← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ما جاء في البيعة (١) عقدَ مالك ﵁ هذا الباب لأنه أعظم عقودِ الإِسلام التي أمر الله تعالى بالوفاء بها فقال: ﴿أوفوا بالعقود ...﴾ (٢) الآية وإذا عاقَدتَ صاحبك قولًا أو فعلًا أو إشارة تعين عليك الوفاء بذلك العقدِ فالقول هو أن تقول له أبايعك على كذا؛ ومعناه: أُعطيك ما عندي لتعطيني ما عندك. ومبايعةُ الله تعالى لفضله أن نعطيه أنفسُنا فيعطينا أنفس ما عنده، وهو البائع وهو المشتري، وهذه علامات وأمارات على ما سبق للعبدٍ وأما العقد بالفعلِ فهو أن يجمعهما طريق وهو الصَّاحب بالجنبِ في أحدِ التأويلين أو يجمعهما جوار، أو مجتمع خيرٍ كالمسجد أو حلقةِ الذكر أو طاعة كالجهاد والصلاة والحج وسائر أسباب الألفةِ الدينية، وقد قال تعالى مبينًا لذلك في مواضعٍ كثرة من كتابه. من أمهاتها قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ...﴾ إلى قوله ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ (٣) الآية وأما العقد بالإشارة فكنحو ما جاء في الحديث: (إذا حَدَّث الرجلُ والتفت فهي أمانة) (٤) فالالتفاتُ معاقدة من المحدثّ ودوام (٥) المجالسة رابط له إلى سائرِ الروابط التي بيناها في موضعَها من شرح الحديث والباب طويل، ؤهذه الإشارة تكفي فيه. الكلام في الكلام قد بينا في الأصول أن محلَ الكلام والعلمِ القلبُ، وأنّ هذه العبادات الدائرة على الألسن بتقطيع الحروف والأصوات عليه دليلٌ شرَّف الله به الآدمي، كما قال سبحانه مخبرًا عن هذه المنَّة ﴿خلقَ الإنسان علمهُ البيان﴾ (٦) الآية .. ثم لما خلقَهُ من حَمإٍ مسنونٍ

стр. 1157

وكتب عليه إساءة الأقوال كما كتبَ عليهِ إساءة الأفعالِ بينَ معاقدِ الجواز في القول كما بين مراتبه في الفعل وجعل مَحِل الدليل على الكلام على الاختصاص اللسان وجعل سائر الجوارحَ تدلُّ عليه بالإشارة وعلى عظيم شرفِ اللسانِ سلط الله تعالي سبحانه عليه الآفات ففيه خصلة واحدة وهي الصدق وفيه نيفٍ على عشرين آفةٍ شرُّها الكذب. قال لي دايشمند (١): إذا أردت ألَّا يبقى على فعلك آفة، ولا على لسانك فالزم الصدق، فإنك إذا عرفتَ أنك ستسأل فيقال لك فعلتَ كذا؟ فإن قلت لا كذبتَ وإن قلتَ نعم هكلت. فالصدقُ رأس مال المطيعين وما لزمه أحدٌ قط في الإِسلام لزومًا أعرضَ فيه عن المعاريض إلا ربعي بن حراش (٢) فإنه لم يكذب قط في الإِسلام كذبة. ولقد خرج ولده مع ابن الأشعث على الحجاج فطلبه وجعل فيه الجعل أزيد من عامٍ فلم يقدر عليه فلما أعجزهُ، قال له بعض من رأى اهتمامه به أيها الأمير إنْ أردت أن تجده فاسأل عنه أباه فإنه لا يكذب، فأرسل إلى ربعي فقال: أتعرف لابنك مستقرًا؟ قال: نعم. قال له: وأين هو؟ قال: في موضع كذا. فأرسل الحجاج إليه فجيء بهِ، فلما مثل بين يديهِ صعَّد فيه النظر وصوَّب ثم قال: قد وهبتك (٣) لصدقِ أبيك. وكان الناسُ قد اختلفوا قديمًا أيما أفضل الصَّمت أم الكلام حتى كادوا يقولون لو كان الكلام من فضة لكان الصَّمتُ من ذهب، فتكلمنا عن ذلك (٤) مع شيخنا أبي بكر الفهري رحمه الله تعالى بالمسجد الأقصى طهّره الله تعالى وذكرنا ما وقعَ من الكلام فيه فقال: هذا كله خطأ، الكلام أفضل علي كل حالٍ, لأنّ الكلامَ من صفاتِ الله تعالىَ ، وما كان لله من صفاته للعَبد منها أُنموذج فإنها أشرف من صفةٍ يتعالى الله تعالى عنها ، وما ذلك في الغباوة إلَّا بمنزلة من يقول الجهل أشرف من العلم، بيد أنهُ لشرف اللسان حف بالآفات ولقلةِ احتراز الناس في المنطق هربوا إلى الصَّمت، وذلك بمنزلة من يفر من العلمِ إلى الجهلِ لتعب الطلب. انتهى كلام الشيخ رَحمهُ الله تعالى ولما كان شرفُ الكلام أظهر من الشمس في البيان، بوَّب مالك ﵁ على ما يُكره منه في سبعة أبواب: الباب الأول: في المكروه المطلق منه، ذكر فيه قول رسول الله ﷺ : (من قال

стр. 1158

لأخيه كافر فقد باءَ به أحدهما) (١) تمامه إن كان كما قال وإلا جاءت عليه (٢)، وهذا معنى صحيح, لأنَّهُ إذا عُلمَ من صاحبه إنَّه مؤمن فكفَّرة فقد أخبر عن الإيمان بالكفر وهو كفر. فإن قيل: أفتحكمون له بالكفر؟ قلنا: لا، فإن قيل: فلمَ وقد كفر الإيمان؟ قلنا: لأنّ قولهُ يحتمل أن يكون سبَّاً بالكذب، أخبرَ عما يعتقدُ فيه خلافهُ، فلو حقق النسبة بالاعتقاد كأن يقول السُني للقدري يا كافر، لحكمنا عليه بالكفر واستتبناه. حديث: قال النبي- ﷺ : (إذا سمعتَ الرجلَ يقول هلكَ الناسُ فهو أهلكَهُم) (٣) يروى برَفع الكافِ ونصبها (٤) , فإن رفعت الكافُ كان المعنى أنه أشدهم هلاكًا, لأنه بحكمهِ على الخلقِ بأنهم قد هلكوا، وقطعه عليهم أو ظنَّه قد استوجبَ إثمًا عظيمًا, لأنَّه حكمَ على الله تعالى بما لمْ يعلَمْ، ونسب الناس إلى التمالي على البَاطل فهو أشدهم هَلاكًا من وجهين: أحدهما: أن معاصي الناس لم تتعدَّهم، ومعصيتُه هو تعدَّت إلى الخلق، بل عمَّتهم والمعصيَةُ المتعديةُ أعظمُ إثمًا مِنَ المعصيَة القاصِرَة، كما أن الحسنة المتعدية أوفر أجرًا من الحسنةِ القاصرَة. والثاني: أن معصية الناس وقفت بهم أيضًا، ومعصيتُه هُو تعلقت بجميعهم، والأجر يتضاعف بالمتعلقات كالطيب مثلًا فيه أجرُ السنة ونظافة المرء ونفع الجليس وإكرام الملائكة إلى غير ذلك مما يتعلقُ به، وكذلك المعصية كظلم الضعيف واليتيم يوم عرفة بعد صلاة العصر في يوم جمعةٍ لكلِّ متعلقٍ أيضًا جزء من الإثم، وليس هذا بمضاعفة مبتدأةٍ، وإنما هو تَضعيف بالأسباب، وإنما تكون المضاعفة المبتدأة بالحسنَات، وأما من رواة بنصب الكاف فمعناهُ إنه كان سببَ هلاكهم, لأنّ الخلقَ لا يهلكُ أحد منهم بمعصيَة نفسه، وإنما يهلك الناس بمعاصي العامة المتعدية على ما يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى. حديث: (لا يقولنَ أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدَّهر) (٥) ظنَّ بعضُ الجهَّال

стр. 1159

أن هذا يقتضي تعديد الدهرِ في أسماء البارئ تعالى. وذلك باطل ولكن خرجَ هذا على عَادة الجاهلية في نسْبتها الأفعال إلى غيرِ الله تعالى من الأسباب المتردّدةِ، والحوادث المتعاقبة، فإذا جاءَ الخلقُ من ذلك ما يحبُّون، فرِحُوا بذلك المتاع، وإذا جاءهم ما يكرهون عكفوا على الدهر يسبُّونه وينسبونه إلى اللوم والإذاية، فأراد النبي- ﷺ أن يطهِّر عقائدهم من هذا المنزع الخبيث، ويعلمهم بأن هذه الأفعال التي يكرهون، والأفعال التي يحبُّون، ليست منسوبة إلى الأسباب، ولا محسُوبة على الحوادث، وإنما هي كلها مضافة إلى الله تعالى تقديرًا وخلقًا، وسبّ الحكم والمعلول سبَّ للعلة، فإنك إذا قلت فعلَ الله بفلان كذا كذا وكان المشار إليه باللوم موجودًا في غيره فَقد دخلَ في حُكمهِ وأما قول عيسى ﵇ للخنزير: إذهبْ بسلامٍ (١)، فإنه من أعظم أدَب الكلام لقوله أخَافُ أن أعوِّدَ لساني لمنطقِ السوء. وُيروى أن الربيعَ بن خُثيم جاءه ابنه فقال له: أذهبُ ألغب؟ قال له: إذهب صلِّ. فقال له بعضُ جلسائِه ما هذا جَوابه؟ قال: كرهتُ أن يكتبَ في صحيفتي العبْ. وقد فهِمَ هو ما أراد. وأما الباب الثاني: في التحفظ من الكلام ففيه إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يسترسل في الحديث بل يرويه في نفسه ويتدبره بَفكره وينظر في فائدته وعاقبته، وحينئذ يخبر به. فإنه قد يتكلمُ بالكلمة لا يلقي لها بالا فتهلكه (٢) دنيا أو دينًا، ولذلكَ قالوا في المثلِ: "ما من شيء أحقُّ بطولِ سجنٍ من لسانِ" (٣) ولذلك قال في الباب الخامسِ: (من وقاه الله شر اثنين ولج الجنة) (٤). الحديث.

стр. 1160

وكذلك رُوي عنه ﷺ أنه قال: (إذا أصبحَ ابِن آدمَ كفّرت أعضاؤه اللسان (١) تقول له: إتقِ الله فينا، فإنك إن استقمتَ ...) الحديث. ومعنى كفَّرت سلّمت عليه بخضوع الأعاجم وركوعَها، واستعار للسان سلام الأعاجم لأنه نهاية الذلة والاعتراف بالخدمَه. ولذلك قال أبو بكر الصديق ﵁: "هذا أوردني (٢) الموارد فقالت له عائشة: موارد الجنة إن شاء الله" (٣). وأما الباب الثالث (٤) في الكلامِ بغيرِ ذكر الله تعالى، فإن مالكًا ﵁ عقده عقدًا بديعًا لنكتة صوفية. وذلك أن اللسان عبد لله، فلا ينبغي أن يُذكرَ سواهُ، فتكون خدمة عبدٍ لغيرِ مَولاه وهذا هو أصل الدين والذي عليه كافة المسلمين. ومن شيوخ الصُّوفية من كان يرى ألا يذكر الله تعالى ويقول ومثلي يذكره، والله لا أذكره حتى أغسلَ فمي بألف توبةٍ متقبَّلةٍ. منهم سمنون المحبة (٥)، وهذا لا يجري على قوانين الشريعة، وإنما على العبد أن يذكر ربه كان مطيعًا له أو عاصيًا، والخلاف الذي قدمناه من الصوفية إنما هو في ذكر النفل لا في الفرضِ، ثم إن الله تعالى جوَّز للعبدِ لحاجة النفس أن يتكلمَ في معاشِه ورياشه بغير ذكر ربه. قالت الصوفية: وينوي بذلك كلهِ وجه الله تعالى فيعود الكلِ إلى ذكر الله ، حتى لا يتكلم العبدُ بأقوال من اللغوِ ليسَ فيها حَظ إلا ما يدّعيه من راحةِ النفس وهذا هو معنى قول عيسى ﵇: "لا تكثروا الكلام بغير ذكرِ الله فتقسو قلوبكم" (٦) ولذلك قال مالك ﵁ في حديثِ النبي- ﷺ : (إن من البيان

стр. 1161

لسحرًا) (١) أنه مكروه لأنه يخدع الناس خِدعَة الساحر. هذا هو رأيه فيه، وعليه تدُّل ترجمة الباب (٢) الذي أدخله عليه. وقال غيره من العلماء إنما أراد به مدح الكلام لأنه أثنَى وذمَّ وكان الكلُّ صدقًا، وصرَّفه بمقدار الحاجة فصار أمرًا بعيدًا فأثنَى عليهِ النبي ﷺ لا سيّما وكان من حاجةِ المتكلم في الإعراب عن نفسه، والذي ذهب إليه مالك أصح (٣)، والدليلُ عليه ما تفطّن له مالك ﵁ من أن المرء إذا اتخذ هذا عادةً لم يأمن أن يسقطهُ، ولذلك أدخلَ بعده كلام عيسى ﵇ "لا تكثروا الكلام بغيرِ ذكر الله تعالى .. " إلى آخره. وأما قول عائشة: ألا تريحون الكتّاب (٤)؟ فليس عليهم تعب لأنّ الله تعالى أخبر عنهم أنهم عباد مكرمون لا يستحسرون ولا يفترون، ولكنها أخذتْ ذلك من قول النبي- ﷺ -للحولاء (٥): (إن الله لا يملُّ وأنتم تملُّون) (٦) فضربَ لقطع الأجر مثلًا المَلل الذي يقطعُ به العبدُ العمل. فكذلك قالت ألا تقطعون كلامكم حتى تقطع الملائكة عملها، وكذلك روي أن اليهود قالت إن الله تعالى خلق الخلق في ستةِ أيّامٍ ثم استراح في اليوم السابع (٧)، فأنزل الله

стр. 1162

تعالى تكذيبًا لهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ...﴾ (١) الآية. فإن كانت اليهود وجدت هذه اللفظة في التوارة فذلك جائز، ولكني أخطات في حملها على ظاهرها، فقد جاء في القرآن أمثالها ولكن من حملها على ظاهرها كان أخا لليهود، وقد مرّ مالك بن دينار على قوم يتحدثون فيكثرون، فقال لهم: لو اشتريتُم الرقَ والمداد من دراهمكم للكتبة لكان كلامكم أقل. سمعتُ الشيخ الإِمام أبا سعدٍ بالمسجدِ الأقصى يقول: سمعتُ الإِمام أبا القاسم القشيري يقول بنيسابور: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وقد كان قادرًا أن يخلقها في لحظةِ ولكنه أرادَ أن يُعلّم الناسَ ترك العجلةِ معَ القدرةِ. وأما الباب الرابع في الغيبة فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٢) معناهُ يذكرهُ بما فيهِ مما يكره، فإن ذكرهُ بغير ما فيهِ فهو البهتان (٣) حرم الله تعالى ذلك لأنه يتناول الأعراض، وكما حرَّم على الناسِ تناول أموال الناس ودمائهم بغير حِق، كذلك حرَّم غليهم تناول أعراضهم بغير حقٍ، ولا فرقَ بين الأحوال الثلاثة، وقد حفَّ الله تعالى الدماء بالقَصَاصِ وحَفَّ الأموال بالقطعِ، وحفَّ الأعراض بالحدّ كل ذلك حجبٌ لا يحلُّ اختراقها، فمن اخترقها بالأذى أُدبَ ومن اخترقها بالأقصى حُدَّ. ترتيبُ حكيم للمصلحة وتدبيرَ عزيزٍ له القَهرُ والغَلبةُ. أخبرنا أبو سعيد الزنجاني قال: قال لنا أبو القاسم القُشيري: قال الله تعالى في الغيبة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ فذكر وجوهًا أولها وأولاها تنزيل الغائب منزلةَ الميتِ لأنّ الحاضِرَ ينتصرُ لنفسِهِ إذا سمع عرضه، والغائب لا ناصر لهُ من نفسِه كالميت. وأما الباب الخامس (٤) في مناجاة بعضَ الناس دون بعض فاختلف الناسُ فيه على أربعة أقوالٍ:

стр. 1163

الأول: إن ذلك في السفر لأنه موضع التقاة (١) ومكان الحذر. الثاني: أنه مخافة أن يحزن صاحبهُ، وكذلك جاءَ في الحديث كراهية أن يحزنه (٢)، فإن كان من قول النبي ﷺ ، فقد انحسم التأويل، وإن كان من قولِ الراوي فهو أولى من تأويلِ غيره. الثالث: إن ذلك من سوء الأدب. الرابع: ويرتبط بالثالث، أنه خَلاف ما يقتضيهِ عقد المجالسة فإنهما إنما يتجالسان بالصحبة والألفة والأنسة، فإذا انخذل عنه إلى السرِّ فقد نقض هذا الميثاق، وفعْلُ عبد الله بن عمر مع عبدِ الله بن دينار يدلُّ أن الحضَرَ في ذلك كالسفرِ (٣)، لكن المعنى في السفر أولى منهُ في الحضَرِ، وقد تتزايد العلة الشرعية ويبقى الحكم على حَاله وهذا المنع اختلف الناس هل يزول بالإذن أم لا؟ والصحيح أنه يزول, لأنّ الحق له فإذا أسقطه

стр. 1164

سقط , وقد قال ابن القاسم: سمعتُ مالكاً ﵁ يقول: لا يتناجَ أربعة دونَ واحدٍ، وصَدَقا لأن العلة أكثر والتقيةُ أعظم، هذا في تناجي الجماعةِ دونَ الواحد، وأما تناجي الجماعة دون الجماعة، فإنه أيضًا مكروه أو محرّم وقد نص الله تعالى عليه فقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ (١) الآية. وقد بينا ذلك على تفصيلٍ في تفسير القرآن. أما الباب السادس في الصدق والكذب فاعلموا وفقكم الله تعالى، أن الصدقَ لم يحسن لعينه وذاته، ولا قُبِّح الكذب لعينه وذاته, لأنه ليسَ شيء يقْبحُ ويحسنُ للذّاتِ، وإنما حسنَ وقبح عادةً لما يترتبُ عليَها من المنافع والمضارِ ويكون فيها من الملامةِ والمنافرةِ وحسنها وقبحها في الشرع بما يتصل بها من الأمر والنهي، والدليلُ على صحةِ ذلك أن القتل الواقع اعتداء يُجانس القتل المستوفى قصاصًا ويماثله في الصورة والصفةِ، بدليلِ أن الغافلِ عنها لا يفرق بينهما وكذلك إيلاجَه النكاح كإلاجة الزنا في الصورة والصفةِ بدليل أن الجاهل بسببهما لا يميزُ بينهما، فدلّ على أن الأشياءَ لم تحسن في الشريعة ولا قبحت لأعيانها، فإنما حسَّنَها الأمر وقبَّحها النهي، فإذا ثبت هذا فللشرع أن يتصرف في التحسين والتقبيح، فيحسن تارةً شيئًا ويقبحُه أخرى، وبعكسه أيضًا إذا ثبت هذا جئنا إلى بابنا فقلنا: إن الإخبار عن الشيء بما هو عليهِ هو الصدق، الذي أمرَ الله تعالى به والإخبار عنه بخلافِ ما هو عليه هو الكذب الذي نهى الله تعالى عنه، وقد يحتاج المرء أن يخبرَ عن الشيء بخلافِ ما هو عليه فيكون حسنًا، بل قد يكونُ واجباً وذلك إذا طلبَ ظالمٌ عادلًا فإنه يجوز له أن يصدَّه (٢) عنهُ بالخبر الذي هُو بخلافِ مُخبره مثل أن يلقاهُ يطلبه وقد أخذَ المطلوب يمينًا فيقولُ له قد أخَذَ على اليَسار، لكن بنكتة حققها العلماء وهي أنه لا يجوزُ لك أن تقصد بقلبك ما أخبرت عنه بلسَانك، فإن لك لا حاجة بك إليهِ، ولا نجاة للمطلوب فيه، ولكنك تريدُ بقلبك في قولك أخذ يسارًا، أخذ جانب اليسر واليمن يسر وهذا هو اللحن الذي صنف فيه العلماء كتباً لأجل إيمان البيعة واستطالة الظلمة وكذلك لو حلفَ ظالم عادلًا أنه ما قضى حاجةً لفلان قط لحلفَ، ولكن يقصد بقلبه بالقضاء القطع وبالحاجة الشوكة، وقد صنَّف في هذا المعنى ابن دُرَيد (٣) ......................................

стр. 1165

........................ كتاب الملاحِن (١) ففتحَ البابَ واستوفاه بعده الكاتب المفجع (٢). نكتة: قال: جاء رجل لرسولَ الله ﷺ فقال: أكْذِبُ إمرأتي؟ قال رسول الله ﷺ : (لا خيرَ في الكذب) (٣). كره النبي- ﷺ الكذبَ, لأنّ الكذبَ وردَ تحريمه، فكره النبي- ﷺ أن يعلق على اللفظ المكروهَ التحليل حتى جاءَ الرجلُ بلفظ الوعد، فقال له أعدُهَا؟ قال: (لا جناحَ عليك). قال علماؤنا: لكن إنما يكون الوعد بشرط النفز عند القدرة، فإن خلاف الوعد كذب، إلا أن يلحن بأن يقول لها سأشتري ثوباً، وهو يريد أبيعُ وغير ذلك من الألفاظ المحتملةِ التي لا يحصَى احتمالها، وقد تفطَّنَ مالك ﵁ لهذا الفقه المأثور في

стр. 1166

هذا الحديث. فسُئل: أَيحلُّ خنزير الماء؟ فقال: أنتم تقولونَ خنزير (١)؟! حديث: (قيل لرسولِ الله ﷺ : أيكونُ المسلم جبانًا؟ قال: نعم، قيل: أيكون بخيلًا؟ قال: نعم، قيل: أيكون كذابًا قال: لا) (٢) وهذا هو حديث عظيم ضلت فيه الفرق ضلالاً وضُلةً (٣) فما أصابوا له معنىً يستقل به. قال بعضُ المحققين إنما قال في الخبر: والبخل إنه يكونُ مؤمنًا معهما, لأنّ الإيمان لا يُنتفى إلا بضده وهو الكفر، ولذلك لم يجعل أحدُ من أهل السنة مؤمنًا كافرًا بمعصيَة ولا يقتل مثله من الموحدين الصالحين ... قيل لبعضِ العلماء: إن من قتل فهو كافر يخلد في النَّار بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٤) فقال لهم: نظرتم نارًا وعميتم عن نورٍ؟ ألم تسمعوا إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٥) الآية فأثبت له الإخوة مع قتله له. وقال أيضًا في تقاتل المسلمين وسفك دمائهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٦) الآية فأثبت الإيمان فكيف عميتم عن هذا النور فكل معصية تجتمع مع الإيمان على الإطلاق في كل حالٍ قليلًا كانت المعاصي أوكثيرًا إلَّا الكذب فإنه يناقضه في الخبرِ عن الله تعالى وصفاته، وعن النبي- ﷺ ومعجزاته فلا تجتمع معه هنالك ولا تجتمعُ معه في الإخبار عن الأحكام والحديث عن الحلال والحرام فلأجل ذلك لا يكونُ المؤمنُ كذابًا وإنما يوجد الكذب الذي لا يناقض الإيمان فيما لا يعود إلى الشريعة، فلا يكون المؤمن كذابًا أبدًا، نعم يكونُ الآدمى كذابًا فهو أعظم وجوه الحديث. وأيضًا فإن الآدمي إذا تعوَّد الكذب في خبرهِ عن آدميته ربما سقط في الإخبارعن الشرع وقد جرب ذلك فوُجدَ. ومن الكذب الذميم المتضاعف حال ذي الوجهين الذي يأتي هؤلاء بكلامٍ وهؤلاء بكلام فهذا حرامٌ بنص الشريعة وإجماع الأمة، إلّا في الصلح بين الناس، فإنه يجوز أن يأتي كل طائفة بحديث يصلح لها لأن ما يرجى حصُوله من الألفة أعظم من آفة اختلاف الوجه بين الناس لا سيما واختلاف الوجه لم يحرم لعينه وإنما حُرَّم لما فيه من دناءة المرءِ بالتصنع،

стр. 1167

ولما يعتاده المرء من الكذب، وقد كان بعضُ أصحابنا يقارفُ محرّمًا فولِّي الشرطة فأصبح في الدُيسْتِ (١) وحكم النهارَ، فلما جاء المساء استدعاه أحدُ نُدمائه للمعادة، فكتب اليهِ: أبا بكرٍ تركتُ الخمر لا عن كراهيةٍ فنفسي تشتهيها, ولكني كرهت أن أحيا بها وأقيم حَد الله فيها. فذو الوجهين معلوم بأن لا يكون كما رَويناهُ وجيهًا (٢). بابُ عذاب العامة ذكر حديث أم سلمة قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: (نعم إذا كثر الخبث) (٣)، وذكر قول عمر ﵁ إن الله لا يُعذب العامة بذنب الخاصَّة ولكن إذا عمل المنكر جهارًا إستحقوا العقوبة كلهم (٤)، وإنما أُدْخِل قول عمر بعده لمعارضة مطلق الحديث لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥) وكذلك

стр. 1168

قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) قال الزبير بن العوَّام: (ما كنا نرى أن أحدًا منّا يقعُ فيها فإذا نحنُ الذين أُصِبنا بها) (٢)، وقال ابنُ عباس: (هذه الآية في أصحاب النبي- ﷺ خاصَّة) (٣) وخطبَ أبو بكر الصديق الناس فقال: "يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأوّلونها على غير تأويلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" (٤). وروت عائشة ﵂ في حديث الجيش الذي يخسف به في البيداء، قال رسول الله ﷺ : (يعمهم العقاب ثم يحشر كل أحد على نيته) (٥) وبين ظاهر الأحاديث تعارض والذي يضم نشره أن الأدلة القاطعة قد قامت على أن أحدًا لا يعاقب بذنب أحدٍ لا على العموم ولا على الخصوص، ولكن من ذنوب العامة والخاصة: التواطوء بالباطل وترك التناهي عن المنكر وهو الذي عاب الله تعالى على قوم لوطٍ وهو الذي أنكر على بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٦) وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض العالمين وخلافة المرسلين ومصلحة الخلق أجمعين وآكد فروض الدين، فإذا ترك عُوْجل الناس بالعقوبة، وقوله ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ الآية، آية مشكلة, لأنّ قوله ﴿إتَّقُوا﴾ أمر، وقوله ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ﴾ نهي، بدليل دخول النون الثقيلة في فعله فيبقى الأمر بلا جواب، وقد اختلف الناس فيها اختلافًا متباينًا على أقوالٍ:

стр. 1169

الأول: أن منهم من قرأها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وقرأت ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ كذلك قرأها أبيّ وعبد الله بن مسعود ما منكم من أحد إلَّا وله فتنة في أهله ومالِهِ، وكان ابن عباس يخالفه ويقول: هي في أصحاب محمد ﷺ ، والصحيح أنها عامة في كل أحد وأن المراد بها غير فتنةِ الأهل والمال والدليل عليه حديث حذيفة الصحيح حين سأله عمر ﵄ عن الفتنة فقال له: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك! فقال: أتسالني عن التي تموج كما يموج البحر؟! إن بينك وبينها بابًا مغلقًا (١)، الحديث. فليس في قول ابن مسعودٍ في ذلك وجه، وأما إعراب الآية فقال بعضُهم إنه نهي بعد أمرٍ، كل واحدٍ منهما مستقل بنفسه، كما تقول قم لا تتكلم. وهذا لا يصحُّ لأنه قال ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾، وليس هذا الكلام بمفيد حتى يتركب عليه الجواب، وقال الطبري: إعرابها اتقوا فتنةً إن لم تتقوها أصَابتكم وهذا التقدير لا يخلصه في الكلام لأنه يقال له إن كان الجواب في قوله لا تصيب فمجازه لا تصيبُ الذين ظلموا منكم خاصة وقال شيخنا أبو عبد الله النحوي: قال بعض البصريين: هو نهي فيه معنى جواب الأمر كما تقول: انزل عن الدابة لا تطرحك ويجوز لا تطرحنَّك وقد جاء مثله في القرآن في آية أخرى، قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ (٢) فهذه أختها، وقال النقاش: هو نهى عن السبب، كما يقول الرجل للرجل لا تقطع يدك ولا تضرب ظهرك، أي لا تأتي بسببٍ يؤدي بك إلى ذلك، وهذه الأقوال كما تراها (٣) متعارضة ومنها مغمغم (٤) ومنها قاصر غير مسبوق الغرض، والعبارة الحلوة في ذلك أن يقال لوجهين. أولاهم: أن النهي يكونُ جوابُ الأمر. والثاني: أن يقال إن النون الثقيلة تدخل في النهي كما تدخل في الخبر، فأي هاتين العبارتين كان أحرى في أصول

стр. 1170

النحو قلنا به، ولا يفتقر إلى هذا التطويل وقد بيناه في رسالة المجيئة على التفصيل، والمعنى أيضًا فيها مفهوم قريب لأنها إن كانت خاصة في أصحاب محمد ﷺ كما قال ابن عباس فالذين ظلموا هم قتلة عثمان، والذين أصابت من لم تقتله من العشرة وغيرهم وإنما كان الذنب في قول العلماء الذين أصابتهم به أن عثمان استسلم، وقال لا يحميني أحد فتركوه ورأيه، ولم يكن الحق له وحده حتى ينفع في ذلك إسقاطه وإنما كان الحق لجميع الأمة والله تعالى أعلم. باب ما جاء في التقى (١) هذه ترجمة عظيمة أفردها مالك ﵁ دون غيره من المصنفين، وعجبًا لهم كيف أغفلوها وهي عماد الدين، قال لي شيخنا أبو بكر الفهري بالمسجد الأقصى طهَّره الله تعالى: كنت في مدينة البصرة أدرّس في بيتي حتى دخل عليّ رجل من أصحابنا فقال لي: يا أبا بكر إن الله تعالى يوصينا بمذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك، ولكنه قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) الآية ثم خرج عنا إلى العبادة فما دخل المدرسة أبدًا وقد ذكرها الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابهِ، وعلق بها سعادة الدنيا والآخرة، ورتب عليها إثني عشرة خصلة أولها التوفيق، قال الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣) وثمرتها القبول. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وكان لعامر بن عبد الله بن الزبير (٥) خمس مائة نخلة فكان يصلي تحت كل نخلة منها ركعتين كل يوم، فلما احتضر كان يبكي فقيل له في ذلك، فقال تعبت دهري وحرمتُ القبول لأنّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) وخاتمتها الخلود في جنة عدن.

стр. 1171

قال الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) ومن الحق المؤكد والغرض اللازم في كل ساعةٍ المتجدد لكل أحدٍ أن يعرف حقيقتها ومحلها، فأما حقيقتها فهي فعلى من وقى يقي وقاية ووقوى أبدلت الواو ياءً كما فعلوا في كثير والتقى التي ترجم بها مالك ﵁ هي جمع تقاة وهو حجاب يجعله العبد بينه وبين الذنب من العزم. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (٢) أي لم يجعل بينه وبين المعصية وقاية في الاحتراز من عدوٍ كان حذر منه، وأما محلها فالعين والأذن واللسان والقلب وأحوج ما يكون إليها الإِمام، ولذلك أشار مالك ﵁ إلى الجميع بالترجمة ثم اقتصَر فيما جلب تحتها على قول عمر بن الخطّاب ﵁: "لتتقين الله أو ليعذبنك الله" (٣) فأما العين فهي الرائد وهو المرئّية، فإذا اطلعت أرسلت إلى القلب ما حصل عندها من علم وتحصّل عندها ما يجوز وما لا يجوز وفي القلب لكل شيء وجد على ما يأتي تفسيره، فإذا كفّت عما لا يجوز ولم ترسل إلى القلب إلا الخير استراح من تعبها وتخلص من شغبها, ولقد أحسَن في ذلك القائل حيث قال: وأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أسلمتك المناظرُ رأيت الذي لا كلّه أنت قادرُ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ (٤) وهذا وإن كان أخذ طرفًا من المعنى، فإن الفقيه عطاء شيخ الشافعية بالمسجد الأقصى فقهًا وعلمًا وشيخ الصوفية طريقةً استوفى لنا هذا المعنى فيما أنشدنا: إذا لمتُ عيني اللتين أضرّتا ... بجسمي وقلبي قالتا لي لُمْ القلْبَا فإن لمتُ قلى قال عيناك جرَّتا ... إليّ الرؤيا ثم لي تجعل الذنبا وهذا من الحق الذي استوفاه الشاعر وجلاه في أبدع وصف من النظم الذي بينه النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ قال: (إن الله كتبَ على ابن آدم حظه من

стр. 1172

الزنا أدرك ذلك لا محالة، العينَان تزنيان واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك أو يكذبهُ) (١)، (ومن حسن إسلام المرء تركه النظر إلى ما لا يحتاج إليه، كما أن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٢)، وقد أخبرنا أبو سعيد الصّوفي قال: حضر الصوفية دعوة في منزل، فقدم الماء وصبّ على الأيدي فغسَل واحد وقبض يده آخر، فقال له جليسه: لم قبضت يدك؟ قال: الصوفية لا تستخدم بالنساء!! قال له: ما هذا الأدب السيء، منذ أربعين سنة دخلت هذه الدار ما علمتُ إن كان الذي يطرحُ الماء رجل أو امرأة. وأما الأذن فهي أيضًا رائد عظيم، وطليعة كبيرة على وَعي الأصوات وفيها باطِل عظيم وتخليط كثير يرجعُ إلى إللسان على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وتحصيل حجابه وتحصيل الحائل بينه وبين المعاصي الذي هو تقواه ألا يدَاخل مظان اللغو والباطل ابتداءً ثم إن سمع كلامًا وعى أحسنه وأرسل سيئه كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٣) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فجاء في هذه الآية بنكتتين بديعتين: الأولى: قوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ مطلقًا ثم قال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ مقيدًا بالإحسان, لأنه ليس في قدرته الاستماع إلى الحسن دون القبيح فلم يكلَّف فيه التمييز وفي قدرته اتباع الأحسن دونَ القبيح بكلفةٍ، وأما اللسان فقد تقدم بيانهُ بما فيه فائدة وآفة وتفصيل القول فيه فليؤخذ منه، وأما القلب فهو البحر العجاج، فيه الفوائد بأجمعها، والآفات بجملتها، وقد أشار النبي- ﷺ إلى بيان ذلك من التقوى، فقال: (أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر المقابر والبلاء) (٤) إشارة إلى كسر شهوة النفس وتحقير الأمل بالنظر في المآل، وبقدر توجه الآفات على القلب من سبلها وأبوابها، فعلى كل باب

стр. 1173

غلقٌ من التقوى وحجابٌ من العصمةِ أمهاتها باب الشرك حجابها التوحيد، فإن عرض لك فيه الشيطان بشبهة، فدواؤه الأدلة وهي حجابٌ وذلك أمر مستمرّ ممكن، فإن عرض لك بداء الوسواس فدواؤه الاستعاذة، وقد قال النبي- ﷺ في مثل هذا: (لا يزال الشيطان يقول من خلقَ كذا؟ ومن خلق كذا؟، فيقال: الله، حتى يقول من خلق الله؟! فإذا وجد أحدكم ذلك، فليقل: لا إله إلا الله) (١) فأمر النبي- ﷺ بجواب إبليس في كل سؤال لأنه سؤال صحيح، فلما سُئل عمّا لا يسأل وذكر ما لا يعقل أمر بالإعراض عنه والرجوع للتوحيد، وهذا كما جرى لأهل النار فإنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، قيل لهمُ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٢) ثم استغاثوا فقيل لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ فقيل لهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا ...﴾ (٣) الآية. فلم يستحقوا جوابًا لأنهم سألوا محالًا قالوا: لقد غلبت علينا شقوتنا، فأقروا بأن القَضَاء والقدر سبق عليهم بالشقوة، ثم قالوا أنقض قضاءك. وبدل كلامك وأخرجنا، فخسئوا وأغلقت عليهم أبواب الجحيم فلم يكلموا أبدًا. وأما باب المعصية فدواؤه الطاعة، فإنه ما من معصيةٍ إلا بحذائها طاعة ولا ذنب إلا بإزائه مغفرة، ولكن الذي يعين على الطاعة بتيسير الله تعالى وتقديره أن النفس أمارةً بالسوء، كما قال الصديق. قال شيخ الصوفية (٤) هي مركب اجتمعت فيها شرار خصَالِ الدواب فهي جرون (٥)، جموح (٦) شموس (٧)، فإذا أردتَ استخدامها فقلل عَلفَها، فإنك إذا أعطيتها قوتها بالعلف قويت عليك، وثقُل حملها بالطاعة والدؤوب فيها فإنك إذا خفّفت

стр. 1174

حمل الدابة الشموس اضطربت فيه، وسقط وإذا ثقلته اشتغلت به عن كل شيء ولازم ذلك دائمًا فإن الطريق إذا طال على الدواب الحمولةِ هانتْ ولانتْ، ولا تريحها فإن راحتها إجمام، إلا بمقدار ما ترى أنه يديم بها المتاع والخدمة، ولا تعجلُ لها الهلكة، وتستعين بعد ذلك كله بالتضرع إلى الله في الإعانة على ما تصدّيت له من هذه المحاولهُ، وتتضرعُ إليه في الإعانة، فإن رأيتَ ذلك قد حصل لك، فدُم عليه، وإن رأيته قد تعذر عليك فإياك أن تستحضر (١) (فيستجاب لإحدِكم ما لم يعجَل) (٢) وكن سائلًا في التوبة، إن لم تكن تائبًا ومتعرضًا لنفحاتِ رحمة الله تعالى حتى يأتيك ما قُدر لكْ واجتهد أولًا في تحصيل هديك والإكثار من عملك والإقلال من قولك، فإن ذلك جزء من خمسةٍ وعشرين جزءًا من النبوةِ، وقد قال النبي- ﷺ في الحديثِ الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم) (٣)، الحديث. ولم يقل وأقوالكم، وهذه النكتة التي ختمنا الكلام بها، ختم مالك الباب ليربط أولهِ بآخره. قال: عن القاسم بن محمَّد: أدركت الناس وما يعجبون بالقول (٤). يريد بذلك أنه ينظر إلى عمله ولا ينظر إلى قوله، فقول عمر للأئمة، وقول القاسم لسائِر الناس. القول في الرعد (٥) هذا فن من العلم لم ير مالك رضي الله تعالى عنه أن يخلي عنه كتابه، نبه عليه

стр. 1175

العلماء، وحذقه حذقًا كثيرًا قفاه العامة الذين لا يفهمونه إن ذكر، ولا ينزلونه على منازلهِ إن سمع، ونحن نشيرُ إلى نكتة تكشف بعض قناعه فنقول: إن العلوم كلها محمودة وليس شيء من العلومِ مذمومًا, لأنّ العلم شريف بذاته على الإطلاق ثم يشرُف بشرف متعلقاته، وأشرف العلوم ما تعلق بالله تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه في خلقه وترتيب ملكه لعباده وشرائعه وكل علم مطلق بعيد من الله تعالى إذا صرفته إليه انصرف، كما أن كل فعل مطلق من أفعال الخلق مما يقصدون به منافعهم الخاصة بهم وأغراضهم العارضةِ لهم كالأكل واللباس والتطيب والنكاح إذا رجعتَهُ إلى الله تعالى رجع، فيكون الكل عبالة بعدَ أن كان عادة، فتأكل لتتقوى على الطاعةِ، وتلبس الثياب لتسترَ ما أمرك الله تعالى به من العَورة وتستجد لتصرح بأثر النعمة عندك، وتتطيَّب للأغراض السابقة الدينيَّةِ وتطأ معتصمًا بالحلالِ طالبًا للولدِ لتكثير أمة النبي- ﷺ معصمًا لأهلك عن تعلق البالِ بالرجال, وهكذا إلى آخر الحالِ، فإذا ثبت هذا، وفُهمَ أن شرف العلمِ ابتداءً بذاتِه فالجملة المقصودة التي بُعثَ لها الأنبياء أن يرشدوا إلى الأفعال المنجية من أهوالِ الآخرة التي لا يهتدي العقل إلى تفصيلها ولا يتمكن بانفراده من تحصيلها، فيصطفي الله تعالى من بعض عباده من بينها لبقيتهم، ومع أن هذا هو المقصود فلا بد من توابع في عمارة الدنيا، وقد بينا في كتاب العلم من المقسط أن أصولَ العلم تنقسم إلى اثنين من وجهٍ، وإلى ثلاثةٍ من وجه وإلى أربعة من آخر، وهكذا إلى عشرة، إلى مائة، إلى ألفٍ، والقسمة الأولى. وهي علم الدنيا وعلم الدين، ولو شاء ربك لخلق الخلق للجنة ابتداء، ولكنه أسكنهم داراً سابقةً لها، وأخرجهُم فيها إلى المعاش وإلى الرياش وكلفهم فيها التكسب وبنَى نصية الخلق (١) في الابتداء على ذلك وإليه وقعت الإشارة في القرآن في آياتٍ منهَا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٢) الآية، فاقتضت هذه الآية الإشارة الجملية إلى جميع الدنيا بما فيها والتنبيه على ما اشتملت عليه من جميع معانيها ومن أصل (٣) نظام الدنيا وترتيب المعاش فيها معرفة الحساب وهو على قسمين من وجه معرفة الأعداد الجملية المتصرفة بيّن أيدي الخلق في المكيل والمهوزون بالحس، كما أن الوزن يُعرفُ في حساب السماء بالعقل، وللعقل ميزان، كما أن للحس آخر، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (٤)، ومعرفة حساب

стр. 1176

السماء كان لضرورة اختلافِ الأزمنة بضرورة ترتيب المعاش عليها بضرورة حاجة الخلق إليها وهو أمر مشاهد, لأنّ الله تعالى: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ (١)، وهي الآية الأخرى المشتملة على المصَالح المنبهة على ارتباطِ المنافع، وقد سُئِلَ مالك ﵁ عن قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢) قال هي قصورٌ في السماء (٣) فلحن في الجواب لحنًا فهمه أصحابه، وقالوا هي الاثني عشر برجاً التي هي الحمل، والثور، والتوأمان، والسرطان، والأسد، والسُنبلة، والميزان , والرامي، والعقرب (٤)، والساقي، والحوت (٥). وقال بعض المشتغلين المعاني في قول الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ إشارة إلى أن الفساد والفناء في السموات والأرض ردًا على منَ يقول أنه ليس في السموات فناء ولا فساد، ولما كان نزول الشمس والقمر في هذه البروج لترتيب المعاش مشاهدًا في القمر، مستدلًا عليه في الشمس والعادة وحالة الهيئة ونظامه عندهم من الحساب معلوم، نظمه الناس ورتبوه إما مجردًا للمنافع ككتب الأنواء وهذا أمرٌ جمع منه ما تكلمت فيه الصحابةِ، فقد روي عن عمر ﵁ أنه قال، في حين الاستسقاء: كم بقي لنوء الثريَّا؟ وألمح به مالك ﵁ في باب الاستمطارِ بالنجوم (٦)، فإنه لم يقل باب كراهية الاستمطار، ولم يقل باب جواز الاستمطار، وإنما أطلق القولَ لاحتمال الحال الجواز والتحريم، وهذا أصل في أبواب كتابه إذا كان الشيء جائزًا قال باب جواز كذا، وإذا كان حرامًا ممنوعًا قال باب تحريم كذا، وقد بينا في كتاب الصلاة انقسام الحال فيها إلى الجواز والمنع، أما القول في الرعد فلم يبهم مالك رضي الله

стр. 1177

عنه فيه القول لأجل تخليط الأوائل فيه حتى قالوا أنه اصطكاك الأجرام، وهو قول يخرق الاحترام ويوجب الاجترام وقد بينا فساده في موضعهِ وهذا أبين من الإطناب فيه فإنه دعوى في أمرٍ غالب لا يدلّ عليه دليل عقلي ولا شرعي ومن ادعَاهُ فطالبوه بذكره (١) فأنه يفتضحُ في خرقهِ، وإنما بناه مالك ﵁ لأجل أن الناس يؤثرون فيه عن النبي- ﷺ أشياء لا أحل لها أمثلها حديث يرويه شتير بن نهار (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال ربكم : لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطرَ بالليل، ولأطبعت عليهم الشمس بالنهار ولم أسمعهُم صوتَ الرعد) (٣) تفرَّد به محمَّد بن واسع (٤) عن شتير بن مشكلٍ (٥) أخبرناه ولهذا قال عَبدُ الله بن الزبير فيما رواه في الموطأ عن عامرٍ بن عبد الله بن الزبير عن أبيهِ أنه كان إذا سمعَ صوت الرعد ترك الحديث وقال: (سبحان الذي يسبحُ الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثَم يقول إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد) (٦) وفي رواية أخرى بإسناده عن أبي هريرة أن النبي- ﷺ كان إذا سمعَ صوتَ الرعد قال: (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك، وعَافنا قبل ذلك) (٧)، وفي رواية أخرى (٨) عنه أن النبي- ﷺ كان يقول إذا سمعه: (سبحان من يسبح الرعد بحمده) (٩) وعن الصحابة

стр. 1178

رضي الله عنهم في ذلك آثاركلها لم ترد من طريقٍ صحيح، فخّرج مالك ﵁ حديث عبد الله بن الزبير لصحته عنده ولأنه يدلّ على أنه وعيد كما جاء التصريح به في هذه الأحاديث: والله أعلم. "أنا أبو الحسين الحنبَلي، أنا أبو يعلي بن عبد الواحد أنا أبو علي بن شعبة، أنا أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد، أنا محمَّد بن عيسَى، أنا قتيبة، ثنا عبد الواحد بن زنادٍ عن حجاج بن أرطأة عن أبي مطرٍ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه" (١): أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا سمِعَ صوتَ الرعدِ الصواعق قال: (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك)، قال محمَّد: هذا حديث غريب (٢). باب تركة النبي ﷺ - خلقَ الله تعالى جميعَ ما في الأرض للخلق ثم لم يتركهم فيه سُدىً، ولا جعله بينهم بددًا، ولكنه خص به بعضهم بالحكمة وأحال الباقين عليهم بالحجةِ، وأدَام الاختصاص المحكومَ به للحي بعدَ مماته لمن يختص به من أبناء جنسِه وأقوى أسباب الاختصاص البعضية، وكان لها سبب فرتب الله تعالى، المواريث على السبب والبعضية بحسب التفاوت في القُرب والبعدِ ثم أخرجَ الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم عن هذا الحكم تشريفًا لهم عن الارتباط بعلائق الدنيا, ولم يجعل للأنبياء فيها مُلْكًا إلا بقدر الحاجة. قال ﷺ : (إنا معشر الأنبياء لا نورث) (٣) وأنكرت هذا الرافضة، فقالت إن النبي- ﷺ موروث، وإن

стр. 1179

فاطمة محرومة، ما كان وَجب لها من حقِ في تركته، وقد كانتْ أرسلت فاطمة إلى أبي بكرِ الصديق تقول له إن متَّ ورثتك ابنتك فأعطني ميراثي في أبي. فقال لها أبو بكرٍ الصديق: إن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة) (١)، وقال: "لا يقتسموا (٢) ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركتُ بعد نفقة عيالي ومؤنة عاملي فهو صدقة، ولكني أعول من كان رسول الله ﷺ يعوله (٣)، ولم يكن للنبي ﷺ رزق إلا مما جلبَ عليه رمحه، وقد قال ﷺ : مالي مما آفاءَ الله عليكم إلا الخُمس، والخُمس مردود عليكم" (٤)، ولما قال هذا أبو بكرٍ الصديق ﵁ عرفته الصحابة وأذعنت له، واحتج به عمر على العباس وعلي ﵃ بحضرة أهل الشورى، وقال: أنشدكم الله ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)؟ قالوا: اللهم نعم (٥). وتخصّص بهذا عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦) ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ على قولِ من يقول إن الأمر

стр. 1180

يدخل في الأمر يبقي (١) العموم سليمًا لم يتطرق إليه تخصيص، ولذلك احتجت فاطمة على أبي بكرٍ يالقياس كما سبقَ وروي أنها قالت له: أليسَ الله يقولُ كذا؟ فاحتجت بالقرآن. فقال العلماء: بقيت نفقة نساء النبي- ﷺ في ذلك المال لبقاء الزَّوجية، ومن جعل التحريم لأجل الإذاية جعل النفقة كسائر نفقات النساء مأخوذة من بيتِ المال لهن والصحيح هو الأول، فإن قيلَ، فقد قال الله تعالى مخبرًا عن العبدِ الصالح: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٢) وقد صَرَّح النبي- ﷺ بالإرثِ في هذه الآية. قلنا: أراد وراثة النبوّة ليبقى الأجر ويدومُ العمل الصالح، فإن العبدَ إذا مات انقطعَ عمله إلا من ثلاث ولدٌ صالح يدعُو له (٣)، الحديث. والدليل على أنه أراد شرف المرتبة لا ملك المنفعةِ قوله ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٤) وليس الموروث من الآل المال، وإنما الموروث منهم الشرف، وكانت الحكمة من تبويب مالك ﵁ على تركة النبي ﷺ (٥) أن أخماسه وصفاياه بخيبر وفدك، كان عمر ﵁ قد أعطاها لعلي والعباس ﵄ بحضرة أهل الشورى كما ثبتَ في الصحيح ليسيروا فيها بسيرة رسول الله ﷺ لا على الملك لهم، فلم تزل في يد العلوية لم يأخذها من أيديهم من عادهم من الخلفاء، فخشي مالك ﵁ أن يُتوهم على مر الأيام أنها بأيديهم ملكًا، فأراد أن يبين أنها بأيديهم أمانةً، وعوَّل على الحديث الطويل في تخاصمِ العبَّاس وعلي عند عمر ﵄ بحضرة أهل الشورى، وما جرى بينهم من القضاء، وما استقر عليه الأمرُ في ذلك اليوم وبَعده. ونصّه: قال مالك بن أوس بن الحدثان، بينا أنا جالس في أهلي حينَ طلع النهار، إذا رسُول عمر ﵁ يأتيني، فقال أجب أمير المؤمنين، فانطلقتُ معه حتى أدخل على عمر فإذا هو جالس على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش متكئ على وسادة من أدمٍ، فسلمت عليه ثم جلستُ، فقال: يا مالُ (٦) إنه قد قدم علينا من قومك أهل أبيات وقد أمرتُ برضخ فاقبضه فاقسمه بينهم، قلتُ: يا أميرَ المؤمنين لو أمرت غيري. قال: اقبضه أيها المرء. فبينما أنا جالس عنده إذ

стр. 1181

جاءَ حاجبُه يرفأ (١) فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص؟ قال: نعم. فإذن لهم فدخلوا وسلموا وجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرًا. فقال: هل لك في عليٍّ والعباس؟ قال: نعم. وأذنَ لهما فدخلا وسلما وجلسا وهما يختصمان في التي أفاء الله على رسوله من بني النضير، فاستبَّ علي وعباس. قال العباس: يا أميرَ المؤمنين أقضِ بيني وبين هذا الظالم الكاذب الغادر الآثم, فقال الرهط: يا أمير المؤمنين أقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر، فقال عمر ﵁: إبتدئوا، وروي نبدكم أنشدكم بالله الذي بِإذنه تقوم السموات والأرض، هل تعلمونَ أن رسول الله ﷺ قال: (لا نورثُ ما تركنا صدقة) يريد بذلك نفسه، قالوا: قد قالَ ذلك، فأقبل على عليٍّ وعباس ﵄ فقال: أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم. قال مالك بن أوس: قال عمر ﵁: فإنِّي أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خصَّ رسوله في هذا الفيء بشيءٍ لم يعطه أحدًا غيره، ثم قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿قديرٌ﴾ (٢) الآية فكانت هذه خالصة لرسولِ الله ﷺ والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، وقد أعطاكموه وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مالِ الله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله فعمل فيها رسول الله ﷺ حياته، أنشدكم الله هل تعلمون ذلك؟، قالوا: نعم، ثم قال لعليٍّ وعباسٍ: أنشدكما الله هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، قال عمر ﵁: ثم توفي الله رسوله، فقال أبو بكرٍ: أنا ولي رسُولِ الله ﷺ ، فقبضَها أبو بكرٍ ﵁ فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، وأنتما تزعمان أن أبا بكر فيها كان كاذبًا آثمًا غادرًا، خائنًا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفي أبو بكر ﵁، فقلتُ: أنا ولي رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ عمل فيها أبو بكر والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشدُ تابع للحق، جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك وجاءني, يريد عليّاً، يريدُ نصيبَ امرأته من أبيها، فقلتُ لكما: إن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)، فلما بدا لي أن أدفعها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها

стр. 1182

بما عمل رسول الله ﷺ وبما عمل فيها أبو بكرٍ، وبما عملتُ فيها منذ وليتُها، فقلتما إدفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك. أنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم. قال: فتلمسان مني قضاءً غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقومُ السموات والأرضُ لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك. وكانت هذه الصدقة بيد علىٍّ ﵁ فمنعها علي عباسًا، فغلبه عليها، ثم كانت بيد حسن بن علي ﵁ ثم بيد علي بن حسين وحسَن بن حسين كلاهما كانا يتداولانها ثم بيد زيد بن حسين وهي صدقةُ رسول الله ﷺ . زاد البرقاني في صحيحه من طريق معمر قال: فغَلبَ علي عليها فكانت بيد علىّ ﵁ ثم كانت بيَد حسن بن عليّ ثم كانت بيد حسين ثم كانت بيد عليّ بن الحسين ثم كانت بيد الحسَن بن الحسين ثم كانت بيد زيد بن الحسين، قال معمر: ثم بيد عبد الله بن الحسين ثم وليها بنو العباس (١). باب الترغيب في الصدقةِ جاء مالك ﵁ في هذه الترجمة بفائدةٍ عظيمةٍ أخرجها بها من أبواب الأحكام إلى أبواب الفضائل، نبّه بها على فضْلِ الصدقةِ وشرفِها، وهي تشرف بوجوهٍ كثيرة ذكر منها مالك ﵁ ستة أوجهٍ تنبيهًا على باقيها. الأول: شرف القُبول في قوله ﷺ : (من تصدق بصدقةٍ من كسب طيب، ولا يقبلُ الله إلا طيبًا، كان إنما يضعها في كف الرحمن) (٢) فعبرَ ﷺ عن شرفِ القبولِ بالكف

стр. 1183

استعارة بالأخبار عن التهمم عن أن يقول القائل أخذها الملك بيده مني وأعطانيه بيدهِ وذلك أشرف من أن يأمر به، فتناول ذلك نائبه عنه (١)، وقد قال مالك ﵁: أرى أن يؤدب هؤلاء الذين يَروونَ هذه الأحاديث المشكلة وأي إشكالٍ أعظم من نسبة الكف إلى الله تعالى، الذي رَوَاه هو، ولله تعالى اليد العليا واليمنَى، وكلا يديه يَمينُ، وله الإصبعُ وله الكف، وكل واحد منهما عبارة عَن القدرة، وتعلقها بالمقدورات، فاليد عبارة عن القدرة جملة بجملة، واليَمين، عبارة عن الشرفِ أو فضل قوةٍ في التصريف، والكفّ عبارة عن تمهيدِ محل القبول أو بسط القابض كفه ليأخذ بها ما يعطى، والأصبع كناية عن التصرف في الأمور الخفيةِ بارتباط العلم بالقدرة، كقوله ﷺ : (قلبُ المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) (٢) أو عبارة عن تحقير الأشياء العظيمة، بالإضافةِ إلى أقل متعلقات القدرة، كقوله ﷺ : (يضعُ الله السموات على أصبع والأرضين على أصبع) (٣). الحديث الثاني: شرف الأجر كقوله ﷺ (بخ (٤) ذلك مالٌ رابح ورايح) (٥)،

стр. 1184

وقول العرب بخٍ بخٍ كنايةً عن تشريف الأمر والرغبة فيه كما تقدَّم في الحديث، كما أن قولَهم كَخٍ كَخٍ كلمةٍ تقولها العربُ عند تحقير الشيء والنفرة (١) عنهُ، كما قال النبيّ ﷺ لولدهِ حين رأي تمرة الصدقة في فيهِ: (كخٍ كخٍ) (٢)، وكذلك رابح معناه وجوب الزيادة فيه، وقوله ﷺ : (رايح) بالياء، معنَاهُ دوام المثوبة عليه. الثالث: حال المعطي: كقولهِ ﷺ : (أعطوا السائل ولو جاءَ على فرسٍ) (٣) فإن للسائل حقاً لا يؤديه إلا الإجابة، ولذلك كان رسول الله ﷺ لا يُسألُ قط شيئاً إلا أعطاه لئلا يبقى عليه درك، ولكن إذا صدق السائل فإنه مع الصدق تحلُّ له المسألةِ الكثيرة والقليلةُ وما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، وما رأيت أصدق من السؤال ببغداد. رأيتُهم بجامعِ الخليفةِ، يقول قائلهم: أيها الناس ارحموني أخوكم لا يأتي الجمعة إلا في ثياب المهنةِ، ولا يقدرُ على إقامةِ ما يجبُ لها من السَّنية، فشاهَدتهم يخلعونَ عليه ثياب الجمعة ويروح بها في الثانية، وشاهدتُ سائلهم يقول: أيها الناس ارحموني اشتهيت حذاية (٤) وما أكلتها منذ عامٍ والقدر منها بدينارٍ (٥)، فرأيتُهم يتصدقون عليه بدينارٍ، وهكذا في كل ما يطلبون، فإن كذب السائلُ حَرُمَ عليه ما يأخذ، ووجب عليه رده، روي أن عمرَ ﵁ مر بسائِل على عنقه مخلاة مملوءة كسراً وتمراً، فخفقَهُ بالدرة وأمر بها ففرغت بين يدي نعم

стр. 1185

الصدقة، فأكلوها. ولله در عمر فما أفقههُ رأى السائل قد سأل باسم الحاجة وهو غني لم يفسر مسألته، ولا فضَّل قدر ما يحتاج، فوجبَ رد ما بيده على أربابه ولم يتعينوا لعمر ﵁ فيردها عليهم فوجب التصدُّقُ بها، فكره أن يحملها يطلب المساكين المستحقينَ لها لوجهين: أحدهما: مَا في ذلك من التكليف عليهِ. والثاني: ما في ذلك من تأخير إنفاذِ ما وجبَ عليهِ، وقد أسرعَ النبيُّ ﷺ في صَلاةٍ، ثم دخَلَ بيته وخرج بتبرٍ كان عنده واعتذر أنه قام لأجله (١)، وقالت له أم سلمة ﵂: ما ليِ أراك قد أصبحت ساهم الوجه؟ فقالَ لها: (إن دنانير كنتُ نسيتُها تحت الفراش فباتت فيهِ). فانظر إلى ما كان يعتقدُ في سرعة التنفيذ أن تختصر لأجله الصلاة وتتغير له نفسه الكريمة حتى يظهر أثر التغيير على غرّته البهية. الرابع: حقُّ المعطي فإنه ينبغي أن لا يرد في وجهه ما يعطيهِ كان قليلاً أوكثيراً، ولا يحل له أن يقولَ بهذا تستقبلني، فإن الله لم يحقرِ أن يستقبلَ به، فكيفَ يستحقره الآدمي الذي يأخذه وإن استحقره صغيراً ليرينه كثيرًا وقد جاء هذا فعلاً في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) يُريد بالمطوَّع الذي يعطي ما خفَّ عليهِ، ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يريدُ الذي يُعطي ما قدرَ عليه. فهذه مرتبتان حَسنتان، وان كانت الآخرة منهما أشرف من الأولى. الخامس: حال الشيء المعطى. قال رسول الله ﷺ : (يا نساءُ المؤمنات) (٣) على إعراب النداء المضاف على ما بيناه في رسالة الملجِئة (لا تحقرن إحداكنَّ لجارتها ولو كراع

стр. 1186

شاة محرق) (١) أو محرقا على ما بيناه وعلى ما فعلت عائشة ﵂ حين أعطت حبَّة من عنبٍ كان بين يديها، فاستحقرها الرسولُ، فنبهتُه عائشة ﵂ على طريق التعظيم، وقالت له: كم ذرة فيها (٢) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٣). السادس: الثقة بالقَبولِ وينبغي للمرءِ أن يكون واثقاً به على خطرٍ منه، كما تقدم لنا في قصة عامر بن عبد الله وفي القائل له ما قال لنا دانشمند (٤) قدم علينا حاجاً بمدينة السلام سنة تسعين، قال لنا شيخنا سمعتُ الأستاذ الإِمام ابن فورك (٥) يقول: كنتُ في أيام الإرادةِ (٦) يصحبنا فتيً من أهلها فمرضَ، فَعدتُه فألفيته يجادلُ فاسترفقت (٧) له وأشفقت من حالِه ومما كان فيه من المواظبة أيام الصحبةِ ومن غلبة الخوفِ علي قلبهِ والخشيةِ، فإذا به قد فتح بصرَهُ وجرّده إلىَّ وقال: يا أبا بكرٍ لمثل هذا فليعَمل العاملون.

стр. 1187

ما جاء في صفة جهنم هذه ترجمة عظيمة ترجم بها العلماء وترجموا بنظيرها في المقابل لها وهي صفة الجَنةِ، وإنما ترجَم مالك ﵁ بصفةِ جهنم دونَ صفة الجَنةِ لأن العالم يجب أن يراعي الغالب على أحوال الخلق، فإن الغالب على أحوالهم الطاعة والخوف ذكرهم بسعةِ الرحمةِ ونقلهم إلى مقام الرَّجاء، وإن كان الغالب عليهم الانهماك في المعاصي والاتكال على سعةِ الرحمة وعِظهم بآيات الخوف وآثاره ونقلهم إلى مقامه، فلما رأى مالك ﵁ في زمانه الانهماك في المعاصي للناس وفي الظلمِ للولاةِ ترجمَ بآثار التخويف لينقلهم إلى مقامه، وأحاديث ذلك كثيرة منها حديثين عن أبي هريرة ﵁. الأول: قوله ﷺ : (ناركم هذه الذي توقدونَ جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) (١) زاد غيره: (بعد أن صُبغت في البحر صبغتين) (٢) تنبيهاً على أنها لو كانت بحالها ما احتملت الأرض سقط زنادٍ منها، وفي الحديث ان دلواً من غسّاقٍ لو صب في المشرق لأنتنَ منهُ المغرب (٣) كما روي في مقابله لو أن نصيفًا (٤) ظهر للدنيا من الحُور العين

стр. 1188

لأضاءت منه (١)، وقال: (أترون ناركم هذه حَمراء لهي أسود من القار) (٢) وإن كان العذاب واحداً في جوهرها , ولكنه بيَّن بصفةِ السَّواد تضاعف العذاب، وفي قوله: "أسود" دليل على جواز استعمال أفعَل في باب ما أحسن زيداً دون نسبتهِ إِلى شدةٍ أو خفةٍ حسب ما ذكره النحاةُ حين ظنوا الأغلب كلا، وقد نبهنا عليهِ في رسالة الملجئة. بابُ التعفف عن المسألة المسألة حكم علته الحاجة فهي مترتبة عليها، قد كانت الحاجة ضرورة دنيوية أو دينية، كانت المسألة واجبة عند الفقهاء، وعليه تدل قصة الخضر وموسى ﷺ حين استطعما أهل القرية عند الحاجة وقصة أبي الهيثم بن التيهان وقد تقدم ذلك كله، وإن كانت الحاجة فيها مشقة كان السؤال مندوباً إِليه إِذ يجوز له احتمال المشقةِ، وإن كانت الحاجة لشهوةٍ كانت مكروهة, لأن اتباع الشهوات مكروه شرعاً، وكسر النفس بترك الشهوة مندوب إِليِه وإن كان ذلك نادراً كان السؤال مباحاً، وقال شيوخ الزهد (٣): السؤال حَرام إِلا عندَ الضرورة فإنه مباح والأفضل له الاستسلام لأمر الله، وهذا الذي قالوه إِنما ينبني على أصلهم في التفويض والتوكل فإذا انتقل الإنسان من مقامات السلوك إِلى مستقر التوكل والتفويض حينئذٍ يترتب عليه هذا الحكم، ومن أراد أن يفعله قبل أن يحصل في ذلك المقام فهو بمنزلة من أراد أن يصلي قبلَ أن يتوضأ، وهذه المسألة بابها أحكام الزكاة، ولكنها ذكرها الإِمام في الجامع لأنها مقام من مقامات الأولياء ومنزلة عظيمة من آداب الشرع فأدخلها مع أخواتها وذكر فية حديث سؤال الأنصار لرسول الله ﷺ (٤) ويحتمل أن يكون الأنصار سألوا

стр. 1189

رسول الله ﷺ فيما يحتاجون إليه ويحتمل أن يكون سألوه ما يستغنون عنه لكن بوجه من الحاجة يحسن توقعه كسؤال الرجل له الحلة التي يراها عليه وهو مستغن عنها لتكون كفنه، والاحتمال الثاني أغلب لقوله ﷺ بعد ما نفد ما عنده: (ومن يستعفف يعفه الله) والعفاف هو الكف عما يعرض من الأمل تعلق بدين أو بدن أو أمل وكذلك قال من يستغني يريد بعز الطاعة وحرية النفس لقوله ﷺ : "ليس الغنى كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) (١) وقوله ﷺ : (من تصبر صبره الله) إشارة إلى من غلبته الحاجة فليتكلف وليتعاط (٢) أمثالها من الصَّبر هذا في الانتفاع ومثله في الاستدفاع في مكروهٍ يعرض أو بلاءٍ ينزلُ فليتصبر له وليعطه من الصبر والأصل في التعفف عن الانتفاع كثير من فنونهِ ما روي عن عيسى ﵇: أنه اضطجع ووضع تحت رأسه حجراً يرفعه عن الأرض ليعتدل له به وزن الضجعة فمرّ به إبليس قال له: يا عيسى أنت تزعمُ أنك تترك الدنيا فما بالك استعنت بالحجر؟ فرمَى به إليه، وقال: خذه إليك ووضع رأسَه على الأرض، والأصل في الاستدفاع فنون كثيرة أعظمها حال أيوب فإنه نزل به البلاء فيُروى أنه ما سأل ربه قط كشفه لحظة في زمن بلائه اللهمَّ إلا إنه لما اشتد به الكرب قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣)، وما سألَ الكشفَ ويقولُ أهل التفسير أنه ما قال هذه الكلمة مع لينها إلَّا حين مست الدود قلبه، فلما شغله ذلك عن ذكر الله في قوله مسّني الضر (٤) يُريدُ في ديني وأما بدنه فما سألَ قط عنه ثم قال: وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر، وفي بعض الأخبار: الصبرُ نصفُ الإيمان (٥)، وأنا أقول إنه الإيمان كله. قال علماؤنا ﵏، إنما قال الصبر نصف

стр. 1190

الإيمان, لأن الشريعة قسمان: مأمورٌ ومنهيٌّ، والنهي يقتضي ترك الشهوة، ولا يستطاع ذلك إلا بالصبر وإيثار التعب على الراحة، وأما المنهيات أسهل في الكف من المأمورات في الفعلِ عادة، ولذلك قال النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا به ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) (١) وهذا يدل على ما اخترناه من أن باب المأمورات يحتاجُ إلى الصبر، ولذلك شرط فيه الاستطاعة وشرط ترك النهي مطلقاً وأما اليد العليا واليد السفلى، فقد تكلمنا عليه في أبواب الزكاة وبينا اختلاف العلماء في أن اليد العليا يد السائل أم يد المعطي، وعند الفقهاء أن اليد العليا هي يد السائل بحجتين في ذلك أن يد السائل نائبة عن يد الله تعالى لأجل قوله ﷺ : (إِنما تقعُ في كف الرحمن قبل أن تقعَ في كف السائل)، وقوله في الحديث: العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة من قول الراوي وتأويله لا من قول النبي ﷺ . وتنزيله (٢)، قال الفقراء فيدُ المعطي هي العليا صورة ويد السائل هي العليا معنيً، والمعاني هي التي تعتبر ليست الصور والبابُ عظيم القدر، فليُطْلَب في مكانه وله أمثلة (٣) وأما مسألة عمر وحكيم فكان حكيم يرى أن غيره بالعطاء آثر

стр. 1191

منه لاستغنائه هو عنه وكان عمر يُشهد عليهِ أنه قد أوصلَ إليهِ حقه (١)، ويرى عمر أن ما جرى له مع النبي ﷺ أصل فيما بينه وبين حكيم وقد بين النّبيّ ﷺ أن ما كان عن غير مسألةٍ فهو رزق رزقه الله، يُريدُ من غير تعَبٍ ولا مهانةٍ (٢)، فإن التعب كلفةً والسؤال ذلةً، ولذلك أشار النبي ﷺ على الفقراءِ بالعزَّة فقال: (لأن يأخذ أحدكم حيلة فيحتطبُ خيرٌ له من أن يسأل) (٣) وأما كيفية السؤال المترتبة على من عنده مال فهي مسألة فقهية، الصحيح فيها أنها تجوز لكلِ أحدٍ وبكلِ حال إذا بيَّن سؤاله كما بيناهُ. نكتة: ذكر مالك ﵁ أنه بلغهُ قول رسوِل الله ﷺ : "لا تحلُّ الصدقة لآل محمّدٍ، إنما هي أوساخ الناس) (٤) والحديث صحيح ضرَبَ النبيُّ ﷺ المثل بقوله: (أرأيت لو أن

стр. 1192

رجلاً بادياً في يومٍ حارٍ ...) (١) الحديث. وقد اختلفَ الناس في العلة في تحريم الصدقة على محمدٍ وآله فقالت طائفة: إنما حرمت عليهم لنفي التهمة عنهم لئلا يقول الناس طلب لنفسه أو جلب جلباً له شطره، ومنهم من قال لأنها أوساخ الناس فحرمت عليهم تنزيهاً لهم، وليس يمتنع أن تجتمع العلتانِ لأنهما لا يتناقضَانِ، فأما تحريمها على الناسِ فهو باب من الفقه عيّنها الله تعالى لثمانية أصناف، وحرَّمها على الصنف الواحد وهم الأغنياء وأحلها لهم على خمسة أحوال على ما جاءَ في الحديثِ: (لا تحلُّ الصدقة إِلا لخمسة) (٢) الحديث. ما جاء في طلب العلم (٣) ترجمَ مالك به وبوّبَ به البخاري (٤) وغيره على الإطناب فيه، وأدخل فيه مالك ﵁ مسألة لقمان كأنها فرع من الإسرائيليات (٥) التىِ اعتمدها كثيراً وقد اخْتلِفَ في لقمان ما بين كبيرٍ وصغيرٍ وما بين زيادة النون وحذفها. ورأى مالك رضي الله. عنه أن كل ما وافق عن الحكمة ولم يخرج عن السنة من الإسرائيليات فروايته جائزة وهو المراد بقوله: (حدثوا

стр. 1193

عن بني إسرائيل ولا حَرج) (١) وفي أحد التأويلات هذا المثل الذي جَرى من لقمان في الإِحياء والإِماتة ورد مفسراً في حديث أبي موسى عن النّبي ﷺ حين قال: (مثل ما بعثني الله بهِ من الهدى والحكمة كمثل غيثٍ أصَابَ أرضاً ...) (٢) الحديث. إلى غيرِ ذلك من الآثار البديعةِ. وأبهم مالك ﵁ الترجمة في قوله طلب العلمِ على ما نبهنا عَليهِ من أغراضهِ في الإبهامِ, لأن العلم ينقسم من جهة طلبَه إلى قسمين: واجب، ومندوب. فالواجب العلمُ بالله تعالى بأدلته التي نصبها طريقاً إلى معرفته. أولَها وأُولاها بالإنسان نفسه ولذلك قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣) فإذا أراد العبد أن يعلمَ ربه فليعلم نفسه، فإن كل حال من أحوالهِ تدل على صفةٍ من صفاتِ ربه عجزٌ بقُدرةٍ، وجهلٌ بعلم، ونقص بكمالٍ، إلى آخر القصَّةِ، والعلم بالوظائف التي رُتبت عليه لتقويم (٤) النفس على محجة السلوك إلى الله وغير ذلك مندوبٌ والباب عظيم طويل فليُطلب في شرح البخاري وغيره. ما يتقى من دَعوة المظلوم بوَّب مالك ﵁ على الحديث المروي: (إتقوا دعوة المظلم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) وأُدخلَ ذلك عن عمر ﵁ (٥)، وذلك في كتابِ الله تعالى

стр. 1194

موجود. قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (١) والمظلوم مضطر, فإذا قال المظلوم المضطر: ربِّ إني قد اضطررتُ إليك فأجب دعائي. والضرورة قد تكون في البدن، وقد تكون في الدين بالمعصيَةِ. فيقول: رب قد اضطرَرت إليك في التوبة، ورجعت إليك رجوع العبد الآبق إلىِ المولى الكريم، فاقبلني بفضلك كأكرم قبول لقي به مَولىً عبده، فإنك لطيف كريم وأنت أرحم الراحمين. فهكذا كان يدعو بعض أشياخي وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢) وفيها عشرون قولًا ذكرناها في كتاب المشكلين، من أمهاتها قول النبي ﷺ : (ما من داعٍ يدعو إلا كان بين إحدى ثلاثٍ) (٣) الحديث. أسماء النبي ﷺ - قد ذكرنا في كتاب النبي ﷺ أسماءه وجميع متعلقاته وختمناها بمعجزاته وغزواته وذكرنا له ألف معجزة وذكرنا من أسمائه فيها عدة سلبت النوائِب بعضها فَالحاضِرُ في الخاطر الآن منهَا. الرسول، المرسل، الشهيد، النبي، مصدّق، نور، مسلم، بشير، مبشر، نذير، منذر، مبين, أمي، عبدٌ، داعي، سراج، منير، إمام، ذِكرٌ، هادٍ، مُذَكر، مهاجر، حامد، مبارك، رحمة، آمر، ناهي، طيب، كريم، محلل, محرم، واضح، مخبر، خاتم النّبيين، ثاني اثنين، منصُور، أذُنُ خيرٍ، مصطفى، أمين، مأمون، قاسم، نقيب، المزمل، المدثر، عبد الله، علي، حكيم، مؤمن، رؤوف، رحيم، صاحب، شفيع، متوكل، محمَّد، أحمد، ماحي، حاشر، مقفي، عاقب، نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي الملحمة، خطيب، نبي الحرمين. ذكره أهل ما وراء النهر.

стр. 1195

هذا منتهى ما اتفقَ أن يختطفَ في هذه العجالة من قبس النور الأعظم الذي أخذ منه الإِمام مالك ﵁ بجزءٍ عظيمٍ في كتابه، وجعله للعالم قدوة، وكان لمن بعده فيه خيرُ اهتداءٍ وأسوة وختمه بذكر رسول الله ﷺ ونصَّ على أسمائه الخمسة (١) التي تترتب عليها الشريعة، فإن الله تعالى سمَّى نفسه، وترتبت المخلوقات على أسمائِه الحسنى فتعلق بكل اسم من أسمائه جزء من مخلوقَاته، وكذلك تعلقَ كل جزء من أجزاء الشريعة بكل اسمٍ من أسماء النبي ﷺ وقد انتزعنا هذا الإملاء مع شغوبٍ (٢) وأمراض بقية الأغراض وأشرنا إلى ما حضرَ من نكتٍ قصدنا بها حسم الكلفة والعنّة (٣) وشرعنا فيها طريقاً إلى معرفة
следующие страницы →