← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وأما الطهارة فواجبة لها قبل الصلاة إجماعاً لأنها من جملة الصلاة وهي أيضاً مفتقرة إلى الطهارة في الصحيح من المذهب، وإن كانت بعد السلام, لأنها ركن من أركان الصلاة فافتقرت إلى الطهارة كالركوع والجلوس. فإن قيل: لو كانت من أركان الصلاة ما فعلت بعد تمامها، قلنا: وإن فعلت بعد تمامها فهي من تمامها. فإن قيل: لو كانت من تمامها لفسدت الصلاة بتركها، قلنا: ليس كل ما كان من تمام الصلاة تفسد بتركه كهيئة الجلوس والقراءة والقيام مع السورة. النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها ذكر فيه حديث أبي جهم (١) في الخميصة (٢). مقدمة أصولية: اعلموا، أفادكم الله تعالى المعارف، أن الصلاة مشتملة على أفعالٍ منها ظاهرة تنتشر على الجوارح، ومنها باطنة تستقر في القلب، وكما أن التكبير يضبط الأفعال المطلوبة بالجوارح ويحرم سائر الأفعال المسترسلة عليها فكذلك عقد القلب بالنية للوقوف بين يدي عالم الخفية والاستقبال للمناجاة مع الله تحرم على القلب سائر الخواطر المسترسلة ويلزمه الإقبال على ما هو بصدده بالكلية، فلا يكون له خاطر إلا في صلاته، ولا يمر على قلبه سواه. إلا أن الباري، ﵎، لمّا جعل القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ورتب عليها لمَّتين لمة من الملك ولمة من الشيطان عسر على العبد ضبط قلبه، وهان عليه ضبط جوارحه، ولهذا كان النبيّ، ﷺ ، يقول في كلامه: "لَا ومُقَلِّبُ الْقُلُوبِ" (٣) فجعلها

стр. 247

في اليمين أصلاً في التعظيم تنبيهاً على عظيم القدرة، وتعريفاً للعبد أنه تحت الغلبة والذلة. وحين استقرت الحكمة بالقدرة على هذه النسبة ورفع. عنا بفضله ما لا طاقة لنا به سمح للعبد في استرسال الخاطر على القلب في الصلاة بما ليس منها، فإذا تذكَّر عاد إليها. فإن استمر مختاراً من قبل نفسه وأعرض عن صلاته بطلت حتى اختلف العلماء في أفعال الصلاة التي تقع في حال شرود النية إلى الخواطر المسترسلة وعزوب الفكر عن الحضور بين يدي الله تعالى هل تكون مقبولة معتداً بها أم لا؟ فصغا الفقهاء إلى أن ذلك مجزٍ عنه معتدّ به، وماق لزهّاد إلى أنه لا يعتدّ بها ولا يكتب له أجرها (١)، وورد في ذلك أثران عن النبي، ﷺ . أحدهما: "أنَّ الرَّجُلَ لَيصَلّي الصَّلاةَ فَيُكْتبُ لَهُ نِصفُهَا ثُلُثُهَا رُبْعُهَا حَتَّى ذَكَرَ عُشْرهَا" (٢). والحديث الثاني: "أَوَّلُ ما ينْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَل الْعَبْدِ الصَّلاَةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا نُظِرَ في سَائِرِ عَمَله وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لَمْ يُنْظَرُ لَه في شَيْء" (٣)، ومن طريق أخرى يقول الله تعالى:

стр. 248

انْظروا هَلْ لِعَبْدي مِنْ تَطَوُّعٍ فَكَلِّمُوا لَهُ بِهَا فَرِيضَتَهُ (١) واختلف الناس في هذا التكميل؛ فمنهم من قال: إن ترك العصر مثلاً وصلَّى أربع ركعات متنفّلاً جُبرت بها، وقال أرباب القلوب: لا يرقع الجديد بالخرق (٢). والذي أراه، وهو الأولى بنا والأقوى في أدلتنا، أن رجلاً إن عزبت نيته مغلوباً أن صلاته كلها مقبولة لأن الله تعالى قد رفع الحرج عنا وإنما بقيت ههنا نكتة أصولية، ننبِّهكم عليها حتى تكونوا من أهلها، إن شاء الله تعالى، وهو أن عزوب النية إن كان بأمر عرض في الصلاة، وبسبب عارض، فالمسألة كما ذكرنا، من غير شك، وإن كانت بأسباب متقدمة قد لزمت العبد من الانهماك في الدنيا والتعلّق بعلائقها الزائدة والتشبث بفضولها التي يستغنى عنها، فيقوى ههنا ترك الاعتداد بالصلاة لأن ذلك من قبله وسببه واقع باختياره. ألا ترى النبيَّ، ﷺ ، لما ألهته الخميصة عن لحظة في الصلاة ونظر إلى علمها كيف أخرجها من بيته وأسقط المنفعة بها أصلاً حتى لا يتعلق له بها خاطر، فكان الذي أصابه في الصلاة من الإِقبال على الأعلام بحكم البشرية، وكان إخراجها عن ملكه حتى تسلم عبادته مرتبة النبوَّة، وقد روى أبو داود أنه قال: "اذْهَبُوا بِهذِهِ الْخَمِيصَة إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِكَرْدِيَّةٍ فَقَالُوا: يَا رَسولَ الله الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْراً مِنَ آلْكَرْدِيّ" (٣) (٤) واختار ﷺ الخير من جهة العبادة على الخير من

стр. 249

جهة المالية، وقد روى البخاري أيضًا عن عقبة ابن عامر أن النبيَّ، ﷺ : "صَلَّى فِي فَرُّوجِ (١) حَرِيرٍ فَلَمَّا انْصرَفَ نَزَعَه نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي هذَا لِلْمُتَّقِينِ" (٢)، إشارة إلى أنه كان من أسباب الدنيا ومن جملة علائقها الشاغلة عن العبادة، وقد استوفينا الكلام على هذه الأحاديث في مواضعها، وهذا هو معنى قول عمر بن الخطاب: (مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ) (٣)، وانتزعها عمر من قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٤)، فهذا حفظها بالخشوع فيها والإِقبال عليها، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٥)؛ فهذا هو المداومة

стр. 250

عليها، وقد رأيت من لا يحافظ عليها (إلا جاملًا (١) حصيها). فأما (٢) من يحفظها بالخشوع والإِقبال فلا أقدر أن أستوفي بعددهم كفّي الواحدة، وهذا الذي قال من حفظها وحافظ عليها هو الذي قال تسلية للخلق إذا غلبوا على الحق: "إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا في الصَّلَاةِ" (٣)، وفي مثل عمر تعزب النية عبادة أخرى، فأما أمثالنا فإنما تعزب نياتنا بالاشتغال بالدنيا فاحفظوا رحمكم الله قلوبكم عن الخواطر في الصلاة كما تحفظون جوارحكم عن الأعمال من غيرها. وقد رأيت الفقهاء يقولون إذا كثرت الأعمال والكلام في الصلاة بطلت وإن كان سهوًا، وهذا إمامنا سحنون، وكان من العلماء العبّاد، قد ذكَرنا لكم ما حكاه الطرطوسي لنا من رواية ابنه محمَّد عمه من إعادة الصلاة عند عزوب نيته عنها، أَوَلَا ترى إلى أبي طلحة الأنصاري لمّا عزبت نيته في صلاته بالاشتغال ببستانه استهلكه لله تعالى عوضاً عما استهلك الخاطر من صلاته (٤)، وقد روينا عن ابن عباس: "أَنَّ سُلَيْمَانَ، ﵇، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ عَنْدَ الخُروجِ إِلَى الْجِهَادِ فَشَغَلَتْة عَنْ صَلَاةِ الْعَصرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَعَرْقَبَهَا وَنَحَرَهَا" (٥). ...................................................

стр. 251

قال لنا الفهري: قال إبراهيم بن أدهم (١): "مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لله عَوضَهُ الله" (٢). لما عقر سليمان الخيل في ذات الله عوَّضه الله تعالى فقال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (٣). وقد نبَّه مالك، ﵁، في هذا الباب، إلى فقه حسن لا يدركه إلا مثله وهو أنه أدخل هذا الباب في أثناء السهو ليبيِّن لك أن جبران السجود إنما شُرع في الأفعال الظاهرة وليس في الأفعال الباطنة مدخل، وهذا يدل على أن مذهبه الإِجزاء فيها وليس فوقه ولا بعده ما يقتدى به مثله. تحقيق: سها رسول الله ﷺ ، في صلاته على نحو الغفلة التي أصابته في منامه حسبما بيَّنَّاه هنالك من أنها لم تكن آفة تنزل به، كما لم يكن نسيانه ذهولًا عن الطاعة بغيرها، وإنما كان الباري سبحانه يأخذه لنفسه في الحالين حتى يبين الله ﵎ به أحكام الشريعة، ولو شاء لبينها قولًا، ولكن الفعل كما بيناه أقوى في البيان وأشد تسلية الناس في هذا الموضع، وإلى هذا المعنى أشار، ﷺ ، بقوله. "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسُونَ" (٤) تتميم: قال مالك، ﵁، ما يفعل من يسلم من ركعتين ساهياً (٥)، وكانت الفائدة في تنبيهه على هذه الترجمة أن الحالة في زمان النبي، ﷺ ، احتملت أمرين:

стр. 252

أحدهما: نسيانه ﷺ . والثاني: قصر الصلاة. فأما اليوم فقد سقط أحد الاحتمالين وهو القصر وبقي النسيان، فإذا فعل ذلك الإِمام سبّح به القوم رجاء أن يتذكر لقوله ﷺ : "مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ" (١)، فإنه إذا سبّح التفت إليه، فإن لم يفقه عنه فليصرح له بالكلام فإن الكلام في مصلحة الصلاة جائز إذا احتيج إليه، كما فعل أصحاب النبيّ ﷺ (٢). فإن قيل: إنما تكلم أصحاب النبي، ﷺ ، بقدر التقصير وقد زال ذلك العذر اليوم فلا وجه للكلام. قلنا: هذا باطل لأنهم قد تكلموا بعد أن أخبر النبي، ﷺ ، أن الصلاة لم تُقصر، وقد استوفينا القول مع المخالفين (٣) في مسائل الخلاف.

стр. 253

كتاب الجمعة الجمعة خصيصة فضَّل الله تعالى بها هذه الأمة على سائر الأمم. قال النبي، ﷺ : "نَحْنُ الآخِرونَ السَّابِقونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهمْ أوتوأ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا الله لَهُ وَالْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصارى بَعْدَ غَدٍ". رواه مالك وغيره. ومعنى قوله بأيد يريد بقوة على أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (١). وروي بِيد أنهم، فإذا كان المروي بأيد فمعناه نحن السابقون بقوة أتانا الله إياها وفضلنا بها، وإذا كان المروي بَيْد (٢) فهو استثناء بمعنى غير أنهم سبقونا بإيتاء الكتاب وسبقناهم بالقبول فقالوا سمعنا وعصينا. وقلنا سمِعنا وأطعْنا وأدبروا وأقبلنا وقد بيّن ذلك النبيّ، ﷺ ، في حديث ابن عمر وأبي موسى واللفظ لأبي موسى ﵁ قال النبي ﷺ : "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ كمثل رَجُلٍ اسْتَأجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ

стр. 254

يَعْملُ لِي الْلَّيْلِ فَعَملَتِ الْيَهُودُ إِلَى الظُّهْرِ فَعَجَزُوا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْملُ لِي إِلَى الْلَّيْلِ فَعَملَتِ النَصارَى إِلَى الْعَصْرِ فَعَجَزُوا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْملُ لي إِلى الْليْلِ "وفي رواية" إِلَى مَغْرِبَانِ الشَّمْسِ فَعَملْنَا فَأُعْطُوا قِيَراطًا وَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ (وفي رواية) اسْتَكْمَلْنَا أجرَ الْفَرِيضتين فَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارَى مَا بَالَنَا أكثَرُ عَمَلًا وَأقَلُّ أجْرًا قَالَ الله تَعَالَى هَلْ ظُلِمْتُمْ مِن حَقِّكُم شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَذلِكَ فَضْلِي أوتيه مَنْ أشَاءُ" (١). وروى أنس بن مالك، ﵁، قال النبي ﷺ : "جَاءَنِي جِبْرِيلُ بِمِرْآةٍ في يَدِهِ فيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ مَا هذَا يَا جِبْرِيلُ فَقَالَ هِي الْجُمُعَةُ التِي أَعْطَاكَ الله، قُلْتُ مَا هذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ الَّتِي فيهَا قَال هِيَ السَّاعَةُ". وثبت من حديث أبي هُرَيْرَة، ﵁، أن النبي، ﷺ ، قال: "خَيْرُ يَوْمٍ طلُعَت عَلَيْهِ الشَّمسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ... (٢) " الحديث إلى آخره .. وهو وإن كان آخر الأيام خلقاً فإنه أفضلها وقتًا خص به أفضل الأنبياء قدرًا وأعلى الأمم مكانًا وفضائلها مفسرة في الحديث، التي منها خلق آدم ووجه الفضيلة فيه انبعاث الخيرات منه من النبوة والعبادة والقيام بحق الإلهية. فإن قيل: وقد صدر عن ذريته ما صدر من المعاصي وهي أكثر. قلنا: لحظة من

стр. 255

التوحيد خير من الدهر كله معصية، وكلمة من الإِيمان أفضل من كفر الخلق بأجمعهم ومن فضائله وجود التوبة فيه وقيام الساعة وهي المقصود الأعظم والغاية المطلوبة، وإصاخة (١) البهائم تنتظر قيام الساعة وإنما يخلق الله تعالى لها ذعرًا واستشعارًا في ذلك اليوم دون غيره من الأيام تنبيهًا على شرفه وفيه الساعة المستجابة. وقد اختلف الناس فيها فمنهم من قال هي مخفية الوقت دي جملة اليوم كإخفاء ليلة القدر في جملة العام أو الشهر (٢). وقد كان في المسجد الأقصى بعض المريدين يعتكف يوم الجمعة من صلاة الصبح إلى الضحى، وفي الجمعة الثانية من الضحى إلى الظهر، وفي الجمعة الثالثة من الظهر إلى العصر، وفي الجمعة الرابعة من العصر إلى المغرب فاستحسنت ذلك بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري فقال لي: ومن أين تعلم أنها تحصل له ولعلها تنتقل انتقال ليلة القدر؟ ومنهم من قال: هي حين جلوس الإِمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة (٣)، ومنهم من قال: هي من العصر إلى غروب الشمس وهي الساعة التي تيب فيها على آدم على ما روي

стр. 256

في الإسرائيليات (١)، والصحيح أنها من حين خروج الإِمام إلى انقضاء (٢) الصلاة، كذلك ثبت عن النبي ﷺ . وهي واجبة على الأعيان، والعجب ممن يقول إنها فرض على الكفاية والنبي ﷺ يقول: "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ طَبَعَ الله عَلَى قَلْبِهِ بِالنِّفَاقِ" (٣) والله تعالى يقول: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٤) الآية. وهذه الآية متناولة لكل أحد ومن حديث حفصة الثابت

стр. 257

عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "الرَّواحُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (١)، وظاهر القرآن يقتضي ألا يأتي إليها إلا من سمع النداء دون من لم يسمعه، ولذلك قال علماؤنا البغداديون أن الحد الذي يجب القصد إليها منه فرسخ؛ لأنه إذا كان المؤذن صيِّتًا والموضع مرتفعًا والأصوات هادئة فإنه يسمع من فرسخ (٢). وفي الحديث الصحيح أن أهل العوالي كانوا يأتون الجمعة (٣)، وهو نوع من الحد الذي قدمناه. وروي عن النبي، ﷺ "أَنَّهُ أَمَرَ أَهْلَ قبَاءَ بِإِتْيَانِ الْجُمُعَةِ" (٤) وهو نوع من التقدير أيضًا

стр. 258

ولم يأمر سواهم، فصار ذلك كله أصلًا في الحد المذكور يعوَّل عليه وُينتهى إليه. وروى أبو سعيد الخدري عن النبيّ، ﷺ : "أَنَّهُ قَالَ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" (١). وقال ﷺ : "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمًا" (٢) فاغترت بهذه الألفاظ طائفة مقصّرة وظنوا أن الغسل يوم الجمعة فريضة بظاهر هذه الأحاديث وليس كذلك إنما هو سنة مؤكدة قال أشهب: (قلت لمالك: غسل يوم الجمعة واجب قال: ليس كل ما جاء في الحديث يكون هكذا) (٣)، وهذا كلام مجمل بديع على عادة السلف؛ إذ كانوا يُجملون الأقوال ولا يبسطونها، والدليل على سقوطه من خمسة أوجه. الأول. قال لنا شيخنا الفهري (٤) قال لنا قاضي القضاة الدامغاني (٥) قال لنا أبو

стр. 259

الحسين القدوري (١)، رئيس الحنفية في وقته، قول النبي، ﷺ : "غُسْل يَومِ الْجُمُعَةِ وَاجِبُ عَلَى كُلِّ محْتَلِمٍ" يعني ساقطًا، فيحتمل أن يكون يسقط سقوط الفرائض ويحتمل أن يسقط سقوط السنن فلا يكون له في الحديث متعلق (٢). الوجه الثاني: روى النسائي وأبو داود عن النبي، ﷺ . "أَنَّهُ قَالَ. مَنْ تَوَضَّأَ يومَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فبهَا وَنَعُمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضل" (٣) وهذا نص. الوجه الثالث: روى مسلم عن أبي هرَيْرَةَ عن النبيّ، ﷺ ، قال: "مَن تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغِ غُفِر له" (٤) وهذا نص آخر.

стр. 260

الوجه الرابع: حديث الموطأ "أنَّ رَجُلًا (١) دَخَلَ عَلَى عُمَرَ، ﵁، فَقَالَ لَهُ مَا زِدْتُ عَلَى أَنْ توَضَّأْتُ" (٢) الحديث إلى آخره. وجه التعلق منه أن عمر والصحابة بأجمعهم أعلموا ذلك الرجل بتأكيد الغسل وأقروه على تركه، ولو كان فرضاً ما سامحوه لأن القوم كانوا أجلّ من أن يقرّوا على منكر. الوجه الخامس: أن أمر النبيّ، ﷺ ، بالغسل إنما كان لسبب، روت عائشة في الصحيح "أَنّ النَّاسَ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْجُمُعَةَ مِنَ الْعَوَالِي وَغَيْرِهَا، وَكَانُوا عُمُّالَ أنفُسِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ وَكَانُوا يَلْبِسُونَ الصُّوفَ فَيَظْهَرُ مِنْهُمْ رِيحُ الضَّأنِ، زاد النسائي: وَكَانَ يَكُونُ عَلَيْهِمِ الْوَسَخُ فَتَخْرُجُ رَوَائِحُهُمْ فَيَتَأَذَّى بِهَا النَّاسُ، فَأمَرَ النَّبِيُّ، ﷺ ، بِالْغُسْلِ (٣) " فَبيّنت رضوان الله عليها، سبب الغسل وأوضحت علته، فارتبط الغسل بها، والفرائض المطلقة لا تتعلق بالعلل العارضة؛ ولذلك قال بعض علمائنا، رحمة الله عليهم: لو اغتسل للجمعة بماء الورد لجاز لحصول المقصود فيه وذهاب العلة المقتضية للاغتسال به. عطف: ذكر علماؤنا أن الجمعة تجب على المكلفين بشروط ويلزمهم أداؤها بأخر. فأما شروط الوجوب فسبعة: العقل، والذكورية، والحرية، والبلوغ، والقدرة، والإقامة في القرية.

стр. 261

فأما العقل فلا خلاف فيه لأن عديم العقل لا يخاطب بشيء، حسب ما قررناه في الأصول (١)، وليس في رفع الخطاب عنهم حديث صحيح (٢)؛ وإنما يعول فيه على الإجماع، وكذلك البلوغ لا خلاف فيه أيضًا، وهو منوط بالأول لأن الصبي عديم العقل ولا يزال يتدرج في المعرفة حالًا بعد حال حتى يكمل له ويتدارك بعضه ببعض، وليس ذلك مما يدركه الخلق فنصب الله تعالى عليه علامته وهو الاحتلام للغلام والحيض للجارية، فإن عدمها فالسن، وليس في تقديره حديث يعوّل عليه والأصل هو القياس يرجع إليه، إلا أنه روي في الحد حديثان صحيحان يرجع إليهما. أما أحدهما: فإن النبيّ، ﷺ (أجاز في الغزو ابن خمس عشرة سنة ورد من دونه) (٣). وأما الثاني: فحكمه في بني قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسي (٤).

стр. 262

ويعترض على الحديث الأول عند علمائنا أن مالكاً، ﵁، يرى السهم للصبي إذا طاق القتال وإن لم يبلغ (١)، ويعترض على الثاني عندهم أن ذلك حكم مخصوص ببني قريظة، وقيل بالكفار وهذا كله تعلق بالمعنى. والحديثان أصلان فليعول عليهما وعلى الرواية التي توافقهما وليطرح ما سواهما. وأما الذكورية فلأن الأنوثة نقصان يخل بالعقل، حسب ما نص الله تعالى عليه (٢)، وتوجب الحجاب وتمنع من الخلط بالجماعة، فلا ينتظم منهن عصبة ولا تنعقد منهن جماعة في جمعة، بل إن الله تعالى أذن لهنّ في الجماعة على معنى التبعية للرجال رحمة لهن وتوسعة في الأجر عليهن. دخلت نابُلُس (٣) وهي قرية المنجنيق (٤) لإبراهيم، ﵇، فما رأيت أحسن منها، سكنتها مدة وترددت عليها مراراً فما وقعت فيها عيني على امرأة نهاراً حتى إذا كان يوم الجمعة امتلأ المسجد بهن، ثم لا تقع عين عليهن إلى الجمعة الأخرى. وأما الحرية: فإنها شرط في وجوبها لأن العبد مستغرق بخدمة سيده استغراقاً حجبه عن الشهادات وتحمّلها والحج وآدابه والجمعة والسعي إليها، وليس في ذلك أثر صحيح، والمعوّل في ذلك على الإجماع السابق للخلاف، وقد كان السلف يتناوبون الجمعة أحراراً وما ألزموها قط عبيدهم؛ فإن حضرها العبد والمرأة كانا من أهلها، ولا تجوز إمامة العبد فيها ولا يلتفت إلى رواية جوازها فإنها لم تتعين في ذمته وجوباً فكيف يحتملها

стр. 263

ويضمنها عن غيره إماماً (١). وأما القدرة: فلا خلاف فيها بين الأمة لأن التكليف إنما يناط بالقادر، والاقدرة قد تنتفي عن الإنسان بمعنى يكون فيه كالتقية (٢) والمرض والسجن أو بمعنى في غيره كالتمريض للقريب أو الغريب وما يشبهه (٣). وأما الإقامة: فلا خلاف فيها لأن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة والصيام، فكيف يكلفه عبادة من شرطها الخطبة (٤) والإمام؟ وأما القرية: فلا خلاف فيها أيضاً، وإنما هي مرتبطة بالشرط السابق من الإقامة وليس لها حد مقدر، ولا يوجد عليه في الشريعة دليل، بيد أن العلماء قالوا في ذلك قولًا صحيحاً. قالوا إذا لزمت الجماعة موضعاً يمكنهم فيه الاستيطان ويستغنون عن غيرهم فقد وجد الأمر كما يجب.

стр. 264

وأما شروط الأداء فهي الإسلام لأن العبادة لا تصح من كافر، وقد فصل بعض علمائنا فجعل الإِسلام من شروط الوجوب، ولا خلاف في مذهب مالك، ﵀، من جميع رواياته، ولا عند أصحابه في أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولا توجد أبداً لواحد منهم رواية تخالف هذا الأصل فالفتوى (١) ذلك واعرفوه. ولها في الأداء شروط الصلاة المطلقة من الطهارة والستر والاستقبال. ومن شروطها الخطبة المعددة المفصولة بجلوس (٢)، ومن شروطها الإِمام ولسنا نعني به الأمير وإنما نريد به من يقيمها (٣). وقد قال في ذلك مالك، ﵁، كلمة لا يخرج مثلها إلا من مشكاة فصاحة النبوة "إنَّ للِّه تَعَالَى فَرَائِضَ في أَرْضِهِ لَا يُضَيُّعَهَا إِنْ وَليَهَا وَالٍ أوْ لَمْ يَلِهَا" (٤). والبحر الذي استمد منه مالك هذا الكلام العذب هو إقامة الصحابة لصلاة الجمعة وعثمان، ﵁، محصور واجماع عثمان معهم على ذلك بقوله وقد سئل (إِنه يُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ فَقَالَ الصَّلاَةُ أَحْسَنُ مَا يَفْعَلُ النَّاسُ فَإِنْ أحْسَنُوا فَاحْسِنُ مَعَهُمْ وَإِنْ أسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) (٥). قال علماؤنا: ومن شروط أدائها المسجد المسقف وما علمت لهذا

стр. 265

وجهاً في الشريعة إلى الآن. ومن شروطها العدد من أربعين إلى عشرة وليس في ذلك أصل إلا حديثان. أحد الحديثين: إقامة أسعد لها في هزم النبيت موضع عند حرّة بني بياضة - وهم أربعون (١) رجلًا، وهذا ليس فيه حجة لأنه لم يرضه أصحاب الصحيح لأجل سنده، ولا فيه أيضاً أن العدد شرط ولعله كان اتفاقاً. وأما الحديث الثاني. ثبتَ في الصحيح أن النبيّ، ﷺ "كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ إِلا اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا فَلَمْ يَقْطَع خُطْبَتَهُ وَلَا تَرَكَ صَلاَتَهُ" (٢) وعاتبهم الله تعالى على ذلك فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، إلى قوله ﴿الرَّازِقِينَ﴾ (٣). وقد رتب علماؤنا على هذه النازلة فرعاً غريباً فقالوا: يجب إتمام الجمعة باثني عشر رجلًا ولكنها لا تنعقد إلا بأكثر منهم، رواه أشهب وغيره. والصحيح أن كل ما جاز إتمامها به كان انعقادها عليه، كما أنه لا إشكال في ضعف قول من قال إن الجمعة تنعقد باثنين (٤) لأن

стр. 266

قائدتها لا توجد في ذلك، وكل صورة تذهب بفائدة الحكم والعبادة لا حكم لها. وللجمعة آداب تشترك مع غيرها فيها وتنفرد بها. فمما تنفرد به تجديد البزة وتحسين الشارة، وقال ﷺ : "مَا عَلَى أحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ" (١) وتباع ثياب الجمعة في الدّين لأن الفرض مقدم على السنة وصلاته، وهو فارغ الذمة عن الدين، أحب إليه من صلاته وهو مشغول الذمة به. ومن خصائِصها الطِّيب (٢) للعلة التي قدمنا آنفاً، فإن الناس كما يتضرَّرون برائحة الوسخ ينتفعون بنفح الطيب. ومن أغرب آدابها ما ذكره بعض علمائنا قال: من آداب الجمعة أن يطأ زوجته ذلك اليوم لما روي في الأثر عن النبيّ، ﷺ ، أنه قال: (مَنْ غَسَلَ واغْتَسَلَ وَبَكرَ وَابْتَكَرَ ثُمَّ رَاحَ

стр. 267

إِلَى الْجُمُعَةِ) (١) الحديث. واختلفت الرواية في ضبط هذا الحديث؛ فمنهم من رواه غسل وبكر بتشديد العين فيهما، ومنهم من رواه بتخفيفه فيهما، ثم اختلفوا في تأويله؛ فمنهم من قال: إن التخفيف والتشديد إنما هو للتعدية وذلك لا يكون إلا بوطئ الزوجة. ومنهم من قال: إن معناه غسل رأسه واغتسل في سائر جسده. ومنهم من قال التشديد إشارة إلى المبالغة في النظافة فإن صبّ الماء المطلق ما لم يقع (٢) معه محاولة لم يذهب بالدرن، وهذه الاحتمالات تذهب بوطء الأهل على أن ما قالوه من لزوم التعدية بلفظ التشديد صحيح في اللغة إذا صح به الضبط لكن الحديث لم يصح ولا ضبط على أن التعدية قد تكون بإذن لعبده أو لإمرأته في حضور الجمعة، فإذ أتوها توجه عليهم ندب الغسل لقوله ﷺ في الصحيح: "إِذَ أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (٣) فسقط هذا الأدب عنها وبقي سائرها. تنبيه على وهم: زعم عطاء أن من فاتته الخطبة فقد فاتته الصلاة (٤)، وهذه وهلة لأن النبي، ﷺ ،

стр. 268

يقول: "مَنْ أَدرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ" (١)، فهبك أن الخطبة بدل من ركعتين أليس بإدراك ركعة من الظهر يكون مدركاً لأربع فأولى وأحرى بأن يكون بركعة من الجمعة مدركاً لها. فإن قيل إذا أدرك ركعة من الظهر جاء بالثلاث فيصح إدراكه بخلاف ما إذا أدرك ركعة من الجمعة، فإنه إنما يأتي بواحدة وتفوته الخطبة قلنا الجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: روى النسائي أن النبي، ﷺ ، قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدرَكَ الْجُمُعَةَ" (٢). الثاني: أن الخطبة فرض على الإِمام والمأموم، ففرض الإِمام منها القول، وفرض المأموم الاستماع فمن لم يسمع لم يتوجه عليه فرض، وكذلك قال بعض علمائنا إن من كان من الجمعة في موضع لا يسمع فيه الإِمام لم يلزمه فيه (٣) الإنصات، وان كان مندوباً إليه، لقول عثمان ﵁: "فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الّذِي لَا يَسْمَعُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَا لِلْمُنْصِتِ السَّامِعَ" (٤). الثالث: إنا لا نسلم أن الخطبة عوض عن الركعتين، وكيف تكون عوضاً عنهما وهي ليست من جنسهما. نعم، وقد قال علماؤنا: ولا تفتقر إلى الطهارة وليس لها مقدار محدد بخلاف الركعتين في ذلك كله، وهذا يبطل دعوى العوضية فيها والأمر أظهر من هذا الإطناب. تتميم: إن ترك رجل الجمعة متعمداً فقد أذنب ذنباً عظيماً، وحرم نفسه أجرًا كريماً على القول بأنها فرض على الأعيان، كما قدمناه، ولذلك كفّارة قدّرها النبي ﷺ . روى

стр. 269

"سمرة بن جندب" عن النبي، ﷺ ، إنه قال: "مَنْ تَرَكَ الجُمُعَةَ مِنْ غيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَّدقْ بِدِينَارٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصفُ دِينَارٍ" (١)، رويناه من طرق عديدة إحداها ما خرّجه الشعبي، والله أعلم.

стр. 270

باب الترغيب في صلاة رمضان روي عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: "إِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الله تَعَالَى وَإِنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَال شَهْرَ رَمَضانَ الْمرَادَ (١) بِذَلِكَ شَهْرُ الله" (٢)، وهذا ضعيف سندًا ومعنى، أما طريقه فلم يصحّ، وأما معناه فساقط لقول النبي ﷺ : "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ" (٣) وقوله: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ" (٤) وهذا يدل على أنه اسم من أسماء الشهر، وقد كانت العرب تسميه في الجاهلية، قبل أن يأتي الشرع بأسماء الله وصفاته وهذا بيِّنٌ في بابه. وشهر رمضان مرغَّب فيه على الجملة والتفصيل، ولفضله أنزل الله تعالى القرآن جملة فيه إلى

стр. 271

السماء الدنيا (١)، ثم نزل منجَّمًا بعد ذلك مرة إثر أخرى حتى استوفاه الله تعالى. فلما استوفاه استأثر الله برسول ورفعه إليه إلى الرفيق الأعلى، وقال النبي ﷺ : "مَنْ قَامَ رَمضانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢)، يريد بقوله: (إِيمَانًا) أن فرضه من عند الله، وأن عبادته فيه إنما هي لله تعالى إذ الأعمال كلها تحتمل أن تكون لله ولغيره، ولا عبرة بها إلا أن تكون لله على نية امتثال أمره والتقرّب إليه كمن توضأ تبرُّدًا لا يعتد به عبادة، وكذلك من صام إجمامًا لمعدته لا يعد عبادة، ولذلك قال علماء الحقائق أن الرجل إذا قال أصوم غدًا يقصد بذلك التطبب إنه لا يجزيه (٣) وكذلك لو قصد بالصلاة رياضة أعضائه لم يجز أيضًا حتى ينوي بذلك الخدمة لمن تجب له القربة. وأما قوله: "احتسابًا" فمذهب المنقطعين إلى الله تعالى أن معناه يصومه لامتثال الأمر لا لطلب الأجر، ومن مذهبهم أن الإخلاص في العبادات إنما يكون بأن يطيع الرجل ربه محبه فيه لا يستجلب بذلك جنة ولا يدفع بذلك نارًا (٤)، ويروي في ذلك عن عمر بن

стр. 272

الخطاب، ﵁: "أَنُّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا نَظَرَ إِلَى صُهَيْبٍ: نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ الله لَمْ يَعْصِهِ" (١) وآثارًا في ذلك سواه وأنكر ذلك الفقهاء وقالوا: إنه لولا رجاء الجنة وخوف النار ما عبد الله تعالى أحدٌ، وهو الصحيح عندي؛ لأن العبادة حظ النفس وخالصة منفعتها لا يبالي الباري عنها إذ العبادة وتركها بالإضافة إلى جلاله واحدة (٢)، ولكنه بحكمته البالغة ومشيئته النافذة جعل الدنيا دار عمل وجعل الآخرة دار جزاء، وقد صرح النبي، ﷺ ، بذلك في الحديث المتقدم: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ" الحديث إلى آخره، فصرح أنها أجرة، ويكون معنى قوله احتسابًا أنه يعتد الأجرة عند الله مدخرة إلى الآخرة لا يريد أن يستعجل شيئًا منها في الدنيا؛ لأن ما يفتح الله تعالى على العبد في الدنيا من أمل وناله فيها من لذة محسوب من أجره، محاسب

стр. 273

يوم القيامة به، فعلى العبد أن ينفي ذلك عن قلبه وأن ينوي بعمله الدار الآخرة خاصة بأن يسَّر الله تعالى له في هذه الدار أملًا فذلك فضله يؤتيه من يشاء، ولما استنكر عمر بن الخطاب، ﵁، على رسول الله ﷺ ، أن ينام على سرير منسوج بالحبال ليس بينها وبين جنبه حجاب حتى أثرت في جنبه فقال له: "أَوَ في شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابَ أُولَئِكَ قُوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتهِمْ في حَيَاتِهِمْ" (١) ورأى عمر بن الخطاب، ﵁، جابرَ (٢) بن عبد لله وقد اشترى لحمًا (٣) بدرهم فقال أما تخاف قول الله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٤). وأما قوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" فعلى نحو ما سبق بيانه من تنزيل الصغائر مع الكبائر في باب الموازنة والإسقاط للحبط، ومن معظم فضائله قوله ﷺ : "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتَحَتْ أَبْوَابُ الْجَنةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفّدَتِ الْشَياطِينُ وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِي الخَيْرِ هَلُمَّ وَيَا بَاغِي الشَّرِ أقْصِرْ (٥).

стр. 274

وقوله: (صُفِّدَت آلشَّيَاطِينُ) يحتمل الحقيقة بأن تغلّ بالحديد، ويحتمل المجاز ويكون عبارة عن كفها عن الاسترسال على الخلق، كما كانت تسترسل على الخلق قبل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (١) عبارة عن الكف عن العطاء والحقيقة عندي أولى فإنها أبلغ في الهوان للشيطان. فإن قيل فنحن نرى المعاصي تجري في رمضان كما كانت تجري قبله فأين التصفيد أو فائدته؟ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنا نقول قد روي في الحديث: "وَصُفِّدَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ" فيحتمل أن يريد به أهل الخبث والدهاء منهم يصفدون فيذهب جزء من الشر كبير بهم ونحن نشاهد قلّة المعاصي في رمضان فلا يجوز إنكار ذلك. الثاني: أن يكون معناه في تصفيد الشياطين كلهم عن الاستطالة بأبدانهم ويبقى تسليطهم بالوسوسة والدعاء إلى الشهوات والتنبيه على المعاصي وللشيطان على الإنسان استطالتان: إحداهما: على يديه بالقتل والضرب كما قتلوا سعد بن عبادة (٢)، وكما قتلوا

стр. 275

الأنصاري الذي دخل على أهله من الخندق وكان حديث عهد بعرس (١). الثانية: استطالته على قلبه بالوسوسة فإذا جاء رمضان صُفِّدوا عن الاستطالة البدنية وبقي الاسترسال على وسوسة القلب، وكذلك قوله أيضًا (فتحت أبوابها) يعني الجنة (وغلقت أبواب النار) يحتمل الحقيقة بأن يفعل ذلك فيهما، ويحتمل المجاز بأن يكون ذلك عبارة عن تيسير سبل الطاعة التي هي أبواب إلى الجنة وتعذير سبل المعاصي التي هي أبواب النار. ويجوز أن تجتمع الحقيقة والمجاز في هذه الأوجه كلها فتكون مرادة بالحديث موجودة فيه لكن لم يرد من الشرع تعيين في ذلك كله. وأكثر ما يتضاعف الفضل ويكثر الترغيب فيه في العشر الأواخر فقد كان رسول الله، ﷺ ، إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر (٢)، يعني بقوله شد المئزر أمسك عن النساء وأقبل على (٣) الله. فن أصولي: قال في الحديث الذي صدر به مالك (٤)، ﵁، باب الترغيب أن النبي، ﷺ ، والناس صلّوا ليالي ثم ترك النبي، ﷺ ، الصلاة واعتذر إليهم بأني خشيت أن تفرض عليكم (٥)، وذلك أنه سأل لأمته ليلة الإسراء التخفيف والحطّ من

стр. 276

خمسين صلاة إلى خمس (١)، فلو أجمعوا على هذه الصلاة لجاز أن يقال له سألت التخفيف عنهم فخففنا فتراهم قد التزموا من قبل أنفسهم زائدًا على ذلك فيلزمهم. وكان النبي، ﷺ ، بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، وهذا يدلك على فضل الجماعة وعظيم موقعها في الدين؛ لأن كل أحد كان يصلي في بيته ليلًا ولم يخفِ النبي، ﷺ ، بوجه الفرضيّة بذلك وإنما خافها عند الاجتماع عليها فتركها رسول الله، ﷺ ، مدته وأبو بكر، ﵁، خلافته لاشتغاله بتأسيس القواعد وربط المعاقد وبنيان الدعائم وتحصين الحوزة وسد الثغور بأهل النجدة، ثم جاء عُمر ﵁، والأمور منتظمة والقلوب لعبادة الله تعالى فارغة والنفوس إلى الطاعات صبة (٢) فلما رآهم في المسجد أوزاعًا (٣) رأى أن ينظّم شملهم بإمام واحد أفضل دينًا، وأكثر انتفاعًا فجمعهم على أبي (٤) اقتداء برسول الله، ﷺ ، في لياليه الثلاث، التي صلى فيها، ولعلمه بأن العلة التي ترك النبي، ﷺ ، الصلاة لها من خوف

стр. 277

الفريضة قد زال فصار قيام رمضان سنَّة للاقتداء بالنبي، ﷺ ، بعد زوال العلة التي تركه لأجلها وصار بدعة لأنه لم يكن مفعولًا فيما سلف من الأزمنة، ونعمت البدعة سنَّة أُحييت وطاعة فُعلت، وهذا يدل على أن الحكم إذا ثبت لعلة واحدة وجد بوجودها وعدم بعدمها. قال لنا فخر الإِسلام أبو بكر الشاشي، بمدينة الإِسلام (١) في الدرس إذا ثبت الحكم في الشريعة بعلة وجد بوجودها وعدم بعدمها ما لم تثر العلة لفظا مطلقا، فإن أثارت لفظا مطلقًا تعلَّق الحكم به ولا ينظر إلى العلة وجدت أو عدمت. مثاله ما روي أن النبي، ﷺ ، إنما سعى في الطواف لإظهار الجلد للمشركين (٢)، وقد زالت العلة لكن بقي قوله لأصحابه اسعوا (٣)، وسعيه ﷺ في حجة الوداع (٤) والعلة قد

стр. 278

زالت فتعلق الحكم بذلك وسقط اعتبار العلة. تقدير: ليس لصلاة رمضان ولا غيرها تعديد، إنما التعديد والتقدير للفرائض وإنما هو قيام الليل كله إلى طلوع الفجر لمن استطاع أو بعضه على قدر ما تنتهي إليه قدرته (١)، ومن الناس من يصلّي في القيام تسعا وثلاثين ركعة (٢) يختص الإِمام منها باثني عشرة ركعة (٣). والتقدير الشرعي ثلاث كعدد الوتر أو إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة أو خمس عشرة ركعة (٤)، عدد ركعات الصلوات الفرضية (٥) في العدد الآخر منها فأما غير ذلك من الأعداد فلا يحصل في تقدير ولا ينتظم بدليل والله أعلم.

стр. 279

باب صلاة الليل إن الله لو شاء لسوَّى بين الأزمنة والأمكنة في الفضل ولكنه ببالغ حكمته وواسع رحمته جعل لبعضها مزية على بعض في الأجر، وخصّ كل واحد منها بعمل من الطاعة، وإلى هذا أشار الصدّيق، ﵁، بقوله: "إِنَّ لله عَمَلًا بِالْلَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ بِالنَّهَارِ وَعَمَلًا بِالنَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِالْلَّيْلِ" (١). فالأول: كالمغرب والعشاء والصبح والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة والبيتوتة ليالي مني لغير أصحاب السقاية. والثاني: كالظهر والعصر والصوم والضحية. والليلِ خلق من خلق الله تعالى عظيم جعله الله، ، سكنًا ولباسًا كما جعل النهار مسرحًا ومعاشًا (٢)، ولكل واحد منهما حظه، وقد أمر النبي، ﷺ ، بقيامه قيل له ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (٣) والآية مشكلة وقد جرى الكلام عليها في موضعها من كتاب الأحكام (٤). وفائدتها أن الله تعالى أمر رسوله، ﷺ بقيام الليل وحدَّ له ما بين الثلث إلى النصف لا يزيد على النصف ولا ينقص من الثلث، وقالت عائشة، ﵂، "كَانَ قِيَامُ الْليْلِ فَرِيضَةً ثُمَّ نَسَخَهُ الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ " (٥)؛ يعني بالصلوات. وخص الله الليل بأن جعله موضعًا لإجابة الدعاء، فقال ﷺ : "جَوْفُ اللَّيْلِ أسْمَعُ" (٦)

стр. 280

فأضاف السماع إليه وهو القبول كقول العرب (ليل نائم) (١)، وخص الله تعالى آخر الليل بالإجابة أكثر من أوله فقال ﷺ : "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ" (٢) وروي: "إِذَا انْتَصَفَ الْلَّيْلُ (٣) فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَهُ" وهذه الخصيصة لم تجعل للنهار وإن كان محلًا للإجابة أيضًا، ولكن نبَّه على هذا لما فيه من سعة الرحمة بمضاعفة الأجر وتعجيل الإجابة، وقد ذهب قوم إلى أن قيام الليل (٤) واجب، .........................

стр. 281

وربما مال إليها البخاري (١) ونزع من ذهب إلى ذلك بقول النبي ﷺ : "يَعْقُدُ الشَيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكمْ" (٢) الحديث إلى قوله كَسْلاَن وهذا لا يصح؛ لأن عائشة، ﵂، قد صرحت في الصحيح أن قيام الليل منسوخ، ومحمل هذا الحديث بعد ذلك على الصلاة المفروضة وهي الصبح، وأيّ عقدة للشيطان لا تحلها صلاة الفجر والعبد بأدائها قد صار في ذمة الله تعالى حسب ما ورد في الحديث (٣). تتميم: ورد فيما قدمناه من الأحاديث ألفاظ من المشكل رأينا أن نعطف عليها العنان بالإشارة إلى البيان حتى لا يمر القلب بها عليلًا أو يكون ما يراه منها عنده مجهولًا. قوله: يَنَزِلُ رَبُّنَا: هذا الحديث أمّ في الأحاديث المتشابهة، وقد ذهب كثير من العلماء، وخاصة من السلف، إلى أن يؤمن يها ولا يخوض في تأويلها؛ وقد رأى شيخ القراء (٤) الوقوف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ (٥) ويتبدىء بقوله: والراسخون

стр. 282

في العلم وهو اختيار إمام الأمة مالك بن أنس، ﵁، وهو بشهادة الله الحق، ولو ترك الغطاء لما تكلف سير (١) الليل ولا تعاطى، وقد تكلم الناس عليها فرأينا أن نخلص من ذلك التأويل ما يقوم عليه الدليل، وعلى هذا الركن عوَّلنا في تأليف كتاب المشكلين وإليه أسندناه. فأما مالك، ﵁، فقد بدّع السائِل عن أمثاله وصرف (٢) عن أشكاله ووقف عند الإيمان به (٣) وهو لنا أفضل قدوة (٤). وأما الأوزاعي (٥) (وهو إمام عظيم) فنزع بالتأويل حين قال: وقد سئل عن قول النبي، ﷺ : (يَنْزلُ رَبَّنا فَقَالَ يَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ) (٦) ففتح بابًا من المعرفة عظيمًا ونهج إلى التأويل صراطًا مستقيمًا (٧).

стр. 283

شريعة: إن الله سبحانه منزَّه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان، كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيّزًا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء ولا يغيب بعلمه عن شيء، متقدس الذات عن الآفات منزّه عن التغيير والاستحالات إله في الأرض إله في السموات. وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل. قال لي شيخ (١) العلماء: لا يمكن لأحد أن يعبر عن جلال الله تعالى وكماله إلا بهذه الألفاظ الناقصة التي يعبر بها عنا، فإذا سمعت العبارة عن الله تعالى فيجب عليك الإيمان بمعناها، ثم تعلم أنه ليس له مثل في ذلك لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) وهو كلام بديع, ولسعة اللغة في العبارة بالحقيقة والمجاز والحذف والزيادة والتطويل والاختصار يتمكن العالِم بالله تعالى من العبارة عنه والتنزيه به والعلم به عندنا إلى قوله: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا". قلنا: صدق ربنا وصدق نبينا والنزول في اللغة في الحقيقة حركة والحركة لا تجوز على الله ، فلم يبق إلا العدول عن حقيقة النزول إلى مجازه وهو النزول بالمعاني، فإن النزول من علو الامتناع إلى علو القبول نزول معنوي كما أن النزول من علو الفوقية إلى سفل المكان نزول حسّيّ وفي الحديث و"أَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى زَوْجَتَيّ" (٣) فإنها كانت تحت سلطان نكاحه، وتحت حجره ومنعه فإذا قال لها أنت طالق فقد ارتفع ذلك كله ولكون من أقسام المجاز التعجير عن الشيء بفائدته وثمرته، ويكون ذلك عبارة عن كثرة ما يفيض من الرحمة وينشر على الخلق منها ويوسعهم من عطائه على جميع المعاني من إجابة دعوة، وقضاء حاجة، ونيل مغفرة مما كان قبل ذلك ممتنعًا عليهم كامتناع ما يكون في العلو من فوقهم، وإلى هذا أشار الأوزاعي بقوله: (يَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ)، فجعله من صفات الفعل لا من صفات الذات وهذا فصل بالغ فاتخذوه دستورًا واشرعوه في سائر المشكلات سبيلًا (٤).

стр. 284

وأما قوله: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ) فإنه عبارة عن ثقل النوم، ونسب ذلك إلى الشيطان حين كان آفة، كما نسبه إلى نفسه تعالى حين كان آية في قوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (١). وعلى نحو هذا ورد في الحديث "أَنَّ رَجُلًا نَامَ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: إلِكَ رَجُلٌ بَالَ الشيْطَانُ في أُذُنِهِ" (٢) فضرب البول في الأذن لأنه مفسد لما يحل فيه مثلًا لفساد العبادة على هذا النائم حين تركها (٣)، وذلك

стр. 285

جائز في كلام العرب قال الشاعر: بال سهيل في الفضيخ (١) فَفسد (٢) فنسبه إليه حين اقترن به وإن لم يكن ذلك من فعله، والله أعلم. وعلى هذا النحو جاء قوله ﷺ : "فَإِنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا" (٣)، والله أعلم. والملال صفة نقص مصدرها العجز، وذلك مستحيل على الله تعالى ولكنه أخبر بها عن نفسه استلطافًا بعبده كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٤) فأنزل نفسه منزلة المحتاج وهو الغني وكما قال تعالى: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي وَجِعْتُ فلَمْ تُطْعِمْنِي وَعَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي فَيَقُولُ وَكَيْفَ تَمْرَضُ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ مَرَضَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ وَجَاعَ عَبْدِي فُلَانٌ وَعَطِشَ وَلَوْ أَطْعَمْتَهُ وَسَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ (٥). فكان له تعالى في ذلك فضلان، والله ذو الفضل العظيم. أحدهما: كناية عن المريض والمحتاج بنفسه الكريمة برأيه (٦). والثاني: استلطافه بقلوب عباده ترفيقًا لهم حتى يميلوا إلى الطاعة، وصار هذا في
следующие страницы →