← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

بالأنثى لأنه إنما جاءَ على بيان العدل بفساد ما كانت تفعله العرب من "الجور" (١)، فأما تفصيل أعيان المقتص منهم فإنما تؤخذ من دليلٍ آخر، ولما اجتمعت الأمة على قتل الذكر بالأنثى اختلفوا في نكتةٍ وهي أنَ الولي إذا قتل ذكراً بأنثى هل يحاصص في رد باقي الدية أم لا؟، وعلماء الأمصار على أن الذكرَ بالأنثى رأساً برأسٍ وهو الصحيح, لأنه لا يجوز أن يجتمع المبدل وبعض البدل إذ ليس لذلك أصل في الشريعة ولا نظير ولقد بالغَ مالك في تأسيس هذه القاعدة حتى قال يقتل الوالد بالولدِ (٢)، وإن كان قد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يقادُ والدٌ بولده) ولا يخص هذا العموم في هذه القاعدة لهذا الحديث الذي لم يصح، أما إن مالكاً انفرد بمسألةٍ أخرى متفرعة على هذه وهو إذا حَذفه بالسيف فأصابه فمات فجعله عمد خطأ وغلظ فيه الدية شبهاً لوجهين أما أحدهما فلوجود

стр. 982

وصف الخطأ في هذا الفعلِ لأنه لو أراد قتله لأضجعهُ وذبحهُ أو حاول ذلك على صفةٍ تنتفي معها الشبهة فأما رمي السلاح عليه في أثناء منازعتهِ له، فإن شبهة الأبوة وشبهة الشفقةِ مع جوازِ الأدب يوجبان شبهة في الفعلِ تسلبه وصف العمدية المحضة حتى يجعله منزلة بين المنزلتين، وقد اختلف قوله ﵀ في شبهة العمدِ، والمشهور عنه إثباته ويتعضد ذلك بحديث عبد الله بن عمرو خرَّجهُ أبو داود والترمذي وغيرهما في خطبة النبي ﷺ إلى أن قال: (ألا إن في (١) قتل العمد الخطأ قتل السوط والعصا مائة من الإبل بينها أربعون خلفة في بطونها أولادها (٢)) وهذا الحديث وإن لم يكن على الدرجة القصوى في الصحةِ فإنه صحيح المعنى لأنا وجدنا محض العمد وجَدنا محض الخطأ ووجدنا منزلة بين هاتين المنزلتين، فلم يمكن أن يلغى معنى وجدناه حقيقةً ووجدنا له أثرًا قوياً في الشريعة وقد تكلمنا على هذا الحديث في مسائل الخلاف وغيرها بما يجلو حقيقته فليطلب هنالك، وقد تعلق مالك في تحقيق المراد من هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين﴾. فأفادتنا مسألتين أصوليتين: أما أحدهما: فإن شرع من قبلنا شرعٌ لنا (٣). وأما الثانية فإن العمومين إذا تعارضا وأمكن الجمع بينهما ولو في وجه فإنه لا يجوز أن يسقطا جميعًا ووجه ذلك ها هنا أن الله تعالى لما قال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ثم ذكر التفصيل المعلوم بعده أوهم ذلك أنه أعلم بما فصَّل حدَّه حتى بيَّينَ بقوله ﴿وكتبنا

стр. 983

عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ أن المقصود بذلك التفصيل الرد على العرب المعتدية، وأن اعتبار القصاصِ بعد ذلك يكون بأدلته التي منها ما أشار إليه من الإجماع على وجوب القصاص بين الذكر والأنثى وهو من جملة التفصيل. خصيصة: شرعَ الله القصَاصَ في كل ملةِ للفائِدة التي نبه عليها وأفضنا الآن في بيانها ثم خبأ تعالى في مسطوره لهذه الأمةِ رفقًا بها في حرمةِ نبيها ﷺ الدية وقد اختلف العلماء في كيفية وجوبها وفي تقديرها وفي تفاصيلها وأطنب مالك فيها في الموطأ أصلًا وفرعًا وقد مهدناها في كتب الخلاف والمسائِل نورد الآن من أمهاتها ما يفتح غلقَ باقيها ونشير بالبيان إلى جملتها وجماع ذلك ثماني عشرة مسألة: المسألة الأولى: في موجب القتل العمد: قالت طائفة موجبه القود خاصة ورواه ابن القاسم عن مالك (١)، وقالت طائفة أخرى موجبه أحد الأمرين إما القود وإما الدية (٢) والخيرة في ذلك لولي المقتول والمسألة طويلة، وقد بيناها بحجاجها في مواضعها والحق أحق أن يتبع والذي نراه أن ولي المقتول مخير إن شاء أخذ الدية، كان شاء قتلَ. والأصل في ذلك الحديث الصحيح المتفق عليه من جميع الأئمة الذي قاله النبي ﷺ في خطبته (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا فادوا (٣)) وفيه ست روايات قد تكلمنا على كل لفظة منها ومهدناها في شرح الصحيح ومن جملتها إن أحبوا فادرا (٤) وفي رواية

стр. 984

"أخرى" (١) أخذوا الدية وليس لأحد مع هذا الحديث نظر لأن المعنى يعضده مع صحته وهو (أنه) (٢) إذا قال له أعطني ديتك وأستحييك فقد عرض عليه بقاء نفسه بثمن قتلهِ فلزمه قبوله أصله إذا عرض عليه الطعام في المخمصة بقيمته وليس على هذا المتعلق كلام ينفع. المسألة الثانية: موجب قتل الخطأ الدية خاصة هذا إذا ثبت بالبينة، فإن كان بالإقرار ففيه ثلاث روايات، أصحها عندي الآن وجوبها في مالهِ لئلا تؤخذ العواقل بالدعوى وليس في أصول الشريعة ذمة لزيد معمورة لقول عمرو. فإن قيل لا يتهم في هذا الإقرار لأنه لا يظن به أنه يؤدي غيره بما لا يجرُ نفعاً إلى نفسهِ. قلنا: هذا الكلام مما يجب أن يلحظ بعَين التحقيق ويتحفظ من أمثالهِ، فإن هذا الكلام الذي تشبث به هذا القائل إنما يكون متعلقاً إذا ثبت في الشريعة أصله ووجبَ العملُ به فحينئذٍ يعرض على الشبه والتهم هل يتطرق إليه أم يتخلص عَنها فأما معنى لم يستقر في الشريعة ولا تأصلَ موجباً فيها يختبر حاله في تطرق التهمة إليه أو سلامته عنها هذا ما لا يجوز. المسألة الثالثة في مقدار الدية: أما مقدار الدية فهي مائة من الإبل استقرت على ذلك في الجاهلية وأقرها الإِسلام على هذه السنة ويقال إن أول ما تقررت كذلك في عمود النبي ﷺ حين نذر عبد المطلب أنه يذبح عبد الله، الحديث (٣) إلى آخره ثم تتامت كذلك ومضت عليه حتى جاء الإِسلام فبينها النبي ﷺ وأضاف إليها أبدال ما دون النفس في الجراح، والأحاديث الصحاح في ذلك كثيرة الوجود ولكن لم تخل كتب الأئمة عن ذكرها،

стр. 985

فروي عن النبي ﷺ (١) بني الدية على أهل الإبل مائة وعلى أهل البقر مائتين وعلى أهل الغنم ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلةٍ، وعلى أهل القمح ما لم يحفظه الراوي (٢). وروى الترمذي وغيرهُ أنَّ النبي ﷺ ودى العامريين بدية المسلم (٣) وروى أن في المواضع خمس خمس (٤)، (وروى دية الأصابع عشر عشر في كل أصبع (٥) وفي الأسنان خمس خمس والأصابع والأسنان سواء (٦)). وروى أبو داود في الأنفِ الدية وفي اليد

стр. 986

نصف الدية وفي المأمومة ثلث العقلِ ثلاثة وثلاثون بعيرا وثلث (١)، وفي العين القائمة الشادة لمكانها ثلث الدية (٢) وروى أبو داود والترمذي وغيرهما أن ديةَ الخطأ أخماس عشرون بنت مخاضٍ وعشرون بنو مخاض وعشرون بنو لبونٍ وعشرون حقة وعشرون جذعة (٣)

стр. 987

وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب أنها أثلاث (١)، وروى عن عمر في ذلك قضاءً وعن غيره يأتي بعدُ إن شاء الله. المسألة الرابعة: أما دخول الإبل في الدية فلا خلاف فيه فإن عدمت أو لم تكن العاقلة من أهلها، فقال الشافعي تقوَّمُ الإبل بالغة ما بلغت وتلزم القيمة العاقلة (٢)، وقال أبو حنيفة: تكون على العاقلةِ عشرة آلاف درهم (٣)، وقال أبو يوسف ومحمد: يجب البقر والشياه في الدية على الوجهِ المروي (٤). وقال مالك القضاء كما قضى عمر على أهل الإبل مائة وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورِق اثنا عشر ألف درهم (٥)، والكلام ها هنا على ثلاثة فصولٍ هي مطلع النظرِ ومحدّ الخلاف: الأول: تقويم الإبل عند عدمها. نظره الشافعيُ وأغفل أن عمر ﵁ قد فرغ من هذا النظر بحضرة الصحابة رضوان الله عليهم ولم يخالفه أحد منهم، ورأى أنَّ ذلك عدل في التقويم ولم يكله إلى اجتهاد المجتهدين باختلاف الأحوال وتعاقب الأزمان، وأما الثاني وهو أصعب من الأول على مالك فإنه امتثل قضاء عمر في تقدير الديّة بالفضة والنصاب في السرقة وتركه في الزكاة وامتثله أبو حنيفة في الدية والزكاة وأما امتثال أبي حنيفة له في الدية فمصادمة محضة لقضاء

стр. 988

عمر وكما صدمه الشافعي في الفضة كان ينبغي له أن يصدمه في الذهب كما فعل أبو حنيفة فيكون أقل خطأً، وهذا لا وجه له، وأما مالك فامتثل قضاء عمر في الدية والآثار الواردة في القطع في السرقةِ أن القطعَ في ربعِ دينارٍ فصاعداً (١) أو في ثلاثة دراهم (٢)، ولم نجد في الزكاة أثراً في التقدير لا عن النبيِّ ﷺ ولا عن خلفائِه ولا ائتلافاً من الصحابة عليه، ورأى الناسَ يبيعون الدينار بعشرة دراهم، فيكون الرجل غنياً بمائتي درهم، كما يكون غنياً بعشرين ديناراً، ورأى العلماء قد بنوا نصاب الذهب في الزكاة على نصابِ الفضةِ، فقرر كل شيء على مرتبته وأبرزه في نصابهِ حتى انتهت الحال به إلى أن يقول: إنْ تغير الصرفُ في الزكاة فإنه ينبني على العشرة دراهم نظراً إلى الاتباع وَوُقوفاً عند مورد السمع، ورأى في رواية أخرى أن ذلك جرى ووقعَ فيهِ غبن على المساكين فأخذَ بالصرف الموجودِ، والرواية الأولى أصح لأنه يلزمنا على هذه الرواية أن نفعلَ في النصاب مثلها، ولو فعلناهُ لهدمنا ركناً في الشرع يجب الوقوف عنده (٣) والقضاء بالتفريع عليه، وأما البقر والغنم وسائر الحديث فضعيف لا يعوّل عليه، ولا يبنى أصل به لا سيما وقد روى أبو داود والترمذي عن النبي ﷺ : (أنه جعل الدية اثني عشر ألفاً) (٤)، وأما تقدير المواضع وما يرتبط بها من الشجاج وهي: المسألة الخامسة: فنقول إن أسماء الشجاج ثلاث عشرة اسماً: الدامية، الدامغة،

стр. 989

الخارصة، الباضعة، المتلاحمة، السمحاق، الملطاء. وقيل الملطا مقصورة، وقيل الملطات بالتاءِ، الموضحة، الهاشمة، المنقلة، الآمة، المأمومة، الدامغة وقد قال قوم إن السمحاقَ في الباضعة، فإن تعدت هذه الجراح إلى فتح باب الروح فهيَ الجائِفة، ولا تختص بعضوٍ بخلاف غيرها من الشجاج فإنها تختص في أحكامها ببعض الأعضاء دونَ بعض ومن هذه الجملة ما فيه حديث قد ذكرناه ومنها ما فيهِ حَديث لم نذكره لضعفِه، فلم يتفق ذكره في عجالة هذا الطارق حتى يقعَ الاستيطان. المسألة السادسة: هذه الديات ما ذكرناه منها وما لم نذكره لا زيادة فيها ولا تغيير لها عندَ الجمهور، وقالَ الشافعيُّ يزاد فيها بالبلدِ الحرام تعلقاً بما روي أن عمرَ وعثمانَ قضيا بالزيادةِ في الدية لمن قتل في البلد الحرام (١)، وليس له معول سوى ذلك وهو متعلق ضعيف, لأن الصحابة اختلفوا فيهِ وقد اتفقَنا على أن الصحابة إذا اختلفوا لم يقع ترجيح بقضاء الخلفاء، فكيف بقضاء بعضهم؟ والمسألة مذكورة في أصولِ الفقهِ بيِّنة في الدليل ولو غلظت الدية بالبلد الحرام لغلظت بالشهرِ الحرام أو بحال الإحرام لا سيما وقد استوى حال الإحرام وحال البلد الحرام في تحريم دماء الحَيوانات، وهذا ظاهر عند التأملِ وقد استوفيناهُ في مسائِل الخلاف.

стр. 990

المسألة السابعة: قال مالك: لا يغسل الجرح حتى يبرأ المجروح ويصح فيدرى ما آل إليه أمره فيقضى بحسبه وكذلك يجب ألا يقتص من جرح حتى يعلم ما يؤول إليه حاله وقد اختلف العلماء في ذلك وقد بيناه في مسائِل الخلاف والعمد بالانتظار أحق من الخطأ. المسألة الثامنة: عقل المرأة كعقل الرجل هذه من حساب ديتها كالرجل من حساب ديته فإذا جئنا إلى المنقلة أو إلى الموضحة مثلًا وقد تكررت أوجبنا إلى الأصابع والمسألة فيها نزلت فيجب لها في أصبع عشر وفي إصبعين عشرون وفي ثلاثة أصابع ثلاثون وهذا باتفاق فإذا قطع لها أربع أصابع وجبت لها عشرون في قول مالك وخالفه سائِر فقهاء الأمصار وهذه مسألة سعيد بن المسيب وربيعة حين قال له أكل ما عظمت مصيبتها قلت فائِدتها إلى قوله هي السنة (١) فأما متعلق المخالف فظاهر وأما متعلق مالك فمن طرق أحدها عمل أهل المدينة وذلك يرجع إلى النقل لا إلى العمل لقول سعيد (هي السنة) ولا فرق بين أن يقول سعيد قال رسول الله ﷺ وبين أن يقول أبو هريرة قال رسول الله ﷺ باتفاق من الأمة في أن ذلك إسناد يجب العمل به وإذا قال الصحابي السنة (٢) كذا فكذلك قول سعيد بن المسيب السنة (٣) وقد بينا في أصولِ الفقه، أنه لا يحال بالسنةِ إلا على طريقة رسول الله ﷺ وقوله وعمله أو ما أقرّ عليه من عمل غيره فليطلب هناك وفي ذلك (كله) (٤) كلام استوفيناه في مسائل الخلاف.

стр. 991

مسألة التاسعة: قال مالك: ليس في المأمومة ولا الجائفةِ قود (١) ولا تكون المأمومة إلا في الرأسِ وقد انتهى رسول الله ﷺ في كتابه لعمرو بن حزمٍ إلى الموضحةِ وجعل فيها خمساً من الإبل (٢) واختلف قوله في المنقلةِ هل فيها قود أم لا؟ على روايتين والأصل في ذلك، أن كل جرحٍ لا يخاف منهُ (٣) التلف ففيه القصاص وكل ما يخشى فيه التلف فالقصاص فيه ساقط بإجماع، وكل ما يشكل الحال فيه فيقعُ الفتوى بحسب ما يغلب الظن عليه في حال الفتوى. المسألة العاشرة: في محل الديَّة وهو متعدد الحاضر منه الآن سبعة عشر محلاً: النفس، العينان، اللسان، الشفتان، اليدان، الرجلان - وذلك كله مذكور في حديث عمرو بن حزم - عين الأعور، ثدي المرأة، إليتاها، أطراف الأذنين - باختلاف السمع - الأنف، والصلب، الذكر، الأنثيان، الافضاء، الكلام. وفي كل واحدة من الأنثيين الدية في إحدى الروايتين، فأما النفس والعينان، واليدان، والرجلان، واللسان، والأنف، والسمع، والعقل والذكر فلا خلاف فيه، وأما عين الأعور فنظر مالك إلى أن الجاني قد أتلفَ بصرًا كاملًا (٤)، ونظر المخالف إلى أنه قد أتلف عضوًا واحداً. ورأى مالك أنَّ نقصان المحل إنما يرجع إلى نقصان قدر البصر، ورأى أن قدر البصر لا يراعى إجماعاً فإن دية حاد البصر كدية الناقص عنه سواء، والمسألة خفية النظر فلتطلب في مسائل

стр. 992

الخلاف، فإن هذا القدر هو مطلع الفريقين. وأما ثدي المرأة، فإن القول فيها لم أقوى من القولِ في إليتها (١) لأن في الثديين إبطال ثلاثة أشياء خلقةً وجمالًا ومنفعة كالأنف، والإليتان دون ذلك، وأما إشراف الأذنين فإن كان فيها أثرٌ للسَمعِ التحقت بالمارن، وإن لم يكن فيها أثرٌ كانت جمالًا محضًا ولا يقابل الجمال بالدية وأما الصلبُ فثبت فيه الدية من طريق الأولى وأما الأنثيان فهي بمعنى الذكر وهي وإن عزبت عن الشهوة ففيها أصلُ الخلقةِ، وأما الإفضاء (٢) فهو نظير قطع الذكر بل أعظمُ. المسألة الحادية عشر: ما كانَ فيها من الجنايات إذهاب جمالٍ لم يستقل بدية، إذ ليسَ له في الشريعة نظير. ورام أبو حنيفة أن يجعل جلده اللحيةِ وجلدة الحاجبين كالمارن في إيجاب الدية (٣) ولم يصح ذلك لأن المارن لم يراع فيه إذهاب الجمال على الكمال كما زعم إنما راعينَا فيه الجمال والمنفعة. المسألة الثانية عشر: رَامَ بعضهم أن يفاضلَ بين أحاد كل اثنين من الجسد أو بجمع في باب الدية، كابن المسيب في الأسنان (٤)، وفي الشفةِ السفلى (٥) وقد قال النبي ﷺ :

стр. 993

(في كلِ أصبُع عشر من الإبل) ولم يفصّل وخرج البخاري عن ابن عباسِ هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام إشارةً إلي أن منافعها وإن اختلفت فإنما يراعى صورها كما رَامَ أبو حنيفة أن ينقض الحكم، وينفضه فقال: من قطعَ لسان ضفير لا دية عليهِ إنما في ذلك حكومة لأنه لسان بلا منفعةٍ (١). قلنا لا يشبه هذا تدقيقك فإنه يلزمك أن تقول إذا قتلَ نفساً صغيرةً لا دية فيها لأنها نفسٌ بلا منفعةٍ كما فعل مالك في الاحتياط بالعكسِ من أبي حنيفة في الاسترسالِ فقال مالك في السن المسودةِ الدية (٢)، وعجباً لأبي حنيفة ساعده علي ذلك، وقال الشافعيُ فيها حكومة لأنها تغيير هيئةٍ كما لو اصفرت (٣) وهذا ضعيفٌ، فإنَّ الصُفْرة صفة في ظاهرها والإسوداد متداخل فيها مفسد لها فافترقا. المسألة الثالثة عشر: قال أبو حنيفة: دية الذمي كدية المسلم لحديث العامريين المتقدم، وقال مالك ديته على النصفِ من دية المسلم ودية المجوسي ثماني مائة درهم لأن ذلك قضاء عمر وفيهِ أثر عن النبي ﷺ قد تقدم. وقال الشافعيُ: دية الذمي ثلث دية المسلم (٤) فمطلع النظرِ الأول نفى المساواة بين الكافرِ والمسلم في الدية كما نفينَا بينهما المساواة في القصاص حسب ما تقدم فليركب عليه، وأما متعلق الشافعي في تقدير الثُّلثِ فضعيف لأنه ليس فيهِ أثر والنظر قد ذكرناهُ في مسائلِ الخلافِ واطرحناه ها هنا لقلَّته والإشارة إليهِ أنه قال: قدرناه بالثلثِ لأن النبي ﷺ قال: (إن الثلث كثير) (٥). قلنا لو حططت الثلث من الدية لأن النبي ﷺ قال: إنه كثير لكان أولى بك وضعيفُ الأثر أولى من ضعيفِ النظرِ فكيف وقد اعتضد بقضاءِ عمر ﵁ وأما حديث العامريين فقال علماؤنا لم

стр. 994

يصح وعندي أنه صحيح ولكن النبيَّ ﷺ إنما فعلَ ذلك بهم في صدرِ الإِسلام تأليفاً لهم إذ لم تكن تلزمه في أصل المسألة دية فإذا سقط الأصل وهو الوجوب، فأولى وأحرى أن يسقط الوصف وهو التقدير. المسألة الرابعة عشر: عقل الجنين: ثبتَ عن النبيِّ ﷺ ، أنهُ قضى فيه بغرة عبدٍ أو وليدةٍ فقال الذي قضى عليه: كيف أُغرم من لا أكل ولا شربَ ولا نطقَ ولا استهل صرخاً ومثل ذلك بطل (١) أو يطل فقال له النبيُّ ﷺ : (إن هذا من إخوان الكهان) (٢) وليس هذا بإنكار لصورة السجع فإنه جائز وإنما بيّنَ به النبي ﷺ إبطال كل سجعٍ ينظم في معارضةٍ حق كما أنه يكره أن يتكلفَ ابتداءً في طريق الحق إلَّا أن يرد في مطرد القولِ (٣) وَكما قدروا الدية في الإبل كذلك قدروا الغرة في الجنين وذلك خمسون ديناراً أو هو عُشر دية أمه (٤) وخالفَ أبو حنيفة في مسألتين: إحداهما: أنه غاير في الغرة بين الذكرِ والأنثى وذلك ما لم يعلم وجهه أبداً، وقد بينا سرها في مسائلِ الخلافِ وهو غريب فلينظر فيه ولينقل من التلخيص. والثانية: إذا قتلَ امرأةً وفي بطنها جنين هل يدخلُ الغرة في الدية أم لا؟ وقد بيناها في مسائل الخلاف.

стр. 995

المسألة الخامسة عشر: قال علماؤنا روى أبو داود والنسائي: ان عقل الجنين خمسمائِة شاةٍ (١) والحديث لم يصح وإنما الصحيح حديثِ الغرة والتقدير فعل الصحابة وقال ربيعة عقلُ الجنين للأم (٢) وقال ابن هُرمز للأبوين (٣)، وتعلقَ ربيعة بإنه كعضوِ من أعضائها، فوجبَ أن يكون عقله لها، ولو كانَ يجري مجرى عضوٍ من أعضائها لاعتبر من قيمة ديتها كسائرِ الأعضاء. المسألة السادسة عشر: ذكرَ مالك في مسائلِ القودِ أنَّ الرجلَ إذا ضرب رجلاً بعصا أو بحجر عمداً فماتَ أن فيهِ القصاص (٤)، ولقب هذه المسألة القتل بالمثقل وهي مسألة ركيكة لأبي حنيفة (٥) تعلقَ فيها علماء العراقِ بالحديث المشهور، إلاَّ إن في قتلِ السوطِ والعصا مائة من الإبل، الحديث المذكور، فإذا رماه بخشبةٍ فإنها جملة مجموعة من أجزاء لو انفرد كل جزء منها لم يجب فيه قصاص، فإذا اجتمعت كانَ حالها في الانفراد شبهة عندَ اجتماعها في إسقاط ما يسقط بالشبهات. قلنا: الجوابُ عن هذا أبينُ من إِطنابٍ فيهِ. أترجو أن تلفقَ لهذا الباطل دليلًا؟ ما محاولة هذا إلاَّ كما قال الشاعر: تَدسُّ إلى العطارِ سلعةَ بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسدَ الدهر (٦)؟. وإذا أخذَ الرجل حجراً من أرباع وصبَّه على رأسِ رجل إن كانَ بهذا عمد خطأ، فالضرب بالسيف خطأ محض، ولهذا قال علماؤنا إن هذا المذهب هدم لقاعدة القصَاصِ ويمكن الأعداء من الأعداء.

стр. 996

المسألة السابعة عشر: أدخل مالك في الباب قتل الغيلة (١) وهي من الحرابةِ. والحرابة عندنا تكون في الحضر كما تكون في القفارِ، وتكون بالسيف، وتكون بالعصا، وإذا كانت بالعصا لا يؤخذ فيها بأيسر ذلك, لأن المقصود في السلب والقتلِ واحد والعصَا كالسيف عندَ مالكِ في العمدِ وَوجوبُ القصاصِ وزادت العصا بأنها أعظم في الخديعةِ, لأنه إذا مشى بالسيف استنكر وتشوفت النفوس إلى التحفظ منه وكان أمرُ العصا في الخديعةِ أبْلَغ، وفي الغيلة أدْخَل، فينبغي أن تكون في العقوبة أعظم. ألَا ترى أنه يؤخذ فيه مائة بواحدٍ بلا خلافٍ؟ كذلك يؤخذ فيه بالعصَا والسيف بالقتلِ بلا خلافٍ؟ ولما لم يتعرض للحرابة لم يتعرض لهما. المسألة الثامنة عشر: السحر: قال مالك يقتل الساحر كفرًا (٢)، وقال الشافعي عقوبته على مقدار تأثيره من قتلٍ يقتل أو أذى به يضرب (٣). وتعلق مالك بظاهر القرآن (٤) وإنما جعله مالك في باب الغيلة لأن المسحور لا يعلم بعملِ الساحر حتى يقع فيه، وقد قال مالك إن من الغيلة سقي السم بالمرقدِ لأخذِ أموال الناس وهو ظاهر وقد مهدنا المسألة في كُتب الخلافِ وغيرها. مسائل الرَّجم: الرجم سنَّة ماضية، وأصل في الشريعة تقدمَ في الملل قبلها وقرره الإِسلام بعدها، وكان من حجج النبيُّ ﷺ على اليهود في إنكارهم في نبوته ﷺ حتى انتهت الحال إلى أن تكون البهائم تفعله. كما ورد في البخاري عن عمرو بن ميمون أنه شاهد في الجاهلية رجم القردةِ على الزنى مختصراً (٥) وصورته أنه قال رأيتُ قردة تضاجع

стр. 997

صاحبها حتى جاء قرد مختبئًا، فلما أحست به سلت ذراعها من تحتِ رأسِ صاحبها، ثم مشت إليه فواقعها وأنا أنظر إليها ثم عادت إلى مضجعها فلما استيقظ استنكرها وصَاحَ فاجتمعت القرد فشمُّوها، ثم رجموها وأنا أنظرُ إليهم (١)، فأما أن يكونَ هذا من أفعالِ من كان شخصاً ثم صارَ مسخاً، وإما أن يكون هذا أمراً أوقعه الله في نفوس البهائم إلهاماً ومقدمةَ للنذارة لمن يحيي هذه المسألة التي أماتتها اليهود. وأحاديث الرجم متعددة أصولها عشرة: الأول: ما رواه الأئمة بأجمعهم عن أبي هريرة وغيره دخلَ حديث بعضهم في بعض وجمعناه، قالوا جاء ماعز بن مالك الأسلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ظلمتُ نفسي وتبتُ طهّرني. فقال: (ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه)، فرجعَ غير بعيدٍ ثم جاء فقال يا رسولَ الله طهّرني. فقال له رسول الله ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ : (مم أطهّرك)؟ قال من الزنى. فقال له رسول الله ﷺ : (لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت)؟ قال: لا يا رسولَ الله. فقال رسول الله: (أنكْتَها)، لا يُكنِّي؟ قال: نعم. فَسَألَ رسُول الله ﷺ (أبِهِ جُنون)؟ قالوا لا. قال: (أفيشرب خمراً)؟ قالوا: لا، فقام رجلٌ فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمرٍ فأمرَ بهِ فرُجِمَ فلما وجَدَ مس الحجارة فرّ يشتد حتى مرَّ برجل معه لحى جملٍ فضربه وضرب الناس فلما وجدَ مسَّ الموتِ صَرَخَ. يا قوم ردوني إلى رسولِ الله ﷺ فإنه غير قاتلي. فلم ننزع عنهُ حتى قتلناه، فلما رجعوا إلى رسولِ الله ﷺ ذكروا ذلك له. فقال: فهلَّا تركتموه وجئتموني به (٢). زاد أبو داود والنسائي ليستثبت رسول الله ﷺ فيه، فأما ليرد حداً ..........

стр. 998

......................... فلا (١). قاله أبو هريرة (٢). زاد أبو داود ألَّا تركتموه حتى أنظرَ في شأنه، هلا تركتموهُ فيتوب، فيتوب الله عليه (٣). زاد مسلم والنسائي قال: فردّوه، فلما كان من الغد أتاه، فأرسل النبيُّ ﷺ إلى قومهِ أتعرفونه؟ قالوا ما به من بأس، فأتاه الثالثة فأرسلَ إليهم أيضًا فأخبروه أنه لا بأس به، فلما كانَ في الرابعة حفروا له حفرة (٤). زاد في الموطّأ: إنه جاء إلى أبي بكر الصديق فقال له تب إلى الله واستترْ، وأتى عمر فقال له مثل ما قال لأبي بكرِ، وقال له عمر مثل ما قال أبو بكرٍ. فجاء رسول الله ﷺ وأعرضَ عنه ثلاث مراتٍ، كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ حتى إذا أكثرَ بعثَ رسول الله ﷺ إلى أهلهِ يشتكي أبه جنِّة؟ قالوا: والله يا رسولَ الله إنه لصحيح. فقال رسول الله ﷺ (أبكر أم ثيب). قال: بل ثيب يا رسول الله فأمرَ به رسول الله ﷺ فرجم (٥). زاد من رواية سعيد بن المسيب أنه قال لهزالٍ لو سترته بردائِك لكانَ خيراً

стр. 999

لك (١). زاد البخاري ومسلم: قال جابر فرجمناهُ بالمصلى فلما أذلقته الحجارة فرَّ فأدركناه بالحرّة فرجمناهُ (٢). الحديث الثاني: روى الأئمة ما عدا البخاري عن عبادة بن الصامت أن النبيَّ ﷺ قال: خذواْ عنِّي قد جعلَ الله لهنَّ سبيلا. البكرُ بالبكرِ جلد مائة ونفي سنةٍ, والثيبُ بالثيب جلدُ مائةٍ ورجم بالحجارة (٣). الحديث الثالث: حديث العسيف: قال أبو هريرة وزيد بن خالد إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما يا رسول الله أقضِ بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما أجل يا رسول الله. فاقضِ بيننا بكتاب الله وأذن لي في أن أتكلم قال: تكلم. قال كان ابني عسيفاً على هذا فزنى بإمرأتِه، فأخبروني أنَّ على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاةٍ وبجاريةٍ "لي" (٤) ثم إنِّي سألت أهلَ العلم فأخبروني أنَّ على ابن جلد مائة وتغريبُ عامٍ، وأخبروني أنَّ الرجم على امرأته. فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده، لأقضين فيكما بكتاب الله أما غنمُك وجاريتك فرد عليك)، وجلد ابنه مائة وغربه عامًا، وأمر أنيسًا أن يأتيَ امرأة الآخر. فإن اعترفتْ رجمها، فاعترفت فرجمها (٥). الحديث الرابع: حديث عمران بن حصين: جاعتْ امرأةٌ من جهينة إلى رسول الله ﷺ وهي حُبلى من الزنى. فقالتْ: يا رسول الله أصبتْ حدًّا فأقمه عليّ. فدعى رسولُ الله ﷺ وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأت بها، ففعل. فأمر فشكلت عليها ثيابها، ثم رجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت. فقال: (لقد تابت توبةً لو قسمتْ بينَ سبعين من أهلِ المدينة لوسعتهم). خرّجه مسلم (٦)

стр. 1000

والترمذي وأبو داود. الحديث الخامس: حديث عمر: لما صَدر من مني أنَاخَ بالابطح ثم كومَ كومة بطحاء ثم طرحَ عليها رداءه واستلقَى ثم مد يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبرت سنين وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناس قد بينت لكم السنن وَفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحةِ ألَّا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالاً، وضربَ بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل لا نجدُ حدين في كتاب الله فقد رجم رسولُ الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتُها "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة". فإنا قد قرأناها فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتِلَ عمر ﵀. (١) وقال في حديث ابن عباس الطويل بين يدي موته: الرجم في كتاب الله حقٌّ على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينةُ، أو كان الحبلُ أو الاعتراف (٢). الحديث السادس: خرجه مسلم (٣) وغيره. أنَّ علي بن أبي طالبٍ جلد شُراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعةِ، وقال جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنةِ رسُولَ الله (٤). الحديثُ السابع: خرجه مسلم والنسائي وأبو داود قالوا إن امرأةَ من غامد من الأزد. قالت يا رسولَ الله طهّرني. قال: (ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه). قالت له

стр. 1001

وتريدُ أن تردني كما رددتَ ماعزاً؟ قال لها: وما ذاك؟ قالت إنِّي حبلى منَ الزنى. قال: (أنت)؟ قالتْ: نعم. قال: (اذهبي حتى تضعي)، فكفلها رجلٍ من الأنصار حتى وضعتْ. فأتى النبيُّ ﷺ فأخبره. قال: إذاً لا رجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعَه) قال رجل من الأنصار إليَّ رضاعه فرَجمها (١). الحديث الثامن: روى النسائي وأبو داود: قال اللجلاج إنه كان يعملُ بالسوقِ، فمرت به امرأة تحملُ صبياً لها فثار الناس، فكنت ممن ثارَ، وانتهيتُ إلى رسولِ الله ﷺ وهو يقول: (من أبو هذا معك)؟ فقال شاب حذاها: أنا يا رسولَ الله فقال لها النبي ﷺ : (من أبو هذا معك)؟ فسكتت فقال له الفتى: إنها حديثة السنن، حديثة العهد بحزنٍ وليست بمكلمتك. أنا أبوه فنظر إلى بعضِ أصحابه كأنه يسألهم عنه، فقالوا ما علمنا إلَّا خيراً. فقال له النبي ﷺ : أأحصنت؟ قال: نَعم. قال فأمر به فرجم فحفرنا له حفيرةً حتى أمكناه ثم رمَيناهُ بالحجارة (٢). الحديث التاسع: روى أبو بكرة شهدتْ النبي ﷺ وهو واقف على بغلتهِ، فذكر أن امرأةٌ حبلى جاءت النبي ﷺ فقالتْ: بَغيتُ. فقال لها: (استتري بستر الله) (٣)، فذهبت ثم رجعتْ. فقال لها اذهبي حتى تلدي ثم قال: (انطلقي حتى تطهري من الدم)، ثم جاءت: فبعثَ النبي ﷺ إلى نسوةٍ فأمرهنَّ أن ينظرن إليها أطهرت أم لا فحين شهدت عند رسولِ الله ﷺ أمرَ لها النبي ﷺ بحفرةٍ، إلى ثندوتها، ثم أخَذَ حصاةً كأنها الحمّص فرماهَا

стр. 1002

ثم قال للمسلمين إرموهَا. فرموهَا حتى طفت ثم أمرَ بإخراجها وصَلى عليها وقال: (لو قسم أجرُها بين أهلِ الحجاز لوسعتهم) (١). وفي الموطّأ أنه قال: (اذهبي حتى تستودعيه)، فاستودعته ثم جاءت فأمر بها فرجمت (٢). الحديث العاشر: روي في الموطّأ والأئمة عن عبد الله بن عمر قال: جاءت اليهود إلى رسُولِ الله ﷺ فذكروا أن رجلاً منهم وامرأةً زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ : (ما تجدون في التوراة في شأنِ الرَّجم)؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها آية للرجم فأتوا بالتوراة فنشروها، ووضع أحدهم يده على آية الرجم ثم قرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم تلوح فقالوا صدقتَ (٣) يا محمدُ، إن فيها آية الرجم. فأمر بهما النبيُّ ﷺ فرجما. قال عبد الله بن عمر: فرأيتُ الرجلَ يحنى على المرأة يقيها الحجارة (٤).

стр. 1003

فهذه أصول أحاديث الرجم بجملتها ولا خلافَ فيه بين الأئمة إلَّا أنَّ طائفة، من البربر نزلت على جبلِ طرابلس ليسَ لهم إلَّا مطلع ضيق كفروا بالله ورسوله، وتستروا بكلمة الإِسلام والتعصب لعثمانٍ، ويرون أن الوضوء بدعة وأن التيمم هو الأصل والزاهدُ منهم هو الذي ماتَ ولم يمسّ عمره ماءً وَيرونَ سقوط الرجمِ ويضربون الزاني بالسياط حتى يموت، في محالاتٍ لا نهاية لها، وكانوا يخالطوننا ويجالسوننا، فقلتُ لعلمائِنا أيحل لكم أن تتركوا هؤلاء بين أظهُرِكُمْ على هذه الحالة من الكفرِ فقالوا: إن القومَ في عَددٍ عظيم وفي منعةٍ من المكان لا ترقى إليهم الأوهام، ولو اعترضنا أحداً ممن ينزل منهم لقتلوا بالواحد منهم مائة منَّا، فعلمتُ عذرهم. وهمٌ وتنبيه: ظنَّ بعضُ الناس أن الرجمَ الوارد في الشريعة ناسخ للحبس إلى الموت الذي كان مشروعاً قبله وقد بيَّنا فساد ذلك في كتب الأصول من وجوه أقربها الآن إليكم أن الحبسَ في البيوتِ كانَ حكماً ممدداً إلى غايةٍ، وكل حكمٍ مد إلى غايةٍ فانتهى إليها لا يكون انتهاؤه نسخًا وهو أحد شروط النسخ الأربعة التي يدور عليها، لا سيما وحكم الغاية أن يكونَ ما بَعدها مخالفاً لما قبلها، وإلَّا فما كانت تكون غاية (١)، واعلموا وفقكم الله أن في هذه الأحاديث أحكامًا وفوائد عظيمة وقد استوفيناها في شرح الحديث الحاضر الآن مما يتعلق بها خمسة عشر حكماً:

стр. 1004

الحكم الأول: قوله ﷺ (خذوا عنَي) تأكيدًا وتنبيهاً، فإنه ما بعث إلَّا ليؤخذ عنهُ وقد كان سبق الأخذ عنه، فتأكد بهذا القول، ونبَهَ على قدر الحكم. الحكم الثاني: قوله: (جلد مائة). يحتمل أن يكونَ قاله ثم نزلت الآية بَعده في الجلدِ، ويحتمل أن يكون قاله بعد نزولِ الآية تأكيدًا وبياناً للحكمِ. الحكم الثالث: وهو التغريب وقد اختلفَ العلماء فيه فأسقطه أبو حنيفة لأنه زيادة على القرآن بخبرِ الواحد، والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن لا يجوز إلَّا بقرآنٍ مثله أو بخبرٍ متواتر وقد مهدنا في الأصول بطلان ذلك كله (١) وأشرنا إليه فيما سبق من هذا الإملاء وقال الشافعي يغرب كل زانٍ بكرًا عملاً بعموم هذا الحديث (٢)، وخصَّصه مالك في المرأةِ والعبد. أما المرأة فإن تغريبها معرض لها للوقوع في مثل ما جلدت عليه، وإنما تحفظ المرأة بالحجاب، حيث تغرب. وخذوا نكتةً بديعةً في أُصولِ الفقهِ لم تذكر فيها، نبه عليها إمام الحرمين في كتاب العموم فقال إن العموم إذا ورد وقلنا باستعمالِه أو قام دليل على وجوب القولِ به، فإنما يتناول الغالب دون الشاد النادر الذي لا يخطر ببال القائل، وصدق فإن العموم إنما يكون عمومًا بالقصد المقارن للقول فما قطع على أنَّ القائل لم يقصده لا يتناوله القول وعلى هذا لا يتناول الحكم في العموم ما يعترض عليه بالإبطال ولو أدخلنا المرأة في التغريب لاعترض بالإبطال على التخصيص الذي لأجله شرع الجلد وكذلك العبد لم ير مالك تغريبه لأجلِ أنه لم يدخل تحت العموم كما قلنا في المرأة، ولكن عارضه حق السيد فقدم على حقِّ الله لفقر السيد والله هو الغنيُّ الحميدُ فإن قيل: فلِم لم يسقط الحد مراعاة لحق السيد. قلنا: الحد هو الأصل والتغريب تبع فلأجل ذلك أقمنا الأصل الذي لا يقطع بالسيد في حقهِ وتركنا التبع الذي يعترض عليه بالإبطال. الحكم الرابع: قال أحمد بن حنبل (٣) يجلد الثيبُ ثم يرجم لحديث عبادة وحديث شراحة المتقدمين. قلنا: هذا الحديث الوارد عن عبادة منسوخ قطعاً بمثلهِ في الوُرود بحديث ماعز والغامدية والعسيف فإن النبيَّ ﷺ لم يتعرض للجلد في واحدٍ منهما وقد كانَ

стр. 1005

ذلك بعده فتم النسخ بشرطهِ. الحكم الخامس: الزنى يثبت بثلاثة أشياء. إعتراف، وشهادة، وحبل ظاهر لم يسبقه نكاح ولا سيادة، فأما الشهادة فقد استقرت (١) في كتاب الله وفي سُنّة رسوله، وأما الإقرار وهو الأصل في إثبات الحقوق، فإن العلماء اختلفوا هل للمقر بالزنا أن يرجعَ عن إقراره أم لا؟ فمنهم من قال إنه يرجعُ قال به الجمهور وهو إحدى الروايتين عن مالكٍ ومنهم من قال له أن يرجع إن ذكر وجهاً، وهي الرواية الثانية عنه ومنهم من قال لا يرجع. فأما من قال لا يقبل الرجوع فلأن الإنسان على نفسه بصيرة وهو أعلم، وأما من قال إنه يرجع إن ذكر وجهاً فلأن الحدَّ مما يسقط بالشبهة مع أنَّ النبيَّ ﷺ نبه عليها ماعزاً فقال: لعلك نظرتَ، لعلك قبَّلتَ، وأما قول من قال له أن يرجعَ مطلقاً فهو الحق وعليه تدل الأحاديث المذكورة آنفاً في ترديدِ النبي ﷺ كل من أقرَّ بالزنا وتنبيهه له على الرجوع، وكذلك ينبغي أن يفعلَ كل حاكم، فلا قدوة أعظم من محمدٍ ﷺ ، ولا أسوة فوقه، وقال أبو حنيفة: لا يثبت الزنى بالإقرار حتى يكونَ أربع مراتٍ في أربع مجالس (٢)، واحتج بأن النبي ﷺ ردَّ ماعزاً أربع مرات، قلنا: لم يرده ليثبت بالإقرار إنما ردَّهُ رجاء الرجوع. ألَا ترى إنه لم يردد الغامدية ولا سواها ولا يجوز أن يحمل على الشهادة, لأن الشهادة فرع والإقرار أصل، ولا يجوز أن يحمل الأصل على الفرع، وأما الحمل إذا ظهر ولم يسبقه سبب جائز، فإنه يعلمُ قطعاً أنهُ من حرامٍ فتثبت المقدمة بالنتيجة وهو استدلال معلوم من طريق العادة يسمى قياس الدلالةِ، كدلالة الدخان على النار إلَّا أن تدعي أنها استكرهت، وتأتي على ذلك ببينةٍ أو بأمارة مثل أن تأتي دامية وهي بكر أو استغاثت أو أغيثت على تلك الحال، فإن لم تأت بشيء من ذلك ثبت الحد إن لم يكن يعارضه ما يسقطه. وقال الشافعي لا يقبلُ ذلك منها وهو قول باطل, لأنه لا يمكن إن غلبت أن تفعل أكثر مما فعلت ولا يكلف الله نفساً إلَّا وسعها. الحكم السادس: إذا سمع الإقرار فلا بد بعده من الاختبار كما فعلَ النبي ﷺ إذ قال: أبِهِ جنة؟ فقالوا: لا. وبهذا يتبين أنَّ قول المجنون هدر، ويعضد هذا بصحته حديث علي الضعيف: رُفعَ القلم عن ثلاث. فذكر المجنون (٣)، وكذلك أيضاً الذي

стр. 1006

يغلب عليهِ الألم فيفوته تحصيل القولِ، فإنه لا يؤخذ به في حكم مِن الأحكامِ لقولِ النبي ﷺ في هذا الحديث: أتشتكي؟ فبيَّن أن الشكوى تبطل الإقرار، وهو الحكم السابع. وكذلك نقول إن المريض إذا طلق في حرج المرض لا ينفذ طلاقه إذا نيح (١) من المرض قوله وكذلك أيضًا وهوَ الحكم الثامن: قال في هذا الحديث أشربَ خمرًا، فكان ذلك دليلاً على أن السكران لا يجوز إقراره وقد اختلقه العلماء في ذلك على أقوالٍ عديدةٍ جملةً وتفصيلاً، واختلف أربابُ مذهبنا كاختلافهم، والذين اعتبروا قول السكران قالوا إن عقله زال بمعصيةٍ فجعل كالموجي حكمًا والمعصية قد أخذت حقها في الإثم وفي الحد وجعل المعدوم موجوداً حكماً يفتقر إلى الدليل، وقول النبي ﷺ : (أشربَ خمرًا) دليل إلغاء القول. قال لي بعض علمائِنا: يحتمل قوله أشرب خمراً أن يكون إذ كانت الخمر محللة. قال وهذه حكايته حال وقضية عين يتطرق إليها الاحتمال فسقط بها الاستدلال، لكن يبقى أصل الدليل من أن العقلَ ذاهبٌ. قال لي بعض أشياخي (٢): لم يختلف قول مالك أنه إن قتل وهو سكران أنه يقتل، وهذا عندي لعظيم حرمةِ القتلِ، فأما سائر الأحكام فيهونُ أمرها. الحكم التاسع قوله: أنكتها؟ لا يكني، وافتقر النبيُّ ﷺ إلى ذلك البيان بسبب

стр. 1007

الحدِ بعد أن كرر الرد، والحد لا يكون إلَّا بعشرة أوصاف: وطء محرم محض، من حُرٍّ بالغٍ عاقلٍ، في فرجٍ مشتهى طيعاً، وقع من مسلم محضٍ. فبهذه الشروط يجبُ الرجم وبها يجب الحد الذي هو الجلد ما عدا الإحصان، فأما قولنا وطء، فلسؤال النبي ﷺ وإجماع الأمة عليه. وأما قولنا محرم فليقع معصية تليق بهذه العقوبة، وأما قولنا محض فلتنتفي الشُّبهَة التي تسقط الحد، وأما قولنا من حرٍ فلأن الإحصانَ معدوم معه قرآنًا منصوص عليه فيه وأما قولنا بالغ فلأن الصبي ساقط الاعتبار إجماعاً. قال علماؤنا لأن إيلاجه صورة وطء لا معنى لها وأما العقل فقد تقدم الكلام فيهِ وأما قولنا في الفرج فلاتفاق الأمة عليه، ولأنه قد ذكر في الحديث: أغابَ ذلك منك في ذلك منها كما يغيبُ المرود في المكحلةِ. وفي حديث اليهود أن النبي ﷺ قال لهم: (إأتوني بأعلم من فيكم)، فجاؤوه بابن صوريا فناشدهم هل الرجمُ في التوراة فقالوا نعم إذا شهدَ أربعة أنَّ ذلكَ منه قد غاب في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة، فأمر النبيّ ﷺ بالشهود فجاءوا فشهدوا بذلك، فأمر النبي ﷺ بهما فرجما. وأما قوله مشتهى طبعاً فبَيان لسقوط الحد عن وطء البهيمةِ إذ روى النسائي وأبو داود وغيرهما أن النبيّ ﷺ قال من وجدتموه قد وقعَ على بهيمة فاقتلوهُ واقتلوا البهيمة (١)، وتعلق به أحمد بن حنبل وهو حديث ضعيف لم يصح، وقد بيناه في

стр. 1008

مسائل الخلاف ولننبّه بذلك أيضاً على الحكم العاشر: وهو اللواط. قال الشافعي هو زنى يفترق فيه البكرُ والثيب، وقال أبو حنيفة هو موضع أدب يجتهد فيه الإِمام فيضربه بالسوط قدر ما يراه رادعًا ولا يرى أبو حنيفة ولا الشافعي أن يجاوز الأدب أكثر الحد ورأى مالك أنه يرجم بكراً كان أو ثيبًا وهو أسعدُ قولاً, لأن الله أخبرنا عن قومٍ فعلوه وعن عقوبته فيهم بالرمي بالحجارةِ فوجب أن يتعظ بقولهِ، وأن يمتثل ما سبق من فعلهِ، وهذا يدلك على أن مالكاً رأى أن شرعَ من قبلنا شرع لنا بلا خلاف. ألاَ تراه لم يختلف قوله من أن البكر يرجم كما رجمَ الله بكرهم وثيبهم فإن قيل فقد رجم صغيرهم وكبيرهم فارجموا إذًا الصغير. قلنا ارتفع ذلك بالنص وبقيَ الباقي على ظاهر الحكم والحكمة في رجم الصغير منهم أمران: أحدهما أنه لما علمَ منهم أنهم كآبائهم فأجرى عليهم عقوبتهم، وأما أخذ الكل بعذاب الدنيا ثم يحشر كلٌّ على نيته (١) على ما ورد في حديث الجيش الذي يخسف به

стр. 1009

البيدَاء (١). الحكم الحادي عشر: اختلف العلماء في صلاة الإِمام علي المحدود فقال الشافعي يصلي عليه الإِمام والناس وقال سائر العلماء من فقهاء الأمصار لا يصلي عليهِ الإِمام وقد اختلفت الروايات في الأحاديث المتقدمة وفي بعضها ثم صلى عليها ولم يثبت ذلك، وإنما الثابت ترك الصلاة وفي ذلك حكمة بديعة وهي أن الإِمام إذا ترك الصلاة عليهِ كان ذلك ردعاً لغيره، ومن الناسِ من قال إن الحكمة فيهِ أنه قتله غضباً لله فكيف يصلي عليهِ رحمة، والرحمة تناقض الغضب، وهذا فاسد لأن محلَ الغضب قد انقضى، وموضع الرحمةِ قد تعينَ، وكان بعضُ الصوفية وهي فائِدة من الذكرِ قد صلى العشاءِ الآخرة خلف رجلٍ من الأئمةِ، فسمع الإِمام يقرأ (يوم يقوم الناس لرب العالمين) (٢) فصعق، فلما فرغوا من الصلاةِ وجدوه ميتاً، فجهزوه يوماً آخر واحتملوه إلى القبرِ ثم قالوا من يصلي عليهِ فقال بعض الصوفية يصلي عليه الذي قتله، فاستحسَن الناس هذه الإشارة. الحكم الثاني عشر: قوله وكفلها رجل من الأنصار (٣). قال أبو حنيفة الكفالة في الحدود مشروعة، لأجل (٤) ذلك، وقد اعتضد ذلك بعمل الخليفة عمر حين قال في الحديث المعروف وكفلهم عشائرهم (٥). وقال سائرِ العلماء لا كفالة في الحدود، وليس

стр. 1010

لهم في ذلك حجة لأنهم يزعمون أن الكفالة في البدن ليس لها تعلق بالمالِ ويقول مالك إنَّ لها تعلقاً بالمال بدلاً عن البدن إذا أطلق ويقول وليست من المالِ في شيء وقال لم يكن أيضاً في ذلك حجة, لأن المال لو كان لازماً في كفالة البدن لما جازَ استثناؤه منهُ، وفائدةِ الكفالة أمران إما إحضار المطالب ليتكلم عن نفسهِ، أو يؤدي ما عليه، وإما قضاء ما عليه من المالِ، فيتصور في الحدود المعنيين فصارَ المذهب العراقي أقوى. الحكم الثالث عشر: لم يسجن رسول الله ﷺ الزاني حتى أقام الحد عليه، واختلف العلماء في تأويل ذلك على قولين. أحدهما: أنه يجوز له الرجوع فلأي فائدة يسجن هو إن تمادى على إقراره سيرجع، وإن نزع فلا يتبع وقيل إنما لم يسجن لأن المدينة كلها كانت سجناً لأنه لم يكن للإسلام مستقر سواها يخاف أن يختلط المسجون بغيره وبالتأويل الأول أقول الحكم الرابع عشر: قال الشافعي وغيره إنَّ التوبةَ تسقط الحد لقولِ الله (إلَّا الذين تابوا من قبلِ أن تقدروا عليهم) (١) لأن الأمة "قد" (٢) أجمعت على أنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنبَ (٣) له وقال سائِرُ العلماء لا تسقط التوبة الحد, لأن النبي ﷺ حد من تحققنا توبته بخبره ﷺ عنهَا وهذا نص، وقوله (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) نص في تلك النازلة مخصوص بها للمصلحة، فإن المرتفعَ في الجبلِ لو علمَ أن توبته لا تقبل لعمه في طغيانه، فشرعت التوبةُ استنزالًا له عن حاله ورجاء في إقلاعهِ عما هو فيه وزواله. تتميم: قد بينا شروط الرجم وذكرنا أن الإحصان من أول شروطهِ وأولاها، وذكرنا

стр. 1011

الإِسلام وهو شَرط في صحةِ الإحصان، فإنه لا إحصَان لمن لا إسلام له إذ الإحصَان كمال وفضيلة ولا فضيلة مع الكفر. فإن قيل: فقد رجم النبي ﷺ اليهوديين. قلنا إنما فعل ذلك إقامة للحجة عليهم من كتمان ذكره في التوراةِ. فإن قيل: فكيف يقيم الحجة عليهم بما لا يراهُ حقًا وقد قيل له (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم .. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) (١)، وليس من القسط أن يرجم الكافر، وعلى هذا عوَّل الأئمةِ من أصحاب الشافعي في أن الإِسلام لا يشترط في الإحصَان. قلنا من فهم مساق المسألة على وجه الحجةِ وصورتها أن اليهوديين زنيا، فلو شاءت اليهود لما جاءت إلى النبيِّ ﷺ , لأنه لم يكن له حكم عليهم بالشرطِ الذي شرط لهم ولكنهم قالوا: نمشي إليهِ حتى نعلمَ حاله في الرجمِ، فإن حكم به فهو نبي، وإن مرَّض فيه فهو محتال، فلما مثلوا بين يديهِ وسردُوا عليه القصة، فهمَ النبي ﷺ الغرض، فرمى عليه فقال إيتوني بأعلم من فيكم، فأتوا (٢) بابن صوريا فقال لهما أنشدكما الله هل تجدون الرجم في التوراة؟ فقالوا لا؟ قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها فجاؤا بها فوضِع أحدهم يده على آيةِ الرجمِ، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلَّام، يرفع يده فإن آية الرجم (٣) تحتها فرفع يده، فإذا آية الرجم تلوح فقال: ما حملكم على ترك الرجم فقالوا (٤) الحديث إلى آخرهِ، فإن قيل: فلم استدعى شهود اليهود قيل حتى تقوم الحجة عليهم من قبلِ أنفسهم، فلا يقولون عجل علينا محمَّد. فتبين عند عامة اليهود بين يدي رسول الله ﷺ أن علمائهم في صفةِ من يكتم الحق في كتاب الله حتى يكذبوهم في قولهم ليس ذكر محمَّد في التوراة، وقبل "وبعد" (٥) فإذا لاحت الحقائق، فليقل المتعصب بعدها ما شاء. لو جاءوني لحكمتُ بالرجم ولم أعتبر الإِسلام في الإحصَان. الحكم الخامس عشر: الجلد في الزنا، إنما هو من الله تعالى بإجماع يستوفيه نائبه فيه وفي أمثاله ويقوم به خليفته عليه وعلى غيره وهو الإمام أو من يقوم بذلك، وهذا مما لا خلاف فيه، فمن العلماء من أجراه على عمومه ومنهم من خصَّصه، فأخرجَ حدودَ العبيد عن حكم الإِمام وجعلها بأيدي السادة، وهو مالك والشافعي، وتعلقوا في ذلك بأدلة استوفيناها في مسائلِ الخلافِ والحاضر الآن منها والأقوى فيها أن الكل كانَ بيد النبي ﷺ ،

стр. 1012

فاستناب رسول الله ﷺ السادة عليه. فقال: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، من أحصن منهم ومن لم يحصن) (١) خرّجه مسلم والنسائي وأبو داود وقال ﷺ في الصحيح والمتفق عليه، إذا زنَت أمة أحدكم فليحلدها الحد ولا يثرب (٢) (٣) وهذا نص، وليس للقوم عليه كلام ينفع فلا نطول بذكره في هذه العجالةِ وفي الأحاديث كلام ولبقايا هذا الباب أحكام. مسائل القذف: لا خلاف أن الله سبحانه جعل الأعراض ثلث الدين في أبواب المنهيات، وصانها بالتغليظ فيها رجماً في الفرج فإنه من العَرضِ وحداً في النسب لأنه سبب من أسباب الأحكام فقال تعالى: (والذين يرمون المحصنات) (٤) الآية. فصَانَه بالحدِّ وقصَّر به عَن الزنا ليبين تفاوت المراتب في المعاصي والفحشاء والرمي الذي يوجب الحد كلما عاد إلى الفَرج وغير ذلك فيه الأدب من السب والإذاية إلا أن الشريعة ألحقت حكم الولاء بحكم الفرج في أن جعلتها قطعةً منه لقولهِ ﷺ في الحديث الصحيح (الولاء لحمة كلحمةِ النسب) فإذا وقع النفي فيه جرى الحدَّ عليهِ إنزالًا له في تلك المنزلة وزاد مالك على الفقهاء التعريض، فجعل له حكم التصريح فقال لأنه قول يفهم منه القذف فوجبَ فيه الحد لأن أصله التصريح، لا سيما والكناية عند العرب أبلغ في التخاطب من التصريح وخالف في ذلك الشافعي وأبو حنيفة وفي ذلك منهما عجبان عظيمان، أما أحدهما فلا عذر للشافعي في إسقاط الحد في التعريض لأنه عربي فصيح لم يخف عليه ما في

стр. 1013

الكناية من الإفهام فإنها أبلغ من صَريح الكلام، وأما أبو حنيفة فهو أعجمي فلا يستنكر عليهِ الجهل بهذه المسألةِ فأراد أن يتفصَّح ويتفقَّهَ ليثبت دعواه في العربية فقال: لو قالَ رجل لإمرأتِهِ زنأت (١) في الجَبَل وجبَ عليه الحد، والزنو هو الارتقاء فيه فخافَ أبو حنيفة أن يريدَ زنيت فيأتي بالمعنى ليخفي السبَّ، وهذا رجوع إلى مذهب مالك في وجوب الحد بالتعريض (٢)، وفروع القذف كثيرة أمهاتها مسألتان: الأولى: اختلف العلماء في حد القذفِ، فمنهم من قال هو حقٌّ لله تعالى قال به أبو حنيفة (٣)، وقالت طائفة: هو حقٌّ للآدمي، قال به الشافعيُّ وعن مالك الروايتان (٤). المشهور أنه حقٌّ للآدمي، وقد بينا في صريح الخلافِ وتخليصه أن فيه شائبة حق لله، وشائبة حق للآدمي، إلَّا أن المغلب شائبة حق الآدمي، والمعوَّل لمن قال إنه حق الآدمي وقوف استيفائه على مطالبة الآدمي، وليسَ للقوم متعلق به احتقالٌ، إلَّا أنهم قالوا لو كان حقاً للآدمي لما شرط بالرق والحريةِ. قلنا قد شطر حق الآدمي بالرقِ، والحرية كالنكاحِ والطلاق فإن قيل لو كان للآدمي لجاز إسقاطه بالعفوِ كالقصاص. قلنا كذلك نقول في إحدى الروايتين يجوز العفو عنه (٥) مطلقًا والقول بالعفو إذا أراد ستراً ضَعيفٌ، وقد بينا ذلك في كتب المسائلِ. الثانية: اتفق علماء الأمصارِ على أن القاذفَ إذا تابَ قبلت شهادته وخالفهم أبو حنيفة أخذاً بظاهر قولِ الله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً) (٦) وعجباً له. متى تفرست (٧). تتميم: لم يبق في الدين ظاهراً إلا تركه، فلم يبقَ عليهِ إلَّا مراعاة هذا ولو راعاه كما

стр. 1014

يجب لقال إن التوبة تعمل فيه لقَولهِ بعد ذلك ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ وهذا الاستثناء يرجعُ إلى جميع ما تقدم قبله وقال أبو حنيفة: يرجعُ إلى أقرب مذكورٍ (١) كالضمائر وقد بينا ذلك في مسائلِ الخلافِ، والذي أوجبَ عليه هذا جهله باللغةِ فليس بممتنع في الاستثناءِ المتعقب للجمل أن يَرجِعَ إلى جميعها، فإن قيل: لو رجع إلى الجميع لسقط الجلد بالتوبة، قلنا، إنما تؤثرُ التوبة في إسقاط حقوق الله إجماعاً، وقد لا تؤثر فيها كما تقدم وقد استوفينا ذلك في مسائلِ الخلاف.

стр. 1015

كتاب السرقة قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (١) فهذه الآية عامة في كلِ سرقةِ كيف ما وجدت، وعلى أي حال (٢) جرت إلَّا أن الشريعة خصصتها بخصائص، وعقدتها بمعَاقدَ. المعقد الأول: قالت طائفة يتعلق القطع في السَرقةِ بقليل المال وكثيره لقول النبي ﷺ (لعن الله السارق، يسرق البيضَة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) (٣) وهذا حديث صحيح: قال ابن قتيبة: المراد بالبيضة بيضة الحديد، والمراد بالحبل، حبل السفينة (٤). وابن قتيبة هجوم ولاج على ما لا يحسنُ، وليته يخطئ في البيضِ والحبال ولا يخطئ في صفاتِ ذي الإكرامُ والجلالِ. وعضدَ ذلك بعضهم بحديثٍ يروى عن

стр. 1016

النبي ﷺ : أنه قطعَ في بيضة قيمتَها ثلاثون درهماً (١)، وهذا الحديث لا يساوي سماعه، وإنما معنى الحديث تحقير العبد المتعرض للسرقةِ المتلبس بدناءاتها المتوصل من قليلها إلى كثيرها، فإن الخيرَ عادة، والشر لجاجة (٢)، ويعود ذلك إلى ضرب المثل وذلك كثير في الشريعة في تحقير المحمَر وتعظيم المعظم كقوله ﷺ : (من بني لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاةٍ بني الله له بيتاً في الجنة) (٣) والمراد بذلك المبالغة في تعظيم ثوابِ المساجدِ مع صغر بنائِها. ووجه المثل أن من بني لله مسجداً لا يُصَلي فيه إلا واحد كأفحوص القطاةِ التي لا يسع سواها. المعقد الثاني: قالت طائِفة لا يؤبه لها أن القطعَ لا يقف على أخذِ المالِ من الحرز لعموم هذه الآية (٤)، وهذا مصَادمة للإجماع السابق من الأمة قبلهم، مع أنه يرده أمران ظاهران. أما الأول: فإن السرقة تقتضي حفظاً يخالفُ بالأخذِ فإذا لم يكن هنالك حافظ لم يكن هنالك سارق، ولأجل هذا لم يعد آخذ المالِ الملقى على الطريق والمطروح في المفازة سارقاً لأنه لم يكن له حافظ. والثائي: قول النبيُّ ﷺ : لا قطع في ثمرٍ ولا كثر إلَّا ما أواه الجرين (٥)، فشرط في وجوب القطع وضع المالِ في موضع الحفظ. المعقد الثالث: القول في النصاب. لما ثبت الفرق بينَ قليل المال وكثيره في وجوب

стр. 1017

القطع، تعينَ الوقوف على مقدار يتعلق به الحكم، ويرتبط به التكليف، فلو وكلته الشريعةُ إلى الاجتهاد لجاز، ولكن البارىء تعالى تولى بيان حكمه على لسانِ رسولهِ فقدره بربع دينارٍ من نصاب الذهب (١)، وبثلاثة دراهم في نصاب الفضة (٢) كذلك ادعته المالكية وقالت الشافعية لا نصاب للفضة في السرقةِ وادعت أن النصابَ مقصورٌ على الذهب، وادعت الحنفية أن نصابَ السرقة عشرة دراهم، وتعلقت في ذلك بآثارٍ مروية عن النبي ﷺ أنه قطع في مجنٍ قيمته دينارٍ. رواه أبو داود (٣) وروى النسائي عشرة دراهم (٤)، وكذلك روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده بلفظه (٥)، وقد تعلق الشافعي بما روى الجميع أن النبى ﷺ

стр. 1018

قال تقطع اليد في ربع دينارٍ فصاعداً (١)، واحتجت المالكية بما احتجت به الشافعية أيضاً، وبحديث عبد الله بن عمر الذي اتفق عليه الكل أيضاً أن النبيَّ ﷺ قطع في مجنٍ قيمته ثلاثة دراهم وهذا نصَ في النَصابين من الذهب والفضةِ في الصحيح، فيبطل بذلَك مذهب الشافعيةِ (٢) وأما حديث الحنفية فضعيف، والدليل على ضعفه ترك الخلفاء العملَ به، فقد قطع عثمان في ثلاثةِ دراهم (٣)، والتقدير عند أبي حنيفة لا يثبت بقياسِ، وعند الجميع لا يثبت إلا بنصِ القرآن أو بخبرٍ صحيح. المعقد الرابع: إذا ثبت اعتبار القيمة في النصابِ فإنما يُعتبرَ يومٍ الجناية وذلك حينَ سرق. وقال أبو حنيفه: تعتبر القيمة يوم القطع ومذهب مالك يتردد كثيرًا في مسائل الضمان بين اعتبار القيمة يوم الجناية أو يوم القضاء لأدلة تتعارض هنالك، ومهما وقع الاختلاف هنالك في حالة الاعتبار فلا ينبغي أن يكون هنا اختلاف في أن الاعتبار يوم الجنايةِ، فإن في ذلك اليوم تعلق الضمان بذمة السارق ولم يطرأ ما يعارضه فإن قيل: قد طرأ وهو تنقيص القيمةِ يوم الحكم فكيف يقطع الحاكم في درهمين، والقطع مما يسقط بالشبهةِ. قلنا: ليست هذه الشبهة مما يسقط بها القطع، فإن الضمانَ قد يتعلق بذمةِ السارق، وقد اتفقنا على أنه يغرم ثلاثة دراهم، وكيف نأخذ من يده ثلاثة دراهم ونسقط القطع. المعقد الخامس: إذا طرأ ملك السارق على السرقةِ لم يسقط القطع، لأنه ملك طرأ بعد وجوب الحد فلا يسقطه أصله إذا اشترى الجارية بعد الزنى بها ويعضده وهو نص فيه حديث صفوان بن أمية حين سرقَ سارق ردآءه وقد توسده ونام في المسجد. فقال صفوان

стр. 1019

"هو عليهِ صَدقة فقال رسول الله: (فهلا قبل أن تأتيني به) " (١). فإن قيلَ: هذا الحديث لا حجة فيه، فإنه مضطرب لأنه روي أنه نام في المسجد فتوسد رداءه، وروى أبو داود والنسائي أنه توسدَ خميصة قيمتُها ثلاثون درهماً، فجاء رجل فاختلسها، فأخذ الرجل فأتى به رسول الله ﷺ فأمر به ليقطع، قال صفوان: فقلت: أتقطعه من أجلِ الثلاثين درهماً، أنا أبيعه وانسئه بثمنها. فقال رسول الله ﷺ فهلا قبل أن تأتيني (٢) به وروى النسائي أن ذلك كانَ بمكة. فقال إنه طاف بالبيت ثم أخذ رداءه فتوسد ونام (٣). الحديث. قلنا: الحديث صحيح (٤) وهذا الاضطراب الذي فيه لا يسقط الحجة منه لأنه لم يرد الاضطراب في موضح الدليل وهو أن الملك لا يسقط الحجة منه. المعقد السادس: كل مالٍ يباع ويبتاع وتمتد إليه الأطماع تتعلقُ به السرقة. وأسقط أبوحنيفة السرقة في مسألتين من ذلك: إحداهما: قال: لا قطع فيما كان أصله على الإباحة لشبهة الشركة المتقدمة فيه وهذا ضعيف، فإن ما تقدم من الشركة لا ينتصب شبهة في حدِ السرقة، أصله خلُوص الملك في الجارية المشتركة لأحد الشركاء لا يسقط باتفاقٍ حد الزنا عمن وطئها ممن خرجَ عن حصته فيها. الثانية: قال أبو حنيفة: ما يسارعُ إليهِ

стр. 1020

الفساد من المأكولات ولم يصلح للادخار لا قطع في سرقته، لأنه معرض للتلفِ لا قطع على من سرقه، كالملقى بمضيعة (١). قلنا: لا يشبه هذا فهم أبي حنيفة، فإن المال الملقى بمضيعة لا يتعلق به طمع ولا يجوز فيه بيع فصار في حيز المعدوم والمال الملقى بمضيعة قصد به التعريض للتلفِ، والمال الذي يصلح للبقاء والادخار، إذا حوولت فيه صنعة يسرع معه الفسَاد إليها، فلم يقصد فيه الفسَاد والتعرض للتلفِ، وإنما قصد فيه الاستصلاح للذة والبقاء، ومن ضرورة جبلة ذلك حسب ما أجرى الله العادة فيه أن يفسد، فذلك فساد ضرورة لا فساد قصد، فلم يصح أن يعتبر بشيء من ذلك. المعقد السابع: يقطع النباش عندنا، وبه قال الشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة لا يقطع لوجهين: أحدهما: عدم السرقة. الثاني: عدم الحرز. قال: وعلي تأصيل زائد إلى ذلك أنه قصد به الفساد والتعريض للتلف، فصار كالملقى بالمضيعة، ولذلك قال الصديق الحي أحوج للجديد من الميت، إنما ذلك للمهلة (٢) والصديد (٣)، قال: أما عدم السرقة، فإنما تكون السرقة عند تحديق أعين النظار الحفاظ وتصويبها نحو المحفوظِ، والكفن لا عين فيه تحفظه ولا تلحظه، وأما عدم الحرز فظاهر لأنه لم تجعل التراب عليه ليرجع إليه، قلنا: أما تحقيق السرقة فهي فيه لا شك موجودة، هو من جملةِ السرقةِ، ولكنه يختص باسم النباش اشتق له هذا الاسم من فعلهِ، وأما قولهم إنه ليس هنالك عين تحفظه وتلحظه، فليس ذلك من شروطِ السرقةِ، بدليل أنَ البلدَ إذا شغر (٤) أهله في يوم
следующие страницы →