قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وان كان على خلاف هوى النفس؛ كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل. والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويتلذذ بذلك التلذذ عقليا، إذ الالتذاذ العقلي ادراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك. ومما يستدعي محبة الرسول التفكر في عظم رسالته وجهاده في تبليغها طيلة حياته، حرصا على هداية أكبر عدد من الناس ,حتى إن الله تعالى امتن على العبادة ببعثته ﷺ فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
وجاء في صحيح مسلم عن معاوية ﵁ "أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا لدينه ومنّ علينا بك .. فقال لهم: أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة" (٢).
وهذه المحبة التي ربطت بين النبي ﷺ والصحابة ﵃ حملتهم على افتدائه بأرواحهم وأهليهم وأموالهم.
هذا أنس بن النضر ﵁ رأى بعض المسلمين قعوداً محتارين بعد أن اشاع المشركون خبر مقتل رسول الله ﷺ في غزوة أحد فصاح بهم: "واها لريح الجنة أجد دون أحد" فقاتل حتى قتل، ووجد في جسده بضع وثمانون أثرا من بين ضربة ورمية وطعنة، حتى ما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
стр. 632
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١).
وقد أرسل الرسول ﷺ زيد بن ثابت بعد المعركة يتفقد أنس بن النضر، فوجده بين القتلى وبه رمق، فما كان منه - بعد أن ردَّ على سلام الرسول ﷺ إلا أن قال: "أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي من الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شفر يطرف" وفاضت عيناه (٢).
فيالها من وصية تفوح بالحب الذي لا يؤثر فيه الموت وآلام الجراح. وكان أبو طلحة الأنصاري يحمي الرسول ﷺ ويرمي بين يديه ويقول: "لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك" (٣).
ورغم هذا الحب العميق لرسول الله ﷺ ومفاداتهم له بالنفس والنفيس، فإن عقائد المسلمين استقامت بفضل الله، فلم يتجاوزوا صفة النبوة، ولم ينسبوا إلى نبيهم صفات الألوهية، ولم يعبدوه من دون الله، بل كان صوته ﷺ يتردد في عقولهم (أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد) (٤) ومن قبله تذكير القرآن ببشرية الرسول ﷺ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥).
وإنه يصيبه ما يصيب البشر ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٦).
стр. 633
أمهات المؤمنين
إن تصفح سيرة المصطفى ﷺ يعطي صوراً مشرقة عن خلقه الكريم ﵊ في معاملة الناس جميعاً، ولكن سلوكه في بيته ومع أزواجه له دلالته الخاصة على رقة طباعه، وعمق عاطفته، وقدرته الفذَّة على مراعاة مشاعر أزواجه واحترام رغباتهن، ما دامت لا تخرج عن حدود الشرع وأحكامه.
هذه عائشة ﵂ تحج معه ﷺ فتمنعها حيضتها من أداء العمرة مع الناس، فلما أراد الرسول ﷺ العودة إلى المدينة قالت: يا رسول الله تعودون بحج وعمرة، وأعود بحجة وحدها. فإذا بالرسول يشفق أن تعود زوجه وهي تشعر بفوات بعض الفضل والخير عليها، فيتوقف ويطلب من أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن يصحبها إلى التنعيم حيث تحرم بالعمرة (١).
وفي غزوة المريسيع (بني المصطلق) يوقف الجيش كله لأن عقدا لعائشة انفطر منها فهي تجمع حباته من بين الرمال .. وعندما تحضر الصلاة ولا يجد المسلمون الماء للوضوء فتنزل آية التيمم ويعبر أحد الصحابة عن إحساسه بالحب لأبي بكر واعترافه بفضل هذه العائلة وبركتها يقول:"هذه إحدى بركاتكم يا آل أبي بكر" (٢).
وروى البخاري أنه ﷺ لما رجع من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيى كان يدير كساء حول البعير الذي تركبه يسترها به، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب!!
ولم يكن هذا المشهد بعيدا عن أعين الناس، بل كان مشهد من جيشه المنتصر .. وكان يعلمهم أن الرسول البشر والنبي الرحمة والقائد المظفر لا ينقص من قدره أن يوطئ أكنافه لأهله، وأن يتواضع لزوجه، وأن يعينها ويسعدها.
стр. 634
ويتجلى موقف رائع يصور عظمة خلق الرسول الكريم حين دخل على امرأة كان قد عقد عليها هي الجونية، روى البخاري من حديث أبي أسيد الساعدي قال: "خرجنا مع النبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشَّوط حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : اجلسوا هاهنا، ودخل، وقد أتى بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها - حاضنة لها - فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: هببي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة (ولم تعرف أنه رسول الله) قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن. فقالت: أعوذ بالله منك. فقال: قد عذت بمعاذ، ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد أكسها رازقيَّين وألحقها بأهلها" (٢).
لم يغضب رسول الله ﷺ ولم يعنِّف المرأة, بل لم يجهر أمامها بطلاقها, وإنما أمر أبا أسيد أن يمتعها بالثياب ويعيدها إلى أهلها.
والمتأمل في سيرة الرسول ﷺ يشهد الكثير من الأمثلة الرائعة على حسن ذوقه وجميل طبعه وكرم خلقه وحسن معاشرته ورفق معاملته واعتدال مزاجه وعدالة أحكامه وصدق كلامه ... وهذا الكمال الخلقي من أعظم أدلة نبوته ﵊. فقد كان الصدق يملأ حياته، ويحكم علاقاته، ويطبع أقواله وأفعاله، فلا غرابة إذا كان أول المسلمين المؤمنين بدعوته هم أقرب الناس إليه وأعرفهم به، خديجة ﵂ زوجه، وعلى ﵁ ابن عمه، وأبو بكر الصديق صاحبه، وزيد بن حارثة مولاه، والكل ظلوا أوفياء لدعوة الإسلام طيلة حياتهم يفدونها بالنفس والنفيس.
ويشهد الإنسان طابع الصدق في علاقاته ﷺ بأزواجه، فهو الرسول البشر، ليس فيه تعاظم وكبرياء الأقوياء بجاههم أو غناهم, بل فيه سماحة الأنبياء، وندى العظماء، وسيرة الأتقياء، تجده يحنو على أزواجه ويعينهن، فيقم
стр. 635
بيته بيده، ويحلب الشاة، ويخرز النعل، ويتلطف إليهن، ويداري غضبهن، ويعدل بينهن، ويراعي ما جبلن عليه من الغيرة، ويحتمل هفواتهن، ويرفق بصغيرتهن، وهكذا عاش الرسول البشر عيشة إنسان لا ملاك، تلتصق خطواته بالأرض وقلبه معلَّق بالسماء، يهفو إلى ما عند الله، ويهتف متواضعاً "إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد" (١).
ولنعرض لنماذج أخرى من حياة الرسول البشر في بيته: حيث تعيش أمهات المؤمنين في غرفهن الصغيرة بجوار المسجد النبوي، تمتزج حياتهن بأصوات الأذان للصلوات، ويشهدن جموع الناس مقبلين مدبرين، يصلون ويستمعون لأحاديث الرسول ﷺ ، ويشتركن في بيان تعاليم الإسلام، وخاصة في شؤون المرأة، حين يتعذر على النبي ﷺ لحيائه - البيان. ثم لهن حياة خاصة مع الرسول ﷺ حافلة بالعبادة والعلم، مليئة بالعبر، دافقة بالخير. ولا تخلو من الجدل والخصومة حينا، والغيرة حينا آخر. قالت عائشة ﵂: "ما علمت حتى دخلت عليَّ زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله أحسبك إذا قبلت لك بنية أبي بكر ذريعتيها - أي ساعديها -؟ ثم أقبلت عليَّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ : دونك فانتصري. فأقبلت عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فيها ما تردُّ عليَّ شيئاً، فرأيت النبي ﷺ يتهلّلُ وجهُه" (٢).
وهنا نلمس تقدير النبي ﷺ لغيرة الضرائر من بعضهن، ومراعاته للفطرة، فقد ترك زينب تفرغ غضبها وأذن لعائشة أن ترد عليها، وعدل بين زينب - وهي بنت عمه وزوجه - وعائشة - وهي بنت صاحبه وزوجه - ولم يغضب من هذه الملاحاة، فهي أمر طبيعي في حياة الضرائر. بل لم تتغير ملامح وجهه إلى العبوس لتكدير صفوه، بل علته ابتسامة رقيقة وهو يشهد انتصاف عائشة من زينب.
стр. 636
وكانت زينب بنت جحش تطاول عائشة وتفاخرها في الحظوة عند رسول الله ﷺ ، كما ذكرت عائشة في حديث الإفك (١)، وكانت تفخر بأن الله تعالى زوجَّها من الرسول ﷺ ، فأنزل في ذلك قرآنا ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ (٢).
أما عائشة ﵂ فكانت البكر الوحيدة من أزواجه ﷺ ، وكانت تدل بذلك وتشير إليه بذكاء وفطنة امتازت بها، تقول: "يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها ترتع بعيرك؟ قال: في التي لم يرتع منها. تعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها" (٣) وهذا الإدلال المقبول لا يخالف الحقيقة ولا يجانب الصدق، فليس من ضرر في استجابة الرسول ﷺ وإرضائه لهذا الإدلال والاعتزاز، وإدخاله بذلك السرور على قلب زوجه.
وكان رسول الله ﷺ يغضب إذا تجاوزت الغيرة حدها، واعتدت على حقوق الآخرين، فلم يكن زمام الموقف يفلت من يده بل كان يبين الخطأ ويقومه. قالت عائشة ﵂: "ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة. فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد" (٤).
وهكذا كان عظيم وفائه لزوجه خديجة أول من آمن به وآزره, وتحمل معه أعباء دعوته فكان يذكرها دائما ويثني عليها وأبدا، ويصل صديقاتها ومعارفها،
стр. 637
ويفرح للقاء أقاربها ويكرمهم حتى غارت أم المؤمنين عائشة لإكثاره من ذلك وإلا فهل يغار الحي من الميت!!
ولم يمنعه حبه لعائشة أن يصرِّح بفضل خديجة ومكانها في قلبه، ولو في ذلك الموقف الذي ظهرت فيه غيرتها، بل لم يكتم حبه لها وقد مضت على وفاتها أكثر من خمس سنين؟ فقال لعائشة: "إني قد رزقت حبها" (١)! فما أعظم وفاءه وما أرحب قلبه وما أصدق لسانه، وما أصرح وأفصح تعبيره!؟
إن محمدا الرسول البشر لا يجد غضاضة في أن يحب امرأته، وأن يصارحها بذلك معبرا عن عاطفة خيرة، ويكتم كثيرون سواه عواطفهم تجاه أزواجهم لئلا يخدش كبرياؤهم، أو يقل احترامهم فيما يحسبون وهم مخطئون. روى البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال لرسول الله ﷺ : أي الناس أحبُّ إليك؟ قال: عائشة (٢).
وكان ﵊ يراعي صغر سن عائشة ﵂ وحبها للعب مع صديقاتها، قالت عائشة:
"كنت ألعبُ بالبنات - أي اللُّعب - عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمَّعن منه - أي يختفين - فيسربهن إلي فيلعبن معي" (٣).وكانت عائشة ﵂ توصي المسلمين بمراعاة ذلك مع أزواجهم حديثات السن تقول: "رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأم، فأقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" (٤).
وهكذا سبق الإسلام نظريات التربية الحديثة في إعطاء الحرية للصغير في اللعب والتسلية البريئين.
стр. 638
بل قد ذكرت عائشة ﵂: "أنه كان لها بنات - تعني اللُّعب - وكان إذا دخل النبي ﷺ استتر بثوبه منها. قال أبو عوانة: لكيلا تمتنع (١).
ولم يجد الرسول ﷺ غضاضة في أن يسابق عائشة ﵂ -مرتين في منأى عن الناس لادخال السرور على قلبها. قالت عائشة ﵂: "خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدَّموا فتقدَّموا. ثم قال لي: تعالي أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال: تعالى حتى أسابقك، فسابقته فسبقني فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك" (٢).
وكان يتلطف معها بالكلام ويداعبها قال لها مرة: إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى. قالت: ومن أين تعرف ذلك؟
قال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا وربِّ محمد. وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم. قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك" (٣).
فما أحسن هذه المعاشرة وما ألطف رسول الله ﷺ وما أحسن خلق عائشة ﵂ مع زوجها الرسول الكريم.
وكان رسول الله ﷺ رقيق الطبع، حسن العشرة، عميق العاطفة، لكن هذه الخصال لم تؤثر على التزامه الدقيق بالعدل بين نسائه أمهات المؤمنين، وهو التزام بشرع الله تعالى الذي بلغه للناس وبينه لهم قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٤).
стр. 639
والرسول ﷺ تزوج في شبابه خديجة ﵂، ولم يتزوج عليها حتى توفيت، فتزوج سودة بنت زمعة ﵂، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم زينب بنت خزيمة، ثم أم سلمة بنت أبي أمية، ثم جويرية بنت الحارث، ثم زينب بنت جحش، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم ميمونة بنت الحارث. وقد اجتمعت النسوة التسع في حياته ﷺ ، وهذا من خصائصه لأن الإسلام لم يبح الجمع - بالزواج - لأكثر من أربع من النساء.
وكانت لكل زوجة غرفة صغيرة، فيها أثاث بسيط لا يكاد يزيد ثمنه على عشرة دراهم. وكان زواجه من كل واحدة يتصل بهدف يحقق مقاصد الإسلام، فعائشة ﵂ تمتاز بحدة الذكاء، وصفاء الذهن، وجودة القريحة، فحفظت من تعاليم الرسول ﷺ الكثير، فنفعت وانتفعت، حتى بلغ عدد أحاديثها التي روتها عشرة ومائتين وألفي حديث. ولو قورنت رواياتها بعدد روايات أمهات المؤمنين الأخريات لاتضحت الحكمة من هذا الزواج، فإن أكثرهن حديثا بعد عائشة هي أم سلمة بنت أبي أمية، ولم يتجاوز عدد أحاديثها ثمانية وسبعين وثلثمائة حديث، وشتان ما بين الرقمين! وأما الأخريات فقد روت ميمونة ستة وسبعين حديثا، وروت أم حبيبة بنت أبي سفيان خمسة وستين حديثا، وروت حفصة بنت عمر ستين حديثا، وروت كل من جويرية وسودة بنت زمعة خمسة أحاديث، وروت زينب بنت جحش تسعة أحاديث، وروت صفية عشرة أحاديث، ولم ترو زينب بنت خزيمة شيئا، فلو جمعنا حديث سائر أمهات المؤمنين لبلغت ثمانية وستمائة حديث فقط وهي أقل من ثلث عدد أحاديث عائشة!!
هذا فضلا عن فقهها وفتاويها وخاصة في شؤون المرأة. وكان زواجه من عائشة ﵂ بعد رؤيا تكررت، مما يدل على أن الزواج منها كان بإرشاد الوحي لأن رؤيا الأنبياء حق، وهي جزء من الوحي، روى البخاري قالت عائشة: "قال رسول الله ﷺ "أريتك قبل أن أتزوجك مرتين، رأيت المَلَك
стр. 640
يحملك في سَرَقة من حرير فقلت له: اكتشف، فكشف فإذا هي أنت. فقلت: إن يكن هذا من عند الله يُمضِه". وقد تكررت الرؤيا كما أخبر ﵊ (١). أما سودة بنت زمعة ﵂ فكانت ثيباً كبيرة السن، تزوجها على أثر وفاة خديجة ﵂، لترفق بأولاده الصغار من خديجة، وتطييبا لخاطرها فقد كانت زوجة للسكران بن عمر، وكان مسلما فهاجر بها إلى الحبشة، ثم رجعا فمات زوجها بمكة، وكان أبوها شيخاً كبيراً أقعدته السن، وكان أخوها عبد بن زمعة مشركاً عنيداً، حتى حثا التراب على رأسه عندما علم بزواجها من رسول الله ﷺ (٢). أفليست هذه الظروف المحيطة بهذا الزواج تكشف عن طبيعة دوافعه وحقيقة مقاصده. من حماية الأيَّم وحضانة الأولاد؟.
ولما كبرت سودة خشيت أن يطلقها الرسول ﷺ ، فآثرت عائشة ﵂ بيومها وليلتها، لتبقى في عصمة الرسول ﷺ (٣)، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤) قالت عائشة في سبب نزول الآية: لا يستكثر منها، فتكون لها صحبة وولد، فتكره أن يفارقها فتقول له: أنت في حلّ من شأني" (٥).
وهكذا بقيت سودة في عصمة الرسول ﷺ حتى وفاته لتبعث في أزواجه يوم القيامة.
وأما حفصة بنت عمر ﵄ فقد توفى زوجها الصحابي خنيس بن حذافة السهمي بالمدينة، فتزوجها رسول الله ﷺ إكراماً لأبيها.
وأما زينب بنت خزيمة فكانت متزوجة من عبيدة بن الحارث، فاستشهد بعد بدر، فتزوجها رسول الله ﷺ جبراً لخاطرها.
стр. 641
وأما أم سلمة بنت أبي أمية فقد مات زوجها أبو سلمة بالمدينة، بعد إصابته بجراح في أُحُد تاركا معها ولدين وبنتين، فتزوجها رسول الله ﷺ تكريماً لها ورعاية لأولادها.
وأما جويرية بنت الحارث فكانت بنت رئيس قبيلتها بني المصطلق، وقعت أسيرة مع نساء قبيلتها، فكانت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبته، ثم جاءت إلى رسول الله ﷺ تستعينه في قضاء المكاتبة، فعرض عليها الزواج وقضى عنها كتابتها وتزوجها فلما علم الناس بذلك أطلقوا سائر السبي وقالوا: أصهار رسول الله، فأعتقوا سائر السبي "فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها" وقد قصد الرسول ﷺ بالزواج منها تكريمها، وتأليف قلوب قبيلتها، وإطلاق سبيهم، وقد أثمرت هذه المعاملة الحكيمة ثمرتها فأسلم بنو المصطلق.
وأما زينب بنت جحش فهي ابنة عمة رسول الله ﷺ ، زوَّجها الرسول ﷺ من مولاه زيد بن حارثة، فكانت لا تشعر بأنه كفؤ لها لمكانها من قريش مما أدى إلى إخفاق الزواج، وقد تدخل الرسول ﷺ للاصلاح بينهما دون جدوى حتى نزل الوحي الإلهي يأمره بالزواج منها، لإبطال عادة جاهلية تتمثل بالتبني، وما كان يترتب عليه من آثار، منها عدم زواج الرجل من زوجة متبناه, وقد شق الأمر على الرسول ﷺ ، ولكن لم يكن وسعه إلا طاعة أمر الله، فكان أن تزوج منها، ولو كان الأمر يتعلق برغبة في الزواج منها لفعل قبل أن يزوجها مولاه زيد.
وأما صفية فقد كانت سيدة قومها، ووقعت في السبي في غزوة خيبر فأسلمت، فأعتقها الرسول ﷺ وتزوجها حفاظاً على مكانتها.
وأما ميمونة بنت الحارث فكانت أرملة كبيرة السن، وهي قريبة الرسول ﷺ ، ولم تمكث بعد زواجها إلاّ يسيراً.
وبعد هذا العرض لملابسات زواجه ﷺ تتبيَّنُ حقيقة مقاصده من الزواج، وهي مقاصد الإسلام في تأليف قلوب الناس، واجتذابهم إلى الإسلام، ورعاية الأرامل، وتربية اليتامى، وحفظ تعاليم الدين، وخاصة ما يتعلق منها بشؤون المرأة.
стр. 642
أفبعد هذا يجترئ المتشدقون فيمدّون ألسنتهم بالأراجيف الباطلة، والتهم الكاذبة لتشويه صفحة طاهرة من جوانب حياة النبي الكريم، وكأنه أمضى حياته في النعيم، وقضى وقته مع الزوجات العديدات، متناسين زهده وشظف عيشه حتى ضاقت بذلك أمهاتُ المؤمنين، وطلبن التوسعة عليهن في النفقة، فنزلت آية التخيير وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
فأمره الله تعالى أن يخيِّر أزواجه بين بقائهن معه، واحتمالهن عيشه وزهده، وبين الطلاق مع إعطائهن حقوقهن وتكريمهن، وقد اختارت أمهات المؤمنين البقاء في عصمته. وقد ذكرت عائشة "أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخيِّر أزواجه" قالت: فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: "إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري - أي تستشيري- وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه.
قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة (٢).
وأما بقية أزواجه ﵅ فقلن كما قالت عائشة، فصبرن على ضيق النفقة وقلة المئونة، رغم أنهن من عقيلات قريش والعرب، وعشن قبل الزواج في ثراء الآباء، وتذوقن رغد العيش، واعتدن الحياة الكريمة، لكنهن آثرن عند تخييرهن الله ورسوله والدار الآخرة.
وقد استفاضت الروايات في بيان قلة الطعام في بيوت رسول الله ﷺ ، فما كان أهله يشبعون من خبز الشعير يومين متتاليين، وكان جل طعامهم التمر،
стр. 643
وحتى التمر ما شبعوا منه حتى فتحت خيبر، وأما اللحم وخبز البر والسمن والقثاء فقلما كانوا ينالونه، وقد يمضي عليهم الشهر والشهران ما يوقدون ناراً تحت قدر لا لخبز ولا لطعام إلاّ نادراً، مكتفين بالتمر والماء, وقد يبيتون الليالي طاوين، لا يجدون عشاء، لقد خيِّرنَ فاخترنّ متطلعاتٍ إلى الرفيق الأعلى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
لقد انتبه كارلايل (Carlyle) إلى ظاهرة الزهد في حياة الرسول ﷺ فقال: "لم يكن محمد في حياته الشخصية من عشاق اللَّذة على الإطلاق، فقد كان متاع بيته يعد من أكثر الأمور اعتدالا، ومع ذلك فلم يحظ أي قيصر بتاجه بالطاعة مثلما حظي هذا الرجل بردائه الذي كان يرقعه بيده" (١)
واعتبر دروزة هذه الحادثة وما نزل فيها من القرآن "أقوى رد على سفهاء المبشرين ومغرضي المستشرقين الذين حاولوا النيل من أخلاقه الكريمة في نسبتهم حب الدنيا ومباهجها وشهواتها إليه، مع ما كان منه من استغراق في الدعوة وابتعاد عن ذلك في مكة، وتبدو قوة الرد حينما يلاحظ أن الآيات قد نزلت في أواسط العهد المدني وبعد أن تمكن من القضاء على أعدائه .. " (٢).
إن قصة زواجه من أم المؤمنين زينب بنت جحش أثارت جدلاً طويلاً لذلك يلزم تفصيل خبر هذا الزواج الذي نزل فيه قرآن.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣).
стр. 644
لقد ورد في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة، وزينب هي بنت عمة الرسول ﷺ أميمة بنت عبد المطلب وزيد بن حارثة عربي من بني كعب وقع في السبي في غارة على قوم أمه بني معن من طيء، فأشترى لخديجة أم المؤمنين ﵂ فوهبته لرسول الله ﷺ وقد رباه رسول الله وأحبه حتى ما كان يدعى إلا زيد بن محمد كما في حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين (١). وقد حاول حارثة والد زيد استعادة ابنه فرفض الابن إلاّ البقاء مع رسول الله ﷺ . وقد زوجه الرسول الكريم بمولاته أُم أَيمن، ثم زوجه ابنة عمه زينب بنت جحش، وقد نزلت الآيات الكريمة في شأن هذا الزواج الذي لم يكتب له التوفيق، والذي سجل اسم زيد في كتاب الله تعالى حيث انفرد بهذا الذكر من بين سائر الصحابة.
ويظهر من مجموع الروايات التي يسوقها الطبري في تفسيره (٢) أن الرسول ﷺ حين خطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، استنكفت منه وأعلنت عدم رضاها به، وقالت: أنا خير منه حسبا، وكانت امرأة فيها حدَّة فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فأسلمت زينب أمرها لله ولرسوله كانت امرأة عابدة أَوَّاهة، فتزوجت زيداً دون رغبة فيه.
والحق أن الوحي الإلهي تدخل مباشرةً في عقد هذا الزواج، كما تدخل أخيراً في فصم عُراه، فهو زواج يهدف إلى تحقيق أمر الله في تغيير عُرف ساد الحياة العربية في الجاهلية، وتأصل فيها حتى صارت له قدسية العقائد واحترام المحارم، ذلك هو نظام التبني بحيث ينسب الابن المتبني إلى متبنيه بدلاً من أبيه، وتترتبُ على ذلك حقوق في الميراث والحرمة تماثل حقوق الأبوة على البنوة من الصلب. ولا يخفى ما في ذلك من افتئات على الفطرة ومجانبة للعدل، وتجاوز
стр. 645
على الأنساب، فضلاً عن أن التحريم لا يكون إلاّ بوحي إلهي ولا يستطيع البشر ولو اجتمعوا أن يقرروا حرمة شيء أو حله.
ولكن كيف تبطل هذه العادة فيقلع الناس عن التبني وينتهون عن التحريم والتحليل من دون وحي إلهي؟
لقد اتجه الوحي الإلهي إلى التعامل مع الواقع القائم بصورة عملية كفيلة بالتغيير مباشرة، دون الاكتفاء بالاعلان النظري، وهذا التغيير الواقعي أقوى أثراً وأسرع في إحداث التغيير، فإقرار العدل يحتاج إلى سرعة التغيير، واجتثاث الانحراف والظلم، فكانت قصة زواج زينب بنت جحش من زيد وقصة انفصالهما تحكي تدخل الوحي في أولها وآخرها لإحداث التغيير السريع في الواقع القائم ... وهكذا كان.
نزلت زينب على قضاء الله ورسوله، فتزوجت زيد بن حارثة، ولم يتم التوافق بين الزوجين، وكلما اشتكى زيد زوجه للرسول ﷺ قال له: أمسك عليك زوجك مع علمه ﷺ بقضاء الله تعالى، وتقديره زواجه من ابنة عمته زينب بعد طلاق زيد لها ... وعلمه هذا كان يخفيه في نفسه، فمواجهة الأعراف المستقرة في قضية خطيرة كانت أمراً ثقيلاً، إذ كيف يتزوج زوجة ابنه - في عرف نظام التبني الجاهلي - ماذا تقول العرب وماذا يقول ضعاف الإيمان من المسلمين؟
لم تكن زينب بعيدة عن رسول الله ﷺ , بل كانت تحت عينه وفي رعايته، فلو كانت له رغبة في الزواج منها لما زوجها زيد بن حارثة ولكن ما كان له بد من تنفيذ قضاء الله.
لم يطق زيد العيش مع زوج لا تألفه فكان أن طلقها، فلما انقضت عدتها أرسل الرسول ﷺ زيداً نفسه يخطبها له، ففعل زيد ذلك وبذلك تبين أنه ما كان راغباً في استمرار زواجه بها، وكان راضياً عن زواجها برسول الله ﷺ ، إذ هو الذي قام بالخِطبة، وقد ذهب زيد إلى زينب خاطباً لرسول الله ﷺ , فلما رآها
стр. 646
هابها واستجلَّها من أجل إرادة النبي ﷺ تزوجها، فعاملها معاملة أمهات المؤمنين في الإعظام والإجلال والمهابة، كما يقول الامام النووي شارح صحيح مسلم (١).
ويروي زيد بن حارثة قصة الخِطبة كما في رواية صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال: "فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمِّر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتُها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها, ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن ... " (٢).
وكان ذلك في ذي القعدة في السنة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة على اختلاف الروايات قبل غزوة بني المصطلق، وقصة زواجها ترتبط بنزول الحجاب. فقد روى البخاري في "صحيحه" من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي ﷺ فخدمته عشر سنين، وتوفي النبي ﷺ وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، كان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، أصبح النبي ﷺ بها عروساً، فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المكث، فقام النبي ﷺ فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى النبي ﷺ ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة، ثم ظن أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي ﷺ ورجعت معه حتى
стр. 647
إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم خرجوا، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي ﷺ بيني وبينه بالستر وأنزل الحجاب" (١).
وكان رسول الله ﷺ صبيحة زواجه بزينب قد أولم عليها بشاة واحدة، وهي أعظم ما أولم على زوجة من أزواجه، كما في حديث أنس بن مالك الذي تقدم.
وكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ ، تقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات كما في صحيح البخاري (٢).
وهكذا كانت حادثة الزواج خرقا لعرف جاهلي سائد كان يؤدي إلى توارث باطل يحجب أصحاب الحقوق الفعليين. ويحرِّم زواج الرجل من امرأة تحل له، بزعم أنها كانت زوجة ابنه، وإنما هو متبناه. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣). ولم يكن للنبي ﷺ ابن بالغ مبلغ الرجال حين الخطاب، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٤).
فالعدل ألا يُحرم الوالد من نسبة ولده إليه، وأن تعود حقوق الإرث والحرمات إلى ما شرع الله تعالى في ذلك دون أهواء الناس وأعراف الجاهلية.
وقد يتصور البعض أن زيداً ﵁ لم يكن كفئا للقرشيات، فالحق خلاف ذلك فهو من أوائل المسلمين السابقين زوجه رسول الله بعد طلاقه زينب من عقيلات قريش أم كلثوم بنت عقبة وأروى بنت كريزة ودرة بنت أبي لهب وهند بنت العوام أخت الزبير.
وقد أملت الأهواء على بعض الرواة الضعفاء روايات لا يؤبه لقائلها بأن ما كان النبي ﷺ يُخفيه هو محبةُ زينب ورغبتُهُ في الزواج منها، والحق أن الوحي الإلهي أوضح علة هذا الزواج بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
стр. 648
وقد أشارت الآية إلى أن الله تعالى أنعم على زيد بالإسلام، وأن محمداً ﷺ أنعم عليه بالعتق والحرية، وارتضاه زوجاً لابنة عمته، وحاول جاهداً الإصلاح بينهما، وكتم العلم بما سيكون من زواجه منها حتى طلقها زيد ﵁ فخطبها وتزوجها بأمر الله تعالى إبطالاً لعادة التبني، وإرجاعاً للحق إلى نصابه.
стр. 649
جيل عصر السيرة
فضل الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم
ما هي خصائص الجيل الذي رباه محمد ﷺ فأقام دولة الإسلام، وخاض غمرات الجهاد ونشر دعوة الإسلام في الآفاق، وصار من أعظم الأدلة على نجاح التربية المحمدية، فإنه لم يسبق لنبي أن ربَّى جيلاً بكامله، كما فعل رسول الله ﷺ . فلنتعرف على هذا الجيل من خلال الكتاب والسنة والواقع التاريخي.
صفة الصحابة في القرآن والسنة:
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
هكذا يصف القرآن محمداً وصحبه، ذلك الجيل المثالي الذي حقق مستوى سامقاً في الارتقاء الروحي والخلقي، فصقلته العبادة وكساه الركوع والسجود نوراً وبهاءا، وحددت العقيدة مفاهيمه وقيمه وولاءه وبراءه ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ يوالون بعضهم ويحادون من سواهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ذلك الجيل الذي خلدته كتبُ السماء فوصفته التوراة والإنجيل والقرآن بهذا الوصف الرائع، ممثلةً امتداد قيمه وانتشار عقيدته وكثرة أنصاره وقوة وجوده واستمساك أمره بالزرع الذي يتفرع وينتشر ويزداد ويشتد ساقه، يعجب أهله الذين غرسوه ويغيظ الأعداء، وقد ذُكر عند الإمام مالك بن أنس رجل
стр. 650
ينتقص الصحابة رضوان الله عليهم فقرأ الإمام مالك هذه الآيات حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية.
ذلك الجيل الذي بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، وحفظ القرآن والسنة، ولو فرط فيهما ما وصلا إلينا سالمين محفوظين بحفظ الله تعالى، لذلك ذهب كثير من العلماء إلى أن الطعن في جيل الصحابة إنما هو طعن في مصادر تلقينا للقرآن والسنة. وبالتالي فهو طعن بالدين.
ذلك الجيل الموصوف بالخيرية والأفضلية المطلقة على سائر الأجيال كما أخبر المصطفى ﷺ : "خير الناس قرني. ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. إنَّ بعدكم قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُسْتَشهدون، وينذرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السِّمَنُ" (١).
وهذه الخيرية تجعل من جيل الصحابة مُثُلا عليا للمسلمين في كل زمان ومكان، فهم يتطلعون إليهم ويعتذرون بهم، ويقتدون بأعمالهم، ويسترشدون بسيرهم، تلك السير المتنوعة في الحرب والسلم والعبادة والمجاهدة والمعاملة مما يكفل للمسلمين في مختلف العصور نماذج متنوعة صالحة للاقتداء.
ففي الحرب تجد الصحابة مؤمنين محتسبين مجاهدين ثابتين وصفهم القرآن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
(٢).
وهم في السلم هداة معلمون، ومصلحون عاملون، وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم أَمَنةٌ لأمته، ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : "النجومُ أَمَنَةُ السماء، فإذا ذهبت النجومُ أتى السماءَ ما تُوعد، وأنا أَمَنةٌ لأصحابي, فإذا
стр. 651
ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون"
(١).
ومعنى أَمنةُ أمتي: أي حَفَظَتهم كما أن الملائكة حفظة السماء، وهذا الحفظ للأمة بحفظهم لدينها، وقيامهم بطاعة الله والتزام أوامره، ودعائهم للمسلمين، وذودهم عن الدين بالجهاد بالنفس والمال واللسان، لذلك أمر الرسول ﷺ المسلمين في كل زمان ومكان بتوقير الصحابة واحترامهم ومحبتهم، ونهى عن أذاهم وتناولهم بالكلام الجارح والجرأة عليهم، ففي الصحيحين قال رسول الله ﷺ :"لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحداً أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصِيفَه (٢) "، أي ما بلغ القدر اليسير من فضلهم.
وقد بشَّر رسول الله ﷺ العديد من الصحابة بالجنة فقال ونعم "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة, وعلي في الجنة, وطلحة في الجنة, والزبير في الجنة, وسعد بن مالك في الجنة, وعبد الرحمن بن عوف في الجنة, وسعيد بن زيد في الجنة" (٣). فهؤلاء هم المبشرون بالجنة. ولم يحظَ بذلك جيل سوى جيل الصحابة رضوان الله عليهم ولم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - متساوين في الفضل والدرجة، بل كانوا يتفاضلون في السابقة والجهاد وكثرة البذل في سبيل الإسلام، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٤) وقد فصلت الأحاديث الشريفة مقامات الصحابة وتفاضلهم ودرجاتهم.
روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي ﷺ :
стр. 652
"أهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (١) وهذا من علامات نبوته ﷺ فقد استشهد الخمسة الآخرون رضوان الله عليهم أجمعين.
ودل الرسول الكريم ﵊ على خصائص بعض الصحابة العلمية أو الخلقية أو الجهادية، إرشاداً للأمة للأخذ عنهم والاقتداء بهم فقال: "خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله وسالم ومعاذ وأبي بن كعب" (٢) وهم عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب.
وأشاد مرة بأبي بكر الصديق ﵁ وسماحته بماله ونفسه في سبيل الإسلام، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس قال: "خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال إنَّه ليس من الناس أحدا أمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر ابن أبي قحافة ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خُلَّة الإسلام أفضل، سُدَّوا عني كلّ خَوخَة في هذا المسجد غيرَ خوخة أبي بكر" (٣).
وأشاد ﷺ بعمر بن الخطاب فقال: "إن الله تعالى جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه" (٤).
وقال: "لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناسُ مُحَدَّثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحدٌ فإنه عمر" (٥).
وهكذا بين خصائص عمر بن الخطاب ﵁ حيث صار رمزاً للعدل في الإسلام، وبقيت سيرته الطافحة بالعدل الشامخ، والزهد في الدنيا، والجهر
стр. 653
بالحق، والقيام بمصالح الأمة من تنظيم الدواوين، ووضع الخراج، وتجهيز الجيوش، وتحرير المجتمعات من ظلمات الجاهلية، والأخذ بيد الشعوب نحو نور الإسلام، وكرامة الإيمان، وعدل الرحمن، فكان ملهماً محدثاً ذا فراسة. كما وصفه رسول الله ﷺ بالعمق في الدين والعلم، والعبقرية في العقل والاجتهاد والعمل.
وأشاد ﷺ بعثمان ذي النورين، الذي ما جمع أحد بين بنتي نبي سواه حيث زوَّجَهُ رسول الله ﷺ بنته رقية، فلما ماتت زوجه بنته الثانية أم كلثوم، لذلك لقب بذي النورين، وقد بشَّره رسول الله ﷺ بالجنة والشهادة. فافتدى الأمةَ وحقن دماءها بدمه، ورفض الانصياع للأعراب بالتنازل عن الخلافة بمشورة عبد الله بن عمر لئلا تصبح سنة كلما كره قوم أمامهم خلعوه أو قتلوه (١).
مما يدل على بصيرة سياسية، ووعي بالسنن الاجتماعية، وقدرة على اتخاذ الموقف في أحرج الظروف ومع أشد التضحيات.
وأشاد ﷺ بعلي بن أبي طالب، وزوَّجه بنتَه فاطمة الزهراء البتول، وشهد له بالجنة والشهادة، وروى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ خلَّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلِّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ (٢).
وروى الإمام مسلم أنه ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله .. فدعا علياً فأعطاه الراية (٣).
فهذه نبذة عن مكانة الصحابة الكرام مما يوجب موالاتهم ومحبتهم والاستغفار لهم وحفظ حقهم ومكانتهم.
стр. 654
مبادرة الصحابة إلى طاعة الله
كانت أجيال المسلمين في القرون الأولى تقرأ القرآن وكأنه ينزل على كل واحد منهم - رجلاً كان أو امرأة - غضاً طرياً، وكانت لغة التخاطب بينهم هي الفصحى التي نزل بها القرآن وقد أعانهم ذلك على فهم الخطاب الإلهي بسهولة ويسر، كما ولَّد الأثر القوي في نفوسهم، وسرعة الاستجابة التامة لتعاليمه وأحكامه.
ولا شك أن جيل الصحابة (رضوان الله عليهم) كان أسرع استجابة وأبلغ تأثراً، وأقدر على التخلص من عادات الجاهلية وتقاليدها وأعرافها، حتى لو كانت العادة الجاهلية قد استقرت منذ قرون وصارت عُرفاً مشروعاً وتقليداً مقبولاً.
قالت عائشة ﵂: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) شققن مروطَهُنَّ فاختمرن به" (٢).
ومن أبلغ المواقف التي بادر فيها الصحابة إلى إعلان الطاعة مع إحساسهم بالمشقة ما رواه أبو هريرة ﵁ قال:"لمَّا نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله كُلّفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والجهاد والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؟
قال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا:
стр. 655
سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فأنزل الله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال: نعم) رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال: نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (قال: نعم) (١)
فهذا الحديث يفيد سرعة مبادرة الصحابة إلى الطاعة حتى عندما يجدون في التكليف مشقة. وقد عرف الله تعالى منهم حسن الطاعة فأثابهم بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم، كما قال ابن عباس ﵁ عندما قرأ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قال: هم المؤمنون وسَّعَ الله عليهم أمر دينهم فقال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).
وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)(٥).
وقد جاء في الحديث النبوي "أن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٦).
والحديث يوافق الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ حيث استجاب الله تعالى لهم فقال: نعم كما في صحيح مسلم.
قال ابن كثير في معنى الدعاء في الآية: أي إن تركنا فرضا على جهة النسيان، أو فعلنا حراماً كذلك، أو أخطأنا الصواب في العمل جهلا منا بوجهه الشرعي" (٧).
стр. 656
وقد حددت الآية والحديث قاعدة عظيمة في تحديد المسئولية فالإنسان لا يسأل عن الخواطر التي تقع في نفسه ما لم يتكلم أو يعمل بها كما في صحيح مسلم قال ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به" (١).
إذ لا يسيطر الإنسان على الخطرات والصور التي ترد إلى ذهنه، ومن هنا أحس الصحابة رضوان الله عليهم بالحرج عندما نزلت الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ لكنهم بادروا بالطاعة فرفع الله عنهم الحرج، كذلك فالإنسان لا يُسأل إلا عن الأعمال التي صدرت منه في حال العقل والعمد والاختيار، ومن هنا لم يُعتبر الكفر مع الإكراه قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ولم يعتبر الطلاق للمجنون والمكره، ولم يعتبر ما أكله الصائم ناسياً قادحاً في صومه.
فهذا التيسير في الأحكام إنما كان ببركة مبادرة الصحابة إلى الطاعة مع الإحساس بالمشقة.
وقد حثَّ رسول الله ﷺ على المبادرة إلى الطاعة، خوفاً من تغير الأحوال وإقبال الفتن والأهوال، مما يصرف الإنسان أو يضعفه عن المبادرة إلى الإحسان والطاعات، فقال: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يُصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يُمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيعُ دينه بعَرَض من الدنيا" (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: "أن تصدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحُلقوم. قلت: لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا وقد كان لفلان" (٣).
стр. 657
فالحديث يبينِّ أهمية المبادرة إلى بذل الصدقة والمعروف، فالإنسان حين يبذل المال وهو في تمام صحته وعنفوان حياته، وهو إليه محتاج وعليه حريص، ينتابه الخوف من الفقر، وتتملكه الرغبة في جمع المال حباً له أو حيطةً لمستقبله ومستقبل عياله، هذا الإنسان حين يتصدق ويبذل فإنه يكون قد نجح في الامتحان، فغلب توكُلُه الصادقُ على كل الوساوس والخطرات، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
فالشيطان إذاً يورد على ابن آدم خواطر الشر والشك في وعد الله تعالى من الثواب على الأعمال الصالحة والصدقات وبذل المعروف ووعد رسول الله ﷺ بقوله: (ما نقصت صدقة من مال) (٢).
فيورد عليه الشيطان الوساوس يقول: أمسك عليك مالك فإنك تحتاجه، وبادر إلى اللذات والنعيم بالدنيا قبل فواتها، يقول رسول الله ﷺ مبيناً الصراع الذي ينتاب الإنسان بين وساوس الشر يلقيها الشيطان وخواطر الخير يلقيها الملاك: للشيطان لَمَّةٌ بابن آدم وللمَلَك لَمَّة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. وأما الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٣).
ولعل أقوى ما يدفع لَمَّة الشيطان وإلقاءه الوساوس حال الاقتراب من الإنسان أن يبادر الإنسان إلى فعل الطاعة. وبذلك يقطع السبيل على الوساوس والخطرات التي تستهدف إضعاف إيمانه والنيل من توكله على الله تعالى وتصديقه بوحيه وإخباره.
стр. 658
وقد روى الصحابي جرير البجلي ﵁: أن قوما من المسلمين وفدوا على رسول الله ﷺ في أول النهار، فإذا هم عراة حفاة يلبسون أكياس الصوف وعليهم السيوف، فتغيَّر وجه الرسول ﷺ إشفاقاً عليهم، وجمع الناس، وحثهم على الصدقة، وقرأ عليهم الآيات في ذلك ومنها ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (١). فتتابع الناس حتى جمعوا كومين من طعام وثياب، فتهلل وجه الرسول ﷺ فرحاً بمبادرة الصحابة إلى معونة إخوانهم وطاعة ربهم (٢).
стр. 659
تجرد الصحابة للدعوة إلى الإسلام
قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
هذه الآيات الكريمة نزلت في وصف المهاجرين والأنصار من صحابة رسول الله ﷺ ، وهي توضح تجردهم لدعوة الإسلام، فلم يقف حب الديار والتعلق بالمال عائقاً أما خدمتها، فلما أمروا بالهجرة سارعوا إليها تاركين ما ألفته النفس من الديار، وما حازوه من المال تجرداً للدعوة، وابتغاء مرضاة الله التي تعلو على كل حظوظ النفس، وقد وصفتهم الآيات بالإيمان الصادق وتسديد النية في ابتغاء فضل الله ورضوانه، فليس لهم مطمع في المال والجاه والشهرة، وعندما يحين وقت البذل والعطاء نجد أيديهم سمحة بالمال ممدودة بالسخاء، لا تقف عند حدود بذل المال الزائد والفضل عن الحاجة بل تحقق ما هو أرفع ... تحقق الإيثار على النفس المحتاجة .. فتحرم من حاجتها لتلبي حاجة العقيدة أولاً .. لقد انخلع جيل الصحابة عن الشح ليحققوا الفلاح الذي وصفتهم به الآيات بعد أن استحقوا صفة النصرة لله وللرسول، وبذلك صاروا رموزا شامخة وأعلاماً هادية وقدوات سامقة تتطلع أجيال المسلمين إليهم بكل فخر واعتزاز وبكل تمجيد وتقدير، وما أحسن وصف ابن مسعود لأبناء جيله من الصحابة حين قال: "من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم"
стр. 660
نهض الصحابة رضوان الله عليهم بالدعوة إلى دين الله، وعبَّروا عن مضامينه ومقاصده أجمل تعبير، مما يدل على وعي عميق بواقع عصرهم، ومقاصد دينهم .. قال ربعي بن عامر لقائد الفرس رستم: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيف الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" (١).
وكان الصحابة يحملون رسالة إلى أهل الأرض، وكان أشد فرحهم عند دخول الناس في الإسلام، وكانوا بذلك واعين لأهدافهم حريصين على نشر عقيدتهم مستوعبين لقوله ﵊ لعلي ﵁ يوم خيبر: "لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم" (٢).
وكانت قياداتهم بعد رسول الله ﷺ تؤكد هذا المعنى .. قال الصحابي الجليل أنس بن مالك: "بعثني أبو موسى الأشعري بفتح تُسْتَر إلى عمر، فسألني عمر وكان ستة نفر من بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين - فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت يا أمير المؤمنين، قوم قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين ما سبيلهم إلا القتل. فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلما أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء - أي من الذهب والفضة -.
قلت: يا أمير المؤمنين، وما كنت صانعا بهم لو أخذتهم؟
قال لي: كنت عارضا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم وإلا استودعتهم السجن" (٣).
ولما عرض المقوقس على عمرو بن العاص الجزية عند فتح الإسكندرية على أن يرد إليهم الأسرى، كتب عمر بن الخطاب إلى ابن العاص بقبول الجزية، وتخيير الأسرى بين الإسلام والنصرانية .. وقد وصف موقف التخيير
стр. 661
شاهدُ عيانٍ هو زياد بن جزء الزُّبيدي، قال: "فجمعنا ما في أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا، ثم نخيِّرهُ بين الإسلام والنصرانية، فإذا اختار الإسلام كبَّرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية. قال: ثم نحوزه إلينا. وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعاً شديداً حتى كأنه رجل خرج منا إليهم.
قال: فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم.
وقد أُتي فيمن أتينا به - بأبي مريم عبد الله بن عبد الرحمن، فوقفناه فعرضنا عليه الإسلام والنصرانية - وأبوه وأمه وأخوته في النصارى - فاختار الإسلام فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وأخوته، يجاذبوننا حتى شقَّقوا عليه ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا (١) ".
وهذه الحادثة تكشف عن مشاعر الصحابة، وتعلقهم بدينهم، ورغبتهم الصادقة في إسلام الناس، وإن سقطت الجزية عنهم، ثم هي تكشف عن جو الحرية الدينية، وعدم إجبار أحد على اعتناق الإسلام حتى مع القدرة عليهم.
ولم يكن طريق الإسلام في جيل الصحابة معبداً مفروشاً بالزهور، وخاصة في أولى مراحل الدعوة بل كان محفوفا بالأخطار، وكان الدخول فيه امتحانا شاقا لا تجتازه بنجاح إلا الهمم الشامخة والنفوس العالية، التي حازت الإيمان والتقوى والإخلاص والمجاهدة .. مرَّ رجل بالمقداد بن الأسود ﵁ فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت!! فقال المقداد: ما يحمل أحدكم على أن يتمنَّى محضراً غيَّبه الله عنه. لا يدري لو شهده كيف يكون فيه! والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام - كبهم الله على مناخرهم في جهنم - لم يجيبوه ولم يصدقوه! أولاً تحمدون الله إذ أخرجكم الله لا تعرفون إلا ربكم مصدِّقين بما جاء
стр. 662
به نبيكم ﵇، وقد كُفيتُم البلاء بغيركم؟! والله لقد بُعث النبي ﷺ على أشدِّ حال بعث عليه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرَّق به بين الحق والباطل، وفرَّق بين الوالد وولده، حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو خاله كافراً. وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان، ليعلم أنه قد هلك من دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه - أي أقربائه - في النار، وإنها للتي قال الله : ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
وكان معظم الصحابة من الفقراء، وكانت الدولة الناشئة في المدينة المنورة لا تملك الأموال، فلا مطمع لمن يدخل في دين الله في نيل المال أو الجاه أو أي من أعراض الدنيا، ومن طريق الروايات التي تصور فقرهم وحالهم ما أخرجه البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل سهل بن سعد ﵁ قال: كانت منا امرأة تجعل في مزرعة لها سِلْقًا، فكانت إذا كان يوم الجمع تنزع أصول السلق فتجعله في قِدْر، ثم تجعل قبضة من شعير تطحنه، فتكون أصول السلق عَرْقَة - أي عظمه ولحمه -.
قال سهل: كنا ننصرف إليها من صلاة الجمعة فنسلم عليها، فتقرب ذلك الطعام إلينا، فكنا نتمنَّى يوم الجمعة لطعامها ذلك - وفي رواية: ليس فيها شحم ولا وَدَك، وكنا نفرح بيوم الجمعة" (١).
وقد تحمَّل الصحابة الكرام من الجوع والعطش والحرِّ والبرد والأذى، فصبروا على الامتحان، وآثروا العقيدة على نعيم الدنيا، فاستحقوا المكانة التي وصلوا إليها حيث خلدهم كتاب الله تعالى بما وصفهم به من عاطر الثناء، وحفظت لهم الأمة الإسلامية قدرهم على مدى الزمان.
لقد كان الصحابة يلتزمون بالبيعة لرسول الله ﷺ ، ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وكان للبيعة قيمة عالية فهي التزام حرُّ وتعاقدٌ بين الطرفين، وقد دلَّلوا
стр. 663
دائماً على صدق التزامهم فلبَّوا داعي الجهاد وخاضوا غمار المعارك في أماكن نائية عن ديارهم، ودُفِنَ كثير منهم في أطراف الأرض ما بين كابل والقسطنطينية والقيروان وما عرفوا القعود عن الجهاد والحفاظ على الكرامة والذود عن العقيدة.
وبيعة الناس للخليفة تدل على أن الأمة هي مصدر السلطة، وأن السلطة ليست ثيوقراطية، وليست ممنوحة من الله لأحد من البشر بل هي تعاقد بين المسلمين وحاكمهم على أن يطيعوه في العسر واليسر والمنشط والمكره، مقابل حفاظه على دين الله، وإنفاذه حكم الله، وحفظه للأمن، وتحقيقه لمصالح الرعية، فلا كهنوت في الإسلام ولا تفويض إليهاً، بل بيعة حرة يدرك الطرفان، الأمة والحاكم عمق معناها ومدى التزاماتها؛ ذلك العمق والالتزام النابعان من معنى الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١).
وما أدق تعبير عمر بن الخطاب ﵁ حين قال له عمير بن عطية الليثي ﵁: يا أمير المؤمنين ارفع يدك - رفعها الله - أبايعْكَ على سُنَّة الله ورسوله. فرفع عمر يده وضحك وقال: هي لنا عليكم ولكم علينا. فالتزام البيعة إذاً يشمل الراعي والرعية.
لقد خلد القرآن الكريم مواقف المسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار في آيات كثيرة. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).
والسابقون الأولون هم الذين صلَّوا إلى بيت المقدس أولاً ثم صلوا إلى الكعبة بعد تحويل القبلة إليها، وهذا الرأي قال به سعيد بن المسيب، ومحمد ابن سيرين، وهما من كبار التابعين. وتحويل القبلة إلى الكعبة كان في السنة الثانية من الهجرة بعد ستةَ عشرَ شهراً من قدومه ﷺ إلى المدينة، فمن كان على الإسلام قبل هذا التاريخ فهو من السابقين الأولين.
стр. 664
إنَّ أولى السابقة تحمَّلوا المسئولية في ظروف الشدة والخطر، فالمهاجرون ضحوا بالأهل والمال والديار، وهاجروا لنصرة عقيدتهم، والأنصار عرَّضوا مدينتهم للخطر، وآثروا العقيدة بالنفس والمال والأمن.
وقد تفاضل الصحابة - رضوان الله عليهم - حسب قدمهم في الإسلام وخدمتهم للعقيدة، فكان البدريون طبقة أولى فهم من السابقين الأولين، وكان من شهد أُحُدًا طبقة ثانية، وكان من شهد الخندق طبقة ثالثة، ومن شهد بيعة الحديبية طبقة رابعة، ومن أسلم في ما قبل الفتح طبقة ومن أسلم بعد فتح مكة طبقة.
وروى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ استأذن الرسول ﷺ في أن يقتل حاطب بن أبي بلتعة وهو صحابي بدري، حاول أن يرسل خبر إعداد المسلمين لفتح مكة إلى قريش، لكن الرسالة سقطت بيد المسلمين، واعترف حاطب بأنه أراد أن يحمي أهله بمكة من أذى قريش، وهنا نجد أن سابقة حاطب وشهوده بدراً تشفع له، فلا يأذن الرسول ﷺ لعمر بقتله بل يقول: إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلَّع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" (١).
وقد اشتكى أحد عبيد حاطب بن أبي بلتعة عليه عند رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله ليدخلنَّ حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : كذبتَ لا يدخلها إنه شهد بدراً والحديبية" (٢).
وقد قال رسول الله ﷺ : "لن يدخل النار أحدٌ شهد بدراً والحديبية" (٣).
وقد اختص عمر بن الخطاب أهلَ السابقة والخدمة للإسلام بعطاءٍ أوفر من الدولة، وهكذا قرن بين التكريم المعنوي والمادي لتمكين هؤلاء الرجال من العيش الكريم، ولتقوية نفوذهم في المجتمع، وتدعيم مركزهم في القيادة
стр. 665
والتوجيه، وهي التفاتة تدلُّ على عبقرية أمير المؤمنين عمر ﵁.
روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغاراً، والله ما ينضجون كُراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع - أي السنة المجدبة - وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ .
فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: مرحباً بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما، وحمل بينهما نفقة وثيابا، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها.
فقال عمر: ثكلتك أمُّك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمناً فافتتحناه، ثم أصبحنا نستفييء سهماننا فيه".
وقد تكرر ذلك من عمر ﵁، فقد قسَّم مروطا (أكسية من صوف أو خز) بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيِّد، فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك - يريدون أم كلثوم بنت علي ﵁ وكانت زوجة لعمر بن الخطاب.
فقال عمر: أم سُليط أحق به، فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ وكانت تحمل للناس القرب يوم أحد (١).
وهكذا فإن تكريم الأبطال الذين يقدمون خدمات عظيمة للمجتمع انسحب على أبنائهم، وبذلك يعرف الناس جميعاً أن تضحياتهم لا تضيع في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
стр. 666
ولا شك أن الإسلام جعل اتباعه يتطلعون إلى ما عند الله من الأجر العظيم، الذي لا يعدله شيء من تكريم الدنيا مهما عظم، فقد صحّ أن أعرابياً شهد فتح خيبر أراد النبي ﷺ أثناء المعركة أن يقسم له قِسْمًا وكان غائبًا، فلما حضر أعطوه ما قسم له، فحاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأدخل الجنة.
قال: إن تصدق الله يصدقك.
فلبثوا قليلا. ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفَّنه النبي ﷺ بجُبَّتِه وصلَّى عليه ودعا له فكان مما قال: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، وأنا عليه شهيد" (١)
وقد أثبت الأبطال المسلمون ترفعا على الدنيا وما فيها, وشمخت نفوسهم إلى الرضوان الأكبر، فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "والله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية، أنه يريد الدنيا مع الآخرة" (٢).
ولما قُدِم بسيف كسرى على عمر ومِنْطَقَتِه وزِبْرجِهِ، قال عمر: ان أقواما أَدَّوا هذا لَذَوو أمانة.
فقال علي ﵁: إنَّكَ عففتَ فعفَّت الرعية (٣).
ومن أجل مظاهر تكريم الصحابة في الإسلام أنهم اعتبروا موضعَ قدوة وتأسٍ من بين المسلمين، فكتبت سيرهم وعرفت أخبارهم وبلغت كتب التراجم التي خلدت ذكراهم عشرات الألوف من الكتب، فلم تعنَ أمة بتسجيل تراجم رجالاتها مثل عناية الأمة الإسلامية، وهذا هو السبب الذي جعل كتب التراجم أوسع موضوعات المكتبة العربية الإسلامية.
стр. 667
وكان العلماء قديماً وحديثاً يوجِّهون النشأ إلى النظر في سيرة الرسول ﷺ ، وسير أصحابه الغر الميامين، لينشأوا على حب البطولة والأبطال، وليتأسوا بخلق أصحاب المروءة والشجاعة والكرم والصدق والعفاف والمعروف. وقد نبَّه القرآن الكريم إلى ضرورة تحقيق هذا المنهج في الاقتداء بالصالحين فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). والاقتداء بالرسول ﷺ شامل لمنهجه في مطالب الدين والدنيا لأنه لا ينطق عن الهوى بل هو وحي يوحى.
أما الاقتداء بالعظماء والصالحين من البشر فيكون في الجانب الذي تميزوا به مما يتطابق مع أحكام الشرع ومقاصده، فيستفاد من تطبيقهم ذلك في حياتهم لتوضيح المعنى وإبراز موضع القدوة، مع ضرورة اعتبار بعض القواعد، ومنها أن الأفذاذ من الأبطال والصالحين لهم أخطاؤهم أيضاً، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم ﷺ ، ومن هنا تظهر أهمية قاعدة "اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال" فمن المهم وضوح الحق وتميزه ومعرفة الباطل وتميزه، وقد قال الإمام أحمد: "من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال".
والصحابة أنفسهم يتفاضلون في السابقة والجهاد والعلم بالقرآن والسنة والفقه، فمنهم البدريون والأحديون وأصحاب الخندق ومسلمة ما قبل الفتح ومسلمة ما بعد الفتح، ولا شك أن أصحاب السابقة هؤلاء يمتازون بأنهم رموز الدعوة الإسلامية ومثلها العليا، وكانت أعمالهم سوابق تُحتذى، كما أن النبي ﷺ نص على أن أعمال الخلفاء الراشدين سنّة تُحتذى، وسوابق يقاس عليها، وذلك في الحديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ" (٢).
ونجد الآية الكريمة هنا توجه المؤمنين إلى إتباع أهل السابقة ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾.
стр. 668
ونجد الخليفة عمر بن الخطاب يختص أهل السابقة من البدريين بأعلى العطاء، وكان يدرك أن ترسيخ جذور هذه الفئة وتقويتها بالدعم المادي والأدبي يمكنها من القيام بدورها خير قيام، ويجعلها تتخلص من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك تعين على ترسيخ القيم الإسلامية والحفاظ عليها، وتمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن تعيقها الحاجة، أو تستذلها المادة، أو تخيفها من قولة الحق.
إنَّ لكل مجتمع رموزاً وقادة يمثلون قيمه، ويوجهون الأمة نحوها، ورموز المجتمع الإسلامي الأول هم صحابة رسول الله ﷺ ، وأفضلهم أهل السابقة، فقد محَّصتهم الفتن، وامتُحِنوا بالنفس والنفيس، فاسترخَصوا كل شيء من أجل رفع راية العقيدة الإسلامية.
هذا صهيب ﵁ أقبل مهاجرا نحو النبي ﷺ ، فتبعه نفر من قريش مشركون، فنزل فانتشل كنانته فقال: قد علمتم يا معشر قريش أني أرماكم رجلا بسهم، وأيم الله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم شأنكم بعد ذلك، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وتخلوا سبيلي، قالوا: نعم. فتعاهدوا على ذلك فدلَّهم، فأنزل الله على رسوله القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (١). حتى فرغ من الآية. فلما رأى النبي ﷺ صهيبا قال: ربح البيع يا أبا يحيى! ربح البيع يا أبا يحيى! وتلا عليه الآية (٢).
وأمثال صهيب كثير عافوا الأرض والأهل والمال، وهاجروا بأنفسهم إلى الله ورسوله، فكانوا مادة الإسلام ورجاله الأولين. وكانت الهجرة نصرةً لدين الله ودفعاً لفتنة الإِقامة بين ظهراني المشركين، كذلك كانت بيعة الأنصار في العقبة الثانية على النصرة، فقد مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في
стр. 669
منازلهم عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول: "من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ "فلا يجيبه أحد يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر، فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. حتى بعث الله إليه الأنصار فآووه وصدقوه ونصروه (١).
وأنفق الأنصار النفقة العظيمة، وواسوا المهاجرين بأموالهم، وآثروهم على أنفسهم حتى قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل القوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المؤونة واشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال ﷺ : لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" (٢).
وقد استحق الأنصار وصف رجال العقيدة المخلصين كما قال لهم ﷺ : "إنكم ما علمت تكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع". وتخليداً لمروءتهم وعفتهم وشهامتهم قال ﷺ : "ما يضر امرأة نزلت بين بيتين من الأنصار، أو نزلت بين أبويها" (٣).
وهكذا كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم يقدم التضحيات الجسيمة في سبيل نصرة دين الله، فمكَّن الله لهم في الأرض كما وعدهم - ووعدُهُ الحقُّ - بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤).
وقد دلَّل التاريخ على نجاح التربية المحمدية للصحابة رضوان الله عليهم، فبرز منهم عظماء الإسلام من الخلفاء والولاة والقضاة والقادة والعلماء والمربين، وتمكنوا من إرساء قواعد العقيدة ومنهاج الشريعة وأصول التربية وقيم الأخلاق
стр. 670
في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، فلما توفي رسول الله ﷺ ترك في الدنيا الرجال الذين رباهم على عينه، وقد ودعهم الوداع الأخير عندما أطل عليهم من حجرته صفوفاً منتظمةً خلف الصديق ﵁ فابتسم ابتسامة الرضا والطمأنينة والثقة على مصير العقيدة في أيدي الصحابة الثقات.
وتتالت الأحداث الخطيرة بعد وفاته وعجم التاريخ عود الصحابة واختبر صلابة قناتهم التي لا تلين .. ارتد الأعراب خارج المدينة ومكة والطائف وامتنعوا عن أداء الزكاة، ونصح بعض الصحابة أبا بكر الصديق ﵁ أن يدعهم يصلون ولا يؤدون الزكاة فقال: "والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو ضعوني عَناقًا كان يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" (١). فقاتل الأعراب حتى رجعوا إلى الإسلام، وأعاد توحيد الدولة، ونظم حملات الجهاد لفتح العراق والشام.
وتوفي أبو بكر ﵁ وبايع الناس عمر بن الخطاب، فحرص الناس على الجهاد، وأتم فتح العراق وإيران والشام ومصر، وأعاد تنظيم الجيش ورتب ديوان الجند وفرض الخراج على الأراضي المفتوحة عنوة، وعزز استقلال القضاة عن الولاة، وحقق قول النبي ﷺ فيه: "لم أر عبقرياً يفري فريه" (٢).
وعزَّز مبدأ الشورى وطبقه في حياته وعند وفاته، وبذلك أكَّد على دور الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد، وصارت سيرته رمزاً للعدل المطلق على مدى التاريخ، ومات غيلة على يد أبي لؤلؤة المجوسي.
وهكذا كان دور عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب في إقامة صرح الإسلام، وتوسيع رقعة دولته، ودعاء الناس إلى إعتناقه، وإقامة الشرع الحنيف وأحكامه بين أتباعه، وإعلاء راية الجهاد، ونشر العلم، وإشاعة الفقه وتولي الفتيا، وإطفاء الفتن، حتى ماتا شهيدين - كما بشَّرهما رسول الله ﷺ .