← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رضي الله عنه، في هذا الباب، بأصل بديع فقال: ترك الوضوء مما مست النار، ثم أدخل اختلاف الأحاديث، ثم أدخل عمل الخلفاء بترك الوضوء مما مست النار (١)، وهي مسألة من أصول الفقه إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ ، فما عمل بها الخلفاء أرجح (٢)، وما روي أن النبيَّ، ﷺ ، قرِّب إليه خبزاً ولحماً فأكل منه ثم توضَّأ وصلَّى فحكاية (٣) حال وقضية عين ونقل صورة ولم يكن الوضوء من الأكل وإنما كان الوضوء من سببه الموجب له

стр. 142

لأجل الصلاة، وقد أنكر أبيُّ بن كعب وأبو طلحه على أنس، ﵃، مسألته التي جاء بها من سفرته وهي الوضوء مما مست النار، فندم أنس، ﵁، ورجع عن قوله (١). والمسألة اليوم ساقطة الاعتبار لإجماع علماء الأعصار عليها، وإنما خص النبيُّ ﷺ ، لحوم الإبل بذكر الوضوء في ذلك الحديث للإشارة (٢) إلى غلظها وزهمتها، والصلاة ينبغي أن تكون على أكمل نظافة (ولأجل) ذلك شرعت فيها الطهارة. جامع الوضوء: ترجم مالك ﵁، على إزالة النجاسة بالوضوء نفياً فقال ما لا يجب منه الوضوء (٣) وإثباتاً فقال جامع الوضوء (٤). واختلف عنه أصحابه في حكمها فقال أشهب

стр. 143

إزالتها مستحبة، وقال بن القاسم. هي واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان، وقال ابن وهب: هي فرض في كل حال وبه قال (١) (ش)، وقال (ح) (٢): تلزم إزالتها إذا كانت مجتمعة في موقع واحد على قدر الدرهم البغلي (٣) بعني به على قدر الدينار، وإنما سمح في هذا المقدار منها قياساً على المخرج فإن الشرع سمح فيما يبقى من أثر النجاسة عليه بعد الاستنجاء فقاس هذا عليه، وقول النبي ﷺ ، وقد سئل عن الاستطابة (٤)، يعني استعمال الطيب، وهو إزالة الأقذار والأنجاس، وقيل هو استعمال الماء، فإنه أطيب الطيب لأن كل طيّب يعود قذراً في آخر الأمر ويزال بالماء، والماء طيب أبداً لا استحالة فيه وهو من فرض (٥) الشريعة ومحاسن الملَّة وأول كلمة سمعها نبيُّ الله ﷺ ، من ربه قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٦) ولا يلتفت إلى تأويل فيها لا تعضده لغة ولا تشهد له شريعة، وبذلك كانت العرب تتمدح ولذلك قال شاعرهم الأول. ثياب (٧) بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غران. وهي واجبة من طريق الأولى، فإن الله تعالى إذا أوجب الوضوء في الأعضاء لدرء الدرن الظاهر فأَوْلى وأَحْرى أن يوجب إزالة النجس، وقد أمر النبيّ، ﷺ ، بغسل الدم بالماء في الصحيح فقال: "حِتِّيهِ ثُمَّ أقْرِصِيهِ (٨) ثُمَّ اغْسِليِه

стр. 144

بِالمَاءِ" ثم قال: "تَنَرَّهُوا مِنَ البَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ" (١) وقال في الصحيح، وقد سمع عذاب رجل في قبره: "كَانَ هذَا لَا يَسْتَتِر مِنْ بَوْلِهِ" (٢) وكانت موظفة (٣) على من تقدَّمَنا من الأمم حتى كان إذا أصاب ثوبَ أحدهم البولُ قرضه بالمقراض وسمح الله تعالى لنا أيتها الأمة فأعطانا الطهارة بالماء، لكن خفّف الله تعالى في الاستنجاء بإزالة النجو بالجمار ولا يضر أثره وهذا جمع عدم الماء اتفاقاً فإن وجد الماء. فقال ابن حبيب: لا يجوز الاستنجاء وهي زلة فإنه إنما شرع والماء موجود واستحبت الشريعة الاجتماع (٤) بين الأحجار والماء، ومدح الله به أهل قباء فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٥)، واختلف في ذكر هذه الثلاثة الأحجار فقال (٦) (ش): هي الأصل لا يجوز أقل منها وقال (٧) (م ح): إذا أنقى بحجر واحد أجزأه، وقد قال النَّبيُّ، ﷺ :

стр. 145

"مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لا فَلَا حَرَجَ" (١) وفائدة تخصيصه للثلاثة الأحجار بالذكر أنها كافية في الأغلب حجران للصفحتين وحجر للمشربة. حديث: قوله إن النبيَّ ﷺ : "خَرَجَ إلى المَقْبُرَةِ" (٢) إلى آخره، أما خروجه ﷺ فيحتمل أن يكون اتفاقاً، ويحتمل أن يكون اعتباراً، ويحتمل أن يكون بوحي للترحم وقوله: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ" قال قوم يقال لهم بالسلامة وقيل أمر بذلك فيهم فأحياهم الله حتىِ سمعوه، وقيل: بل هي السنة في كل مارٍ بمقبرة وقد روي عن النبيَّ ﷺ : "أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ فَقَالَ: عَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَقَالَ رَسُولُ الله، ﷺ قُلْ سلامٌ عَلَيْكَ (٣) فَإِنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ المَيِّتِ" (٤)، فقيل إشارة إلى التأبين كقوله:

стр. 146

عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق (١) وكقوله. عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما (٢) وقيل هو منسوخ بهذا الحديث وهذا أصح منه، وقوله: دار قوم مؤمنين، كنّى بالدار عن العمرة لها وذلك كثير في فصاحة العرب فتعبر بالمنزل عن أهله، وقوله مؤمنين فحكم لهم بالإيمان إما لما علم من حالهم وكشف له من غيبهم، وإما بظاهر الحال الذي فارقوه عليها والحكم بظاهر الحال في الإيمان واجب من موت في شهادة أو تكلم بكلمة التوحيد عند المنية ولذلك قال النبيُّ ﷺ : "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ" (٣) وقوله: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. قال قوم: معناه إذا شاء الله وليتهم لم يخلقوا ولم يقولوا ذلك ولا تكلموا به، وقيل تأدب النبيُّ، ﷺ ، بأداب الله حين قال له: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ** إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) فاستعمل الأدب حتى في الواجب الذي لا بد منه وقيل معناه، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (في هذه البقعة يعني المدينة (٥) وقيل إنا إن شاء الله

стр. 147

بكم لاحقون) (١) على الإيمان ويعود ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، وإلى أصحابه معاً (٢) إذ قد علمنا فيه ﷺ خاصة قطعاً موته على الإيمان وحسن الخاتمة، وقوله. وددت أني رأيت إخواننا، تمنى ﷺ ما لا يكون، والتمنّي تعلُّق الإرادة بما في المستقبل والآسف تعلق الإرادة بالماضي، والتمني لا يجوز إلا في أمور الدين، وقد بيَّنَّا ذلك في شرح كتاب التمنّي واستوفيناه، وفي تشريف الأمة بتمنّي النبيِّ, ﷺ ، أن يراها فنحن أولى أن نكون لرؤيته أشد تمنّياً وأكثر تطلّعاً وقوله إخواننا بيان لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) قالت له الصحابة: ألسنا أخوانك؟ قال لهم: بل أنتم أصحابي، فأعطاهم اسماً هو أخص من الأخوة وأشرف منه. والأسماء ثلاثة: صحابي (٤) وتابعي (٥) ومؤمن (٦)، ولكل اسم مرتبته شرحناها في كتاب الدقائق عند ذكرنا رتب الخلق. وقوله: "وَأَنَا فَرَطُهُمُ (٧) على الحَوْضِ" يريد عند حوضه ينتظر أمته قالت له

стр. 148

الصحابة، كيف تعرف أمتك؟ قال: لكم سيما ليست لأحد من الأمم غيركم، "تَأتونَ غُرّاً (١) مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضوءِ" (٢) فقيل الوضوء مخصوص بهذه الأمة وقيل هو لسائر الأمم لكن خصت هذه الأمة بتبليج نوره عليهم ليتميزوا لنبيهم، ﷺ ، في عرصات الموقف. وفي هذا الحديث تشبيه الرجل الكريم بالخيل كما شبَّه الرجل اللئيم بالحمار، وفيه أن الأغرَّ من الخيل أشرف من البهم (٣)، وقوله: "فَلَا (٤) يُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي" معجزة لأنه خبر مُغَيَّبين أحدهما ما وقع من التبديل في الناس بعد موته ﷺ . والثاني ما يكون من الحكم يوم القيامة مما لا يعلمه أحد غيره. وقوله فأقول ربِّ أصحابي، إشارة إلى أنه يأخذهم بالظاهر فيقال: قد بدلوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٥). وقال: "فَأَقُولُ فَسُحْقاً فَسُحْقاً" (٦)، فإن قيل فكيف يكون لهم آثار الوضوء ثم يقال لهم فسحقاً قيل فيه وجهان:

стр. 149

أحدهما: أنهم يبعدون في حال ويقربون بعد المغفرة في آخر هذا إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد. وقيل هم المنافقون (١) وكانوا يظهرون الإيمان ويسرّون الكفرَ فيؤتى كل واحد منهم نوراً حتى يظن (٢) أنه على شيء ثم يكشف له الغطاء. حديث عثمان: روي أنه قال فيه لولا أنه (٣) بالنون، وروي لولا آية بالياء، وهو الصحيح، وروى مسلم عن عروة أنه قال. لَوْلَا آيَةٌ في كِتَابِ الله مَا حَدَّثْتُكْمُوهُ (٤)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (٥) الآية. وحديث أبي هريرة في خروج الخطايا باستعمال الوضوء (٦) في الأعضاء يعني من الذنوب الصغائر دون الكبائر، لقوله في الحديث الصحيح "الصَّلَوَاتُ الخمس وَالجُمُعَة إلى الجُمُعَةِ كَفارَة لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ (٧) " وتتكفر الكبائِر بالموازنة، وأما نبع الماء

стр. 150

من بين أصابعه (١) فهي خصيصة له لم تكن لأحد قبله ولا بعده (٢) أنبط (٣) لموسى ﵇ الماء من الحجر (٤) وأنبط لمحمد، ﷺ ، من اللحم والدم، وقد أملينا في المعجزات أنه لم يؤتَ نبيّ معجزة ولا فضيلة إلا أوتي محمَّد، ﷺ ، مثلها أو أعظم، وكذلك قوله في محو السيئات بالخطايا وكتب الحسنات بها إنما ذلك في الصغائِر كما تقدم. حديث: "إِذَا شَرِبَ الكَلْبَ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ" (٥) الحديث فيه استعمال الشرب في كل حيوان، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ" (٦). والحديث معضل، وقد اختلف الناس فيه هل يغسل للعبادة، أو للنجاسة، والصحيح أنه للعبادة لأنه عدده وأدخل فيه التراب ولا يدخل العدد ولا التراب في إزالة النجاسة. حديث: قوله: "اسْتَقِيمُوا (٧) وَلَنْ تُحْصُوا" (٨) معناه ولن تطيقوا أن تستقيموا فسره

стр. 151

الحديث الثاني "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم" (١) والله أعلم.

стр. 152

باب المسح على الخفين المسح على الخفين سنة من سنن الدين ورخصة للمسلمين ورد (١) به الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٢) فأحد التأويلات فيمن قرأها بالخفض إنه أراد به المسح على الخفين (٣) إذ لا حالة للرجل يتمسح فيها إلا تلك الحالة. وأما السنة فروي المسح على الخفين عن النبيِّ ﷺ ، جماعة من الصحابة أعيانهم ستة عمر (٤) بن الخطاب، ..................................................................

стр. 153

........ وعلي (١) بن أبي طالب، وسعد (٢) بن أبي وقاص، وجرير (٣) ابن عبد الله، وعمرو (٤) بن أمية الضمري، وبلال (٥)، مولى أبي بكر، ﵃، وأجمعت عليه الأمة لم ينكر ذلك منهم إلا الرافضة (٦)، وليس لها مذهب يعتبر ولا خلاف يعتدُّ به ولا جماعة يلتفت إليها. وقد اختلفت الروايات عن مالك، ﵁، فيها وأشد ما روي عنه قوله: إني أقول اليوم مقالة ما قلتها قبل في ملأ من الناس أقام رسولُ الله، ﷺ بالمدينة، والخلفاء بعده، قريباً من أربعين سنة ما مسح أحد منهم على الخفين (٧) وقد ثبت عن النبيِّ، ﷺ ، أنه قال. "يمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهِنَّ

стр. 154

وَالمُقِيمُ يَوْماً وَلَيْلَةً" (١) ثبوتاً لا شك فيه، وقد سئلت عائشة، ﵂، عن المسح على الخفين (٢) فأحالت على عليّ ابن أبي طالب، ﵁، فأسند عليّ ﵁، الحديث إلى رسول الله، ﷺ ، بالتوقيت للمسافر والمقيم كما تقدم. ومن نظر إلى مقاطع الشريعة وقرائنها لم يستبعد المسح على الخفين لما في نزعهما من المشقة، وتكلف الوضوء على الرجلين والشقة بعيدة والسير متصل، وقد قال مالك: لا توقيت على المسافر ومسحه على الخفين جائز دائماً ما لم يقع في (٣) جنابة، وهذا مأخوذ من النظر لا من الأثر، والنظر الذي اقتضى جواز المسح للمسافر، من غير توقيت، يبيحه للمقيم لأنه قد يستغرق شغله نهاره كله. وقد يفوته بنزع الخفين من أمره مما يفوت للمسافر لو نزعهما لكنه في آخر نهاره يرجع إلى قراره ويأوي إلى سكنه فيشق عليه حبس الخفين فضلاً عن أن ينزعهما، فلأجل هذا قلنا إن الصحيح جواز المسح مؤقتاً على ما في حديث عليّ ابن أبي طالب، ﵁،

стр. 155

ولا يمسح عليهما إلا إذا لبسهما على طهارة لقول النبيِّ، ﷺ ، في حديث المغيرة: (دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) (١) وإن لبس خفين فليمسح على الأعلى خاصة، وقد روي أن النبيَّ، ﷺ ، أنه مسح أعلى الخف وأسفله (٢) وذلك غير لازم لأن المسح مبني على التخفيف فلا يستوفى فيه ما كان يستوفى في الأصل. والخف هو كل ساتر من جلد مخروز يكون على الرجل يمكن متابعة المشي عليه، فهذا هو الذي تتعلق به الرخصة (٣)، ويكون بدلاً عن الرجلين ولا يبالي لبس منهما واحداً أو أكثر من ذلك؛ لأن حكم الآخر حكم الأول ويعتبر في لبسهما الحاجة دون الرفاهية، فإن لبسهما للرفاهية لم يجز المسح عليهما لأن الرخص موقوفة على الحاجة تجوز بوجودها وتعدم بعدمها.

стр. 156

باب ما جاء في الرعاف قال مالك، ﵁: البناء في الرعاف (١) وهي مسألة معضلة ليس في المذهب أشكل منها وردها عامة الفقهاء إلا (ح) (٢) فإنه قال يبنى فيها، وفي الحدث كله (٣) ووقع مثل مذهب أبي حنيفة لأشهب (٤)، وأما البناء في الحدث كله فإنما يبنى على أصل وهو القول بتبعيض الصلاة في الصحة، وقد قال (ش): إذا رأى المصلي حريقاً أو غريقاً أطفأه واستنقذه (٥) وبنى على صلاته وخالفه (م) و (ح)، والأصول كما ترى متعارضة والصحيح أن الصلاة تبطل بطرقان الحدث وبالاشتغال مع الحريق والغريق وما أشبهه، وليس للعلماء بناء متعلق قوي في البناء في الرعاف إلا حديث ابن عمر (٦)، وابن عباس (٧)،

стр. 157

رضي الله عنهم، ويبنى على أصل من أصول الفقه وهو أن الصاحب إذا أفتى بخلاف القياس هل يكون أصلاً يرجع إليه أم لا؟ ولا يصح أنه لا يرجع إليه، ولضعف المسألة استحب مالك، ﵁، للراعف أن يتكلم ولا يبني وعلى ضعفها فقد أكثرت المالكية التفريع فيها وليست عندي من المسائل التي يعوَّل عليها فإنه ليس فيها نص ولا لها نظير. الوضوء من مس الذكر: روي الوضوء من مس الذكر عن النبيِّ ﷺ ، جماعة منهم بسرة (١) وهو أصح الأحاديث فيه وأعرض عنه الإِمامان الجعفي والقشيري، والعجب لإِمامنا، ﵁،

стр. 158

يرويه في كتابه ويدرسه مدى عمره ثم لا يقول به وتختلف فيه فتواه فتارة يضعِّفه وتارة يقوِّيه وتارة يعتبر فيه الشهوة وتارة يسقطها، ونحن نقبل روايته فنقول الحديث صحيح ولا نقبل تفريعه فنقول: ينتقض الوضوء من مسه بقصد أو بغير قصد إتباعاً لظاهر الحديث، وأخذاً بمطلق الرواية فيه، وفروعه معلومة فلا معنى للإِطالة بسردها (١). بيد أن بعض أشياخي ذكر لي منه فرعاً غريباً وهو إذا مسَّ الخنثى ذكره وفرجه انتقض وضوؤه فإذا مسَّ أحدهما وقلنا إن المرأة ينتقض وضوؤها بمس فرجها فمن يغلب الشك ينتقض الوضوء لاحتمال أن يكون قد لمس ما يجب عليه منه الوضوء ومن لا يرى تغليب الشك وهو الصحيح لا ينتفض الوضوء إلا بمسه لهما جميعاً .. تتميم: لما كان هذا الحديث أصلاً في نفسه اختلف العلماء هل يعلّل أم لا؟ فمن علَّله بأن لمسه ربما أفضى إلى خروج الخارج ألحق به المرأة؛ لأن لمسها أيضاً لفرجها قد يفضي إلى خروج الخارج لا سيما وقد روى الدارقطني عن أبي هُرَيْرَة، ﵁، عن النبيّ ﷺ : "إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ" (٢)، وهذا عام في الرجل

стр. 159

والمرأة، وأعجب من هذا ما حكاه الدارقطني أيضاً عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين أنه ليس في مس الذكر حديث صحيح (١)، مع أنهم يتلون حديث مالك، ﵁، عن بسرة إلا إن مالوا إلى طريق المعنى وقالوا بقول أبي حنيفة (٢) بأن قول بسرة وهي امرأة في مثل هذه النازلة التي تتعلق بالرجال ولا يرويها أحد سواها بعيد وهذا قول ضعيف لأن الله تعالى لم يرد أن يجري السنة مجرى القرآن حتى يتولى حفظها كما تولى حفظه، وإنما أراد تعالى أن يكون القرآن محفوظاً نصاً معلوماً قطعاً وأن تكون السنة يلتقطها الرواة التقاطاً ويؤخذ من كل أحد ما سمع منه حتى من النساء والرجال ولذلك قال تعالى. ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٣) الآية، فما اجتمع من السنة اجتمع وما خفي منها في وقت سيظهر في وقت آخر، بل كان كثير من الصحابة يقبضون أنفسهم عن ذكرها فلا تستبعدوا بصركم الله تعالى والحالة هذه أن تضبط امرأة ما يفوت رجلاً وأن يذكر امرؤ ما نسي آخر، وأما لمس النساء فقد تناوله القرآن بالبيان قال الله ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)، وقرىء: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) وكل قراءة قائمة بنفسها حجة في متناولها وقد روي عن جماعة من الصحابة (٦) .....................................

стр. 160

................. والتابعين (١) واختار أبو حنيفة (٢) أن الآية كناية عن الجماع حتى روي عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: إِنَّ الله حَييُّ كَرِيمٌ يعْفو ويكنّى باللمس عن الجماع (٣) وليس إلى ذلك حاجة تدعو، ولا ضرورة توجبه، وإنما يعدل عن التصريح إلى الكناية بدليل يقتضي ذلك، فأما مطلق القول وصريح اللغة فيقتضي ما أشرنا إليه من ظاهر اللمس وبذلك قال مالك، ﵁، وهو شيخ من شيوخنا (قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنَ المُلاَمَسَةِ" (٤).

стр. 161

باب غسل الجنابة الخارج من الذكر على أربعة أقسام: البول والودي، وهو الذي يخرج بعده وموجبهما واحد وهو الوضوء، والمذي وهو ماء لزج يخرج عند الملاعبة والتقبيل، أو الذكرى وموجبه الوضوء كالأول. وروي عن مالك، ﵁، فيه (إيجاب) (١) غسل الذكر لقول النبي، ﷺ ، فيه فليغسل ذكره (٢)، ولم يرد هذا الحديث لإِيجاب غسل الذكر تعبداً وإنما المقصود به بيان نجاسة المذي وأنه يلزم غسله كما يلزم غسل البول. والرابع المني: وهو الخارج عند غاية اللذة، وهو الذي يكون به المكلَّف جنباً ويلزم منه الغسل، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣)، وكان قد وقع بين المهاجرين والأنصار خلاف في اقتصار الغسل على خروج الماء الدافق حتى وقع السؤال عن ذلك والبحث فتبين عندهم فيه الحق وكان الحكم في ذلك صدر الإِسلام ألا يجب الغسل إلا على من أمنى. وروى أبو سعيد الخدري وغيره عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أُقْحِطْتَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الوضُوءُ وَلَا غَسْل عَلَيْكَ وَإِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ" (٤) ولكن تبيَّن بعد ذلك أن التقاء الختانين موجب للغسل قرآناً وسنة، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥)؛ فإن كان اللمس في أحد التأويلات يراد به الجماع فهو متناول لوجوب

стр. 162

الغسل. وأما السنة فقول عائشة ﵂. "إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ اَلغُسْلُ فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ الله ﷺ فَاغْتَسَلْنَا" (١). فبيَّنت، ﵂، أن النبي، ﷺ ، كان يغتسل بالتقاء الختانين دون إراقة الماء، ثم تأكد البيان بما روت عائشة، ﵂، أن رجلاً سأل رسول الله، ﷺ ، وعائشة- جالسة هل يجب على الرجل غسل إذا التقى الختانان وان لم ينزل فقال ﷺ : "إِنِّي لأَفْعَل أَنَا ذلِكَ وَهذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ" (٢) فأحاله، ﷺ ، في البيان على فعله ثم تأكد البيان ثالثاً بما روى أبو هُرَيْرَة ﵁، أن النبيَّ، ﷺ ، قال: "إِذَا جَلَسَ (٣) بَيْنَ شُعَبِهَا الَأرْبعِ ثُمَّ أَجْهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ" (٤) فأرسلت الصحابة من المهاجرين والأنصار، حين اختلفوا في ذلك، إلى

стр. 163

عائشة (١)، ﵂، فأعلمته بالأمر على نصّه فأعلمهم به فوقع الاتفاق وارتفع الخلاف واستقر الحكم في الدين، ولا أعلم في ذلك خلافاً بين أحد من المسلمين، إلا أنه وقعت للبخاري، في جامعه، كلمة منكرة فإنه ذكر اختلاف الأحاديث ثم قال: (وَالغُسْلُ أَحْوَطُ وَإِنَّمَا بَيَّنَّا ذلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ) (٢) وهذا خطأ فاحش (٣)، كيف ينتقل الغسل من الوجوب إلى الاحتياط بعد ما ثبت ما قدمناه وصح من الأحاديث ما أوردناه؟ فإن قيل اختلفت الأحاديث في ذلك كما قدمتم وجهل المتأخر فلم يعلم الناسخ وبقى الإِشكال فتعين الاحتياط، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا نقول ماجهل التاريخ لأن الصحابة قد صرحت بأن المتقدم كان (المَاءُ

стр. 164

مِنَ المَاءِ) (١) وأن المتأخر وجوب الغسل من التقاء الختانين. الثاني: أن "اَلمّاءُ مِنَ المَّاءِ" وعدم الغسل من التقاء الختانين ليس فيه فائدة محددة؛ لأن الأصل براءة الذمة وفراغ الساحة وعدم تعلّق الحكم بالأسباب، ثم جاء بعد ذلك وجوب الغسل من التقاء الختانين فكانت فائدة محدّدة وحالة ثانية فقضي بها على ما قبلها. فإن قيل كيف خفي على عثمان، ﵁، حتى كان يفتي بأن الماء (٢) من

стр. 165

الماء بعد النبي، ﷺ ، قلنا: الآن حان لكم أن تعلموا تنزيل الأحكام في الشريعة؛ فقد خفي ذلك على كثير ممن يعد من العلماء وهو أن الله تعالى كان إذا أنزل على رسوله، ﷺ ، الحكم ويبيِّن له بالوحي لا يبعث النبي، ﷺ ، منادياً يقول أيها الناس قد جاء من الشرع كذا وكذا، وإنما كان يخبر، ﷺ ، من حضره ثم يترامى البلاغ شيئاً فشيئاً وتتناقله الألسنة وقتاً بعد وقت. نعم وربما أرجأ بيان الخطاب إلى حالة الوقوع ولم يسلمه ابتداء في النازلة قبل أن تقع، وكل من عمل بالحكم السابق قبل بيان هذا الثاني أو قبل بلوغه إليه فعمله صحيح وأجره قائم، وعلى هذا السبيل تكون الحنيفية سمحة ويكون الدين غالباً (١) عن الحرج وقد روى الدارقطني عن النبيّ، ﷺ ، أنه قال: "إِذَا الْتَقَتْ المَوَاسِي فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" (٢) فبيّن بقوله، ﷺ : "إِذَا الْتَقَى الْخِتانَانِ" أول الفعل وبيّن بقوله: إذا التقت المواسي،

стр. 166

آخر الفعل، أوضح أن الحكم بهما واحد. قال لنا الشيخ الإِمام فخر الإِسلام أبو بكر محمَّد بن أحمد (١) بن الحسين، فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده في الدرس وعقدها قال: فمسلك البول ما تحت الثلاثين ومسلك الذكر والحيض ما اشتملت عليه الخمسة. تقسيم: إذا ثبت أن الغسل يجب بالتقاء الختانين تارة وبخروج الماء أخرى، فإن الماء قد يخرج باللذة وقد يخرج عند الضرب والحك واللمس، وقد اختلف علماؤنا فيه اختلافاً كثيراً تضمنته كتب المسائل ولكن يختص مجال الكلام في موقعين. أحدهما: إذا خرج الماء لغير لذة. ولا إشكال عندي في وجوب الغسل فيه لإجماع الأمة على أن من استيقظ ووجد المني ولم ير احتلاماً فعليه الغسل لأنا قد تحققنا خروج الماء فلم يبال أحد عن وجود اللذة. الموضع الثاني. إذا أولجه فيها ولم ينزل. فقلنا عليه الغسل بإجماع فلما اغتسل أنزل. وقد اختلف العلماء في هذا الفرع وهو موضع إشكال؛ بيد أن النظر إذا حقق فإنه يقتضي وجوب الغسل ثانياً لأنهما سببان مختلفان فأوجب كل واحد منهما حكمه وإن كانا متعاقبين كمن بال فتوضأ ثم خرج منه الودي فإنه يتوضأ ثانية. فإن قيل فههنا نازل غريبة وهي إذا أولج فاغتسل فصلى ثم أنزل هل يعيد الصلاة؟ قلنا: فيه احتمال بعيد والصحيح أنه لا يعيدها لأنها قد وقعت موقعها بعد وجود شرطها وهو الغسل، ونزول الماء بعد ذلك أمر ثان كما لو جامع ثانياً أو تذكر فأنزل. تتميم: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢) وذكر أعضاء الوضوء الأربعة معددة معقَّبة ثانياً بعد أول، وثالثاً بعد ثان، ورابعاً بعد ثالث، وقال في غسل الجنابة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَآطَّهَّرُوا﴾ (٣) مطلقاً، وقال في الآية الأخرى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ مطلقاً، فتبين من ذلك أن الترتيب في الوضوء

стр. 167

مشروع، وأنه لا ترتيب في غسل الجنابة، فإن قيل فقد وصفت الصحابة غسل النبيِّ، ﷺ ، من الجنابة تارة من فعله لمن رآه، وتارة من قوله لمن أفتاه، فذكروه مرتباً بتقديم الوضوء عليه وصبّ الماء على الرأس وإفاضته على الجسم فليكن ذلك بياناً للترتيب. الجواب: وهو (١) فائدة بديعة في أصول الفقه وذلك أن النبيَّ، ﷺ ، متى فعل فعلًا بيَّن فيه مجملاً كان بيانه واجباً، ومتى كان فعله تتميما لحكم معلوم وتفصيلاً لأمر مشروع كان فعله محمولًا على الفضل كقوله. ﴿وَأَقِيمُوا آلصَّلاَةَ﴾ (٢). لما كان هذا قولاً مجملاً أو عاماً فبيّنه النبيُّ، ﷺ ، بفعله أو خصصه فوقع ذلك الفصل بياناً لمشكل فوجب امتثاله. أما قوله: ﴿أطَهَّرُوا﴾ أو ﴿حتى تغتسلوا﴾ فهو أمر بيِّن في ذاته، واضح في نفسه، فما وقع من الزيادة (عليه فهو (٣) بذلك) أجر وفضل يبين ذلك ويوضحه أن النبيَّ، ﷺ ، لما أفتى في غسل الجنابة من سأله عن بعض محتملاته فقال: "إِنَّما يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثْيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تَضْغُثِيهِ (٤) بِيَدَيْك ثُمَّ تُفِيضِي الْمَاءَ على سَائرِ جَسَدِك فَإِذَا أَنْتَ قَدْ طَهُرْت" (٥)، ولم يذكر الوضوء فدل على أنه أجر وفضل وليس بواجب ولا فرض. وأما ذكر الله لأعضاء الوضوء معدودة معقبة فإنه أصل عظيم، وقد قال الجويني (٦): إن النقلة لوضوء رسول الله ﷺ لم ينقل قط أحدٌ منهم أنه نكس وضوءه (٧)، فاطرد القرآن

стр. 168

والسنة وكذلك روى بعض المدنيين (١) عن مالك، ﵁، أن الترتيب واجب في الوضوء. فيقال للجويني: ما أقوى هذا الدليل وما أبدع هذا الميثاق لولا أنكم قلتم من قدم اليسار على اليمين في الوضوء جاز ولم يروَ قط عن النبيِّ، ﷺ ، أنه نكسهما. فكل عذر لكم عن ذلك فهو عذرنا عن أصل الترتيب في الوضوء، وقد حققنا ذلك في "مسائل الخلاف" فلينظر تمامه فيه، والله أعلم. حديث: روت عائشة ﵂، أن أم سليم (٢)، ﵂ (٣)، قالت: "هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَ هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ. فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ، ﵂: أُفٍّ (٤) لَكِ، وَهَلْ تَرَىَ ذَلِكَ الْمَرأَةُ فَقَالَ رَسُولُ الله، ﷺ : تَرِبَتْ يمِينُكَ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الْشَّبَهُ" (٥). وَروي: "إِنَّ الْنِّسَاءَ شَقَائِقُ (٦) الرِّجَالِ". يعني أن الخلقة فيهم واحدة والحكم عليهم بالشريعة سواء. وفي قول

стр. 169

النبيّ، ﷺ : "وَمِنْ أَيْنَ يَكونُ الْشَّبَهُ" دليل على أن الولد مخلق من الماءين قال النبي، ﷺ : "إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأةِ أَذَكَرا، وإذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنثاً" (١). وروي: إذَا سَبَقَ مَاءُ الرجُل مَاءَ الْمَرْأَةِ أَوْ عَلَا أشْبَهَ الرَّجُلُ أَعمَامَهُ، وَإذَا سَبَق ماءُ الْمَرْأَة مَاءَ الْرَّجُلِ أَوْ عَلَا أَشْبَهَ الرَّجُلُ أَخوَالَهُ (٢). وتعارض (٣) الحديثان في الظاهر، والجمع بينهما بيّن وذلك أن للماءين أربعة أحوال. الأول: أن يخرج ماء الرجل أولاً. الثاني: أن يخرج ماء المرأه أولاً. الثالث: أن يخرج ماء الرجل أولاً ويكون أكثر. الرابع: أن يخرج ماء المرأة أولاً ويكون أكثر. ويتم التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أولاً ثم يخرج ماء المرأة أولاً فيكون أكثر، أو بالعكس من ذلك، ويتركب على هذا الوجود، الذي أشار إليه النبيُّ، ﷺ ، بقوله: "وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ"؛ فإذا خرج ماء الرجل أولاً وعلا وكان أكثر جاء الولد ذكراً بحكم السبق واشبه الولد أعمامه بحكم الغلبة والكثرة، وان خرج ماء المرأة أولاً، وكان أكثر من ماء الرجل أو علا، جاء الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة وأشبه أخواله بحكم الغلبة والكثرة. وإن خرج ماء الرجل أولاً لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر وأعلا كان الولد ذكراً بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة وكثرته. وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل كان أعلى من ماء المرأة وأكثر كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل وكثرته. وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام ويرتفع التعارض عن الأحاديث (٤).

стр. 170

باب التيمم وله ثلاثة أسماء: التيمم قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (١). والوضوء قال النبي ﷺ : "الصَّعِيدُ الْطَيِّبُ وُضُوء الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ" (٢) والطهور قال النبي، ﷺ ، "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ، وذكر خصالًا منها وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِداً

стр. 171

وَطَهُوراً" (١)، وهي خصيصه امتنَّ الله تعالى على هذه الأمة بها، وكرامة ميَّزها بها على غيرها، وفيها حكمتان: إحداهما: أن طهارتهم الأصلية كانت بالماء فنقل الله تعالى منها عند عدمها إلى التراب الذي هو أصل الخلقة لتكون العبادة دائرة بين قوام الحياة وأصل الخلقة. الثانية: أن النفس خلقها الله تعالى على جبلة وهي أنها كلما نزلت عنه وأعرضت كسلت عنه ونفرت، وكلما تمرَّنت عليه واعتادت أنست به واستمرَّت عليه، فلو لم يوظف (٢) عليها عند عدم الماء حركة في الأعضاء وإقبال على الطهور لكانت عند وجود الماء تبعد عنها العادة فتشق عليها العبادة، فشرع الله تعالى لها ذلك دائماً حتى يكون إنسها بها قائماً، فالخير عادة والشر لجاجة، إذا ثبت أنه قائِم مقام الماء فإنه عامل عمله في إباحة الصلاة ورفع الحدث، فإن الحدث ليس بمعنى حسّي وإنما هو عبارة عن المنع من الصلاة، وإذا تيمم وصلَّى فقد زال المانع وارتفع الحدث، وهذا هو مذهب مالك، ﵁، الذي لا خلاف فيه، وقد قال بلفظه، في كتابه الذي هو نخبة كلامه ولباب عمله (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَيَمِّمُ لأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ قَدْ أَطاعَ الله تَعَالَى وَلَيْسَ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ بأَطْهَر مِنْهُ وَلَا أَتَمّ صَلَاةٍ) (٣) .. وهذا نص، فإن قيل قد قيل يصلي فرضين بتيمم واحد قلنا: في ذلك تفصيل مذهبي وبالجملة فيجب أن تعلموا أن الله تعالى مدّ طهارة الماء إلى غاية وهي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية وهي وجود الماء، فإذا وجد الماء ارتفع حكم التيمم كما إذا وجد الحدث ارتفع حكم الماء، والذي نقول: إن عليه أن يطلب الماء لكل صلاة فإن وجده استعمله وصلَّى به، وإن لم يجده بقي على حكم التيمم الأول. سمعت الإِمام الشيخ أبا الحسن (٤) السلمي من أصحابنا ........................

стр. 172

.. : علي بن نصر بن إبراهيم المقدسي (١) يقول إذا تيمم للصلاة فالتيمم قربة مبيحة للمحظور، وهو فعل الصلاة، فلا تتعدى إباحتها كالكفارة في الظهار. فقلت له: إنما هو للطهارة ورفع المانع كالوضوء بالماء، فقال لي: لو كان كالوضوء بالماء لما لزمه استعمال الماء إذا وجده بالحدث الأول. فقلت له الكلام المتقدم وهو أن الله تعالى مد الطهارة بالماء إلى غاية وهي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية هي وجود الماء، وجرى في ذلك كلام كثير أصله مبين في كتاب النزهة. تحديد: قال الله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٢)، فطائفة أفرطت فمسحت أيديها إلى الآباط، وقد روي ذلك في الحديث ولم يصح (٣)، وطائفة فرطت

стр. 173

فمسحت إلى الكوعين (١)، وطائفة توسّطت فمسحت إلى المرافق (٢)، قالت بأنه بدل عن الوضوء فيحل محل المبدل. وفي الحديث: "إِنَّ الْتَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْذِّرَاعَيْنِ" (٣)، وصريح الصحيح أنه ضربة للوجه والكفين (٤) بيّن ذلك النبيُّ، ﷺ ، للخلق وعلمه للأُمة فليس لأحد في ذلك رأي.

стр. 174

باب تيمم الجنب هذه مسألة اختلف الصحابة فيها فكان ابن مسعود، ﵁، يرى ألاَّ يتيمم الجنب ويقول: لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ (١) فِي ذلِكَ لأوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمِ الْمَاءُ أَنْ يَدَعُوهُ ويتَيَمَّمُوا (٢). وهذا رد للنصّ بالذريعة وذلك لا يجوز، وإنما علينا أن ننزل الشرع منازله ونضعه مواضعه فمن تعدّاها فقد ظلم نفسه. وقد سأل رجل عمر بن الخطاب، ﵁، عن الجنب هل يتيمم؟ فقال عمر، ﵁: لا يتيمم، فقال له عمّار: أَمَا تَذْكُر يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ كُنَّا في سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ فَأَمَّا أَنَا فَتَمَرَّغْت في التُّرَابِ كَمَا تَتَمَرَّغ الْدَّابةُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ، ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّين". فَقَالَ لَهُ عُمَر، ﵁. إتَقِ الله يَا عَمَّارُ: فَقَالَ عَمَّارُ إنْ شِئْتَ يَا أَمِير اْلمُؤْمِنِينَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: بَلْ نوَلِّيكَ مِنْ ذلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ (٣). وهذا كله ينبني على أصل، وهو الكلام على آية الوضوء وترتيبها والأحكام فيها وكيف مساقها، وقد سمعت أصحابنا بالمشرق يقولون إن فيها ألف سؤال وحشدوا واجتهدوا فكيف (٤) حتى، بلغوها ثمانمائة ولكن

стр. 175

بزوائد ومعانٍ يستغنى عنها، وقد بينّاها في كتاب الأحكام في نحو من عشرين فصلاً (١)، أخترت تلك الفصول بآفاق الكلام وسحبت ذيلها على جميع المقصود ولا شك إلا أن قوله تعالى: ﴿وَإنْ كنْتُمْ جُنُباً فَاْطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢) ان هذا الجواب يرجع إلى جميع ما تقدم من الكلام لا ترده لغة ولا يدفعه نظام قول، والشريعة تعضده والآثار الصحيحة تشهد له؛ ففي الصحيح عن عمران بن حصين، ﵁، أنَّ النبيَّ، ﷺ : "فَرَغَ مِنْ صَلَاةٍ فَنَظَرَ إِلَى رَجُلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُمْ فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصلِّي مَعَنَا؟ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كنْتُ جُنُباً، فَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ بِالْصَّعِيدِ" (٣). وهذا نص، فإن قيل فكيف قال عمّار لعمر، ﵁: إن شئت يا أمير المؤمنين لم أحدث به؟ قلنا: عن ذلك جوابان: أحدهما أن عماراً ذكر أنه جرى ذلك بحضرتك يا عمر فرده عمر، ﵁، ولم يذكره فتعارض الخبران وصار ذلك كشهادتين متعارضتين في وقت واحد فإحداهما ترد الأخرى، فاستيذان عمار لعمر، ﵁، في ذكر ذلك لأنه الحاكم فإن ردها لم يفد شيئاً ولا كان لذكرها معنى وإن جوَّزها فحينئذ يدفعها وينشرها. الثاني: ما قدمنا قبل من أن الراوي إذَا كان عنده عن النبي، ﷺ ، حديث لم يلزمه أن يذكره ولذلك كان أعيان الصحابة وكبارهم، ﵃، لا يذكرون شيئاً مما سمعوا لأن تبليغ الأحاديث فرض على الكفاية.

стр. 176

باب الحيض هو آفة كتبه الله تعالى على بنات آدم وهو على ضربين: عادة وعلّة. فإذا كان علّة فهي الاستحاضة. وكانت المستحاضات على عهد النبي، ﷺ ، ستاً: فاطمة (١) بنت أبي حبيش، وحمنة (٢) بنت جحش زوج طلحة بن عبيد الله، وأم حبيبة (٣) بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف، وزينب بنت جحش (٤) زوج النبي، ﷺ ، وسودة بنت (٥) زمعة إحدى أمهات المؤمنين، وسهلة (٦) بنت سهيل. الصحيح منهن فاطمة (٧) وحمنة (٨) وأم

стр. 177

حبيبة (١) وإحدى أمهات المؤمنين غير معيَّنة. وكتاب الحيض معضل في الفقه ما رأيت في رحلتي من يحسنه سوى (٢) رجلين أبي إسحاق (٣) إبراهيم بن الآمدية بالمسجد الأقصى، طهَّره الله تعالى، وأبي منصور محمَّد (٤) بن (٥) الصباغ بمدينة السلام (٦)، والحيض على خمسة أقسام: مبتدأة، ويائسة. معتادة، مختلطة، متحيَّرة، وأشدها بلاء المتحيّرة. وأحاديث الحيض أربعة: الأول: قوله ﷺ : "تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ الْلَّيَالِي وَالَأيَّامَ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي" (٧). الثاني: قوله: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالَأيامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الْشَهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الْصلاَةَ فِيهَا" (٨).

стр. 178

الثالث: قوله، ﷺ ، وقد سئل عن الاستحاضة: "إِنَّمَا ذلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاة فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي" (١). الرابع: قوله: "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدٌ يُعْرَفُ فَإِذَا أَقبلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي (٢) الصَّلاَةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ" (٣) الحديث. وروي:" فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ" (٤).

стр. 179

واختلط على العلماء أمر المختلطة، وتحيروا في أمر المتحيرة، ولو أردنا أن نسر كلامهم أو نبيِّن مراميهم لاتسع الخرق وخرج الأمر عن الضبط وأشبه ما في ذلك أحد أصول مالك، ﵁، وهو أنَّ دم المرأة إذا خرج عن الاعتياد فهي مستحِاضة تصوم وتصلّي ويأتيها زوجها حتى ترى دماً متغيراً فتعمل عليه، فإن تمادى بها فلا تخلو أن تكون مبتدأة أو معتادة، فإن كانت مبتدأة فلتمسك أيام لدّاتها، وإن كانت معتادة فلتمسك قدر عادتها، وقيل تستظهر بثلاثة أيام, والاستظهار مشهور في المذهب ضعيف في الحديث، وقيل تتمادى إلى خمسة عشر يوماً، وهو أكثر الحيض. وروي عن ابن نافع (١) وابن الماجشون (٢) إن أكثر الحيض سبعة عشر يوماً، وهي رواية ضعيفة لا أصل لها والدليل على صحة ذلك أن الله، ﵎، جعل عدة الحائض ثلاثة أقراء، وجعل عدة اليائسة ثلاثة أشهر، فقابل كل قرء بشهر، ولا يخلو أن يقابله بأكثر من الحيض (٣) وأكثر الطهر، وذلك محال؛ لأن أكثر الطهر لا حدّ له أو بأقلهما وذلك أيضاً محال لأن أقل الحيض لا حد له فلم يبق إلا أنه قابله بأقل الطهر وأكثر الحيض وذلك خمسة عشر يوماً، وعلى هذه الأصول التي بيَّنَّا تتفرع جميع مسائل الحيض إن شاء الله.

стр. 180

باب في بول الصبي حديث أم قيس بنت محصن حديث صحيح متفق (١) عليه وفيه ثلاثة فوائد: أحدها: بيان الغسل وإنما هو تحريك المغسول بالماء خلافاً لأبي (٢) (ح) و (ش) (٣) ولما توهَّمه أبو الفرج (٤) المالكي من أن الغسل صبِّ الماء على المغسول خاصة وفي هذا الحديث فأتبعه بالماء ولم يغسله فبيَّن أن الغسل معنى زائد على صب الماء. الثانية: أن الغرض من إِزالة النجاسة ذهاب (٥) عينها، وإذا زالت بصبِّ الماء عليها لم يفتقر إلى تحريك اليد بالماء وكان البول من الصبي قد وقع على الثوب فصب عليه الماء في الحال، وهو طري، فأخذته أجزاء الماء فلم يحتج إلى تحريك. الثالثة: قوله: "أُتِيَ بِصَبِيٍّ لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ"، وقد ظن بعض الناس إن الصبي إذا لم يأكل الطعام لم يغسل بوله لقوله في الحديث: "فَأتْبَعَهُ إِيَّاهُ, ولم يغسله، فخفي عليه تفسير ذلك في اللغة فعاد يطلب التأويل في بول الصبي في غير موضعه، وهذا باب يقع فيه العلماء كثيراً بأن يتأوَّلوا غير موضع التأويل في القرآن والحديث فتبطل المسألة من أصلها كما تأوَّل أيضاً بعضهم من قوله: "أتِي بِصَبِيٍّ لَمْ يَأْكُلِ الطعَامَ" أن بول الأنثى بخلاف بول
следующие страницы →