← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

النبي ﷺ : أنه قطعَ في بيضة قيمتَها ثلاثون درهماً (١)، وهذا الحديث لا يساوي سماعه، وإنما معنى الحديث تحقير العبد المتعرض للسرقةِ المتلبس بدناءاتها المتوصل من قليلها إلى كثيرها، فإن الخيرَ عادة، والشر لجاجة (٢)، ويعود ذلك إلى ضرب المثل وذلك كثير في الشريعة في تحقير المحمَر وتعظيم المعظم كقوله ﷺ : (من بني لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاةٍ بني الله له بيتاً في الجنة) (٣) والمراد بذلك المبالغة في تعظيم ثوابِ المساجدِ مع صغر بنائِها. ووجه المثل أن من بني لله مسجداً لا يُصَلي فيه إلا واحد كأفحوص القطاةِ التي لا يسع سواها. المعقد الثاني: قالت طائِفة لا يؤبه لها أن القطعَ لا يقف على أخذِ المالِ من الحرز لعموم هذه الآية (٤)، وهذا مصَادمة للإجماع السابق من الأمة قبلهم، مع أنه يرده أمران ظاهران. أما الأول: فإن السرقة تقتضي حفظاً يخالفُ بالأخذِ فإذا لم يكن هنالك حافظ لم يكن هنالك سارق، ولأجل هذا لم يعد آخذ المالِ الملقى على الطريق والمطروح في المفازة سارقاً لأنه لم يكن له حافظ. والثائي: قول النبيُّ ﷺ : لا قطع في ثمرٍ ولا كثر إلَّا ما أواه الجرين (٥)، فشرط في وجوب القطع وضع المالِ في موضع الحفظ. المعقد الثالث: القول في النصاب. لما ثبت الفرق بينَ قليل المال وكثيره في وجوب

стр. 1017

القطع، تعينَ الوقوف على مقدار يتعلق به الحكم، ويرتبط به التكليف، فلو وكلته الشريعةُ إلى الاجتهاد لجاز، ولكن البارىء تعالى تولى بيان حكمه على لسانِ رسولهِ فقدره بربع دينارٍ من نصاب الذهب (١)، وبثلاثة دراهم في نصاب الفضة (٢) كذلك ادعته المالكية وقالت الشافعية لا نصاب للفضة في السرقةِ وادعت أن النصابَ مقصورٌ على الذهب، وادعت الحنفية أن نصابَ السرقة عشرة دراهم، وتعلقت في ذلك بآثارٍ مروية عن النبي ﷺ أنه قطع في مجنٍ قيمته دينارٍ. رواه أبو داود (٣) وروى النسائي عشرة دراهم (٤)، وكذلك روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده بلفظه (٥)، وقد تعلق الشافعي بما روى الجميع أن النبى ﷺ

стр. 1018

قال تقطع اليد في ربع دينارٍ فصاعداً (١)، واحتجت المالكية بما احتجت به الشافعية أيضاً، وبحديث عبد الله بن عمر الذي اتفق عليه الكل أيضاً أن النبيَّ ﷺ قطع في مجنٍ قيمته ثلاثة دراهم وهذا نصَ في النَصابين من الذهب والفضةِ في الصحيح، فيبطل بذلَك مذهب الشافعيةِ (٢) وأما حديث الحنفية فضعيف، والدليل على ضعفه ترك الخلفاء العملَ به، فقد قطع عثمان في ثلاثةِ دراهم (٣)، والتقدير عند أبي حنيفة لا يثبت بقياسِ، وعند الجميع لا يثبت إلا بنصِ القرآن أو بخبرٍ صحيح. المعقد الرابع: إذا ثبت اعتبار القيمة في النصابِ فإنما يُعتبرَ يومٍ الجناية وذلك حينَ سرق. وقال أبو حنيفه: تعتبر القيمة يوم القطع ومذهب مالك يتردد كثيرًا في مسائل الضمان بين اعتبار القيمة يوم الجناية أو يوم القضاء لأدلة تتعارض هنالك، ومهما وقع الاختلاف هنالك في حالة الاعتبار فلا ينبغي أن يكون هنا اختلاف في أن الاعتبار يوم الجنايةِ، فإن في ذلك اليوم تعلق الضمان بذمة السارق ولم يطرأ ما يعارضه فإن قيل: قد طرأ وهو تنقيص القيمةِ يوم الحكم فكيف يقطع الحاكم في درهمين، والقطع مما يسقط بالشبهةِ. قلنا: ليست هذه الشبهة مما يسقط بها القطع، فإن الضمانَ قد يتعلق بذمةِ السارق، وقد اتفقنا على أنه يغرم ثلاثة دراهم، وكيف نأخذ من يده ثلاثة دراهم ونسقط القطع. المعقد الخامس: إذا طرأ ملك السارق على السرقةِ لم يسقط القطع، لأنه ملك طرأ بعد وجوب الحد فلا يسقطه أصله إذا اشترى الجارية بعد الزنى بها ويعضده وهو نص فيه حديث صفوان بن أمية حين سرقَ سارق ردآءه وقد توسده ونام في المسجد. فقال صفوان

стр. 1019

"هو عليهِ صَدقة فقال رسول الله: (فهلا قبل أن تأتيني به) " (١). فإن قيلَ: هذا الحديث لا حجة فيه، فإنه مضطرب لأنه روي أنه نام في المسجد فتوسد رداءه، وروى أبو داود والنسائي أنه توسدَ خميصة قيمتُها ثلاثون درهماً، فجاء رجل فاختلسها، فأخذ الرجل فأتى به رسول الله ﷺ فأمر به ليقطع، قال صفوان: فقلت: أتقطعه من أجلِ الثلاثين درهماً، أنا أبيعه وانسئه بثمنها. فقال رسول الله ﷺ فهلا قبل أن تأتيني (٢) به وروى النسائي أن ذلك كانَ بمكة. فقال إنه طاف بالبيت ثم أخذ رداءه فتوسد ونام (٣). الحديث. قلنا: الحديث صحيح (٤) وهذا الاضطراب الذي فيه لا يسقط الحجة منه لأنه لم يرد الاضطراب في موضح الدليل وهو أن الملك لا يسقط الحجة منه. المعقد السادس: كل مالٍ يباع ويبتاع وتمتد إليه الأطماع تتعلقُ به السرقة. وأسقط أبوحنيفة السرقة في مسألتين من ذلك: إحداهما: قال: لا قطع فيما كان أصله على الإباحة لشبهة الشركة المتقدمة فيه وهذا ضعيف، فإن ما تقدم من الشركة لا ينتصب شبهة في حدِ السرقة، أصله خلُوص الملك في الجارية المشتركة لأحد الشركاء لا يسقط باتفاقٍ حد الزنا عمن وطئها ممن خرجَ عن حصته فيها. الثانية: قال أبو حنيفة: ما يسارعُ إليهِ

стр. 1020

الفساد من المأكولات ولم يصلح للادخار لا قطع في سرقته، لأنه معرض للتلفِ لا قطع على من سرقه، كالملقى بمضيعة (١). قلنا: لا يشبه هذا فهم أبي حنيفة، فإن المال الملقى بمضيعة لا يتعلق به طمع ولا يجوز فيه بيع فصار في حيز المعدوم والمال الملقى بمضيعة قصد به التعريض للتلفِ، والمال الذي يصلح للبقاء والادخار، إذا حوولت فيه صنعة يسرع معه الفسَاد إليها، فلم يقصد فيه الفسَاد والتعرض للتلفِ، وإنما قصد فيه الاستصلاح للذة والبقاء، ومن ضرورة جبلة ذلك حسب ما أجرى الله العادة فيه أن يفسد، فذلك فساد ضرورة لا فساد قصد، فلم يصح أن يعتبر بشيء من ذلك. المعقد السابع: يقطع النباش عندنا، وبه قال الشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة لا يقطع لوجهين: أحدهما: عدم السرقة. الثاني: عدم الحرز. قال: وعلي تأصيل زائد إلى ذلك أنه قصد به الفساد والتعريض للتلف، فصار كالملقى بالمضيعة، ولذلك قال الصديق الحي أحوج للجديد من الميت، إنما ذلك للمهلة (٢) والصديد (٣)، قال: أما عدم السرقة، فإنما تكون السرقة عند تحديق أعين النظار الحفاظ وتصويبها نحو المحفوظِ، والكفن لا عين فيه تحفظه ولا تلحظه، وأما عدم الحرز فظاهر لأنه لم تجعل التراب عليه ليرجع إليه، قلنا: أما تحقيق السرقة فهي فيه لا شك موجودة، هو من جملةِ السرقةِ، ولكنه يختص باسم النباش اشتق له هذا الاسم من فعلهِ، وأما قولهم إنه ليس هنالك عين تحفظه وتلحظه، فليس ذلك من شروطِ السرقةِ، بدليل أنَ البلدَ إذا شغر (٤) أهله في يوم

стр. 1021

عيدٍ أو لحادث يحتاجونَ إلى التبرز له فسرقَ سَارق من المنزل حينئذٍ وجب عليه القطع إجماعاً، وليس هناك حافظ ولا بصر لاحظ، وأما القبرُ فإنه حرز، قرآناً وسنةً وعادةً، أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً (١) وَأَمْوَاتًا﴾ فامتنَّ علينا سبحانه بأن جعل الأرض كفاتاً لنا في حالةِ الحياة والموتِ، وسوى بين الموضعين، ووجدت المنفعة بذلك في الوجهين من الاكتناز والاستتارِ حالة المحيا والممات، وأما السُنة ففي الحديث: لعنَ الله المختفي والمختفية (٢)، وأما العادة فلأن الحرز في الأشياء باتفاقٍ ليس باباً واحداً وإنما هو في كل شيء يقدره على حاله المختلفة فيه كالجرين للتمر (٣) والتكوير للعمامةِ والتلفيح للرداءِ والخميصة والدرج والكيس للمال العين، والقبر للكفن، وأما قوله إنه بناه على أصلهِ في كل مالٍ عرض للتلف، فقد حرَّرنا ذلك الأصل فيما تقدم، أما ما وراء النهر من أصحابه اعتمدوا على أن الكفن مال لا مالك له، قالوا وإذا لم يتعين المالك الواحد من جملة الملاك للمال لم يجب على من سرق منه قطع كمال بيت المال، فكيفَ إذا لم يكن له مالك، والموت يبطل الملك، وتبقى الصلاحية له، وهذا من أغمض كلامهم. قلنا: الموت يبطل الملك كله إلّا الكفن كما أن التفليسَ يرفع يد المالك عن كلِ مالٍ له إلّا ثوبه الذي يستتر بهِ، والحكمة في ذلك لأن الله تعالى جعَل الملك في الدنيا على وجهين: ملك ضرورةٍ وحاجةٍ كالكسرة الواحدة والثوب الواحد، وملك متاعٍ ولذةٍ كالتبقي من الدنيا والتكثير منها فما استمر الأصل به ولم تقع المضايقة ملك بالوجهين، وإذا وقعت المضايقة كتزاحمِ الغرماء معه على حقوقهم ارتفعت اللذة وبقيَ ملك الحاجة، وكذلك إذا انقطع الأمل عن الدنيا بقي ملك الحاجةِ وحده وهو الكفن (٤). المعقد الثامن: قال الشافعي: ليس إيجاب القطع بمسقطٍ للغُرم لأنهما حقانِ لمستحقين بسببين مختلفين في محلين متغايرين، فجاز أن يجتمعا أصله الدية والكفارة. وقال أبو حنيفة لا يجتمعُ الغرم والقطع وتعلقَ العراقيون من أصحابه بقولهِ تعالى: ﴿فاقطعوا

стр. 1022

أيديهما﴾ (١) ولم يذكر غرماً، والغرم زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ (٢)، ونسخ القرآنِ لا يجوز إلا بقرآن مثله أو بخبرٍ متواترٍ، وتعلق الخراسانيونَ منِ أصحابه بأن قطع السرقة واجب حقاً لله وما كان ذلك حتى كان المحل المجنى عليه محترماً لحق الله فإنه لو كان محترماً لحق العبدِ لكان الخيار في استيفاء العقوبة للعبدِ كالقصاصِ وقال مالك: يجب القطع والغرمِ على الموسرِ، فإن كان معسراً أسقطه الضمان، ووجبَ القطع، فأما مذهب الشافعي فهو ظاهر النظر في أول درجاتهِ لكنَّا سنبين قصوره إن شاء الله، وأما مذهب أبي حنيفة ففاسد لأن دليل وجوب الضمان على كلِ متلفٍ أظهر تبياناً وأكثر أدلة من وجوب القطع في السرقة، وليس لقائل أن يقول إيجاب القطع في السرقةِ مع الضمان زيادة على النص فإن قيل هذا لا يقوله أحد. قلنا: وما ذكرت إذا أدّى إلى هذا لا يستدل به أحد وأما قولك إن الحرمة قد خلصت لله، فلو كانَ هذا صحيحاً وزَال حق الآدمي من العَين ما عاد إليهِ أبداً، وأما مالك فله في هذه المسألة مقاصة عظيمة وذلك أن السارق إذا كانَ موسراً أوجب القطع في يديه عقوبة ووجبَ الغرم في مالهِ عقوبة أخرى، وإذا كان معسراً وجَب القطع في بدنه عقوبة فلو أوجبنا الغرم في ذمتهِ لكُنّا قد جمعنا بين عقوبتين في محلٍ واحدٍ وذلك لا يجوز. المعقد التاسع: روي أن بعضهم قال: تقطع الأصابع خاصة دون الكف (٣)، وهذا فاسد جداً لأن اليدَ اسم لهذه الجارحةِ المعلومة من الظفر إلى المنكب وَهيَ في العرفِ منطلقة على ما حَازه الكوع إلى الظفرِ، وهي أقل ما تنطلق عليهِ، فلا يتناول اللفظ بعض محتملهِ باتفاقٍ. المعقد العاشر: قال عطاء: لا تقطع للسارق إلا يد واحدة لأن الله تعالىِ قال ﴿أيديهما﴾، فقطع من كلِ واحد يد (٤)، قلنا: لم يعط عطاء فهم هذه المسالة لغةً، مع

стр. 1023

أنه كان في طبقة (١) العلياء من الفَصاحةِ وفي زمرة التابعين، ألم تر أنَ ضميرَ المقطوع المطلق جمعٌ وأن التثنيةَ إنما كان في ضمير المقطوع منه، ألم تر إلى الأمة بعده قد أجمعت على التثنيةِ في القطعِ. ألم يكرر أبو بكرِ الصديق القطع على السارق المقطوع اليمين فلم ينكر ذلك عليه أحد (٢). المعقد الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لا تقطع للسارق رِجْلٌ، لأن الله تعالى قال: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ ولم يجر للرجلِ ذكر. عن ذلك جوابان ظاهران أما أحدهما: فإن الله وإن كان لم يذكر قطع الرِجْل في السارقِ، فإنه قد ذكرِه في المحارب فنحمله عليه بأنه أخَذَ المال بالسعي عليه فقطع كما لو أخذه بالسعي محارباً. فإن قيل: لا يجوز اعتبار مسألتنا بالمحاربة، فإن القتل في الحرابةِ وليس في مسألتنا قتل قلنا: وهو المعقد الثاني عشر: قال مالك يقتل إذا سرق الخامسة في رواية المدنيين وفي ذلك حديث ضعيف (٣) لا تناط بمثلهِ إباحة المحظورات، وإنما عوّل مالك في هذه الروايةِ على

стр. 1024

المصلحة وهي أحد أركان أصول الفقهِ على ما بيناه (١)، وذلك أنّا نقول وهو يجمع المسألتين في دليلٍ واحدٍ أن المصلحة تقتضي إذا سرق أن تقطع يمينه التي بها تناول ما لا يحل له تنقيصاً لبطشه، الذي جعله الله له قوةً، على الطاعة، فصرفه في المعصية، فإذا عاد إلى السرقةِ ثانيةً، اقتضت المصلحة أن ينقّص سعيه الذي به توصل إلى البطش ليستوفي منه حق العقوبة، ويبقى له في البطش جارحة فإذا عاد الثالثة إلى السرقة تبينا أن بطشه فسد بتعديه، فإذا سرق الرابعة تبينا أن سعيه فسدَ بتعديه، فإذا سرَقَ الخامسة تبينا أنها نفسٌ خبيثة لا تتعظ بنفسها ولا ترتدع بآفات جوارحها فلم يبق إلَّا إتلافها. المعقد الثالث عشر: لم يخف على ذي لبٍ أن الله إنما وضع هذه العقوبات في الأبدان روادع وزواجرَ، فهِمَ ذلك الخلق من تنبيه الله لهم عليهِ، وتعريفهم به ولذلك قلنا إن الجماعة إذا قتلوا الواحد قتلوا به حفظاً لقاعدة الدماء لئلا يستعين الأعداء بالجماعة على الأعداء، فيبلغوا فيهم (٢) غرضهم في التشفي وتسقط عنهم عقوبة القصاص وهذا المعنى يقتضي أن الجماعة إذا سرقوا حرزًا يقطعوا جميعهم حفظاً لقاعدة الأموال لئلا يستعين الفسقةُ على أخذ الأموال بالاشتراك رجاء سقوط القطع.

стр. 1025

كتاب الفرائض اعلموا وفقكم الله أن الفرائض، أصل من أصولِ الدين ومن أهم علومهِ حضَ النبيُّ ﷺ عليها فقال: (تعلموا القرآن والفرائضَ وعلموها، الناس، فإني مقبوض) (١). وقال ﷺ : (العلم ثلاث: آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة) (٢). تولى الله تعالى تقديرها، وبين أحكامها. والأصل فيها آية المواريث. قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣) إلى آخر الآيات والأصل فيها من السُنة حديث ابن عباس قال النبيُّ ﷺ : ألحقوا الفرائض بأهلِها فما أبقت الفرائض فلأوليِ رجُلٍ ذكرٍ (٤) ... كمل النبي ﷺ أمرها بالحديث الصحيح حين قال لا نورث ما تركنا صدقةً (٥)، وقال ﷺ : لا

стр. 1026

يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر (١)، وقد قرأناها على ستةِ أنواعٍ: قرأناها على القرآنِ، وعلى السنةِ، وعلى الاختلافِ وعلىِ الاتفاقِ، وعلى القربى (٢)، وعلى الإلغاء وبهذه (٣) الأصول الستةِ تنضبط، وبقلبها ظهراً لبطن (٤) يتحصَّل، ولكنَّ مالكاً في الموطأ تولى تبيانها على القربى، فنحن على منوالهِ ننسج، وفي سبيله نستنهج، قال: ميراث الصلب (٥). وهي كلمة بديعة هو أول من تلقَّفها من القرآن في قوله ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (٦) فذكرَ قرابة الأب التي هي الأصل، وبدأ بها لأنها هي أصل الولادةِ فيها تجمعُ وعنها تتفرع، فإذا خَرجت عنها وانفصلت منها تنزلتَ في منازلِ التطوير، وتغيرت بأحكام التقدير، وتفصلت بأحكام التدبير، حتى تعودَ خلقاً سوياً من السلالةِ إلى استواءِ الخلقة، فهاتان الحالتان هما أخصِ الأحوالِ بالإنسانِ فوجب أن تقع البداية بهما ولذلك لم يؤثر الله تعالى شيئاً عليهما، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. اتفقت الأمة على أنها عامة جَارية على شمولها منتظمة على جملتها وتفصيلها إلَّا في ثلاثِ مسائل. المسألة الأولى: تخصيصها بجانب النبي ﷺ لقولهِ لا نورث ما تركنا صدقة. قالت فاطمة لأبي بكرِ أرأيتَ لو متَ (أنتَ) (٧) لكانت ترثك ابنتك؟ قال لها نعم. قالتْ فاعطني سَهمي. قال: (سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا نورث ما تركنا (٨) صدقة) فكانت إحدى خصَاله الكريمة يذكرها من سمعَها وأصغى إليها من غابَ عنها وإئتلفت الخليقةُ عليهِ. المسألة الثانية: هي مخصوصة في الكافرِ بحديثِ النبيّ ﷺ الصحيح (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) وقيل له ﷺ . أين تنزل؟! حين جاء مكة. فقال:

стр. 1027

وهل ترك لنا عقيل من منزلٍ (١) وذلك إجماع أيضاً. المسألة الثالثة: اتفق العلماء من الصحابَةِ والتابعين ﵃ على أن من لا يرث لأجل الكفر لا يحجب، إلَّا عبد الله بن مسعودٍ، فإنه حجبَ بالابن الكافر من يحجب بالابن المسلم (٢)، وهذا ضعيف, لأن الله تعالى أنزله في الميراثِ معدوماً، فكذلك في الحجب وتحريره أحد فائدتي (٣) القرابة في الميراث، فأسقط حكمها الكفر أصله السهم، يزيده ايضاحاً أن المذكور في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ سهمًا والمذكور في قوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ حجباً. مسألة أصولية: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ اتفق المفسرون على أن هذه الآية نسخت آية الوصية للأقربين (٤) وهذا لا يصح، لأن من شروط النسخِ الأربعة وهو أصلها المعارضة حتى يمكن الجمع. والجمع بين الآيتين ممكن فاستحالَ أن يقال إن إحداهما نسخت الأخرى. وقالت طائفة نسخها قول النبيُّ ﷺ : (إن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه، فلا وصية لوارث) (٥) وهذا الحديث اتفقت عليه الأمة. قلنا: هذا باطل. لأن الأمة لم تتفق على نقلهِ لفظاً، والحديث ضعيف، ولو

стр. 1028

كانَ قويًا وارداً عن العدل بالعدلِ ما جازَ نسخ القرآن به لأنه خبر واحدٍ ونسخ القرآن لا يجوز بخبر الواحد بإجماع من الأمة وأما إن كانت الأمة أجمعت على معناه فالنسخ بالإجماع محال, لأنه لا يصح تصوره إلا بعد عدم الشريعةِ الواردةِ ببيَان الأحكام على التنصيص في المقالِ خاصة. فإن قيل إجماع الأمة لا يكون إلَّا عن حَديثٍ يسمعونَه من النبيِّ ﷺ ، فإذا أجمعوا علمنا ضرورةَ وجُودِ الأثر. قلنا: هذا مذهب محمَّد ابن جرير الطبري وهو ساقط قطعاً (١) فإن الأمة قد تجتمع على النظرِ كما تجتمع على الأثر، وقد بينا ذلك في أصول الفقهِ، ومنهم من قال إنما سقطت الوصية للوالدين والأقربين لقولهِ في الحديث الصحيح (ألحقوا الفرائض بأهلِها، فما أبقت الفرائِض فهو لأولي عصبةٍ ذكرٍ) (٢) قلنا كما لم يسقط هذا الحديث أصل الوصية في آية المواريث، لا يسقط وصف الوصية للأقربين وإنما معنى هذا الحديث الخصوص، فما بقي بعد الوصية والدين كيفما تصرفت وجوه الوصيةِ، وكيفما تصرفت وجوه الدين، وقد روى جابر بن عبد الله أنه قال جاءني رسِولِ الله ﷺ يعودني، فقلت: يا رسول الله كيف أصنعُ في مالي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. رواه البخاري (٣)، وثبت في الصحيح أيضاً من طريقٍ أخرى وأنها نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٤)، وروى المصنفون والمسندون عن جابرٍ بن عبد الله أنه خرجَ مع رسول الله ﷺ إلى الأسواق (٥) وذكرَ حديثاً طويلًا منه أن امرأة سعد بن الربيع جاءته بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، إن سعداً هلك وتركَ هاتين وان عمهُما

стр. 1029

استفاء (١) ميراثهما، ومالهما، وأنهما لا ينكحان إلا على مالٍ. فقال رسول الله ﷺ : (يقضي الله في ذلك) ثم نزلت ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلَادِكُمْ﴾ فدعى رسول الله ﷺ عمهما وقال له (ادفع الثُمنَ للمرأةِ والثلثين للبنتينِ، وخذ ما بقي) (٢). تنبيه على وهم: قال بعض علمائنا هذه الآية نزلت في شأن سعدٍ نسخت ما كان في الجاهلية، وهذا باطل فإن الجاهلية ليس لها حكم يثبت حتى يتطرق إليه رفع، ولا يثبت له قدم في الإِسلامَ ببيانٍ ولا تقرير، فإنه لو كان مسكوتاً عنه، لكان شرعاً، ولو كان شرعاً لما انتزع النبيُّ ﷺ : من أخي سعد بن الربيع ما كان أخذه، فإن الناسخ إنما يثبت ساعةِ نزولهِ ولا يعترض على ما سبقه فلما أمر النبيُّ ﷺ أخا سعد بأن يردّ ما أخذَ تبينَ أنها كانت ظلامة. تفسير: قوله تعالى: ﴿في أولادكم﴾. ولد الرجل: كل موجود كان من صلبه دنا أو بعد. قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ (٣) وقال ﴿ملة أبيكمِ إبراهيم﴾ (٤). فمن علمائنا من قال إنه حقيقة في الأدنين مجاز في الأبعدين ومنهم من قال إنه حقيقة في الكلِ لأجلِ عموم الاشتقاق الذي هو التولد فيه، والصحيح عندي أنه مجاز لأنه يجوز نفيه عنه والحقاَئِق لا يجوز نفيها عن مسمياتها وعلى كل حالٍ فإن الأمة أجمعت على العموم في قولهِ ﴿في أولادكم﴾، وإن سفلوا كما دخل في قوله ولأبويه آباء الآباء وإن علوا فإذا ثبتَ أنه على العموم في الأولاد فليس يقتضي ذلك اشتراك الأدنى والأبعد لقول النبي ﷺ (فما أبقت الفرائِض فلأولي رجُلٍ ذكرٍ) فلأجل ذلك يقدّم الابن علي أبيه ولولا ذلك لاشترك الأب وابنه في الميراث لحكم الاشتراك في العموم وعلى هذا ينبني اختلاف العلماء في قولهِ (هذا حبس على وَلدي) هل تلحقُ الدرجة السفلى بالعليا عَلى ثلائةِ أقوالٍ فقالت طائِفة لا تلحق وهذا ضعيف، وقالت طائِفة تلحق بهم وهو الصحيح، وقالت طائِفة يشتركون فيه، ويؤثر الأعلى وهذا إنما هو استحسان لا يعضده الدليل المستمر في أصلٍ المسألة، وكذلك يكون

стр. 1030

الحكم في البناتِ وبناتِ الابن لولا حديث ابن مسعودٍ أفتى أبو موسى الأشعري وسلمان في بنتٍ وأختٍ وبنت ابن بأن تأخذ البنت النصف والأخت النصف. قالا للسائل اذهب إلى ابن مسعودٍ فإنه سيتابعنا، فجاءه فأخبره فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين. للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت (١)، هذا قضاء رسول الله ﷺ ، وكذلك قوله ولأبويه لكلِ واحدٍ منهما السدس فأنزل أبو بكرٍ الصديق ﵁ وابن عباسٍ الأب (٢) جداً (٣) وجعلا له مرتبته سهماً وحجباً وهىِ مسألة عظيمة من مسائلِ الخلافِ قد قررناها في موضعها قال علماؤنا: قوله ﴿يا بني آدم﴾، وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، لم يرد

стр. 1031

مورد بيان الأحكام، وإنما ورد في مَعرض الامتنانِ تارة وفي مَوضع الأخبار عن أصِلِ الخلقة أخرى. فأما دخوله في العموم من قوله ولأبويه، كدخولِ الولد وإن سفل في قوله أولادكم فليست المنزلة واحدة لاختلاف الأسباب واختلاف الخلق، وتفاضل الحنان وقد قالوا إن الحكمة في ذلك أن الجد في حَيز كان وَأن الابن وإن سفل في استقبال الزمان فالنفوس إليه أقرب والمصلحة به أقعد وعلي المقاصد انبنت أحكام الشريعة وبالمصالح ارتبطت، وقد تعلق فيها العلماء بنكتةٍ وذلك أنهم قالوا إن الفرائِضَ انبنت على تقديم من كان سببه أقوى وعلى ذلك نبه ﷺ بقَوله: (فما أبقت الفرائِض فهو لأولي رجلٍ ذكرٍ) فقوله أولي يدل على مراعاة الأقوى، فإذا اجتمع جَدّ وأخ فالأخ أقوى من الجَدّ في الادلاء، لأن الأخ يقول أنا ابن أبي الميت فيدلي بالبنوة، والجَد يقول أنا أبو ابني الميت فيدلي بالأبوة والبنوة أقوى من الأبوة. فإن قيل: فينبغي أن يسقط الأخ الجد. قلنا: كذلك كنا نقول لولا أن الأخَ إن قوي عليهِ بالأدلاءِ قوي عليهِ الجَد بالسهمية، فوجَبَ الاشتراك وهذا لحظه الصحابة فقالت به ثم وقعَ بعد ذلك تفصيل في عوارضِ من المسائل اقتضاها تعارص الأدلة فوجَبَ الترِجيح؛ منها ما روى عمران بن حصين قال جاء رجل إلى رسولِ الله ﷺ فقال له إن ابني مات فما لي من ميرَاثِه؟ قال لك السدس. فلما ولى دعاه فقال لك سدس آخر فلما ولّى دعاه وقال له السدس الآخر طعمة. صححه الترمذي (١) وقد بينا ذلك على تفصيلٍ في شرحِ الحديثِ. فأقل فريضةٍ الجد السدس كالأب وأعلى درجاته التعصيب كالأب وأعطى النبي ﷺ له الثلث لا يجوز أن يكون برأس (٢) التعصيب، ولا يجوز أن يكونَ مع الولدِ فلم يبق إلَّا أن يكونَ مع الاشتراك الذي قضَى به زَيد عند الاجتماع مَع الأخوة ثم لما ثبتَ الاشتراك بني ترجيح على ترجيحٍ وهو إعطاء الأحظ للجد، لأنه يقول أنا وإن كنت شريكاً بينهم على حالةٍ لا ينقضي أحد من السدسِ فيها شيئاً، والترجيح في الترجيح من معضلاتِ الأُصولِ، ووردَت على هذا المقام عارضة، وهي أن امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأختها لأمها وأبيها وجَدها. فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس وللأخت للأبِ والأم النصف ثم يجمعُ سدس الجد ونصف الأخت فيقسم للذكر مثل حظ الأنثين (٣)، لأن

стр. 1032

الجدَ يقول أنا أشارك أخاك وأفضله فكيف تفضلني وهو أفضل منك وهو ترجيح في ترجيحِ في ترجيحٍ ولا جواب عنه، وقد بيّنا ذلك كله في مسائل الخلاف، وكذلك نشأت عارضة أخرى وهي مسألة المُعادة (١) قال بها مالك في الميراث والوصية، وأنكرها الشافعي وكثيرٌ من الفقهاء، فقال مالك إنّ الورثةِ يعادون أهل الوصَايا بوصية الوارث ثم يردونها ميراثًا وكذلك يعادون الأخوة للأب والأم الجد بالأخوة للأب، فإذا أخذوا نصيبهم معهم أخذوه من أيديهم. فإن قيل وكيف يحجب الجَد من لا يرثَ؟ أوكيف يحطه من لا يقسم له؟ قلنا: ليس ذلك بنكير في الفرائِض، فإن الأخوة للأم يحجُبون الأم عن فرضِها أو يحطونها عن سهمها وهم محجُوبون عن سهمهم، وقد روي في زوجٍ وأمٍ وأختٍ لأبٍ وأمٍ لأبٍ وجَدٍ أنها كدرت على زيد ابن ثابتٍ مذهبه ويقال أنه أفتى فيها رجل يقال له أكدر فسميت الأكدرية (٢)، وسميت أيضاً الغراء (٣) وهي إحدى الغَراوات فإنه يفرضُ فيها للجَدِ السدس

стр. 1033

وللأختِ النصف وتعال المسألة إلى تسعةٍ وقال عليّ (١) وابن مسعودٍ (٢) يعطى للأمِ ثلث ما يبقى بعد فرضِ الزوج كما جاء في زوجٍ وأبوين، أو زوجةٍ وأبوين وهي التي تسمّى الغراوين، وهذا الذي قاله زَيد أجري على الأصل لأن عوَل الفريضة يحط الكل وهو أولى من حَطِ الأم، لأن الأم لا يحطها إلَّا الأب وليس الجَد في منزلته، أولا ترى أن الأخ يسقط مع الجد في مسألةٍ واحدةٍ وهي زوج وأم وجدة، وكذلك الجَد لا ينقص عن السدس بحالٍ والأخت لا تسقط بحالٍ فوجبَ الانتهاء إلى هذا المقام. ميراث الجَدة: إعلموا وفقكم الله أنَّ الجَدة دخلت في قولهِ ولأبويه، كما دخل الجَد باقتضاء التثنية والتشريك، وإن خالفَ اللفظ، كما دخلتْ الأم وإن اختلف اللفظ إلَّا أن مالكًا وغيره روى عن قبيصة بن أبي ذؤيب أنه قال جاءت الجَدة إلى أبي بكرٍ الصديق إلى قوله فهو بها. فقول أبي بكرٍ ما لكِ في كتاب اللهِ شي (٣) غريب في الفقهِ لأنه جعل الجد أبا ولم يجعل الجَدة أما، والمعنَى في ذلكَ نقصان درجَات النساء لأنه لا ينكر في الأولاد فلم ينكر في الآباء فبنت البنتِ ليس لها شيء، فكذلك أم الأم. ثم جاءت الأخرى إلى عمر وقيل إلى أبي بكرِ وقد ذكر الروايتين مالك وقال علماؤنا: إن التي جات أولاً إلى أبي بكرٍ كانت أم الأم وروى

стр. 1034

ذلك ابن وهبٍ وغيره مفسراً (١) وعليه يدل تعليل الأنصاري إِذ قال لأبي بكرٍ أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث فجعل أبو بكرٍ السدس بينهما (٢). وقيل عُمر. والمعنى في ذلك أن الشهادة وقعت مطلقة بقضاء رسول الله ﷺ بالسدس للجدة ولم يعلم أي جدة هي، فقضى فيه بالاشتراك عند التنازع. فإن قيل فلم لم ترجع إحدى الجهتين بالمعنَى؟ قيل عدم ذلك الصحابة فكيف نطلبه نحن وفي ذلك كلام كثير هذا أشبهُه في هذا المقام، ولذلك قال علماء المدينةِ إِنه لم (٣) يفرض إلَّا لجدتَين (٤)، وقال الشافعي وأبو حنيفة وكثير من الصحابة يفرض لأكثر من الجدتين (٥) في تفصيلٍ طويل تبيانه في الفرائض والعمدة في ذلك لنا أنَ كل ما عدا الجدتين لا يلحق بهما لأنه ليس في معناهما وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. ميراث الأب والأم من وَلدهما: ذكر مالك ﵁ فريضة القرآن لهما وهوَ السدسِ مع الولدِ، وذكرَ فريضة القرآن للأم وهي الثلث مع عدم الولد والأخوة إِلا في فريضتين، زوج وأبَوانِ وامرأة وأبوانِ، فإنه تأخذ الأم فيهما الثلثَ مما بقي بعد فرض الزوج والزوجة وذلك أقل من الثلث المسمى في الكتاب، خصَّت فيها الصَحابة عمومَ القرآن بالقياس وهو أن الأم لو أخذت الثلث في المسألتين جميعاً لكان في ذلك تقديمها على الأبِ وذلك لا يجوز لوجهين أحدهما أن فيه تقديم الأنثى على الذكر وذلك مناقضة لأصول الفرائض التي رتبَ الله سبحانه والثاني أنه يكون ذو الفرض أقوى من ذي الفرضِ والتعصيب معًا وذلك مناقض لأصولِ الفرائِض أيضاً.

стр. 1035

توفية: حجبَ الله تعالى الأم من الثلث إلى السدس بالولد الواحد وبالأخوة الجميع واختلف الصَحابة في تقديرهم فصَارت جملتهِم إلى أنه يحجبها الإثنان فصاعدًا وأبى ذلك ابن عباسٍ ووقعت بينَه وبين عثمان مفاوضة، فقال له في ذلك عثمان: إن قومك حجبوها. وقد بيّناها في كتاب الأحكام (١) ومسائل الخلافِ، ويكفي الآن في هذه العجالة ما راجع به عثمان لابن عباس من فهمِ قريش الذي نزلَ القرآن (٢) بلغتهم أما إن في ذلك مسألة بديعة من أصول الفقه، وهي تخصيص العموم بالعمومِ، فإن قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يقتضي بإطلاقه ثلاثاً إذ هو اليقين في الجمع وكون ضم الواحد إلى الآخر جمع بعمومه أيضاً معَارض له فتركوا أحد الجمعين بالآخرِ وقطعوا حظ الأم من تكملة فرضها لأنه ينقطع بالواحد في طريقِ البنوة فكيف لا ينقطع بالاثنين في طريقِ الأخوة إذ كان الواحد في البنوة يقيناً، وكان (٣) الثلاثة في الأخوةِ يقينًا آخر، وكان الاثنان في موضع الاحتمالِ، فرجح اعتبارهما بالنظرِ الذي سبَقَ. تتميم: قال الله تعالى في ذكرِ البنات، ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فذهب ابن عباسٍ إلى مخالفة الناس، فقال إن البنتين يأخذان النصف بينهما فرضاً لأن الله تعالى جعلَ الثلثين لما (٤) كان فوقَ اثنتين جرياً على طريقهِ في الأخوةِ للأم في إلحاق الاثنين بالواحد، لأن الأصل عدم الزيادة على النصف فيجري على الأصل حتى تثبت (زيادة) (٥)

стр. 1036

وقد رجحنا في مسائل الخلاف وكتاب الأحكام (١) مذهبنا على مذهب ابن عباس من خمسةِ أوجهٍ عمدتها أن الله تعالى لما ذكرَ الواحدة من البناتِ والواحدة من الأخوات أعطى لكل واحدة منهما النصفَ ولما ذكر البنات الجماعة أعطاهنَّ الثلثين ولم يذكر البنتين، ولما ذكر الأخوات بين حكم الثلثين في الاثنتين منهما فما زاد فوجبَ أن يكونَ ذلك تنبيهاً على أن البنات بهذه المرتبة أولى لأنهن عصبة معهن، وزاد الله حكمة أخرى وهي أن تلحق البنتان بالأختين في الثلثين، وأن الأخوات تُلحقُ بالبناتِ في الثلثين حتى يكون من الفرائِض ما يقعُ التعبُد فيه بالخبر وما يقع التعبُد فيهِ بالقياس. تكملة: اقتضى قوله تعالى ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ العموم بالطبقاتِ منهم كما قدمنا واتفقت الأمة على أنه لا يلحقُ ولد الولد بالولد لتقدم السبب الأول وعدم المحل الذي يثبت فيهِ الحكم باستيفاء الأول للمالِ كله بسبَبِه الذي أدلى به، فأما الإناث منهم فإن الله تعالى فرضَ على لسانِ نبيهِ للدرجَة الثانية مع الدرجة الأولى السدس تكملة الثلثين وكان الجميع بنات صلبٍ تفاضلوا بقوة الأسباب في السهامِ، فإذا استوفى الأول الثلثين سقط أهل الدرجة الثانية مع وجودِ السبَب لعدم المحل وهو التسهم ويبقى لهن حق التعصيب إن كان معهن من يرد عليهن وذلك إجماع من الأمة فلا معنى لتَعليله. ميراث الإخوة للأم (٢): عقدَ مالك هذه الترجمة ثم عقد ترجمة الكلالة، والترجمتان مرتبطتان،

стр. 1037

وهذه الأولى فرع على تلك الثانيةِ، فإنا إذا فَهمنا معنَى الكلالةِ أثبتناها لأهلها وركبنا عليها حكمها وقد كلّتْ خواطر الخلقِ فيهَا وتباينوا عزين (١) في معناها وقد بيناها في كتابَ الأحكام (٢) وغيره بما نكتته إنها ترجع في الأشتقاقِ إلى معنيين أحدهما أن تكونَ من كل إذا أعيا فتكوَن عبارة عن النسب البعيد أو تكون من الإكليل وهو التاج المحيط بالرأسِ (٣) عبر بها عن فريضةٍ عدم فيها من يحيط بالميراثِ على معنى تسمية الأرض المخوفة مفازة، وهذا أولى بالاعتقاد وأقرب إلى معنى الكلالة للصواب وعليه يدل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ (٤) فذكر عدم رأس المحيطين في تحقيق اسم الكلالةِ وكذلك قال في آية النساء ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ (٥). قال علماؤنا فكأنه قال ليس له أب فلذلك دخل الجد في عَدم الكلالةِ وكان قوله لكلِ واحدٍ منهما السدس بياناً أنهم إخوة لأم لأنه قد قال في الأخوة المطلقة في الآية التي في آخر السورة ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فلم يكن بد بعد هذا من مقامين، إما أنْ يقال إن الآيتين متعارضتان ولم يقلِ بذلك أحد ولا تلقتها الصحابة من النبي ﷺ ولا بعده على شيء من ذلك فوجَبَ أن يكون في مقامينِ، وأعطيت الطائفة التي كانت أقل في الإدلاء وأضعف في سبب الأمومةِ السدس، وأعطيت الطائِفة التي كملَ سببها من الجهتينِ جميعاً درجة التعصيب والإحاطة ثم يلحق الأخوة للأب بالأخوة من الأب والأم ببيان النبي ﷺ لاستيلاء هذا العموم عليهم بقولهِ في حديثِ ابن عباس الصحيح المتقدم إلحقوا الفرائض بأهلِها فما بقي فهو لأولي، عصبةٍ ذكرٍ فدخلت معه أخته، لأنه إنما أخذَ

стр. 1038

ولها إن كانت أو له وحده لأجل الإشتراك المصرَّح به في الآية (١) التي في آخِر السورة فهذا ضبط هذا الباب، فركّبوا عليه ما يلحق به وَلذلك أصول وأعيان مسائل منها تركيب أخوان لأم أحدهما ابن عمٍ يأخذ سهمه مع أخيهِ بالأمومةِ، ويأخذ باقي المالِ بالسبب الآخر وهو التعصيب يتركب على هذا إذا اجتمعت في الشخص الواحد قرابتان وذلك يكوَن في نكاحِ المجوس إذا أسلموا قال أبو حنيفة يرث بأقوى القرابتين، فصدمه علماؤنا بأخوين لأم أحدهما ابن عمٍ فرام الفرق بينهما، فلم يستطع وذلك مستوفى في مسائل الخلاف. ميراث العَمة (٢): هذه المسألة ترجمتها في مسائل الخلافِ وأولي الأرحام، وقد اختلفت الصحابة فيهم من الخلفاء فمن دونهم (٣) إلى التابعين، إلى الفقهاء فأكثر على سقوطِهم، فإنَّ التوريث إنما يقع لمن سمى الله تعالى في كتابه، والباقي للعصبةِ لقولِ النبي ﷺ (ألحقوا الفرائِضَ بأهلها) الحديث المتقدم، واختار أبو حنيفة توريث ذوي الأرحام، وتعلقَ بالقرآن والسنةِ، والمعنَى. أما القرآن فقوله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٤)، وقد تكلم

стр. 1039

علماؤنا عَلَيها بوجوهٍ أقواها أنه عموم إن لم يكن مجملاً، فإذا كانَ عاماً خصَّصَه المفسرون للقرآن والسنة، وأما متعلقه من السنةِ فضعيف ليس له في ذلك أثر صحيح وأما متعلقه من المعنى فقوي. قال ساوى المسلمين في الإِسلام وفضلهم بالقرابة، فوجبَ ترجيحه عليهم، وقد استوفينا الكلام عليها في مسائل الخلاف بما لبابه مع ما يرتبط به من حَصرٍ (وسبر) (١) وتقسيم وذلك أن الأسباب التي توجب الميراث عندنا أربعة: نكاحٌ، ونسب، وولاء، وإسلام. وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة هي خمسة: نكاح، ونسب، وولاء، وحلفٌ واتحاد في الديوان، ومعنى قولنا ان الإِسلام سببٌ، أن علماءَنا اتفقوا على أنَّ الرجلَ إذا لم يكن له وارث لا يجُوزُ له أن يوصي بجميع ماله لأن بيت المال وارث وقال أبو حنيفة يوصي بجميع ماله والمسألة طويلة وقد بيناها في موضِعَها وتعلقَ فيمَا انفردَ بهِ عنا بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. الآية. فأوجبَ تعالى الميراث بالمعاقدة قولاً،

стр. 1040

والاتحاد في الديوان معاقدةً فعلاً. ألم تر إلى اعتبارنا المعاقلة فيها ولأن معنَى القرابة من النصرة موجود في الاتحاد في الديوان لأن مغزاهم واحد ونفيرهم واحد وكَرهُم وفَرَّهم واحد، فذلك الوط من القرابة وهذا ضعيف. أما قولِ الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. الآية. فقد تكلمنا عليها في الأحكام (١) وفي مسائلِ الخلاف بما الأشبه منهُ بما نحن فيه أن ابن عباسٍ قال في الحديث الصحيح. إن المراد بقوله (فآتوهم نصيبهم من النصيحةِ والرفَادةِ) (٢) وعند أبي حنيفة أن الراوي إذا أفتى بخلافِ ما رَوى سقطت روايته وهذا ابن عباسٍ ها هنا قد فسرَ بخلافِ العمومِ وهو ترجمان القرآن والمدعو له بفهم التأويل (٣) فيلزمه أن يرجعَ إليه، وأما ترجيحهم لذي الرحم على سائرِ المسلمين، برحمه، فقد أسقط ذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح (ألحَقوا الفرائضَ بأهلها). الحديث. فائدة: إنما أدخلَ مالك حديث عمرٍ في هذه الترجمة من الطريقين جميعاً ليبين من ذلك أن الصحيحَ من قولِ عمرٍ أو الذي ثبت عليهِ عدم توريث ذوي الأرحام (٤) والله أعلم (٥).

стр. 1041

كتاب التفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب التفسير أرسل مالك ﵁ كلامه فيه إرسالاً (١) فلقطه أصحابه عنه ونقلوه كما سمعوه منه ما خلا المخزومي (٢)، فإنه جمع له فيه أوراقاً فألفيناها في دمشق في الرحلة الثانية فكتبناها عن شيخنا أبي عبد الله المصيصي (٣) الأجل الأمين المعدل وكان كلامه ﵀ في التفسير على جملة علوم القرآن فنظمنا كل علم في سلكه ونظمناه في نظيره فما كان من قبيل التوحيد ذكرناه في المشكلين وما كان من قبيل أحكام أفعال المكلفين ذكرناه في أحكام القرآن وما كان من الشذور المنثورة والفوائِد المتفرقة رأينا أن نورد منه ها هنا نبذاً اقتداءً به ﵁ في الجامع حيث ألف أبوابه أنواعاً متفرقة وحتى يكمل التصنيف بجميع معانيه إذ كتاب التفسير من جملة أبواب التصنيف بل جله وإن كان تفسير القرآن أمراً لا يطاق وما تعرض له أحد فاستقل به خلا محمَّد بن جرير (٤) فإنه قرأه وأتمه ومن جاء بعد ذلك فهو عيال عليه فيه ومتمم (٥) حيال وقد كنا أملينا فيه في كتاب أنوار الفجر في عشرين

стр. 1042

عاماً ثمانين ألف ورقة وتفرقت بين أيد الناس وحصل عند كل طائفة منها فن وقد ندبتهم إلى أن يجمعوا منها ولو عشرين ألفًا وهي أصولها التي يبنى عليها سواها وينظمها على علوم القرآن الثلاثة التوحيد الأحكام التذكير إذ لا تخلو آية منه بل حرف عن هذه الأقسام الثلاثة إلَّا أن فساد الزمان بمواصلة الأخوان ومصاولة الأقران وضرورة المعاش والرياش (١) الملازمة للإنسان قواطع تقي المتاع وتقطع أسباب الامتاع وقد كنا عوتبنا في إعراضنا عن مجموع في تفسير القرآن يثلج حرارة الصدور ويفرج عن حزازات المصدور فاعتذرت فما قبل عذري وقيل لي قد شاهدناك تملي فيه في نيف على عشرين عاماً ما لَوْ سطر لملأ النشر وعجز عن تحصيله البشر فقلت كان ذلك والشباب بنضارته والعمر في عنفوانه. فأما الآن فقد وليا فقد وليت معهما وهذا أوان تفريض فكيف أحاول أن أجمع تحقيقي فألح ولج (٢) والمثل السائِر من لج حج (٣) فحررت مائة ورقة قانوناً في التأويل لعلوم التنزيل تأخذ بصبغ الشادي (٤) وتثير الهمم للبادي فمن وجده فليأخذ به فإنه لباب الألباب وشارع عظيم إلى كل باب فأما الآن فنستبيح بنكت في هذا الإملاء يناسبه في العجالة وأرجو ألا يكون ضغثاً على أبالة (٥) ولي فيها مقاصد الله عليم بها معظمها التنبيه على مقدار مالك في العلوم وسعة باعه فيها في الفهم والتفهيم. سورة البقرة: قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول أول معصية عصي الله بها الحسد والكبر والشح حسد إبليس آدم وتكبر عليه وشح آدم فقيل له كل من جميع شجر الجنة إلَّا هذه الشجرة

стр. 1043

فشح بأكلها (١). قال القاضي (٢) ﵁ أما الحسد فكبيرة من أعمال القلوب متفق على تحريمها في الملك من لدن شريعة آدم إلى محمَّد ﷺ وحقيقته تمني عين المعجب ما عند الغير وإرادة انتقاله منه إليه (٣) فإن أردت وجود مثله عندك كان عند علمائنا غبطة وحقيقة ذلك أن الحسد يطلق على الوجهين والغبطة مخصوص بالثاني، وعلى هذا يخرج قوله ﷺ (لا حسد إلَّا في اثنتين (٤)) الحديث وقد أحكمنا القول عليه في صريح الصحيح وأما الكبر فهو رؤية الفضل للنفس على الغير وتختلف درجاته ما بين طاعة وكفر ومعصية وعلى هذا يخرج قوله (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبَّة من كبر (٥)) فعبر عن أحد أقسامه الثلاثة وهو الكبر وبه كان إبليس كافراً لأنه حمله حسده لآدم على أن يعترض على أمر الباري سبحانه ويسفهه فكان كافراً بذلك وأما الشح فاتفق علماؤنا على أن البخل منع الواجب وعلى أن الشح منع المستحب (٦) واستدلوا على ذلك بقوله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٧)﴾ الآية. ورأيت بعض العلماء بأنه يجعله من الألفاظ المشتركة. وقد بيّنا ذلك في تفسير قوله ﷺ (مثل البخيل والمتصدق) (٨) فليطلب هنالك والذي

стр. 1044

يفتقر الآن إليه ها هنا وجه تسمية مالك (١) ﵀ فعل آدم شحًا والذي نعتقد أن الشح منع المستحب ووجه تعلق قول مالك بهذا التفسير أن الايثار هو خلعك عما بيدك للغير والشح ضده فهو إذا خلع ما بيد الغير لك فلما خلع آدم الشجرة من قسم المتروك إلى قسم المفعول كان شحاً. قوله ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول التقديس الصلاة قال القاضي ابن العربي ﵁ تحقيقه أن التقديس هو التطهير والتنزيه حسب ما بيناه في اسم القدوس وهو من صفات النفي في حق الباري سبحانه والاثبات في حقنا له والتقديس يكون بالقول ويكون بالفعل والفعل أشرف من القول أو مثله أو مقوله وأشرف الأفعال الدينية الصلاة وهي قد جمعت أنواع التقديس من قول وفعل (٢) بانتصاب وانحناء وسقوط إلى الأرض ببدنه فهي غاية قدرة الأدمي فلأجل ذلك انتهى مالك في التفسير إليها. قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول ضربوه بالفخذ وقيل بالذنب (٤) قال القاضي ابن العربي ﵁ وخذوا أخذ الله بكم ذات اليمين قولاً بديعًا وذلك أن مالكاً كثيراً ما يسترسل في الإسرائيليات وقد نقلنا عنه في ذلك أقوالاً متعددة في مسائل مختلفة في أصول الفقه وجه ذلك ولبابه أن كل قول يرد من قبلهم على ألسنة من أسلم من علمائهم يجوز أن يوثر عنهم ما لم يعترض على ما (٥) في الشرع وهو المراد بقوله (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (٦) وقد بيناه في شرح الحديث على

стр. 1045

الاستيفاء والذي يغلب على ظني أن مالكاً إنما ذكر ذلك لأن النبي ﷺ قد ذكر نظيره في شرعنا قال: (لا تقوم الساعة حتى يخبر الرجل فخذه بما يصنع أهله من بعده) (١) فرأى مالك رضوان الله عليه أن نطق الفخذ منتظم في الشرائع. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول لما وقف إبراهيم ﵇ على المقام أوحى الله سبحانه إلى الجبال أن تأخري عنه فتأخرت حتى رأى (٣) موضع المناسك كلها فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ (٤). قال القاضي ابن العربي ﵁ هذا شيء مروى عن (٥) النبي ﷺ ولكن لم يصح لنا سنده أما إن مالكاً نقله لثلانة أوجه أحدها أنه مناسب نظم القرآن والثاني أنه يسير من قدرة الجليل في كرامة الخليل الثالث أنه جائز في المعقول يخرج على الأصل المتقدم وقد قيدت في متعلقات التذكير عن أشياخنا العراقيين أن الأوزاعي وصى يوماً رجلاً بالتقوى وملازمة العمل الصالح وقال له من درج كلامه: إذا اتقيت الله وقلت لذلك الجبل أدن يدنو إليك فتزحزح الجبل إليهم فقال الأوزاعي إليك عني إنما ضربته مثالاً لهذا. وهذه رواية تستمد من بحر الكرامات وصدرنا فيها رحب وموردنا فيها عذب فعليكم بالمتوسط والمشكلين فيهما ينجلي عنكم خفي الجهل وينهتك ستر المين وكذلك أسمع الله كلام إبراهيم حين أذن بالحج لجميع الخلق من جماد وحى حين أذن على المقام بالحج فأسمع الله تأذينه كل مخلوق من الأحياء والجمادات فمن أعرض عنه لم يحج ومن أجابه مرة حج مرة ومن أجابه سبعين مرة حج سبعين حجة وهي إحدى الأقسام التي وقع فيها الأحياء من الله للخلق من لدن آدم إلى يوم القيامة وكل ذلك جائز في قدرة الله حسب ما بيناه في المشكلين وغيره (٦) على وجه ذلك من صحيح وسقيم وقوي وضعيف وغير ذلك. قوله ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٧) قال أبو

стр. 1046

بكر بن أبي أويس سمعت مالكاً يقول إذا منَّ قطع الأجر قال القاضي ابن العربي ﵁ هذه الآية من شبه الاحباطية والقول بالإحباط محبط حسب ما بيناه في كتب الأصول وبيناه في المشكلين لأنه لم تبق آية ولا حديث يتعلق به إلَّا جمع هنالك فيضرب بعضها ببعض حتى يتعين الحق فمعنى قوله ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ يعني عند الموازنة في رأي المحققين من علمائنا لأن الصدقة حسنة والمن والأذى سيئة فربما ثقل ميزان السيئة بتكريرها أو بما شاء الله من شأنها فيبطل معنى الصدقة في ذلك الحال والابطال على وجهين عام وخاص حسب ما بيناه هنالك وهذا (١) الذي أشار إليه مالك وجه مليح وذلك أن ثواب الصدقة يجري للمتصدق دائماً فإذا منَّ انقطع الأجر من ذلك اليوم وهو يرجع إلى الأول مع المخالفين ولكنها مقدمة شريفة (٢) فليرجع إليها. قوله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني التفكر في أمر الله والاتباع له وقال ابن وهب سمعته يقول هو الفقه في دين الله تعالى والعمل به قال مالك ومما يبين لك ذلك أن الرجل قد يكون بصيراً بدنياه وآخر لا بصر له بدنياه وهو عارف بأمر الله تعالى وقد قال الله في يحيى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٤) يعني العلم والعمل قال القاضي ابن العربي ﵁ اختلف قول مالك لأصحابه لفظًا واتفق معنى على طريق العلماء في ضبط المعاني وإهمال الألفاظ فرد على السائلين (٥) في الأجوبة بحسب الحاضر في الخاطر من تلك المعاني المنفردة أو بحسب السائل إن كان يحتمل جميعها أو بعضها وبناء ح ك م في اللغة العربية كيفما تصرف يرجع إلى الضبط والمنع وقد قررنا في ذلك بدائع في اسم (٦) الحكيم فليطلب هنالك وأول الحكمة العلم وأول العلم معرفة الانسان بنفسه فمن عرف نفسه عرف ربه وآخر الحكمة العمل فإذا اجتمعا كان صاحبهما حكيماً وإن افترقا كان ذلك الاسم ثابتًا له من وجه

стр. 1047

منفياً عنه من آخر والكلام في إطلاقه عليه أو سلبه عنه مسألة فقهية بيانها في شرح الحديث. قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (١) قال جويرية (٢) بن أسماء سمعت مالكاً يقول وأسنده: (يرحم الله إبراهيم نحن أحق بالشك منه حين قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾) قال (ويرحم الله لوطأ كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي (٣)) قال القاضي ابن العربي ﵁ هذا حديث صحيح خرجه الأئمة من كل صنف واجتنب بعضهم لفظة الشك فقالوا نحن أحق بإبراهيم استعظاماً لذكرها (٤) وهي عبادة لا يستعظم ما يذكره النبي ﷺ عن نفسه إلَّا أن يكون لم يصح عنده فله في ذلك أبلغ العذر وقد أتقنا القول على هذا الحديث في المشكلين وغيره بما لبابه أن الشك هو تجويز أمرين في القلب لا مزية لأحدهما على الآخر فإن كان فيما يتعلق بالله مما يجب له أو يستحيل فذلك كفر لا يليق بالأنبياء صلوات الله عليهم وإن كان هذا التردد فيما يجوز من فعله ويتصرف على العباد من حكمه فمنه ما أعلم الأنبياء به ومنه ماحبسه عنهم. فأما جواز إحياء الموتى فهو معنى معقول جائز لم يحبس الله علمه عن الأنبياء ولا شك فيه أحد منهم في حال من الأحوال لأن الله صرح به لهم وكرره عليهم وجعله أصلاً في معرفتهم به وأصلاً لجميع أفعاله ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٥) يعني بالحشر للثواب والعقاب وهو معنى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٦) فأما كيفية إحياء الخلق بجمع أجزائهم

стр. 1048

المتفرقة وإعادة أوصافهم المعروفة وتأليف الأرواح مع الأجساد كما كانت قبل الميعاد فما أطلع الله عليها أحدًا ولا يلزم أن يكون معتقداً بل قال بعض المحررين إن الأصلح في الحكمة أن يخفى عن الخليقة. أما إن الخليل لما رفعت درجته وقربت منزلته واطلع على ملكوت السموات والأرض قال بحكم الإذلال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ فوفى الله منزلته حقها وعاد عليه بفضل الإجابة فأراه من كيفية جمع الأجزاء المتفرقة عياناً ما كان شك فيه قبل ذلك زماناً وكل أحد إلى يوم القيامة من المؤمنين الموقنين عالم بالاعادة شاك في الكيفية وأما قوله (يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد) (١) فإن لوطاً سأل الله تعالى على ما علم من عادته وسننه في ربط الأسباب بالمسببات وهو مقام توحيد عظيم فأراد النبي ﷺ من لوط أن يقوم في مقام أشرف منه وهو التعلق بالقدرة إذا رأى الغلبة كما فعل ﷺ يوم الطائف حين ضاقت عليه الأرض بما رحبت فقال (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي- الحديث إلى قوله- ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي. العظيم) (٢). وقال في يوسف متعجباً من صبره على بلاءً السجن واستدامته لذلك البلاء بعد أن أمر بالخروج فرأى له في ذلك منزلة لم يرها لنفسه ﷺ فلم يسلم للوط ﷺ حاله وأقر على نفسه الكريمة بشغوف (٣) يوسف في بقائه في السجن بعد الدعاء إلي الخروج (٤) منه وقد أتقنا بيان

стр. 1049

ذلك في كتاب الأنبياء وفي كتاب المشكلين. قوله ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ الآية. قال سوادة بن عبد الله الأنصاري (١) سمعت مالكاً يقول قال جبريل للنبي ﷺ (يا محمَّد إن الله تعالى تجاوز عن أمتك الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، (٢) وذكر كلاماً قال القاضي ابن العربي ﵁ روي عن النبي ﷺ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٣) وهذان الحديثان لم يثبت لهما قدم في الصحة

стр. 1050

لكن مغناهما صحيح قطعاً في الخطأ والنسيان والإكراه محمول عليه في العموم مخصوص في الكفر في سووة النحل (١) واختلف علماء المسلمِين في هذه المسألة على قولين فمنهم من قال إن المراد بالرفع ها هنا رفع الاثم في الآخرة والحكم دنيا ومنهم من قال إن المراد بذلك رفع الإثم في الآخرة دون الحكم في الدنيا في تفصيل طويل بيانه في كتاب الأحكام (٢) والمسائل والأدلة في ذلك متعارضة وقد تكلمنا عليها في مسائل الخلاف بما فيه كفاية والذي يتحصل الآن من القول في ذلك أن الصحيح فيه رفع الاثم آخرة والحكم دنيا معاً فكل من فعل فعلاً ناسياً أو مخطأ أو مكرهاً فإن شيئًا من ذلك لا يتعلق به حكم إذا كان ذلك الحكم مما يثبت فيه تحقيق هذه الصفات الثلاث فإن قيل فقد قال الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٣) فاعتبر الضمان فيه وهذا نقض ما ذكرتموه قلنا لا يعترض بهذا على ما أصلنا فإنه تعالى كما أوجب الضمان في قتل الخطأ أوجب الضمان بالكفارة وقد أجمعت الأمة على أنه لا إثم فيه فدل ذلك على أن الحكم مخصوص والمخصوص لا يقاس عليه ولا يعترض به فإن قيل فلو أتلف مالاً لرجل وهو لم يقصد قلنا يلزمه الضمان لأن دعوى عدم القصد لم تثبت ونفس الإهلاك قد تحقق فلا يسقط المتحقق بالمتوهم.

стр. 1051

سورة آل عمران: قوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) قال ابن وهب قال مالك الراسخ العالم العامل فإذا لم يعمل بعلمه فهو الذي يقال فيه [نعوذ بالله من علم لا ينفع] وقال أشهب سمعت مالكاً يقول الراسخون منه العلم لا يعلمونه والآية التي بعدها أشد منها وهي قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ قال القاضي ابن العريي وضي الله عنه قد بينا هذه الآية على وجهها (٢) في كتاب المشكلين وبينا اختلاف العلماء قديمًا وحديثاً في المراد منها وذكرنا أن مالكاً قال في جماعة لا يعلمها إلّا الله (٣) وقال آخرون إن الراسخين في العلم يعلمونه (٤) وهو الذي نختاره وأن قوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ جملة في موضع الحال أو دال على الحال كقول الشاعر: الريح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في غمامه (٥). وهنا اختيار محمَّد بن إسحاق (٦) وما رأيت من وقف على الآية وفهم معناها قبله غيره

стр. 1052

قال إن قول الله لا يختلف لأن قوله واحد من رب واحد والعلماء الراسخون في العلم ردوا تأويل المتشابه إلى ما علموا من المحكم الذي ليس له إلَّا تأويل واحد فاتسق بقولهم الكتاب وقامت به الحجة وظهر العذر وزاغ الباطل (١) (٢) وهو كلام صحيح قد جرى في أسلوب التحقيق وبلغ الغاية من التدقيق بسطه وإيضاحه أن الله تعالى قال ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فقسم الآيات على قسمين أماً وبنتاً وإنما قلنا وبنتاً لأن الأم من الأسماء الاضافية للضرورة فمن أراد أن يعرف نسب البنت ردها إلى الأم والقرآن كله محكم وكله متشابه ومنه آيات محكمات وآيات متشابهات وذلك كله بمعان مختلفات. أما كونه كله محكماً فبحسن الرصف وبديع الوصف وغاية الجزالة ونهاية البلاغة وقلة الحروف وكثرة المعاني وعنه وقع البيان بقوله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٣) وأما كونه متشابهاً كله فباستوائه في هذه المعاني التي فصلنا لا تقصير ولا فضول ولا حشو ولا تعارض ولا تناقض كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤) وعنه أخبر بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٥) وأما كونه على قسمين منه محكم ومنه متشابه فالمراد منه جلي في البيان ومنه خفي ولو شاء ربنا سبحانه لجعله على مرتبة واحدة في الجلاء والبيان ولكنه قسم الحال فيه لما سبق من علمه في تقسيمه الخلق إلى عالم وجاهل ومستوفي وناقص وتفضيلهم في درك المعارف كما قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٦) فأخبر أنه يرفع بالإيمان درجة ويرفع بالعلم معه أخرى والذي لا يعلم تأويله يقتصر على الإيمان به والتصديق له والتسليم به في علم الله سبحانه. والراسخ في العلم ينظر فيه ويقرن المتشابه بالمحكم فما وافق المحكم من احتمال المتشابه قال (٧) به وما خالفه أسقطه وإن احتمل الأمر عنده بعد ذلك عضده بقول الرسول ﷺ

стр. 1053

واستدركه في أدلة المعقول فإذا اتضحت السبيل وابتهج له الدليل قال به واعتمد عليه وإن توقفت الحال بعد هذا الاعتماد (١) كله سلم لعلم الله أخيراً كما سلم المؤمن أولاً فالراسخ في العلم عند علمائنا هو الذي ينتهي إلى ما علم، ويقف حيث ما بلغ به النظر وقد استوفينا بيان (٢) ذلك في كتاب المشكلين. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ (٣) قال أبو بكر بن أويس (٤): سمعت مالكاً يقول معناه إن كنتم تحبون طاعة (٥) الله قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵁ وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في تعلق المحبة بذات الله لأجل أنها قسم من أقسام الإرادة والإرادة إنما تتعلق بالمحدث فرأى مالك أن يخلص هذا الإشكال ويعلق المحبة بالطاعة وهو الإِسلام وقد بينا ذلك في كتاب الأمر. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٦) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول: "كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلَّا ابن مريم فإنه طعنه من وراء حجاب" (٧) قال القاضي ابن العربي ﵁ الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : (ما من مولود يولد إلَّا يطعن الشيطان في خاصرته فيستهل صارخاً إلّا مريم وابنها) (٨) وذلك لقول الله : ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ زاد بعضهم عن أبي هريرة "فتلك الصرخة التي يصرخها الطفل منها" (٩).

стр. 1054

وهذا أمر لا يعلم إلَّا بالخبر وخفي ذلك على الملحدة والغافلين من الخليقة فأما الملحدة فقالوا إنما يصرخ لاختلاف الهواء عليه كما يبكي من انتقل من حال إلى حال ويتألم من الكبار وتعاطى في ذلك بعض الشعراء من المتأخرين وهو لا يعلم فقال: لما توذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد (١) وقد قال النبي ﷺ (لو أن أحدكم إذا أتي أهله قال اللهم (٢) جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا وقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا) قال علماؤنا معناه لم يضره بالطعنة خاصة وإلا فضرر الشيطان بالذنوب لا يعصم منها عاصم. قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول "ما من أحد يلقى الله إلَا بذنب ما عدا يحيى بن زكريا" (٤)، قال القاضي ابن العربي ﵁ هذا الذي قاله مالك ورد في الأثر ولم يصح سنده عندنا ولا شك إلَّا أنه قد صح عند مالك ولأجل صحته نطق به والأنبياء صلوات الله عليهم عندي معصومون من الذنوب بعد النبوة حسب ما بينته في كتب الأصول (٥) وممن يلقى الله بغير ذنب عيسى ابن مريم فقد روي في حديث الشفاعة (إن كل نبي يطلب منه الناس الشفاعة يذكر لنفسه خطيئة ما عدا عيسى بن مريم

стр. 1055

فإنهم يقولون له يا عيسى أنت روح الله وكلمته إشفع لنا إلى ربك فيقول إني عبدت من دون الله) (١) وكذلك محمَّد ﷺ يلقى الله دون ذنب مفعول وهو مع ذلك متوب عليه مغفور له وقال مالك ﵁ "قتل يحيى بن زكريا في شأن امرأة" رواه ابن نافع وابن وهب في جماعة كثيرة عنه. قال القاضي ابن العربي ﵁ تمام القصة أن المرأة دعته إلى نفسها فلما أبى قالت لصاحبها هذا يطالبني في نفسي فاقتله فقتله فبقي دمه يغلى في الأرض حتى جاء بختنصر فوجده يغلي فقال هذا دم مظلوم فقتل عليه قدر سبعين ألفاً وحينئذ سكن غليانه (٢) وكان هذا بختنصر ملكاً مسلطاً على بني إسرائيل قتل خيارهم كما قتل شرارهم أخذ من أحبارهم ورهبانهم المتعبدين في المسجد الأقصى منهم وأخرجهم إلى ما بين باب الأسباط ومحراب زكريا جوف المسجد الأقصى فذبحهم هنالك ذبحاً في حفرة كانت بها شاهدت الحفرة إذا دفع الماء فيها احمر فإذا خرج عنها عاد إلى لونه وكانت تغلي بالماء في أيام الشتاء فيقف الناس عليها للعجب. سورة النساء: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول جاء
следующие страницы →