← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

سورة آل عمران: قوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) قال ابن وهب قال مالك الراسخ العالم العامل فإذا لم يعمل بعلمه فهو الذي يقال فيه [نعوذ بالله من علم لا ينفع] وقال أشهب سمعت مالكاً يقول الراسخون منه العلم لا يعلمونه والآية التي بعدها أشد منها وهي قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ قال القاضي ابن العريي وضي الله عنه قد بينا هذه الآية على وجهها (٢) في كتاب المشكلين وبينا اختلاف العلماء قديمًا وحديثاً في المراد منها وذكرنا أن مالكاً قال في جماعة لا يعلمها إلّا الله (٣) وقال آخرون إن الراسخين في العلم يعلمونه (٤) وهو الذي نختاره وأن قوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ جملة في موضع الحال أو دال على الحال كقول الشاعر: الريح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في غمامه (٥). وهنا اختيار محمَّد بن إسحاق (٦) وما رأيت من وقف على الآية وفهم معناها قبله غيره

стр. 1052

قال إن قول الله لا يختلف لأن قوله واحد من رب واحد والعلماء الراسخون في العلم ردوا تأويل المتشابه إلى ما علموا من المحكم الذي ليس له إلَّا تأويل واحد فاتسق بقولهم الكتاب وقامت به الحجة وظهر العذر وزاغ الباطل (١) (٢) وهو كلام صحيح قد جرى في أسلوب التحقيق وبلغ الغاية من التدقيق بسطه وإيضاحه أن الله تعالى قال ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فقسم الآيات على قسمين أماً وبنتاً وإنما قلنا وبنتاً لأن الأم من الأسماء الاضافية للضرورة فمن أراد أن يعرف نسب البنت ردها إلى الأم والقرآن كله محكم وكله متشابه ومنه آيات محكمات وآيات متشابهات وذلك كله بمعان مختلفات. أما كونه كله محكماً فبحسن الرصف وبديع الوصف وغاية الجزالة ونهاية البلاغة وقلة الحروف وكثرة المعاني وعنه وقع البيان بقوله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٣) وأما كونه متشابهاً كله فباستوائه في هذه المعاني التي فصلنا لا تقصير ولا فضول ولا حشو ولا تعارض ولا تناقض كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤) وعنه أخبر بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٥) وأما كونه على قسمين منه محكم ومنه متشابه فالمراد منه جلي في البيان ومنه خفي ولو شاء ربنا سبحانه لجعله على مرتبة واحدة في الجلاء والبيان ولكنه قسم الحال فيه لما سبق من علمه في تقسيمه الخلق إلى عالم وجاهل ومستوفي وناقص وتفضيلهم في درك المعارف كما قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٦) فأخبر أنه يرفع بالإيمان درجة ويرفع بالعلم معه أخرى والذي لا يعلم تأويله يقتصر على الإيمان به والتصديق له والتسليم به في علم الله سبحانه. والراسخ في العلم ينظر فيه ويقرن المتشابه بالمحكم فما وافق المحكم من احتمال المتشابه قال (٧) به وما خالفه أسقطه وإن احتمل الأمر عنده بعد ذلك عضده بقول الرسول ﷺ

стр. 1053

واستدركه في أدلة المعقول فإذا اتضحت السبيل وابتهج له الدليل قال به واعتمد عليه وإن توقفت الحال بعد هذا الاعتماد (١) كله سلم لعلم الله أخيراً كما سلم المؤمن أولاً فالراسخ في العلم عند علمائنا هو الذي ينتهي إلى ما علم، ويقف حيث ما بلغ به النظر وقد استوفينا بيان (٢) ذلك في كتاب المشكلين. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ (٣) قال أبو بكر بن أويس (٤): سمعت مالكاً يقول معناه إن كنتم تحبون طاعة (٥) الله قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵁ وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في تعلق المحبة بذات الله لأجل أنها قسم من أقسام الإرادة والإرادة إنما تتعلق بالمحدث فرأى مالك أن يخلص هذا الإشكال ويعلق المحبة بالطاعة وهو الإِسلام وقد بينا ذلك في كتاب الأمر. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٦) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول: "كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلَّا ابن مريم فإنه طعنه من وراء حجاب" (٧) قال القاضي ابن العربي ﵁ الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : (ما من مولود يولد إلَّا يطعن الشيطان في خاصرته فيستهل صارخاً إلّا مريم وابنها) (٨) وذلك لقول الله : ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ زاد بعضهم عن أبي هريرة "فتلك الصرخة التي يصرخها الطفل منها" (٩).

стр. 1054

وهذا أمر لا يعلم إلَّا بالخبر وخفي ذلك على الملحدة والغافلين من الخليقة فأما الملحدة فقالوا إنما يصرخ لاختلاف الهواء عليه كما يبكي من انتقل من حال إلى حال ويتألم من الكبار وتعاطى في ذلك بعض الشعراء من المتأخرين وهو لا يعلم فقال: لما توذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد (١) وقد قال النبي ﷺ (لو أن أحدكم إذا أتي أهله قال اللهم (٢) جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا وقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا) قال علماؤنا معناه لم يضره بالطعنة خاصة وإلا فضرر الشيطان بالذنوب لا يعصم منها عاصم. قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول "ما من أحد يلقى الله إلَا بذنب ما عدا يحيى بن زكريا" (٤)، قال القاضي ابن العربي ﵁ هذا الذي قاله مالك ورد في الأثر ولم يصح سنده عندنا ولا شك إلَّا أنه قد صح عند مالك ولأجل صحته نطق به والأنبياء صلوات الله عليهم عندي معصومون من الذنوب بعد النبوة حسب ما بينته في كتب الأصول (٥) وممن يلقى الله بغير ذنب عيسى ابن مريم فقد روي في حديث الشفاعة (إن كل نبي يطلب منه الناس الشفاعة يذكر لنفسه خطيئة ما عدا عيسى بن مريم

стр. 1055

فإنهم يقولون له يا عيسى أنت روح الله وكلمته إشفع لنا إلى ربك فيقول إني عبدت من دون الله) (١) وكذلك محمَّد ﷺ يلقى الله دون ذنب مفعول وهو مع ذلك متوب عليه مغفور له وقال مالك ﵁ "قتل يحيى بن زكريا في شأن امرأة" رواه ابن نافع وابن وهب في جماعة كثيرة عنه. قال القاضي ابن العربي ﵁ تمام القصة أن المرأة دعته إلى نفسها فلما أبى قالت لصاحبها هذا يطالبني في نفسي فاقتله فقتله فبقي دمه يغلى في الأرض حتى جاء بختنصر فوجده يغلي فقال هذا دم مظلوم فقتل عليه قدر سبعين ألفاً وحينئذ سكن غليانه (٢) وكان هذا بختنصر ملكاً مسلطاً على بني إسرائيل قتل خيارهم كما قتل شرارهم أخذ من أحبارهم ورهبانهم المتعبدين في المسجد الأقصى منهم وأخرجهم إلى ما بين باب الأسباط ومحراب زكريا جوف المسجد الأقصى فذبحهم هنالك ذبحاً في حفرة كانت بها شاهدت الحفرة إذا دفع الماء فيها احمر فإذا خرج عنها عاد إلى لونه وكانت تغلي بالماء في أيام الشتاء فيقف الناس عليها للعجب. سورة النساء: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول جاء

стр. 1056

رجل إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال له إني قتلت فقال له عبد الله بن عمر "أكثر من شرب الماء البارد" قال مالك يريد أنه من أهل النار. قال القاضي ابن العربي ﵁ وهذه مسألة من كبار المسائل اختلف الناس فيها قديمًا وحديثًا وتعلق أهل الاحباط بها لا سيما باضطراب آراء الصحابة فيها فكان ابن عباس يقول تارة إن القاتل لا توبة له ويقول أخرى له توبة ويقول ثالثة إن كان لم يقتل ليس لك توبة وإن كان قتل يقول لك توبة، وقد بينا في كتاب المشكلين أن توبته مقبولة وأن ذنبه داخل تحت المغفرة ومعصيته أهك للكفارة وأعظم آية فيه قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ وهذه الآية ليست من المتشابه بل هي من المحكم كما بيناه في موضعه لبابه أنه قال ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وبقي استيفاء الجزاء ليس له في الآية ذكر وجهل بعض الناس فقال معناه إن جازيناه (١) وليس يفتقر هذا الكلام إلى هذا الاضمار فلا معنى لذكره وسائر آيات القرآن على عمومها كآية الزمر (٢) وخصوصها كآية الفرقان (٣) تقتضي كلها قبول التوبة وجواز المغفرة للقاتل وخصوصاً الحديث الصحيح (إن رجلاً كان فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفساً فجاء إلى بعضهم فسأله هل لي من توبة فقال لا توبة لك فقتله ثم جاء آخر فسأله هل لي من توبة قال لا توبة لك فقتله ثم جاء آخر فسأله فقال ومن يسد عنك باب التوبة ولكن إيتِ الأرض المقدسة فمشى إليها فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فمع اختلافهم أمرهم الله سبحانه أن يقيسوا ما بين الأرض التي خرج منها والتي يقصد فإلى أيها كان أقرب قبض روحه عليه فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض المقدسة بشبر) (٤). وفي رواية (فوجدوه لما أدركه الموت قد نأى بصدره (٥) فقبضته ملائكة الرحمة) فإن قيل فما وجه اختلاف ابن عباس فيمن قتل أو لم يقتل وهل كان يقول لمن لم يقتل لا توبة لك تخويفاً بما لا يعتَقده حقًا وذلك لا يجوز أم كان يعتقده وذلك لا معنى له. قلنا لم يكن

стр. 1057

ابن عباس يعتقده وإنما كان يقوله تخويفًا ووجه ذلك أن المسألة اجتهادية فابن عباس وإن كان يرى أن له توبة لا يقطع بخطأ القول الثاني فكان يخبره عنه تحذيراً لاحتماله (١). والذي كان يفتي به مالك في هذه المسألة أن يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويتصدق ويفعل ما استطاع من الخير وروي عنه أنه لا كفارة فيه لأنه أعظم من أن يكفَّر وقد بينا في مسائل الخلاف هذه المسألة وحققنا المقصود منها والله أعلم. سورة الأعراف: قوله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ (٢) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول تأويله ثوابه (٣) قال القاضي ابن العربي ﵁ فيه أقوال كثيرة حقيقتها ترجع إلى المآل وحقيقته كلها وفائدته الثواب والعقاب فذكر مالك الثواب من جملتها لأنه أعلى وأولى أو ذكر أحدهما وهو أفضلهما (٤) ليدل على الثاني كما قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني (٥) سورة براءة: قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٦) قال ابن القاسم وأشهب سمعنا مالكاً يقول

стр. 1058

كان أهل الجاهلية يحلون (١) صفرين قال القاضي ابن العربي ﵁ هذا منه إِشارة إلى أن النسيء الذي أحدثه في الجاهلية حذيفة بن عبيد الكناني المقلب بالقلمس (٢) كانوا إذا عرض لهم قتال وفجأهم العدو في الشهر الحرام اسِتحلوه وعوضوا منه شهرًا حلالاً فاستحرموه وسموه النسيء مأخوذ من النسأ وهو التأخير ولم يزالوا يفعلون ذلك حتى قلبوا الشهور واختلطت الأعوام ولم يزل الأمر كذلك مرتبكًا والحج مفسوداً حتى اختار الله لرسوله ﷺ سنة عشر والحساب قد إطرد في نظامه والحق قد عاد في نصابه فخرج النبي ﷺ حاجاً فلما قضى نفثه ووفى نذره قال معلماً للخلق: (إن الزمان قد استداركهيئته يوم خلق السموات والأرض) (٣) الحديث. قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٤) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ هو أبو بكر وكان يرفع من أبى بكر بذلك (٥) جداً. قال القاضي ﵁ إِنما كان مالك ﵁ يجد في ترفيع أبي بكر بهذه الآية أما فيها من الإشارة بذكره والتنويه بقدره من وجوه كثيرة أمهاتها ستة: الأول: أنّ الله تعالى نزل فيه أبا بكر منزلة جميع المؤمنين بل الخلق أجمعين فقال : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ على وجه كذا معناه بصاحبه. الثاني قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ ... إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ فقدم أبا بكر وجعل النبي ﷺ ثانيه. الثالث قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ فخططه بهذه الخطة التي هي أشرف الخطط

стр. 1059

وأفضل الأسماء. الرابع قوله ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ فثبته بتثبيته وسلاه بتسليته. الخامس قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فهذه مرتبة لم تكن قط لأحد من الخلق بعد الأنبياء قال موسى ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (١) وقال محمَّد لأبي بكر ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ قال لنا الشيخ الأجل المعدل أبو الفضائل ابن طوق قال لنا الأستاذ جمال الإِسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن (٢) القشيري قال موسى حين بغته أمر فرعون ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فخص نفسه بالمعية التي من مَعظم فوائدها الهداية دون أصحابه لما علم الله من تبديلهم وتحريفهم وعبادتهم العجل وقال محمَّد في نفسه وصاحبه ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ لما علم الله من تثبيت أبي بكر وهدايته وفضله وجلالته وأعظم من ذلك وأمثله قول النبي ﷺ لأبي بكر وقد فاجأهما المشركون فقال أبو بكر للنبي ﷺ "لوأن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا" فقال له ﷺ : (يا أبا بكر وما ظنك باثنين الله ثالثهما) (٣). السادس قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ﴾ (٤) وكل من تنزل عليه السكينه غشيته الرحمة وثبتت له العصمة. قوله: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ (٥) قال ابن القاسم وسمعت مالكاً يقول "ابن آدم إعمل وأغلق عليك سبعين باباً يخرج الله عملك إِلى الناس" (٦). قال القاضي ابن العربي ﵁ هذا مذكور في الحديث في قوله: (من أسر هريرة ألبسه الله رداءها إن خيراً فخير) الحديث. وهذا أمر شائع في الشرائع مشهور في الملل حتى قال حكيم الجاهلية:

стр. 1060

ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم (١) وينتهي الحال في ذلك إلى أن يشهد بذلك جميع الخلق فيقضي الله في ذلك بالحق ثبت عن النبي ﷺ (أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً فقال وجبت ومر عليه بأخرى فأثنوا عليها خيراً فقال وجبت فقالوا لم يا رسول الله ما وجبت قال أثنيتم على الأولى شراً فوجبت له النار وأثنيتم على الأخرى خيراً فوجبت الجنة) (٢). سورة يونس: قوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول هو هذا السلام الذي يتقابلون به. قال القاضي ابن العربي ﵁ في هذه الآية قولان أحدهما أن المراد به الزيارة يزور الخلق ربهم في حديث طويل. والقول الثاني أن المراد به القول سلام ثم يعود إلى قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٤) (٥) أو سلام الجبار على أهل الجنة كما ورد في الآثار فرجح مالك ﵀ أن المراد به قول السلام لوجهين: أحدهما إنه ظاهر الكلام ولا يعدل عن الظاهر إلَّا لضرورة. والثاني أن له نظيراً في القرآن على ما استشهدنا به وأما من الزيارة فضعيف من وجهين: أحدهما أنه مجاز ولا يعول عليه إلَّا بدليل.

стр. 1061

والثاني أن سلام الجبار لم يصح سندًا وإن كان صحيحاً معتقداً. قوله : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ (١) قال ابن القاسم وجويرية سمعنا مالكاً يقول هي الرؤيا الصالحة وقال عنه المخزومي هي البشارة عند الموت وكلا القولين صحيح لأن أحدهما مذكور عن النبي ﷺ في الرؤيا الصالحة (٢). وأما الثاني فإن نفساً أن تموت حتى تبشر بالجنة نسأل إليه الجنة وما قرب إليها من قول وعمل أو بالنار وإذا احتمل القول هذا كله صح حمله عليه. سورة هود: قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٣) قال ابن وهب سمعت مالكاً يقول كانوا يكسرون الدنانير والدراهم فيعاقب من كسر الدنانير والدراهم (٤) قال القاضي ابن العربي ﵁ الإذاية على قسمين خاصة وهي أخفها وإذاية عامة وهي أغلظها وأعظم الإذاية ما يعم الناس ولذلك كان سعيد بن المسيب يقول قطع الدنانير" والدراهم من الفساد في الأزض (٥) فإن فيها إذاية للناس في أموالهم وسرقة لها من جميعهم فإن قيل فإذا قرضها الإنسان لنفسه هل يأثم أم لا قلنا إن قرضها ليصرفها إلى منفعة أخرى جاز وإن قرضها ليروجها على الخلق هلك. وروى عنه (٦) أصبغ إنه من فعل هذا لا تقبل شهادته (٧).

стр. 1062

قوله : ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١) قال المخزومي سمعت مالكاً يقول في قوله ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال الرحمة وقال قوم الاختلاف (٢) قال القاضي ابن العربي ﵁ هذه الآية من المشكلات وقد بالغنا القول فيها بحمد الله في كتاب المشكلين على أوفى قضية في البيان على وجه يعم جميع الطوائف مهمتكم في هذا الاستعجال منه أن قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ دليل قاطع على أن المشيئة تتعلق بكل موجود ومحدث وأيضاً فإن قوله ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ دليل على أنه القسم الثاني الذي عينته المشيئة فكلاهما جائز عينت القدرة والمشيئة أحدهما إذ تعلقا به ثم أخبر تعالى أن هنالك (٣) موجوداً لا يتطرق إليه اختلاف ولا ينزل بساحته مكروه فثبت هذا كله قطعاً ثم قال بعد ذلك كله ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ فقال قوم أراد الاختلاف وقال آخرون أراد للرحمة وقال قوم أراد لهما. ومن عين الرحمة من أحدهما كان أسعد ممن عين الاختلاف لأجل أن الرحمة أشرف وهي الفائدة التي تمدح الله بها وإن عدلت على الإطلاق قلت قضي عليهم بالاختلاف ويسر لهم الرحمة فجرى كل حكم على فريقه ويطرد التوحيد في تحقيقه (٤). سورة يوسف: قوله ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٥) قال المخزومي سمعت مالكاً يقول كان يعظم بعضهم بعضاً بالسجود (٦). قال القاضي ابن العربي ﵁ أراد مالك ما قاله جميع العلماء من أن هذا كان سلام من تقدم ثم نسخ الله ذلك بالإِسلام فجعل السلام قولاً لا فعلاً وعين له ما عين على ما شاء في كتب الفقه.

стр. 1063

سورة الرعد: قوله: ﴿إنّما أنت منذر﴾ (١) قال المخزومي سمعت مالكاً يقول ﴿ولكل قوم هاد﴾ يعني داعياً يدعوهم إلى الله (٢) قال القاضي ابن العربي ﵁ قال قوم لكل قوم داع من الأنبياء يدعوهم وقال آخرون لكل قوم داع من العلماء يدعوهم وأقول أنا لكل قوم داع من المؤمنين يدعوهم وهذا إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا عام في جميع المؤمنين على ما بيناه في موضعه وأشرف الدعاة والهداة الأنبياء وتترتب بعدهم المنازل. قوله : ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٣) قال ابن وهب سمعت مالكاً يقول هو عبد الله بن سلام قال القاضي ابن العربي ﵁: المراد به عبد الله بن سلام وغيره ممن بشر بالنبي ﷺ وأنذر به وأقر في التوراة بصفته. سورة إبراهيم: قوله : ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (٤) قال ابن وهب سمعت مالكاً يقول يريد بلاءه الحسن (٥) وأياديه عندهم قال القاضي ابن العربي ﵁ هذا التفسير يستمد من بحر النعم وقد اختلف الناس في عموم نعم الله تعالى على الخلق وخصوصها لبعضهم وهي مسألة مشكلة قد بيناها في كتب الأصول فأما عموم التسمية في كل ما أتى الله الخلق وأنه ينطلق عليه نعمة فلا إشكال فيه لأن الله قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (٦) الآية إلى قوله ﴿محظوراً﴾ فأخبر أن كلًا أمره الله تعالى وأتاه من نعمه على اختلاف حاله من كفر أو إيمان وأما كون معنى النعمة فيما أطلق عليه اسم النعمة فيفتقر إلى تدقيق لا يمكن ذكره بالاختصار فليطلب في كتب الأصول وأقله المتوسط.

стр. 1064

سورة الحجر: قوله : ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (١) قال المخزومي سمعت مالكاً يقول في تفسيره معلوم قال القاضي ابن العربي ﵁ معنى تفسير مالك الموزون بالمعلوم أن الله تعالى جعل الوزن طريقاً إلى معرفة الخلق لجميع الأشياء ومنه حبشي وهو الشاهق (٢) والقبان (٣) والقاسطون (٤) ومنه معنوي وهو تركيب المجهول من المعقولات على المعلوم إما بكفة العلة والحقيقة والشرط والدليل وأما بالسبر والتقسيم وهو على قسمين إما أن يدور بين النفي والاثبات فلا خلاف فيه وإما في الوجود والتعيين (٥) فاختلف فيه. فمذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي وسائر شيوخنا (٦) المشهورين أنه دليل قطعي وأشار الجويني ومن داناه من المتأخرين إلى أنه ليس بدليل في المعلومات وإنما يكون حجة في المظنونات وهي الفقهيات والصحيح عندي ما اختاره الشيخ أبو الحسن والقاضي والدليل على صحة ذلك ما نطق به القرآن ضمنًا وتصريحاً في مواضع كثيرة فمن الضمن قوله : ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ (٧) إلى قوله ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ومن التصريح قوله : ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٨) إلى قوله ﴿الظالمين﴾. قوله : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٩) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول وقاله أيضاً أشهب عنه سمعنا مالكاً يقول لقاح القمح عندي أن يسنبل ولقاح الشجر أن يثمر ويسقط ما يسقط ويثبت منه ما يثبت وليس ذلك بأن تورد الشجر وذكر عبد الله بن عبد الحكم عنه مثله (١٠).

стр. 1065

قال القاضي ابن العربي ﵁ هذه الإشإرات كلها إنما هي مغلقة من اختلاف العلماء وخصوصاً أهل العراق في وقت بيع الثمرة في الشجر وفي وقت بيع الحب في سنبله وليس في الآية متعلق لشيء منه وإنما هي والله أعلم مسوقة لبيان السبب الذي يخلق الله عنده الثمار والحبوب وهو الريح إذا اتصل بالخامة أو الشجرة كما يخلق الحرق عند اتصال النار بالجسم والشبع والري عند اتصال الخبز والماء بالمعدة وقد روينا عن ابن عباس أنه قال الرياح أربعة منشأة وهي التي يخلق الله عندها الماء في السحاب وريح فامة وهي التي تمسح وجه الأرض فتفت فتاً وريح ملقحة وهي التي يخلق الله عندها الماء من السحاب فإن لم يكن عندها ذلك فهي العقيم وريح فاتقة وهي التي يرسلها الله فتفتق السحاب وتعصر منها الماء فقوله : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ إخبار عن بعض وجوهها وفي القرآن يقيتها (١). سورة النحل: قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢): قال المخزومي سمعت مالكاً يقول في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ قال يقولون بالنجوم وهي الجبال قال القاضي أبو بكر بن العربي اختلف الناس في قوله تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فقيل أراد بقوله ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ الجبال منهم ابن عباس (٣) وقال آخرون أراد بذلك النجوم الثمانية (٤) وهي الجدي والفرقدان يهتدى بها في الفيافي التي لا أعلام فيها وفي البحار عند دخول الليل

стр. 1066

على (١) راكبها وقال آخرون في قوله المراد بالنجم الثريا (٢) وقد كان اطلع مالك على ذلك كله ولكنه اختار قول ابن عباس في أن معناه الجبال لأنه مساق الآية. قال جل ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣) وعلامات فعطفها على الفجاج ثم استأنف (٤) فقال ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ المعنى حيث يفتقر إلى ذلك فيها. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "خلق الله تعالى النجوم لثلاث للزينة والرجم (٥) وللاهتداء من يزعم أن فيها معنى سواها فقد أعظم الفرية على الله" (٦). قوله: ﴿بنين وحفدة﴾ (٧) قال ابن وهب سمعت مالكاً يقول في قوله: ﴿بنين وحفدة﴾ يعني الأعوان والخدم (٨) .......................................

стр. 1067

.. قال القاضي ابن العربي ﵁ وقال آخرون هم بنو البنين (١) وقالت طائفةً أخرى هم البنات (٢) والذي قاله مالك أصح لأن ح ف د (٣) في لغة العرب موضوعة للخدمة والتحفي بالأمور (٤). وفي الحديث في صفة النبي ﷺ أنه محفود محسود (٥). سورة سبحان: قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٦) قال أشهب سمعت مالكاً يقول لا تقل لهما أف وإن أخذا ماله وأعنتاه (٧) وسمعته مرة أخرى يقول لا تشدد النظر إليهما قال القاضي ابن العربي ﵁ هذه الآية أصل في بر الوالدين وقرن الله حقهما بحقه فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٨) وثبت عن النبي ﷺ أنه ذكر الكبائر فقال: (الاشراك بالله وعقوق

стр. 1068

الوالدين) (١) فبين الله في هذه الآية كيفية البر بتحديد الأقل من المعصية فيهما وهو التأفف كراهية لهما أو لما يصدر عنهما من قول أو فعل ونزل مالك بفضل علمه الفعل منزلة القول فقال لا تشدد النظر إليهما لأن تشديد النظر تأفيف أو أكثر منه وهذه الآية من أصول القرآن في علم الأصول والأحكام وقد ذكرنا كلاً في موضعه. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (٢) قال ابن وهب سمعت مالكاً يقول هي الحجر والعصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطور (٣) وقال ابن القاسم سمعت مالكاً فذكر نحوه وأسقط الطوفان والطور وذكر البحر والجبل (٤). قال القاضي ابن العربي ﵁ روى صفوان بن عسال المرادي عن النبي ﷺ (أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه إذهب بنا إلى هذا النبي نسأله قال لا تقل نبي فإنه إن سمعك تقول له نبي كانت له أربعة أعين فأتيا النبي ﷺ فسألاه عن قول الله تعالى ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ فقال رسول الله ﷺ لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم أيها اليهود خاصة ألا تعدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنك نبي قال فما يمنعكما أن تسلما قالا إن نبي الله داود دعا ألا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف أن تقتلنا اليهود) قال أبو عيسى الترمذي هذا حديث حسن (٥) (٦) وفيه تفسير الآيات بهذه التكليفات والمنهيات وفسرها مالك ﵀ بما تقدم من المعجزات وكلاهما آية للنبي ﷺ (٧) إلَّا أن أحدهما علم بالقرآن في

стр. 1069

قوله: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (١) والآخر علم بالسنة من حديث صفوان بن عسال وغيره فلعل مالكاً لم يبلغه حديث صفوان أو لعله بلغه وأخذ بظاهر القرآن. قوله : ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (٢) قال أشهب سمعت مالكاً يقول على تفهم (٣) قال القاضي ابن العربي ﵁ قال جماعة معنى قوله ﴿على مكث﴾ لا يأتيهم في دفعة واحدة ولكن يأتي شيئاً بعد شيء في زمان طويل ليكون ذلك أنس لهم وأثبت في قلوبهم وليس يأبى مالك هذا فإن الاشتقاق يعطيه والحال يشهد له وإنما أراد مالك أن يبين المكث الأولى والمقصود الأعلى وهو الفهم والعلم به الذي أخذ على الخلق ذلك (٤) منه فيه ولهذا مكث ابن عمر في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (٥) ولذلك كانت القراءة المرتلة أفضل من القراءة المحررة (٦). سورة الكهف: قوله : ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ (٧) الآية قال أشهب (٨) سمعت مالكاً يقول جنة الرجل منزله قال القاضي ابن العربي ﵁ لم يخف على مالك ﵀ أن المراد بقوله تعالى: "إن" (٩) الجنة الحديقة حسب ما هو نص القرآن وإنما أراد مالك أن من لم تكن معه حديقة فداره جنة يدل على ذلك اللفظ والمعنى.

стр. 1070

أما اللفظ فإن الدار جنة فإنها تجني كما تجني الحديقة وأما المعنى فلأن المرء تقر بها عينه وتسكن إليها نفسه كما تسكن بالجنة فبين مالك على أن داخل الدار ينبغي (١) له أن يقول في داره ما شاء الله لا قوة إلَّا بالله كما يقولها ذو الجنة في جنته. سورة قد أفلح: قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). قال أشهب عن مالك قلت له يا أبا عبد الله أهو ماء الخريف قال بل هو في الخريف والشتاء وكل شيء وهو على إذهابه قادر (٣) قال القاضي ابن العربي ﵁ اختلف الناس في تأويل هذه الآية على أربعة أقوال: أحدها أن المراد به ماء العيون والآبار. الثاني أن المراد به الماء الذي في أثناء الأرض وجوفها حيث حفرتها أخرجته منها. الثالث أنه مياه الأنهار الخمسة سيحون نهر الهند وجيحون نهر بلخ والفرات ودجلة نهران بالعراق والنيل نهر مصر (٤). الرابع قيل إن مياه الأرض كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس وهي من عجائب الله في أرضه فإنها صخرة تسعى في وسط المسجد الأقصى مثل الضرب قد انقطعت عن كل جهة لا يمسكها إلَّا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلَّا بإذنه في أعلاها من بهة الجوف قدم النبي ﷺ حين ركب البراق وقد مالت من تلك الجهة لهيبته ومن الجهة الأخرى أثر أصابع الملائكة التي أمسكتها إذ مالت به ومن تحتها الغار الذي انفصلت منه من كل جهة وعليه باب يفتح للناس للصلاة والاعتكاف والدعاء تهيبتها مرة أن أدخل

стр. 1071

تحتها لأني كنت أقول أخاف أن تسقط علي بالذنوب ثم رأيت الظلمة والمتجاهرين بالمعاصي يدخلونها ثم يخرجون عنها سالمين فهممت بدخولها ثم قلت ولعلهم أمهلوا وأعاجل فتوقفت مرة ثم عزم علي فدخلت فرأيت العجب العجاب نمشي في حواشيها من كل جهة فنراها منفصلة عن الأرض لا يتصل بها من الأرض شيء وبعض الجهات أبعد انفصالًا من بعض. وقول مالك ﵁ في هذه الآية بديع لأنه جمع فيه بين الحقيقة والمجاز قال مالك "كل ما هو منزل من السماء بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ ثم قال وكل شيء بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ". قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١) قال أشهب سمعت مالكاً يقول هي دمشق (٢) قال القاضي ابن العربي ﵁ اختلف الناقلون لكلام أهل الكتاب في شأن مريم وقد اتفقوا على أنها وضعت عيسى ببيت المقدس وقالوا إنها خرجت إلى العريش مغربة إلى جهة مصر وقالت طائفة إنها خرجت مشرقة إلى دمشق وهو الصحيح الذي نقل بالتواتر فأما وضعه فكان ببيت المقدس قطعاً منقولاً بالتواتر وحين وضعته وجعلته في مهده وهو فراشه الذي أنامته عليه ساخ الحجر بجلالة قدره فتراه متشكلاً وموضعه الركن الشرقي القبلي من المسجد الأقصى فلما خرجت به تقية على نفسها أو استحياء من حالها كان من أمرها ما قص الله في كتابه قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ فآوت إلى هذه الربوة وهي في سفح الغراب جبل دمشق الآخذ من أطراف الشام سائراً كذلك إلى بلاد الروم إلى خراسان وهو وأحد جبال الأرض في أعلاه رابطة على دم ولد آدم وقد تشكل في الحجر كأنه قد ذبح هنالك كبش فجرى فيه فما أثرت فيه الليالي والأيام وقد بُني في المأوى بأعلى الربوة مسجد فيه يتعبد الخلق دخلنا فيه مرارًا ودعونا الله فيها سرًا وجهارًا وإنما قال مالك لأشهب إنها دمشق رداً على من يقول إن مريم خرجت مغربة إلى العريش وليس في العريش ربوة ولا مأوى ولا معين (٣).

стр. 1072

سورة النور: قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ (١) قال المصريون سمعنا مالكاً يقول هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر (٢) وهي نص في خلافة الخلفاء الأربعة وقد مهدناها في كتب الأصول. سورة الظلة: قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٣). قال أشهب سألنا مالكاً عن قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال لا بأس أن يحب الرجل الثناء الحسن إذا خلصت فيه النية (٤). قال القاضي ابن العربي ﵁ صدق مالك مدار كل نية وعمل على الإخلاص وقد ورد في الحديث (أن رجلاً قال للنبي ﷺ يا رسول الله إني أتصدق في السر فإذا ظهر وتحدث به الناس أعجبني فقال النبي ﷺ لك أجران أجر السر وأجر العلانية) والباب ظاهر فيه واسع في فروعه. سورة النمل: قوله : ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (٥) قال ابن وهب سمعت مالكاً يقول خرج سليمان إلى اصطخر فمر على قصر أراه بناحية العراق فإذا على القصر مكتوب: خرجنا من قرى اصطخر (٦) إلى القصر فقلناه ... فمن سأل عن القصر فمبنيًا وجدناه فإذا على القصر نسر فدعاه سليمان فقال له كم لك بهذا القصر فقال تسعمائة عام وهكذا وجدته قال مالك فذلك قوله : ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (٧) قال القاضي ابن

стр. 1073

العربي ﵁ إن الله أخبر أن للطير منطقًا ونحوًا من الكلام تتفاهم به لعلمها بهجائه وتأليفه وفي ذلك كانت المعجزة لسليمان وظن بعض الجهلة أن الله خلق للطير منطقاً لسليمان والقدرة الإلهية صالحة للوجهين وظاهر القرآن يعضد الأول من القولين وإذ قد نهج لنا مالك في الذكر لسليمان وأحاديثه مع الطير فقد أخبرنا بقوله ببغداد القاضي الأجل أبو المطهر سعد بن الله الأبهري (١) بنادرة قال لنا الشيخ الحافظ أبو نعيم (٢) الأصبهاني قال لنا جعفر بن الخلدي (٣) البصري حدثنا أحمد بن مسروق (٤) حدثنا إسحاق بن إسرائيل (٥) نا سليم بن (٦) أخضر عن ابن عون (٧) قال بينما سليمان بن داود قاعداً في مجلسه إذ نظر إلى بلبل يراود بلبلة عن نفسها فامتنعت عليه فقال لها تمنعي نفسك وأنت لو كلفتني أن أحمل سرير سليمان على فرد جناحي لفعلت فاستضحك سليمان فدعا به فقال له قد سمعت ما قلت فهل تطيق ذلك؟ قال: يا نبي الله أن المحب إذا أحب حبيبه فامتنع عليه بذل له من نفسه فوق طاقته. وهذا شيء ربما كان في شريعتنا إشارة منه بأن يعد الرجل زوجته بما لا يفعل أو يخبرها بما لم يكن استجلاباً لمودتها لا على وجه صريح الكذب ولكن بالمعارِيض حسب ما بيناه في شرح الحديث.

стр. 1074

سورة القصص: قوله : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (١) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول فارغاً عن العقال (٢) قال القاضي ابن العربي ﵁ يعني بعدم الصبر وغلبة الوله وقد بينا ذلك في كتب الأصول في باب شرح محل الفعل فانظره. سورة سبأ: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ (٣) قال ابن القاسم سمعت مالكاً يقول هي الجوبة من الأرض (٤) قال القاضي ابن العربي ﵁ يريد الخرق فيها على هيئة القصعة وهذا تقسير باللغة وهو أحد الوجوه التي بيناها في تفسير القرآن. سورة يس: قوله ﴿يس﴾ قال ابن القاسم وابن أشرس سمعنا مالكاً يقول قوله ﴿يس﴾ يقول الله اسمي يس (٥) قال القاضي ابن العربي ﵁ فواتح السور اختلف الناس فيها اختلافاً كثيراً قيدنا فيها عشرين قولاً لا سبيل إلى تعيين واحد منها بدليل لأنه معدوم ولا بأثر لأنه غير منقول وليست من المتشابه الذي لا يعلمه إلَّا الله فإن محمدًا لو خاطب الكفار منها بما لا يفهم لكان ذلك أقوى أسبابها في الطعن عليه فكانوا يقولون هذا يتكلم بما لا

стр. 1075

يفهم وهو يدعي أنه بلسان عربي مبين وأما ﴿حَم، عسق﴾ في اللسان وما ﴿كهيعص﴾ في الكلام فدل على أنهم علموا الغرض وفهموا المقصود وهذا الذي قاله مالك لابن القاسم قد رواه المخزومي عن زيد بن أسلم وهو أحد محتملات يس فربك أعلم بالمعنى منها (١). سورة الجاثية: قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٢) قال المخزومي سمعت مالكاً يقول لا يرى شيئاً إلا عبده قال القاضي ابن العربي ﵁ يريد لا يرى شيئاً إلَّا شغله عن الله ومنه الحديث (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) (٣). سورة الفتح: قوله : ﴿وتعزروه وتوقروه﴾ (٤) قال المخزومي سمعت مالكاً يقول تعزروه تنصروه قال القاضي ابن العربي ﵁ قال أبو إسحاق الزجاج وغيره من أهل اللغة أصل التعزير (٥) الردع حيث ما وقع ومنه تعزير الأدب لأنه ردع له ورد عن أن يعود لمثل ذلك الفعل فمعنى تعزروه في رسول الله ﷺ تردون عنه كل أذى وهذا هو معنى تنصروه والله أعلم.

стр. 1076

كتاب الجامع هذا كتاب اخترعه مالك ﵀ في التصنيف. لفائدتين: أحدهما أنه خارج عن رسم التكليف المتعلق بالأحكام التي صنفها أبوابًا ورتبها أنواعاً. والثاني أنه لما لحظ الشريعة وأنواعها ورآها منقسمة إلى أمو ونهي وإلى عبادة ومعاملة وإلى جنايات وعبادات نظمها أسلاكاً وربط كل نوع بجنسه وشذت عنه من الشريعة معان مفردة لم يتفق نظمها في سلك واحد لأنها متغايرة المعاني، ولا أمكن أن يجعل لكلٍ منها باباً لصغرها ولا أراد هو أن يطيل القول فيما يمكن إطالة القول فيها فجمعها أشتاتًا وسمّى نظامها كتاب الجامع فطرق للمؤلفين ما لم يكونوا قبل ذلك به عالمين في هذه الأبواب كلها ثم بدأ في هذا الكتاب بالقول في المدينة، وإنما كان ذلك لأنها أصل الإيمان، ومعدن الدين، ومستقر النبوة والكلام فيها في أربعة فصولٍ: الفصل الأول في حرمها والثاني في بركتها والثالث في إعمال المطي إليها والرابع في فضلها. أما الفصل الأول: في حرمها: فإن الله تعالى خلق الأرض بابًا واحداً من قطعةٍ من زبرجدٍ ثم مدها حتى صارت مسحة ثم شرف بعضها على بعض بما أوجب له من حرمة وركب فيها من فائده إما في منفعةٍ بدنية وإما في طاعةٍ دينيةٍ. فروي عنه ﷺ أنه خطب في الحديث الصحيح فقال: (إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلقَ السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله) (١) وتعلُق التحريم بها يكون من وجوهٍ منها تعلق علمه بحرمتها، ومنها تعلق كلامه بها، ومنها تعلق كتابه بحرمتها في اللوحِ المحفوظ إذ خلق القلم ومنها حرمتها بفعلهِ وعصمته إياها عن الجبابرة ومنها ما أوقع في قلوبِ الخلقِ من التعظيم لها في قوله: ﴿أوَلَمْ

стр. 1077

يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ (١) الآية. قال النبي ﷺ (إنما أحلت لي ساعة من نهارٍ ثم عادت حرمتها اليوم كما كانت حرمتها بالأمس)، ومنها تحريمها ببركة إبراهيم ودعوته حين قال ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (٢). وكذلك حرّمَ الله المدينة على لسان رسولهِ ﷺ . قال ﵇: (اللهم إنَّ إبراهيمَ عبدك وخليلك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثلِ ما دعاك به إبراهيم لمكة) ومثله معه (٣)، (اللهم إن ابراهيمَ حرَّم مكة وإني أحرّم ما بين لآبتيها) (٤). وقال علي بن أبي طالب ﵁ ما عندنا إلَّا كتاب ربنا وكذا فذكر صحيفةً منوطةً بقرابِ سيفه وفيها المدينة حَرامٌ ما بين عَير إلى كذا (٥). فإن قيل: فإذا كانت حراماً كحرمة مكة فهَل فيها جزاء كجزاء مكة. فلنا عن ذلك جوابان. أحدهما أن النبي ﷺ قد دعا لها كما دعى إبراهيم وقد أجيبت دعوته قطعًا وأخبر ﷺ أنها حرامٌ وخبره صادقٌ. والجواب الثاني وذلك إنه قد يكون الذنب والحرمة أعظم من أن يكونَ فيه كفارة، وأن تكون العقوبة مؤخرة عنه إلى الآخرة، أما إنه قد روي في الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ إنه جعل جزاء من انتهك حرمة المدينة سلب ثيابه (٦) من طريق سعد بن أبي وقاص وبوجوب الجزاء في حرم المدينة، قال ابن أبي ذئب (٧) وإحدى الروايتين عن مالك من طريق

стр. 1078

المدنيين. فإن قيل أي حرمة لمكة وقد فعل الحجاج بها ما فعل وأي حرمةٍ للمدينة وقد كان فيها يوم الحرة ودين الإِسلام قائم والمسلمون متوافرون. قلنا: كانت العصمة قبل الإِسلام مقدمة للنبي ﷺ في الإنذار به والاشادة بذكره وشرف آبائه وكانت الهتكة في الإِسلام إبتلاء من الله للخلق ليعلم (١) صَبرهم فيما ابتلاهم وعملهم فيما كلفهم وأعطاهم كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). فإن قيل فقوله فعادت حرمتها اليوم كما كانت أمس خبرٌ لم يوجد مخبره بما وقع من انتهاك الحرمة أيام الحجاج والقرامطة وقد قتل الحجاج فيها وسلبَ الناس فيها وخلعَ الحجر الأسود فحمل منها وهذا سؤال توجهه الملحدة تشويشاً منها لقلوب العامةِ. قلنا هذا سؤال فاسد لأن النبي ﷺ أخبرَ عن حرمتها شرعاً لا جرم هذه الحرمة اَلشرعية لا تنخرم شرعاً أبدًا وإلى هذا المعنَى أشار بقوله إنها حرام يعني ديناً لم تحلل قط ولا تحلل لا جرم هذا الخبر لا يوجد بخلاف مخبره فإن قيل فقد رأى النبي ﷺ بيد صبي نغيراً فقال له يا أبا عمير (٣) ما فعل النغير (٤) ولو كان صيدها حراماً ما تركه النبي ﷺ في يد صبي يلعب به قلنا عنه جوابان: أحدهما: (٥) يحتمل أن يكون ذلك قبلَ التصريح بالتحريم. الثاني: وهو التحقيق أن ذكره ﷺ للتحريم تأسيسا بقولٍ صريحٍ مطلقٍ بين به حكم الشرع لا يعترض عليه قضايا الأعيان، ولا تؤثر فيه حكايات الأحوال وهًذا أصلٌ عظيم من أصول الفقه قد بيناه في موضعِه. الفصل الثاني: في بركتها: فإنه أمرٌ مدعوُّ به في الحَرمين منَ النبَّيينِ الكريمين. فإن قيل: وأي بركةٍ فيهَا وهي بلاد الجوع لا زرعَ بها ولا ضَرع وهذا السؤال توجهه الملاحدة المشككة.

стр. 1079

والجواب. أنا نقول إن البركة في اللغة هي الزيادة والنماء فإذا وردت في الشريعة، فإنما المراد بها (١) سلامة الدين وقلة الحساب وكثرة النماء في الآخر وهذا كقوله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) وأنت تراه يتكاثر ويربي الصدقات، وأنت تراه ينقص المال ويفنيه ولكن المعنى عائد إلى ما بيناه. وأما الفصل الثالث: في أعمال المطي إليها فقال النبي ﷺ (لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مسَاجد: مسجدي هذا فبدأ به، والمسجد الحرام، ومسجد إيلياء) (٣) ولم يرد ﷺ قطع النيات عن سائر المساجد في القربات والأغراض الشرعيات، فإنه قد كان يأتي مسجد قباء كل سبتٍ (٤) وإنما أراد الوجوب عند النذر والإلزام عند التصريح بالالتزامِ وقد بيّنا ذلك في مسائِل الخلاف. وأما الفصل الرابع: في فضلها فإنه فصل بديع تكلم فيه العلماء قديمًا وحديثاً واعترضوه فما أصابوه، قالوا في كتبهم على اختلاف فرقِهم (٥): هل المدينة أفضل أم مكة؟ فقال قائل: مكة وقال قائِل: المدينة وهذا الكلام كله خطأٌ لم يحصّلوه إذ قالوه وذلك أنا بيناهَا في مسائلِ الخلافِ بيانًا شافياً لِبَابُه (٦) أن السؤال فاسد والجواب غير محصلٍ وذلك أنا قد بينا في كتاب تفصيل التفضيلِ بين التحميدِ والتهليل أن "ف ض ل" حيث ما وقع وكيف ما تَصرف إنما هو عبارة عن الزيادة، فإذا قال السائل أيما أفضل كذا أو كذا لم يستحق جواباً لأنه يقال له تريد بقولك أفضل في أي شيء في منعة أو في طاعة والطاعات كثيرة، فإلي أيها تنحّي (٧) بالزيادةِ، وإذا قلت المدينة أفضل أو مكة تزيدُ في الصلاةِ أو في السكنى أو في الحج أو في البركة أو في أي متعلقٍ من متعلقات الزيادةِ الشرعي (٨) والتفضيل الحكمي وما يتطرق إليه هذا الاحتمال ويكون في هذا الحد من الاهمال كيف يصبح أن يجاوب عنه بمعين من معيناتِ متعلقاتِه قبل أن يعلم قصد السائل من جملتها ولو تخيل متخيل أن يقال في الجوابِ إن المدينة أفضل ويعني في كل شيء من ذلك أو مكة أفضل

стр. 1080

بمثلهِ لقطعنا بخطئه لأنها تتفاوت البقعتَانِ في ذلك تفاوتًا كثيراً، ولكنا نفصلُ القول قصداً للتعيين فنقول إن سأل سائل فقال في أي بقعةٍ هي الصلاة أفضل في مسجد مكة أو في مسجد المدينةِ استحق الجواب لأجل التعيين. فنقول نحن: الصلاة في مسجد المدينة أفضل لقول النبي ﷺ (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاةٍ فيما سواه إلَّا المسجد الحرام)، فنص على أن التقدير للتفضيلِ بين مسجده وبين سائر المساجد وأبقى المسجد الحرام تحت الاستثناء، فيحتمل أن يكون خرج بزيادة عليه أو بحطٍ منه. فإن قيل: فقَد روي أن النبي ﷺ قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام، فإن صلاة فيه خير من مائة صلاةٍ في مسجدي هذا) (١). رواه البغوي وغيره. قلنا: لا ننفي نحن مثل هذا الحديث ولا نقبله لعدم صحتِه وقد بينا ذلك في شرح الصحيح وأما لو قال أيما أفضل السكنى بالمدينة أو السكنى بمكة، لكان جوابنا له أن نقولَ هذا أمرٌ كنظرائه مدركه الخبر. قال النبي ﷺ : (لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلَّا كُنتَ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) (٢) ولم يرد في مكة شيء من ذلك فإن أدرك فضل في سكناها بالاعتبار فما كان بصريح الآثارِ منه أولى على أن كثيراً من العلماء قد كرهوا سكنى مكة، واختلف الناس في تعليلِ ذلك فمنهم من قال كره ذلك لئلا تهون على ساكنها، وهذا نظر إلى الظواهر مع ضعف اليقين، فأما اليقين الصادق السالك على الاهتداء المرتبط بالاقتداءِ فإنه يزيده السكنَى بصيرةً، وتقوى فيه العلانيةُ بالسريرَةِ كما قال الخليفة الصالِحُ: "والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ -قبَّلك ما قبّلتك" (٣) وقال قوم في تعليل ذلك إنما هو لأجل خوف الذنوبِ فيها، فإنّ المعصية فيها وفي المدينة أعظم

стр. 1081

من المعصيةِ في غيرها وكما تضاعف الحسنات في البقاع الشريفة والأزمنة الشريفة كذلك تضاعفت السيئات، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ ...﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) وإن أراد السائِل أي الأعمال فيهما أفضل ثواباً؟ قلنا له: ما لم يعين للعمل بُقعة من مكة أو المدينة، فالفضل في ذلك سواء، إلَّا للسكنى كما بيناه، فالسكنى في المدينة أفضل، وان أراد بقوله أيهما أفضلِ في المحبةِ؟ فالمدينة أحبَّ إلينا من مكة إقتداءَ بالنبي ﷺ حين قالت له عائشة. إني دخلتُ على عامرٍ ابن فهيرة، فوجدته قد وعك وهو يقول: قد رأيتُ الموتَ قبلَ ذوقه، إنَّ الجبانَ حتفه من فوقه. ودخلتُ على أبي بكر وقد وعَك وهو يقول: كلُ امرءٍ مصبَّحٌ في أهلِه، والموتُ أدنى من شراكِ نعله. ودخلتُ على بلالٍ وقد وعَك وهو يقول: ألا ليت شِعْرِي. هل أبيتنَّ ليلةً إلى آخر البيتين. فأخبرتُ بذلك رسول الله ﷺ فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وانقل حماها واجعلها بالجحفة) (٣)، وقال ﷺ ، وقد طلع على أُحُد فقال (هذا جبلٌ يحبُنا ونحبُه) (٤)، فأما محبته ﷺ للجبل فمعقولة، وأما محبة الجبل له فخفية. قال العلماء: معناه ويحبنا أهله على حذف المضافِ وإقامة المضاف إليه مقامه، وقيل تكلمَ على عادة العربِ في الإخبارِ عن العزيز بخبر العزيز (٥) كما قال الشاعر: وأجهشت للتباد حين رأيتُه ... وكبر للرحمن حينَ رآني فقلتُ له أينَ الذينَ عهدتهم ... حواليك في أمنٍ وخفضِ زَمانِ

стр. 1082

فقال مَضوا واستودعوني بلادهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثانِ (١) فأخبرَ عن جبله بمثل ما أخبر عن نفسه أما قرنه بها وقيلَ عبَّر بلسانِ الحال عن لسانِ المقالِ، كما تقدم في كتاب الصلاة، ومن فضل المدينة تطهيرُها عن الوباءِ ونقله إلى الحجفة، إما لأنها كانت منزلاً لليهودِ أو للمشركين حتى إنه ليقال إنّ ماءها الذي يسمى خمَّ وبى من شربَ منه حُمّ (٢)، ومن فضلها عصمتها عن الوباء وعصمتها من الدجال (٣)، ومن فضلها خروج من لا خير فيهِ منها، ومن فضلها أن ظالماً لا يدخلها، ويدخُل مكة وينقضها (٤) ومن فضلها أنها اشتملت على خيرِ خلق الله، ومن فضلها أن فيها روضةً من رياضِ (٥) الجنة. فإن قيل فقد روى عبد الله ابن عدي بن الخيار، أنّ النبي ﷺ وقفَ على الحزورة (٦) وقال (والله إنك لخيرِ بلاد الله وأحب بلاد الله إلى الله) (٧) وهو حديث صحيح. قلنا قد قدمنا من الأدلةِ ما هو أقوى من هذا في تفضيل المدينة على مكة، فأما هذا الحديث فمعناه إنك لخيرِ بلاد الله بعدَ المدينةِ (٨). كما قال النبي ﷺ إذ قيل له يا خير

стр. 1083

البرية. فقال: ذلك إبراهيم (١). يعني بعده على أحَدِ التأويلين. وقيلَ إنك لخير بلاد الله في اعتقادي ولي بحكم النشأة ولأجل الوطنِ ولكنه خالف هَواه اتباعاً لأمر ربه، واختياراً لما اختار الله له. ما جاء في الطاعون ذكر مالك حديث عمر في خروجه إلى الشام (٢)، واستوفى مساقه بخلاف غيره، وإنما فعل ذلك لكثرة فوائِده، وقد تكلمنا عليه في شرح الحديث، وعدّدناها هنالك أمهاتها ست وعشرون: الأولى: خروج الإِمام على الجيوش بنفسه دون أن يستخلف عليها أحداً من أصحابه للفوائد الخمس المعروفة في ذلك الكتاب. الثانية: قصده إلى الثغر لتفقد أموره والإرهاب على عدوه. الثالثة: ترك الإِمام دوحة الملك ومقر الخلافةِ خالية منه. الرابعة: تلقي الولاة والناس له شوقًا وتعظيماً، وقد كان يفعل ذلك بالنبيّ ﷺ . الخامسة: توقُعه للخبر المخوفِ.

стр. 1084

السادسة: استشارتُه للناسِ وهي سُنة في الجاهليةِ والملةِ لأن الاستشارة مخاضة العقلُ ومحصنته. السابعة: الكلام بالآراء دون ذكر لقول الله أو لقول رسولِ الله ﷺ . الثامنة: ترتيب الناس على منازلهم كما روي في الحديث: أُمِرْنا أن ننزل الناس على منازلهم (١). التاسعة: البداية بالهجرة وهي المنزلة الثالثة في الدين، والرابعة هي النُصرة. العاشرةُ: تقديمها على النصرة، وقد بينا في شرح الحديث الجمع بين ذلك، وبين قولِ النبي ﷺ عليه (لولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار) (٢). الحادية عشر: تعديد هجرة الفتح في جملة المناقب، وإن كانت غير معدودةٍ في أحكام الهجرة. الثانية عشر: تقديم مشيخة قريش على من سواهم من الناس لفضل البيتية، ولحرمة القرابة، وبعد ذلك فلا فضيلة، بل الناس سواسيةً كأسنان المشط إلَّا من قدمه العلم والعملُ. الثالثة عشر: إمضاء العزائم. وقد نظر بعضهم إليه. الرابعة عشر: ترقب العواقب واعتبار المال، وقد نظرَ بعضهم إليه. الخامسة عشر: أخذ الإِمام في الفتوى بما يرى.

стр. 1085

للسادسة عشر: إمضاؤه للحكم لقوله إني مصبحٌ على ظهرٍ. السابعة عشر: مراجعة الفتوى بعد القضاء ولكن ممّنْ ولمن. الثامنة عشر: الإقرار بالقضاءِ والقدر ويأتي إن شاء الله تعالى. التاسعة عشر: إثبات التصرف به وفيه وإليه في طرفي النقيض الموفية. العشرون: التمثيل والتنظير في مسائل الدين والحكم بها على أفعال المسلمين. الحادية والعشرون: دخول القياس في أصول الدين وبالقياس عرف الله ولولاه ما كان إلى العلم به سبيل لأحد من الخلق. الثانية والعشرون: اجتزاء الحاكم بمن حضر عمن غاب. الثالثة والعشرون: العمل بخبر الواحد في الأمورِ العظام، فكيف في الأمور الصغار. الرابعة والعشرون: تسمية رسول الله ﷺ الطاعون رجزاً أرسل على من كان قبلنا، وقد سماه شهادةً عندنا فقال: (والمطعون شهيد)، وقد بينا ذلك في شرح الصحيح بيانًا شافياً لبابه أن الله جعله عذاباً لمن كان قبلنا بحكمتِه وجعله شهادةً لنا برحمته. الخامسة والعشرون: قوله (لا تقدموا عليه)، لأمورٍ منها أن لا يتعرض للحتوفِ، وإن كان لا نجاة من قدر الله ولكن من حسن قدره أن يسَّر لك الحذر ومنها أن لا تشرك به، فتقول لو لم أدخل ما مرضتُ. السادسة والعشرون: قوله (لا تخرجوا فراراً منه) وقد بيناها فيما تقدم. النهي عن القول بالقدر (١) هذا بابٌ قد بيناه في كتب الأصول على قدرٍ (٢) وأشرفنا فيه الخلق على مراتب النظر، ولكن لأجل اهتبال مالك ﵁ وحقّ له إلى ذلك نشير نحن إلى شيء منه، فنقول: أما ترجمته بالنهي عن القول بالقدر فغريبة، لأن النبي ﷺ قال في الحديثِ الصحيح: (وأن تؤمن بالقدرِ خيره وشرّه، حُلوه ومُرّه) (٣)، فكيف يصحّ أن ينهيَ عن قوله

стр. 1086

هو محض الإيمان، ولكنه إنما بوَّب بالنهي لأن الصحابة كانت تعافه لما تقدم من النهي إليهم فيه والله أعلم: "ففي صحيح مسلم: جاء مشركو قريش مخاصمون إلي النبي ﷺ في القَدرِ (١) فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ﴾ (٢) الآية" (٣). ولما روي أن النّبيّ ﷺ خرج يوماً على أصحابِه وهم يتكلمون في القَدرِ، فاحمرّ وجهُه وقال: (إنما هلك من كان قبلكم (٤) بهذا) وذكر باقي الحديث وَوَجهُ كراهيَّة الكلام في القَدرِ، أن الخوضَ لا يؤول فيه إلى بيان لأن النبي ﷺ إذا تعرض لبيانِه فسد وخرجَ عن حَدّه، إذ المفعول لا يفعَل والموجود لا يوجد، وقد كان النبي ﷺ بيَّن لأصحابِه حين سألوه أول دفعةٍ عنه فقالوا له هذا الذي نحنُ فيه، أمرٌ مستأنف أم أمر مفروغ منه فقالَ (اعملوا فكلٌ ميسّر لما خُلِقَ له) (٥). الحديث. فبعد أن استقرَّ القول فيه والبيان لا يبقى إلا اعتراض المشكك وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٦). حديث: قال أبو هريرة ﵁: "تحاجّ آدم وموسى" (٧). الخبر إلى آخره وقد تكلمنا في الصحيح عليه وفي المشكلين بما ينبغي له

стр. 1087

وفي قول آدم أتلومني على أمرٍ قد قدّر عليّ ليس ما سبقَ من القضاءِ والقدر يرفع الملامة عن البشر، لكن معنى قوله ذلك: أتلومني على أمرٍ قدّر عليّ وتبتُ منه والعاصي التائب لا يلام. حديث: قال رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم فمسح ظهره بيمينهِ) (١). حديث عظيم في القضاء والقدرِ يشهد له القرآن، وكأنه تفسير للآية المذكورة، فيهِ عبَّر بالمسح عن تعلق القدرة بظهر (٢) آدم وكل معنى يتعلق به قدرة الخالق يعبر عنها بفعل المخلوقِ ما لم تكن دناءةً، وقد أخبرَ الله تعالى في هذا الحديث على لسان رسوله بقوله عن حكمه وحكمتِه في تفريق الخلق فريقين ويسَّر الله ذلك الرجل المعترض للنبي ﷺ بقوله ففيم العمل؟ ليبين ﷺ تمام المسألة، ويبرز وجه الحكمة بأن تيسير البارىء تعالى للرجل عمل أهل الجنة دليل على أنه من أهلها الذين خلقهم لها، وتيسير الرجل لعملِ أهل النار دليل على أنه خلقه لها، والإشارة بهذا التيسير المقتضى لما بيناه من الدليل إلى العمل الذي يكون عند الخاتمة لا إلى العمل المسترسل على الأزمنةِ وقد بيَّن ذلك ﷺ بقوله: (إن الرجلَ ليعملَ بعملِ أهل الجنةِ) (٣). الحديث إلى آخره. حديث: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها) (٤) هذا الذي نبّه عليه النبي ﷺ بهذا الحديث أبينَ

стр. 1088

من فلق الصُبح، فإن كلَ أحدٍ قد كتب له رزقه حتى من مشيه ومن كلامِه ومن وطئهِ ومن أكلهِ فليس للمرأةِ من زوجها كانت لها ضرّة، أو لم تكن إلَّا ذلك المكتوب لها لا يزيدها الانفراد ولا يضرها الاشتراك. حديث: قوله: (الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي الذي لا يعجل شيئاً أناه وقدره) (١) وأما قوله: كما ينبغي فمعناه كما يُراد، فإن رجع ذلك إلى إرادة الخالق، فكذلك كان، وإن رجع ذلك إلى إرادة المخلوق ففيه ما لا يريده المخلوق، وإن أراد غير ذلك من المعنى فالكلمة قلقة وما أظنها نبويَّة، وأما قوله الذي لا يعجل شيئاً فقد ضبط على عشرِ صفاتٍ أضبطه لكم بالعجم لا بحروف المعجم لئلا يطول فاضبطوه لئلا يدرس بمضي الزمان الذي لا يعجّل شيئاً أناة وقدّره وتركّب بعضها على بعض وتفسير أناة بالاسم والفعل وتركبوه فعلًا على تعجّل أو يبقى طرفاً للشيء على ما هو عليه، فإن قرأت يعجل بناء ما لم يُسم فاعِلهُ والجيم مفتوحة كان سلباً للخلق عن التصرف بغير حكم الخالق، وإن قرأته بضم الياء وخفض الجيم مشددة كان إخباراً على أن الباري تعالى، إنما تخلق أفعاله على مقدار علمه وقضائه، وإن فتحت الياء من يعجل ورفعت شيئاً كان نسبة للعجلة إلى ذلك الشيء ويكون المعنى أن شيئاً لا يقدرعلى أن يتعجل بنفسه على شيء يخرج به عن قضاء ربه وذلك كله رد على القدرية الذين يقولون إن الخلق بعصيانهم يعجلون الأشياء قبل وقتها كالآجال ويخالفون مقدارها كالطاعاتِ وبعض هذه الروايات أقوى من بعض في الدلالات، وقد استوفينا بيانها في المشكلين بما لبابه إنك إذا قلت يُعجل بضم الياء وإسكان العين وكسرت الجيم ونصبت شيئاً على المفعول وقرأت إناة بكسر الهمزة أو بفتحها وأسكنت الدال من قولك قدرة ونصبت الراء أو نصبت العين من يعجّل وشدّدت الجيم وباقيه كذلك أو قرأته بهذين اللفظين، وشدّدت الدال من قدَّرَه وفتحت الراء ونصبت الهمزة من أناة على أنهما فعلان لا اسمان، كان معناه على هذه الألفاظ أن الله تعالى لا يقدم شيئاً قبل وقته، ولا يعجل شيئاً قدّره وأخّره من خير. وإن ضممت الياء من يعجل وفتحت العين وشددت الجيم وفتحتها أو خففتها وأسكنت العين على بناء ما لم يسم فاعله ورفعت شيئًا وقرأت باقيه على الوجهين المتقدمين كان معناه على ما بيناه ورددنا به على

стр. 1089

القدرية وليس في هذا كله تعلق بالباب الذي أراده مالك ﵁ إلَّا على وجهٍ بعيدٍ ما عدا ما شرحناه فيه، وإن رويته بفتح الياء وإسكان العين وفتح الجيم وهو يرجعُ إلى معنى يعجل بإظهار الفاعل فإنه عام ويرجع إلى نسبة العجلة إلى الشيء الكائن على المجاز ويكون معناه الحمد لله الذي لا يكون شيء قبل وقته الذي علمه فيه وأخّره إليه لا يتعجله هو ولا بتعجيل شيء سواه ويكون في هذا رد على القدرية، لكن لا على طريق التصريح بل على طريق الاحتمال أو العموم على أحد المذهبين. ما جاء في حُسن الخلق الخَلق والخُلق عبارتان عن جملة الإنسان، أما الخَلق فعبارة عن صفته الظاهرة، وأما الخُلق فعبارة عن صفتِه الباطنة وقد يعبر عن الباطن بلفظ الظاهر، ولا يعبّر بلفظ الباطن عن الظاهر وفي ذلك كلام بديع قد بيناه في المشكلين والإشارة بالخُلق إلى الإيمان، والكفر، والعلم، والجهل، واللين، والشدة والمسامحة، والاستقصاء والبخل والسخاء وما أشبه ذلك من الصفات والأسماء وأسبابها في المحمود والمذموم يدور على عشرين خصلةً، وقد أتقن مالك ﵁ هذا الباب فإنه أشار فيه إلى نبذٍ في كلا طرفي النقيض بعد أن ذكر الجملة أولاً فقال (حسِّن خلقك للناس) (١) وذكر عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : "ما خُير قط في أمرين إلَّا اختار (٢) أيسرهما" إشارة إلى خلق الرفق ثم قالت "وما انتقم لنفسه" إشارة إلى خلق المسامحة والعفو، ثم أدخل حديث علي ﵁ "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٣) إشارة إلى ترك الفضول لأن المرء

стр. 1090

لا يقدرُ أن يستقل باللازم فكيف أن يتعداه إلى الفاضل ثم أدخل حديث عيينة (١) في المداراة وهي معاملة الخلق في الصبر والمسامحة والبذل والإعطاء والتصرف والتوقف بما لا يقدح في الدين، فإن أتي شيئاً من ذلك بما لا يجوز كان مداهنةً وهي حرام وبالجملة فقد قالت عائشة ﵂: كان خُلقُ رسَولِ الله ﷺ القرآن (٢)، وإذا التزم المرء ما في كتاب الله تعالى من وظائف التكليف، أدرك درجة الصائم القائم.
следующие страницы →