← Сира

Сира · id 122396

السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية

أكرم العمري

Полный текст (707 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والأصوليين ,مما عنونوا له بـ "تأويل مختلف القرآن" و"تأويل مختلف الحديث". والمؤمن الواعى يتبع السلف الصالح فى طرائق البحث والاستنباط والترجيح. وإلا تاه وسط آلاف الروايات فى مجلدات التفسير والحديث. فإن استغلق عليه فهم أمر عقدي أو شرعي فليقل كما علمنا ربنا تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١). حول ما يزعم من وجود الإعجاز الرياضى فى القرآن: قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢). لقد جائت هذه الآيات فى سورة المدثر بعد ذكر موقف الوليد بن المغيرة من الإسلام ,وقوله عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٣).وكان الوليد من رجلات قريش ,كثير المال والولد, حسن المعرفة بالشعر ,وبأفانين الكلام, مما يجعله واعيا لكلام الله تعالى مميزا له ,لكنه آثر الكفر عنادا منه للحق, واستكبارا وبطرا وجحودا للنعم العظيمة التى أنعمها الله عليه, مع أنه كان يطمع فى المزيد من النعم, ولعله كان يطمع فى النبوة بعد أن نالته حظوظ الدنيا شبع منها. فيكون الحسد أحد بواعث إنكاره لنبوة محمد ﷺ ,فمضى يعين قومه فى دعايتهم ويوجههم فيها, مدعيا أن القرآن سحر يأخذه الرسول ﷺ عن غيره, ويؤكد لهم أنه لقول بشر كما يذكر القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٤).

стр. 597

مع أن المغيرة كان يعلم تماما أنه ليس من كلام البشر, فقد وَضَّحَ لقومه مباينة القرآن لكلام الكهان ومفارقته لشعر الشعراء, ومن هنا توعده الله تعالى بأن يصليه سقر وهو اسم علم لباب من أبواب جهنم, ناره لا تبقى من فيها حيا ولا تذره ميتا, بل تحرقه كلما تجدد خلقه ليخلد فى العذاب ,وهى "لوَّاحة للبشر" تحرق البشرة, التى تتجدد دوماً ,فتبقى حاسة المعذب كاملة ,فلا تخف معاناته على الدوام ,ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (١). وقد أخبر الله تعالى رسوله- ﷺ بأن سقر عليها تسعة عشر خازنا من الملائكة, وذلك أن أبا جهل ظنهم رجالا فزعم أن عدد قريش كثير, وأنهم يغلبون تسعة عشر رجلا, فبين تعالى أنهم ملائكة, وأن ذكر عددهم المحدود فيه فتنة للمشركين الذين استقلوا عددهم وطمعوا فى غلبتهم, وبين تعالى أن عدد خزنة النار مذكور أيضا في التوراة والإنجيل ,وأن هذا الإتفاق فى العدد لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا ,فيزيد يقين أهل الكتاب والمؤمنين بصحة نبوة أنبيائهم وصدق كتبهم, وأما المشركون فيزدادون شكا ونفاقا فى حقيقة البعث والنار التى وصفها القرآن بأنها تذكرة للبشر ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢). ويتضح من النص القرآنى وكلام السلف فى بيان معناه أن عدد خزنة النار هم تسعة عشر خازنا, وأنهم من الملائكة, وأن الرقم "تسعة عشر" ليس لغزا غامضا ليأتى الباحثون فى القرن العشرين ,فيدخلوا القرآن فى الكمبيوتر ثم يحلوا لغز الرقم , وعندها يتجلَّى لهم مالم يتجلَّ لرسول الله ﷺ من أوجه الإعجاز القرآنى -فيما يزعمون-!!! فقد ظهرت خلال العقود الثلاثة دراسات مبينة على أنه ثمة إعجازا رياضيا فى القرآن, وأن هذا الإعجاز كشف عنه الكمبيوتر حيث أظهر أن ثمة خصوصية للرقم "تسعة عشر" فى القرآن حيث تبين الدراسات التى استعانت بالعقل

стр. 598

الآلى أن عدد حروف البسملة تسعة عشر حرفا, وأن كل كلمة منها يتكرر ذكرها فى القرآن تسعة عشر مرة, وأن فواتح السور وردت فى تسع وعشرين سورة, ومجموع حروف الفواتح أربعة عشر حرفا فيكون رقم جمعها سبعة وخمسين ,وهو من مضاعفات رقم تسعة عشر. ومن خلال التركيز على رقم تسعة عشر يظهر أن بناء القرآن يقوم على هذا الرقم قصدا مما يدل على الإعجاز الرياضى حيث يستحيل على إنسان أن يقيم نظما وفق رقم تسعة عشر ومضاعفاته مما يدل على الإعجاز. وبناء على هذه المقدمات وصل الباحثون المعاصرون إلى نقض كلام المفسرين القدامى ,بل ومعارضة النص القرآنى الذي بين أن خزنة النار تسعة عشر ملكا ,بالقول بأن التسعة عشر التى ذكرت إنما هى عدد حروف البسملة وليست عدد خزنة النار. وقد يبدو للسذج أن الكشف عن أوجه جديدة للإعجاز القرآنى يخدم قضية الإسلام والإيمان فى هذا العصر. ولكن الصحيح أنها تزيد من الحيرة والشك عندما تبنى استنتاجاتها على أسس واهية ومصادافات واتفاقات اعتباطية ساذجة, فالقرآن لا يحمل ألغازا يكشف عنها الكمبيوتر ,ونبي الإسلام ﵊ لم يكن يجهل معانى القرآن وطريقة نظمه وأوجه إعجازه ,ولم يخبر بأن ثمة أوجها للإعجاز سيكشف عنها الزمان .. والحق أنه ليس فيما ذكره الباحثون بواسطة الكمبيوتر ما يدل على وجود إعجاز رياضى ,وإنما هى بحوث تلفيقية لجأت إلى ملاحظة ظواهر متكررة بالنسبة للرقم تسعة عشر, ويمكن أن يلاحظ هذا الأطراد والتكرار بالنسبة لأرقام أخرى فلا تبقى ثمة خصوصية للرقم (تسعة عشر) ,وسواء أكان الحافز على مثل هذه الدراسات الرغبة فى الإثارة والتجديد ,أو الارتباط بجهات مشبوهة يعنى الرقم تسعة عشر عندها معنى تحيطه الأسرار والألغاز ,فإن على المسلم أن يحذر هذه الدراسات ولا يطمئن إلا لكلام أهل العلم المعروفين بالصدق والغيرة على دين الله.

стр. 599

إن إعجاز القرآن فى نظمه وأسلوبه ,وقد تحدَّى العرب-وهم أمة البلاغة والفصاحة- أن يأتوا بمثله فعجزوا ,ودام التحدى عبر تاريخ الإسلام دون أن يحقق الأعداء استجابة ناجحة للتحدى .. ثم أن شريعة الإسلام بما تضمنته من أحكام عادلة وعبرت عنه من رؤية شاملة لمصالح البشر وتقدير لآمالهم وآلامهم ,وتحديد دقيق لعلاقاتهم ,وإبراز للحق والواجب ,وكل ذلك بنى على مراعاة المصلحة والتيسير للناس ورفع الحرج عنهم ومنع التعسف والظلم. وكذلك فقد مضى على نزول القرآن أكثر من أربعة عشر قرنا دون أن يظهر العلم المتطور والبحث المتقدم أية تناقضات بين ما ذكره القرآن وما كشف عنه علم الإنسان النظرى والتجريبى فهذا كله دليل على أن القرآن من عند الله وليس كلام محمد ﷺ ,بل أن الفرق واضح بين بين أسلوب القرآن وأسلوب الرسول كما يظهر فى أحاديثه. ومعروف لدى نقاد الأدب استحالة أن يكتب الكاتب بأسلوبين متمايزين تمايز أسلوبي القرآن والحديث. وهذه الأوجه تغنى عن محاولة افتعال أوجه أخرى للإعجاز مثل فكرة الإعجاز الرياضى التى لم تبن على حقائق العلم بل استغلت موافقات معينة لخدمة أهداف مريبة سواء اتصلت بتدعيم مكانة الرقم تسعة عشر عند البابيين والبهائيين ,أو بالكسب المادى عن طريق الإثارة وادعاء التجديد مما يؤدى إلى رواج المنشور-وانخداع السذج بما فيها من معلومات غريبة ظاهرها خدمة الإيمان ,وباطنها التشكيك والنقض لأقوال السلف بل ولصريح القرآن. وقد حذَّر رسول الله- ﷺ من تفسير القرآن بالرأى دون دليل فقال: (من قال فى القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النار) (١).وقال ﵊: (من قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ) (٢).

стр. 600

إنَّ القرآن معجزة بيانية ,وإن تشريعاته المحكمة دليل على أنه من عند الله ولكنه ليس المعجزة الوحيدة لمحمد- ﷺ كما ذهب إلى ذلك البعض من مؤلفى السيرة النبوية المعاصرين (١). بل ثمة معجزات أخرى ثابتة بأحاديث صحيحة لا يمكن ردها أو تأويلها ,وليس من داع لإنكارها سوى الخضوع لمنهج البحث المادى الذى ينكر ما وراء الطبيعة من عالم الغيب والروح. وفيما يلى أعرض للمعجزات الحسية التى جرت فى عصر السيرة.

стр. 601

معجزات الرسول الحسية كان المشركون يطالبون رسول الله ﷺ بالآيات الحسية التى تخرق سنن الحياة وقوانين الطبيعة, وكانوا يقصدون من وراء طلبهم إظهار عجزه عن ذلك والسخرية منه ولعل المؤمنين-وقد ضاقت بهم السبل-كانوا يتطلعون إلى الاستجابة لطلب المشركين رجاء إيمانهم ,خاصة أن المشركين كانوا يحلفون ويؤكدون بأنهم سيستجيبون للإسلام حال ظهور المعجزات الخارقة. لكن الإسلام لم يعتمد على المعجزات الخارقة فى اجتذاب قلوب الناس إلى الإيمان, بل اعتمد على إقناع عقولهم واجتلاب قلوبهم وملء وجدانهم بمعانى القرآن, الذى يمثل المعجزة الدائمة الباقية, مما يمكن الأجيال المتعاقبة إلى التأثر بهذه المعجزة البيانية ,وما تحمل من معانى الحق والصدق, وما تزخر به من سمو التشريع ,وحسن الإرشاد إلى مكارم الأخلاق ,فضلا عن قوة التأثير الروحى والنفسي فى السامع والقارئ. وقد أخبر الله تعالى بأن المشركين لن يؤمنوا حتى لو جاءتهم المعجزات الخارقة, لأن الله تعالى يقلب افئدتهم وأبصارهم ,ولا يريد هدايتهم ,فهم أهل عناد واستهزاء وجحود للحق, مثلهم لا يستسلم للحق مهما وضح لهم وسوف يجدون لكل آية تأويلا ,ولكل معجزة تفسيرا ,إذ أنهم طبعوا على الكفر والتمرد على الله تعالى ,ومن كان هذا حاله لا يعدم التأويلات والتفسيرات والظنون والتقولات قريبة وبعيدة. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١).

стр. 602

وما دامت الهداية بيد الله وحده, فمن لم يشأ أن يهديه لا يهتدى حتى ولو رأى الملائكة عياناً وكلمه الموتى جهارا وعاين كل شئ معاينة فانجلى له الأمر تماما ,وهذا فيمن كتب الله عليهم الشقاء ,وأما من كتب لهم السعادة والإيمان فهم الذين استثناهم الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقد أكد القرآن على هذه الحقيقة فى آيات كثيرة .. فقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ (١). وهنا يكشف الله تعالى عن حقيقة أخرى هى سنته فى الكافرين إذا جحدوا المعجزة الحسية ,فهو يعجل لهم العقاب ولا يفسح لهم الوقت للتوبة ,فكان عدم إجابة طلب المشركين رحمة بهم وإنظارا لهم ليثوب إلى الحق من كتبت له السعادة والإيمان ,وأما أهل الشقاء فلن تغير المعجزات مصيرهم مهما بلغت عظمتها واتسع خرقها لقوانين الحياة والطبيعة, وكما قال تعالى فى آية أخرى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (٢). وهكذا حتى لو استجاب الحق لطلب المشركين المعجزات الحسية ,فإنهم سيتأولونها بأعمال السحرة, ويبطلون حجيتها عنادا واستكبارا ,تحقيقا لما كتبه الله عليهم من الشقاء. وهكذا فإن المعجزة القرآنية انفردت بالظهور والتأثير الكبير ,لما تتسم به من خلود يتسق مع خلود الرسالة الإسلامية وعمومها, أما بقية المعجزات الحسية فقد ظهرت غالبا للصحابة رضوان الله عليهم, وكان أمر النبي ﷺ لهم بينا, وقد استجابوا لدعوته قبل ظهورها ,فلم تكن سببا فى إيمانهم ,وإنما كان إطلاعهم على أحواله عليه الصلاة واسلام وكرامته على الله تعالى مما يزيد فى انشراح صدورهم وطمأنينة قلوبهم, بل كثيرا ما وقعت المعجزات الحسية لإزالة الكرب

стр. 603

عنهم أو سد جوعهم أو إلحاق الهزيمة بعدوهم. أما المعجزة القرآنية فكانت تحديا مباشرا للكفار وسببا فى إسلام من أسلم منهم بالإضافة إلى تأثير شخص النبي-صلى لله عليه وسلم- فى حسن خلقه الجم ,ولطف حديثه ,وكمال معانيه وسدادها. قال ابن تيمية ﵀ فى كتاب النبوات: "والقرآن مما يعلم الناس -عربهم وعجمهم - أنه لم يوجد له نظير له مع حرص العرب وغير العرب على معارضته, فلفظه آية, وأخباره آية, وأمره ونهيه, ووعده ووعيده آية, وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية, وإذا ما ترجم بغير العربي كانت معانيه آية, كل ذلك لا يوجد له نظير فى العالم" (١). وهذا تفصيل جميل لأوجه الإعجاز القرآنى لفظا ومعنى, وقد بين الرسول ﷺ مكانة المعجزة القرآنية فى دعوته ,وأنها الغالبة على سائر معجزاته فقال: "ما من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ,فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" (٢). ورجاؤه ﷺ أن يكون أكثر اتباعا ممن سبقه من الأنبياء لخلود رسالته ,وخلود معجزاته القرآنية التى تكفل انضواء اتباع جدد تحت رايته حتى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥).

стр. 604

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٢). وهكذا تحدى القرآن الأجيال البشرية عبر القرون بأن يأتوا بمثل هذا القرآن ,أو بعشر سور مثله أو بسورة مثله ,أو بحديث مثله, فلم يجب أحد على تحديه, فبان أنه أنزل بعلم الله. إن إنكار البعض للمعجزات الحسية غير القرآن لا وجه له ,فقد ثبتت بالأحاديث الصحيحة المستفيضة, فمعناها متواتر من حيث الدلالة على وقوع معجزات للنبي ﷺ فيها خرق للناموس الطبيعى, كما فى حادثة شق الصدر فى العام الخامس من عمره ﷺ .ثم تكرر ذلك قبل الإسراء والمعراج وهو فى الثانية والخمسين من عمره, وكلتا الحادثتين فى الصحيحين. فعن أنس بن مالك -رضى الله عنه-: "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان ,فأخذه فصرعه فشق عن قلبه, فاستخرج القلب, فاستخرج منه علقة, فقال: هذا حظ الشيطان منك, ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم, ثم أعاده فى مكانه ,وجاء الغلمان يسعون -يعنى ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل فاستقبوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره" (٣). وفى الصحيحين عن أنس قال: "كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: خرج سقف بيتى وأنا بمكة , فنزل جبريل ,ففرج صدرى ثم غسله بماء زمزم, ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه فى صدرى, ثم أطبقه, ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء الدنيا" (٤). ولا شك أن خبر شق الصدر لا تتقبله عقول الماديين ,أما المؤمنون بالغيب فهم يسلمون به تبعا لتسليمهم بالوحى والنبوة ,وهما خرق للقانون المادى ,لا

стр. 605

تقبله الفلسفات الحسية لأنه ظاهرة لا يمكن إخضاعها لتجاريب المختبرات , ولكن الإيمان بالغيب شرط الإسلام: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (١). كان المشركون إذا يطالبون النبي ﷺ بالمعجزات الحسية ,واعدين بالإيمان إذا رأوا وسمعوا ,ولم يعتمد منهج الدعوة المحمدية أسلوب المعجزات الحسية فى هداية الناس إلى الله ونبيه ورسالته اعتمادا كبيرا, ولكن السيرة المحمدية لم تخل من خرق للسنن الطبيعية ,لكن الخرق كان يحدث أمام المؤمنين غالبا ولم يكن سببا فى إيمانهم ,لكنه كان يطمئن قلوبهم ويزيدهم إيمانا ,فضلا عن رفع الشدائد وحل الأزمات وتيسير الصعاب عليهم. ومن الأحداث النادرة التى استجاب الله تعالى فيها لتحدى المشركين ما رواه البخارى فى صحيحه من "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية, فأراهم إنشقاق القمر فقال ﵊: اشهدوا" (٢). وقد فصل حديث صحيح حادثة انشقاق القمر فى المرحلة المكية من حديث الصحابى جبير بن مطعم -رضى الله عنه- قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصارت فرقتين, فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل, فقالوا: سحرنا محمد وقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم) (٣).ولم يكن قولهم سحرنا محمد تعبيرا عن اقتناعهم , وإنما كان ذريعة للتخلص من وعدهم بالإيمان عند رؤية المعجزة ,فالفرق بين معجزة النبى وعمل الساحر ظاهر ,فهم لم يألفوا من رسول الله تعلم السحر وتعاطيه, ولذلك لم يجر على لسان المشكرين بيان اكتسابه ومن علمه إياه. ثم إن النبى يريد هدايتهم إلى الحق وليس جرَّ نفع لنفسه كما هو شأن الساحر. وإذا كان انشقاق القمر استجابة لطلب المشركين وكشفاً لعنادهم وكذبهم فإنَّ حادثة الإسراء والمعراج وما رافقها من وصف دقيق لبيت المقدس قدَّمه الرسول

стр. 606

عليه الصلاة والسلام أمام المشركين ولم يكن قد رآه, وما رأى من آيات ربه الكبرى فى المعراج كل ذلك كان معجزة دون أن يطالبه بها أحد ,بل كانت فتنة وامتحانا ميزت بين المؤمنين والكافرين. وقد وقعت معجزات حسية أخرى للرسول ﷺ أمام بعض المشركين فى أوقات متابينة من المرحلة المدنية, لكنها لم تؤد إلى إيمان أحد منهم بصورة مباشرة استجابة لقهر المعجزة, بل تأخر إيمانهم بعدها حين شاء الله لهم الهداية, فقد حدث فى أحد أسفار الرسول ﷺ مع الصحابة أن نفد الماء ,فأرسل اثنين من الصحابة يرتادان المياه, فلم يجدا ماء بل وجدا امرأة تحمل مزداتين من ماء على بعير لها, فقدما بها إلى رسول الله ﷺ -ففرغ من مائها فى إناء ثم سقى الناس منه, ثم أعاد إليها المزداتين كاملتين مع هدايا من الطعام ,وقال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذى اسقانا, فلما رجعت المرأة إلى أهلها قالت عنه فعل كذا وكذا, فوالله إنه لأسحر الناس, أو إنه لرسول الله حقا ولم تسلم وقومها إلا بعد حين (١). فرغم ما لاحظته المرأة من المعجزة الحسية الظاهرة, فإنها لم تسلم نتيجة ذلك لأن العقل الكافر قد يخلط ما بين معجزة النبي والسحر عند شيوع الجهل وضعف الوعى وانعدام التمييز بين الحق والباطل. ومثل هذا تكرر مع رجل من بنى عامر-فيما يرويه الإمام أحمد بسند صحيح قال: (أتى النبي ﷺ رجل من بنى عامر فقال: يا رسول الله أرنى الخاتم الذي بين كتفيك فإنى من أطب الناس. فقال رسول الله ﷺ ألا أريك آية؟ قال: بلى. قال فنظر إلى نخلة فقال: ادعى ذلك العَذْقَ. قال: فدعاه فجاء ينقر حتى قام بين يديه. فقال له رسول الله ﷺ :ارجع فرجع مكانه. فقال العامرى: يا آل عامر ما رأيت كاليوم رجلا أسحر) (٢).

стр. 607

ولكن أمر المرأة صاحبة المزادة والرجل العامرى يختلف عن موقف قريش, لأن المرأة والعامرى لم يكونا يعرفان الرسول- ﷺ ,كما كانت قريش تعرف من صدقه وحسن سيرته وجوانب دعوته, وأنه رفض عروضها الدنيوية ,وهى مطلب الساحر ومراده من السحر. والحق أن اطلاع المشركين على المعجزات الحسية للرسول ﷺ كان قليلا إلى جانب المعجزات الحسية الكثيرة التى شهدها المؤمنون فازدادوا إيمانا واستبشاراً .. قال عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه-: (كنا نعد الآيات بركة ,وأنتم تعدونها تخويفا, كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر فقلَّ الماء فقالوا: اطلبوا فضلة من ماء, فجاءوا بآناء فيه ماء قليل ,فأدخل يده فى الإناء ثم قال: حىَّ على الطهور المبارك, والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ,ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) (١). وقد استفاضت الأخبار الصحيحة فى تكثير الماء والطعام بين يديه فى السفر والحضر, فقد توضأ سبعون صحابياً فى قدح فيه ماء يسير مدّ النبي فيه أصابعه الأربع, ومرة أخرى توضأ زهاء ثلثمائة من إناء وضع الرسول ﷺ يده فيه ,فجعل الماء ينبع من بين أصابعه (٢). وقد تكرر منه ذلك فى الحديبية مرارا ,فقد نزل المسلمون على ثمد قليل الماء فنزحوه, واشتكوا إلى رسول الله ﷺ -العطش "فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ,فوالله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه" (٣). ومرة أخرى فى الحديبية عطش الناس وبين يدى النبي ركوة فتوضأ منها ,واشتكى الناس إليه أن ليس عندهم ماء للشرب وللوضوء غير ما فى الرَّكوة ,فوضع يده فى الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون ,فشرب ألف وخمسمائة من الصحابة وتوضأوا. وهذا الخبر يرويه جابر بن عبد الله فى صحيح البخارى ,وقد شهده العيان من الصحابة وهم جمع غفير ,وما أنكره أحد (٤).

стр. 608

ومن ذلك ما حدث فى غزوة تبوك حيث أخبر معاذ بن جبل بأن عين ماء تبوك كانت تبضُّ بشئ من ماء, وأن المقاتلين وقفوا عليها ,ومعروف أن جيش تبوك هو أكبر جيش قاده رسول الله ﷺ فماذا يجدى معهم ماء لا يكفى للرجل الواحد إلا بعد جمعه فى إناء! فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن يديه ووجهه بماء جمع له من العين في إناء, ثم أعاده فى العين فجرت بماء منهمر, فقال لمعاذ: "يوشك يا معاذ أن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا" (١). وكذلك فقد استفاضت الأخبار الصحيحة فى تكثير الطعام بين يديه ﵊, منها حديث جابر بن عبد الله -رضى الله عنه-فى الخندق, حيث رأى النبي ﷺ يعصب بطنه بحجر من الجوع, فقد لبث المسلمون ثلاثة أياما لا يذوقون طعاما ,فطلب جابر من امرأته أن تصنع طعاما فذبحت ماعزا وطحنت شعيرا, فصنعت من اللحم والشعير برمة ,وذهب جابر فدعا رسول الله ﷺ إلى طعامه قائلا: طعيم لى فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان ,فصاح النبي بأهل الخندق ودعاهم إلى طعام جابر وهم ألف ,فأسقط فى يد جابر واشفق من قلة الطعام ,فبارك النبي فى الطعام قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا, وإن برمتنا لتغط كما هى, وإن عجيننا ليخبز كما هو (٢). وقد تكرر تكثير الطعام فى وليمة زواجه- ﷺ من زينب رضى الله عنها ,فقد أهدت له أم سليم حَيْسةً فى برمة صنعتها من تمر وسمن وأقط, فدعا النبى- ﷺ رجالا غصَّ بهم البيت ودعا بما شاء الله له من الدعاء ثم أكلوا منها جميعاً (٣). وفى غزوة تبوك نفدت أزواد المسلمين حتى هموا بنحر بعض إبلهم التى تحملهم ,فقال عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-:يا رسول الله لو جمعت ما بقى من أزواد القوم فدعوت الله عليها ففعل, فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره

стр. 609

فدعا عليها حتى ملأ القوم أزودتهم فقال ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة (١). وقال أبو هريرة-رضى الله عنه-: (أتيت النبي ﷺ -بتمرات ,فقلت أدع الله لى فيهن بالبركة. قال: فصفَّهنَّ بين يديه ثم دعا. فقال لي: اجعلهن فى مزود وأدخل يدك ولا تنثره, قال فحملت منه كذا وكذا وسقا فى سبيل الله ونأكل ونطعم ,وكان لا يفارق حقوى فلما قتل عثمان -رضى الله عنه -انقطع عن حقوى فسقط (٢). ومن هذه المعجزات الحسية الطبيَّة أن عبد الله بن عتيك عندما ذهب لقتل اليهودى أبى رافع لما كان يفعل من أذى الرسول والإعانة عليه, سقط عبد الله من درجة فى بيت أبى رافع, فانكسرت ساقه ,فلما رجع فأخبر رسول الله بقتل أبي رافع وأن رجله انكسرت قال له رسول الله ﷺ :ابسط رجلك. قال: فبسطت رجلى فمسحها فكأنَّها لم اشتكها قط (٣). وأصيبت ساق سلمة بن الأكوع فى غزوة خيبر فأتى النبى ﷺ قال سلمة: فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة (٤). وذهبت خالة السائب بن يزيد به وهو صغير إلى النبي- ﷺ -فقالت: إن ابن أختى شاك فادع الله له, فدعا له. فمات السائب وهو ابن أربع وتسعين وكان جلدا معتدلا, فكان يقول: لقد علمت ما متعت به سمعى وبصرى إلا بدعاء النبي ﷺ (٥). ومسح رسول الله على وجه قتادة بن ملحان, فصار كأن على وجهه الدهان ,أو كالمرآة تنعكس عليه الأشياء (٦).

стр. 610

وأما إخباره ﷺ بالأمور المغيَّبة ,فهو لا يدل بالطبع على معرفة الغيب إذ ليس ذلك إلا لله وحده, ولكنه يخبر بما يعلمه الله بواسطة الوحى, فعن أبي هريرة-رضى الله عنه-:أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي فى اليوم الذى مات فيه, خرج إلى المصلى فصفَّ وكبَّر أربعا (١). ومن ذلك إخباره ﷺ عن استشهاد القادة الثلاثة فى غزوة مؤتة ,قبل وصول الخبر إلى المدينة ,فقال ﷺ : "أخذ الراية زيد فأصيب ,ثم أخذها جعفر فأصيب ,ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ,وإن عينى رسول الله ﷺ لتذرفان ,ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له" (٢). ومن ذلك ما رواه أبو حميد الساعدى فى سياق غزوة تبوك: "وانطلقنا حتى قدمنا تبوك, فقال رسول الله ﷺ : "ستهبُّ عليكم الليلة ريح شديدة, فلا يقم فيها أحد منكم, فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة, فقام رجل فحملته الريح حتى القته بجبلي طيئ" (٣). وعندما قدَّمت له امرأة طعاماً مع جمع من أصحابه فلاك لقمة فى فمه ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير أذن أهلها؟ فقالت المرأة: يا رسول الله إنى أرسلت إلى البقيع يشترى لى شاة. فلم أجد, فأرسلت إلى جار لى قد اشترى شاة أن أرسل إلى بها بثمنها, فلم يوجد, فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلى بها فقال رسول الله ﷺ أطعميه الأساري" (٤). وأما عصمة الله تعالى له فقد روى الصحابي جابر بن عبد الله (أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد, فلما قفل رسول الله ﷺ -قفل معه, فأدركته القائلة فى واد كثير العضاه, فنزل رسول الله- ﷺ ,وتفرق الناس يستظلون بالشجر,

стр. 611

فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة وعلق سيفه، ونمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا وإذ عنده أعرابي فقال: إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله - ثلاثا -، ولم يعاقبه وجلس" (١). ومما يدل على عصمة الله له ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: "قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنَّ وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئتهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتَّقي بيديه. قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا" (٢). وأما إحساس النبات والجماد به ومخاطبته لهما فمن ذلك حديث جابر بن عبد الله قال: "إن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا؟ قال: إن شئت. فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكَّت حتى استقرَّت" (٣). ومن ذلك قوله ﷺ : "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" (٤). ومن ذلك حديث عائشة ﵂: "كان لآل رسول الله وحش، فكان إذا خرج رسول الله ﷺ اشتدَّ ولعب في البيت، فإذا دخل رسول الله ﷺ سكن ولم يتحرك كراهية أن يؤذيه" (٥).

стр. 612

وقد نهى رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار عن أذى جمل قائلا: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكاك إليَّ وزعم إنك تجيعه وتُدئبُهُ" (١). وقد رمى رسول الله ﷺ المشركين بالتراب في وجوههم في عدة مواقف من السيرة، فكان للتراب أثر في هزيمتهم. كما أخبر شهود عيان من الصحابة رضوان الله عليهم، فأخبر العباس بن عبد المطلب وسلمة بن الأكوع أنه ﷺ لما غشيه المشركون في غزوة حنين، نزل عن بغلته فأخذ ترابا أو حصيات من الأرض، ثم استقبل به وجوهم فقال: "شاهت الوجوه. فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين" (٢). وقد أخبر عبد الله بن عباس (أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأينا محمدا قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله. قال: فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت على أبيها فقالت له: ما علمت .... " قال: يا بنية أدني وضوءا فتوضأ، ثم دخل المسجد فلما رأوه قالوا هو هذا. منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رءوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه. قال: فما أصابت منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا" (٣). إذا شهد المسلمون معجزات كثيرة لرسول الله ﷺ ، كانت تزيدهم إيمانا واستبشارا، وكانت متنوعة في جنسها، متكررة في أوقات عديدة، ما بين تكثير الماء والطعام حتى ليكفي ماء وطعام الاثنين والثلاثة عددا كبيرا يبلغ الألف أو يزيد، وما بين تطبيب المرضى بالدعاء والمسح على موضع الأذى، وما بين

стр. 613

الأخبار عن أمور مغيبة فتقع كما أخبر، وما بين انصياع الحيوان والنبات والجماد له وهي لا تعقل، وما بين عصمة الله له من القتل، واستجابة الله لدعائه. وقد مال بعض الباحثين إلى إنكار المعجزات الحسية بحجة أنها لا تتمشى مع نمط التفكير العقلي الحديث. ولا تتقبلها الفلسفات الحديثة، ولا مناهج البحث المعاصرة. وقد اعترف هؤلاء بالمعجزة القرآنية وحدها، لأنها محسوسة لأهل هذا العصر يمكنهم دراستها والحكم على أوجه الإعجاز فيها، أما المعجزات الحسية التي وقعت للنبي ﷺ فلا يمكن إخضاعها للدراسة، ولا تتقبلها الأعراف العلمية السائدة. ونظرا لأن المصادر الإسلامية الصحيحة نقلت أخبار المعجزات الحسية، فإن إنكارها فيه اتهام لشهود العيان من الصحابة رضوان الله عليهم بالكذب أو بضعف العقل وخلل التصور، بحث نقلوا أخبارا تصوروها صحيحة وليست كذلك، ولا يخفى ما في الإتهامين من إجحاف وتناقض فقد قبلنا من نفس شهود العيان ما يتعلق بالعقيدة والشريعة، وتعرفنا على أخبار النبي ﷺ فلماذا قبلنا منهم رواياتهم في هذا كله، وأنكرناها عندما تعرضت لأخبار المعجزات الحسية، وإن كانت العلة أن العقل المادي يرفض المعجزات، فإنه يرفض الوحي كله ويرفض الإيمان بالله وبرسالاته، فلا مناص للمؤمن بالغيب من قبول الروايات الصحيحة المتعلقة بالمعجزات الحسية.

стр. 614

منهج الرسول ﷺ في العبادة لمحة عن الشعائر التعبدية في العهد المكي: لم تصح رواية في تشريع الوضوء بمكة، ولكن ثمة روايات ضعيفة يسوقها ابن إسحق مرة بمناسبة فرض الصلاة (١)، وأخرى في قصة إسلام عمر بن الخطاب (٢)، ويستشف من الآية المكية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣) إن الوضوء شرع بمكة، وقد رجح ذلك السهيلي (٤). وبه قال جمهور العلماء (٥). رغم أن الآية الكريمة المتعلقة بالوضوء نزلت بالمدينة باتفاق وهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٦) وقد أسمتها عائشة ﵂ آية التيمم، ربما للإشارة إلى أن الوضوء كان مفروضا قبل أن يكون قرآنا يتلى (٧). وكانت قبلة الصلاة بمكة نحو بيت المقدس، فكان النبي ﷺ يقف بين الركنين اليماني والأسود، فيجمع بين استقبال الكعبة وبيت المقدس (٨). وقد ورد ذكر الصلاة في عدة سور مكية مثل الآية ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٩) والآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١٠) و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ

стр. 615

تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١) و ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٢). وتشير بعض الأخبار الضعيفة إلى أن أوائل المسلمين كانوا يصلون، لكنها لا توضح كيفية صلاتهم، ولا عدد ركعاتها إن كان فيها ركوع. ولكنها تذكر أن النبي ﷺ كان يخرج مع علي ﵁ إلى شعاب مكة يصليان سراً (٣). وأن الصحابة الخمسة الذين دعاهم أبو بكر الصديق ﵁ أسلموا وصلوا (٤)، على أن عائشة ﵂ ذكرت في حديث صحيح أن الصلاة كانت أول فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر (٥)، وبين المزني - صاحب الإمام الشافعي - أن الصلاة قبل حادث الإسراء والمعراج كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها (٦). وفي حادثة الإسراء والمعراج قبل الهجرة بسنة - في رواية مرسلة للزهري - فرضت الصلاة في خمسة أوقات (٧)، وحدد عدد ركعاتها، ثنتان للصبح وثلاث للمغرب وأربع للظهر والعصر والعشاء، في السفر والحضر ثم قصرت الصلاة الرباعية بعد الهجرة إلى المدينة فصارت ركعتين فقط للمسافر (٨). وكان المسلمون في المرحلة المكية يؤدون الصلاة سراً (٩)، خوفا من بطش المشركين، ونادرا ما جهروا بصلاتهم كما فعلوا مرة عند إسلام عمر بن الخطاب حيث صلى معه بعضهم في (١٠) الكعبة. وكان الكلام في الصلاة مثل رد السلام

стр. 616

وتشميت العاطس مسموحا به ثم نهي عن الكلام في الصلاة بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة من المرحلة المكية (١). وقد شرع قيام الليل بنزول سورة المزمل في المرحلة المكية ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢). وفي المرحلة المكية شرعت الزكاة بمعناها العام، وهو الحث على الصدقات وإعطاء المحروم وإطعام المسكين دون تحديد للأنصبة والمقادير، فوصفت السور المكية المؤمنين بأنهم ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ و ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وأنه ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٣). أما تحديد النصاب ومقادير الزكاة فقد شرع في سنة اثنتين من الهجرة (٤). وأما صلاة الجمعة فقد كانت قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وقد تمكن المسلمون في المدينة من أدائها، فقد روى أبو داؤد بإسناد حسن قول كعب ابن مالك الأنصاري: "أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في هزم البيت، في نقيع يقال له: نقيع الخضعات .. وقال كعب إنهم كانوا أربعين رجلا" (٥). لقد تأخرت بعض الفرائض التي اعتبرت من أركان الإسلام إلى المرحلة المدنية مثل الصوم والحج أما الصوم فقد كانت فرضيته يوم الاثنين لليلتين خلتا

стр. 617

من شعبان من السنة الثانية من الهجرة. وأما الحج فقد فرض سنة ست للهجرة، وابن القيم أن افتراضه كان سنة تسع. ويتمثل منهج الرسول ﷺ في العبادة بإقامة الفرائض والإكثار من النوافل والاهتمام بالعبادات القلبية من ذكر وخشوع وإنابة رغم غفران الله له ورضاه عنه. قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١)، وقد نزلت سورة الفتح في طريق عودة المسلمين من الحديبية إلى المدينة، بعد عقد صلح الحديبية، وكان فرح الرسول ﷺ بها عظيما، لما فيها من إقرار لموافقته على الصلح، وتبشير للمسلمين بأن ما تم فتح لهم، لما وراءه من الخير الكثير الذي تحقق بانتشار الإسلام بعد الصلح, وكذلك فإن الآية أخبرت رسول الله ﷺ بالبشارة العظيمة ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. فما كان حال النبي الموعود بغفران الذنوب؟ هل ترك العمل وجنح إلى الراحة؟ وهل قلل ذلك الغفران من جده في العبادة واجتهاده في الجهاد، وهل قنع بما قدم وطوى صفحات الكفاح في السلم والحرب؟ إن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك، بل مضى دءوباً في ملء أشواق روحه، وتطلعات قلبه الذي انغمر بمحبة الله تعالى، ولم يعد يفيض إلا الذكر والشكر، قلبه الذي ينبض بذكر الله ويخفق بشكره لا يسعه إلا المضي في السبيل الذي اعتاده، لقد بلغ الستين من عمره أو كاد حين نزول سورة الفتح، وكان العقدان الأخيران حافلين بمهام جسيمة تمثلت في حمل أعباء الرسالة وتبليغها، ومقارعة خصومها بالحجة والبيان في مكة، ثم بالحجة والسنان في المدينة وهو في صراعه الطويل من أجل الحق لا يدع التزود من طاقات الروح الهائلة بوصلها بالخالق القدير، فكان كما قالت عائشة ﵂: "كان يصلي ليلا طويلا

стр. 618

قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس" (١). ولم يكن يكلف نفسه فوق ما تطيق، بل يعمل ما يتيسر له حسب مراحل عمره وقوة جسده، فلما ثقل جسمه الشريف ولم يعد يطيق القيام الطويل في صلاة التطوع أخذ يصلي قاعدا، قالت عائشة ﵂: "إن النبي ﷺ لم يمت حتى كان أكثر صلاته وهو جالس" (٢). وكان قيامه لصلاة الليل طويلا، وكان أصحابه رضوان الله عليهم لا يطيقون ما يطيق قال عاصم بن ضمرة، سألت عليا كرم الله وجهه عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: "إنكم لا تطيقون ذلك" (٣). وعن عبد الله بن مسعود قال: "صليت ليلة مع رسول الله ﷺ فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء. قيل له وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النبي ﷺ (٤)! " فعبد الله بن مسعود لم يكن يطيق - على ما عرف عنه من كثرة العبادة - ما يطيق رسول الله ﷺ حتى خطر في ذهنه أن يجلس في الصلاة، ويدع رسول الله قائما لفرط تعبه، لكنه لم يفعل وغالب الخطرة، لكنه لم ينس الموقف وأخبر الناس بطول صلاة رسول الله ﷺ ترغيبا لهم في العبادة وحثا على الاقتداء بالنبي المغفور له، الذي يعبد الله تعالى تحت شعار "أفلا أكون عبدا شكورا" فكيف بمن لا يدري إلى أين يصير إلى الجنة أم النار؟ لقد وصف لنا عبد الله بن عباس ﵁ كيف يمضي رسول الله ﷺ ليله، فقد بات ابن عباس عند خالته ميمونة -وهي أخت أمه لأبيه- فشاهد ما حدث وحدَّثَ به قال: "فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل، أو قبله

стр. 619

بقليل، أو بعده بقليل، فاستيقظ رسول الله ﷺ ، فجعل يمسح النوم عن وجهه، وقرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران. وقال إلى شِنّ - أي قربة - مُعلَّق فتوضأ منها، فأحسن الوضوء ثم قام يصلي. قال عبد الله بن عباس: فقمت إلى جنبه، فذكر صلاته اثنتي عشر ركعة، ثم أوتر، ثم نام حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح" (١). وكانت قراءته للقرآن يمدُّها، ويقطِّعُها فيقول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف. وكان ربما أسرَّ بالقراءة، وربما جهر، وكان يرجِّع صوته بالقراءة - أي يرددها -، وكل ذلك ثابت عنه بالأحاديث الصحيحة (٢). وأحيانا كانت قراءته تختلط ببكائه، ويسمع نشيجه كما في حديث عبد الله بن الشخير قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء "وكيف لا يتأثر رسول الله ﷺ بالقرآن فيبكي وهو أعرف الناس بالله، وأوعاهم بالحق الذي أنزل عليه، وقد عرف وأبصر من أمور الغيب في الإسراء والمعراج ومباشرة الوحي ما ملأه علماً وخشية وفكراً وتأملا" (٣). وكان ﵊ يحب أن يسمع القرآن بصوت الآخرين من الصحابة مثل أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري من أصحاب الحفظ والتجويد والأصوات الحسنة بالقرآن. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ عليّ. فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟. قال: "إني أحب

стр. 620

أن أسمعه من غيري". فقرأت سورة النساء حتى بلغت ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: فرأيت عيني رسول الله تَهْمِلان" - متفق عليه - (١). وروى الإمام البخاري بسنده إلى أنس بن مالك قال: إن نبي الله ﷺ قال لأبي بن كعب: إنَّ الله أمرني أن أقرئك القرآن. قال: الله سمَّاني لك؟ قال: نعم. قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه" (٢). وكان ﵊ يعجبه صوت أبي موسى الأشعري وقد شبهه لحسنه بمزاميز آل داؤد. وهكذا سمع القرآن بأصوات الصحابة رضوان الله عليهم. وكان يصلي التطوع في بيته، ويؤم الصحابة في المسجد في الصلوات الخمس المكتوبة، وقد سئل عن الصلاة في البيت والمسجد فقال: "قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة (٣) " وذلك لأن صلاة الجماعة في المسجد خمس أوقات تحقق أغراضا نافعة؛ منها اجتماع المسلمين في الأماكن المتقاربة في مكان واحد مما يؤدي إلى تعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى، وتفقدهم لأحوال بعضهم، ومنها إقامة شعائر الإسلام بمظهر يدل على القوة والغلبة للإسلام وأهله. ثم إن صلاة المكتوبات في المسجد أعظم أجراً، لأن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، كما أخبر الرسول ﷺ . وأما صلاة التطوع فإن أداءها في البيت بعيدا عن الأعين يبعد بصحابها عن الرياء والخيلاء ويقربه من الأخلاص، ويجعله قدوة لأهل بيته ممن ليس يحضر صلاة الجماعة من النساء، وأصحاب الأعذار.

стр. 621

وهكذا كانت صلوات رسول الله ﷺ في بيته في جوف الليل، وفي صلاة الضحى وفيما بين الصلوات المكتوبة، فقد جعلت قرة عينه في الصلاة، فهي معراج المؤمن، وكانت آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ أصحابه وهو يودع الدنيا وينتقل إلى الرفيق الأعلى: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (١). وكان الرسول ﷺ يهدف إلى توثيق صلة القلب بالله بصورة دائمة، كما عبَّرت عائشة ﵂ بقولها: "كان عمله دِيمةً" وقالت مرة وشاركتها القول أم سلمة، وقد سئلتا: أي العمل كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالتا: "ما ديم عليه وإن قلَّ" (٢). وكان ينوِّع في عبادته ما بين صوم وصلاة وذكر وتعليم وجهاد، قال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ ليلةً، فاستاك ثم توضأ ثم قام يصلي، فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب إلا وقف فتعوذ ثم ركع، فمكث راكعا بقدر قيامه، ويقول في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، ثم سجد بقدر ركوعه، ويقول في سجوده: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة".ثم قرأ "آل عمران" ثم سورة ثم سورة، يفعل مثل ذلك" (٣). وكان ﵊ كثير الصوم. قال أنس بن مالك ﵁: "كان يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته" (٤). وقد ذكرت عائشة ﵂ أنه كان يتحرى صوم الاثنين والخميس" (٥) وقد بين رسول الله ﷺ سبب تحريه الصوم يومي الاثنين والخميس

стр. 622

بقوله: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحبَّ أن يعرض عملي وأنا صائم" (١). ومنهجه في الاتصال الدائم بالله لا يختل سواء كان في صلاة أو صوم أو كان مضجعا، قالت عائشة ﵂: "يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي" (٢). فقد كان يذكر الله على كل أحيانه، فإذا نام ذكر الله قائلا: "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (٣). وإذا استيقظ قال: "الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم يمسح ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات" (٥). وعن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد الله الذي أطعمنا وساقانا وكافانا وآوانا، فكم ممَّن لا كافي له ولا مؤوى" (٦). فدعواته ﷺ عند النوم فيما معاني التسليم لله تعالى، وأنه لا حول ولا قوة للإنسان إلا بالله، وأن الله وحده المحيي والمميت، وإنه يستحق الحمد على النوم والاستيقاظ والطعام والشراب والكفاية عن سؤال الناس والإيواء بما يحمله من معاني الطمأنينة والستر، وما أعظم دلالات قوله ﵊: "فكم ممن لا كافي له ولا مؤوى". نعم كم من الناس على وجه الأرض لا يجد كفايته

стр. 623

ويسأل غيره العون، إن الجياع أكثر من الطاعمين، والعراة أكثر من الكاسين، ومن عندهم المال ولا يحسون بالكفاية بل يدفعهم الطمع والحرص على جمع المال من كل سبيل إلى القلق وعدم الإحساس بالكفاية. ومن درس سيرة رسول الله ﷺ وعرف قلة ما عنده من طعام وأثاث وأشياء أدرك معنى الزهد والقناعة والإحساس بالكفاية. ثم إن رسول الله ﷺ يعلم أصحابه أن ينظروا إلى من دونهم من الناس، ولا ينظروا إلى من فوقهم، فمن نظر إلى من دونه عرف عظيم نعمة الله تعالى عليه، وقنع بما أعطاه، وأحس الرضا بالقدر والحمد الله على الإيواء، فإن الإحساس بأن الله تعالى آوى العبد إليه، وهداه إلى سبيله، ونسبه إلى نفسه، وتولاه ولم يكله إلى سواه يجعل العبد في غاية الثقة بحاضره وبمستقبله، فلا يقلق لمصاب، ولا ينخلع قلبه خوفا من مواجهة الأحداث الثقيلة والتقلبات العنيفة، بل هو شامخ كالطود أمام أعاصير الحياة .... وكيف لا تطمئن نفس من آواه الله الذي أحاط بكل شيء علما، والذي لا تعزب عنه مثقال حبة في الأرض ولا في السماء والذي ليس لقدرته حدود ولا لأمره رد؟. وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلَّى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلُبَنَّكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبُّه على وجهه في نار جهنم" (١) فأي أمان للإنسان أعظم من أمان الله، وأن يكون في ذمة الله وعهده وحفظه، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح يقعد في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس (٢) ثم لا يزال بعدها يشكر نعم الله، فإذا طعم طعاما أو شرب شرابا أو لبس جديدا دعا الله تعالى شاكرا حامدا، فإذا ارتفعت الشمس تطوع لله بأربع وهي صلاة الضحى، وكان أبو هريرة ﵁ يقول:

стр. 624

"أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد" (١). وفي الحديث القدسي أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله يقول يا ابن آدم اكفني أوَّل النهار بأربع ركعات أكفك بهن آخر يومك (٢) " ولا يزال رسول الله ﷺ يحصن نفسه ليله ونهاره بالأدعية والأذكار، ويعلم أصحابه ذلك، فعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سيِّدُ الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا انت" (٣). وكان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه صلاة الحاجة وصلاة التوبة وصلاة الاستخارة، فكانوا يرتبطون بالله تعالى في صلوات كثيرة، فلا يخلو إنسان من ذنب كبير أو صغير ففي الحديث "كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون" (٤) ولا ينفك المرء عن حاجة تعرض له صغرت أو كبرت فعن عثمان ابن حنيف ﵁: أن أعمى أتى إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله أدع الله أن يكشف لي عن بصري, قال: أو أدعك. قال: يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري قال: فانطلق فتوضأ ثم صلَّ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد ﷺ نبي الرحمة. يا محمد: إني أتوجَّه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري. اللهمّ شفعه فيَّ وشفعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره" (٥).

стр. 625

نبي الرحمة قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فالرسول عربي قرشي معروف النسب، لم يطعن أحد في صحة نسبه, وكرم محتده، فمخاطبة الله تعالى للعرب بأن الرسول من أنفسهم تذكير لهم بأنه لهم ناصح ومحب، وعليهم مشفق، وعلى هدايتهم حريص، وأنه بهم رفيق وعليهم مشفق, يشق عليه ضلالهم ويفرح لهدايتهم، ووردت أحاديث كثيرة تبين بعض مظاهر الرحمة المهداة، والمتمثلة بالمصطفى ﵊، فمن ذلك وفاته ﷺ قبل أمته ليكون لها سلفا ففي الحديث: "إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها، ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره" (٢). ومن وقائع السيرة النبوية أن ثقيفا آذت رسول الله ﷺ عندما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام حتى رشقوه بالحجارة وأدموا قدميه، وخيَّره الله أن يعاقبهم فيطبق عليهم الجبال، فقال ﵊: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً" (٣). وكان ﵊ أَمنْاً لأمته في حياته، كما أن الاستغفار أمن لها بعد وفاته قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وهو في حياته ومماته رحمة وخير للمؤمنين. قال ﵊: "حياتي خير لكم: تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" (٥).

стр. 626

وهو رحمة عامة كما في القرآن ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) كما أنه نور يضيء طريق الهداية للناس قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤). وعن أنس بن مالك ﵁: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة، أضاء من المدينة كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ أظلم كل شيء، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" (٥). وقد منح الله تعالى الأنبياء دعوة مستجابة، فتعجلوها ودعوا بها، أما الرسول الكريم فقد ادخرها لأمته كما في الحديث: "لكل نبي دعوة مستجابة فعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٦). وتتجلَّى في رسالة النبي الكريم كل معاني الرحمة، فقد رفع الله عن أمته الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، فيسر لها الدين ورفع عنها الحرج ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). وقد امتلأت نفس الرسول الكريم بالرحمة، وأوصى أتباعه بأن يكونوا رحماء كما وصفهم القرآن ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢). قال أنس بن مالك ﵁: "ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ " (٣). وقال زيد بن حارثة: "أرسلت ابنة النبي ﷺ أن ابناً لي قبض فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: إنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل

стр. 627

عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى الرسول ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" (١). وكان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه: " ... ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا" (٢). وقد شملت رحمته ووصاته بالرحمة الحيوان فضلا عن الإنسان فعن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ ، فمررنا بقرية نمل قد أحرقت، فغضب النبي ﷺ وقال: "إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله " (٣). عن سعيد بن جبير قال: "مرَّ ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فقال ابن عمر: "من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا" (٤). وقال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي ﷺ : "والشاة إن رحمتها رحمك الله" (٥). وقال ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته" (٦). وكان الرسول الرحيم يضرب لأصحابه الأمثال، ويحكي لهم من أخبار الماضين ما يرسم في نفوسهم الرحمة، قال لهم مرة: "بينما رجل يمشي بطريق

стр. 628

اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر" (١). وهذا غيض من فيض، وكله يشهد لهذا النبي الكريم بأنه "رحمة مهداة" وأنه غرس معاني الرحمة في أصحابه، وأوصاهم بها وملأ تعاليمه بذكرها، وشمل بها كل ذي روح من إنسان وحيوان، وسبق بذلك كل لوائح حقوق الإنسان الحديثة، وكل جمعيات البر والرفق بالحيوان مما يحسبه الناس من خصائص الحضارة الغربية وعطائها. فلا عجب أن كانت بعثته رحمة للعالمين، وأن يعبر عن جوهر رسالته بقوله ﵊: "يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة" (٢). وسوف تظل تعاليمه تمسح جراحات المعذبين وتلمس حنايا المستضعفين وتلين قلوب المتجبرين وتملأ الحياة بالحب والدفء والرحمة

стр. 629

محبة الرسول من الإيمان قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). دلت هذه الآية على وجوب محبة الرسول ﷺ ووضعت ميزانا لهذه المحبة تقاس به, فليس المطلوب أن يحب المؤمن رسول الله كحبه لأبيه وبنيه وأهله وماله، بل ينبغي أن ترجح كفة محبة الله ورسوله على سائر ما يحب، فلا يكون في قلبه محبة لشيء تزيد على محبته للرسول ﷺ ، لأن الرسول سبب خروجه من ظلمات الجهالة والضلال وسعادته بالعلم والهداية، وإنقاذه من ضنك الدنيا وعذاب الآخرة، فنعمة الإيمان الحاصلة بسببه أعظم من سائر النعم وأكبر من كل الفوائد، فحق على من أدرك عظمة هذه النعمة أن يحب من أوصلها إليه، وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذه المعاني فتعلقوا برسول الله أشد التعلق، وأحبوه أعظم الحب، وفدوه بالنفس والأهل والمال، قال صفوان بن عسَّال المُرادي: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد. فأجابه رسول الله ﷺ نحوا من صوته: هاؤم. وقلنا له: ويحك اغضض من صوتك فإنك عند النبي ﷺ وقد نهيت عن هذا. فقال: والله لا أغضض، قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. قال النبي ﷺ : المرء مع من أحب يوم القيامة" (٢). ففي هذا الحديث بيان فضل حب الله ورسوله والأخيار الصالحين من المؤمنين.

стр. 630

قال أنس ﵁: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ (فإنك مع من أحببت) (١). قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول عنه ﷺ أشدَّ من فرحهم بسائر أعمال البر، أنهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبي ﷺ والكون معه إلا حب الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشهِّر، والمتأخر بالمتقدم، ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه وحقق فيه ظنه فقال: أنا أحب الله ورسوله ﷺ وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وان لم أعمل بعملهم. وقد بيَّنَ النبي ﷺ حدود المحبة اللازمة عندما قال له عمر بن الخطاب ﵁: "يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي" فقال: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنك الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: الآن يا عمر" (٢). وعلامة هذه المحبة إتباع الرسول ﷺ ، وعدم التقدم عليه بالقول أو العمل، فلا يكون رأى الإنسان أحب إليه من حديث الرسول ﷺ وحكمه، وعلامة حدود المحبة وبلوغها المرتبة الواجبة أن تكون نصرة السنة والذب عن الشريعة أحب لديه من رعاية مصالحه والحفاظ على نفسه وأهله وماله وجاهه، لقول النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٣). وقوله: "ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (٤).

стр. 631

قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وان كان على خلاف هوى النفس؛ كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل. والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويتلذذ بذلك التلذذ عقليا، إذ الالتذاذ العقلي ادراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك. ومما يستدعي محبة الرسول التفكر في عظم رسالته وجهاده في تبليغها طيلة حياته، حرصا على هداية أكبر عدد من الناس ,حتى إن الله تعالى امتن على العبادة ببعثته ﷺ فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١). وجاء في صحيح مسلم عن معاوية ﵁ "أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا لدينه ومنّ علينا بك .. فقال لهم: أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة" (٢). وهذه المحبة التي ربطت بين النبي ﷺ والصحابة ﵃ حملتهم على افتدائه بأرواحهم وأهليهم وأموالهم. هذا أنس بن النضر ﵁ رأى بعض المسلمين قعوداً محتارين بعد أن اشاع المشركون خبر مقتل رسول الله ﷺ في غزوة أحد فصاح بهم: "واها لريح الجنة أجد دون أحد" فقاتل حتى قتل، ووجد في جسده بضع وثمانون أثرا من بين ضربة ورمية وطعنة، حتى ما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ

стр. 632

صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١). وقد أرسل الرسول ﷺ زيد بن ثابت بعد المعركة يتفقد أنس بن النضر، فوجده بين القتلى وبه رمق، فما كان منه - بعد أن ردَّ على سلام الرسول ﷺ إلا أن قال: "أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي من الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شفر يطرف" وفاضت عيناه (٢). فيالها من وصية تفوح بالحب الذي لا يؤثر فيه الموت وآلام الجراح. وكان أبو طلحة الأنصاري يحمي الرسول ﷺ ويرمي بين يديه ويقول: "لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك" (٣). ورغم هذا الحب العميق لرسول الله ﷺ ومفاداتهم له بالنفس والنفيس، فإن عقائد المسلمين استقامت بفضل الله، فلم يتجاوزوا صفة النبوة، ولم ينسبوا إلى نبيهم صفات الألوهية، ولم يعبدوه من دون الله، بل كان صوته ﷺ يتردد في عقولهم (أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد) (٤) ومن قبله تذكير القرآن ببشرية الرسول ﷺ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥). وإنه يصيبه ما يصيب البشر ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٦).

стр. 633

أمهات المؤمنين إن تصفح سيرة المصطفى ﷺ يعطي صوراً مشرقة عن خلقه الكريم ﵊ في معاملة الناس جميعاً، ولكن سلوكه في بيته ومع أزواجه له دلالته الخاصة على رقة طباعه، وعمق عاطفته، وقدرته الفذَّة على مراعاة مشاعر أزواجه واحترام رغباتهن، ما دامت لا تخرج عن حدود الشرع وأحكامه. هذه عائشة ﵂ تحج معه ﷺ فتمنعها حيضتها من أداء العمرة مع الناس، فلما أراد الرسول ﷺ العودة إلى المدينة قالت: يا رسول الله تعودون بحج وعمرة، وأعود بحجة وحدها. فإذا بالرسول يشفق أن تعود زوجه وهي تشعر بفوات بعض الفضل والخير عليها، فيتوقف ويطلب من أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن يصحبها إلى التنعيم حيث تحرم بالعمرة (١). وفي غزوة المريسيع (بني المصطلق) يوقف الجيش كله لأن عقدا لعائشة انفطر منها فهي تجمع حباته من بين الرمال .. وعندما تحضر الصلاة ولا يجد المسلمون الماء للوضوء فتنزل آية التيمم ويعبر أحد الصحابة عن إحساسه بالحب لأبي بكر واعترافه بفضل هذه العائلة وبركتها يقول:"هذه إحدى بركاتكم يا آل أبي بكر" (٢). وروى البخاري أنه ﷺ لما رجع من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيى كان يدير كساء حول البعير الذي تركبه يسترها به، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب!! ولم يكن هذا المشهد بعيدا عن أعين الناس، بل كان مشهد من جيشه المنتصر .. وكان يعلمهم أن الرسول البشر والنبي الرحمة والقائد المظفر لا ينقص من قدره أن يوطئ أكنافه لأهله، وأن يتواضع لزوجه، وأن يعينها ويسعدها.

стр. 634

ويتجلى موقف رائع يصور عظمة خلق الرسول الكريم حين دخل على امرأة كان قد عقد عليها هي الجونية، روى البخاري من حديث أبي أسيد الساعدي قال: "خرجنا مع النبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشَّوط حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : اجلسوا هاهنا، ودخل، وقد أتى بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها - حاضنة لها - فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: هببي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة (ولم تعرف أنه رسول الله) قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن. فقالت: أعوذ بالله منك. فقال: قد عذت بمعاذ، ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد أكسها رازقيَّين وألحقها بأهلها" (٢). لم يغضب رسول الله ﷺ ولم يعنِّف المرأة, بل لم يجهر أمامها بطلاقها, وإنما أمر أبا أسيد أن يمتعها بالثياب ويعيدها إلى أهلها. والمتأمل في سيرة الرسول ﷺ يشهد الكثير من الأمثلة الرائعة على حسن ذوقه وجميل طبعه وكرم خلقه وحسن معاشرته ورفق معاملته واعتدال مزاجه وعدالة أحكامه وصدق كلامه ... وهذا الكمال الخلقي من أعظم أدلة نبوته ﵊. فقد كان الصدق يملأ حياته، ويحكم علاقاته، ويطبع أقواله وأفعاله، فلا غرابة إذا كان أول المسلمين المؤمنين بدعوته هم أقرب الناس إليه وأعرفهم به، خديجة ﵂ زوجه، وعلى ﵁ ابن عمه، وأبو بكر الصديق صاحبه، وزيد بن حارثة مولاه، والكل ظلوا أوفياء لدعوة الإسلام طيلة حياتهم يفدونها بالنفس والنفيس. ويشهد الإنسان طابع الصدق في علاقاته ﷺ بأزواجه، فهو الرسول البشر، ليس فيه تعاظم وكبرياء الأقوياء بجاههم أو غناهم, بل فيه سماحة الأنبياء، وندى العظماء، وسيرة الأتقياء، تجده يحنو على أزواجه ويعينهن، فيقم

стр. 635

بيته بيده، ويحلب الشاة، ويخرز النعل، ويتلطف إليهن، ويداري غضبهن، ويعدل بينهن، ويراعي ما جبلن عليه من الغيرة، ويحتمل هفواتهن، ويرفق بصغيرتهن، وهكذا عاش الرسول البشر عيشة إنسان لا ملاك، تلتصق خطواته بالأرض وقلبه معلَّق بالسماء، يهفو إلى ما عند الله، ويهتف متواضعاً "إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد" (١). ولنعرض لنماذج أخرى من حياة الرسول البشر في بيته: حيث تعيش أمهات المؤمنين في غرفهن الصغيرة بجوار المسجد النبوي، تمتزج حياتهن بأصوات الأذان للصلوات، ويشهدن جموع الناس مقبلين مدبرين، يصلون ويستمعون لأحاديث الرسول ﷺ ، ويشتركن في بيان تعاليم الإسلام، وخاصة في شؤون المرأة، حين يتعذر على النبي ﷺ لحيائه - البيان. ثم لهن حياة خاصة مع الرسول ﷺ حافلة بالعبادة والعلم، مليئة بالعبر، دافقة بالخير. ولا تخلو من الجدل والخصومة حينا، والغيرة حينا آخر. قالت عائشة ﵂: "ما علمت حتى دخلت عليَّ زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله أحسبك إذا قبلت لك بنية أبي بكر ذريعتيها - أي ساعديها -؟ ثم أقبلت عليَّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ : دونك فانتصري. فأقبلت عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فيها ما تردُّ عليَّ شيئاً، فرأيت النبي ﷺ يتهلّلُ وجهُه" (٢). وهنا نلمس تقدير النبي ﷺ لغيرة الضرائر من بعضهن، ومراعاته للفطرة، فقد ترك زينب تفرغ غضبها وأذن لعائشة أن ترد عليها، وعدل بين زينب - وهي بنت عمه وزوجه - وعائشة - وهي بنت صاحبه وزوجه - ولم يغضب من هذه الملاحاة، فهي أمر طبيعي في حياة الضرائر. بل لم تتغير ملامح وجهه إلى العبوس لتكدير صفوه، بل علته ابتسامة رقيقة وهو يشهد انتصاف عائشة من زينب.
следующие страницы →