هو محض الإيمان، ولكنه إنما بوَّب بالنهي لأن الصحابة كانت تعافه لما تقدم من النهي إليهم فيه والله أعلم: "ففي صحيح مسلم: جاء مشركو قريش مخاصمون إلي النبي ﷺ في القَدرِ (١) فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ﴾ (٢) الآية" (٣). ولما روي أن النّبيّ ﷺ خرج يوماً على أصحابِه وهم يتكلمون في القَدرِ، فاحمرّ وجهُه وقال: (إنما هلك من كان قبلكم (٤) بهذا) وذكر باقي الحديث وَوَجهُ كراهيَّة الكلام في القَدرِ، أن الخوضَ لا يؤول فيه إلى بيان لأن النبي ﷺ إذا تعرض لبيانِه فسد وخرجَ عن حَدّه، إذ المفعول لا يفعَل والموجود لا يوجد، وقد كان النبي ﷺ بيَّن لأصحابِه حين سألوه أول دفعةٍ عنه فقالوا له هذا الذي نحنُ فيه، أمرٌ مستأنف أم أمر مفروغ منه فقالَ (اعملوا فكلٌ ميسّر لما خُلِقَ له) (٥). الحديث. فبعد أن استقرَّ القول فيه والبيان لا يبقى إلا اعتراض المشكك وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٦). حديث: قال أبو هريرة ﵁: "تحاجّ آدم وموسى" (٧). الخبر إلى آخره وقد تكلمنا في الصحيح عليه وفي المشكلين بما ينبغي له
стр. 1087
وفي قول آدم أتلومني على أمرٍ قد قدّر عليّ ليس ما سبقَ من القضاءِ والقدر يرفع الملامة عن البشر، لكن معنى قوله ذلك: أتلومني على أمرٍ قدّر عليّ وتبتُ منه والعاصي التائب لا يلام. حديث: قال رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم فمسح ظهره بيمينهِ) (١). حديث عظيم في القضاء والقدرِ يشهد له القرآن، وكأنه تفسير للآية المذكورة، فيهِ عبَّر بالمسح عن تعلق القدرة بظهر (٢) آدم وكل معنى يتعلق به قدرة الخالق يعبر عنها بفعل المخلوقِ ما لم تكن دناءةً، وقد أخبرَ الله تعالى في هذا الحديث على لسان رسوله بقوله عن حكمه وحكمتِه في تفريق الخلق فريقين ويسَّر الله ذلك الرجل المعترض للنبي ﷺ بقوله ففيم العمل؟ ليبين ﷺ تمام المسألة، ويبرز وجه الحكمة بأن تيسير البارىء تعالى للرجل عمل أهل الجنة دليل على أنه من أهلها الذين خلقهم لها، وتيسير الرجل لعملِ أهل النار دليل على أنه خلقه لها، والإشارة بهذا التيسير المقتضى لما بيناه من الدليل إلى العمل الذي يكون عند الخاتمة لا إلى العمل المسترسل على الأزمنةِ وقد بيَّن ذلك ﷺ بقوله: (إن الرجلَ ليعملَ بعملِ أهل الجنةِ) (٣). الحديث إلى آخره. حديث: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها) (٤) هذا الذي نبّه عليه النبي ﷺ بهذا الحديث أبينَ
стр. 1088
من فلق الصُبح، فإن كلَ أحدٍ قد كتب له رزقه حتى من مشيه ومن كلامِه ومن وطئهِ ومن أكلهِ فليس للمرأةِ من زوجها كانت لها ضرّة، أو لم تكن إلَّا ذلك المكتوب لها لا يزيدها الانفراد ولا يضرها الاشتراك. حديث: قوله: (الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي الذي لا يعجل شيئاً أناه وقدره) (١) وأما قوله: كما ينبغي فمعناه كما يُراد، فإن رجع ذلك إلى إرادة الخالق، فكذلك كان، وإن رجع ذلك إلى إرادة المخلوق ففيه ما لا يريده المخلوق، وإن أراد غير ذلك من المعنى فالكلمة قلقة وما أظنها نبويَّة، وأما قوله الذي لا يعجل شيئاً فقد ضبط على عشرِ صفاتٍ أضبطه لكم بالعجم لا بحروف المعجم لئلا يطول فاضبطوه لئلا يدرس بمضي الزمان الذي لا يعجّل شيئاً أناة وقدّره وتركّب بعضها على بعض وتفسير أناة بالاسم والفعل وتركبوه فعلًا على تعجّل أو يبقى طرفاً للشيء على ما هو عليه، فإن قرأت يعجل بناء ما لم يُسم فاعِلهُ والجيم مفتوحة كان سلباً للخلق عن التصرف بغير حكم الخالق، وإن قرأته بضم الياء وخفض الجيم مشددة كان إخباراً على أن الباري تعالى، إنما تخلق أفعاله على مقدار علمه وقضائه، وإن فتحت الياء من يعجل ورفعت شيئاً كان نسبة للعجلة إلى ذلك الشيء ويكون المعنى أن شيئاً لا يقدرعلى أن يتعجل بنفسه على شيء يخرج به عن قضاء ربه وذلك كله رد على القدرية الذين يقولون إن الخلق بعصيانهم يعجلون الأشياء قبل وقتها كالآجال ويخالفون مقدارها كالطاعاتِ وبعض هذه الروايات أقوى من بعض في الدلالات، وقد استوفينا بيانها في المشكلين بما لبابه إنك إذا قلت يُعجل بضم الياء وإسكان العين وكسرت الجيم ونصبت شيئاً على المفعول وقرأت إناة بكسر الهمزة أو بفتحها وأسكنت الدال من قولك قدرة ونصبت الراء أو نصبت العين من يعجّل وشدّدت الجيم وباقيه كذلك أو قرأته بهذين اللفظين، وشدّدت الدال من قدَّرَه وفتحت الراء ونصبت الهمزة من أناة على أنهما فعلان لا اسمان، كان معناه على هذه الألفاظ أن الله تعالى لا يقدم شيئاً قبل وقته، ولا يعجل شيئاً قدّره وأخّره من خير. وإن ضممت الياء من يعجل وفتحت العين وشددت الجيم وفتحتها أو خففتها وأسكنت العين على بناء ما لم يسم فاعله ورفعت شيئًا وقرأت باقيه على الوجهين المتقدمين كان معناه على ما بيناه ورددنا به على
стр. 1089
القدرية وليس في هذا كله تعلق بالباب الذي أراده مالك ﵁ إلَّا على وجهٍ بعيدٍ ما عدا ما شرحناه فيه، وإن رويته بفتح الياء وإسكان العين وفتح الجيم وهو يرجعُ إلى معنى يعجل بإظهار الفاعل فإنه عام ويرجع إلى نسبة العجلة إلى الشيء الكائن على المجاز ويكون معناه الحمد لله الذي لا يكون شيء قبل وقته الذي علمه فيه وأخّره إليه لا يتعجله هو ولا بتعجيل شيء سواه ويكون في هذا رد على القدرية، لكن لا على طريق التصريح بل على طريق الاحتمال أو العموم على أحد المذهبين.
ما جاء في حُسن الخلق
الخَلق والخُلق عبارتان عن جملة الإنسان، أما الخَلق فعبارة عن صفته الظاهرة، وأما الخُلق فعبارة عن صفتِه الباطنة وقد يعبر عن الباطن بلفظ الظاهر، ولا يعبّر بلفظ الباطن عن الظاهر وفي ذلك كلام بديع قد بيناه في المشكلين والإشارة بالخُلق إلى الإيمان، والكفر، والعلم، والجهل، واللين، والشدة والمسامحة، والاستقصاء والبخل والسخاء وما أشبه ذلك من الصفات والأسماء وأسبابها في المحمود والمذموم يدور على عشرين خصلةً، وقد أتقن مالك ﵁ هذا الباب فإنه أشار فيه إلى نبذٍ في كلا طرفي النقيض بعد أن ذكر الجملة أولاً فقال (حسِّن خلقك للناس) (١) وذكر عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : "ما خُير قط في أمرين إلَّا اختار (٢) أيسرهما" إشارة إلى خلق الرفق ثم قالت "وما انتقم لنفسه" إشارة إلى خلق المسامحة والعفو، ثم أدخل حديث علي ﵁ "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٣) إشارة إلى ترك الفضول لأن المرء
стр. 1090
لا يقدرُ أن يستقل باللازم فكيف أن يتعداه إلى الفاضل ثم أدخل حديث عيينة (١) في المداراة وهي معاملة الخلق في الصبر والمسامحة والبذل والإعطاء والتصرف والتوقف بما لا يقدح في الدين، فإن أتي شيئاً من ذلك بما لا يجوز كان مداهنةً وهي حرام وبالجملة فقد قالت عائشة ﵂: كان خُلقُ رسَولِ الله ﷺ القرآن (٢)، وإذا التزم المرء ما في كتاب الله تعالى من وظائف التكليف، أدرك درجة الصائم القائم.
стр. 1091
ما جاء في الحياء:
أدخلَ مالك ﵁ قوله (الحياء من الإيمان) (١). قال علماؤنا، إنما صَار من الإيمان المكتسب وهو جبلّة لما يفيد من الكف عما لا يحسن، فعبّر عنه بفائدته على أحد قسمي المجاز.
ما جاء في الغضب:
أدخل مالك ﵁ حديث حارثة بن قدامة المرسل عن حميد بن عبد الرحمن أن النبي ﷺ قال له: (لا تغضَب) (٢)، قال علماؤنا: إنما نهاه عما علم أنه هواهُ، كما قال لوفد عبد القيس: (لا تشربوا مسكراً) (٣) وترك بيان سائر المعاصي، وإنما كان ذلك لأن المرء إذا ترك ما يشتهي كان أجدر أن يترك ما لا يشتهي وخصوصاً الغضب فإن من ملك نفسه عنده كان شديدًا سديدًا وإذا ملكها عند الغضب كان أحرى أن يملكها عند الكبر والحسد وأخواتهما.
بابُ المهاجَرةِ
إن الله تعالى خلق الخلق أشتاتاً في الأهواء لأنه خلقهم من أشتاتٍ في الابتداء ثم دعاهم إلى التآلف وذلك ضد ما جبلهم عليه لأنه تعالى هو الداعي وهو الميسر وهو الخالق لكل شيء المقدر له، فإذا يسَّرك لما أمرك فقد أدركته، وإذا حال بينك وبينه فقد فات وكل
стр. 1092
ذلك علامة على الهلكة أوالنجاة ولأجل هذا ما جعل تعالى في الهجرة ثلاثاً لأن المرء في ابتداء الغضب مغلوب فرخص له في التمادي على حاله حتى يسكن غضبه بالاغتسال كما جاء في الحديث (١) أو بالفتور مع التمادي كما جرى في العادة. حديث: قوله: (لا تحاسدوا) (٢) إلى آخره أما قوله (لا تباغضوا)، فالبغض هو كراهة المرء أو صفاته وأما الحسد فهو تمني نقل النعمة من غيرك إليك، وأما التدابر فهو اختلاف الأهواء والمقاصد وهي الحالقة، فإن صلاح ذات البين بها تقوم شعائر الإِسلام من الصلاة والحج وبها تحمى البيضة بالاجتهاد والنصرة وبها تجمع حقوق الفقراء من أيدي الأغنياء.
تبيين:
قال مالك ﵁: لا أحسب التدابر إلَّا الإعراض (٣) "قال القاضي: ما كان أغوصه على المقاصد وما كان أعرفه بالمصالح" (٤)، أصل الفساد البغض، فنهى النبي ﷺ عنه وينشأ عن البغض:
الإعراض:
وهو أول درجات التدابر ويترتب على الإعراض اختلاف الأهواء ومروج الأمورِ، ففسّره مالك ﵁ بالإعراض وهو الأولى حتى إذا اجتنب وكان الإقبال ترتب عليه اتفاق الأهواء، وأما الظن فهو حديث النفس عما يتوهمه المرء، فإن كان عن دليل فالعمل
стр. 1093
عليه واجبٌ، وإن كان مسترسلاً، أو عن شهوةٍ فهو أكذب الحديث (١). وأما التحسُّس فهو تطلب الاخبار على الناسِ في الجملة، وذلك لا يجوز إلَّا للإمام الذي رتب لمصالحهم وألقي إليه زمام حفظهم فأما عرض الناس قفلا يجوز ذلك لهم إلا لغرضٍ من مصَاهرةٍ أو جوارٍ أو رفاقةٍ في السفر أو معاملةٍ أو ما أشبه ذلك من أسباب الامتزاج، وأما التجسس فهو طلب الخبر الغائب للشخص، وذلك لا يجوز لا للإمام ولا لِسواه، وأما التنافس فهو التحاسد في الجملةِ إلَّا أنه يتميز عنه بأنه سببه وكأنه قيل له لاَ ترى نفسك خيرًا من أحدٍ حتى يحملك ذلك على الحسَدِ والحقدِ وأما المصافحة فلم يرَها مالك في السلام (٢)، لأنه لم يسمع حديثها وقد اجتمع مع سفيان فصافحه سفيان وقال له كذلك صافحَ النبي ﷺ لجعفرٍ حين قدم من أرضِ الحبشةِ (٣)، وقال البراء: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (ما من مسلمين يلتقيانِ فيتصافحان إلَّا غفر لهما قبل أن يتفرقا) (٤). وأما المحبة فقد بيّناها في كتب الأصولِ. وقد قال جماعة (من العلماء) (٥): إن المحبة هي الإيثار، ألا ترى إلى امرأة العزيز لما تناهَت قالت (أنا راودته عن نفسه) (٦) ففدته بنفسها، ولما دخل الصدّيق مع النبي ﷺ في الغار أرادت الحية أن تخرج من الجحر فسده
стр. 1094
برجله ففداه بنفسه (١)، وكما ترّس عنهُ طلحة ببدنه (٢) وكما نام علي ابن أبي طالب ﵁ على الفراش في البُردِ الحضرمي بدلاً (٣) منه وأما الهدية فإنها من أسباب التوادَ لعلاقة الأمال بالمالِ فترى النفس أن كل من أعانها على مصالحها يحبها فتجازيه بالمحبّة أيضاً. حديث: قال النبي ﷺ (تعرض الأعمال (٤) ...) إلى آخره. أفاد في هذا الحديث فائدة عظيمة، وهي أن المعاصي توقف المغفرة، لا تبطلها وأفاد أيضًا عظم المجاهرة في المعاصي حتى لا تنفع الأعمال الصالحة معها في الحالِ حتى تقع المقابلة في المآل.
باب اللباس
إنّ الله تعالى خلق العبد لا يعلم شيئًا ولا يملك شيئًا وإلى هذه الحالة يرده كما قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٥) ثم كلفه ستر العورةِ، ومكَّنه مما كلفه فقال: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ (٦) الآية. وأذن في التجمل باللباس لما علم من تعلق الأنفس بذلك، ولم يجعله ﷺ من الكبر والظهور المنهي عنه في حديث ثابت بن قيس وقال ﷺ :
стр. 1095
(خير ثيابكم البياض) (١) وكره لباس الْخَلِقِ دائماً، وقد خرج وعليه أسمال مليتين في حديث قَيْلة (٢) وقد أنكر على الراعي لباس البردين الخلقين حتى لبس ثوبيه الجديدين فقال النبي ﷺ : (أليس هذا خير لك) (٣) قال علماء الباطن (٤): إنما كان الراعي قد تعلق أمله بالبقاء فحبس الثوبين على طول الأجل، فأراد النبي ﷺ أن يقطع هذا الأمل الذي ربما أفسد عليه العمل، وقد قال النبي ﷺ (إذا أنعم الله على العبد أحبّ أن يرى أثر نعمته عليه) (٥)، فإن كان يُرى بضم الياء فيعود ذلك إلى رؤية الناس وذلك من باب إظهار العبد
стр. 1096
نعمة المولى وهو من باب الشكر، وإن كان يرى بفتح الياء، عاد ذلك إلى الله سبحانه فإن لم يلبسها، لم يره الله لابساً، فإن لبسها رآه إذ هو تعالى يعلم المعدوم والموجود ولا يرى إلا الموجود. الأحْمر قد تقدم القول في الأبيض وقد استوفينا الكلام في الأحمر والأصفر في شرح الصحيح على وجه يشفي الصدور، جملته أن النبي ﷺ نهى عن الأحمر ولبْسِه. روى مجاهد عن ابن عمر (١) "أن رجلاً مرَّ على النبي ﷺ وعليه ثوبان أحمران فسلم فلم يردّ النبي ﵇" (٢). وقال جابر (٣) بن عبد الله رأيت رسول الله ﷺ في ليلةٍ قمراء أضحيان (٤) وعليه حلةٌ حمراء (٥). وقال البراء: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وعليه حلة حمراء (٦) وكلاهما صحيحان قال العلماء إنما لم يسلم على ذلك الرجل لأنه رآه مزهوا بلبسه أو لأن الثوبين كانا أحمرين بالعصفر أو بالزعفران، فكرهه لأنه مخصوص بالنساء بخلاف الصبغ الأصلي فإنه مأذون فيه ولأجل هذا الحديث الوارد من طريق مجاهد المعترض في سنده، أدخل مالك ﵁ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالمشق والزعفران (٧). فنافع أثبت من مجاهد، لو استوى السند إليهما. فكيف ولم يستو لأن سنَد نافعٍ أثبت وما كان عبد الله بن عمر ليكره النبي ﷺ شيئًا ويستعمله. الأصفر لم يرد فيه حديث لكنّه ورد ممدَّحاً في القرآنِ. قال الله تعالى في صفة بقرة بني إسرائيل ﴿بقرةٌ
стр. 1097
صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ويقرأ يسر الناظرين (١). وأسند إلى ابن عباسٍ أنه من طلب حاجةً على نعلٍ أصفر قضيت (٢) , لأن حاجة بني إسرائيل قضيت بجلدٍ أصفر يحذى من مثله النعال وهذا في عظيم غوصِه. الأسود: في الصحيح عن عائشة ﵂ خرج النبي ﷺ وعليه ثوب أسود (٣) وقد كانت رايته سوداء (٤)(٥). والخزّ: هو عند المتقدمين ثوبٌ سداه من حرير وأُلحم (٦) من غيره من صوفٍ أوكتانٍ أو قطنٍ واختلف فيه الصحابة ﵃ اختلافاً متبايناً والصحيح جوازه لأن من حرَّمه لم يفد شيئاً لأنه تعلق بالأصل في تحريم الحرير، فأما الذي جوَّزه ونقلَ جوازه فقد أفاد علماً (٧).
الرقيق من الثياب:
يجوز لبسه للرجالِ بلا خلافٍ، ويكره للنساء إلَّا مع الزوج، وإلى هذا المعنى أشار
стр. 1098
النبي ﷺ بقوله: (نساء كاسيات عاريات) (١) يعني أنهن يلبسنَ الرقيقَ الذي يصفهنَّ.
الإسبال: هو حرامٌ في الأصل وعلى كل أحدٍ ما يجر إلى الخيلاء إلَّا أنه أذن للمرأة في إسبال (٢) ذراعٍ وأذن للرجال في الاسبال إلى الكعبين. قال ﷺ : (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفلَ من ذلك فهو في النَّار) (٣).
الانتعال: قد عقدنا فيه جزءاً نحوًا من عشرين ورقة عقدنا فيه نحوًا من أربعين مسألة ونحوًا من خمسين حديثاً فليُطلْب هنالك.
الذهب: مسائله كثيرة قد ذكرناها في شرح الحديث ذكر مالك ﵁ في الجامع منها مسألتين.
إحداهما لباس الصبيان له، فكرهه ولم يره (٤) حراماً أما نفي التحريم عنهم فلرفع التكليف وأما كراهيته فلئلا يعتادوه فيعسُر فطامُهم عنه.
وأما المسألة الثانية فهي استعمال أوانيها. وقد ثبتَ عن النّبيّ ﷺ أنه نهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة (٥)، وأجمعت الأمة على أن استعمالها في غير الأكل
стр. 1099
والشرب حرام لأنَ النهي عن الأكلِ والشرب لم يكن لذاتيهما، وإنما كانَ لينبه بذلك على تحريم استعمالهما في كل شيء وخص الأكل والشربَ لأنه الغالب، وإذا ثبت أن استعمالهما حرام لم يجز اتخاذهما لأن اتخاذهما لا منفعة فيه إلا للمعصية كالطنبور (١) والصليب ويتركب على هذا أن من أتلفهما لا يضمن قيمة الصورة المنهي عنها عند مالك والشافعي ﵄. وقال بعضُ أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة يضمن القيمة وهو قول لا معنى له لأنه لا دليلَ في الشرع عليه، أما إنه قد ذكرنا في شرح الحديث وكتب المسائلِ مسألة واحدة تدلُّ على جواز اتخاذهما وعلى ضمان قيمة الصورة فيهما وهو أنَّ في التداوي بما يصنع فيها منفعة عند الأطباء. فإن قلنا بجواز التطبب بها جاز اتخاذها ووجَب ضمان قيمتَها.
صفة عيسى ابن مريم ﵇
ذكرَ حديث نافع عن ابن عمر أراني الليلةَ عند الكعبة إلى آخره (٢). قوله فيه عليه لمّة قد رجّلها فهي تقطرُ ماءً إشارةً إلى أن ما كان فيه من البؤس وشظفِ العيش، وشعث الرأس، ودنس الثياب عاد نضرةً ونعمة كأنما خرج من ديماس وهو الحمام يتكئ على عواتق رجلينِ من الرفاهية والدلالِ. وقوله: يطوف بالكعبة إشارة إلى أن لذته في العبادة بقيت إلى الآخرة، فلم يرَ لنفسه لذة سواها. فقلتُ: من هذا؟ فقيل: هو المسيحُ بن مَريم بفتح الميم وكسر السين ولهُ تسعة معاني: الأول أنه مسيح الهدى اسم علمٍ كزيدٍ علم لا من الزيادة. والثاني إنه مسيح فعِيل من مسح الأرض ومثله في الاشتقاق والاسم الدجّال إلا أنهُ يفرق بينهما الهدى والضلالة والصالح والكاذب والدجّال والنبيُّ والأعور والسليم.
стр. 1100
الثالث مسيح فعيل بمعنى مفعول كأنه مسح بالبركةِ. والرابع مسيح لحسن وجهه. تقول العرب عليه مسحة جمالٍ. الخامس مسيح فعيل بمعنى مفعول مسحه يحيى ابن زكرياء حينَ ولدَ. السادس كأنَ فَعيل بمعنى فاعل كان لا يمسح ذا عاهيةٍ إلَّا برىء. السابع كان لا يمسح طائراً يخلقه أو ميتاً إلاحيَّي الثامن: مسيح صديق. التاسعُ مسيح معرَّبٌ من مشيح كما عرب موسى من موشَى وفي هذه الأسماء تداخل وبعضها يعضدها الشرع وبعضها تعضدها اللغة، وقد فسرناه في شرحِ الصحيح وأمَّا الدجَّال، فقد تقدم وفيه وجهان. الثالث أنه ممسوح العين في رواية حذيفة الشمال (١). خرّجه مسلم وفي حديث الكل اليَمين (٢)، وكلاهما صحيح. كأن الله يغير هيئته في عينيه, لأن التغيرَ علامة الحدوث، والثبوت علامة القِدَم، فيأتي عوره وتغيره دليلاً على دليل ونقصاناً على نقصانٍ، وأما الدجّال فعيلٌ لأنه يموّه على الناسِ ومنه بعير مدجل إذا طُلي بالقطران، وقيل لعظم أمره وتفاقم خطبهِ ومنه رفقةً دجالةً، إذا كانت كبيرة ومنه دجلة من كبرها في الأنهار (٢).
تنبيه على وهم وتعليم على جهل
رواه بعضهم المسيخُ بخاءٍ معجمةٍ على معنَى فعيل بمعنى مفعول من المسخ وهو، تغير الخلقةِ المعتادة، وكأنه بجهله. كره أن يشترك مع عيسَى ابن مريم في الاسم والصفةِ، فأراد تغييره وليس يلزم من الاشتراك (٣) في الحالات الاشتراك في الدرجات، وقد بينا ذلك في شرحِ الحديث، بل أغربَ من ذلك أنه لا يضر الاشتراك في المحاسِن والهيئات وقد جاء آخر بجهالةٍ أعظم من الأولِ فقال أنه مسّيخ بتشديد السين والخاء المعجمة (٤)، فجاء لا فقه ولا لغة كما قيلَ في الأمثالِ "لا عقل ولا قرآن" لأن فَعيل من
стр. 1101
أبنية أسماء الفاعلين ومسيح من معاني المفعولين، وهما ضدان والله أعلم. فأما صفة النبي ﷺ فأرجأناها لعظمها، وتركناها لمن يطلبها في شرحِ الحديث، فإنها موعبة فيه ولم يستوعبها أحد كاستيعاب هند بن (١) أبي هالة، وهو جزء مجموع (٢)، فلينظر هنالك أيضاً.
بابُ الفطرة
الفطرة هي أصل الخلقةِ، وابتداء النشأة، لكن يعبر بها عن الدينِ ولها أسماء قد تقدَّمت، والمراد بها ها هنا الخصَال التي يكمل بها المرء حتى يكون على أفضلِ الصفات، فذكرها مالك ﵁ خمساً (٣) وذكرها مسلم عشراً (٤)، ومن جملتها "المضمضة، والاستنشاق، والاستنجاء، والختان"، وكل واحد منهما متأكد في الندب واختلف الناس في المضمَضة والاستنشاق، هل هما واجبَان أم لا. فمن قال: إنهما واجبانِ بناهما على أن الفم والأنفَ في حكم الظَّاهرِ بدليل وجوب غسلهما من النجاسة كظاهر البدن، وبنى علماؤنا على قولِ النبي ﷺ للإعرابي (توضأ كما أمرَك الله) (٥) وعلى أنهما باطنان من
стр. 1102
أصلِ الخلقةِ وعلى أن الجرحَ النافذ إِليهِ جائفة، فتعارضت الأحكام وكان مع نفي وجوبهمِا ظاهر القرآن، وكذلك اختلفوا في الختان فأوجبه كثير من العلماء لأنه شعار الدين، وصفة النبي ﷺ في التوراة والإنجيل، ولأنه تكشف له العورة، وسترها فرض، ولو كان مندوباً ما أسقطَ فرضًا، وقد روى مسلم أن النبي ﷺ (وقَّت في الحلقِ أربعين يوماً) (١) والأربعون عَدَد تعلقت به أحكامٌ في السنةِ والقرآنِ، وقد قيل إِن النبي ﷺ ، إِنما اعتبرَها لأنها مدة إقامة موسَى ﷺ عندَ ربه (٢) والذي عندي إِن جَميعها واجبٌ وأن الرجل لو تركها لم يكن من جملة الآدميين، فكيفَ من جملةِ المسلمين.
حديث: أول مَن ضيّف الضيف إِبراهيم ﵇ (٣) وهي سُنة كريمة وخصلة شريفة، كان إبراهيم ﵇، لايأكل وَحدَهُ وصارت تلك سُنة بعده، وقد ذكر المفسرون، أن إبراهيم ﵇ دعَى من يأكل طعامه، فلما تقدم إليه قال له سمِّ الله. قال: لا أدري ما الله. قال له: فاخرج عن طعامي فنزل إليهِ جبريل ﵇ فقال له: إن الله يطعمه منذ خلقه وهو كافرٌ به وبخلتَ أنتَ عليه بلقمةٍ، فخرج يَعدو حتى أدركه فقال له: إرجع. فسأله فأخبره، فآمن وسمَّى الله معهُ وأكلَ (٤)، وقد اختلف الناس في الضيافةِ، فرآها الليث بن سعد واجبةً لقول النبي ﷺ : (من كانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَه، جائزته يوم وليلة وما زاد على ذلك فهو صَدقة) (٥)، وروي أنهم قالَوا: يا رسولَ الله نمرُّ بهم ولا يقرونَا (٦). فقال النبي ﷺ : ..........................
стр. 1103
.............................. (خدْوا الذي لكم) (١). فمن الناس من قال إنه منسوخ بأخبارٍ من جملتها لا يحل مالَ امرىءٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ (٢) منه. ومن الناس من قال إنها واجبة في القرى، حيث لا طعام ولا ماء بخلاف الحواضر، فإن كل من دخلها يجد فيها أينَ يأوي وما يشتري، والحديث الأول لا حجة فيه لأن النبي ﷺ قال: (فليكرم ضيفه)، والكرامة ليست بواجبةٍ والذي يتنخل عند التحقيق حسب ما بيناه في شرحِ الحديث أنها فرض على الكفاية كسائرِ فروض الكفايات (٣) وإبراهيم ﵇ أول من رأى الشيب فقال: ما هذا يا رب فقال وقار فقيل الخبر (٤) هو الكلام كله، فإن من كان قبل إبراهيم ﵇ يراه ولا يسأل عنه فلما غم على إبراهيم ﵇ وأنكره سأل ربه عنه فأعلمه بصفته الحسنَى وسكت له عن عيبه وإنما جعله وقاراً لأنه ينبىء عن ضعف القوى ويذهب بشرةَ الفتوة والصبى، فتسكن الحركات لضعف الشهوات، وقد قال كبار الصحابة ﵃: إن الله سبحانه ما شان نبيَّه بالشيب، ولو كان محموداً ما خضّب، فإنه لا يستر إلا ما يكره، وقد يحتمل أن يكون الشعْرُ، كان لا يتغير لمن سبقَ حتى وجدَه إبراهيم ﵇ والأول أقلُ عناء، وإذا قلنا إن الشيب يغير بالخضاب، فلا تبالي على أي لونٍ كان التغييرُ: بخطرٍ أو بفاغيةَ أسود أو أحمر، وإنما غيَّره أصحاب النّبىّ ﷺ بالحمرة, لأنه هو الذي عَرفوه، وأمكنهم في مواضعهم وقد روي أن النبي ﷺ
стр. 1104
خضَّب بالحناء (١)، ولم يصحَّ وهو مستثنى من الزُّوركتوصيلِ الشعرِ ملحق في التحسين باكتساب الكحل، وقد استوفينا الفَرقَ بينَ التحسينِ المأذون فيهِ وبين الزُّور في شرحِ الحديث استيفاءً شافيًا.
النهي عن الأكل بالشمالِ
ذكرحديث جابر نهى النبي ﷺ أن يأكل الرجل بشماله أو يمشي في نعل واحدةٍ أو يشتمل الصماء أو يحتبي في ثوبٍ واحدٍ كاشفًا عن فرجه (٢)، فأما الثلاث فإنها مكروهة وأما الرابع فإنه حرام لوجوب ستر العورة والنكتة التي تعتمدونها في الفَرق بين المكروه والحَرام، أنه إذا جاء النهي مقرونًا بالوعيدِ دلَّ على تَحريمه، وإذا جاء مطلقًا كانَ أدبًا، إلَا أن تقترن به قرينةٌ تدل على أنه مصلحة في البدن أو في المال على الاختصَاص بالمرء فإنه يكون مكروهًا على حاله ولا يرتقي إلى التحريم، فإن كان لمصلحةٍ تعم الناس صَار حراماً والدليل على ذلك أن للمرء أن يتحمل الضرَر في نفسه، إن كان ذلك يسيرًا، وليس له أن يلحقه بغيره يسيرًا كان أو كثيرًا.
ما جاء في المساكين (٣)
إنما بَّوب عليه مالك ﵁ لأنه اسمٌ شرعي ممدّح في الدين. وفي الحديث: (اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين) (٤). وفيه
стр. 1105
نكتة بديعة وهو أنه محمود في الجملة، كالصّمت محمود في الجملة لكثرة آفات الحركة وكثرة آفات الكلام، وقد يكون الشيء ممدّحًا بذاتِه وصفاتِه وقد يكون ممدحًا بقلة آفاته وترك الشرّ للناس صَدقة لا سيما وقد قال علماؤنا رحمة اللهِ عليهم: إن أوَّل ما خلقَ الله تعالى السكون والحركة بعده ثانيًا، ويستحيل عقلًا أن تسبقه الحركة، فصار السكون ممدَّحًا بأصل الخلقة وبيَّن أيضًا ندبَ الصَّدقة إليه والتحضيض في الخلق عليه فقال: (ردُّوا السائل ولو بظلفٍ محرق) (١) وليس بمثل وإنما هو حقيقة فإنما خاطبَ به قومًا كانوا يأكلون الجلودَ والعدس ويمصُّون النَّوى، فإذا وجدوا ظلفًا محرقًا كانت غايةً لهم في اللذة، وأيضًا فإنه بّين فيه حال المسكين وهو الذي لا شيء له لاختلاف الناس فيه، والفقير والمسكين اسمان مشتركان في وجه (واحد) (٢) مفترقان في آخر، فقد يكون الفقير مسكينًا وقد يكون المسكين فقيرًا، وقد يخرج عنه لأشكالهما اشتقاقًا ولارتباطهما معنى ولفظًا جمع الله بينهما في الصدقة واشتغل الناس لقلة تحقيقهم بأن يطلبوا الفرق بين المسكين والفقير وليس المقصود هذا حتى تفنى فيه الأعمار وتسود به الأوراق وإنما المقصود أن الناس المحتاجين قسمان، قسم لا شيء له، وقسم آخر له شئ يسير فأعطيهما جميعًا من الصدقة وسمّهما كيف شئت فإنما يعرفان بحالهما لا بأسمائهما، فافهم هذا, ولا تضيع زمانك فيه.
стр. 1106
معى الكافر
ذكر حديث أبي هريرة ﵁: (المؤمن يأكل في معاء واحدٍ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) (١) اختلف الناس في تأويلهما على ثلاثةِ أقوالٍ أحدها: أنه حكايه حالٍ وقضية عينٍ اختصت بكافرٍ واحدٍ أو بكفارٍ ثلاثة. أحدهم: الجهجان (٢)، والثاني نضلة بن عمرو (٣)، والثالث: جميل بن بصرة (٤) وقيل إن ذلك عبارة عن رغبة الكافر وحرصه على الأكل والجمع, لأنه لا يعلم المقصود من الدنيا ولا المطلوب من الغذاء، فإذا آمن أمن وعلم قدر ما خلق له قصَّر شهوته، وحذف مساحةً كثيرة من بطنه.
الثالث: قالت الصوفية: المؤمن يأكل في معاء وهو التقوى على عبادةِ الله والأخذ بمقدار الحاجة لما يديم حال البدن على الاستواء والصحة والكافر يأكل بسبعةِ وجوهٍ، ضرب لكل وجه مثلًا بالمعاء حتي صارت سبعةَ أمعاء الأول أنه يأكل عائشة. الثاني أنه يزيد رغبةً فإنه يرى أن اللقمة في بطنه خيرٌ من عشرةٍ في جليسه، ثم يسمع وصفَ الطعام بأُذنه فتجدَّدُ له شهوةً، ثم يراه فتجدَّد له أخرى أو يشم قتَّارة (٥)، فإن ذاقه زاد التجدد، وقد يتجدد له شهوةً باللمس إذا وجده لينًا، وهكذا حواسُه الخمس التي خلقها الله تعالى له للعبرة
стр. 1107
يجعلها هوعلاقة للشهوة فتصير له سبعة طرقٍ يأكل بها، ويجمع بسببها.
النهي عن الشرب في آنية الفضة
ذكرَ حديث أم سلمة، والحديث صحيح من طريق حذيفة وغيره: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) (١) وفي الصحيح نهى النبي ﷺ عن الشرب في آنية الذهب والفضةِ والأكل فيهما (٢)، وذلك للسرفِ والتشبه بالأعاجم، وقد قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة) (٣). وهذا نهي محرَّم باتفاق لأنه اقترن به وعيدٌ، وأما نهي النبي ﷺ عن النفخ في الشراب (٤)، فإن كان الرجل يشربُ وحده فهو مكروه لئلا يعتادهُ وأما إن كان مع غيره فهو حرام أما فيه من تقذّر الغير وهو أحد الوجهين في الشرب من في السقاء (٥)، وأما شرب
стр. 1108
الرجل وهو قائم (١) فهي مسألة عُني بها المبتدعة من نفاةِ القياسِ, لأن النبيَّ ﷺ نهى عنها وأمر في الصحيح أن يستقى من شربها (٢) وقد شرب النبيُّ ﷺ وهو قائمُ على بعيره بعرفة (٣) وأدخلَ مالك ﵁ فعْل الخلفاء عمر وعثمان وعلي ﵃ (٤)، وأدخل فعل عائشة (٥) ﵂، فلا أهله ﷺ عرفت ذلك من فعلِه ولا خلفاؤه، فكيف يلتفت إليه، فأما إنه لم يصحَّ، وإمَّا إنه كان منسوخًا، وإما كان أدبًا لمصلحة البدن فإنه إذا شربَ قائمًا مستعجلًا أضرَّ ذلك به في مجرى العادة فكان النهي لأجلهِ.
ما جاء في الطعام والشراب
الطعام والشراب خلقة للآدمي وعادة. فأدخل مالك ﵁ ما تعلق به في الحديث من ذكرٍ في أي نوع كان على معنى الجمع لأنه في كتاب الجامع، ثم بدأ بحديث البركة والمعجزة للنبي ﷺ في شأن أم سليم حين جعلَ الله تعالى له قليل الطعام كثيرًا (٦)
стр. 1109
وهي معجزة من ألف معجزةٍ، قيدناها له، ومعجزاته أنواع منها تكثير القليل، وتقليل الكثير والارتفاع في الهوى من الثقيل وإنطاق العجماء، وتغير العالم العلوي بانشقاق القمرِ، وإنشاء السحاب وإرسال المطر واضطراب الشجر، وذلة العزيز، وعزة الذليل، وقبض الأيدي عن الحركات، والألسن عن النطق إلى أن ينتهي في عددها إلى ألفٍ فلتُنظر في مسطورها في كتاب أنوارِ الفجر. حديث: طعام الاثنين (١)، زاد فيه مسلم وطعام الأربعة كافي الثمانية (٢)، واختلف العلماء في تأويله، فمنهم من قال: إن معنَاه أن الرجل لا يجوع على نصف عادته فتحصل له فضيلة المشاركة، ولا يحس بنقص العادة. وقيل إن معناه أن الله تعالى يضعُ من بركته فيه التي لنبيه فيزيدهم حتى تكفيهم وهذا إذا صحت نيتهم فيه وانطلقت ألسنتهم به، فإن قالوا لا يكفينا. قيل لهم النبلاء موكل بالمنطق. حديث: قال جابر بن عبد الله قال النبي ﷺ : (أغلقوا البابَ ...) (٣) إلى آخره أما قوله: (فإن الشيطان لا يفتح غلقًا). فإن الله تعالى خلق الشياطين يتصرفون في الهيئات تصرفنا في الحركات، فكما يكونُ الإنسان قائماً وقاعدًا أو ماشياً وجالسًا، ويمنةً ويسرةً، وخلف وقدام، فإن الشيطانَ تارة يكون إنسانًا وتارة يكون ثعبانًا، وتارةً يملأ الأفق وتارةً يكونُ بعوضة، ويلطف حتى لا يحس المرء بمحاربةٍ فيه، لكن هذا التصرف كله إنما هو خلق الله تعالى فيه، فإنه تعالى خالقُ كل شيء هو تعالى يقبضه ويبسطه، فإذا أغلقت البابَ لم
стр. 1110
يجد الشيطان منفذًا ولو كانت الفرجة التي تحته ذراعًا في عشرةٍ وكذلك إذا أوكأت السقاء، ولو أن تعرضَ عليه عودًا، فإنه يكون ذلك العود في حقه كالقفل العظيم، وأما إطفاء النار فإنها عدو لنا حالَ الله بيننا وبينها، وإنما أعطينا منها في الدنيا بمقدار الحاجة برسم التذكرة، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (١) كأنه قال تعالى لنا هذا عدوّك فسخّره واحترز منه ومن أعوانِ هذا العدوّ الفسَّاق، كالفأر وغيره، فإذا أطفأت المصباح لم يجد الفاسق سببًا. حديث أبي هريرة في سقي الكلب العاطش (٢) ومثله في الصحيح: أن بغيًا من بغايا بني إسرائيل رأت كلبًا يأكل الثرى من العطش فنَزَعَتْ موقها فسقته، فغفر الله لها (٣) اختلف الناس في تأويله فمنهم من قال إنما كان الغفران لهذا المذنب بأن وفقه الله تعالى بعد ذلك للتوبة، فكان هذا الفعل سببًا لأن رزق التوبة، والتوبةُ سببًا للمغفرة، ومنهم من قال إن هذا الفعل بنفسه كفَّر (٤) الزنى بعظمه لأن الله تعالى إذا كانت له في العبد إرادة سبقت له عنده عناية ضاعف له الحسنات، حتى تغلب السيئات حتى تكون كالجبل العظيم كما في الحديث الصحيح، وليس يمتنع أن ضوعف لهذا الأجر حتى وازي الزنا، فضلًا من الله تعالى. وقيل بل وازاه بنفسه لأن فيه إحياء نفس. حديث أبى عُبيدة في الحوتِ (٥)، زاد فيه مسلم فائدة هي في معناه (٦)، وقد قدمناها،
стр. 1111
وهذا يدل على حله. حديث: قال رسول الله ﷺ : (قاتل الله اليهود (١) نهوا عن أكل الشحوم). الحديث ليس في الأمم طائفة أعظم تعلقًا بالظاهر من اليهود ومنه هلكوا، فإنهم رأوا في التوراة: جاء الله ونزل الله. فأخذوا بظاهر هذه الألفاظِ، فاعتقدوه جسمًا، ونهُوا عن الصيد للحوت، فكان يأتيهم يوم سبتهم ويوم لا يسبتون لا يأتيهم (٢). فسكّروا الجداول يوم السبت، فلما أراد الحوت الخروج فلم يجد منفذًا فجروه في يومِ الأحد فأخذوه فمُسخوا قردةً وخنازير (٣)، ونهوا عن أكلِ الشحوم، فقالوا نبيعها ونأكل ثمنها لأن أكلَ الثمن ليس بأكل المثمن، وهذه الطريقة أراد أن يسللها داود (٤) في الدين فقال ما قال الله تعالى لا يزاد عليه فهمَّ بالبنيان وهدم الكل ولأجل هذا كان مذهب مالك ﵁ أشرف المذاهب، لتتبعه المعاني وإعراضه عن الظاهر، إذا وجدها. ألا ترى إلى قوله فيمن حلَف ألا يأكل الطعام وألا يلبس هذا الثوب أنه لا ينتفع بهما في حالٍ (٥) إذا كان
стр. 1112
المقصود معنى المنّ (١) أو ما يعُمّ وقال أبو حنيفة والشافعي يبيعه ويأكل ثمنه وهذه فتوى يهوديّة (٢). حديث: قال عيسى ابن مريم: (يا بني إسرائيل عليكم بالماءِ القراح) (٣) إلى آخره. خلق الله تعالى لابن آدم حاجةً إلى الطعام والشراب وركَّب له الشهوة أكثر من الحاجة وندبه إلى ترك الشهوات والاقتصار على المقدار المحتاج إليه مقدارًا وصفةً، لباسًا ومطعمًا فلا يأكلن كثيرًا ولا يلبسنَّ رقيقًا، ولذلك قال في الحديث (حسب ابن آدم لقيماتٍ يقمَن صلبه) (٤) وندبَ إلى الاقتصار على جلف (٥) الخبز والماء ولو أن الخلق بأجمعهم ينتدبون إلى ما ندبوا إليه من ذلك لهلكوا لأنها كانت تذهب القوة التي تكونُ بها عمارة الدنيا، وإقامة معاش الخلق فيها وإشباعهم فلم يكن بدّ من الزيادة في الأكل وجودًا لإقامة الدنيا وتهيئة أسبابها ولم يكن بدّ من الاقتصار على القليل لإقامة السنة ولتضعيف الشهوة حتى تستتر المعصية، وتظهر الطاعة ولما انتهى العلم والحكمة إلى هذا القدر قسم الله تعالى الخلق قسمين، قسمًا يسَّر لهم التقليل والطاعة، وقسمًا سخَّره للكثرة وقدَّر عليه المعصية وأمرَ الأنبياء عيسى ومحمداً وسواهما أن يندبوا الخلقَ في الجملة ثم يظهر بالتيسير من أرادَ الله بهِ العصمة ويظهر بالتسخير من قدَّر الله تعالى أن يقَع في الورطة وقول عيسى ﵇ فإنكم لن تقوموا بشكره كلام صحيح، فإن شدة الجوع وستر العورة على الإطلاق والجملة بأول درجات الحاجة نعمة عظيمة، إذا أراد المرء أن يعلم مقدارها فلينظرها في سواه، وليقدرها في نفسِه، فكيف أن يضم إلى ذلك الإسراف حتى تنكسر الشهوة في لذة الطعام، وفي زينة اللباس وإذا استرسل على ذلك هَلك ولم يتأت له أملٌ، فإنه أمد لا غاية له ولهذا
стр. 1113
المعنى قيل للنبي ﷺ : ﴿ولَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ - إلى قوله - خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١) حديث أبي الهيثم بن التيهان أدخله مالك ﵁ بلاغًا (٢) وهو صحيح مسند، وكان مقصده فيه أن يبين معيشة النبي ﷺ وأصحابه فإنهم كانوا إذا وجدوا تمتعوا, وإذا فقدوا صبروا، وإذا رأوا ذا الحاجة عادوا عليه بما في أيديهم حتى يعودا مثلهم، وهذا أمرٌ لا طاقة لأحدٍ به وأنتَ ترى المحتاجينَ إلى الغذاء العراة من اللباس، وبأيدي الخلق من الأموال ما لو أخرَجوا منها مالا يعاش به ستروهم وأشبعوهم ولكن الله تعالى قبضَ أيديهم حتى يحكم فيهم ليهلك من هلك عن بينةٍ ويحيي من حيّى عن بينةٍ، وفيهِ من السَّنةِ أن النبيَّ ﷺ لما غلبته الحاجة خرج ليستطعم كما فعلَ أخوه موسى ﵇ مع الخضر حين أتيا أهل قِرية استطعما أهلها (٣). ورأى الصوفية الصبر على القضاء حتِى يأتي الرزق قسرًا، وقد جرَّبوا ذلك فوجدوه وجاءهم كما أرادوه. وقيل لبعضهم وقد حض على التفويض والتوكل، ونهى أن يتعرض أحدٌ للطلب أو يعلم بشرًا بالحاجةِ، قال له بعضهم فادخلَ في بيتٍ واطمس عليك الباب وافتح في أَعلاه كوةً حتى ترى إن نزل عليك منها رزق. قال: والله فعلتُ ذلك تسعة أشهر، والتجربة تقع في ثلاثةِ أيام وهذا الذي قالوه حق في دينِ الله تعالى وفي سيرته وحكمه ولكنها منزلةٌ رفيعة لا تتأتى لكل أحدٍ، وقد كان النبي ﷺ أحق الخلق بها وأقدرهم عليها وأولاهم لرفيع مرتبته بها وكذلك موسى ﵇، ولكن الله أراد أن يعزّي الخلق بهم أن يسنَّ السنَّة بهم لما علم من ضعفِ توكلهم، وقلة صبرهم والخروج عندَ الحاجة يكون على وجهين، إما بالتعرض من غير سؤال كما فعلَ أبو هريرة ﵁ حين خرج يستقرئ القرآن لعله يفهم في صوته الجوع صيانةً لماءِ الوجه مع التوسل بالأعمال بالحاجة فلم يفهم أحدٌ ذلك منه ممن تعرَّض له إلا رسول الله ﷺ وإما أن يخرج إلى شخصٍ معينٍ يغلبُ على ظنه أنه يرفع حاجته، وإما أن يعرضَ نفسَه على كل أحدٍ وهي
стр. 1114
الغايةُ من الكشفة ولكنه ينبغي أن يتنزَّل المرء في هذه المنازل ويأخذها أولًا فأولًا على هذا الترتيب حتى يحكم الله تعالى بإيقافه حيث شاء منها وأما خرج النبي ﷺ في أصحابه إلى أبي الهيثم وخبزَ لهم وذَبح واستَعذب فبلغوا ما أرادوا من ذلك، قال لهم النبي ﷺ (لتسئلن عن نعيم هذا اليوم) إشارةً إلى أنهم لو وجدوا كسرةً تقيم الصلب، وتحفظ القوة لكان في ذلك كفايةً ونعمةً، وكيف وقد وجدوا الأثافىّ الثلاثة التي يقوم بها قدر اللذة وهي الخبز واللحم والماء البارد، وقد اختلفوا في ضبطِ قوله لتُسئلنَّ هل هو بالتاءِ على معنى خطاب النبي ﷺ للقومِ أو بالنون على معنى الإخبار عنه وعنهم والنبي ﷺ لا شك مسؤول ولكن مضمون عنه صحة ما يقول وسائر الخلق يتفاوتون في المرتبة فأقواهم حجة أعظمهم سلامة وخصوصًا أبو بكر وعمر ﵄, ولأجل هذا طرح لعمر ضاع من تمر فأكله لحاجته إليه ولو فَقده لصبر عنه (١)، فقد صبر ما لم يقدر أحد عليه وذلك أنه لم يأتدم طول ما أجدب الناس حتى أخصبوا (٢). حديث أبي هريرة، ﵁ في الأضياف والغنم لما نزل الأضياف بأبي هريرة ﵁ أرسل إلى أمه في أن ترسل إليه (٣) شيئاً وهكذا سُنّة الضيف المقدّم إليه نزل يتشاغل به حتى ينظر فيما يُصلح له وقد أخبر النبي ﷺ أن نزل أهل الجنَّة الذي يقدم إليهم أول دخولهم حتى يستوفوا سائر نعيمهم (ثورٌ وحشي وحوت مشوي يأكل من زيادة كبدها سبعون ألفًا) (٤) وليس ذلك عن حاجةٍ وإنما هو مثال تجري عليه
стр. 1115
الألسنة، ولن تجد لسنة الله تبديلًا وأما قوله إنها وضعت زيتًا وملحًا وأقراصًا، فإنما وضعت الملح لأن أهل تلك البلد لا يجعلون في خبزهم ملحًا لأنَّ إدخال الملح فيه يفسد هيئته وينقص لذته وإنما يأكلونه بالملح أو يكثرون الملح في الإدام فلما رآه أبو هريرة كبَّر وحمد الله تعالى على أن أشبعه من خبز قد كان قبل ذلك لا يقدر عليه تذكرًا على حق النعمة لما سبق من فقدها وتنبيهًا للأضياف على القدر الذي حضر منها وقوله أحسن إلى غنمك الإحسان إلى البهائم أصلٌ في هذا الدين حتى في ذبحها قال النبي ﷺ : (إذا قتلتم فاحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) (١) ثم قال (وامسح الرغام عنها)، يروى بالعين والغَين وهما سواء وهو ما يسيل من الأنف ويسمى من ابن آدم الذنين، وذلك يكون بقدر منازل الحيوان في الانتفاع فقد كان النبي ﷺ : (يمسحُ بردائه عن فرسه وذلك لعظيم منزلته وفضل الانتفاع به) (٢) وقوله إنها من دواب الجنّة فأضافها إلى الجنة تكرمة كنَّى به عن ضعف منهُ صاحبها حتى تقف به على شغله، وتحبسه عن عبادته، وتضعف همته عن المصاولة والمناضلة بخلاف الإبل، فإن همة صاحبها تتطاول إلى المقارعة وشدّ الرحال عليها إلى ما شاء الله تعالى من المطالب والأغراض في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (الإبِل عز لأهلها والغنم بركة والخيلُ معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) (٣)، حديث. كان عمر ﵁ ينهى عن اللحم (٤)، إذا كان ضراوة للمرءِ حتى أنه رأى
стр. 1116
جابر بن عبد الله ومعه حمَّال منه فعاتبه وقال: إني (١) أخشى أن تكون ممن قال الله تعالى فيه ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ وهذا الذي ندب إليه عمر ﵁ من أداب الشريعة، فإن من حسن معاش المرء إلَّا يسترسل على الشهوة دائمًا، فإنه إذا اعتادها ففقدها لم يستطع الصَّبر عنها فأما أن يتكلف ما لا يجوز، وإما أن يقيم معذب النفسِ، هذا إذا قام بحقها، وأما إن قصَّر فيه مثل أن يشبع، فلا يطيع أو يبيت شبعانًا أو جاره طيّانًا، فقد صار ذلك في حد المعصيةِ وخرج عن باب المباحِ وفي مثله يقال ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا, واستمتعتم بها﴾. يريد فلم تطيعوا ولم تواسوا.
ما جاء في لبس الخاتم
ذكر حديث ابن عمر أن النبي ﷺ (كان يلبسُ خاتمًا من ذهب ثم نبذه) (٢) والأصل في الخاتم وسبب كسبه أن النّبيّ ﷺ أرادَ أن يكتب إلى الأعاجم فقيلَ له إنهم لا يقرأون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا كله من فضةٍ (٣) فصّه منه (٤) وقد نبذَ خاتمًا كان في يده من فضةٍ (٥) والذي استقرَ عليهِ الحال أنه اتخذ خاتمًا فضهُ من فضة وزن درهيمن وقد جاءَ إلى النبي ﷺ رجل وعليهِ خاتم من شبهِ يعني الصفر فقال له: (إني لأجدُ منك ريح الأصنام)، وجاء إليه
стр. 1117
آخر وعليهِ خاتم من حديدٍ فقال له: (إني أرى عليه حلية أهل النَّارُ)، وجاءه آخر وعليه خاتم من ذهب، فقال: (اطرح عنك حلية أهل الجنّة) (١)، وقد روي أنه كان للنبيّ ﷺ خاتمًا من حديد وقد لوِّي عليه بفضةٍ (٢)،وروى ابن مسعودٍ قال كان النبي ﷺ يكره عشر خلالٍ من البدعة، كما كان يحب عشر خلالٍ من الفطرة. قال ابن مسعودٍ: الصفرة يعني الخُلوق، وتغيير الشيب وجرّ الإزار والتختم بالذهب والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم، وعزلِ الماء، وفساد الصبيّ يعني الغيلة (٣). وقال علي بن أبي طالب ﵁: نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في هذه وهذه يعني الوسطى والسبَّابة (٤) فتأوله الترمذي على أنه يكره التختم في الإصبعينِ، وليس كذلك وإنما المعنى فيه والله أعلم ألا يتشبَّه الرجال بالنساء بالتختم في الأصابع كلها، وقد صح عن النبي ﷺ أنه تختم في يمينه (٥) وفي يساره (٦)، واستقر الأكثر على أن يتختم في اليسار (٧) وهي زينة مرخص فيها أصله الحاجة كما قدمنا ولكن رخّص فيها لجميع الأمة
стр. 1118
وليس لها عندي معنى بل هي ثقل لليدِ وشغل للبال.
بابُ العين
قد بينا في كل موضعٍ بتأييدِ الله تعالى وتوفيقه، أن البارئ تعالى هو الخالقُ وحده فليسَ في السمواتِ والأرض حركة ولا سكنة ولا كلمة ولا لفظة إلا والبارىء تعالى هو خالِقها في العبد ومصرفها فيه ومقدرها له وهو تعالى يرتب أفعالهُ وينظم أسبابها ويرتب الفوائد على الأسباب ولو شاء لقطعَ الروابط وخلق الكلِ ابتداءً، وكذلك يفعلُ في بعضِ الأشياء والمحال لينبه الغافلين على ذلك من سيرته فالناس بغفلتهم يتعلقون بالأسباب وينسون المسبب، وإنما ينبغي أن ينزل كل شيء على مرتبته. فيقال إن الله تعالى فاعل لكل شيء وأجرى العادة بكذا، وقد يفهم الخلق حكمة الله تعالى في الأسباب والمسببات وتلك نعمة منه تنشرح بها الصدور، وقد تقصر معرفتهم عنها فيجب التسليم لها، فليس يلزم السيد أن يطلعَ العبد على شيء من أسراره، فكيف على جميعها، فما عرَّفه به منها فليحمده عليه فهوَ البرّ الرحيم. فمن الأسباب والمسببات المنتظمة في العالم أن الله تعالى خلقَ النفسَ على صفاتٍ يطول تعدادُها بمعرفتها تعرف ربها، فإن من عرفَ نفسه عرفَ ربه وقال تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (١) وليس ذلك كما قال بعضُ العلماء أن يكونَ الشراب والطعام يدخل من منفذ واحد ويخرج من منفذين، ولا أن الخبر يقعُ من عضوٍ واحد وهو اللسان في عضوين وهما الأذنان بل هذا القدر جزء من مائة ألف أو أكثر من ذلك مما لا يحصى من حكم النفس وقد أوردنا منها في أنوار الفجر، في مجالس الذكر ألف حكمةٍ وكان ذلك يسيرًا جدًا بالإضافة إلى من (يعلمه) (٢) هو أعلم منَّا أضعافًا مضاعفةً فمن أثارِ النفس ما يظهر على الجسم في حالات مختلفةٍ فأضعفها ما يتعلق بها من التوهم حتى يظهرَ في أثره في البَدن معجلاً ويحدث الله تعالى فيه فعلًا غريبًا يكون سببه والمقدمة إليه التوهم الذي علقته النفس مثاله أن العبد يمشي في الأرض على مقدار من المساحة سعته ذراع ولو مشى على مثله في
стр. 1119
جدار عال أو على هدف كثير الانخفاض لسقط في الحال لما تحدثه به نفسه من السقوط فلا يزال ذلك الحديث في نفسه يتصل حتى يظهر الله تعالى أثره في البدن بالسقوط وقد يظهر من النفس أثر ثان في غيرها وفي محل آخر (١) سواها إنما يكون من اعتقادها وقبولها مثاله العين، فإن النفس إذا رأت صورة تستحسنها فغلب ذلك عليها واستولى على القلب فيها فإن لم ينطق بحرف لم يخلق الله تعالى شيئًا وإن نطق بالاستحسان والتعجب من الحال فقد أجرى الله العادة بأنه لم خلق النطق بالاستحسان والتعجب من العائن خلق الله تعالى في بدن المعين المرض والهلكة على قدر ما قدر الله تعالى من ترتيب الأمرين وما سبق في علمه تعالى من تأثير الوجهين فلذلك نهى العائن عن القول والباري تعالى وإن كان سبق من حكمه بالوجود بذلك فقد سبق من حكمته أن العاثن إذا برك سقط حكم فعله ولم يظهر له أثر والباري تعالى يرد قضاءه بقضائه والأمر كله لله ومن حكمته تعالى أن جعل غسل المعين بوضوء العائن مسقطًا لأثر عينه ومن غريب حكمة الله تعالى الذي لا تهتدي إليه العقول ولا يتأدى وجه حكمته إلى المعقول أن يغسل من العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره ثم يجمعُ في قدحٍ ويصب عليه، وقد رأيتُ جماعةً من الملاحدة بديار والمشرق يعترضون على هذا ويقولون إنه كذب منكم أو حيلة ممن تنسبونه إليه. قلنا لهم هذا يردُه أمران عظيمان، أحدهما الوجود فإنا نرى العينَ تؤثر في المعين ثم نرى الشفاء يحصل في الحالِ. وأما الثاني فليس يمتنع أن تكون خاصة لا يعلمها إلًّا خالق العام والخاص إطلع عليها رسوله ﷺ ، وهذا كما نظمتم أنتم طبائع إلَّادوية على طبائع الخلقة الآدمية فيما يعرضُ لها من المعاني التي تعدل بها عن مزاجها الأصلي ثم لما إن وجدتم أشياء تنفع في تعديل المزاج ولم تروْا بينها وبين المزاج مناسبةً، قلتم هذه خاصة وجمعتم منها عشرة آلافٍ ولم تسامحوا لنا في عشرةٍ ص. فإن قلتم إن الوجودَ يشهدُ لنا. قلنا والوجودُ يشهدُ لنا ونحنُ نقول إن الكلَ لله تعالى وتدبيره فإذا سلمتوه قسرًا بالدليل فعبّروه كيفَ ما يسَّر الله تعالى على ألسنتكم ومما يجري مثله في الوجهِ الثاني في السحرِ، فإن الله تعالى قدرَ به في العالم في جملةِ المضرّات كما قدر سائرها، وهو فعل غريب يحدثُ عند قول الساحر وفعله في جسم المسحور أو ماله وضعَه الله تعالى في الأرض بمشيئته وحكمته فتحق الكلمة على من سبقت عليه بالهلكةِ وهو كفر في نفسه لأنه لا يتأتى إلا بالكفرِ، وقد بينا حقيقته وحكمه في كتاب
стр. 1120
أحكام القرآن (١)، وشرح الحديث وكتب الأصول ومن فصول الشريعة وفضلها وحكمتها البالغة ما وضع الله من الرقى في إذهاب الأمراض من الأبدان بها وإبطال سحر الساحِر منها وردَّ عين العائن عند الاسترقاء بها ودفع ضرر كل مضرٍ بإذن الله سبحانه بالشّخص فيها وذلك لا تستقر به نفوسكم ولا تنشرح عليه صدوركم، إلا إذا علمتم أن البارئ تعالى هو الذي خلقَ الشفاء عند استعمال الدواء لاحظ في الدواء في ذلك إلا جري العادة، وإن الذي يشرب الغاريقون (٢) فإذا وقعَ في معدتِه ألان الله تعالى به (٣) البلغم، فأخرجه عنه وأبقى سائر الأخلاط على صفتها، وكذلك إذا شربَ السقمونيا (٤) فاستقرت في معدته ألان الله تعالى له الصفراءَ، فأخرجها عنه وترك سائر الأخلاط على هيئتها فيا عجبا لقومٍ يدعون أن الغاريقونَ والسقمونيا يفعلان هذا الفعل الغريبَ أو يصحُّ في عَقل واحدٍ أن يكونَ جمادًا فاعلًا، فإن قال ذلك طبع فيهما. قلنا: كلمةُ باطل أريد بها (باطل ما) (٥) الطبع والتّطبع، إنما هو الله تعالى يصرف مخلوقاته كيف شاء، وكما يصرفُ الأفعال الغريبة داخل البدن بالأدوية كذلك يصرفها من خارج البدن بالرقاء والتعويذ وقد شاهدنا ذلك والمشاهدة أقوى من الدليل النظري وقد استوفينا الكلام مع هؤلاء في كتب الأصول فإن قيل فإذا جوّزتم الاسترقاء فهل يجوز أن يسترقي الرجل بالكافر (٦) قلنا ذلك جائز فدعهم يقولون فإن قالوا حقاً
стр. 1121
وخلق الله تعالى الشفاء فذلك المطلوب في الوجهين وان قالوا باطلًا فخلق الله تعالى الشفاء ربحنا وخسروا فإن قيل وهل يجوز التعالج بالأدوية كما يجوز التعالج بالرقاء قلنا: قد قال مالك ﵁ ترجمة على هذا المعنى تعالج المريض (١) وذكر حديث زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال لرجلين من أنمار: (أيكما أطب؟ فقالا: أوفي التطبيب خير يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : أنزل الدواء الذي أنزل الداء) (٢). وقال ﷺ : (في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام) (٣) وقال أيضًا: (إن يكن الشفاء ففي ثلاث شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار) (٤) وقد قال أبو رثمة لرسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: أنا طبيب قال له: (الطبيب الله بل أنت رفيق) (٥). واختلف الناس في هذا المعنى على ثلاثة أقوال:
الأول: ترك التطبيب والاستسلام لأمر الله تعالى والتوكل عليه أخذًا بقوله ﷺ : (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) (٦) وكذلك قيل ................................
стр. 1122
............................................. للصديق (١) في مرضه: ألاندعو لك طبيبًا قال: الطبيب أمرضني (٢) وكذلك لما لد (٣) النبي- ﷺ في مرضه اقتص منهم وقال: (لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا العباس فإنه لم يشهدكم) (٤).
الثاني: وقالت طائفة أخرى يتطبب إذا نزل الداء كما أمر النبي- ﷺ حين ذكر الداء والأدواء وما ذكرها إلا تعليمًا فقد كان ﷺ يطبب أصحابه إذا نزلت بهم الأدواء (٥) فيكويهم كما فعل بالسعدين (٦) ويسقيهم، كما قال للرجل حين جاءه فقال له إن أخي يشتكي بطنه: اسقه شربة عسل ثم عاد إلى الشكوى فعاد له القول (٧)، الحديث.
стр. 1123
وقد أمر النبي- ﷺ بالغسل من الحمى فقال: (فأبردوها بالماء) (١) وقد أمر ﷺ أن يصب عليه في مرضه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن (٢) وقد استرقى بجبريل وقال له باسم الله أرقيك والله يشفيك (٣).
القول الثالث: وقالت طائفة أخرى يجوز التطبب قبل حصول الداء احترازًا منه واستدامة للصحة التي هي قوام العبادة وهذا كله قد استوفيناه على التفصيل والتطويل في شرح الحديث لانتشار أطرافه وكثرة تفاصيله والذي يضبطه الآن ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أن التطبيب جائز من غير شك لا يحط المرتبة ولا يقدح في المنزلة وذلك إذا نزل الداء فأما قبل نزوله فقال علماؤنا إن ذلك مكروه والذي عندي فيه أنه إذا رأى المرء أسبابه وخشي من نزوله فإنه يجوز له قطع سببه بالتداوى فإن قطع السبب قطع للمسبب ولو كان التداوي يحط المرتبة والاسترقاء يقدح في المنزلة ما استرقى ﷺ ولا رقى ولا تداوى فأما قوله هم الذين لا يسترقون الحديث ففيه ثلاث تأويلات الأول هم الذين لا يسترقون بالتمائم كما كانت العرب تفعله التأويل الثاني هم الذي لا يسترقون قبل حلول المرض التأويل الثالث هم الذين لا يسترقون عند اليأس كما فعل الصديق. فإن قيل لو ترك رجلٌ التطبب والاسترقاء أصلًا وتوكل على الله تعالى وفوض أمره إليهِ ولم يستعمل رقيةً ولا دواء. قلنا إن صحت نيته وتناسبت أفعاله فهي منزلة كما قلنا وقليل ما هم وإن لم تتناسب أفعاله فقد ترك سنةً، وإنما يترك التطببُ كما قلنا في حالين قبل الداء وسببه وعند اليأس كما فعل الصديق وكما فعلَ عمران بنِ حصين فإنه قد كان صار له الداء زمانة حتى لزمه أربعين عامًا والزمانة لا يبرأ منها أبدًا فاستعمل هو الكي مع اليأس فما أفلح ولا أنجح وحطت
стр. 1124
مرتبته، فتركت الملائكة السلام عليه ثم تاب فعادت إلى السلام عليه (١).
الفصل الثاني: قلنا هذا الذي ذكر النبي- ﷺ من التداوي والأدوية ذكر العلماء أنه خرج على أحد قسمي الطب، والطب عندهم قسمان: الطب القياسي وهو يوناني، والطب التجاري وهو طب الهند والعرب فخرجت أجوبة النبي- ﷺ على مذاهب أهل التجربة لتأتي العرب بما كانت تعتاده دنواً منها وتقريبًا للمرام عليها.
الفصل الثالث: هذه الأصول التي ذكر النبيُّ ﷺ هي جماع أبواب الطب ما أشرنا إليهِ منها ومَا تركنا وذلك أن الأمراض إنما تكون بغلبةِ الدمِ أو بالأخلاطِ حتى ينحرف البدن عن سنن الاعتدال الذي أجرى الله تعالى العادة باستمرارِ الصحة معه فإن تتبع الدم فدواؤهِ الاستخراج والحجامة نوع من خروجه وقد احتجم ﷺ (٢) ولم تنقص منزلته وأما سائر الأخلاط فدواؤها الإِسهال والعسل أصلٌ فيه ولذلك لا يخلو معجون منه واتفقوا على أن السكنجبين (٣) هو شراب الطب وحده وغيره من الأشربةِ إنما هو تركيب أدوية، وأما الكي فهو من أنواع الطب ولكنه لرهبته هو آخر الأدويةِ فلا يلجأ إليه إلا عند الضرورة. وقد قال
стр. 1125
النّبيُّ ﷺ : (في الحبِّة السوداء شفاء من كل داءً إلا السَّام) (١) فقال علماؤنا إن هذا خرجِ مخرج العموم، والمراد به الخُصوص وذلك أن الغالب من الأمراضِ إنما هي الرطوبات فنبَّه به على أمثَالِه ورأيت بعضَ علماءِ الطب يقول إنما أراد بذلك الشونيز (٢). التنبيه على أنَّ كل دواءٍ وإن كان للحارِ اليابس لا بدَّ من أن يكون فيه حار يابس ويسمون الأدوية الباردة الرطبة (٣) وللأدواء الحارة اليابسة جثة ويسمون ما يضيفون إليها من الأدوية الحارة اليابسة أجنحة هذا منتهى كلامه وهو صحيح مليحٌ وقد مهَّدناه في شرح الحديث، وكذلك سقيه العسَلِ لصاحب الإسهال أصل في أنّ كل تخمةٍ أو داءٍ غالبٍ من خلطٍ لا يعافى إلًّا بإخراج ذلك الخلط، فإذا أجرى الله تعالى العادةَ بخرُوجه فليعن على الخروج حتى إذا نفد الخلط ارتفع المرض فهذا هو الذي راعى النّبيّ ﷺ في الأمرِ بالعودةِ إلى الشرب والسائل يجهل هذا القدر ويعود إلى الشكوى حتى قال النبيّ ﷺ (صدق الله العظيمَ)، يعني في قولهِ: ﴿شفاء للنّاس﴾ (٤) وكذبَ بطنُ أخيك فيما رأيت من أمرهِ) ويتركب على هذا أصل عظيم من الطب وهو أنّ الدواءَ إذا لم يرفع الداءَ فلا يخرجه ذلك عن أن يكونَ دواء، فإن البارئ تعالى إن شاء أن يخلقَ الشفاء عقب الدواء خلقه وإن شاء أن يمنع منه بعارضٍ آخر وبغير عارضٍ منع، وقد أخبرني بعض علمائنا أن بعض الناسِ أصابته حمى (٥) فاغتسل بالماء فزاده ذلك شدة فقال في قولِ النبي- ﷺ كلاماً لا أرضى ذكره، وكان ذلك بجهل المتناولِ للماءِ فإن قولَ النبي- ﷺ : (أبردوها بالماء) أو بردوها يحتمل وجهين أحدهما أن يكونَ ذلك بشرب الماءِ البارد، فإنه قد يطفئ الحرارة الباعثة للداءِ ويكون من أحدِ الأدويةِ وقد شاهدتُ هذا في نفسي فإنه كان عندي عليلٌ فكان يستدعي الماء كثيرًا فخفت عليه منه وتوقعتُ أن يرميه في نفخٍ فمنعته وكان ذلك برأي بعضهم فلقيتُ بعضَ أهل الصناعة فحدثته بمرضهِ وصفة حالهِ فقال قتلته إسقهِ الماء يبرأ فكان ذلك ويحتملُ أن يكونَ التبريدُ بالماءِ في الأطراف لا في جميع البدن ألا ترى أسماء كيف كانت تصب الماء على المحموم بينه وبينَ ثيابه ولا تصبه على بدنه كله (٦).