← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

رضي الله عنه، عليهم ما جاء فيها من الآثار ولا غنى للناظر عن معرفة الآثار كما لا بدّ له من العلم بالأخبار ليعلم كيف كان تلقي السلف للأحاديث وعلى أي وجه كان قبولهم لها، ويطلع من أي باب تولجوا إليها فلا منهج إلا منهاجهم، وهذه الحالة مشكلة جداً ولأشكالها تقطع العلماء فيها أيادي سبأ (١)، ونحن نخرج لكم فيها عن ذخيرة يا طالما شددنا عليها الوكاء، ودافعنا عنه بالارجاء قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وصلى النبيُّ ﷺ صلاته المعلومة ونقلها الناس جملة كأبي حميد الساعدي وأبي هريرة، ﵄، وغيرهما ونقلها أيضاً جماعة من الصحابة مفصلة، واجتمع البيان في كل طريق منها، والذي نقل عنه ﷺ ، في هيئة الصلاة من الأفعال والأقوال ست وثلاثون خصلة. اختلفت مناهج العلماء فيها على ثلاثة أنحاء: المنحى الأول: أنها كلها واجبة. المنحى الثاني: أن ما تضمنه القرآن منها واجب وما خرج عنه فهو مسنون. المنحى الثالث: المقابلة بين الأقوال والأفعال فما تخلَّص منها إلى الوجوب أو السنة قضي به، وعلى ذلك بني مالك موطّأه وهو المنهج الأسد الأقصد بسطة وإيضاحه أن النبي، ﷺ قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٣) فوجب الانتهاء إلى هذا وتعين الاقتداء به، ثم نظرنا إلى جملة الست والثلاثين خصلة نظراً جملياً ومفصلاً. أما النظر الجملي فمن حديث أبي هُرَيْرَة وغيره: (أنَّ رَجُلًا دَخَلَ على النبي، ﷺ ، في الْمَسْجِدِ فَصَلَّي ثُمَّ خَرَجَ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﷺ ، وَعَلَيْكَ السَّلَام ارْجَعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلَّ إِلى أَنْ بَيَّنَ لَهُ فَقَالَ لَهُ تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ الله ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّر ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى

стр. 212

تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعاً ثمَّ اسْجدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً ثم ارْفَعْ (١) ثم افْعَلْ في صَلَاتِكَ كلِّهَا هكَذَا" (٢) فذكر ﷺ ، في معرض التعلم، ما سبق بيانه من الأركان وسكت عن رفع اليدين، وعن حدّ القراءة، وعن تكبيرة الانتقالات، وعن الجلسة الوسطى، وعن التشهد، وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام ثم استقرأنا الشريعة (واستقريناها) (٣)، فثبت أنه ﷺ ، قال: "لَا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٤)، وثبت عنه ﷺ : "أَنَه قَالَ: كلُّ صَلَاةٍ لَم يُقْرَأْ فِيهَا بِأمِّ الْقرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ" (٥) الحديث. وثبت عنه، ﷺ ، أنه قال: "يَقُولُ الله قَسَمْت الصلَاةُ بيني وَبَيْنَ عَبدِي نِصْفَيْنِ" (٦) الحديث فتعيَّنت الفاتحة بهذه الأخبار، وترك ﷺ الجلسة الوسطى فلم يجعل ذلك قادحاً في الصلاة، لكنه عوَّض عنها بالسجود قبل السلام وقال ﷺ : "تَحْريمهَا التَكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم" وهو حديث حسن، ثم اختلفت مناهج العلماء في هذه الأخبار بحسب اختلاف مراتب الأدلة في الكتاب والسنة وارتباطها باللغة، واختلاف الرواية في الأحاديث

стр. 213

بالزيادة والنقصان، وعلى هذه الأصول انبنى اختلاف الاجتهاد بين العلماء وانظروا نوَّر الله بصائركم إلى أنموذج يجلو لكم عن بصيرة النظر ويغسل عنكم رحض (١) التقليد نورده عليكم في ثمان مسائل: المسألة الأولى: أذَّن النبيُّ، ﷺ ، وأقام وصلى فتعين الكل بفعله ثم سقط الوجوب في الأذان عن الفذ، كما بيّناه في الدليل الذي أوردناه، وبقيت الإِقامة فمن العلماء من أسقط وجوبها (٢) نظراً إلى أنها أخت الأذان شرِّعت تنبيهاً للغافل الحاضر واستدعاء للغائب القريب، كما شرِّع الأذان لمثله، ومنهم من أثبت وجوبها (٣) لقول النبيِّ ﷺ للأعرابي: "وَأَقِمْ وَكبِّرْ" (٤) فأمره بالإِقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء، وحذارِ من ملبسة (٥) جرت في ألفاظ أصحابنا المغاربة إذ يقولون إن الصلاة تُعاد من ترك السنن لأنه ليس بين السنة والفرض فرق إلا الاعتداد و (٦) الإِسقاط، فأما أنتم الآن فقد وقعتم على الحديث وقد تعيَّن عليكم أن تقولوا بإحدى روايتيْ مالك الموافقة للحديث وهو أن الإِقامة فرض (٧) المسألة الثانية. تكبيرة الإحرام وقد تقدمت (٨). المسألة الثالثة: القراءة: قال (ح): هي فرض لأنها في القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٩) وهذا وهم لأنه لا خلاف بين العلماء أن الآية إنما نزلت في

стр. 214

نسخ قيام الليل بوجوب صلاة الفرض وأن المراد بالقراءة ههنا الصلاة، لكن لما قال النبي، ﷺ : "لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقُرَأْ بِفَاتِحِةِ الْكِتَاب" واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي على التمام والكمال، أو يحمل على الإجزاء، اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال الناظر. ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم كان الأقوى من رواية مالك، ﵁، أنَّ من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت (١). المسألة الرابعة: ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة، فمن تأمَّل قولَ النبيّ، ﷺ ، للأعرابي: "ثُمَّ افْعَلْ كَذلِكَ في صَلاَتِكَ كُلَّهَا" لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود على أنه قد روي أيضاً حديث من طرق كثيرة "كُلُّ رَكْعَةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ" (٢) هذا مع النظر في أن القيام فرض في الثانية وما بعدها، والقيام لا يراد لنفسه وإنما هو محل لغيره. المسألة الخامسة: الركوع والسجود ولا خلاف فيهما لأنهما ثبتا قرآناً (٣) وسنةً،

стр. 215

وزادت السنة الطمأنينة فيهما (١) والفصل بينهما، وقد تكاثرت الرواية عن ابن القاسم (٢) وغيره بوجوب الفصل بينهما وسقوط الطمأنينة (٣) وهو وهم عظيم لأن النبيَّ، ﷺ ، فعلها وأمر بها وعلَّمها، فإن كان لابن القاسم عذر فإنه لم يطلع على هذا فما بالكم أنتم وقد انتهى العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم. المسألة السادسة: الجلسة الوسطى: ثبت عن النبي، ﷺ ، فعلها وهي فعل يشتمل على قول فقد تأكدت. لكن لا حرمة إلا لما احترم الشرع ولا قوة إلا لما قوّى الشرع، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قام من اثنتين (٤) ثم جعل السجود جبراناً فتعين على الكافة الحكم بسقوط وجوبها، ثم اختلفت مذاهبهم في الجبران فمنهم من قال إن الجبران واجب يأتى به قبل السلام (٥) فإن لم يكن ففي ما بعد السلام على القرب، فإن طال أعاد الصلاة وإليه

стр. 216

صغوا المالكية (١). ومنهم من قال دخول الجبران فيها دليل على سقوطها ومن المحال سقوط الأصل ووجوب الجبران والذي يدان الله تعالى به وجوب الجبران كما فعله النبي، ﷺ ، لكن يأتي به متى ما تذكره طال أم قصر، ولو كان الأصل هو الذي يأتي به لكان لك أن تراعي فيه القرب للاتصال. المسألة السايعة: وهي أصعبها التشهد، قال (ش): هو واجب في آخر الصلاة (٢)، وقال علماؤنا (٣) وأصحاب (ح): لا يجب (٤) لأن النبيّ، ﷺ ، لم يذكره للأعرابي وهذا فيه ضعف لأنه لم يذكر له السلام، وقد ثبت عن الصحابة، ﵃، أنهم قالوا: (كان رسولُ الله، ﷺ ، يعلِّمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن) (٥). وقال ابن مسعود، ﵁: (كنا نقول إذا صلينا السلام على جبريل السلام على ميكائيل السلام على فلان فقال النبيّ، ﷺ : قولوا التحيات لله فذكرها) (٦)، وهذا أمر وقد علمتم وجوبها في الصلاة وقد علمتم فريضتها في طريق التعلم وقد وجب أن يقابل بالقبول. المسألة الثامنة: التسليم، وقد تقدم فيه الحديث ولقد زلّ فيه (ح) حين قال: إن

стр. 217

الحدث يقوم مقام السلام (١) في الخروج عن الصلاة، وكان شيخنا فخر (*) الإِسلام ينشدنا في الدرس ونرى الخروج من الصلاة بضرطة: أين الضراط من السلام عليكم وورد لعلمائنا من هذه المسألة فرعان ضعيفان. أما أحدهما: فروى عبد الملك (٢) بن حبيب عن عبد الملك (٣) أن من سلّم من ركعتين متلاعباً فخرج البيان أنه كان عن أربع أنه يجزيه، وهذا هو مذهب أهل العراق بعينه. وأما الثاني: فوقع في الكتب المنبوذة أن الإِمام إذا أحدث بعد التشهد متعمداً أو قبل السلام أنه يجزي من خلفه، وهذا مما ينبغي أن لا يُلتفت إليه في الفتوى وإن عمرت به المجالس للذكرى، وإنما تشبَّث أهل العراق في ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي، ﷺ ، حين ذكر أفعال الصلاة فقال في آخر الحديث: "فَإِذَا تَشَهَّدْتَ فَقَدْ انقَضَتْ صَلَاتُكَ فَإِنْ شِئْتَ أنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإِنْ شِئْتَ أن تَقْعُدَ فَاقْعُدْ" (٤) وهذا الحديث لا

стр. 218

حجة فيه من ثلاثة أوجه: الأول: أن هذا الحديث لم يصح وقد وصيناكم أن الاشتغال بما لم يصح عناء. الثاني: أنه إن كان حجة علينا في ترك السلام فهو حجة على المخالف في ترك النية. الثالث: أن معناه إن شئت أن تقعد فتزيد في الدعاء فافعل وان شئت أن تقوم فسلّم، وفي هذا جمع بين الأخبار وهو أولى من القول ببعضها وإسقاط البعض. حديث علي في النهي (عن قراءة القرآن في الركوع) (١) ههنا أصل من أصول الفقه لم يتفطن له إلا مالك، ﵁، وهو أن مراتب الرواة من الصحابة عن النبي، ﷺ ، خمس: المرتبة الأولى: أن يقول الراوي: سمعت رسول الله، ﷺ ، ينهى عن الصلاة بعد العصر يقول: لا تصلى لا تصم وهذا أعلاها لأنه شاهد ونقل اللفظ (٢).

стр. 219

المرتبة الثانية: أن يقول الراوي من الصحابة: سمعت رسول الله، ﷺ ، ينهى عن الصلاة بعد العصر (١) وعن الصيام يوم (٢) النحر فهذا فيه أصل من السماع وليس فيه كيفية الأمر والنهي. المرتبة الثالثة: أن يقول الراوي من الصحابة: قال رسول ﷺ ولم يذكر السماع فلا خلاف بين العلماء أنه محمول على السماع قائم مقامه لأن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض ويتناوبون في النزول لتحصيل العلم ثم يبلغه إلى صاحبه على المداولة (٣). واختلف العلماء فيما بعد الصحابة فقال بعضهم: هذا يختص بعصرها لأنها بجملتها عصبة محمولة على العدالة بخلاف عصر التابعين وما بعده، فإن حال العدالة يختلف فيه وقال مالك، ﵁: إذا قال التابعي قال رسول الله، ﷺ ، فهو حجة فإن الحال وإن اختلفت بالتابعين في العدالة فإن القائل قال رسول الله، ﷺ ،لا يطلقه عليه مع ما في الكذب من الوعيد إلا وهو قد تقلد صحته (٤). المرتبة الرابعة: أن يقول الصحابي أُمِرنا بكذا ونُهِينا عن كذا وهذا فيه من الاحتمال أكثر (٥) مما في الأول.

стр. 220

المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي: كان الأمر في عهد رسول الله، ﷺ ، كذا كقول ابن عباس: "كَانَتِ الْبَتَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله، ﷺ ، وَاحِدةً" (١)، وهذا فيه احتمال كثير وخلاف مشهور، وقد بينا أدلة هذه المراتب في كتاب التمحيص وخلصنا إلى المقصود منها في المحصول (٢)، وقد قال علي، ﵁، في هذا الحديث: "نَهَانِي رسولُ الله، ﷺ ، وَلاَ أَقُولُ نَهَاكُمْ" وهذا تحرير اللفظ واحتراز من الغلط؛ لأن الراوي إذا نهاه النبيُّ، ﷺ ، عن شيء فقال نهى رسول الله، ﷺ ، مطلقاً، فقد نقل الخبر عن النبيّ، ﷺ ، وقاس غيره عليه وجعل الكل منوطاً بالنبي، ﷺ . وقد ثبت عن النبي، ﷺ : "اَنَّة قَالَ: أَمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ قمن أَنْ يُستَجَابَ لَكُمْ" (٣)، وفي الموطأ النهي عن قراءة القرآن في الركوع، وفي صحيح مسلم (نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود) وذلك أن الله تعالى ذكر محال الصلاة وأذكارها

стр. 221

فلا يجوز التبديل فيها، فمن بدَّلها على قصد التلاعب فسدت صلاته، ومن بدّلها على قصد الاجتهاد في أن المعنى واحد فسدت صلاته أيضاً، ومن بدّلها نسياناً صحَّت صلاته ولو جعل رجلٌ موضع الله أكبر سمع الله لمن حمده، أو بعكسه نسياناً، لم يكن عليه شيء، ولو فعلها عامداً لبطلت صلاته. واختلاف (١) السجود في النسيان ينبني على أن التكبير هل فيه سجود مثل القراءة أيضاً أم لا، وينبني أيضاً على معرفة القدر الذي يسجد فيه من التكبير أو تعاد الصلاة منه وهذا كله ضعيف موضعه المسائل. كيفية القراءة: الأصل في ذلك ثلاثة أدلة: الأول: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٢) على أحد القولين، وقوله للأعرابي: "وَاقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". الدليل الثاني: ثبت أن النبي ﷺ "قَرأ في الْمَغْرِبِ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ" (٣) في الْحَضَرِ وقَرَأَ فِيهَا بِالطُّورِ (٤) في السَّفَرِ وَقَرَأَ في الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (٥) وَقَرَأ في الظُّهْرِ بَقُدرِ آلم

стр. 222

تَنْزِيلٌ (١). وذكر مالك، ﵁، عن الخلفاء والصحابة والتابعين آثاراً في البقرة (٢) ويوسف (٣) وغيرهما.

стр. 223

الدليل الثالث: حديث معاذ بن جبل وعظه النبي، ﷺ ، فقال: "إِن مِنْكُمْ مُنْفِرِينَ اقْرَأْ يَعْنِي في الْعِشَاءِ بِسَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأعْلَى وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ" (١) وقال النبي، ﷺ ، في ذلك، قولاً يضم هذا النشر العظيم، ويجمع خاطر المجتهد، ويسلكه في العبادة إن عقل وهو قوله ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، الحديث إلى قوله، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيطَوِّلْ مَا شَاء" (٢) قال علماؤنا: وكذلك إذا علم من جماعة ما علم من نفسه فليحملهم محملها وعليه تخرج قراءة الخلفاء للبقرة ويوسف في الصلاة وقراءته، ﷺ ، للأعراف في المغرب (٣)، ومن أشد ما يجهله الناس في هذا فحراسِ منه أن تجهلوا أن الركعة الأولى في الشريعة أطول من الثانية، فتخطئوا فتسوُّوا بينهما، بل قد انتهت الجهالة بهم إلى أن يجعلوا الثانية أطول من الأولى وهذا مما ينبغي أن تتفطنوا له. الثانية: أن تجتنبوا في صلاتكم تحديد سور القرآن (٤) وإسقاط غيرها، بل ينبغي أن تعولوا على ما تيسر فإن التحديد ليس إلا للشارع وحده. حديث: قال أبيّ بن كعب إلى قوله والقرآن العظيم (٥). أدخله مالك، ﵁

стр. 224

حجة في تعيين الفاتحة في الصلاة لأن النبيّ، ﷺ ، قال لأبيّ بن كعب: "كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلاَةَ؟ فَقَال: الحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ" فعيّنها قولاً وفعلاً وبياناً وتنبيهاً أيضاً، وفيه أيضاً إسقاط ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرحِيمِ﴾ وفيها زحام عظيم قد بينَّاه في مسائِل الخلاف (١) وقوله "مَا أَنْزَلَ في التَّوْرَاةِ وَلاَ في الإِنْجِيلِ وَلاَ في الْقرْآنِ مِثْلَهَا" وسكت عن سائر الكتب كالزبور والصحف لأن هذه أفضلها. وإذا كان الشيء أفضل الأفضل كان أفضل الكل كقولك: زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس وفضلها على غيرها يكون من سبعة أوجه:

стр. 225

الأول: أن الشيء قد يشرّف بذاته كشرف الله تعالى على خلقه وليس هذا لفاتحة الكتاب لأن الذاتية في الكل واحدة وهي كلام الله تعالى. الثاني: أن الشيء قد يشرّف بصفاته وذلك للباري سبحانه على الحقيقة والإطلاق دون سائر المخلوقات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). وفي الفاتحة شيء من هذا الشرف وبهذا شرّف النبيّ، ﷺ ، على سائر الآدميين؛ لأن الذات له ولهم واحدة وإنما شرّف بالصفات وهي عظيمة متعددة وقعت الإشارة إلى أفضلها في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢)، ووقع التنبيه على جميعها في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣). وفي الفاتحة من الصفات ما ليس في غيرها حتى قيل إن جميع القرآن فيها، وهي عشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده، وهو الثالث. الرابع: أنه لا تصح القراءة إلَّا بها. الخامس: أنه لا يلحق عمل بثوابها, ولله تعالى أن يفاضل بين الثواب في الفعلين وإن استويا. ولهذه المعاني كلها صارت القرآن العظيم كما صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن (٤)، إذ القرآن توحيد وأحكام ووعظ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله، ﷺ ، لأبي بن كعب: "أَيّ آيَةٍ في الْقُرْآنِ أعْظَمُ"

стр. 226

قال: "الله لَا آله إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُومُ قال: لِيَهْنَئَكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ" (١) وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها: كما صار قوله، ﷺ : "أفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلي لَا إله إِلَّا الله" (٢) الحديث. أفضل الذكر لأنّها كلمات حَوَت جميع علوم التوحيد، والفاتحة تضمنت

стр. 227

التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير ولا تستبعد ذلك في قدرة الله تعالى فإنّ الله، ، جمع التوحيد كله في آية الكرسي ثم جمعه في أقل حروف منها وهو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم جمعه لرسوله ﷺ في كلمات يوم عرفة المتقدمة، ثم جمع علوم القرآن في الفاتحة، ثم جمعها في اثنين قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (١). والثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالإِنْسَ إِلَا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ثم جمعها في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَق﴾ (٣) وقوله: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثاً﴾ (٤). السادس: أنه قال: السبع فهن سبع آيات تضمنت كما تقدم (٥) من العلوم ما لم يتضمن سواها في قدرها. السابع: المثاني، وهي مثاني بمعاني منها ما تشترك فيه مع القرآن في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٦)، ومنها ما تنفرد به وهي أنها تثنَّى في كل ركعة، ومنها أنّ الله تعالى جعلها قسمين بينه وبين عبده فقال: "هذه بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي وَلعَبْدِي مَا سَألَ". ومنها أنها قسمان ثناء ودعاء، ومنها أنها وردت على الازدواج: اثنين اثنين. قال: ﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهذا كله مثنى، ويصح أن تكون مثاني بهذه المعاني كلها، ويصح أن تكون ببعضها، وذكر أنها سبع آيات كما ذكر ﷺ : "إِنَ سورَةَ المُلْكِ

стр. 228

ثلَاثُونَ آيَةً" (١)، وتعديد الآي من معضلات القرآن وقد صح عنه ﷺ , من حديث ابن عباس، ﵄، أنه قال: "فَقَرَأ الْعَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سورَةِ آلِ عِمْرَانَ" (٢). ومن آيات القرآن طويل وقصير ومنها ما ينقطع، ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائِهِ كقوله: أنعمت عليهم، على مذهب أهل المدينة، فإنهم يعدّونها آية وينبغي أن تعول في ذلك على نقل السلف وما تقلدوه. حديث: "قَسَمْتُ الْصلاَةَ بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي" إلى آخره قوله يقول الله: "حَمِدَنِي عَبْدِي وَأَثْنَى وَمَجَّدَ". التمجيد ثناء وتحميد، والثناء حمد وتمجيد، وكل واحد منهما يعبِّر به عن صاحبه ولكنه خص كل واحد منهما بمعناه الأخص. فخصيصة الحمد التمجيد، فهو أعظم صفات الثناء لأنه يتضمن الثناء بما هو المثني عليه في ذاته، وبما صدر عنه من فعله. والثناء هو ذكر محاسن أفعاله، والتمجيد هو الإخبار عن صفاته التي فيها العلو والعظمة, لأن المجد هو نهاية الشرف ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) والصفات العلى والأفعال التي لا تدانى فهو المحمود، ومنه إفاضة النعمة ابتداء، وإقالة العثرة وحسن التدارك بعد الزلَّة، وذلك كله مصدره الرحمة وله أن يهلك الخلق بأجمعهم وأن يحسن

стр. 229

إليهم كلهم ولا يخاف عاقبة ولا يرجو عوضاً فهو المالك حقاً وخص يوم الدين لعِظم الأفعال التي فيه، ومن ملك الأعظم والنهاية فقد ملك الأقل والبداية، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إقرار بالمذلة للمولى والتزام للخدمة وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ رد الأمر إليه والتسليم بالكل والتفويض عليه لأنه إن أعان العبد عَبَدَه وإن خذله جحده، وقوله: ﴿إِيَّاكَ لعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتعِينُ﴾ هذه بيني وبين عبدي، نص على أنها آية واحدة، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ إلى ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لعبدي نص على أنها أكثر من آية واحدة رداً على المكيّين (١)، وبذلك صارت الفاتحة سبع آيات بإسقاط عدّ ﴿بِسْمِ اللِه الرحمن الْرَحِيمَ﴾ ..

стр. 230

باب التأمين قوله: إِذَا أمَّنَ الْإمَامُ (١). الحديث. قيل معنى قوله إذا أمن إذا بلغ موضع التأمين كقولهم أحرم إذا بلغ موضع الحرم وأنجد إذا بلغ موضع العلو (٢) وذلك كقوله: "إِذَا قَالَ الْإمَام غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَالِينَ فَقُولُوا آمِينَ" (٣) ليجتمع الحديثان. وعليه أثبتت رواية المصريين عن مالك، ﵁، أن الإِمام لا يؤمِّن, وعلى رواية المدنيين (٤) يؤمِّن الإِمام سراً وعند (ش) أنه يؤمِّن جهراً (٥). وقال ابن شهاب: وكان رسول الله، ﷺ "يَقوُلُ آمِينَ" (٦). وفي البخاري ويقولها الناس حتى أنَّ للمسجد ..............

стр. 231

................. للجة (١) وكنت بجامع الخليفة (٢) إذ قال الإِمام يوم الجمعة ولا الضالين يجهر الناس بآمين حتى نقول انقض المسجد والصحيح عندي أنه يسر بها الإِمام، وبذلك يجتمع الحديثان وقوله: "وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ آمِينَ" كان يحتمل أن يريد به الحاضرين للصلاة المشاهدين لها إلا أنه قال في الحديث "وَقالَتِ الْمَلَائِكَةُ في السَّمَاءِ آمينَ" (٣). ووجه الجمع بينهما أن الملائكة الحاضرين تقولها ويقولها من فوقهم حتى تنتهي إلى ملائكة السماء فإنهم صافّون بعضهم فوق بعض درجات إلى العرش (٤)، على ما ورد في الأثر وفي معنى موافقة تأمين الخلق. تأمين الملائكة خمسة أقوال: الأول: الموافقة في الابتداء وهي النية والإخلاص فلا قبول إلا بهما. الثاني: الموافقة في الفائدة وهي الإجابة والمعنى من استجيب له، كما يستجاب للملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. الثالث: من وافقه في الوقت حتى يتواردوا عليه جميعاً فتعمّ الناس البركة الكائنة من

стр. 232

الاشتراك مع الملائكة. الرابع: الموافقة في الكيفية وهو بأن يدعو لنفسه وللمسلمين كما تفعل الملائكة لأنها تدعو لجميع الأمة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ في الأَرْضَ﴾ (١). الخامس: أن يدعو في طاعة ولا يمزجها بدنيا فإنها أقرب إلى الإجابة. وقوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" فيه فائدة حسنة، وهي أنه يغفر له وإن لم يسأل المغفرة لأن الملائِكةِ سألتها له لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فأما وقوع المغفرة للذنوب فإنها تكون على الوجه الذي بيَّنَّاه في التفضيل بين الصغائر والكبائر في كتاب الوضوء حسب ما تقدم. وأما قوله "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" فيحتمل أن يكون خبراً عن فضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون دعاء إلى الله تعالى وإن جاء بلفظ الخبر وهو أظهر وقول المأموم (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) جواب لهذا الدعاء وامتثال لمقتضاه تقوله الملائكة كما يقوله المأموم حسبما ورد في الخبر والموافقة كالموافقة المتقدمة. حديث عبد الله بن عمر "اصْنعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصْنَعُ ثم قال وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِالأُصْبعِ التِي تَلِي الإِبْهَامَ" (٢). وروى أحمد بن حنبل عن خُفاف (٣) بن إِيماء "قَالَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا أشَارَ بِأُصْبَعِهِ كَذلِكَ في الصَّلاَةِ تَقولُ قرَيْشُ هذَا مُحمَّد يَسْحَرُ النَّاسَ وَإِنَّمَا كَانَ يُوَحِّدُ الله" (٤) فنص على فائدة الإشارة ولهذا ينبغي له أن يقبض الإِبهام ولا يمدها معها ويعقد

стр. 233

ثلاثاً وخمسين (١)، كما جاء في الحديث الصحيح (٢).

стр. 234

باب التشهد في الصلاة ذكر مالك، ﵁، في هذا الباب تشهُّد عمر بن الخطاب، ﵁ (١). ورجَّحه على تشهُّد ابن عباس، وعلى تشهُّد عبد الله بن مسعود لأن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يعلّمه الناس على المنبر ويعلّمه بين ظهراني المسلمين، وهم الصحابة الذين منهم ابن عباس وعبد الله الراويان للتشهدين الأخيرين ولم يسمع من أحد نكيراً فصار ذلك إجماعاً على الترجيح. قوله: "التَّحِيَّاتُ لله" تفسير يعني الملك وهي السلام وهي البقاء والكل لله، أما البقاء فهو صفة واجبة، وأما الملك فهو بيده يصرفه كيف يشاء، وأما السلام فهو له شرع ودين فإن جعل لغيره فذلك خلاف للشرع، وما كان من قبيل المشروعات فهو لله سبحانه أمره ورضاه، وما وقع على طريق الشرع فهو لله تعالى تقديراً وقضاء فلا يخرج شيء عنه بل الكل له وإليه. والمراد بالتحية ههنا من جملة أقسامها السلام لأنه موضعه وسببه على ما تقدم في حديث عبد الله بن مسعود. "وأما الزَّاكِيَاتُ" فالمراد به كل عمل نام يضاعف عليه الأجر وينمّى فيه الثواب، وكل عمل أيضاً ممحوق فهو لله تعالى بتقدير وخلق، إلا أنه تعالى إذا أضاف الشيء إليه أو ربطه به على طريق الاختصاص كان ذلك تشريفاً له على ما

стр. 235

سواه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ (١) يعني ملكاً، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٢) يعني تشريفاً، ثم قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي﴾ (٣) فزاده اختصاصاً. وأما قوله "الصَّلوَاتُ للهِ" فهو بيِّن لأن العبادات كلها إنما تقع لله بالنية والقربة، والمعاصي من الله بالتقدير والحكمة حتى أن قول الكافر في الله تعالى ثالث ثلاثة تسبيح لله وتقديس له على الوجه الذي بيَّنّاه في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شِيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٤) فقوله التحيات يعني السلام كما قدمناه. وقوله: (الزَّاكِيات) يعني الأعمال النامية، وقوله: ﴿الصَّلوَات﴾ يعني العبادة التي هو فيها من جملة الزكيات. تنبيه: على وهم ثبتت الرواية عن النبيّ ﷺ في التشهد، كما قدمناه، واستقرت ألفاظ التشهد عند جميع الأمة إلى أن جاء أبو محمَّد (٥) بن أبي زيد بوهم قبيح فقال في ذكره للتشهد" وَأَنَّ محَمَّداً عَبْدهُ وَرَسُولُه أَرْسَلهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِمظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ إلى قوله وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ في الْقُبُور" (٦)، وإنما أوقعه في ذلك أنه رأى الأثر في تشهد الوصية بهذه

стр. 236

الصفة فرأى من قبل نفسه أن يلحقه بتشهد الصلاة، وهذا لا يحل لأن النبيّ، ﷺ ، إذا أعلم شيئاً وجب الوقوف عند تعليمه، وإذا بيّن ذكريْن في قصتيْن لم يجز أن يبدَّلا فيوضع أحدهما في موضع الآخر، ولا أن يجمع بينهما فإن ذلك تبديل للشريعة واستقصار لما كمَّله النبي، ﷺ ، في التعليم هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم. حديث "الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإمَامِ نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ" (١) قد بيَّن النبيّ، ﷺ ، أن

стр. 237

الشيطان لا يألو في إفساد الصلاة على العبد قولًا بالوسوسة حتى لا يدري كم صلّى، وفعلًا بالتقدم على الإِمام حتى يفسد فرض الاقتداء. فأما الوسوسة فدواؤها الذكرى والإقبال على ما هو فيه. وأما التقدم على الإِمام فعلة ذلك طلب الاستعجال ودواؤه أن يعلم أنه لا يسلِّم قبله فلِمَ يستعجل هذه الأفعال. وفي الحديث "أما يَخْشَى الَّذِي يَرْفعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ الله رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارِ" (١)، وليس يريد به عند العلماء المسخْ صورة وإنما يريدون به الحمارية معنى، وهو البله ضرب له الحمار مثلًا لأنه أشد البهائم بلهاً (٢) في تلك الحال وهذا كقوله، ﷺ :" لِيَنْتَهِيَنَّ أَقْوامٌ عَنْ رفْعِهِمْ أبْصارِهِمْ إلى السَّمَاءِ في الصَّلَاةِ أَوْ لَتُخْطَفُنَّ أَبْصارُهُمْ" (٣) وليس يريد بذلك إذهابها بالعمى، وإنما يشير به إلى ذهاب فائدتها من العبرة.

стр. 238

باب السهو هذا باب عظيم في الفقه أحاديثه كثيرة ومسائله عظيمة وفروعه متشعبة ومشغبة يذهب العمر في تحصيلها ولا يتمكن العبد من تفصيلها، فعليكم أن تحفظوا أصولها وتربطوا فصولها، ثم تركبوا عليها ما يليق بها وتطرحوا الباقي عن أنفسكم، منها دخلت المنستير (١) رباط أفريقية فلقيت المتعبدين الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على خدمة المولى، وسمعتهم لا يقرؤون من فن الفقه إلا مسائل الوضوء والصلاة التي تختص بما هم فيه، فحدّثوني أن أبا بكر ابن عبد الرحمن الخولاني (٢)، وكان من أحفظ أهل زمانه بالمسائل، كان يرد عليهم في الأشهر الفاضلة بنيَّة الاعتكاف فيسألونه عن المسائل فإذا أفتاهم قالوا له الرواية في نوازل سحنون بخلاف هذا النص في الكتاب الفلاني على غير ما قلت، حتى طال عليه ذلك فقال لهم: إذا ذكرتم مسألتكم فاذكروا جوابها معها فإن كان جارياً على الأصول أمرتكم بالتمسك به وإن كان خارجاً عن الأصول (٣) عرفتكم بالصواب فيه. وأصول أحاديث السهو ستة: الحديث الأول: حديث أبي هُرَيْرَة ﵁ "صَلَّى رَسُولُ الله، ﷺ ، إحْدَى صلاَتَيْ الْعِشَاءِ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيِنِ ثُمَّ قَامَ إِلَى جَذْعٍ في جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهِ مُغْضِباً فَخَرَجَ سُرْعَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ، وَفِي الْقَوْمِ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَن يُكَلِّمَاهُ فَقَالَ

стр. 239

له رجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله، ﷺ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ. نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ الله، ﷺ ، فَصَلى الْرَّكْعَتَيْنِ الْلَّتَيْنِ بَقيَتَا علَيه ثمَ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ فَكَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ فَكَبَّرَ ثمَّ رَفَعَ فَكبَّر ثُم سَلَّمَ" (١). الحديث الثاني: "رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ ، صَلَّى الْعَصرَ فَسَلَّمَ منْ ثَلاَثٍ فَقالَ لَهُ رَجلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ: يَا رسُولَ الله، سَلَّمْتَ مِن ثَلَاثٍ، فَخَرَجَ مُغْضِباً يَجُرُّ رِدَاءهُ وَقَالَ: أَحَقَّاً مَا يَقُولُ لهذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ فَصَلَّى الْرَّكْعَةَ الَّتَّي بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ كَما تَقَدَّمَ" (٢). الحديث الثالث: روى ابن مسعود ﵁: "أَنَ النَّبِيَّ، ﷺ ، صَلَّى الظهْرَ خَمْساً فَلَمَّا سَلَّمَ توَشْوَشَ الْقَوْمُ فَقَالَ النِّبِي ﷺ : مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: أزيدَ في الصَّلاة؟ قَالَ: وَمَا ذلِكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْساً. فَكَبَّر النَّبِيُّ، ﷺ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَقَالَ: مَنْ زَادَ في صَلَاتِهِ أَوْ نَقُصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ" (٣). الحديث الرابع: روى عبد الله بن مالك بن بحينة "أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ ، صَلَّى الظُّهْرَ فَقَامَ مِنِ اثْنتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذلِكَ" (٤).

стр. 240

الحديث الخامس: روى أبو سعيد الخِدريّ ﵁ "أَنَّ النَّبيَّ، ﷺ ، قَالَ: إِذَا شَك أحَدُكُمْ في صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثاً أَمْ أَرْبَعاً فَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ وَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ. وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ كَانتِ الركْعَةُ الّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ وَإِنُ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلْشيْطَانِ" (١). الحديث السادس: روى أبو هُرَيْرَة، ﵁، عن النبي، ﷺ ، "أنَهُ قَالَ: إِنَّ أحَدَكُمْ يَأتِيهِ الشَيْطَانُ في صَلَاتِهِ فَيَلْبِسُ عَلَيْهِ فَإِذَا وَجَدَ ذلِكَ أَحُدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ" (٢). أما الحديث الأول فرأيت بالثغر (٣) من يجاوز فيه الحد، فأخرج منه مائة وخمسين مسألة من الفقه، وقد استوفينا الغرض منه في شرح الصحيح والقدر الذي تستضيئون به الآن أن العلماء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن هذا الحديث إنما كان في صدر الإِسلام أيام كان الكلام مباحاً في الصلاة، ثم نسخ ذلك الله تعالى فأمر بالقنوت فصار الحديث منسوخاً لا متعلق فيه، رواه المدنيون عن

стр. 241

مالك ﵁ (١). والقول الثاني: أن هذا إنما يكون فيمن سلَّم من اثنتين خاصة دون غيره وإلى هذا صغى سحنون (٢). القول الثالث: أن معنى هذا الحديث كله مسترسل على الأزمان، عام في جميع الأقوال والأفعال، وهو المشهور من قول علمائنا، ﵃، وبه (٣) قال (ش) وعامة العلماء (٤). أما اختيار المدنيين أنه منسوخ فقول باطل لأن من شروط النسخ معرفة التاريخيْن وقد جهلت ههنا (٥)؛ لأن الكلام المنهى عنه هو المطلق وهذا كلام في إصلاح الصلاة لا بدّ لها منه، ولا تتم دونه، وأما اختيار سحنون فهو ضعيف لأن النبيّ، ﷺ ، قد جرى له ذلك في

стр. 242

السلام من ثلاث في حديث عمران، وقد جرى له أيضاً مثل ذلك في السلام من خمس في حديث ابن مسعود، ﵁، وهذا جمود لا يليق بمرتبة سحنون ولا بتدقيقه في الفروع والصحيح أنه جائز كما قلناه في كل مسألة. مسألة أصولية: قد بيَّنَّا في المتوسط والمقسط وغيرهما القول في عصمة الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، من الذنوب وبيَّنَّا، في كتاب المشكلين، تأويل ما ورد في ذلك في القرآن ظاهراً، ورددناه إلى أصل العصمة بالدليل وهو الذي ندين الله تعالى به ونجزم القول على أنهم معصومون، وإن كان الناس قد اختلفوا في الذنوب المتعلّقة بالأفعال فقد اتفقوا على أن الكذب لا يجوز أن يقع منهم لا سهواً ولا عمداً؛ لأن القول هو الذي يتبين به الشرع، فلو جاز أن يتطرق إليه ذلك لما وقعت الثقة فيه بالبيان، فإذا ثبت هذا عدنا إلى قوله، ﷺ : "كُلُّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ" وفي رواية أخرى "فَلَمْ تُقْصَرْ وَلَمْ أَنسَ" (١)، وقد كان، ﷺ ، نسي فإن لم يسلّم متعمداً؛ فمن الناس من قال: هذا نسيان قيل له (٢): فيه على ذلك إخبار عما كان بأنه لم يكن، وهذا لا يجوز نسياناً عليه لأنه من باب الكذب. سمعت شيخنا (٣) أبا (٤) المظفر شاهفور (٥) يقول. أن النبي، ﷺ ، لم يقصر صحيح. وقوله: لم أنسَ لم يرد به ولم أنسَ الركعتين، وإنما أراد به ولم أسلّم ساهياً بل سلّمت متعمِّداً، وقد بيَّنَّا تمام الكلام في كتاب المشكلين. وقد اختلف الناس في رجوع النبيّ، ﷺ ، إلى القصد هل كان بما ظهر إليه ورأى أم كان بقول الناس وشهادتهم عنده؟ وهذا فصل اختلف الناس فيه وتحزَّبوا كثيراً. فإن وقفنا أنفسنا على النظر فالظاهر أنه عمل بشهادتهم (وكذلك

стр. 243

روي عن مالك، ﵁، في مثل هذه النازلة) (١). وإن استقرينا الأثر فقد روى أبو داود في سننه في هذا الحديث بعينه: "فَلَمْ يَرجِعْ رَسُولُ الله، ﷺ ، حَتَى يَقَّنَهُ الله تَعَالَى" (٢). وأما حديث عمران فهو نظير حديث ذي اليدين في النقصان والسؤال والرجوع والعمل في السجود. وأما حديث ابن مسعود فشوَّش القوم، أي اضطربوا، ورري وتوشوشوا، أي تكلموا بكلام خفي، وسألهم النبيّ، ﷺ ، فأجابوه فيه وليس فيه زيادة على ما تقدم إلا فصلين. أحدهما: أن ذلك كله كان بعد تمام الصلاة بخلاف حديث أبي هريرة وعمران فإنها كانت مراجعة في أثناء الصلاة. وأما الفصل الثاني: فسجوده للركعة الزائدة كما سجد في الحديثين المتقدمين للسلام الزائد. وأما حديث عبد الله بن بحينة ففيه سقوط الجلسة الوسطى وجبرها بالسجود كما تقدم بيانه وفيه السجود قبل السلام. وههنا احتمالان نشأ للعلماء منه نظران. أحدهما: أن النبيّ، ﷺ ، تذكر ههنا للنقصان من قبل نفسه فسجد قبل السلام، وفي تلك الأحاديث تذكر بعد السلام ولم يرجع النبيّ، ﷺ ، إلى الجلوس ويحتمل أن يكون تذكر وهو قائم بأثر الجلوس (٣)، ويحتمل أن يكون تذكر وهو في الجلوس الآخر، ويحتمل أن يكون تذكر فيما بينهما، وقد روى المغيرة بن شعبة عن النبي، ﷺ : (مَنْ نَسِيَ

стр. 244

الْجَلْسَةَ الْوُسْطَى فَإِنْ تَذَكَّرِ قَبْلَ أن يَسْتَويَ قَائِماً فَلْيَتَمادى. ولا يرجع) (١). وروي عن ابن شهاب أنه قال: "كَانَ آخِرُ الَأمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله، ﷺ ،الْسُّجُودَ لِلسّهْو قَبْلَ السّلاَمِ" (٢)، وأخذ به الشافعي في كل حال (٣). وقد قال (ح): السجود للسهو كله بعد السلام لأنه إن سجد قبل السلام لم يأمن أن يعتريه بعد ذلك السهو (٤). ونظر مالك، ﵁، بصادق بصيرته إلى اختلاف الحالين، وهي الزيادة والنقصان، فجعلهما نازلتين وأقرّ كل واحد منهما في نصابها، والذي مال إليه (ش) لا يشبه مرتبته في الأصول لأن حديث عبد الله بن بحينة إن كان آخر الأحاديث فلا يجوز أن يكون ناسخاً لما

стр. 245

بيَّنَّا؛ لأن من شرط النسخ التماثل في الفعل والتضاد بتعذر الجمع، وحديث عبد الله بن بحينة نقصان فعل. وسائر الأحاديث زيادة قول فكيف يصح أن يقال إن أحدهما رفع الآخر والجمع بينهما ممكن، وأما حديث أبي هُرَيْرَة فاختلف العلماء فيه فمنهم من قال: هو نقض لما تقدم من الأحاديث وتمام له فتارة روي مضافاً وتارة روي مفصولاً. وقال آخرون: بل هو حديث بيِّن فيه حكماً آخر وهو الرجل الذي يكثر عليه الوهم في صلاته، وقد غلب عليه لا يمكنه الاحتراز منه؛ فهذا يغلبه ويسجد سجدتين بعد السلام، وبذلك أفتى القاسم بن محمَّد لمن سأله (١). وروي عن مالك، ﵁ إنه (٢) قال به. وأما السجدتان اللتان قال هما ترغيم للشيطان فإنه معنى ذلك أن الشيطان أراد أن ينقص من صلاته أو يفسدها عليه بإدخال ما ليس منها فيها فيسجد العبد حينئذ إخزاء له لقول النبيّ، ﷺ : "إِذَا سَجَدَ ابْنُ آدَمَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيقُولُ يَا ويلَتَاهْ أُمِرَ ابْن آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِيَ النَّارُ" (٣). وعلى هذه الأحاديث تنبني مسائل السهو كلها تأصيلًا وتفصيلاً وتفريعاً وتعليلاً وقد أشرنا إلى جمل من ذلك في شرح الصحيح فليُنظر فيه، فإن هذه العجالة لا تقتضيه فقد بيَّن في هذه الأحاديث أن سجود السهو بتكبير وسلام ولم يذكر لهما تشهُّداً. واختلف علماؤنا فيه؛ والصحيح سقوطه كما بيَّناه في موضعه، وقد تقدم وروده في هذه الأحاديث.

стр. 246

وأما الطهارة فواجبة لها قبل الصلاة إجماعاً لأنها من جملة الصلاة وهي أيضاً مفتقرة إلى الطهارة في الصحيح من المذهب، وإن كانت بعد السلام, لأنها ركن من أركان الصلاة فافتقرت إلى الطهارة كالركوع والجلوس. فإن قيل: لو كانت من أركان الصلاة ما فعلت بعد تمامها، قلنا: وإن فعلت بعد تمامها فهي من تمامها. فإن قيل: لو كانت من تمامها لفسدت الصلاة بتركها، قلنا: ليس كل ما كان من تمام الصلاة تفسد بتركه كهيئة الجلوس والقراءة والقيام مع السورة. النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها ذكر فيه حديث أبي جهم (١) في الخميصة (٢). مقدمة أصولية: اعلموا، أفادكم الله تعالى المعارف، أن الصلاة مشتملة على أفعالٍ منها ظاهرة تنتشر على الجوارح، ومنها باطنة تستقر في القلب، وكما أن التكبير يضبط الأفعال المطلوبة بالجوارح ويحرم سائر الأفعال المسترسلة عليها فكذلك عقد القلب بالنية للوقوف بين يدي عالم الخفية والاستقبال للمناجاة مع الله تحرم على القلب سائر الخواطر المسترسلة ويلزمه الإقبال على ما هو بصدده بالكلية، فلا يكون له خاطر إلا في صلاته، ولا يمر على قلبه سواه. إلا أن الباري، ﵎، لمّا جعل القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ورتب عليها لمَّتين لمة من الملك ولمة من الشيطان عسر على العبد ضبط قلبه، وهان عليه ضبط جوارحه، ولهذا كان النبيّ، ﷺ ، يقول في كلامه: "لَا ومُقَلِّبُ الْقُلُوبِ" (٣) فجعلها

стр. 247

في اليمين أصلاً في التعظيم تنبيهاً على عظيم القدرة، وتعريفاً للعبد أنه تحت الغلبة والذلة. وحين استقرت الحكمة بالقدرة على هذه النسبة ورفع. عنا بفضله ما لا طاقة لنا به سمح للعبد في استرسال الخاطر على القلب في الصلاة بما ليس منها، فإذا تذكَّر عاد إليها. فإن استمر مختاراً من قبل نفسه وأعرض عن صلاته بطلت حتى اختلف العلماء في أفعال الصلاة التي تقع في حال شرود النية إلى الخواطر المسترسلة وعزوب الفكر عن الحضور بين يدي الله تعالى هل تكون مقبولة معتداً بها أم لا؟ فصغا الفقهاء إلى أن ذلك مجزٍ عنه معتدّ به، وماق لزهّاد إلى أنه لا يعتدّ بها ولا يكتب له أجرها (١)، وورد في ذلك أثران عن النبي، ﷺ . أحدهما: "أنَّ الرَّجُلَ لَيصَلّي الصَّلاةَ فَيُكْتبُ لَهُ نِصفُهَا ثُلُثُهَا رُبْعُهَا حَتَّى ذَكَرَ عُشْرهَا" (٢). والحديث الثاني: "أَوَّلُ ما ينْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَل الْعَبْدِ الصَّلاَةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا نُظِرَ في سَائِرِ عَمَله وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لَمْ يُنْظَرُ لَه في شَيْء" (٣)، ومن طريق أخرى يقول الله تعالى:

стр. 248

انْظروا هَلْ لِعَبْدي مِنْ تَطَوُّعٍ فَكَلِّمُوا لَهُ بِهَا فَرِيضَتَهُ (١) واختلف الناس في هذا التكميل؛ فمنهم من قال: إن ترك العصر مثلاً وصلَّى أربع ركعات متنفّلاً جُبرت بها، وقال أرباب القلوب: لا يرقع الجديد بالخرق (٢). والذي أراه، وهو الأولى بنا والأقوى في أدلتنا، أن رجلاً إن عزبت نيته مغلوباً أن صلاته كلها مقبولة لأن الله تعالى قد رفع الحرج عنا وإنما بقيت ههنا نكتة أصولية، ننبِّهكم عليها حتى تكونوا من أهلها، إن شاء الله تعالى، وهو أن عزوب النية إن كان بأمر عرض في الصلاة، وبسبب عارض، فالمسألة كما ذكرنا، من غير شك، وإن كانت بأسباب متقدمة قد لزمت العبد من الانهماك في الدنيا والتعلّق بعلائقها الزائدة والتشبث بفضولها التي يستغنى عنها، فيقوى ههنا ترك الاعتداد بالصلاة لأن ذلك من قبله وسببه واقع باختياره. ألا ترى النبيَّ، ﷺ ، لما ألهته الخميصة عن لحظة في الصلاة ونظر إلى علمها كيف أخرجها من بيته وأسقط المنفعة بها أصلاً حتى لا يتعلق له بها خاطر، فكان الذي أصابه في الصلاة من الإِقبال على الأعلام بحكم البشرية، وكان إخراجها عن ملكه حتى تسلم عبادته مرتبة النبوَّة، وقد روى أبو داود أنه قال: "اذْهَبُوا بِهذِهِ الْخَمِيصَة إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِكَرْدِيَّةٍ فَقَالُوا: يَا رَسولَ الله الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْراً مِنَ آلْكَرْدِيّ" (٣) (٤) واختار ﷺ الخير من جهة العبادة على الخير من

стр. 249

جهة المالية، وقد روى البخاري أيضًا عن عقبة ابن عامر أن النبيَّ، ﷺ : "صَلَّى فِي فَرُّوجِ (١) حَرِيرٍ فَلَمَّا انْصرَفَ نَزَعَه نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي هذَا لِلْمُتَّقِينِ" (٢)، إشارة إلى أنه كان من أسباب الدنيا ومن جملة علائقها الشاغلة عن العبادة، وقد استوفينا الكلام على هذه الأحاديث في مواضعها، وهذا هو معنى قول عمر بن الخطاب: (مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ) (٣)، وانتزعها عمر من قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٤)، فهذا حفظها بالخشوع فيها والإِقبال عليها، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٥)؛ فهذا هو المداومة

стр. 250

عليها، وقد رأيت من لا يحافظ عليها (إلا جاملًا (١) حصيها). فأما (٢) من يحفظها بالخشوع والإِقبال فلا أقدر أن أستوفي بعددهم كفّي الواحدة، وهذا الذي قال من حفظها وحافظ عليها هو الذي قال تسلية للخلق إذا غلبوا على الحق: "إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا في الصَّلَاةِ" (٣)، وفي مثل عمر تعزب النية عبادة أخرى، فأما أمثالنا فإنما تعزب نياتنا بالاشتغال بالدنيا فاحفظوا رحمكم الله قلوبكم عن الخواطر في الصلاة كما تحفظون جوارحكم عن الأعمال من غيرها. وقد رأيت الفقهاء يقولون إذا كثرت الأعمال والكلام في الصلاة بطلت وإن كان سهوًا، وهذا إمامنا سحنون، وكان من العلماء العبّاد، قد ذكَرنا لكم ما حكاه الطرطوسي لنا من رواية ابنه محمَّد عمه من إعادة الصلاة عند عزوب نيته عنها، أَوَلَا ترى إلى أبي طلحة الأنصاري لمّا عزبت نيته في صلاته بالاشتغال ببستانه استهلكه لله تعالى عوضاً عما استهلك الخاطر من صلاته (٤)، وقد روينا عن ابن عباس: "أَنَّ سُلَيْمَانَ، ﵇، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ عَنْدَ الخُروجِ إِلَى الْجِهَادِ فَشَغَلَتْة عَنْ صَلَاةِ الْعَصرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَعَرْقَبَهَا وَنَحَرَهَا" (٥). ...................................................
следующие страницы →