← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

باب (١) النهي عن دخول المسجد بريح الثوم ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ أَكَلَ ثُوماً أَوْ بَصَلاً أَوْكَرَّاثاً فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا". وورد الحديث في الصحيح من طريق ابن عمر (٢) وجابر (٣) وأنس (٤) وأبي سعيد (٥) ووقع طرف منه في حديث سلمة بن الأكوع وهو قوله (أصابتنا مخمصة بخيبر) (٦) لأن النبي ﷺ ، قد كان نهى عن أكل الثوم والبصل فأصابتهم مجاعة بخيبر فوقعوا في زراعة بصل فأكلوها من الجوع، فقال النبي ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْ مَسَاجِدَنَا" (٧) فقال الناس حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبيِّ، ﷺ ، فقام ﷺ ، فخطب الناس فقال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ الله وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا" (٨). وذكر النبيُّ، ﷺ ، في ذلك ثلاثَ علل قوله "يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ"، وقوله: "فَإِنَّ

стр. 107

الملَائِكَةَ تَتَأذَّى بمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ"، وذلك يدل على أنهم مركبون من ريش وجسم لا كما تقوله الفلاسفة أنهم بسائط وتقول (١) إنهم يكبرون حتى يملأ أحدهم الأفق، ويصغرون حتى يصير أحدهم كالريضيع، ولذنك قال النبيُّ، ﷺ ، لصاحبه: "كُلْ مِنَ القِدْرِ الَّذِي فِيهَا الخضْرَوَاتِ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي" (٢)، إشارة إلى أن الملك يأتيه من غير وعد فربما وجده على تلك الحال. وفي الآثار المرسلة "أَنَّ الرَّجُلَ يِكْذُبُ الكِذْبَةَ فَتُبَاعِدُ عَنْهُ المَلَكَ منْ نَتْنِ رِيحِهِ" (٣)، وذلك كثير في الشريعة. والعلة الثالثة قوله: فَلَا يَقْرُبْ مَسَاجِدَنَا وَمَسْجِدَنا، فذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية، وذكر الصفة في الحكم تعليل لأن الأسماء التي علّقت عليها الأحكام على قسمين: أحدهما مشتق والآخر جامد. فإذا علق الحكم على اسم مشتق أفاد الحكم والعله كقوله أكرم العالم ومعناه لعلمه. وإذا كان الاسم جامداً لم يفد إلَّا ما قيَّدته الإِشارة وهو بيان المحل كقوله أكرم زيداً. وعلى القسم الأول جاء قوله سهى فسجد وزنا فرجم وقتل فقتل (٤) وهذا يدل على مسألة حسنة من أصول الفقه وهي تعلُّق الحكم الشرعي بعلل كثيرة كامتناع من وطئ الحائض المحرمة الصائمة بخلاف العلل العقلية فإن الحكم لا يتعلق منها إلا بواحدة.

стр. 108

ترجمة فائدة (١): إدخال مالك هذا الباب في هذا الموضع أنه لما بيّن أوقات الصلوات للواحد والجماعات وذكر التخصيص عليها وعلم أنها تتعلَّق بمحلين زمان، وهو الذي بين ومكان وهو المسجد أراد أن يفيدك أن صلاة الجماعة ليست بفرض إذ لو كانت فرضاً لما جاز أن يتخلف عنها بأكل الثوم. فإن قيل لا يمتنع أن يسقط المباح الفرض كالسفر يسقط الصوم وشطر الصلاة، قلنا: السفر لم يسقط الصوم ولا الصلاة وإنما نقلها إلى بدل بخلاف أكل الثوم فإنه يسقط الجماعة رأساً فدل على أنها ليست بفرض. لَحَق. قوله: "يُؤذينا بِريحِ الثُّومِ" المساجد على ضربين مختطة كمصلى العيدين ومصلى المسافرين إذا نزلوا، ومبنية كسائر المساجد، فإن كانت المساجد مختطة تعلَّق الحكم بعلتين إذاية الملائكة وإذاية الإِنس لأن المسجد المختط غير المبني لا حرمة له، إنما الحرمة للمختط المبني، ولذلك قلنا إنه لا يدخل آكل الثوم مجالس العلم ولا مشاهد الرأي والمشورة في الحرب، نعم ولا الأسواق المختلطة التىِ لا يمكن أحد أن ينفصل من موضعه إلا بتبديد تجارته (٢). والدليل على صحة ذلك قول عمر بن الخطاب، ﵁، في الصحيح كان النبي، ﷺ : "إذا وَجَدَ رِيحَهَا مِنْ أَحَدٍ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى البَقِيعَ" (٣). تحقيق لغوي شرعي: قوله: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ" الخبث في اللغة عبارة عن كل ما لا يلائم الحاستين الشم والذوق ويستعار في غير ذلك. والخبيث في الشريعة (٤) عبارة في الأطعمة عن المحرم وهو معنى قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ

стр. 109

عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) يريد يحرم عليهم المحرمات أي بعينها. وقال غير مالك من العلماء معنى الخبائث ههنا كل مستكرهٍ، وقد بينا تحقيق الآية في كتاب الأحكام (٢). العمل في الوضوء: ذكر مالك حديث عبد الله بن زيد (٣)، وروى وضوء رسول الله، ﷺ ، جماعة منهم عبد الله ومنهم عثمان (٤) وعلي (٥) وعبد الله ابن عباس (٦) وجماعة هؤلاء أصولهم. والوضوء

стр. 110

أصل في الدين وطهارة المسلمين وخصيصة لهذه الأمة في العالمين، وقد روي أن النبيّ، ﷺ : "تَوَضَّأَ فَقَالَ: هذَا وُضُوئي وَوُضُوءُ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ" (١)

стр. 111

وذلك لا يصح وهو مشروع في الدين على ستة أقسام، وضوء للدعاء، ووضوء لرد السلام، ووضوء للنوم، ووضوء لقراءة القرآن عن ظهر قلب ووضوء للدخول على الأمراء ووضوء للفضيلة وتجديد العبادة والأصل وضوء الحدث، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ...﴾ (١) الآية. وقد اختلفت آراء علمائنا، في هذا التقسيم، اختلافاً طال معه الكلام، والذي يرتبط فيه المرام أن الرجل إذا توضأ بنية رفع الحدث الطارئ عليه فإنه يجوز له أن يفعل كل شيء كان الحدث مانعاً منه، ولا خلاف فيه بين علمائنا، إلا أنه قد ذكر القاضي أبو الحسن (٢) بن القصّار أن رفع الحدث إن كان مطلقاً صح هذا القول وإن كان مقيداً- بفعل لم يجز إلا ذلك الفعل، متل أن يتوضأ للظهر قال فلا يجوز له أن يصلي به العصر وهذا قول ساقط لأن الحدث ليس بمحسوس وإنما معناه المنع، وإذا زال المنع لم يعد إلا بعود سببه. وأما الوضوء بنية الأقسام المتقدمة فإن الصلاة وأمثالها مما يمنع الحدث منه تجوز به لأنه إنما توضأ ليكون على أكمل الأحوال فيقول في النوم ألقي ربي على طهارة إن مت، ويقول في الدخول على الأمير لا أدري قدر ما أحتبس فربما تحين الصلاة فتجدني طاهراً، وأما ذكر الله فيقول لا أتكلم به إلا على طهرٍ. فأي خلاف يتصور في هذا لولا الغفلة عن وجوه النظر، يبقى وضوء الفضيلة.

стр. 112

قال سحنون (١) ومحمد بن عبد الحكم (٢): لا يصلي به إن كان تبيَّن أنه كان محدثاً، وقال أَشْهب (٣): يجزيه. وقد روي الوجهان عن مالك، ﵁، والصحيح أنه لا يجزيه لأنه لم ينوِ الطهارة والإِباحة وإنما نوى الكمال والفضيلة. وهم وتنبيه وقع في الموطّأ: مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني (٤) عن أبيه (٥) أنه قال لعبد الله ابن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وهذا وهم قبيح من يحيى (٦) بن يحيى وغيره، وأعجب منه أنه سئل عنه ابن وضّاح (٧)، وكان من الأئمة، فقال هو جده لأمه ورحم الله من انتهى إلى ما سمع ووقف دون ما لا يعلم وكيف جاز هذا على ابن وضّاح، والصواب في المدونة التي كان يقرئها ويرويها عن سحنون، وهي بين يديه ينظر في كل حين فيها. وصواب الحديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد، وهذا الرجل هو عمارة بن أبي حسن المازني جد عمرو بن يحيى (٨)، والوضوء يكون في الخمسة

стр. 113

الأعضاء الأول الكفان وليس غسلهما مشروعاً لنفسه وإنما هو للتأهب للوضوء به. قال النَّبيّ ﷺ "إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً فَإِنَ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (١)، فأمر بغسلها استظهاراً وقد كنا نقول كما قال أحمد (٢) وإسحاق (٣) إن غسلها واجب إلا أن النبيَّ، ﷺ ، أعقب الأمر الأول في الحديث بقوله فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده فعلل بالشك، والشك لا يوجب حكماً في الدين بيد أنه لما واظب عليها النبيُّ، ﷺ ، في جميع وضوئه، وبدأ بهما في كل حالة من أحواله، عدها العلماء من جملة الوضوء وحسبوها من جملة الأعضاء اقتداء بفعل النبي، ﷺ ، فيها ومحافظة عليها حتى قال علماؤنا: لو أن رجلاً غسل يديه ووجهه ثم عرض عليه الحدث في أثناء الوضوء وجب عليه أن يبتدىء الوضوء، واستحبوا له أن يعود إلى غسل يديه لأنهما من جملته. العضو الثاني: الوجه. قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤).

стр. 114

واختلف العلماء هل يتناول هذا الأمر باطن الفم والأنف أم لا؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب (١) ذلك، وقال عامة الفقهاء لا يجب ذلك لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن، والعرب لا تسمي وجهاً إلا ما وقعت به المواجهة (٢)، ولكن النبيَّ، ﷺ ، واظب عليهما بالمضمضة والاستنشاق فكان ذلك مأخوذاً من فعله، وقد قال النبيُّ، ﷺ ، للأعرابي: "تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ الله تَعَالَى" (٣) فأحاله على القرآن.

стр. 115

العضو الثالث: اليدان، وقد ذكرهما الله في كتابه وحدهما بتحديده فقال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد وأطالوا في ذلك الكلام وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب (١) فإنه قال: إن قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ حد للمتروك من اليدين لا المغسول منهما وبذلك تدخل المرافق في الغسل (٢). العضو الرابع: الرأس، وهو رأس في مسائل الوضوء اختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولاً: ثلاثة لأبي حنيفة (٣)، وقولان للشافعي (٤)، وستة أقوال لعلمائنا، والصحيح منها واحد (٥) وهو وجوب تعميمه لأن الله، ، لما قال: ﴿فَاغْسِلُوا

стр. 116

وُجُوهَكُمْ﴾ فوجب غسل الجميع بظاهر القرآن، لذلك قال وأمسحوا برؤوسكم فوجب مسح جميع الرأس بظاهر القرآن أيضاً. فإن قيل فما فائدة دخول الباء ههنا فعن ذلك جوابان: أحدهما: أنا نقول فائدتها ههنا، فائدتها في قوله في التيمم فامسحوا بوجوهكم فلو كان مقتضاها التبعيض لافادته في ذلك الموقع وهذا قاطع لهم في كل جواب يحاولونه. الثاني: أن أحداً من المحققين لم يخطر بباله أن الباء للتبعيض لكن أفادت ههنا فائدة بديعة وهي أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به. فلو قال امسحوا رؤوسكم لم يفد ذلك ممسوحاً به ولا جزأ مسح اليد على الرأس كذلك مطلقاً فدخلت الباء لتفيد معنى متعلقاً به، وهو الممسوح به وهو الماء فيكون تقديرها وامسحوا برؤوسكم الماء، وذلك فصيح في اللغة على وجهين: أما على القلب كما أنشدوا: كنواحِ (١) ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد (٢) وإما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر: مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر (٣) فإن قيل فقد روي: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ" (٤). قلنا. هذه حكايته حال وقضية عين وحكايات الأحوال لا تحمل على العموم ولا يحتج بها في الإِطلاق، ولعل النبيَّ، ﷺ ، فعل ذلك لعذر بدليل أن كل من وصف وضوءه في

стр. 117

جميع الأحوال ذكر عموم الرأس في الصحيح لا سيما وكان هذا الفعل منه، ﷺ ، في السفر وهو مظنة الأعذار وموضع الاستعجال والاختصار وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار. العضو الخامس: الرجلان، وقد اتفقت الأمة على وجوب غسلهما وما علمت من رد ذلك إلا الطبري (١) من فقهاء المسلمين ... والرافضة (٢) من غيرهم، وتعلّق الطبري بقراءة الخفض. وقد قرئت هذه الآية على ثلاثة أوجه: فرفع الإِمام نافع وخفضها غيره ونصبها أيضاً نافع وغيره (٣)، ولكل واحد منهما في العربية وجه ظاهر. وكنا نأخذ كيفية طهارة الرجلين من هذه القراءات لولا أن السنَّة قد أوضحت شأنهما فغسل النبيُّ، ﷺ ، رجليه دائماً، ورأى قوماً تلوح عراقبهم (٤) فقال: "وَيْلٌ (٥) لِلأَعْقَابِ (٦) مِنَ النَّارِ" ولم يبقَ

стр. 118

مع هذا إشكال مع الطبري. (تكملة) إذا ثبت هذا فكل من وصف وضوء رسولِ الله، ﷺ ، اختلفوا في نقله. فمنهم من قال إنه توضأ (١) مرة ومنهم من قال إنه توضأ مرتين (٢)، ومنهم من قال إنه توضأ ثلاثاً (٣)، وهذا كله صحيح نقله ثابتة روايته وروي "مَنْ زَادَ عَلى الثَّلَاثِ أَوْ ازْدادَ فَقَدْ تَعَدّى أَوْ ظَلَمَ" (٤)، وهذا لم يصح. وحذارِ أن تظنَّ أن الذين نقلوا وضوء رسول الله، ﷺ ، مرة أو مرتين أو ثلاثاً أنهم أخبروا بذلك عن إسباغ وضوئه فيها أو تكملة طهارته بها، فإن هذا شيء باطن لا يعلمه أحد إلا الله، فلا يصح لأحد من البشر أن يطلع عليه إلا من قِبَل صاحبه، وإنما نقلوا أعداد الغرفات فيحتمل أن يكون النبيُّ، ﷺ ، عم بواحدة أو اثنتين، والثانية في الثانية، والثالثة في الثالثة فضل، ويحتمل أن يكون عم بالجميع بحسب

стр. 119

اختلاف أحوال الأعضاء في قبولها للماء ونبوِّها عنه، وبحسب كبر الغَرفة وصغرها، وبحسب وصولها كاملة إلى العضو أو يصيبها شيء من تبديد في الحمل، ولذلك روي عنه أنه غسل وجهه ثلاثاً (١) ويديه مرتين بحسب أن الوجه ذو غضون وجوانب مختلفة كالبياض المتصل بالأذن والمارن (٢) وأجفان العينين من كل الجهتين، وذلك يحتاج إلى المرَّ بالماء عليه وحمله إليه، بخلاف اليد والرجل، فإنهما سطح يستن الماء عليهما استناناً واحداً وتتبعه اليد فلا يفتقر إلى مزيد تكلف. تتميم: اختلف الناس في تكرار مسح الرأس فرأى مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) أنه لا يكرر، ورأى الشافعي (٥) تكراره، وقد مهدت ذلك في مسائل الخلاف، والمعمول عليه ههنا أن كل من روى وضوء رسولِ الله، ﷺ ، إنما نقل مسح الرأس مرة واحدة. فإن قيل قد روي عن عثمان أنه نقل مسحه ثلاثاً، قلنا. ذلك لم يصح نقله عن عثمان، قال أبو داود أحاديث عثمان الصحاح كلها أن مسح الرأس مرة (٦) واحدة واختلفت الرواية أيضاً في صفة مسحه فروي (مَسَحَ رأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِيَدهِ وَأَدْبَرَ. وروي: فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأقْبَلَ) (٧)، ووجه

стр. 120

الجمع بينهما ينبني على مسألة من اللغة وهو أن الفعل يسمى بأوله وهل يسمى بآخره أم لا؟ ذلك كثير فيها كتسمية الظل في أول النهار فيئاً، وتسمية القافلة في خروجها قافلة، إلى كثير من أمثال هذا. فإذا وضع يديه على ناصيته وأخذ بهما إلى قفاه كان هذا إقبالاً لأنه ابتدأ من القبل، وصح أن يسمى إدباراً بمثل ذلك التقدير إذا بدأ بالمسح من القذال (١) راجعاً، ولما خَفِي هذا على بعض علمائنا أنشأ في صفة مسح الرأس هيئة غريبة فقال يضع يديه على الفودين (٢) مع القمحودة (٣) ثم يمشي بهما كذلك الرأس كله ثم يعود حتى يرجع إلى المكان الذي بدأ منه وهذا لا معنى له ويرده قوله في الحديث فبدأ بمقدم رأسه وهذا نص. مزيد بيان: كلّ من روى وضوءَ رسولِ الله، ﷺ ، من الصحابة، رضوان الله عليهم، قد ذكر مسح الرأس وسكتوا عن الأذنين إلا ابن عباس والرُّبَيِّع بنت معوذ ابن عفراء، أما ابن عباس فرواها مطلقاً فقال: مسح رأسه وأذنيه، وأما الربيع فقيدت وقالت: فمسح رأسه وأمسك مسبحتيه لأذنيه. وقد اختلف العلماء (٤) في تجديد الماء لهما أو مسحهما بماء الرأس اختلافاً أوجب سكوت الصحابة عن نقلها، والصحيح وجوب تجديد الماء لهما لأنهما ليستا من الرأس لا في الصفة، ولا في الحكم، وقد استوفينا ذلك في مسائل الخلاف.

стр. 121

حديث: قال أبو هُرَيْرَة، ﵁، قال رسولُ الله، ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ (١) فَلْيُوتِرْ". عقَّب مالك، ﵁، حديث عبد الله بحديث أبي هُرَيْرَة ليبيِّن تأكيد المضمضة والاستنشاق (٢)، وأن النبيَّ، ﷺ ، كما فعلهما فعلاً فكذلك أمر بهما قولاً. وقد اختلف عن النبيّ، ﷺ ، فروي عنه أنه تمضمض واستنشق من غرفة واحدة (٣) وذلك كما بيناه يختلف بحسب اختلاف كثرة الماء وقلته وحاجة العضو إلى النظافة واستغنائه لا أن التعديد فيهما سنة كما توهّمه بعض الناس. وأما قوله: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" فإنه يعني بذلك أن يكون بحجر واحد، أو ثلاثة، أو خمسة ولا يكون بالشفع؛ فإنَّ النبيَّ، ﷺ ، كان يحب الوتر في أفعاله (٤) كلها. وقد روى مسلم (٥): "الِاسْتِجْمَارُ توٌّ وَالطَّوَافُ تَوٌّ" يعني وِتراً، واختلف الناس في التطيُب هل هو مثله أم لا؟ فكان مالك، ﵁، إذا أراد أن يتجمَّر طيباً كسر العود ثلاث كسر حتى يكون وتراً، وروى بعض أصحابه أن أعرابياً قال له: إنا نسمي استعمال الحجارة في الغائِط استجماراً فرجع إليه (٦)، ومالك كان أوسع حوصلة من أن يكون ذلك الأعرابي يلقنه أن استعمال الحجارة هناك يسمى استجماراً، وإنما أصغى إليه مالك، ﵁, لأنه رآه يقتصر على ذلك الوضع، ولم يفهم حمله على العموم للفظة المشتركة في الطيب

стр. 122

والحجارة وكله نظافة واستطابة (١). وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة: قال أبو هُرَيرة، ﵁، قال رسول الله: ﷺ : "إذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا في وُضُوئِهِ فَإنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِيَ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (٢). ففي هذا الحديث فوائد كثيرة أمهاتها ثلاثة: أحدها: ما تقدم من أنه روي في بعض ألفاظه: فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا في وُضُوئِه، بلفظ الأمر (٣). وروي: فَلَا يَغْمسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَها ثَلَاثَاً (٤). والأمر على الوجوب عندنا والنهي يقتضي الحظر إلا أنّا قد بينا أنه عقب في آخر الحديث بما رد الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، ورد النهي من الحظر إلى الكراهة وهو قوله: فَإنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ باتَتْ يَدُهُ. فمن علمائِنا من قال: إن هذا شكّ، والشكّ لا يوجب حكماً في الشرع بإجماع (٥). ومن علمائِنا من قال. إنه ظاهر، فإن الغالب من الإنسان أن تجول يده في نومه على جسده ومغابنه (٦) ومنافذه وخاصة من لا يستنجي، والأصلِ في اليد الطهارة. وهذا الغالب والظاهر قد طرأ (٧) عليه فأنشأ ذلك مسألة أصولية، وهي إذاً تعارض أصل وظاهر. وقد اختلف علماؤنا أيهما يقدم وقد بيَّنَّاه في موضعه (٨) لأنه

стр. 123

مختلف المآخذ (١) متباين المباني يفتقر إلى مزيد تفهُّم واحتفال في الابتهال، سمعت أبا بكر الفِهْرِيّ بالمسجد الأقصى، طهَّره الله تعالى، يقول: خرجت من الأندلس وقد تفقَّهْتُ بالباجي (٢) ولزمته مدة ودخلت بغداد فأتيت المدرسة، وكان النائب حينئذ في إقامة التدريس بها أبا سعد (٣) المتولّي فسمعته يقول مسألة إذا تعارض أصل وظاهر بأيهما يحكم فما علمت ما يقول ولا دريت إلى ماذا يشير، ثم لزمته حتى فتح الله تعالى، وبلغ ما بلغ (٤). الفائدة الثانية: أن لفظ الحديث، وإن كان غسل اليد فيه منوطاً بالقيام من النوم فإنه محمول على المقصود به من جولان اليد في البدن، وتصرفها في الأغراض المستكرَهة والمستقذَرة، وهذا يقتضي غسل اليد عند محاولة الوضوء سواء كان قائماً من النوم أو مقبلًا على وضوئه عن شغل لوجود العلة فيهما، وأعجب لأحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، مع سعة علمه، يقول: إن هذا مخصوص بنوم الليل (٥)، والقول الذي ورد على نوم الليل هو آية الوضوء (٦)، فأما الحديث المتقدم فهو مطلق. الفائدة الثالثة: وهي بديعة، قال علماؤنا، ﵃، في هذا الحديث أصل من أصول الشرع وهي الفرق بين أن يرد الماء على النجاسة، أو ترد النجاسة على الماء، فاقتضى هذا الحديث أن الماء إذا ورد على النجاسة أذهبها، كما أنه أفاد أيضاً أن النجاسة إذا وردت على الماء أثَّرت فيه، والملاقاة واحدة. إلا أن الشرع لما رأى أن الضرورة داعية إلى إفراغ الماء على النجاسة قصد إزالتها أُلغي حكمها: تفسير: إذا ثبت أن النجاسة تؤثر في الماء، باتفاق من العلماء، فإنهم اختلفوا في

стр. 124

تفصيل ذلك. فقال العراقيون، وإمامهم أبو حنيفة (١): كل موضع تحققنا وصول النجاسة من الماء إليه (يختبر كثيراً كان أو قليلاً)، إلا أن أصحابه حدّوه عنه بالبركة التي إذا حركت أحد طرفيها فإنْ تحرك الطرف الآخر فهو يسير فينجس بما وقع فيه من النجاسة، وإن لم يتحرك الطرف الآخر لم ينجس بوقوع النجاسة فيه، وفي المجموعة نحو منه. وأما (إذا) (٢) كان الماء يسيراً فإنه ينجس بوقوع النجاسة فيه عند ابن القاسم (٣) مطلقاً، وعند الشافعي مقيَّداً بأقل من قلتين. وتعلق الشافعي بحديث مداره على ابن جريج (٤) "إذا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ" (٥)، وهو حديث لم يصح. وروي عن مالك،

стр. 125

رضي الله عنه، وهو اختيار العراقيين أن الماء لا ينجسه إلا التغير. وروى بعض المدنيين

стр. 126

عن مالك ﵁، إنه إن لم يتغير وكان يسيراً إنه مشكوك فيه، منهم عبد الملك (١)، ومحمد بن مسلمة (٢)، والصحيح الذي يدان الله تعالى به أن الماء لا ينجسه إلا ما غيَّر صفاته، وأنه ما دام باقياً على ما خلق فيه من الصفات فإنه على أصله في الطهارة (٣)؛ لأنه إنما كان ماء بما هو عليه من الصفات طهوراً كماء أُنزل من السماء، فما غيره هو الذي يسلبه حكمه حتى لقد غلا في ذلك بعض المدنيين فروى ابن نافع (٤) عن مالك، ﵁، أن يسير النجاسة إذا وقع في كثير من المائعات، كالزيت واللبن، فإنه لا ينجسهما وهذا قول ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه ساوى بين الماء والمائعات ولامساواة بينهما. والثاني: أنه صدم الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ : "إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ في سَمْنِ أَحَدِكمْ فَإِنْ كَانَ جَامِداً فَأَلْقُوهَا (٥) وَمَا حَوْلَهَا (٦) "، الحديث إلى آخره. إذا ثبت أن الماء لا يؤثر فيه إلا التغير فإنه يتركب على هذا الأصل عشر صور: الصورة الأولى: أن يكون معه إناءٌ وشكّ هل وقعت فيه نجاسة أم لا، فعلى القول بأنه طاهر يتوضأ (٧) ويصلي. وعلى القول بأنه مشكوك (٨) يتوضأ به عندنا لأن الشك لا

стр. 127

يوجب حكماً، وعلى قول ابن شهاب (١) ونظرائه قال هذا ماء، وفي النفس (٢) منه شيء يتوضأ به ويتيمم (٣). الصورة الثانية: أن يتحقق وقوع النجاسة فيه لكنها لم تغيره فعلى القول الأول وهو أنه طاهر يتوضأ به. وعلى القول بأنه نجس يتيمم ويتركه، وقيل يتوضأ به ويتيمم لما تقدم من المعنى، وإذا قلنا بذلك فهل نبدأ بالوضوء أو التيمم؟ اختلف فيه علماؤنا، والصحيح عندي أنه يبدأ بالتيمم لأنه إن كان هذا ماءً نجساً فقد تيمم وصلى بأعضاء طاهرة، وان كان ماءً طاهراً فقد جازت بعد ذلك صلاته به. الصورة الثالثة. إذا كان معه إناءان أحدهما طاهر، والآخر نجس، ففيهما خمسة أقوال: الأول. أنه يتوضأ بهما، ويصلي صلاتين على تفصيل. والثاني: يدعهما ويتيمم. والثالث: إنه يتحرى فيهما ويجتهد فإذا أداه اجتهاده إلى الطاهر توضأ به. والرابع: مثل ما تقدم زاد ويريق الثاني. الخامس: أن الأواني إن كانت يسيرة تحرّى، وإن كانت كثيرة سقط عنه التحري للمشقة فيه ويتوضأ بأيها شاء. قاله القاضي أبو الحسن (٤).

стр. 128

وجه الأول: أنه لما شك في الطاهر منهما وجب عليه استعمالهما حتى يحصل له الطاهر بيقين. وجه الثاني: أنه يتركها لئلا يواقع المحظور. وجه الثالث: أنه يتحرى ويجتهد لأن الاجتهاد والتعويل على العلامات والإمارات أصل الشريعة في المشكلات، وهو المفزع في الأمر والنهي والحلال والحرام تمسكنا بذلك أولى، إذ هي مثل ما ذكرناه أو أدنى، وأما من قال إنه يريقه فقصد إزالة الإشكال لئلا يعود ثانية، وأما من فرق بين الكثرة والقلة فلا معنى له لأنه سواء كثرت الشبهات في المشكلات أو قلَّت فإنما المعول فيها على الدلالات والإمارات إلا أن يخرج الأمر عن حد الحصر فيسقط فيه التكليف. الصورة الرابعة: إذا كان معه إناءان طاهر مطهر، والآخر من ماء مستعمل، فإنه يتوضأ بهما جميعاً لأنهما ماآن مطلقان لا نجاسة فيهما عندنا، وعند أبي حنيفة إنه يتركهما جميعاً، رواه أبو يوسف (١) وقد بيّناه في مسائل الخلاف. الصورة الخامسة. إذا كان معه اناءان أحدهما ماء، والآخر ماء ورد، فشك أيضاً فيهما توضأ بكل واحد منهما وصلى صلاته لأنهما طاهران. الصورة السادسة: إذا كانا رجلين ومعهما إناءان مشتبهان فاجتهدا، فإن اتفق اجتهادهما على واحد استعملاه واراقا الثاني وأم كل واحد منهما بصاحبه، فإن أدى اجتهاد كل واحد منهما إلى إناء غير الذي رآه الآخر عمل كل واحد منهما بموجب اجتهاده ولم يؤمّ واحد منهما بصاحبه، وهي. الصورة السابعة، والصورة الثامنة: أن تكون الأواني ثلاثة والرجال اثنان، أو ثلاثة، فاختلف اجتهادهم فيلزم كل واحد منهم أن يتوضأ بالإناء الذي يراه طاهراً ويؤمهم أحدهم، فإذا حانت الصلاة الأخيرة جاز أن يؤمهم الآخر ولا يجوز أن يكون الثالث إمامهم لأنه إذا أمّ الأول إحتمل أن يكون النجس وقع في قسم أحد المأمومين، وإذا أمّ الثاني يقول

стр. 129

الثالث يجوز أن يكون النجس وقع في حقي فصلاة إمامي صحيحة، وإذا أم الثالث لم يبقَ من تعلّق به الإناء فنجس فلم يجز، وهكذا فرع أبداً متى زادت الأواني أو زاد عدد الرجال فإذا بقي واحد طاهر جازت الإمامة أبداً حتى يبقى واحد فقسه عليه. الصورة التاسعة: فإن أمّ أحدهما بالآخر وقد اختلف اجتهادهما في الأواني فاتفق علماء الأمصار على أن أحدهما لا يجوز أن يؤمَّ الثاني، وقال أبو ثور (١): يجوز لكل واحد منهما أن يكون إمام صاحبه (٢) لأن خطأه عنده ليس بيقين وإنما هو باجتهاد، وهو يرى أن صلاة صاحبه في نفسه صحيحة يلزمه حكمها ولا يجوز له العمل بغيرها، فلذلك يجوز له أن يؤمه فيها، وهذه مسألة عظيمة الموقع مستمدة من بحر تصويب المجتهدين وتخطيئتهم، وقد بيَّناها في موضعها فلا يحتملها هذا الإملاء. الصورة العاشرة. إذا اشتبه عليه إناء ماء وإناء بول، وتتصور هذه المسألة في إناء فيه ماء تغيّر بطول المكث حتى أجن (٣)، ثم اشتبه بعد ذلك بإناء بول فقال (ش) و (ح): لا يتحرى فيهما ويتركهما (٤)، وقال أبو زيد (٥) الملقي، من أصحاب (ش)، يتحرى فيهما وهو الذي تقتضيه أصولنا وبه أقول. تتيمم: ذكر مالك، ﵁، وضوء النائم. لأن النوم موجب للوضوء واختلف هل هو حدث أو سبب للحدث؟ فعند المزني (٦)

стр. 130

وأبي الفرج (١) إنه حدث في نفسه، وهي قولة ضعيفة، لما روى مسلم عن أنس، ﵁، قال: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيّ، ﷺ ، يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتوَضَّؤُونَ (٢)، والأحاديث في ذلك مشهورة. وإذا ثبت هذا فللنائم ثنتا عشرة حالة قائم، وماش، وراكب، ومستند، وراكع، وساجد، وجالس، ومحتبٍ، ومضطجع، ومستند قائمٍ، ومستند جالس، فهذه إحدى عشرة حالة والضابط للمذهب فيها أن من استثقل نوما فعليه الوضوء. وإذا كانت السنة (٣) والخفقة (٤) فلا وضوء عليه، ويراعى أيضاً إذا كان المنفذ منفرجاً أو منضغطاً، وقال (ح): من نام قَائِماً أو رَاكِعاً أو سَاجِداً أو جَالِساً فلا وضوء عليه (٥)، ونحوه لابن حبيب (٦) إلا في السجود، واحتج بما روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "لَيْسَ الوُضُوءُ عَلَي مَنْ نَامَ قَائِماً أو رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً أَوْ جَالِساً، إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مَضْطَجِعاً فَإِنَّهُ إِذَا نَامَ مُضْطَجِعاً اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ" (٧)، وهذا حديث منكر يرويه

стр. 131

أبو خالد (١) عن قتادة (٢) عن أبي العالية (٣)، فهو باطل ومنقطع. وتعلّقوا أيضاً بما روي أن النبيَّ، ﷺ ، قال: "إِذَا نَامَ العبْدُ في سُجُودهِ بَاهَى الله تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ يَا مَلَائِكَتِي اْنْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَبَدَنُهْ في طَاعَتِي" (٤)، وهذا أيضاً ضعيف لا أصل له، على أنه يحتمل أن يكون الله سبحانه أبقى عليه الأجر بعد النوم لأن روحه قبضت على طهارة وفي طاعة. وأما الحالة الثانية عشرة. وهي إذا استلقى (٥) وارتبط ثم نام فكان شيخنا أبو بكر الفِهري (٦) يقول: الذي يجىء على المذهب أنه لا وضوء عليه، وكذلك قال الجويني، من أصحاب الشافعي، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٧).

стр. 132

إلى قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فجمع الله سبحانه في هذه الآية أسباب الوضوء كلها، وقد بيَّنا ذلك في كتاب "أحكام القرآن" مستوفى (١)، فما خرج عنها فليس من أسباب الوضوء، ولأجل هذا لما ذكر مالك، ﵁، الآية في هذا الباب أعقبها بقوله لا يتوضأ من رعاف ولا من دم ولا من قيح إلى قوله أو نوم (٢). واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال. فمنهم من راعى الخارج من أي مخرج كان، وبه قال (٣): (ح) وراعى (ش) الخارج المعتاد من أي مخرج كان (٤)، ووفق الله مالكاً فراعى الخارج المعتاد من المخرج المعتاد، وعنه رواية أنه ينقض الوضوء بالخارج النادر من الخارج المعتاد (٥)، والصحيح اعتبار الخارج والمخرج المعتادين وعلى ذلك تدل الآية لا أنها خارجة عن العادة فتحمل عليها. الطهور للوضوء: هذه الترجمة تحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن تكون الطاء من الطهور والواو من الوضوء مرفوعين. والثاني: أن يكونا منصوبين. والثالث: أن تكون الطاء مرفوعة، والواو منصوبة. والرابع: بعكسه وهو حرف لم تضبطه الرواة إما عن جهالة وإما عن غفلة لمن كان يتقن، وقد اختلف أرباب اللغة في معناهما على هذا الضبط اختلافاً كثيراً والأشهر، والذي استقام على الأمثلة واستمر، أن يكون الفعول بضم الفاء للفعل وبفتحها للمفعول به وهي الآلة، فالطهور والوضوء بفتح الطاء والواو للماء وبضمهما للفعل، فعلى هذا يكون مساق

стр. 133

الترجمة الطهور بفتح الطاء والوضوء بضم الواو (١)، حديث: قال أبو هريرة ﵁: (جَاءَ (٢) رَجُلٌ إِلى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكُبُ البَحْرَ (٣) .. الحديث) إلى آخره، وهو حديث لم يروه أحد عن رسول الله إلا أربعة أبوهُرَيْرَة (٤)، وجابر (٥)، والفراسي (٦)،

стр. 134

والعركي، وابن عمر (١)، وأبو بكر (٢)، وعلي (٣)، وعبد الله بن عمرو (٤).

стр. 135

وأمثلها حديث أبي هُرَيْرَة هذا، واتفقت الصحابة على جواز الوضوء بماء البحر إلا ما روي عن عبد الله بن عمر (١) وعبد الله بن عمرو. وكان عبد الله ابن عمرو يقول هو طبق جهنم (٢)، وروي عنه أنه قال هو نار، وكأن هذا إشارة إلى أنه ماء سخط وعذاب فلا يتوضأ

стр. 136

به كما نهى النبيُّ ﷺ ، عن الوضوء بماء (١) ثمود وحضّ على الوضوء بماء بئر صالح (٢) التي كانت تردها الناقة هذا ضعيف فإنه لو كان ماء سخط وماء عذاب لما أذن النبيُّ ﷺ ، في ركوبه فكيف بأن يمدح راكبه وكيف لا يتوضأ به وهو منزل من السماء مخرج بالقدرة إلى التهيؤ للمنفعة وليس فيه أكثر مما أنه لايصلح للشرب وذلك لا يمنع من جواز الوضوء كالماء الأجاج وقد ركبت الصحابة البحر من عهد (٣) النبيّ، ﷺ ، ركوباً طويلاً مراراً فما روي عن أحد منهم أنه احتمل تراباً للتيمم. تنبيه: لما لم يكن هذا الحديث على (٤) شرط البخاري. بوب عليه فقال باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل (٥) عنه، وأدخل حديث ابن عمر: سئل رسول الله، ﷺ ، عما يلبس المحرم من الثياب (٦)، وإنما قصد التنبيه على هذا الحديث الذي فيه جواب السائل بأكثر مما سأل عنه في موضعين:

стр. 137

الأول: قوله هو الطهور ماؤه، فإنه لو قال له نعم لكان جواباً محالاً على السؤال وكان يقتضي ألا يجوِّز الوضوء بماء البحر إلا عند خوف العطش وقلة الماء، فأطلق النبيُّ، ﷺ ، القول إطلاقاً ليبين أنه طهور مطلق وحكم عام. الموضع الثاني: قوله: (الحلَّ ميتته) وكأن النبيَّ ﷺ ، فهم من السائل استنكافاً من البحر فأراد النبيُ ﷺ ، أن يبين له أنه بركة كله ماؤه طهور وميتته حلال (١) وظهره مجاز وقعره جواهر ودرر وقد قال جماعة منهم: (ح) لا تحل ميتته وتعلق في ذلك (٢) بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) وهذا عموم (٤) ظاهر وما قلناه أصح لثلاثة أدلة أحدها هذا الحديث الذي تلوناه آنفاً. والثاني: حديث أبي عُبَيْدَة، ﵁، حين ألقى لهم البحر حوتاً يقال له: العنبر فأكلوه. (٥) فإن قيل كانت تلك حال ضرورة، قلنا: وهو الدليل الثالث، قد أكل القوم منه وشبعوا وادَّهنوا وتزوَّدوا، لو كانت حال ضرورة ما جاز شيء من ذلك وقد وافقنا أبو (ح) على أكل ما صاده المجوسي من السمك (٦)، فلو كان الصيد تذكية كما زعموا ما جاز من المجوسي لأنه ليس من أهل الذكاة. تفسير: إذا ثبت أن الماء طهور لا ينجس إلا بماء غيَّر صفاته، لكنه يستحب صيانة قليله عن النجاسة لأنه أكمل في الطهارة وأقوى للنظافة وأطيب على النفس، فأما المياه الكثيرة كالآبار العظام والأنهار الكبار فإِنه يجوز رمي النجاسات والأقذار فيها قصداً، وعلى ذلك هذه الأمة كلها في البلاد التي تكون على الأنهار، وقد سئل النبيُّ- ﷺ (عَنْ بِئْرِ

стр. 138

بضَاعَةٍ وَقِيلَ لَهُ إِنَّهَ يُطْرَحُ فِيهَا الجِيَفُ وَالنَتَنُ وَمَا يَنَحى النَّاسُ فَقَالَ المَاءُ طَهُورٌ لاَ يَنْجِسُهُ شَيْءٌ (١)). حديث قول الرسول، ﷺ "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ إِنَّما هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ" (٢). الحديث قد روى الدارقطني أن النبي ﷺ ، دُعي إلى دَار قوم فأجاب، ودُعي إلى دار آخرين فلم يجب، فقيل له في ذلك؟ فقال: "إن في دار بني فلان، يعني التي لم يجب إليها، كلباً". فقيل له: في دار بني فلان، يعني الدار التي أجاب إليها هرة؟ فقال: "الهرة سبع (٣)، يعني أنها سبع المؤذيات للآدميين من الفأر والخشاش"، ولهذا قال في

стр. 139

الحديث، "إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكمْ وَالطَّوَّافَاتِ"، فأشار، ﷺ ، إلى أن الحاجة إليها أسقطت. اعتبار حالها في نجاسة سؤرها، رفعاً للحرج وتنبيهاً على أصل من أصول الفقه، وهو أنَّ كلَّ ما دعت الضرورة إليه من المحظور فإنه ساقط الاعتبار على حسب الحاجة وبقدر الضرورة وفي إصغاء الإناء لها فائدتان إحداهما طلب الأجر في ذي الكبد الرطبة. والثانية. الابتداء بتمكينها من الماء إشارة إلى أن طهارة سؤرها أصلية، وأن ما يعرض من حالها المتوهمة بأكلها للنجاسة ساقط الاعتبار، وهذا ما لم تر في (١) فمها أذى أو تمشي على عينك من النجاسة إلى الماء، فإن ذلك لا يجوز حتى تغيب عنك فتعود إلى أصلها، الذي حكم لها به النبيُّ ﷺ . فأما آثار السباع إذا وردت مياه الفلاة فإنها ساقطة الاعتبار أيضاً بعلَّة أنه لا يمكن الاحتراز منها، وقد ثبت أن النبي ﷺ ، (سُئِلَ عَنِ المِيَاهِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ فَقَالَ. لَهَا مَا حَمَلَتْ في بِطُونِهَا وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابَاً وَطَهُوراً) (٢)، ويخالف هذا

стр. 140

الدواجن التي تكون في البيوت فإنه ممكن الاحتراز منها ولا تدعو الحاجة إليها، ويخالف سؤر النصراني وشارب الخمر لأن ذلك معصية لا رخصة فيها ولا اعتبار بها، ويتركب على هذا مسألة أسئِار النساء، قال جماعة منهم: أحمد لا يتوضأ بسؤر المرأة (١) لحديث رواه لم يصح، وقد ثبت في الصحيح مخالطة الرجال والنساء (٢) والوضوء معهن وبما يفضل عنهن، وليس من جملة نواقض الوضوء أَكل ما غيَّرت النار وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ : "أنَّهُ يُتَوضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ وَلَا يُتَوَضَّأ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ" (٣)، وقد جاء مالك،

стр. 141

رضي الله عنه، في هذا الباب، بأصل بديع فقال: ترك الوضوء مما مست النار، ثم أدخل اختلاف الأحاديث، ثم أدخل عمل الخلفاء بترك الوضوء مما مست النار (١)، وهي مسألة من أصول الفقه إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ ، فما عمل بها الخلفاء أرجح (٢)، وما روي أن النبيَّ، ﷺ ، قرِّب إليه خبزاً ولحماً فأكل منه ثم توضَّأ وصلَّى فحكاية (٣) حال وقضية عين ونقل صورة ولم يكن الوضوء من الأكل وإنما كان الوضوء من سببه الموجب له

стр. 142

لأجل الصلاة، وقد أنكر أبيُّ بن كعب وأبو طلحه على أنس، ﵃، مسألته التي جاء بها من سفرته وهي الوضوء مما مست النار، فندم أنس، ﵁، ورجع عن قوله (١). والمسألة اليوم ساقطة الاعتبار لإجماع علماء الأعصار عليها، وإنما خص النبيُّ ﷺ ، لحوم الإبل بذكر الوضوء في ذلك الحديث للإشارة (٢) إلى غلظها وزهمتها، والصلاة ينبغي أن تكون على أكمل نظافة (ولأجل) ذلك شرعت فيها الطهارة. جامع الوضوء: ترجم مالك ﵁، على إزالة النجاسة بالوضوء نفياً فقال ما لا يجب منه الوضوء (٣) وإثباتاً فقال جامع الوضوء (٤). واختلف عنه أصحابه في حكمها فقال أشهب

стр. 143

إزالتها مستحبة، وقال بن القاسم. هي واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان، وقال ابن وهب: هي فرض في كل حال وبه قال (١) (ش)، وقال (ح) (٢): تلزم إزالتها إذا كانت مجتمعة في موقع واحد على قدر الدرهم البغلي (٣) بعني به على قدر الدينار، وإنما سمح في هذا المقدار منها قياساً على المخرج فإن الشرع سمح فيما يبقى من أثر النجاسة عليه بعد الاستنجاء فقاس هذا عليه، وقول النبي ﷺ ، وقد سئل عن الاستطابة (٤)، يعني استعمال الطيب، وهو إزالة الأقذار والأنجاس، وقيل هو استعمال الماء، فإنه أطيب الطيب لأن كل طيّب يعود قذراً في آخر الأمر ويزال بالماء، والماء طيب أبداً لا استحالة فيه وهو من فرض (٥) الشريعة ومحاسن الملَّة وأول كلمة سمعها نبيُّ الله ﷺ ، من ربه قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٦) ولا يلتفت إلى تأويل فيها لا تعضده لغة ولا تشهد له شريعة، وبذلك كانت العرب تتمدح ولذلك قال شاعرهم الأول. ثياب (٧) بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غران. وهي واجبة من طريق الأولى، فإن الله تعالى إذا أوجب الوضوء في الأعضاء لدرء الدرن الظاهر فأَوْلى وأَحْرى أن يوجب إزالة النجس، وقد أمر النبيّ، ﷺ ، بغسل الدم بالماء في الصحيح فقال: "حِتِّيهِ ثُمَّ أقْرِصِيهِ (٨) ثُمَّ اغْسِليِه

стр. 144

بِالمَاءِ" ثم قال: "تَنَرَّهُوا مِنَ البَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ" (١) وقال في الصحيح، وقد سمع عذاب رجل في قبره: "كَانَ هذَا لَا يَسْتَتِر مِنْ بَوْلِهِ" (٢) وكانت موظفة (٣) على من تقدَّمَنا من الأمم حتى كان إذا أصاب ثوبَ أحدهم البولُ قرضه بالمقراض وسمح الله تعالى لنا أيتها الأمة فأعطانا الطهارة بالماء، لكن خفّف الله تعالى في الاستنجاء بإزالة النجو بالجمار ولا يضر أثره وهذا جمع عدم الماء اتفاقاً فإن وجد الماء. فقال ابن حبيب: لا يجوز الاستنجاء وهي زلة فإنه إنما شرع والماء موجود واستحبت الشريعة الاجتماع (٤) بين الأحجار والماء، ومدح الله به أهل قباء فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٥)، واختلف في ذكر هذه الثلاثة الأحجار فقال (٦) (ش): هي الأصل لا يجوز أقل منها وقال (٧) (م ح): إذا أنقى بحجر واحد أجزأه، وقد قال النَّبيُّ، ﷺ :

стр. 145

"مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لا فَلَا حَرَجَ" (١) وفائدة تخصيصه للثلاثة الأحجار بالذكر أنها كافية في الأغلب حجران للصفحتين وحجر للمشربة. حديث: قوله إن النبيَّ ﷺ : "خَرَجَ إلى المَقْبُرَةِ" (٢) إلى آخره، أما خروجه ﷺ فيحتمل أن يكون اتفاقاً، ويحتمل أن يكون اعتباراً، ويحتمل أن يكون بوحي للترحم وقوله: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ" قال قوم يقال لهم بالسلامة وقيل أمر بذلك فيهم فأحياهم الله حتىِ سمعوه، وقيل: بل هي السنة في كل مارٍ بمقبرة وقد روي عن النبيَّ ﷺ : "أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ فَقَالَ: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَقَالَ رَسُولُ الله، ﷺ قُلْ سلامٌ عَلَيْكَ (٣) فَإِنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ المَيِّتِ" (٤)، فقيل إشارة إلى التأبين كقوله:
следующие страницы →