعالى محيط, وإنما يقع فى التناقض من يقصر عن الإحاطة العلمية, أو يغفل عن جزئية فتشذ عن قاعدة يقعدها, أو استقراء يقوم به ,وأما الله الذى أحاط بكل شيء علماً, والذى لا يعزب عنه مثقال حبة فى الأرض ولا فى السماء, فمحال فى حقه التناقض والاختلاف فى القول, وكذلك رسول الله ﷺ فإن من المحال أن يتناقض فى كلامه, ولا يدخل فى ذلك أن ينسخ قوله اللاحق قوله السابق فإن النسخ وقع فى الكتاب والسنة معاً فى عصر التنزيل, ولكن قصور علم الإنسان المتلقى عن الله ورسوله وعدم إحاطته بالنصوص لكثرتها أو لعدم وصولها إليه أو لقصوره عن فهمها وحسن توجيهها توجيها صحيحا, أو لقلة بضاعته اللغوية أو عدم إتقانه الصناعة النحوية, أو لعدم معرفته بقواعد إزالة التعارض التى قعَّدها العلماء من المحدثين
стр. 596
والأصوليين ,مما عنونوا له بـ "تأويل مختلف القرآن" و"تأويل مختلف الحديث".
والمؤمن الواعى يتبع السلف الصالح فى طرائق البحث والاستنباط والترجيح. وإلا تاه وسط آلاف الروايات فى مجلدات التفسير والحديث. فإن استغلق عليه فهم أمر عقدي أو شرعي فليقل كما علمنا ربنا تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١).
حول ما يزعم من وجود الإعجاز الرياضى فى القرآن:
قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢).
لقد جائت هذه الآيات فى سورة المدثر بعد ذكر موقف الوليد بن المغيرة من الإسلام ,وقوله عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٣).وكان الوليد من رجلات قريش ,كثير المال والولد, حسن المعرفة بالشعر ,وبأفانين الكلام, مما يجعله واعيا لكلام الله تعالى مميزا له ,لكنه آثر الكفر عنادا منه للحق, واستكبارا وبطرا وجحودا للنعم العظيمة التى أنعمها الله عليه, مع أنه كان يطمع فى المزيد من النعم, ولعله كان يطمع فى النبوة بعد أن نالته حظوظ الدنيا شبع منها. فيكون الحسد أحد بواعث إنكاره لنبوة محمد ﷺ ,فمضى يعين قومه فى دعايتهم ويوجههم فيها, مدعيا أن القرآن سحر يأخذه الرسول ﷺ عن غيره, ويؤكد لهم أنه لقول بشر كما يذكر القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٤).
стр. 597
مع أن المغيرة كان يعلم تماما أنه ليس من كلام البشر, فقد وَضَّحَ لقومه مباينة القرآن لكلام الكهان ومفارقته لشعر الشعراء, ومن هنا توعده الله تعالى بأن يصليه سقر وهو اسم علم لباب من أبواب جهنم, ناره لا تبقى من فيها حيا ولا تذره ميتا, بل تحرقه كلما تجدد خلقه ليخلد فى العذاب ,وهى "لوَّاحة للبشر" تحرق البشرة, التى تتجدد دوماً ,فتبقى حاسة المعذب كاملة ,فلا تخف معاناته على الدوام ,ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (١).
وقد أخبر الله تعالى رسوله- ﷺ بأن سقر عليها تسعة عشر خازنا من الملائكة, وذلك أن أبا جهل ظنهم رجالا فزعم أن عدد قريش كثير, وأنهم يغلبون تسعة عشر رجلا, فبين تعالى أنهم ملائكة, وأن ذكر عددهم المحدود فيه فتنة للمشركين الذين استقلوا عددهم وطمعوا فى غلبتهم, وبين تعالى أن عدد خزنة النار مذكور أيضا في التوراة والإنجيل ,وأن هذا الإتفاق فى العدد لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا ,فيزيد يقين أهل الكتاب والمؤمنين بصحة نبوة أنبيائهم وصدق كتبهم, وأما المشركون فيزدادون شكا ونفاقا فى حقيقة البعث والنار التى وصفها القرآن بأنها تذكرة للبشر ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢).
ويتضح من النص القرآنى وكلام السلف فى بيان معناه أن عدد خزنة النار هم تسعة عشر خازنا, وأنهم من الملائكة, وأن الرقم "تسعة عشر" ليس لغزا غامضا ليأتى الباحثون فى القرن العشرين ,فيدخلوا القرآن فى الكمبيوتر ثم يحلوا لغز الرقم , وعندها يتجلَّى لهم مالم يتجلَّ لرسول الله ﷺ من أوجه الإعجاز القرآنى -فيما يزعمون-!!!
فقد ظهرت خلال العقود الثلاثة دراسات مبينة على أنه ثمة إعجازا رياضيا فى القرآن, وأن هذا الإعجاز كشف عنه الكمبيوتر حيث أظهر أن ثمة خصوصية للرقم "تسعة عشر" فى القرآن حيث تبين الدراسات التى استعانت بالعقل
стр. 598
الآلى أن عدد حروف البسملة تسعة عشر حرفا, وأن كل كلمة منها يتكرر ذكرها فى القرآن تسعة عشر مرة, وأن فواتح السور وردت فى تسع وعشرين سورة, ومجموع حروف الفواتح أربعة عشر حرفا فيكون رقم جمعها سبعة وخمسين ,وهو من مضاعفات رقم تسعة عشر.
ومن خلال التركيز على رقم تسعة عشر يظهر أن بناء القرآن يقوم على هذا الرقم قصدا مما يدل على الإعجاز الرياضى حيث يستحيل على إنسان أن يقيم نظما وفق رقم تسعة عشر ومضاعفاته مما يدل على الإعجاز.
وبناء على هذه المقدمات وصل الباحثون المعاصرون إلى نقض كلام المفسرين القدامى ,بل ومعارضة النص القرآنى الذي بين أن خزنة النار تسعة عشر ملكا ,بالقول بأن التسعة عشر التى ذكرت إنما هى عدد حروف البسملة وليست عدد خزنة النار.
وقد يبدو للسذج أن الكشف عن أوجه جديدة للإعجاز القرآنى يخدم قضية الإسلام والإيمان فى هذا العصر. ولكن الصحيح أنها تزيد من الحيرة والشك عندما تبنى استنتاجاتها على أسس واهية ومصادافات واتفاقات اعتباطية ساذجة, فالقرآن لا يحمل ألغازا يكشف عنها الكمبيوتر ,ونبي الإسلام ﵊ لم يكن يجهل معانى القرآن وطريقة نظمه وأوجه إعجازه ,ولم يخبر بأن ثمة أوجها للإعجاز سيكشف عنها الزمان .. والحق أنه ليس فيما ذكره الباحثون بواسطة الكمبيوتر ما يدل على وجود إعجاز رياضى ,وإنما هى بحوث تلفيقية لجأت إلى ملاحظة ظواهر متكررة بالنسبة للرقم تسعة عشر, ويمكن أن يلاحظ هذا الأطراد والتكرار بالنسبة لأرقام أخرى فلا تبقى ثمة خصوصية للرقم (تسعة عشر) ,وسواء أكان الحافز على مثل هذه الدراسات الرغبة فى الإثارة والتجديد ,أو الارتباط بجهات مشبوهة يعنى الرقم تسعة عشر عندها معنى تحيطه الأسرار والألغاز ,فإن على المسلم أن يحذر هذه الدراسات ولا يطمئن إلا لكلام أهل العلم المعروفين بالصدق والغيرة على دين الله.
стр. 599
إن إعجاز القرآن فى نظمه وأسلوبه ,وقد تحدَّى العرب-وهم أمة البلاغة والفصاحة- أن يأتوا بمثله فعجزوا ,ودام التحدى عبر تاريخ الإسلام دون أن يحقق الأعداء استجابة ناجحة للتحدى .. ثم أن شريعة الإسلام بما تضمنته من أحكام عادلة وعبرت عنه من رؤية شاملة لمصالح البشر وتقدير لآمالهم وآلامهم ,وتحديد دقيق لعلاقاتهم ,وإبراز للحق والواجب ,وكل ذلك بنى على مراعاة المصلحة والتيسير للناس ورفع الحرج عنهم ومنع التعسف والظلم. وكذلك فقد مضى على نزول القرآن أكثر من أربعة عشر قرنا دون أن يظهر العلم المتطور والبحث المتقدم أية تناقضات بين ما ذكره القرآن وما كشف عنه علم الإنسان النظرى والتجريبى فهذا كله دليل على أن القرآن من عند الله وليس كلام محمد ﷺ ,بل أن الفرق واضح بين بين أسلوب القرآن وأسلوب الرسول كما يظهر فى أحاديثه. ومعروف لدى نقاد الأدب استحالة أن يكتب الكاتب بأسلوبين متمايزين تمايز أسلوبي القرآن والحديث. وهذه الأوجه تغنى عن محاولة افتعال أوجه أخرى للإعجاز مثل فكرة الإعجاز الرياضى التى لم تبن على حقائق العلم بل استغلت موافقات معينة لخدمة أهداف مريبة سواء اتصلت بتدعيم مكانة الرقم تسعة عشر عند البابيين والبهائيين ,أو بالكسب المادى عن طريق الإثارة وادعاء التجديد مما يؤدى إلى رواج المنشور-وانخداع السذج بما فيها من معلومات غريبة ظاهرها خدمة الإيمان ,وباطنها التشكيك والنقض لأقوال السلف بل ولصريح القرآن.
وقد حذَّر رسول الله- ﷺ من تفسير القرآن بالرأى دون دليل فقال: (من قال فى القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النار) (١).وقال ﵊: (من قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ) (٢).
стр. 600
إنَّ القرآن معجزة بيانية ,وإن تشريعاته المحكمة دليل على أنه من عند الله ولكنه ليس المعجزة الوحيدة لمحمد- ﷺ كما ذهب إلى ذلك البعض من مؤلفى السيرة النبوية المعاصرين (١). بل ثمة معجزات أخرى ثابتة بأحاديث صحيحة لا يمكن ردها أو تأويلها ,وليس من داع لإنكارها سوى الخضوع لمنهج البحث المادى الذى ينكر ما وراء الطبيعة من عالم الغيب والروح.
وفيما يلى أعرض للمعجزات الحسية التى جرت فى عصر السيرة.