← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

باب الحيض هو آفة كتبه الله تعالى على بنات آدم وهو على ضربين: عادة وعلّة. فإذا كان علّة فهي الاستحاضة. وكانت المستحاضات على عهد النبي، ﷺ ، ستاً: فاطمة (١) بنت أبي حبيش، وحمنة (٢) بنت جحش زوج طلحة بن عبيد الله، وأم حبيبة (٣) بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف، وزينب بنت جحش (٤) زوج النبي، ﷺ ، وسودة بنت (٥) زمعة إحدى أمهات المؤمنين، وسهلة (٦) بنت سهيل. الصحيح منهن فاطمة (٧) وحمنة (٨) وأم

стр. 177

حبيبة (١) وإحدى أمهات المؤمنين غير معيَّنة. وكتاب الحيض معضل في الفقه ما رأيت في رحلتي من يحسنه سوى (٢) رجلين أبي إسحاق (٣) إبراهيم بن الآمدية بالمسجد الأقصى، طهَّره الله تعالى، وأبي منصور محمَّد (٤) بن (٥) الصباغ بمدينة السلام (٦)، والحيض على خمسة أقسام: مبتدأة، ويائسة. معتادة، مختلطة، متحيَّرة، وأشدها بلاء المتحيّرة. وأحاديث الحيض أربعة: الأول: قوله ﷺ : "تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ الْلَّيَالِي وَالَأيَّامَ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي" (٧). الثاني: قوله: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالَأيامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الْشَهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الْصلاَةَ فِيهَا" (٨).

стр. 178

الثالث: قوله، ﷺ ، وقد سئل عن الاستحاضة: "إِنَّمَا ذلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاة فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي" (١). الرابع: قوله: "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدٌ يُعْرَفُ فَإِذَا أَقبلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي (٢) الصَّلاَةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ" (٣) الحديث. وروي:" فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ" (٤).

стр. 179

واختلط على العلماء أمر المختلطة، وتحيروا في أمر المتحيرة، ولو أردنا أن نسر كلامهم أو نبيِّن مراميهم لاتسع الخرق وخرج الأمر عن الضبط وأشبه ما في ذلك أحد أصول مالك، ﵁، وهو أنَّ دم المرأة إذا خرج عن الاعتياد فهي مستحِاضة تصوم وتصلّي ويأتيها زوجها حتى ترى دماً متغيراً فتعمل عليه، فإن تمادى بها فلا تخلو أن تكون مبتدأة أو معتادة، فإن كانت مبتدأة فلتمسك أيام لدّاتها، وإن كانت معتادة فلتمسك قدر عادتها، وقيل تستظهر بثلاثة أيام, والاستظهار مشهور في المذهب ضعيف في الحديث، وقيل تتمادى إلى خمسة عشر يوماً، وهو أكثر الحيض. وروي عن ابن نافع (١) وابن الماجشون (٢) إن أكثر الحيض سبعة عشر يوماً، وهي رواية ضعيفة لا أصل لها والدليل على صحة ذلك أن الله، ﵎، جعل عدة الحائض ثلاثة أقراء، وجعل عدة اليائسة ثلاثة أشهر، فقابل كل قرء بشهر، ولا يخلو أن يقابله بأكثر من الحيض (٣) وأكثر الطهر، وذلك محال؛ لأن أكثر الطهر لا حدّ له أو بأقلهما وذلك أيضاً محال لأن أقل الحيض لا حد له فلم يبق إلا أنه قابله بأقل الطهر وأكثر الحيض وذلك خمسة عشر يوماً، وعلى هذه الأصول التي بيَّنَّا تتفرع جميع مسائل الحيض إن شاء الله.

стр. 180

باب في بول الصبي حديث أم قيس بنت محصن حديث صحيح متفق (١) عليه وفيه ثلاثة فوائد: أحدها: بيان الغسل وإنما هو تحريك المغسول بالماء خلافاً لأبي (٢) (ح) و (ش) (٣) ولما توهَّمه أبو الفرج (٤) المالكي من أن الغسل صبِّ الماء على المغسول خاصة وفي هذا الحديث فأتبعه بالماء ولم يغسله فبيَّن أن الغسل معنى زائد على صب الماء. الثانية: أن الغرض من إِزالة النجاسة ذهاب (٥) عينها، وإذا زالت بصبِّ الماء عليها لم يفتقر إلى تحريك اليد بالماء وكان البول من الصبي قد وقع على الثوب فصب عليه الماء في الحال، وهو طري، فأخذته أجزاء الماء فلم يحتج إلى تحريك. الثالثة: قوله: "أُتِيَ بِصَبِيٍّ لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ"، وقد ظن بعض الناس إن الصبي إذا لم يأكل الطعام لم يغسل بوله لقوله في الحديث: "فَأتْبَعَهُ إِيَّاهُ, ولم يغسله، فخفي عليه تفسير ذلك في اللغة فعاد يطلب التأويل في بول الصبي في غير موضعه، وهذا باب يقع فيه العلماء كثيراً بأن يتأوَّلوا غير موضع التأويل في القرآن والحديث فتبطل المسألة من أصلها كما تأوَّل أيضاً بعضهم من قوله: "أتِي بِصَبِيٍّ لَمْ يَأْكُلِ الطعَامَ" أن بول الأنثى بخلاف بول

стр. 181

الذكر ويحتجون في ذلك بما لا ترضى أن تحكيه (١). وبول الذكر والأنثى سواء أكلا الطعام أو لم يأكلا؛ لأن غذاءه من غذاء أمه، وما يستحيل عنه فحكمه حكم ما يستحيل من أمه، وإنما كان يكون للشافعي ومن وافقه كلام لو خلق المولود ابتداء وإلا فهو مخلوق في بطن أمه من لحمها ودمها ورطوباتها ينمو بنمائها ولا شك في أن حكمه حكمها والله أعلم.

стр. 182

باب البول قائماً وغيره ثبت في الصحيح أن النبيَّ، ﷺ : "أَتى سُبَاطَةَ (١) قَوْمٍ فَبَالَ قَائِماً" (٢). وثبت عنه، ﷺ ، أنه كان يرتاد لبوله موضعاً كما يرتاد لإقامته منزلَاً، وكان يتجنب العزاز (٣) من الأرض إذا أراد البراز ويختار الدمث اللين (٤)، وذلك كله إحتراز من تطاير البول وتعدّيه إلى البدن والثوب، ولذلك بال على السباطة قائِماً للينها. وفي صحيح الحديث: "أنَّهُ عُذِّبَ في الْقَبْرِ مَنْ لَا يَسْتَتِر مِنْ بَوْلِهِ" (٥) وفي الحديث: "تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ" (٦)، وقليل البول وسائر النجاسات وكثيرها سواء يلزم اجتنابها ويجب غسل قليلها

стр. 183

وكثيرها، ما خلا الدم فإنه يعفى عن يسيره لوجهين؟ أحدهما: أنه لم يحرم منه إلا الكثير لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ (١). والثاني: عدم إمكان الاحتراز منه فإن البدن لا يخلو في الغالب عنه، فسمحت الشريعة بيسيره رفعاً للحرج، ودم الحيض كسائر النجاسات لا يعفى عن شيء منه لانه يمكن الاحتراز عنه. هذا صحيح الروايات ولباب الدلالات فاحذروا ما عداه وقد روى في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد الإمامان محمَّد بن إسحاق (٢) وعلي (٣) بن عمر أن النبي، ﷺ : (أَمَرَ بِحَفْرِ الْمَوْضِعِ وَطَرَحَه مِنَ (٤) الْمَسْجِدِ) وصححاه والذي ثبت في

стр. 184

الصحيح أنه قال: (صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ) (١) فتبين فيه فائدتان. الأولى: أن النجاسة إذا كوثرت بالماء فغيِّبت بعد أن ظهرت طهرت. والثانية: أن مقدار بول الرجل من النجاسة يطهره مقدار السجل (٢) من الماء فاسلك (٣) ذلك في سائر النجاسات وقسه عليه. وقول النبيِّ، ﷺ ، للناس حين صاحوا بالأعرابي اتركوه لوجهين: أحدهما: أن الأعرابي قد كان أراق بعض البول والكل في ذلك كالبعض، والثاني: أنه لو قطع بوله لتنجست ثيابه عليه ولحدث عليه من ذلك داء في بدنه، فترجح في الشريعة جانب تركه حتى يتم البول على قطعه بما يدخل عليه في ذلك من الضرر، وبأنه ينجس موقعين؛ فإذا تُرِك فالذي ينجس موقع واحد. وترجيح الفتوى بالدلالة أصل من أصول الفقه ولا ينفذ فيها عند تعارض الوجوه إلا ماهر، وإنما سكت النبيُّ، ﷺ ، عن الأعرابي ولم يلمه لجهله بحق المسجد، ومن أصول الشريعة أن الجاهل بالحرام إذا واقعه سلم من العقوبة والآثام، وقوله فيه إنه جهل ذلك مقبول إلا أن يظهر من حاله، وشاهد الأمر والوقت ما يدل على كذبه فيقضي عليه بحكم العالم ولا يعذر بدعواه الجهل. النداء للصلاة: الأذان شعار المسلمين وكلمة الدين والفرق بين المسلمين والكافرين ثبت عن النبيّ، ﷺ ، أنه كان إذا غزا فجاءت عماية الصبح انتظر، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار (٤)، وبهذا صار الأذان فرضاً من فروض الكفاية إذا أذَّن مؤذِّن واحد في القرية أجزأ عن

стр. 185

أهل القرية، ولو اتفقت القرية على ترك الأذان قوتلوا وقد وقع لمالك، ﵁، لفظة تدل على لزومه لكل جماعة وهي قوله في الموطأ: (وَإِنَّمَا يَجِبُ النِّدَاءُ في مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ) (١) ولكن الذي تنخل (٢) عند علمائنا أن الأذان فرض في القرية في الجملة، متأكد في كل جماعة، مستحب للواحد لحديث أبي سعيد الخدري، ﵁: "إِذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ أَوْ في بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بالصلاة فَارْفعْ صَوْتَكَ فَإِنَّه لَا يَسْمع مَدَى صَوْتِ الْمؤَذِّنِ. الحديث ... إلى قوله: يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣) فإن قيل فهل تعقل الجمادات حتى تعلم أو تسمع حتى تشهد فبينوا لنا هذا الإشكال. الجواب: إنا نقول مما يجب أن تعلموه من أصول الدين وتفهموه من الفرق بين كفرة الأطباء والمؤمنين أن الكلام ليس بالهيئة، ولا العلم موقوف على البينة، ولا هو مرتبط بالرطوبة والبلّة وإنما الباري تعالى يخلقه متى شاء، في أي شيء شاء من جماد أو حيوان. ألا ترى المرء في حالة نومه لا يعلم ولا يتكلم حتى يهبه الله تعالى بإذنه ويخلق له ما شاء من علمه، أو لا ترى الطفل على الحالة التي أخبر الله تعالى عنهم (٤) في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٥). كيف يعلّمه الثدي، ويخلق له العلم بالقبض على حلمته، ويخلق له العلم بالعض عليه لمصه ويلهمه إلى ازدراده، ويعرفه بقدر الحاجة منه حتى إذا انتهى إليها أخرج الثدي عن فمه. فالذي يخلق هذه العلوم كلها للولد يخلق ما شاء منها للجماد (٦)، وقد قال

стр. 186

النبي ﷺ : "إِنِّي (١) لأعْرِفُ بِمَكَّةَ حَجَراً كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ انْ أُبْعَثُ يَقُول لَهُ السلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبيَّ الله"، وقال النبيُّ ﷺ : "لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتى يُكَلِّمَ الرَّجُلَ شِرَاكُ نَعْلِهِ وَعَذْبَةُ سَوْطِهِ وَتُخْبِرُهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ" (٢). وقد تكلم الثور للرجل حين حمل عليه فقال: "لَمْ أُخْلَقُ لِهذَا إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ" (٣). ولن تقوم الساعة حتى تتكلم السباع والحيوانات كلها وتظهر الحقائق الخفية التي هي الآن معلومة عند المؤمنين، لما قدمناه من الدلالات، وسيعاينها الخلق بالمشاهدات وقد قال النبيُّ، ﷺ : "الْعَبْدُ الْفَاجِرُ تَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْبِلَادُ وَالْعِبَادُ وَالشَّجَرُ والدَّوَابُ" (٤)، وراحتها منه إنما هي بأن الكفر والذنوب تحل بالخلق العقوبات، ويلحق الضرر بكل أحد من الناس وكل مخلوق من الشجر والدواب، حتى إنه ليتعذَّر على البهيمة شرب الماء ورعي النبات بذنوب العباد إما بعدم القطر وإما أن يكون موجوداً فتصد عنه فما يكون من أذان أو تلبية أو ذكر الله تعالى فإِن الباري، ، يخلق به العلم لكل شيء إن شاء في الحين ويكون مدَّخراً لوقت الحاجة، وإن شاء يعلمهم بذلك في وقت الحاجة ويقدِّره عندهم، وذلك كله بتدبير الملك الحكيم، وتقدير العزيز العليم، فمهِّدوا

стр. 187

لأنفسكم سبيل هذه العقائد ووطِّنوها على تحصيل هذه المعارف فإنها أصل التوحيد. تأصيل: روي أن النبيّ، ﷺ ، علَّمه الله الأذان ليلة الإسراء في السماء بهيئته وصفته (١) ثم كان النبي، ﷺ ، بمكة على تقية من الكفار فلم تكن صلاته ولا صلاة أصحابه بمكة إلا اختلاساً حتى كانت الهجرة ونزل بدار النصرة وتألفت بالإِسلام الكلمة والتأمت على الصلاة الجماعة، فلو أنه يكلف كل أحد أن يترصد الوقت مع ما هم فيه من التخوف، وينتابهم من الأشغال، لشق ذلك عليهم فتشاوروا كيف يكون الاجتماع فاختلفت في ذلك الروايات اختلافاً كثيراً لو سردناه لطال المقال ووقع الملال، لبابها حديثان: الأول: الحديث الصحيح. "أَنَّ النَّاسَ تَشَاوَرُوا مَع رَسُولِ الله، ﷺ ، كَيْفَ يَرْبُطُونَ الصَّلَاةَ لِوَعْدٍ يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ، رَضَىِ لله عَنْه: أَلَّا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادي بالصلاةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ : يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بالصَّلاةِ" (٢). الحديث الثاني: أن النَّبِيَّ، ﷺ ، أرادَ أن يَتَخِذَ خَشَبَةً أو نَاقُوسَاً لِيَعْلَمُوا بِهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَبَيْنَمَا عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ نَائِمٌ إِذْ رَأَى بِيَدِ رَجُلٍ نَاقُوساً فَقالَ: إِنَّ هذَا لَنَحْوَ مَمَّا يُريدُهُ رَسُولُ الله، ﷺ ، فَقَالَ لِلَّذِي رَآهُ بَيَدِهِ: أَتُبِيعُهُ؟ فَقَالَ لَهُ. وَمَاذَا تُرِيدُهُ؟ فَأَعْلَمَهُ بِالغَرَضِ فَقَالَ لَهُ: أَولَا أَدُلُّكَ عَلى خَيْرٍ مِنْ ذلِكَ؟ فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ. تُنَادونَ بِالصَّلَاةِ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ الأذَانَ، فَلَمّا أَصْبَحَ جَاءَ عَبْدُ الله بْنُ زَيدٍ إِلَى رَسُولِ الله، ﷺ ، فَذَكَرَ لَهُ ذلِكَ فَقَالَ

стр. 188

رَسُولُ الله ﷺ : "يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بالصَّلاَةِ" (١). وفي بعض طرق هذا الحديث: "أنَّ عُمَرَ، ﵁، لَما سَمِعَ النِّدَاءَ خَرَجَ فَزِعاً يَجُرُّ إِزَارَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله لَقَدْ رَأيْتُ مِثْلَ الذِي رَأَى عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ؟ قَالَ النَّبيُّ، ﷺ : فَالْحَمْدُ لله" (٢) وبين هذين الحديثين من التعارض ما ترونه، ووجه الجمع بينهما أن النبيَّ، ﷺ ، تشاور مع أصحابه كيف يتحيَّنون وقت الصلاة فقال بعضهم: نتخذ قرناً مثل قرن اليهود، وقال بعضهم: نتخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: أوقدرا ناراً، وقال عمر، ﵁: نادوا بالصلاة كأنه يقول: الصلاة الصلاة لا تفصيل الأذان وكيفيته. فوقف النبيُّ، ﷺ ينظر في ذلك فرأى عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب، ﵄، الرؤيا فيه، وسبق عبد الله بن زيد إلى رسول الله، ﷺ ، فأعلمه وأمر رسول الله، ﷺ ، بذلك وقال: "إن هذه الرؤيا حق"، وسمع عمر الأمر فأخبر برؤياه فحمد الله تعالى رسول الله، ﷺ ، على ما كان من الإرشاد إلى الحق وألهم إليه من انتظام الأمر. وفي هذا الحديث دليل على أصل عظيم من أصول الفقه وهو القول في الدين بالقياس والاجتهاد. ألا ترى إلى مشاورة النبيّ، ﷺ ، مع أصحابه في الأذان، ولم ينتظر في ذلك من الله وحياً، ولا طلب منه بياناً، وإنما أراد أن يأخذ فيه ما عند أصحابه من رأي

стр. 189

يستنبطونه من أصول الشريعة وينتزعونه من أغراضها، فلما جاءت الرؤيا بنظم الأذان وسرده أمر رسول الله، ﷺ ، به بكونه أصوب الآراء لما فيه من الخروج عن التشبه بأهل الكتاب والمجوس، ولما فيه من ذكر الله تعالى، ولأنه معنى اختصت به هذه الأمة لم يكن لأحد من الأمم قبلها ولله الحمد على ذلك كثيراً. حديث: "إِذَا نُوديَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَان" (١) إلى آخره يحتمل الحقيقة والمجاز. أما الحقيقة فليس يستحيل أن يكون للشيطان حصاص وهو الضراط لما بيَّنَّاه من قبل وذكرنا إنه جسم من الأجسام مؤتلف من طعام وشراب، وفي الحديث (٢) إِنَّ الشَّيْطَانَ حَسَّاسٌ (٣)،

стр. 190

وَجَسَّاسٌ (١) لَحَّاس (٢)، فلا يمتنع أن يكون له حصاص لا سيما وهو أذل له في الفرار، وأبلغ لدخول الرعب في قلبه، وأدعى لذهاب قوته حتى لا يملك نفسه من خوف ذكر الله تعالى، وفي الحديث: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لَعَنَ (٣) الله الشَّيْطَانَ فَإِنَّهُ إِذا سَمِعَهَا تَعَاظَمَ حَتَّى يَصِيرَ كَالْجَبَلِ وَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَها تَضَاءَلَ وَتَصَاغَرَ" (٤) وهذا حديث صحيح خرّجه النسائي، ولأن الله تعالى قال له: ﴿وَأَن عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدَينِ﴾ (٥) فما أثَّر ذلك فيه، فكيف يسأل عن لعنة غير الله تعالى. وأما المجاز في معنى الحديث فهو متَّسع ويكون استعارة وعبارة عن فراره ذليلًا خاسياً، كما يفر العير الضروط، وقوله: "حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ" يعني بذلك الوسوسة وهو أمر مكَّن الله تعالى منه الشيطانَ في الإنسان، وجعل دواءه الاستعاذة فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦). وهذا ما لم تتمكن الشهوات في القلوب ولم تَحْلَوْلِ (٧) المعاصي في النفوس ولا ارتبطت العلائق بالهوى حتى غلبت النفس فليس دواؤها حينئذ الاستعاذة وإنّما ينفع فيها التوبة بحذف الشهوات وقطع العلائق والاستبصار بالحقائق.

стр. 191

حديث: سَاعَتَانِ تُفتَحُ فِيهِمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ (١) قال أبي، ﵁ (٢). أبواب السماء مغلَّقة وكذلك أبواب الجنة، لا تفتح إلا لسبب من عروج أمر، أو نزول قضاء، أو ما شاء الله تعالى والباري سبحانه هو الذي يسمع الأقوال، وهو الذي يرفع الأعمال، وهو الذي يقبل الدعاء وقد جعل لذلك علامات وقرنه بأسباب وخصّ به أوقاتاً منها حضرة الصلاة ومنها الاصطفاف عند القتال، فينبغي أن تغتنم تلك الساعة وأمثالها فإنها متهيئة للقبول، ولكن للدعاء شروط يقبل معها ولا يصح دونها وقد بيَّنا، في كتاب المشكلين، شروطه وخصائصه وجماعها عشرون خصلة وثمرتها الإجابة، وكل داعٍ مقبول دعاؤه لقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ (٣)، لكن الإجابة على ثلاثة أوجه: إما أن تقضى له حاجته التي عين، وإما أن يعوض خيراً منها مما لم يعلم الداعي قدرها ولو علمه لرضي بالبدل، وإما أن يدخر له إلى الآخرة وكذلك هو نص.

стр. 192

الحديث عن رسول الله ﷺ (١): ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (٢). فائدة: الأذان إنما وضع، كما قدَّمنا، للإعلام بالوقت، فلا يكون إلا عند دخول الوقت. ولم يشرع الأذان في الدين للنوافل وإنما شرع للإعلام بوقت الفرائض خلا الصبح فإنها يُنادى لها قبل وقتها بقليل لتأهب الناس لها ويوقعونها في وقتها؛ إذ تصادفهم على غفلة وفي وقت يشق عليهم القيام، وقد غلا في ذلك بعض الرواة فقال: يؤذن للصبح عند الفراغ من صلاة العتمة، وقيل: يؤذن لها إذا انتصف الليل أو تثلث، وهذا كله ضعيف لانه ليس في هذه (٣) الأوقات صلاة فريضة وإنما هي أوقات فضيلة ولم يشرع لها أذان فلا ينبغي أن يتلفت إلى ذلك. حديث: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ" (٤) إلى آخره. أما فضل النداء فمعلوم وأصوله أربعة: أحدها: ما فيه من توحيد الله تعالى وتعظيمه والشهادة لرسوله والدعاء لعبادته. ثانيهما: في حديث أبي سعيد الخدري من فضيلته، حسب ما تقدم من صفته. ثالثها: أن الخلق كلهم في حفظ الوقت في صحيفته يذكر غافلهم ويحرّض متكاسلهم فكلهم يشركه في أجره، ولهذا كان عمر بن الخطاب، ﵁، يقول: (لَوْلَا

стр. 193

الْخِلِّيفَى لَأذَّنْتُ) (١). رابعها: تجديد الشهادة في كل حين، وقد روي أن النبي، ﷺ ، "أَذَّنَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى رَاحِلَتِهِ في مَطَر وَبَلَّةٍ" (٢) خرّجه الترمذي وغيره، وقوله ﷺ ، في الحديث الصحيح: "الْمُؤَذِّنُونَ أَطوَلُ النّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ الْقِيامَةِ" (٣) روي بفتح الهمزة جمع عنق يشير بذلك إلى عزتهم وأمنتهم وارتفاع أقدارهم؛ فإن الرجل إذا كان بهذه الصفة مد جيده وتعالى لما يريده. قال النبيُّ، ﷺ : "لَأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يحِبُّ الله وَرَسُولَه وُيحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ فَتَطَاوَلَ لَهَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا" (٤) وفي ضده قال الله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي

стр. 194

رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ (١) ويحتمل أن يشير بطول أعناقهم إلى سلامتهم من الغرق في العرق، وروى إعناقاً، بكسر الهمزة من العنق والعنق بفتح الفاء (٢) والعين، ضرب من السير؛ تأويله أنهم يأتون يوم القيامة مسرعين غير متثاقلين بربهم واثقين، وأما الصف الأول فليس فيه أثر صحيح يعول عليه حاشى قوله: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا" (٣)، وقوله (لِيَلِيني مِنْكُمُ أولُو الأحْلَامِ وَالنَّهْي) (٤) وهي أربع مراتب: الأول: سبق إلى المسجد ودخل إلى الصف الأول وهو أفضلها. ثانيها: تأخر إقباله وصلى في الصف الأخير (٥). رابعها: تأخر عن إجابة الداعي، فلما جاء المسجد حصل في الصف الأول قال العلماء: هما سواء، وعندي أن الرابع أفضل من الثالث وفي ذلك تطويل لا يحتمله هذا القبس، وقد أطلنا في غير موضع فيه النفس. وأما قوله: (لَاسْتَهَمُّوا عَلَيْهِ) فيتصور الاستهام في الصف الأول عند ضيقه وإقبال الرجال إليه في حالة واحدة، فإن كان أحدهما أفضل فالموضع له، وإن تساوت حالهما أو تشاحا أقرع بينهما. وأما تصور الاستهام في الأذان فمشكل، وقد اختصم قوم بالقادسية (٦) في الأذان فأقرع بينهم سعد، وهذا إنما يكون بشرطين أحدهما: أن يتساويا في الأمانة. قال النبي، ﷺ :"الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مؤْتَمَنٌ" (٧).

стр. 195

الشرط الثاني: أن يكون صاحب الوقت فهكذا يكون الاستهام إذا وقع التشاح فإذا أذَّن أمينُ الوقت أَذَّن بعده من شاء من غير حجر، ويتصور الاستهام أيضاً في الأذان في صورة أخرى وهي صلاة المغرب فإنه ليس لها إلا مؤذن واحد (وأما فضل التهجير) فليس فيه حديث صحيح في التحديد بل إنه روي أنه قال: "أَوُّلُ الْوَقْتِ رَضْوَانُ الله" (١)، وفي

стр. 196

الحديث الصحيح فيه جملة كافية وهي قوله: "لاَ يَزَالُ أَحدُكُمْ في صلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاة" (١). وأما فضل العتمة والصبح ففيها أحاديث صحاح كثيرة أمهاتها أربعة. الأول: قوله ﷺ :"لَوْلاَ أَنْ أَشِقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى شَطْرِ الْليْلِ" (٢). الثاني: قوله: "أَثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعَتْمَةُ وَالصُّبْحُ" (٣)، وهذا صحيح فإنه لا ينشط لهما إلا منشرح الصدر خفيف إلى العمل ثقيل على داعي البطالة والراحة. الثالث: قوله: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلَائِكَةٌ بِالْلَّيْلِ وَملائِكَةٌ بِالنَّهَارِ"، إلى قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٤) والصبح فاتحة الحياة ومبدأ الأعمال كما

стр. 197

أن العصر والعتمة فاتحة الصحائف وربما إذا صلى العتمة لم يصل بعدها أبداً. الرابع: حديث عثمان، ﵁، عن النبيِّ، ﷺ ، أنه قال: "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَهُ، وَمَنْ صَلَّي الْعِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نصْفَ لَيْلِهِ" (١). فمن علم هذه الفضائل يقين علمها، وقدَّرها حق قدرها، سعى إليها يحبو وجاءها يستقل تارة ويكبو، وما توفيقنا إلا بالله. كيفية الآذان اختلفت الرواية فيه عن النبي، ﷺ ، من طريق مؤذِّنيه بلال وسمرة وسعد وغيرهم، ومال جماعة من العلماء إلى تربيع التكبير (٢) وخذوا أخذ الله تعالى بكم ذات اليمين ما مهدناه لكم أصلاً فيما تقدم من أن عمل أهل المدينة فيما طريقه النقل أصل لا يزعزع وقد نقلت الآذان تسع عشرة كلمة نقلاً متواتراً (٣) فترجح على غيره، وكذلك نقلت الإقامة فرادى حتى الإقامة منها، فكان هذا النقل المتواتر مرجحاً (٤) على الحديث الصحيح: "أُمِرَ بِلَالٌ (٥) أَنْ يَشْفَعَ الأذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الِإقَامَةَ إلَّا الِإقَامَة" (٦).

стр. 198

توقيت: قال النبي ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاهُّ فَلَا تَقُومُوا حَتى (١) تَرَوْني" وهذا إذا كان الإِمام غائباً، فإن كان حاضراً فقال مالك، ﵁: ليس في ذلك حد معروف وإنما ذلك على قدر حال الناس (٢). وقال غيره: وقت القيام عند قوله قد قامت (٣) الصلاة، وإنما أخذوها من هذا اللفظ والأذان الثاني من التكبير إلى التهليل كله إقامة فلذلك جعله مالك، ﵁، كله وقتاً للقيام لّأنه كله لفظ للإشعار بالصلاة والإعلام بحضورها فيتأهب كل أحد على قدر حاله. تأصيل: انفرد مالك، ﵁، عن الفقهاء بأن لا يصلى في مسجد واحد بجماعة مرتين (٤) , وذلك أصل من أصول الدين؛ وذلك أن الجماعة إنما شُرِّعت في الصلاة لتأليف القلوب وجمع الكلمة وصلاح ذات البين والتشاور في أمور الإِسلام، فلا تكون إلا واحدة ولو طرق فيها إلى التبعيض والتثنية لأفسد هذا النظام وتنافرت القلوب

стр. 199

وافترقت الكلمة وتوصَّل أهل البدع والنفاق إلى الانفراد بآرائِهِم الداخلة على أهل الإِسلام في دينهم، ولذلك منعنا من بنيان مسجد آخر يقصد به تفريق الكلمة وتشتيت الجامعة حتى لو وقع بين أهل محلة كلام أو أراد رجل أن ينتبذ عن جيرته، وكل ذلك لبناء مسجد ينفرد به لم يجز ويمنع من ذلك ويهدم عليه ويرد إلى أصحابه، ولذلك هدم النبي، ﷺ ، مسجد الضرار (١) وألزم رجوع من ارتيب به إلى من خلص من الأنصار. حديث: "إِنَّ بِلَالاً يُنَادِي بِلَيْلٍ" (٢) إلى آخره. توهم بعض علمائنا أن في هذا الحديث دليلاً على صحة العمل بخبر الواحد، وليس موضوع الحديث هذا وإنما موضوعه أنه يجوز الاكتفاء بالواحد عن الاثنين وعن الجماعة في صحة العمل علِى قوله إذا جعل ذلك إليه وقلد به كما قال النبي، ﷺ : "وَاغْدُ يَا أُنَيْس إِلَى امْرَأَةِ هذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارجمْهَا" (٣) فأكتفي بالواحد وسيأتي تحقيق ذلك وبيانه (في كتاب الحدود) (٤) إن شاء الله تعالى:

стр. 200

ترجمة: قال مالك، ﵁: قدر السحور من النداء (١)، وهو لفظ مشكل والمعنى المراد به أنه أراد أن يبين قرب وقت السحور من وقت نداء الصبح المحقق لها، وُيعرف أن السنّة تأخير السحور وتقدير الكلام قدر وقت السحور من وقت النداء ويبينه تمام الحديث الذي ذكر مالك، ﵁، أطرافه ونصّه قال النبيّ، ﷺ :"إِنَّ بِلَالاً يُنَادي بِلَيْلٍ ليرجع قائِمَكُمْ وُيوقِظَ نَائِمَكُمْ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نِدَائِهِمَا إلَّا أن يَنْزِلَ هذَا وَيَصْعَدَ هذَا" (٢). حديث أدخل مالك ﵁ عن سعيد بن المسيب حديث (مَنْ صَلَّى بِأَرْضٍ فلَاةٍ إلى آخره) (٣) وفيه مسألتان من أصول الفقه إحداهما: أن المرسل من الأحاديث

стр. 201

(كله) (١) كالمسند عنده وبه قال أبو (ح) (٢) وقال (ش): لا يقبل المرسل بحال وقال بعض أصحابه إلا مراسيل سعيد بن المسيّب، قال لنا جمال الإِسلام محمَّد بن الحسين الشاشي (٣) لا يقبل الشافعي مرسل أحد، وقال: تتبعت مراسيل سعيد بن المسيب فوجدتها كلها مسندة فإنما قال بحال إسنادها (٤). المسألة الثانية: أن الصاحب إذا قال قولاً لا يقتضيه القياس فإنه محمول على المسند إلى النبي، ﷺ ، وهي مسألة خلاف كبيرة، ومذهب مالك، ﵁، ومذهب أبي حنيفة فيها أنه كالمسند؛ وقد بيَّنا ذلك في أخذه بمسألة البناء في الرعاف (٥) بحديث ابن عمر وابن عباس، ﵃. وزاد مالك، ﵁، مسألة ثالثة وهي إذا روى التابعي ما لا يقتضيه القياس ولا يوصل إليه بالنظر (٦)، ولذلك أدخل عن سعيد صلاة الملائكة خلف المصلّي وقد، بيَّنا ذلك كله في أصول الفقه وإنما أردنا تنبيهكم عليه فاطلبوه في موضعه. وقد أسند هذا الذي روي عن سعيد بن المسيب من طرق وقوله: صلَّى عن يمينه ملك وعن يساره ملك دليل على ما قاله ابن مسعود، ﵁، في أنه: (إِذَا صَلَّى وَرَاءَ الْإِمَامِ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ واحدٌ وَعَنْ يَسَارِهِ آخَرٌ) (٧) ومواقف المأموم مع الإِمام سبعة:

стр. 202

الأول: أن يكون واحد فيقف عن يمينه لحديت ابن عباس (١) ﵄. الثاني: أن يكونا اثنين صليا خلفه لحديث أنس، ﵁: "فَقُمْتُ أَنَا وَالْيَتيمُ وَرَاءَهُ" (٢). الثالث: أن تكون امرأة صلّت خلفه لأنه إذا كان معه رجلان صلَّت المرأة خلفهما فإذا تأخرت عمن وراءه فأحرى أن تتأخر عنه. الرابع: أن يكونا رجلاً وامرأة فإنه يصلِّي الرجل عن يمينه والمرأة خلفهما لما تقدم في حديث أنس، ﵁، فإن صلَّت المرأة بجنب الإِمام قال (ح): تبطل صلاة الإِمام (٣)، وهي مسألة ضعيفة له جداً لأنه لم يعرف بها فكيف تبطل صلاته وإن عرف بها ونوى إتمامها فإنما وقعت النية على مقتضى السنة فإذا خالفت هي السنة في نفسها، فلا يتعدى فعلها إلى صلاة إمامها كما لو أحدثت وتجردت أو استدبرت أو وقف الرجل أمام الإِمام وهو الموقف. الخامس: وحزر علماؤنا هذا فقالوا: إذا وقفت المرأة بجنب الإِمام فإنها إساءة موقف فلا تبطل صلاة الإِمام به، كما لو وقف الرجل أمامه، وعندنا نحن إذا وقف الرجل

стр. 203

أمام إمامه صحت صلاته وقال (ح) (١) و (ش) (٢): تبطل وحجتنا على (ش) أنها إساءة موقف فلا تبطل الصلاة كما إذا وقفت المرأة بجنب الإِمام، وحجتنا على (ح) أنه إذا خالف السنة في الوقوف فلم (٣) تبطل صلاته كما لو كان واحداً ووقف عن يساره. السادس: أن يكونا رجلين وامرأة وقد تقدم. السابع: أن يكونوا نساء ولا رجل فيهن فالموقف من خلفه ولا متعلق لابن مسعود في حديث سعيد، ﵄, لأن قوله: "صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ" يحتمل أن يريد الملكين الملازمين له فيكونا معه بحكم الاشتراك في العبادة ولزما موقفهما الذي رتَّبه الله تعالى لهما. ويقال إن الموقف المرتب لهما هو جانبا الذقن بإزاء طرفي الفم، والملائكة من شأنهم الذي أمرهم الله به أنهم إذا رأوا صلاة شاركوا فيها وسروا أو جماعة يذكرون الله جلسوا إليهم وحفّوا بهم وذكروا معهم، وإذا رأوا معصية عدلوا عنهم وتباعدوا منهم حتى قد روي في الحديث الصحيح: "إِنَّ مَلَائِكَةً فُضَلَاءَ عَنْ أَعْمَالِ النَّاسِ يَتْبَعُونَ خَلْقَ الذِّكْرِ" (٤) إلى آخره. افتتاح الصلاة: اعلموا بصَّركم الله تعالى أن هذه العبارة وهي قوله افتتاح الصلاة معناها إن الصلاة فعل متعلق على المكلّف ممتنع الفعل لا يجوز التلبس بها إلا بعد تقديم مفتاح يتألف من عقد وقول وفعل. أما العقد فهي النية ولا خلاف فيها بين الأمة وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به لحق الآمر خاصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلأ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الْدِّينَ﴾ (٥)، وقال النبي ﷺ : "الأعْمَالُ بِالنَيَّاتِ" (٦)، وأشرف الأعمال الصلاة هي

стр. 204

أولها وهي مرادة بمعنى هذا الحديث فيها، والأصل في كل نية أن تكون عقدها مع التلبّس بالفعل المنوي بها أو قبل ذلك بشرط استصحابها، فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتدّ بها كما لا يعتدّ بالنية إذا وقعت بعد التلبّس بالفعل، وقد رخّص في تقديمها في الصوم لعظيم الحرج في اقترانها بأوله ووقع لعلمائنا مشاحة في تقديمها في الوضوء فيمن خرج يقصد النهر للطهارة فعزبت نيته قبل البلوغ إليه أنه تجزيه وحمل الجهّال الصلاة عليه، وإنما ذلك في الطهارة لاختلاف العلماء في افتقارها إلى النيه بخلاف الصلاة فإن افتقارها إلى النية مجمع عليه فلا يجوز ردّ الأصل المتفق عليه إلى الفرع المختلف فيه. قال أبو الحسن القروي (١)، بثغر عسقلان (٢): سمعت إمام الحرمين يقول: يحضر الإنسان عند التلبّس بالصلاة النية ويجدد النظر في الصانع وحدث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل وإنما يكون في أوجز لحظة لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل وتذكارها يكون في لحظة. ومن تمام النية أن تكون منسحبة على الصلاة كلها إلا أنّ ذلك لما كان أمراً يتعذر سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها. سمعت شيخنا أبا بكر الفهري، بالمسجد الأقصى، يقول: قال محمَّد بن سحنون (٣): رأيت أبي سحنون ربما يكمل الصلاة فيعيدها، فقلت

стр. 205

له: ما هذا يا أبت؟ فقال: عزبت نيتي في أثنائها فلذلك أعدتها، وسيأتي تمام القول في باب قوله النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها إن شاء الله تعالى. وأما الأفعال فهي الستر واستقبال القبلة والسواك ورفع اليدين. أما الستر فهو فرض إسلامي بإجماع الأمة واختُلِف هل هو من شروط الصلاة أم لا؟ فمشهور مذهبنا إنه ليس من شروط الصلاة والصحيح في النظر أنه من واجبات الصلاة المخصوصة بها. قال النبي، ﷺ ، في عهده: "لَا يَحِجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطَّوف بِالْبَيْتِ عرْيَانٌ" (١). وأما استقبال القبلة فلا خلاف فيه. وأما السواك فمن جهَّال المحدِّثين من أوجبه (٢)، وذلك معاندة للنص. ففي صحيح الحديث أنه ﷺ قال: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلى أُمَّتِي أَوْ عَلَى الأُمَّةِ أَوْ على أمَّتِهِ لَأمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ" (٣) وفي الصحيح عند كل (٤) وضوء وفيه أيضاً "عِنْدَ كُلِّ

стр. 206

صَلاةٍ" فهو ﷺ قد صرَّح بنفي الوجوب فكيف يثبته أحد وفي هذا الحديث الذي ذكره مالك (١) ومسلم (٢). (أصلان من أصول الفقه): أحدهما: إنه يجوز للنبي، ﷺ ، أن يفرض بالاجتهاد على أمته لأنه لو كان وحياً من الله تعالى بنفي أو إثبات لبلغه كان فيه حرج أو لم يكن، وقد مهَّدنا ذلك في كتاب المحصول (٣) وغيره. ثانيهما: أن النص على الأمر على الوجوب لقوله: "لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ" فإذا ارتفع الوجوب بقي التخصيص المستدعي للندب، وقد روى النسائي عن عائشة ﵂: "السِّوَاك مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلْرَبِّ" (٤) (وروى الدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس في

стр. 207

السؤاك عشر خصال) (١): "مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرضَاةٌ لِلْرَبِّ مَطْرَدَةٌ لِلْشَّيْطَانِ مَعَرَجَةٌ لِلْمَلائكَةِ يُذْهِبُ الْحِفْرَ وَيَجْلُو الْبَصرَ وَيَشِدِّ اللَّثَّةَ وَيقْطَعَ الْبَلغَمَ وُيطِيبُ الْنَكْهَةَ وَهْوَ مِنَ السُّنَّةِ"، زادنا فيه الفهري بالمسجد الأقصى، "مثراةٌ لِلْمَالِ مَنْهَاةٌ لِلْعَدُوِّ وَيزِيدُ في الْحَسَنَاتِ" (٢) وأما رفع اليدين فهو الذي صدر به مالك، ﵁ (٣)، وللعلماء فيه خمسة أقوال، وهي في مذهبنا مروية، وقد استوفيناها في كتاب المسائل وشرح الحديث في غير ما موضع. واختلفت الرواية في الصحيح عن النبي، ﷺ ، فيها فروي أنه كان يرفع يديه حذو (٤) منكبيه، وروي حذو (٥) أذنيه، ووجه الجمع بينهما إنه كان يجعل آخر الكف مما يلي الساعد بحذاء المنكبين يقيمها ولا يبسطهما فيقع أطراف الأصابع بحيال الأذنين فينتظم المعنى (٦) بالحديثين.

стр. 208

وأما الأقوال فهو التكبير ولا خلاف فيه في الجملة، وقد قال الشافعي: يستحب له أن يتكلم بلسانه بنيته فيقول أؤدي ظهر الوقت ثم (١) يكبر، وهي بدعة ما رويت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من السلف إما أنه يستحب للمشوش الخاطر الموسوس الفكر إذا خشي ألا يرتبط له في قلبه عقد النية أن يعقده بالقول حتى يذهب عنه اللبس. والأصل في وجوب التكبير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢) وبهذا تعلق (ح) في أنه يجوز افتتاح الصلاة بكل اسم من تعظيم الله تعالى. ولو كان بغير العربية حتى لو قال بزرك خداي (٣) لانعقدت (٤). وقال (ش) لو قال الله الأكبر لانعقدت (٥). وقال أبو يوسف الله الكبير لانعقدت (٦). وههنا تنزيل في النظر يبصركم إن استبصرتم ثم مدارج الفكر قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. قوله ﵎ محتمل لكون المراد بالذكر النية أو الذكر باللسان، وربما كان كون النية مراداً به أظهر لأن محل الذكر محل النسيان لأنه ضده والنسيان لا يصح تضادهما إلا على المحل الواحد، فعلى هذا لا حجة لأبي حنيفة فيه. وإن قلنا إن المراد بذلك الذكر باللسان ففي القرآن الأمر بالذكر مطلقاً، وفي السنة الأمر به مقيداً بصفته ووقته فكان أولى. وإذا تعيَّن التكبير حسب ما عينه الرسول قولاً للأعرابي إذ أعلمه الصلاة فقال له كَبِّرْ وبيَّنه، ﷺ ، فعلاً حين قال: الله أَكْبَر (٧)، فلا يجوز زيادة الألف واللام فيه لأنها زيادة على البيان في عبادة لا مجال للقياس فيها وأيضاً فإن زيادة الألف واللام تُوهِم تخصيصاً بنفي اشتراك كان قبلها وليس مع الله أكبر احتمال ولا لله

стр. 209

في ذلك شريك فيفتقر إلى التخصيص وزيادة البيان فيه. وقوله الكبير أقل معنى من أكبر ونحن قد منعنا من الزيادة بالأدلة فالنقصان أولى أن يكون ممنوعاً. وأما الذكر بالعجمية للقادر على العربية فذلك لا يجوز لوجهين: أحدهما: أنّا لا نتحقق صحة المعنى في اللفظ العجمي، كما تحققناه في اللفظ العربي، ولأن ذلك تبديل للعبادة وتغيير وقياس في العبادات، وذلك كله غير جائِزِ. وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، في الصحيح: "أَنَّهُ كَبَّرَ في الصَّلاةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَة" (١) وأربع تحميدات للمأموم بدلاً من تكبيره وجواباً لقوله: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهْ" وأطلق على ذلك كله اسم التكبير إخباراً بالمعظّم عن الأقل. واتفق العلماء على أن التكبيرة الأولى فرض دون سائر التكبيرات ما خلا ابن شهاب فإنه يروي عنه أن تكبيرة الإِحرام ليست بفرض (٢).

стр. 210

ووقع في المدونة وهم نسبة هذا القول إلى سعيد بن المسيب وليس له (١) والصحيح أنها فرض لثلاثة أدلة: أحدها: حديثه ﷺ : "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (٢). الثاني: قوله للأعرابي كبِّر وهذا أمر. الثالث: أن خاتمتها تفتقر عندنا وعنده إلى نطق وهو التسليم ففاتحتها بذلك أولى، وتحريره أحد طرفي الصلاة فتعين النطق فيه أصله الطرف الأخير والله أعلم. تأسيس: رتب مالك، ﵁، أمر الصلاة في البيان على نحو تلاه فيه غيره من سائر المصنفين للأحاديث على الأبواب، وذكروا ما ورد في ذلك من الأخبار، وزاد مالك،

стр. 211

رضي الله عنه، عليهم ما جاء فيها من الآثار ولا غنى للناظر عن معرفة الآثار كما لا بدّ له من العلم بالأخبار ليعلم كيف كان تلقي السلف للأحاديث وعلى أي وجه كان قبولهم لها، ويطلع من أي باب تولجوا إليها فلا منهج إلا منهاجهم، وهذه الحالة مشكلة جداً ولأشكالها تقطع العلماء فيها أيادي سبأ (١)، ونحن نخرج لكم فيها عن ذخيرة يا طالما شددنا عليها الوكاء، ودافعنا عنه بالارجاء قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وصلى النبيُّ ﷺ صلاته المعلومة ونقلها الناس جملة كأبي حميد الساعدي وأبي هريرة، ﵄، وغيرهما ونقلها أيضاً جماعة من الصحابة مفصلة، واجتمع البيان في كل طريق منها، والذي نقل عنه ﷺ ، في هيئة الصلاة من الأفعال والأقوال ست وثلاثون خصلة. اختلفت مناهج العلماء فيها على ثلاثة أنحاء: المنحى الأول: أنها كلها واجبة. المنحى الثاني: أن ما تضمنه القرآن منها واجب وما خرج عنه فهو مسنون. المنحى الثالث: المقابلة بين الأقوال والأفعال فما تخلَّص منها إلى الوجوب أو السنة قضي به، وعلى ذلك بني مالك موطّأه وهو المنهج الأسد الأقصد بسطة وإيضاحه أن النبي، ﷺ قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٣) فوجب الانتهاء إلى هذا وتعين الاقتداء به، ثم نظرنا إلى جملة الست والثلاثين خصلة نظراً جملياً ومفصلاً. أما النظر الجملي فمن حديث أبي هُرَيْرَة وغيره: (أنَّ رَجُلًا دَخَلَ على النبي، ﷺ ، في الْمَسْجِدِ فَصَلَّي ثُمَّ خَرَجَ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﷺ ، وَعَلَيْكَ السَّلَام ارْجَعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلَّ إِلى أَنْ بَيَّنَ لَهُ فَقَالَ لَهُ تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ الله ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّر ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى

стр. 212

تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعاً ثمَّ اسْجدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً ثم ارْفَعْ (١) ثم افْعَلْ في صَلَاتِكَ كلِّهَا هكَذَا" (٢) فذكر ﷺ ، في معرض التعلم، ما سبق بيانه من الأركان وسكت عن رفع اليدين، وعن حدّ القراءة، وعن تكبيرة الانتقالات، وعن الجلسة الوسطى، وعن التشهد، وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام ثم استقرأنا الشريعة (واستقريناها) (٣)، فثبت أنه ﷺ ، قال: "لَا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٤)، وثبت عنه ﷺ : "أَنَه قَالَ: كلُّ صَلَاةٍ لَم يُقْرَأْ فِيهَا بِأمِّ الْقرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ" (٥) الحديث. وثبت عنه، ﷺ ، أنه قال: "يَقُولُ الله قَسَمْت الصلَاةُ بيني وَبَيْنَ عَبدِي نِصْفَيْنِ" (٦) الحديث فتعيَّنت الفاتحة بهذه الأخبار، وترك ﷺ الجلسة الوسطى فلم يجعل ذلك قادحاً في الصلاة، لكنه عوَّض عنها بالسجود قبل السلام وقال ﷺ : "تَحْريمهَا التَكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم" وهو حديث حسن، ثم اختلفت مناهج العلماء في هذه الأخبار بحسب اختلاف مراتب الأدلة في الكتاب والسنة وارتباطها باللغة، واختلاف الرواية في الأحاديث

стр. 213

بالزيادة والنقصان، وعلى هذه الأصول انبنى اختلاف الاجتهاد بين العلماء وانظروا نوَّر الله بصائركم إلى أنموذج يجلو لكم عن بصيرة النظر ويغسل عنكم رحض (١) التقليد نورده عليكم في ثمان مسائل: المسألة الأولى: أذَّن النبيُّ، ﷺ ، وأقام وصلى فتعين الكل بفعله ثم سقط الوجوب في الأذان عن الفذ، كما بيّناه في الدليل الذي أوردناه، وبقيت الإِقامة فمن العلماء من أسقط وجوبها (٢) نظراً إلى أنها أخت الأذان شرِّعت تنبيهاً للغافل الحاضر واستدعاء للغائب القريب، كما شرِّع الأذان لمثله، ومنهم من أثبت وجوبها (٣) لقول النبيِّ ﷺ للأعرابي: "وَأَقِمْ وَكبِّرْ" (٤) فأمره بالإِقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء، وحذارِ من ملبسة (٥) جرت في ألفاظ أصحابنا المغاربة إذ يقولون إن الصلاة تُعاد من ترك السنن لأنه ليس بين السنة والفرض فرق إلا الاعتداد و (٦) الإِسقاط، فأما أنتم الآن فقد وقعتم على الحديث وقد تعيَّن عليكم أن تقولوا بإحدى روايتيْ مالك الموافقة للحديث وهو أن الإِقامة فرض (٧) المسألة الثانية. تكبيرة الإحرام وقد تقدمت (٨). المسألة الثالثة: القراءة: قال (ح): هي فرض لأنها في القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٩) وهذا وهم لأنه لا خلاف بين العلماء أن الآية إنما نزلت في

стр. 214

نسخ قيام الليل بوجوب صلاة الفرض وأن المراد بالقراءة ههنا الصلاة، لكن لما قال النبي، ﷺ : "لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقُرَأْ بِفَاتِحِةِ الْكِتَاب" واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي على التمام والكمال، أو يحمل على الإجزاء، اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال الناظر. ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم كان الأقوى من رواية مالك، ﵁، أنَّ من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت (١). المسألة الرابعة: ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة، فمن تأمَّل قولَ النبيّ، ﷺ ، للأعرابي: "ثُمَّ افْعَلْ كَذلِكَ في صَلاَتِكَ كُلَّهَا" لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود على أنه قد روي أيضاً حديث من طرق كثيرة "كُلُّ رَكْعَةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ" (٢) هذا مع النظر في أن القيام فرض في الثانية وما بعدها، والقيام لا يراد لنفسه وإنما هو محل لغيره. المسألة الخامسة: الركوع والسجود ولا خلاف فيهما لأنهما ثبتا قرآناً (٣) وسنةً،

стр. 215

وزادت السنة الطمأنينة فيهما (١) والفصل بينهما، وقد تكاثرت الرواية عن ابن القاسم (٢) وغيره بوجوب الفصل بينهما وسقوط الطمأنينة (٣) وهو وهم عظيم لأن النبيَّ، ﷺ ، فعلها وأمر بها وعلَّمها، فإن كان لابن القاسم عذر فإنه لم يطلع على هذا فما بالكم أنتم وقد انتهى العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم. المسألة السادسة: الجلسة الوسطى: ثبت عن النبي، ﷺ ، فعلها وهي فعل يشتمل على قول فقد تأكدت. لكن لا حرمة إلا لما احترم الشرع ولا قوة إلا لما قوّى الشرع، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قام من اثنتين (٤) ثم جعل السجود جبراناً فتعين على الكافة الحكم بسقوط وجوبها، ثم اختلفت مذاهبهم في الجبران فمنهم من قال إن الجبران واجب يأتى به قبل السلام (٥) فإن لم يكن ففي ما بعد السلام على القرب، فإن طال أعاد الصلاة وإليه
следующие страницы →