← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وخلق الله تعالى الشفاء فذلك المطلوب في الوجهين وان قالوا باطلًا فخلق الله تعالى الشفاء ربحنا وخسروا فإن قيل وهل يجوز التعالج بالأدوية كما يجوز التعالج بالرقاء قلنا: قد قال مالك ﵁ ترجمة على هذا المعنى تعالج المريض (١) وذكر حديث زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال لرجلين من أنمار: (أيكما أطب؟ فقالا: أوفي التطبيب خير يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : أنزل الدواء الذي أنزل الداء) (٢). وقال ﷺ : (في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام) (٣) وقال أيضًا: (إن يكن الشفاء ففي ثلاث شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار) (٤) وقد قال أبو رثمة لرسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: أنا طبيب قال له: (الطبيب الله بل أنت رفيق) (٥). واختلف الناس في هذا المعنى على ثلاثة أقوال: الأول: ترك التطبيب والاستسلام لأمر الله تعالى والتوكل عليه أخذًا بقوله ﷺ : (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) (٦) وكذلك قيل ................................

стр. 1122

............................................. للصديق (١) في مرضه: ألاندعو لك طبيبًا قال: الطبيب أمرضني (٢) وكذلك لما لد (٣) النبي- ﷺ في مرضه اقتص منهم وقال: (لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا العباس فإنه لم يشهدكم) (٤). الثاني: وقالت طائفة أخرى يتطبب إذا نزل الداء كما أمر النبي- ﷺ حين ذكر الداء والأدواء وما ذكرها إلا تعليمًا فقد كان ﷺ يطبب أصحابه إذا نزلت بهم الأدواء (٥) فيكويهم كما فعل بالسعدين (٦) ويسقيهم، كما قال للرجل حين جاءه فقال له إن أخي يشتكي بطنه: اسقه شربة عسل ثم عاد إلى الشكوى فعاد له القول (٧)، الحديث.

стр. 1123

وقد أمر النبي- ﷺ بالغسل من الحمى فقال: (فأبردوها بالماء) (١) وقد أمر ﷺ أن يصب عليه في مرضه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن (٢) وقد استرقى بجبريل وقال له باسم الله أرقيك والله يشفيك (٣). القول الثالث: وقالت طائفة أخرى يجوز التطبب قبل حصول الداء احترازًا منه واستدامة للصحة التي هي قوام العبادة وهذا كله قد استوفيناه على التفصيل والتطويل في شرح الحديث لانتشار أطرافه وكثرة تفاصيله والذي يضبطه الآن ثلاثة فصول: الفصل الأول: أن التطبيب جائز من غير شك لا يحط المرتبة ولا يقدح في المنزلة وذلك إذا نزل الداء فأما قبل نزوله فقال علماؤنا إن ذلك مكروه والذي عندي فيه أنه إذا رأى المرء أسبابه وخشي من نزوله فإنه يجوز له قطع سببه بالتداوى فإن قطع السبب قطع للمسبب ولو كان التداوي يحط المرتبة والاسترقاء يقدح في المنزلة ما استرقى ﷺ ولا رقى ولا تداوى فأما قوله هم الذين لا يسترقون الحديث ففيه ثلاث تأويلات الأول هم الذين لا يسترقون بالتمائم كما كانت العرب تفعله التأويل الثاني هم الذي لا يسترقون قبل حلول المرض التأويل الثالث هم الذين لا يسترقون عند اليأس كما فعل الصديق. فإن قيل لو ترك رجلٌ التطبب والاسترقاء أصلًا وتوكل على الله تعالى وفوض أمره إليهِ ولم يستعمل رقيةً ولا دواء. قلنا إن صحت نيته وتناسبت أفعاله فهي منزلة كما قلنا وقليل ما هم وإن لم تتناسب أفعاله فقد ترك سنةً، وإنما يترك التطببُ كما قلنا في حالين قبل الداء وسببه وعند اليأس كما فعل الصديق وكما فعلَ عمران بنِ حصين فإنه قد كان صار له الداء زمانة حتى لزمه أربعين عامًا والزمانة لا يبرأ منها أبدًا فاستعمل هو الكي مع اليأس فما أفلح ولا أنجح وحطت

стр. 1124

مرتبته، فتركت الملائكة السلام عليه ثم تاب فعادت إلى السلام عليه (١). الفصل الثاني: قلنا هذا الذي ذكر النبي- ﷺ من التداوي والأدوية ذكر العلماء أنه خرج على أحد قسمي الطب، والطب عندهم قسمان: الطب القياسي وهو يوناني، والطب التجاري وهو طب الهند والعرب فخرجت أجوبة النبي- ﷺ على مذاهب أهل التجربة لتأتي العرب بما كانت تعتاده دنواً منها وتقريبًا للمرام عليها. الفصل الثالث: هذه الأصول التي ذكر النبيُّ ﷺ هي جماع أبواب الطب ما أشرنا إليهِ منها ومَا تركنا وذلك أن الأمراض إنما تكون بغلبةِ الدمِ أو بالأخلاطِ حتى ينحرف البدن عن سنن الاعتدال الذي أجرى الله تعالى العادة باستمرارِ الصحة معه فإن تتبع الدم فدواؤهِ الاستخراج والحجامة نوع من خروجه وقد احتجم ﷺ (٢) ولم تنقص منزلته وأما سائر الأخلاط فدواؤها الإِسهال والعسل أصلٌ فيه ولذلك لا يخلو معجون منه واتفقوا على أن السكنجبين (٣) هو شراب الطب وحده وغيره من الأشربةِ إنما هو تركيب أدوية، وأما الكي فهو من أنواع الطب ولكنه لرهبته هو آخر الأدويةِ فلا يلجأ إليه إلا عند الضرورة. وقد قال

стр. 1125

النّبيُّ ﷺ : (في الحبِّة السوداء شفاء من كل داءً إلا السَّام) (١) فقال علماؤنا إن هذا خرجِ مخرج العموم، والمراد به الخُصوص وذلك أن الغالب من الأمراضِ إنما هي الرطوبات فنبَّه به على أمثَالِه ورأيت بعضَ علماءِ الطب يقول إنما أراد بذلك الشونيز (٢). التنبيه على أنَّ كل دواءٍ وإن كان للحارِ اليابس لا بدَّ من أن يكون فيه حار يابس ويسمون الأدوية الباردة الرطبة (٣) وللأدواء الحارة اليابسة جثة ويسمون ما يضيفون إليها من الأدوية الحارة اليابسة أجنحة هذا منتهى كلامه وهو صحيح مليحٌ وقد مهَّدناه في شرح الحديث، وكذلك سقيه العسَلِ لصاحب الإسهال أصل في أنّ كل تخمةٍ أو داءٍ غالبٍ من خلطٍ لا يعافى إلًّا بإخراج ذلك الخلط، فإذا أجرى الله تعالى العادةَ بخرُوجه فليعن على الخروج حتى إذا نفد الخلط ارتفع المرض فهذا هو الذي راعى النّبيّ ﷺ في الأمرِ بالعودةِ إلى الشرب والسائل يجهل هذا القدر ويعود إلى الشكوى حتى قال النبيّ ﷺ (صدق الله العظيمَ)، يعني في قولهِ: ﴿شفاء للنّاس﴾ (٤) وكذبَ بطنُ أخيك فيما رأيت من أمرهِ) ويتركب على هذا أصل عظيم من الطب وهو أنّ الدواءَ إذا لم يرفع الداءَ فلا يخرجه ذلك عن أن يكونَ دواء، فإن البارئ تعالى إن شاء أن يخلقَ الشفاء عقب الدواء خلقه وإن شاء أن يمنع منه بعارضٍ آخر وبغير عارضٍ منع، وقد أخبرني بعض علمائنا أن بعض الناسِ أصابته حمى (٥) فاغتسل بالماء فزاده ذلك شدة فقال في قولِ النبي- ﷺ كلاماً لا أرضى ذكره، وكان ذلك بجهل المتناولِ للماءِ فإن قولَ النبي- ﷺ : (أبردوها بالماء) أو بردوها يحتمل وجهين أحدهما أن يكونَ ذلك بشرب الماءِ البارد، فإنه قد يطفئ الحرارة الباعثة للداءِ ويكون من أحدِ الأدويةِ وقد شاهدتُ هذا في نفسي فإنه كان عندي عليلٌ فكان يستدعي الماء كثيرًا فخفت عليه منه وتوقعتُ أن يرميه في نفخٍ فمنعته وكان ذلك برأي بعضهم فلقيتُ بعضَ أهل الصناعة فحدثته بمرضهِ وصفة حالهِ فقال قتلته إسقهِ الماء يبرأ فكان ذلك ويحتملُ أن يكونَ التبريدُ بالماءِ في الأطراف لا في جميع البدن ألا ترى أسماء كيف كانت تصب الماء على المحموم بينه وبينَ ثيابه ولا تصبه على بدنه كله (٦).

стр. 1126

عيادة المريض والطيرة (١) أما قوله النبي ﷺ (إن عائد المريض يخوض الرحمة) (٢) فهو كقوله (عائد المريض في غرفة الجنّة) (٣) وذلك أن عيادة المريض والمشي إليه سببٌ إلى الجنَّة فعبَّر عن المسبب بالسببِ على أحد قسمي المجاز ترغيبًا في العيادةِ لما فيها من الألفةِ والشفقةِ ولما يدخلَ على المريض من الإنس بعائده والسكون إلى كلامه ولذلك قال النّبيُّ ﷺ : (إذا دخلتم على المريض فنفسوا في أجله فإن ذلك لا يرد القدر ويطيّب نفسَهُ) (٤) ولو لم يكن فيها من الفائدة إلا ما قال النّبي ﷺ ): (من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال له سبع مرّاتٍ أسأل الله العظيم رب العرشِ العظيم أن يشفيك عوفي من ذلك المرض) (٥)، وربما احتاج المريض إلى التمريض فيتناول ذلك العائد إن لم يكن له أهل وهذا معنى قوله ﷺ : (عودُوا

стр. 1127

المريضَ) (١) لجماعِ هذه الفوائد. والتمريض فرض على الكفابة لا بد أن يقوم به بعض الخلق عن البعض فالقريب ثم الصاحب ثم الجار ثم سائر الناس. وأما الطيرة، فأدخل تحتها مالك ﵁، حديث لا عدوى (٢) وهي عبارة عن اعتقاد المرءِ إن مكروهًا جلبَ إليه مكروهًا، وأصلهم في ذلك السانح (٣) والبارح (٤) فعبّروا بكل مكروهٍ يجلب في اعتقادهم مكروهًا عنهُ فقول النبي- ﷺ : (لا عدوى) نفياً لأن تكونَ الأدواء تجلبُ الأدواءَ. قال النبي- ﷺ : (أجرب بغيرِ جرابٍ مائة، يعني من أعدى الأول) وهذه من الأدلةِ القَواطِع وأما قوله ولا هام فأرادَ به الردَ على العرب فيما كانت تعتقده من الحياة (٥) في الهَام الذي يقولُ فيه شاعرهم، حدثان المكنَّى بذي الأصبع: ياعمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني (٦)

стр. 1128

وأما صفر فقيل أراد به النَّسىء وقيل أراد به دواب البطن ومن الجهال من يظن أنها تعدي، وأما قوله لا تحلل الممرَّض على المصح فإنه اعتراض على قوله لا عدوى لأنه إن كانت العدوى باطلة فليختلط الصحيح والأجرب إذ لا تأثير بينهما ولأجل هذا كانا يقولون إنه حرف أخطأ فيه الراوي أو نسيه حتى قالوا إنه لم ينس قط أبو هريرة شيئًا غير هذا والحديث صحيح (١) الأول صحيح ليس فيه تعارض ولا بينهما تناقض، فإنه وإن كان لا عدوى فإنه كما قال النبي- ﷺ إذ المعنى أنه يتأذى به ابتداء في وجودهِ ويتأذى به انتهاء إن خلق الله تعالى في الِإبل الصحاح أمثاله في مالهِ بما يحدث عليه من الجرب وفي اعتقاده أن يخطر بباله أن هذا البعير الجرب هو الذي أجْرَبَ جماله وقد سمعتُ من يقولُ من العلماءِ إن المراد بقوله: لا عدوى في بعضِ الأدواءِ، ألَّا ترى أن الطاعون كيف منع من الدخول فيهِ والخروج عنهُ، وِقد قدمنا الكلام عليه، وبينا في أحدِ الوجوه أن المعنَى فيه أنه ربَّما دخلَ فأصابه قدر أو خرَجَ عنه فنجي من مرض فيعتقد إن ذلك فائدة الدخول والخروج وينسى حكم الله تعالى وربما خرج عنه أيضًا فأدركته العقوبة. المتحابون في الله حديث أبي هريرة سبعة يظلهم الله إلى آخره (٢). زاد في الصحيح: (إن البقرةَ وآل عمران تأتيان يوم القيامة يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صوافّ) (٣) وإنما بوّب مالك رضي الله تعالى عنه من هذا الحديث على المحبة في الله تعالى، دون سائر الخصال, لأنها أعظمها نفعًا وأعمها (٤) بركة لما فيها من الألفة التي تقيم الشعائر

стр. 1129

الإِسلامية، وتستخرج الحقوق وتحمي البيضة، وسائر الخصال غير الإِمام العادل في الحديث تخص صاحبها. باب الرؤيا هو فصلِ كبير من الحقائِق، وأمر مشكل على الخلائقِ وهو ما يراة النائم في منامِه، تقؤل رأيتُ رؤية، إذا عاينت ببصرك، ورأيت رؤيًا إذا اعتقدت شيئًا في قلبك، ورأيت رؤيا إذا رأيت شيئًا في منامك، وقد تستعمل الرؤيا مصدرًا في اليقظةِ كما قال الراعي: وكبّر للرؤيا وهاش فؤاده ... وبشَّرَ نفسًا كان قبل يلومها (١) والأبيات قبله تدلُّ على أنها رؤية اليقظةِ، واختلفَ الناسُ فيها فمنهم من أفرط، ومنهم من فرّط، ومنهم من استوى واقتصرَ وقد بينا ذلك في شرح المشكلين، ومحاسِن الإحسان على الاستيفاء والاستيعاب فلينظر هناك ويكفي الآن على هذا الاستعجال أن صالحَ المعتزلي (٢) قالَ: إن رؤية المنام من رؤية العين، وقال آخر هي رؤية بعينين في القلب يبصرُ بهما، وأذنين في القلبِ يسمع بهما، وقالت المعتزلة: هي تخايل لا حقيقة لها ولا دليل فيها وقال علماؤنا هي حق وبشرى ودليل من الله تعالى اتفقت عليه الأمم من العرب والعجم ووجدت حقيقة وأدركت بالتجربةِ والمعتزلة في انكارها جارية على أصلها في التَخيل على العامةِ بإنكار كل ما قرر الشرع من أصلِ كإنكار الجن وأحاديثها، والملائكة وكلامها وأن جبريل لو كلمَ محمَّدًا بصوتِ كصَلْصلةِ الجرس لسمعه الحاضرون فهم ينكرون حقائق النبوّة فكيف دقائق الرؤيا وأما علماؤنا بعد أن قالوا إنها حق، فاختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوالِ: قال القاضي: هي خواطر واعتقادات وقال الأستاذ أبو بكرٍ هي أوهَام وذلك قريب من الأول وقال الأستاذ أبو إسحاق هو إدراك بأجزاءٍ لم تحلها آفة النوم، وقال القاضي إذا وَجَدها النائم فلا يخلو أن تعمل (٣) كما قالت المعتزلة أو تضاف إلى النَائم أو إلى الشيطان أو

стр. 1130

إلى البارىء تعالى فإهمالها باطل لاستحالة حدوث الشيء نفسه، ويستحيل أن تضاف إلى النائم باستحالة أن يخلقَ أو يكتسبَ، ويستحيل أن تضاف إلى الشيطان أو إلى الملك لما ثبت من الدليل أنه لا يفعَل أحد في غيره شيئًا إلا الله تعالى فدل على أن البارئ هو الذي يخلق تلك الاعتقادات في قلبه، ولما خرجَت عن أصولِ المعتزلة عممت (١) في إنكارها فصدقتها آيات القرآن وأحاديثَ النبي- ﷺ . هذا منتهى تحقيق القاضي. وأما الأستاذ فقال إن الإنسان إذا رأى وهو في المغرب شخصًا بالمشرقِ أو رأى نفسه عارجًا إلي العلوّ فهي أمثلة خلق الله تعالى لها إدراكًا في جزءِ لم تحله آفة جعله علامة على معاني ولذلك لا يري في منامه إلا ما يصح تقديره ولا يرى في المنام محالًا فإذا رأى الله أو رأى النبي- ﷺ فهي أمثلة. تصرّف له بمقدارِ حالِهِ, فإن كان موحدًا رآه حسنًا، وإن كانَ ملحدًا رآه قبيحًا، وهو أحد التأويلين في قوله ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة) (٢) ولقد

стр. 1131

قال لي يومًا بعض الأمراءِ وكان متحاملًا على الرعيّة، كنت أرى البارحة النبي- ﷺ -في المنامِ في صورةٍ أسود كأشد ما يكون من السَّوادِ، فقلتُ له: ظلمك للخلق وتغييرك للدين. قال النبي- ﷺ : (الظلم ظلمات يوم القيامة (١) فالتغيير فيك لا فيه وكان بالحضرة كاتبه وصهره ووَلدهِ، فأما الكاتب فمات، وأما صاحباه فتنمَّرا (٢)، وأمّا هو فكان مستندًا فجلسَ على نفسه، وجعل يعتذر وكان آخر كلامهِ: وددتُ أن أكون حشميًا (٣) بمخلاةٍ أعيش في الثغر، قلتُ له: وما ينفعك إن أقبلَ أنا عذرك وخرجت فوالله ما توقَّفت لي عنده بعد ذلك حاجة، وقد بينت في غير ما كتاب أن الذي أرتضيه كلام الأستاذ أبي إسحاق، إذا ثبت هذا عدنا إلى الرؤيا فقلنا ثبتَ عن النبيّ ﷺ أنه قال: (الرؤيا ثلاث. فالرؤيا الصالحة بشرى من الله تعالى ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا يحدثُّ بها المرء نفسه) (٤)، وزاد ابن المسيّب أضغاث أحلام (٥)، وبلغها بعضهم سبعة أصنافٍ وقد بينَّا تفصيلها وكيفيتها في موضعهِ وأن المعوّل منها (٦). على الرؤيا الصالحة وأن الرؤيا المحزنة تدفعها الاستعاذة منها والتفل عليها والوضوء والصلاة على ما وردَ في صحيح الخبر وقد قال مالك ﵁ إن خالداً بن الوليد قال لرسولِ الله ﷺ : إنّي أروّع في مَنامي. فقال له: (قل أعوذ بكلمات الله التاماتِ من شرِّ ما خلق) (٧) الحديث. فبين ﷺ ما يدفع ضرر الرؤيا السيئة قبلَ وجودها

стр. 1132

أو يدفعها بعدَ وجودها ومن استعاذ بالله (١) استعاذ بعظيم ومن تحصَّن بكلماته التي لا تنفر التامة التي لا يتطرَّق إليها نقصان فما أبقى بعد ذلك. وقوله فيها التامات كقوله: ﴿قل رب احكم بالحق﴾ (٢) وليس هنالك باطل ولكنه تكميل للوصفِ وتحقيق للخبر. تتميم: قال مالك ﵁ في الحديث في تجزئة الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة (٣)، وقد اختلفت في ذلك الآثار حتى بلغت إلى سبعين (٤). وقيل خمسٌ وأربعون (٥)، وست وأربعون (٦)، وخمس وسبعون (٧)، قال علماؤنا في ذلك تأويلات منها أن هذه الرؤيا المنقسمة على هذه الأجزاء إنها رؤيا ذي النبوة، لا أنها نفس النبوةِ واختلاف الأعداد فيها لأنها جعلت بشارات، فأعطى من فضله جزءًا من سبعين جزءًا في الابتداء، ثم زاد من فضلهِ حتى بلغت خمساً وأربعين، وانتهى بعضهم إلى أن يقول إن مدة النبي- ﷺ كانت ثلاثًا وعشرين سنةً، وأن ستة أشهرٍ منها كان يوحى إليه في المنام (٨) وهذا يفتقر إلى

стр. 1133

نقلٍ صحيح ولو ثبت بالنقلِ ما أفادنا شيئًا في غرضِنا ولا صح حمل اللفظ عليه، وأصح ما في ذلك تأويل الطبري عالم القرآن والحديث، قال نسبة هذه الأعداد إلى النبوة إنما هو بحسب اختلاف حال الرائي، فتكون رؤيا الصالح على نسبته والمحطوط عن درجته (١) على دونها وهذا تأويل جملي فأما تحقيق الأجزاء وكيفيَّة القسمة , فلا يمكن ذلك أبدًا وتكفي هذه الجملة حتى تقفوا على التمام في شرح الحديث. ما جاء في النَّرد والشطرنج قول النبي- ﷺ : (من لعب بالنّرد فقد عصَى الله ورسوله) على ما روى مالك ﵁ في الموطأ نصّ في التحريم (٢) وقد روى مسلم: (من لعب بالنردشير (٣) فقد غمس يده في لحم الخنزير ودمه) (٤) ووجه التمثيل فيه أنه تناول هذا محرمًا للذة النفس كما تناول

стр. 1134

ذلك محرمًا للذة البطنِ والشطرنج (١) أخو النرد غذاه بلبانه، وساواه في لهوهِ عن ذكرِ الله تعالى وعن الصلاة وأشغاله، وقد جوزه الشافعي (٢) وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول هو مندوب إليهِ حتى اتخذوه في المدرسةِ، فإذا أعيا الطالب من القراءة لعبَ بالشطرنج في المسجدِ وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين إنهم لعبوا بها (٣) وما كان ذلك قط، وتالله ما مستها يد تقي، ويقولون إنها تشحذ الذهن والعيان يكذبهم، ما تبحر فيها قط رجل له ذهن. سمعتُ الإِمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجدِ الأقصى في المناظرةِ إنها تعلم الحربَ، قال له الطرطوشي بل تفسد تدبير الحرب لأنّ الحرب المقصود منها الملك واغتياله وفي الشطرنج تقول له شاه إياك الملك نحّه عن طريقي، فاستضحك الحاضرونَ، وتارة شدَّد فيها مالك ﵁ فحرمها وقال فيها فماذا بعدَ الحق إلَّا الضلال، وتارَةً استهان بالقليلِ منها, ولا هون والقول الأول أصح والله أعلم (٤).

стр. 1135

القول في السلام السلام اسم من أسماء الله تعالى (١) قد بينا وصفَه وشرحنا حقيقته في الأمد الأقصى وقد ثبتَ في الصحيح عن النبي- ﷺ : (أن الله خلقَ آدم على صورته ستون فراعًا في الهوى ثم قال له اذهب إلى أولئك النفر من الملائكةِ فسلم عليهم، فقالوا وعليك السلام ورَحمة الله وبركاته، فقال له: هذه تحيتك وتحية ذريتك) (٢) وقد يقال معرفًا السلام عليكم ومنكرًا سلام عليكم فإذا نكر فهو مصدر وإذا عرّف احتمل أن يكونَ مصدرًا معرفاً واحتمل أن يكون عبارة عن الله تعالى فإذا كان منكرًا كان التقديرُ ألقيتُ عليك سلامة مني، فالقِ عليّ سلامة منك، وإذا كان معرَّفًا احتمل أن يكونَ فيه هذا المعنى بعينه واحتملَ أن يكون معناه الله رقيبٌ عليك (٣) والسنة فيه أن يبدأ بالسلام قبل حَرف الجر فإن قال ابتداءً عليكم السلام،

стр. 1136

فإنه يكره رَوى أبو داود وغيره أن رجلًا جاء إلى النبي- ﷺ فقال: عليك السلام. فقال: (قل سلام عليك فإن عليك السلام تحية الميت) (١) يشير إلى ما وردت به اللغة من قولهم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ماشاء أن يترحَّما (٢) وكقولهم: عليك سلام من أميرٍ وباركت .................................... (٣) وكان ابن عمر إذا سلم على يهودي أو نصراني يظنه مسلمًا يستقبله (٤) لأنها معاقدة، فإذا انكشف له الغطاء طلب حل العقدِ ولم ير مالك ﵁ ذلك فإن الألفاظ عنده، والعقود إنما ترتبط بالمقاصد والنيات، ولذلك لو حلفَ على زيدٍ أنه في الدار يظنه ولم يكن فيها لم يحنث ويرى أن اليمينَ لغو غير منعقدة لما فاتَ فيها القصد. وأما حديث أبي واقدٍ الليثي (٥) في الثلاثة نفر فإنه كان في غزوة تبوك قال بينا نحنُ في مسير في غزوة تبوك

стр. 1137

إذ نفدَت أزواد القوم فهمّوا بنحرِ الإبل وأمرهم رسول الله ﷺ بذلك فقال له عمر: يا رسولَ الله هلّا أمرت بالأزوادِ فجمعت ودَعوت الله فيها بالبركةِ (١) ففعلَ وارتحلوا فمطروا فنزلوا لأجل المطرِ وجلس النّبي ﷺ في المسجد وخطبَ الناس يعني في مسجدِ العسكر لا مسجد المدينة (٢) فبينما هو يخطب إذ أقبلَ ثلاثة نفرٍ فذكرَ الحديثَ وكان عبدُ الله بن عمر

стр. 1138

يمشي إلى السوق يسلم يطلبُ الحسنات (١) , لأنّ السلامَ متعَدٍّ والحسنَة المتعدية أفضل من الحسَنَة القاصرة. باب الاستئذان إن الله تعالى لما خلق الإنسان عورة وأخرجه إلى المخالطة لقصوره عن حظِ نفسِه، وأمره بالتستر وعلم منه أن إدامة الستر غير ممكنةٍ وأنه يتعرض للتكشف في الخلوات للراحات وعند قضاء الحاجات شرع الاستئذان فعممه كل موضع وصار أصلًا في كل رقيةٍ وهيئةٍ ووقت لكلِ منزلٍ حتى قال النبي- ﷺ في حديثِ الشفاعةِ فآتي فاستأذن على ربي في داره (٢) فيؤذن (٣) لي والكلام فيه في ستة فصول في حقيقته وأنه استفعال من الإذنِ أي طلب له. الثاني: في المستأذنِ فيه وهو دخول كل موضعٍ محجوب يكرهُ صاحبه أن يرى فيه غيره. الثالث: في الوقت الذي يقع فيه الإذن وذلك مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿يا أُيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذينَ ملكت أيمانكم) (٤) الآية.

стр. 1139

الرابع: في صفتِه وأنه بالسلام وإن دنا بالحجاب أو بقعقعة الباب إن بعد. الخامس: في الآذن وهو من كان من أهلِ المنزل وإن كان الصبي الصغير الذي يعقل الحجبة ويفهمُ الإذن. السادس: في صفةِ الجواب مثل أن لا يقولُ في جوابٍ من؟: أنا، فقد كره النبي ﷺ ذلك لمن قال له وجعل يقول أنا، يكررها تكرر المتكرة (١)، وقد تقدم تفصيل ذلك كله في شرح الحديث. التشميت (٢) قال النبي- ﷺ : (العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان) (٣) الحديث فأضافَ العطاس إلى الله لأجلِ أنه يكون عن خفَةِ البدن وسعةَ المنافِذ وذلك محبوبٌ إلى الله تعالى، فإن المنافذ إذا اتسعت ضاقت عن الشيطان وإذا ضاقت بالأخلاط والغذاء اتسعت عليه وأضاف التثاؤب إلى الشيطان لأنه إما أن يكونَ من كسلٍ أو مرضٍ أو امتلاءٍ وذلك لا يضاف إلى الله تعالى، وإن كان الكل منه على اسم الأدب ألا ترى إلى قول الخليلِ ﵇: ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ (٤) فأضافه إلى الله تعالى ثم قال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، فأضافه إليه فإذا وجد ذلك فليحمد الله تعالى على ما رزقه من الخفة، فإذا حمدَ الله تعالى فعلى سامعِه أن يدعو له بالرحمةِ، وسمَّى الله تعالى هذا الرد تشميتًا بالشين المعجمة أو تسميتًا بالسين المهملة، وإن كانَ بالشين المعجمة، فهو مأخوذ من الشوامتِ وهي القوائم، وإن كان بالسين المهملة فهو مأخوذ من السَّمتِ وهو قصدُ الشيء

стр. 1140

وناحيته كأنَّ العطاس يجل مرابط البدنِ ويفصل معاقده فيدعو له بأن يرد الله تعالى شوامته على حالها وسمته على صفته قال النبيُّ ﷺ : (فإذا عطس فليخمر وجهه) (١) كما أنه إذا تثاءبَ فليجعل يده على فمه ولا يفتحها للشيطان، فأنه يضحك به (٢) ولا يصرف وجهه يمينًا ولا شمالًا، فإن بعضهم قد صَرَفه فبقى كذلك مصروفًا طول عمره. بابُ الصُّور (٣) هذا بابُ عطيم لا يمكن استيفاؤه هنا، استوفيناه في مكانِه في شرح الحديث والأحاديث فيه متعارضة. ثبت عن النبي- ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لا تدخلُ بيتًا فيه كلب ولا صورة) (٤) وروي عنه إلا ما كان رقمًا في ثوب (٥)، وقد روي في أمرِ النمرقة أنه قالت له عائشة ﵂: اشريتها لك لتقعدَ عليها وتتوسدها فقال: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم احيوا ما خلقتم) (٦)، وروي أنه قام على الباب فرأى سترًا فرجع قال فقطعناه، فاتخذنا منه نمارَق (٧)، وكل هذا صحيح وهو متعارض ولَم يعرف منه

стр. 1141

المتقدم من المتأخر، فوجبَ أن ينظرَ فيه، والذي يستقرَ الآن عندي أنه إذا فصّل وقطع جاز بلا كلام، وإن كان رقماً ولم يكن مجسدًا ففيه إشكال أقواه أنه يجوز لأنه نصٌ في الإباحة بعدَ التحريم (١). باب الضبّ فقد تقدم ولكن ذكره في الجامع مشيرًا به إلى نكتةٍ وقع التلويح بها في حديثِ عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن رجلًا نادى رسوِل الله ﷺ ما ترى في الضبِ فقال: (لستُ بآكلِهِ ولا محرّمه) (٢) فاحتمل أن يكونَ معنى هذا الحديث ما وقع في الصحاح من أنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه (٣). فتركه لأجل العيافة أو يكون لا يأكله لما رواه مسلم أن النبي ﷺ سئل عن الضب فقال: (إن أمةً من الأمم مسخت فلا

стр. 1142

أدري أهي الضبّ أم لا) (١) وأما قوله في حديث خالدٍ فقال لخالد وعبد الله بن عباس: (كُلا) فقالا: أوَلا تأكل أنت يا رسولَ الله؟ فقال: (إني تحضرني من الله حاضرة) (٢) فيحتمل أن تكون مع الضباب والبيض رائحة متكرهة فيكون منِ بابِ أكل البصل والثوم، وأما أن يريد أن الملك ينزل بالوحي علىَّ ولا يصلح لمن كان في هذه المرتبة ارتكاب المشتبهات (٣). باب الشؤم هي نوع من الطيرة التي تقدم شرحنا لها وهذه المعاني المكروهة ليس بممتنع أن يخلقها الله تعالى في الطائر المار والبهيمة السانحةِ والبارحة (٤) وفي الثوب أو الدار أو المرأة أو الفرس وقد قيل للنبي- ﷺ في دار مكمل بن عوف أخي عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ﷺ سكنَّاها والعدد كثير والمال وافر، فقلَّ العدد وذهب المال فقال النبي- ﷺ :

стр. 1143

(دعوها ذميمة) (١) ومعنَى هذا والله أعلم أنه عسر عليهم قلع ذلك من نفوسهم فكره أن يعيشوا في غم فأمرهم بالارتحال عنها ومن نحوِ هذا في الفألِ والطيرة كراهية الأسماء القَبيحة والاستحسان للأسماء الحسنةِ والاستبشار بها، فقد كان النبي ﷺ يتفاءل بالأسماء الحسنةِ للرجال والبِقاع (٢) وذلك كثير. حديث: قال عمر بن الخطّاب لرجل: "ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحُرقةِ. قال: أين سكنك؟ قال: بحرة النَّارِ. قال: بأيها؟ قال: بذاتِ لظى. قال عمر ﵁: أدرك أهلك فقد احترقوا، فكان كما قال عمر ﵁" (٣)، اختلف في هذا الحديث فمنهم من قال إن عمر أدركه إلهام من الله تعالى ألقاهُ في روعهِ كما قال النبيُّ ﷺ : (إنَّ في كل أمة محدثون وإن عمرَ منهم) (٤)، وقيل إنما ذلك فراسة واستدلال بظاهرٍ على باطنٍ وإنفاذ قضاء سابق بسبب حاصلٍ، والحكمة التي استدل بها عمر وتفرَّسها

стр. 1144

اجتماع النار عليه من كل وجهٍ فيه وفي أبيه وفي جهته ومحله ومسكنه فأخرجها عُمر له في الدنيا رجاء أن يعصمَهُ الله تعالى منها في الآخرةِ وكانَ ذلك تعليمًا لتحسين الأسماء. أخبرني الطيوري الخطيب أبو بكر البغدادي (١)، أخبرنا أبو محمَّد الحسن بن محمَّد الخلال (٢). قال: دخلَ بي أبي على بعضِ الشيوخ الصوفية فقال لي: ما اسمك؟ قلت: حسن، قال: إن الله حسَّن لك اسمك فحسن له فعلك. ما جاء في المشرق (٣) إستفاض على لسانِ النبي- ﷺ أنه نهى عن جهة المشرق، وذكر أن فيه الفتنة وفيها الفدادون (٤) أهلها وكانت في ذلك الوقت نجد كلها كفرًا ومن جملتها العَراق الذي كرهِ "كعب لعُمر بن الخطّاب ﵁ دخوله لأنّ الله تعالى قَدر فيه باطلًا كثيراً وهو السحر ولأجل هذا عدَلت إليهِ فسقة الجِنُّ وبها الداء العضال" (٥)، يريدُ الهلاك في الدينِ وكذلك كانَ منها نشأة البدع ومنه طارت إلى الآفاق ولذلك كان مالك ﵁ يسمّي الكوفة

стр. 1145

دار الضَّرب (١)، وأول من ضرب فيها الأحاديث الحارث الأعور (٢) عن عليّ ﵁ وكثير من أصحاب عليٍّ ﵁، ومما يكرة لعلي ﵁ اختيار العراق وهو على الصَّوابِ، واختار معاوية الشام وهو على الخطأ، ولو بقي عليّ ﵁ في حرمِ الله وحرمِ رسوله ﷺ لجمعَ الله تعالى له الأمر المشتَّت ببركةِ البقعة ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعُولًا. ما جاء في الحياتِ (٣) نهى النبي- ﷺ عن قتل الحيات التي في البيوت إلا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء (٤)، والعلة في أمرِ النبي- ﷺ بقتلِ الحياتِ، والعلة في نهي ما نهى عنه مما لا خلافَ فيه، وقد وردَ ذلك في أحاديث كثيرة منها قوله: (خمس فواسق يقتلن في الحلِ والحرم (٥)) فذكر العقربَ واتفقت الأمة على أنها متعلقة بالإذاية

стр. 1146

ْفتعددت الأحكام من كل جنس إلى بقيته ونظيره لوجود العلة فيه كما حرَّم ﷺ الربا في الأعيان السّتةِ (١) ثم تعدى حكم الربا من الأربعة منها إلى كل جنسٍ من أجناسها حيث وجدت العلة، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أمرَ بقتلهن أيضًا، وقال: (ما سالمناهنَّ منذ حاربناهنَّ) (٢) إشارة إلى ما جرى بينها وبين آدم وإبليس، وذلك مذكور في الإسرائيليات فلينظر فيها وهو المراد في أحد التأويلات في قوله تعالى: ﴿اهبطوا منها جميعًا﴾ (٣) إشارةً إلى الأربعة آدم، وحواء، والحية، والشيطان (٤). ثم نهى ﷺ عن قتلِ حيات البيوتِ وهي العوامر وفي ذلك علتان أحدهما: قول النبي- ﷺ : (إنَّ بالمدينة جنَّاً أسلموا فما بدا لكم منها فانذروه ثلاثًا، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه) (٥)، والثانية: أن

стр. 1147

قتلها معرض للإذاية إذ يتصوَّر الشيطان في صورها لأنّ الله تعالى يسَّر للملك في شرفه وللشيطان في خساسته أن يتشكلا في أي صورة شاءا كما يسَّر لنا أن نتصرف في أي جهةٍ شئنا بالحركاتِ خلا العلو والسفل، فإن الله تعالى أبقاهما تعجيزًا، والبارئ تعالى مكن الشيطان من الكبائر وقبضه عن الصغائر، وقد بينا ذلك فيما سبقَ فتراه يتولج في أضيق المسالك فإذا أغلق الباب لم يقدر أن يتجاوزه وسلط علينا في الوسواس، ومنع فينا من الأفعالَ لطفًا منه تعالى بنا ورفقاً ووعدًا سبق منه حقًا حين قال: ﴿ولآمرِنهم﴾ (١)، ولم يقل ولأفعلنَّ بهم وقد بين ذلك في قوله تعالى: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان ...﴾ (٢) الآية إلَّا أنه إذا كانت الإذاية (٣) من الآدميين لهم، ربما مكنوا من الانتقام ورُبما قصروا فهذه الخشية التي توجب التوقف، وتبقي مدة الأعذار بالإقرار ثلاثة أيام كما في صحيح الحديث (٤)، ؤاختلفَ هل ذلك خاص في المدينة أم عام في سائر البلدان، والصحيح أنه عام في سائر البلدان لوجهين. أحدهما: أن النبي- ﷺ قال: (إن بالمدينة جِنَّاً أسلموا)، وقد أخبر أن بنصيبين جِنَّاً أسلموا (٥) وكذلك كل بلدٍ فيه، والله أعلم (مثله) (٦).

стр. 1148

والثاني: ورد النهي مطلقًا من غير تخصيص (١) بقعةٍ، وجعل ﷺ الطفيتين والأبتر علامة على الإذالة الجبليّة الموجبة للقتل ابتداءً لأنّ الحيوان على قسمين: منه ما جبلته الإذاية فهذا يقتل ابتداءً كما سبق. ومنها ما لا يؤدي إلا عَرَضًا فهذا لا يقتل إلا أن ينشىء الإذاية كالجمل الصؤول والكلب العقُور. باب السفر أدخل مالك ﵁ هذه الترجمة، ولم يدخلها أئمة التصنيف في أكثر وهو باب كبير، وله فصولٌ كثيرة، ومسائل متعلقة يجمعُها أن السفر على قسمين هرب أو طلب، وينقسم من جهة أقسام أحكام المكلفين إلى عددها الخمسة، فالقسم الأول هو قسم الهرب وينقسم إلى ستة أقسامٍ. الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار السلام، وقد كانت فرضًا في زمن النبي- ﷺ ، يتعين على الخلق أن يهاجروا إليه، حيث كان. ثم انقطعت تلك الهجرة بفتح مكة، وبقي الخروج من أرضِ الحرب دائمًا، فإن بقي في دار حربٍ فهو آثم. الثاني: الخروج من أرض البدعة. قال ابن القاسم: سمعتُ مالكًا يقول:"لا يحلُّ لأحدٍ أن يقيم بأرض يُسبُّ فيها السلف"، وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم تقدر على تغييره لم يحلْ لك أن تجالس صاحبه. قال تعالى: ﴿وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾ إلى قوله ﴿الظالمين﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات

стр. 1149

الله ....﴾ إلى قوله ﴿جميعًا﴾ (١) وقد كنتُ أقول لشيخنا أبي بكر الفهري ونحن بالثغر (٢) أخرج إلى بلادك، عن هذه البقعة الظالم أهلها فيقول: أكرهها لغلبةِ الجهل عليها وقلة عقولهم، فأقول: فأخرج إلى الحرمين تفني فيها بقية عُمرَك ... !؟ فيقولِ: قد رددتُ من الباطلِ ههنا كثيرًا، وقد أظهرت من العلم عظيمًا. قلت له: وسمعت باطلًا كثيرًا ولا يفي ذلك بهذا. وانتهى الكلام بيني وبينه إلى حدٍ أوضحناه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب المشكلين. الثالث: الخروج من أرضٍ إلى أرضٍ غلبَ عليها الحرام، فإن طلبَ الحلال فريضةً، وكان ذلك مما كنت أعترض به على شيخنا الفهريّ، وكنتُ أحتجُ عليه بالزاهد العربي الذي ما كان يعيش في ذلك الثغر إلا من بذر الخطمى (٣). الرابع: الفرار من الأذَّية في البدن. كخروج إبراهيم ﵇، لما خاف من قومه (٤)، وخروج الكليم ﵇ خائفًا يترقب (٥)، وخروج الحبيب من الضرر الواقع بالبدن وهو، الخامس: من خوف المرض: الخروج من الأرض العمقة (٦) إلى الأرض النزهة عند الاحتواء كما. أَذَن النبي- ﷺ للعكليين (٧) أن يخرجوا إلى السَّرح عند الرعاء (٨)، وقد استثي من هذا الجائز الخروج من أرضِ الطاعون حسبما تقدم. السادس: الخروج خوفًا على الأهل والمال لأنّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وقد

стр. 1150

اعترض الخليل ﵇ في أهله (١)، ولكن الله تعالى عصمه بآيته وسخّر الكافِرَ ليهبَ له الوليدةَ لخدمتِه وأما وجه الطلب فيتعدد إلى أنواع كثيرة الحاضرُ الآن من أمَّهاته (٢) ثمانية. الأول: سفر العبرة: قال الله تعالى: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا﴾ (٣)، فمنَ المندوب إليه أن يعتبر الرجلُ في الأرض في آياتِ الله تعالى، وإن كان له في نفسه أعظم عبرةً ولهذا سافر ذو القرنين يتبع الأسباب (٤)، وينظر في الملكوت الأرضي وما فيه من عجائب الصنعة الدالة على سعة القدرة. الثاني: سفر الحج: والأول ندب وهذا فرض، لكنه أخص منه، وفيه أيضًا عبرة شنعاء، فإنه يرى أوحش بقعة في الأرض إلى خلق الله تعالى بوادٍ غيرَ ذي زرع، فيه حجارة مجموعة ليسَ لها شارة جمال تعلقت بها قلوب الخلق واستشعروا فيها رضي الحق، وهذه عبرة تدل على سعة القدرة وعظيم الحكمة. الثالث: سفر الجهاد: وله أحكامه. الرابع: سفر المعاش: وهو الاحتطاب أو احتشاش أو صيدٍ أو تجارة. الخامس: سفر التجارة للكسب: وذلك ما أذنَ الله تعالى فيه لعبادهِ لما علِمَ من علاقة قلوبهم بالاستكثار من الدنيا, ولأنه سبحانه فَرق المنافع على المشرقِ والمغرب ثم اصطفى قوماً لعبادتِه واستخدم آخرين في جلبِ المنافع من بلدٍ إلى غيره ليتم بذلك ما ضمنَ من رزقهِ ومصلحتِه.

стр. 1151

السادس: قصد البقاع الكريمة وهي قسمان لا ثالثَ لهما. أحدهما: ما تضمّنه قوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) (١). الحديث. الثاني: الثغر للرباطِ فيه تكثيرًا لأهله وحسمًا لداءِ تعلقِ طلب العدوّ به. السابع: القصد في طلب العلم وهو مشهور. الثامن: القصد إلى الأخوان لتفقد أحوالهم ومنه الحديث: (من زار أخًا له في الله نصب الله على مدرجته ملكًا) (٢) هذا إذا كانَ حيًا، فإن كان ميتًا، فيجوز زيارة قبر أيضًا، والترحُّم عليه لينتفع الميتُ بالحي، ولا يقصد الانتفاع بالميت فإنها بدعة وليست لأحدٍ على وجه الأرض إلا لواحدٍ وهو قبر محمد ﷺ (٣) أما إنَّا رأينا بالشام قُبُورًا لكئير من الأنبياء، كان الثابت منها قبر إبراهيم الخليل ﵇، وإسحاق ويعقوب في مسجد الخليل ﵇، وكان منها قبر موسى ﵇، بشرقي الطور عند الكنيسة (٤) الغرتية وكان على باب صينون من بيت المقدس كنيسة (٥) داودَ وكان يقال إن بها قبره، وكان

стр. 1152

بحلحول (١) قبر يونس وكان من نينوى ومات بحلحول ودُفن هنالك بالطريق وإلى جانبه قبر داخل على نحو من فرسخ على الطريق أيضًا، وكان بسبسطية (٢) على نحو الخمسين ميلًا، من المسجد الأقصى في الغرب المنحرف إلى الجوف على نحوٍ من فرسخين من نابلس، (مخرق اعراق (٣) الثرى) صلوات الله عليه قبر يحيى بن زكريا، ووقفت على قبر إسماعيل بالحجر تحت الصخرة السوداء، وهو دليل على جواز الدفن (٤) في المساجد ما لم يكن للقبر شخص يمنع الصلاة ويفسد الصفوف. فهذه جملة من أنواع السفر ولم يتعرض مالك ﵁ إلا لآدابه وآدابه كثيرة قد ذكرها العُلماء فلا نطوّل بها فمنها ما ذكره مالك ﵁ من القول عند الشروع فيه وقبله ما كان ينبغي أن يبين الاستخارة عليه، فإنه من أهم الأمور التي تقدم فيها الاستخارة لما فيه من الغرر والمشقة. وذكر مالك ﵁ حديثًا بلغه وهو صحيح ثابت: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال ...) (٥) وذكر فيه اسمين غريبين لله، أحدهما الصاحب "والآخر الخليفة وقد استوفينا بيانهما في الأمد الأقصى والصاحب" (٦) يرجعُ إلى العالم وإلى الحافظ بمعنى وإلى اللطيف بآخر، وبالجملة فإن من كان الله معه فلا يعدم فائدة ولا تطرقت إليه آفة، والصاحب اسمٌ شريف وخطةٌ رفيعة سمى الله تعالى بها نفسهُ على لسانِ نبيهِ، وسمى بها رسوله فقال: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ (٧) الآية والخليفةُ يرجع معناهُ إلى معنى الوكيل، وقد بيناهُ، ويرجعُ إلى الآخر وإلى الباقي من أقسام

стр. 1153

الآخر, لأنّ الخلافة هي عمل بعد ذهاب المستخلف والبارئ آخر بعدَ كل أحدٍ بدوام الوجود، كما هو أول قبل كلِ أول بقدم ابتداء الوجود، وعلم أيضًا ما يقوله: (إذا نزل أعوذ بكلماتِ الله التامّاتِ من شرِّ ما خلقَ) (١) وضَمِنَ عدم الضرر بها، فلعمر إلهكم لقد جربتها أحد عشر عامًا فوجدتُها. وبوّب على ما جاء في الوحدة، وهو كلام صحيح، فإن الرفيقَ قبل الطريق (٢)، لا شيء أصعب على المرء من الانفراد بين سمعِ الأرضِ وبصرها، وهو عُرضةً للشيطان، ولا ينبغي لأحدٍ أن يفعلهُ إلا للضرورة، وأقل الصحبةِ ثلاثة, لأنّ أحدهم إن مضى يحتطب أو يستقي بقي اثنان، وجعلَ النبي- ﷺ الواحد شيطانًا مجازًا (٣)، كأنه صاحب الشيطان، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مَقامَهُ، ويدفع خوفه الأذان كما جاء في صحيح مسلم (٤) وآية الكرسي، فإن من قرأها لا يقربُه شيطان (٥)، وهذا الذي ورد منه في الحديث

стр. 1154

موجود في التجربةِ، وذكر مالك ﵁ سفر المرأة مع المحرم (١). قال علماؤنا: فائدة ذكر النبي- ﷺ المحرم القيام بحفظ المرأَةِ والذبّ عنها، فإذا كانت رفقةً مأمونة فيها نساء تآلفنَ وكان الحفظُ موجودًا لهنَّ فلما وجد المحرم فيهنَّ جاز السفر لهنَّ. وأنكر أبو حنيفة ﵁ ذلك مع غوصِه على المعاني وهي مسألة خلاف قد بيناها في موضعها. وذكر مالك ﵁. باب العمل في السفر وأدخل فيه الرفق (٢)، وذكر فيه من صفات الله تعالى، أنه رفيق ويرجع إلى اللطيف وقد بيناهُ في كتاب الأمدِ الأقصى ومتعلقه دقائق النعم التي لا تحصى، كما أن متعلق الوهاب عظائم النّعم، وفيه الحضّ على الرفق بالدوابِّ، فلها حقُ الحيوانيةِ التي تشارك فيها الآدمية، ولها على الناسِ حق الكفاية لما تحمل عنهم من المؤن، وتبلغُهم من الآمال، وتجلبُ إليهم من الفوائد. وذكرَ النهي عن التعريس في الطريق، فإن فيه مضرة الآدمي ومضرة الحيوانات، فإنها سبيل الكل، وذكرَ الإسراع فيهِ في الأرض الجدبةِ لحق الدَّوابّ وعلى الجملة لحق الأهل، فإن للأهل حقًا في الكون معهُنَّ، فإذا كان عذر من

стр. 1155

شغلٍ فالله تعالى أولى به، وإذا ارتفع العذرُ تعيَّن الرجُوع إلى الأهل لحقهم فإذا رجع إليهم فلا يدخُل إليهم إلا كما قال النبي- ﷺ فليُطرقهن ولو بحجر (١). خرَّجه الدارقطني. ومن الرفق في السفرِ، الرفق بالأجير وَالرفق بالمملوك، وقد بوَّب مالك ﵁ على الرفق بالمملوك وأدخلَ حديث أبي هريرة للمملوك طعامه وشرابه (٢) وفي الصحيح حديثان حسنانِ (٣). أما أحدُهما فقوله ﷺ : (إخوانكم خولكم ملككم الله رقابهم فأطعموهم مما تأكلون) (٤) الحديث. والثاني حديث أبي مسعودٍ قال: كنتُ أضربُ غلامي، فإذا بصوتٍ من خلفي يقول: (إعلم) (٥) أبا مسعودٍ، إعلم أبا مسعود، فصَرفت بَصري. فإذا رسُول الله ﷺ فلما رأيتُه ألقيتُ السَوط، فقال لي: (الله أقدرُ منك) (٦). وقد رأى النبي ﷺ أبا بكر الصديق يضربُ غلامهُ في السفر، فجعل النبي- ﷺ يبتسم ويقول: (أُنظروا إلى هذا المحرم يضرب غلامه) (٧)، فوعظَ أبا مسعودٍ بالقدرة لما كان يعلم في قلبهِ من الغلظةِ، ووكل أبا بكرٍ الصديق لما علم في قلبه من الرأفة (٨) وما زادهُ على الذكر لأنه محرم، ومن تجرَّد عن المباحِ أولى وأحرى أن يتجرد عن المكروه أو المحذور أو ضرر الغير. خرَّجه أبو داود وغيره.

стр. 1156

ما جاء في البيعة (١) عقدَ مالك ﵁ هذا الباب لأنه أعظم عقودِ الإِسلام التي أمر الله تعالى بالوفاء بها فقال: ﴿أوفوا بالعقود ...﴾ (٢) الآية وإذا عاقَدتَ صاحبك قولًا أو فعلًا أو إشارة تعين عليك الوفاء بذلك العقدِ فالقول هو أن تقول له أبايعك على كذا؛ ومعناه: أُعطيك ما عندي لتعطيني ما عندك. ومبايعةُ الله تعالى لفضله أن نعطيه أنفسُنا فيعطينا أنفس ما عنده، وهو البائع وهو المشتري، وهذه علامات وأمارات على ما سبق للعبدٍ وأما العقد بالفعلِ فهو أن يجمعهما طريق وهو الصَّاحب بالجنبِ في أحدِ التأويلين أو يجمعهما جوار، أو مجتمع خيرٍ كالمسجد أو حلقةِ الذكر أو طاعة كالجهاد والصلاة والحج وسائر أسباب الألفةِ الدينية، وقد قال تعالى مبينًا لذلك في مواضعٍ كثرة من كتابه. من أمهاتها قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ...﴾ إلى قوله ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ (٣) الآية وأما العقد بالإشارة فكنحو ما جاء في الحديث: (إذا حَدَّث الرجلُ والتفت فهي أمانة) (٤) فالالتفاتُ معاقدة من المحدثّ ودوام (٥) المجالسة رابط له إلى سائرِ الروابط التي بيناها في موضعَها من شرح الحديث والباب طويل، ؤهذه الإشارة تكفي فيه. الكلام في الكلام قد بينا في الأصول أن محلَ الكلام والعلمِ القلبُ، وأنّ هذه العبادات الدائرة على الألسن بتقطيع الحروف والأصوات عليه دليلٌ شرَّف الله به الآدمي، كما قال سبحانه مخبرًا عن هذه المنَّة ﴿خلقَ الإنسان علمهُ البيان﴾ (٦) الآية .. ثم لما خلقَهُ من حَمإٍ مسنونٍ

стр. 1157

وكتب عليه إساءة الأقوال كما كتبَ عليهِ إساءة الأفعالِ بينَ معاقدِ الجواز في القول كما بين مراتبه في الفعل وجعل مَحِل الدليل على الكلام على الاختصاص اللسان وجعل سائر الجوارحَ تدلُّ عليه بالإشارة وعلى عظيم شرفِ اللسانِ سلط الله تعالي سبحانه عليه الآفات ففيه خصلة واحدة وهي الصدق وفيه نيفٍ على عشرين آفةٍ شرُّها الكذب. قال لي دايشمند (١): إذا أردت ألَّا يبقى على فعلك آفة، ولا على لسانك فالزم الصدق، فإنك إذا عرفتَ أنك ستسأل فيقال لك فعلتَ كذا؟ فإن قلت لا كذبتَ وإن قلتَ نعم هكلت. فالصدقُ رأس مال المطيعين وما لزمه أحدٌ قط في الإِسلام لزومًا أعرضَ فيه عن المعاريض إلا ربعي بن حراش (٢) فإنه لم يكذب قط في الإِسلام كذبة. ولقد خرج ولده مع ابن الأشعث على الحجاج فطلبه وجعل فيه الجعل أزيد من عامٍ فلم يقدر عليه فلما أعجزهُ، قال له بعض من رأى اهتمامه به أيها الأمير إنْ أردت أن تجده فاسأل عنه أباه فإنه لا يكذب، فأرسل إلى ربعي فقال: أتعرف لابنك مستقرًا؟ قال: نعم. قال له: وأين هو؟ قال: في موضع كذا. فأرسل الحجاج إليه فجيء بهِ، فلما مثل بين يديهِ صعَّد فيه النظر وصوَّب ثم قال: قد وهبتك (٣) لصدقِ أبيك. وكان الناسُ قد اختلفوا قديمًا أيما أفضل الصَّمت أم الكلام حتى كادوا يقولون لو كان الكلام من فضة لكان الصَّمتُ من ذهب، فتكلمنا عن ذلك (٤) مع شيخنا أبي بكر الفهري رحمه الله تعالى بالمسجد الأقصى طهّره الله تعالى وذكرنا ما وقعَ من الكلام فيه فقال: هذا كله خطأ، الكلام أفضل علي كل حالٍ, لأنّ الكلامَ من صفاتِ الله تعالىَ ، وما كان لله من صفاته للعَبد منها أُنموذج فإنها أشرف من صفةٍ يتعالى الله تعالى عنها ، وما ذلك في الغباوة إلَّا بمنزلة من يقول الجهل أشرف من العلم، بيد أنهُ لشرف اللسان حف بالآفات ولقلةِ احتراز الناس في المنطق هربوا إلى الصَّمت، وذلك بمنزلة من يفر من العلمِ إلى الجهلِ لتعب الطلب. انتهى كلام الشيخ رَحمهُ الله تعالى ولما كان شرفُ الكلام أظهر من الشمس في البيان، بوَّب مالك ﵁ على ما يُكره منه في سبعة أبواب: الباب الأول: في المكروه المطلق منه، ذكر فيه قول رسول الله ﷺ : (من قال

стр. 1158

لأخيه كافر فقد باءَ به أحدهما) (١) تمامه إن كان كما قال وإلا جاءت عليه (٢)، وهذا معنى صحيح, لأنَّهُ إذا عُلمَ من صاحبه إنَّه مؤمن فكفَّرة فقد أخبر عن الإيمان بالكفر وهو كفر. فإن قيل: أفتحكمون له بالكفر؟ قلنا: لا، فإن قيل: فلمَ وقد كفر الإيمان؟ قلنا: لأنّ قولهُ يحتمل أن يكون سبَّاً بالكذب، أخبرَ عما يعتقدُ فيه خلافهُ، فلو حقق النسبة بالاعتقاد كأن يقول السُني للقدري يا كافر، لحكمنا عليه بالكفر واستتبناه. حديث: قال النبي- ﷺ : (إذا سمعتَ الرجلَ يقول هلكَ الناسُ فهو أهلكَهُم) (٣) يروى برَفع الكافِ ونصبها (٤) , فإن رفعت الكافُ كان المعنى أنه أشدهم هلاكًا, لأنه بحكمهِ على الخلقِ بأنهم قد هلكوا، وقطعه عليهم أو ظنَّه قد استوجبَ إثمًا عظيمًا, لأنَّه حكمَ على الله تعالى بما لمْ يعلَمْ، ونسب الناس إلى التمالي على البَاطل فهو أشدهم هَلاكًا من وجهين: أحدهما: أن معاصي الناس لم تتعدَّهم، ومعصيتُه هو تعدَّت إلى الخلق، بل عمَّتهم والمعصيَةُ المتعديةُ أعظمُ إثمًا مِنَ المعصيَة القاصِرَة، كما أن الحسنة المتعدية أوفر أجرًا من الحسنةِ القاصرَة. والثاني: أن معصية الناس وقفت بهم أيضًا، ومعصيتُه هُو تعلقت بجميعهم، والأجر يتضاعف بالمتعلقات كالطيب مثلًا فيه أجرُ السنة ونظافة المرء ونفع الجليس وإكرام الملائكة إلى غير ذلك مما يتعلقُ به، وكذلك المعصية كظلم الضعيف واليتيم يوم عرفة بعد صلاة العصر في يوم جمعةٍ لكلِّ متعلقٍ أيضًا جزء من الإثم، وليس هذا بمضاعفة مبتدأةٍ، وإنما هو تَضعيف بالأسباب، وإنما تكون المضاعفة المبتدأة بالحسنَات، وأما من رواة بنصب الكاف فمعناهُ إنه كان سببَ هلاكهم, لأنّ الخلقَ لا يهلكُ أحد منهم بمعصيَة نفسه، وإنما يهلك الناس بمعاصي العامة المتعدية على ما يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى. حديث: (لا يقولنَ أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدَّهر) (٥) ظنَّ بعضُ الجهَّال

стр. 1159

أن هذا يقتضي تعديد الدهرِ في أسماء البارئ تعالى. وذلك باطل ولكن خرجَ هذا على عَادة الجاهلية في نسْبتها الأفعال إلى غيرِ الله تعالى من الأسباب المتردّدةِ، والحوادث المتعاقبة، فإذا جاءَ الخلقُ من ذلك ما يحبُّون، فرِحُوا بذلك المتاع، وإذا جاءهم ما يكرهون عكفوا على الدهر يسبُّونه وينسبونه إلى اللوم والإذاية، فأراد النبي- ﷺ أن يطهِّر عقائدهم من هذا المنزع الخبيث، ويعلمهم بأن هذه الأفعال التي يكرهون، والأفعال التي يحبُّون، ليست منسوبة إلى الأسباب، ولا محسُوبة على الحوادث، وإنما هي كلها مضافة إلى الله تعالى تقديرًا وخلقًا، وسبّ الحكم والمعلول سبَّ للعلة، فإنك إذا قلت فعلَ الله بفلان كذا كذا وكان المشار إليه باللوم موجودًا في غيره فَقد دخلَ في حُكمهِ وأما قول عيسى ﵇ للخنزير: إذهبْ بسلامٍ (١)، فإنه من أعظم أدَب الكلام لقوله أخَافُ أن أعوِّدَ لساني لمنطقِ السوء. وُيروى أن الربيعَ بن خُثيم جاءه ابنه فقال له: أذهبُ ألغب؟ قال له: إذهب صلِّ. فقال له بعضُ جلسائِه ما هذا جَوابه؟ قال: كرهتُ أن يكتبَ في صحيفتي العبْ. وقد فهِمَ هو ما أراد. وأما الباب الثاني: في التحفظ من الكلام ففيه إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يسترسل في الحديث بل يرويه في نفسه ويتدبره بَفكره وينظر في فائدته وعاقبته، وحينئذ يخبر به. فإنه قد يتكلمُ بالكلمة لا يلقي لها بالا فتهلكه (٢) دنيا أو دينًا، ولذلكَ قالوا في المثلِ: "ما من شيء أحقُّ بطولِ سجنٍ من لسانِ" (٣) ولذلك قال في الباب الخامسِ: (من وقاه الله شر اثنين ولج الجنة) (٤). الحديث.

стр. 1160

وكذلك رُوي عنه ﷺ أنه قال: (إذا أصبحَ ابِن آدمَ كفّرت أعضاؤه اللسان (١) تقول له: إتقِ الله فينا، فإنك إن استقمتَ ...) الحديث. ومعنى كفَّرت سلّمت عليه بخضوع الأعاجم وركوعَها، واستعار للسان سلام الأعاجم لأنه نهاية الذلة والاعتراف بالخدمَه. ولذلك قال أبو بكر الصديق ﵁: "هذا أوردني (٢) الموارد فقالت له عائشة: موارد الجنة إن شاء الله" (٣). وأما الباب الثالث (٤) في الكلامِ بغيرِ ذكر الله تعالى، فإن مالكًا ﵁ عقده عقدًا بديعًا لنكتة صوفية. وذلك أن اللسان عبد لله، فلا ينبغي أن يُذكرَ سواهُ، فتكون خدمة عبدٍ لغيرِ مَولاه وهذا هو أصل الدين والذي عليه كافة المسلمين. ومن شيوخ الصُّوفية من كان يرى ألا يذكر الله تعالى ويقول ومثلي يذكره، والله لا أذكره حتى أغسلَ فمي بألف توبةٍ متقبَّلةٍ. منهم سمنون المحبة (٥)، وهذا لا يجري على قوانين الشريعة، وإنما على العبد أن يذكر ربه كان مطيعًا له أو عاصيًا، والخلاف الذي قدمناه من الصوفية إنما هو في ذكر النفل لا في الفرضِ، ثم إن الله تعالى جوَّز للعبدِ لحاجة النفس أن يتكلمَ في معاشِه ورياشه بغير ذكر ربه. قالت الصوفية: وينوي بذلك كلهِ وجه الله تعالى فيعود الكلِ إلى ذكر الله ، حتى لا يتكلم العبدُ بأقوال من اللغوِ ليسَ فيها حَظ إلا ما يدّعيه من راحةِ النفس وهذا هو معنى قول عيسى ﵇: "لا تكثروا الكلام بغير ذكرِ الله فتقسو قلوبكم" (٦) ولذلك قال مالك ﵁ في حديثِ النبي- ﷺ : (إن من البيان
следующие страницы →