← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وربما مال إليها البخاري (١) ونزع من ذهب إلى ذلك بقول النبي ﷺ : "يَعْقُدُ الشَيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكمْ" (٢) الحديث إلى قوله كَسْلاَن وهذا لا يصح؛ لأن عائشة، ﵂، قد صرحت في الصحيح أن قيام الليل منسوخ، ومحمل هذا الحديث بعد ذلك على الصلاة المفروضة وهي الصبح، وأيّ عقدة للشيطان لا تحلها صلاة الفجر والعبد بأدائها قد صار في ذمة الله تعالى حسب ما ورد في الحديث (٣). تتميم: ورد فيما قدمناه من الأحاديث ألفاظ من المشكل رأينا أن نعطف عليها العنان بالإشارة إلى البيان حتى لا يمر القلب بها عليلًا أو يكون ما يراه منها عنده مجهولًا. قوله: يَنَزِلُ رَبُّنَا: هذا الحديث أمّ في الأحاديث المتشابهة، وقد ذهب كثير من العلماء، وخاصة من السلف، إلى أن يؤمن يها ولا يخوض في تأويلها؛ وقد رأى شيخ القراء (٤) الوقوف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ (٥) ويتبدىء بقوله: والراسخون

стр. 282

في العلم وهو اختيار إمام الأمة مالك بن أنس، ﵁، وهو بشهادة الله الحق، ولو ترك الغطاء لما تكلف سير (١) الليل ولا تعاطى، وقد تكلم الناس عليها فرأينا أن نخلص من ذلك التأويل ما يقوم عليه الدليل، وعلى هذا الركن عوَّلنا في تأليف كتاب المشكلين وإليه أسندناه. فأما مالك، ﵁، فقد بدّع السائِل عن أمثاله وصرف (٢) عن أشكاله ووقف عند الإيمان به (٣) وهو لنا أفضل قدوة (٤). وأما الأوزاعي (٥) (وهو إمام عظيم) فنزع بالتأويل حين قال: وقد سئل عن قول النبي، ﷺ : (يَنْزلُ رَبَّنا فَقَالَ يَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ) (٦) ففتح بابًا من المعرفة عظيمًا ونهج إلى التأويل صراطًا مستقيمًا (٧).

стр. 283

شريعة: إن الله سبحانه منزَّه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان، كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيّزًا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء ولا يغيب بعلمه عن شيء، متقدس الذات عن الآفات منزّه عن التغيير والاستحالات إله في الأرض إله في السموات. وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل. قال لي شيخ (١) العلماء: لا يمكن لأحد أن يعبر عن جلال الله تعالى وكماله إلا بهذه الألفاظ الناقصة التي يعبر بها عنا، فإذا سمعت العبارة عن الله تعالى فيجب عليك الإيمان بمعناها، ثم تعلم أنه ليس له مثل في ذلك لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) وهو كلام بديع, ولسعة اللغة في العبارة بالحقيقة والمجاز والحذف والزيادة والتطويل والاختصار يتمكن العالِم بالله تعالى من العبارة عنه والتنزيه به والعلم به عندنا إلى قوله: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا". قلنا: صدق ربنا وصدق نبينا والنزول في اللغة في الحقيقة حركة والحركة لا تجوز على الله ، فلم يبق إلا العدول عن حقيقة النزول إلى مجازه وهو النزول بالمعاني، فإن النزول من علو الامتناع إلى علو القبول نزول معنوي كما أن النزول من علو الفوقية إلى سفل المكان نزول حسّيّ وفي الحديث و"أَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى زَوْجَتَيّ" (٣) فإنها كانت تحت سلطان نكاحه، وتحت حجره ومنعه فإذا قال لها أنت طالق فقد ارتفع ذلك كله ولكون من أقسام المجاز التعجير عن الشيء بفائدته وثمرته، ويكون ذلك عبارة عن كثرة ما يفيض من الرحمة وينشر على الخلق منها ويوسعهم من عطائه على جميع المعاني من إجابة دعوة، وقضاء حاجة، ونيل مغفرة مما كان قبل ذلك ممتنعًا عليهم كامتناع ما يكون في العلو من فوقهم، وإلى هذا أشار الأوزاعي بقوله: (يَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ)، فجعله من صفات الفعل لا من صفات الذات وهذا فصل بالغ فاتخذوه دستورًا واشرعوه في سائر المشكلات سبيلًا (٤).

стр. 284

وأما قوله: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ) فإنه عبارة عن ثقل النوم، ونسب ذلك إلى الشيطان حين كان آفة، كما نسبه إلى نفسه تعالى حين كان آية في قوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (١). وعلى نحو هذا ورد في الحديث "أَنَّ رَجُلًا نَامَ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: إلِكَ رَجُلٌ بَالَ الشيْطَانُ في أُذُنِهِ" (٢) فضرب البول في الأذن لأنه مفسد لما يحل فيه مثلًا لفساد العبادة على هذا النائم حين تركها (٣)، وذلك

стр. 285

جائز في كلام العرب قال الشاعر: بال سهيل في الفضيخ (١) فَفسد (٢) فنسبه إليه حين اقترن به وإن لم يكن ذلك من فعله، والله أعلم. وعلى هذا النحو جاء قوله ﷺ : "فَإِنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا" (٣)، والله أعلم. والملال صفة نقص مصدرها العجز، وذلك مستحيل على الله تعالى ولكنه أخبر بها عن نفسه استلطافًا بعبده كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٤) فأنزل نفسه منزلة المحتاج وهو الغني وكما قال تعالى: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي وَجِعْتُ فلَمْ تُطْعِمْنِي وَعَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي فَيَقُولُ وَكَيْفَ تَمْرَضُ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ مَرَضَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ وَجَاعَ عَبْدِي فُلَانٌ وَعَطِشَ وَلَوْ أَطْعَمْتَهُ وَسَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ (٥). فكان له تعالى في ذلك فضلان، والله ذو الفضل العظيم. أحدهما: كناية عن المريض والمحتاج بنفسه الكريمة برأيه (٦). والثاني: استلطافه بقلوب عباده ترفيقًا لهم حتى يميلوا إلى الطاعة، وصار هذا في

стр. 286

أحد قسمي المجاز وهو التسبب (١)، وهو التعبير عن الشيء بفائدته وثمرته، وثمرة الملال الترك فكأنه قال: إن الله تعالى لا يترك ثوابكم حتى تتركوا طاعته وكأن هذا أبين لقلوب العامة (٢)، ولكنه ﵎ أراد أن يجعل الكتاب منه آيات محكمات ومنه أُخر متشابهات ليرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (٣) ويضل الزائغين عن سبل الهدى دركات. حديث غلبة النوم: عن حزب الليل قال فيه ﷺ : "كَتَبَ الله لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ" (٣) وهذا أصل في الشريعة من فضل الله تعالى على الأمة إذا قطع بهم عن العمل قاطع، وقد انعقدت نيتهم عليه فإن الله يكتب لهم ثوابه وفي البخاري (عَنِ النَّبِيِّ، إذَا مَرَضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ الله لَهُ مَا كَانَ يفْعَلُهُ صَحِيحًا مُقِيمًا) (٤) وقد اعترض على هذا الحديث سندًا ومتنًا؛ أما السند فإنهم ضعفوا السكسكي (٥) رواية.

стр. 287

وأما المتن فإنهم قالوا إن الباري تعالى يعطيه الأجر الذي كان يعمله صحيحًا مقيمًا ولكن غير مضاعف. قلنا لهم: لقد تحجرتم واسعًا، بل يعطيه الله تعالى الأجر كاملًا وقد بيَّنا في غير ما موضع من مجموعاتنا أصلًا يرجع إليه في هذا الاعتراض وهو أن الماري تعالى إنما يثيب العباد على قدر نياتهم لا بمقدار أعمالهم؛ فإن العبد يطيع خمسين عامًا مثلًا فيعطيه الله تعالى جزاء نعيم الأبد، وذلك على قدر النية، لأن نيته قد استمرت على أنه لو عمَّر إلى غير غاية لكانت هذه حاله في الطاعة فيقع ثوابه بإزاء نيته. وقد روي في الآثار عن الأحبار (نيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ من عَمَلِهِ) (١) وهذا هو وجه تأويله. وأما تضعيفهم لحديث السكسكي فغير ضائر لنا لأنه قد ثبت عن النبي، ﷺ " أَنَّهُ قَالَ في غَزْوَتِهِ: إِنَّ بِالْمَدِينَة قَوْمًا مَا سَلَكْتُمْ وادِيًا وَلَا قَطَعْتُم شعبًا إِلّا وَهُمْ مَعكُمْ حَبَسَهُمُ الْعذْرُ" (٢)، حديث قوله ﷺ : (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ في صَلاَتِهِ فَلْيَرْقُدْ) (٣) الحديث إلى آخره. ليس في الشريعة دليل على وجوب الوضوء من النوم سواه. ووجه التعلق منه أنه قال: "لَعَلَّه يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فيَسبُّ نَفْسَهُ" فأشار إلى اختلال الحس وذهاب العقل الذي

стр. 288

يكون معه التحصيل، فربما استرسل وعاؤه وانحل وكاؤه فانتقضت طهارته وهو الغالب من حاله لأنها جبلة لا تنكر وحالة لا ترد فيعارض أصل الطهارة ظاهر هذه الحالة فيسقط الظاهر الأصل، وهي مسألة من أصول الفقه بديعة إذا تعارض أصل وظاهر تختلف فيها الأحوال وتتعارض فيها الأدلة وقد بيّناها في مكانها (١). حديث قول عمر بن الخطاب ﵁: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ إلى ﴿لِلتَّقْوَى﴾ (٢) إنما مراده فيها أن الباري تعالى خلق العبد فأمره بالخدمة وضمن له المعيشة، فمن أراد من سيده أن يقوم له بمضمون المعيشة فليقم له بواجب الخدمة. القول في الوتر: أعلموا بصَّركم الله تعالى أن الوتر خاتمة النوافل وذلك أن الباري تعالى شرع الفرائض وترًا شرعًا مفروضًا فشرع كذلك النوافل وترًا شرعًا مسنونًا فإن الله وتر يحب الوتر، ولولا الوتر ما خلق الشفع، وإنما خلق الشفع ليتبين الوتر به فغاية الفرائض سبع عشرة ركعة، وإلى هذا العد انتهى النبي، ﷺ ، بالنوافل في صلاة الليل (٣) مَثْنى مَثْنى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الْصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ (٤) صَلَّى. وقد روي فيه (صَلَاةُ الْلّيْل وَالنَّهَارِ مثنى مثنى) (٥) (٦) ...................................

стр. 289

وهو وهم قبيح (١) وكل صلاة رويت عن النبي، ﷺ ، في النهار مثنى شفع وكل صلاة رويت عنه بالليل فرد وتر، إذا ثبت هذا فإن الوتر مسنون غير مفروض في فعله ثواب بفضل الله تعالى، وفي تركه عقاب (٢) إن شاء الله تعالى ومغفرة برحمة الله. وقال أبو حنيفة: هو واجب يعاقب تاركه وهو في المشيئة (٣). وليس له في هذه المسألة دليل يُعوَّل عليه، وكل حديث يتعلق به باطل. وقد نزع سحنون (٤) بهذه المسألة إلى الحنفية فقال: إن من ترك الوتر يؤدب، وإنما التقفها عن أسد (٥) بن الفرات وهي، لعمر الله، ملح غير فرات فإن ظهر المؤمن حمى لا يستباح إلا إذا عصى، وقد قال النبي، ﷺ ، في جواب الأعرابي الذي سأله عن فروض الصلاة خمس صلوات، فسأل:

стр. 290

هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوّع، قال: فذكرها في دعائم الإسلام، وفي آخر الزمان. وقال النبي، ﷺ : "خَمْس صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى عِبَادِهِ في الْيَوْمِ وَالْلَّيلَةِ" الحديث إلى قوله: "أَدْخَلَه الله الْجَنَّةَ" (١). وإيجاب صلاة سادسة خرق في الشريعة لا يرقع وليس لهم فيه حديث أشبه من قوله ﷺ : "أَوْترُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ" (٢)، ولم يصح من جهة السند ولا قوي من جهة المعنى فإنه إنما أراد بأهل القرآن الذين يقومون به ليلًا، وقيام الليل ليس بفرض في أصله، فكيف يكون فرضًا في وضعه. وقد ناقضوا فقالوا: إن الوتر يفعل على الراحلة (٣)، فنقول: صلاة تفعل على الراحلة مع الأمن والقدرة فلا تكون واجبة كركعتي الفجر عكسه الصبح. حديث: قال عبد الله بن عباس، ﵄: "بتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمونَةَ في لَيْلَةٍ كانتْ فِيها حَائِضًا فَاضْطَجَعَتْ مَعَ رسُولِ الله، ﷺ في الْوِسَادَةِ" (٤) الحديث. وإنما

стр. 291

فعل ذلك مع النبي، ﷺ ، تأدبًا لئلا يحتاج إلى أهله في ليلة الطهر. وقوله (١): إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل تفسير لقوله تعالى. ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية. وهذا الحزر إنما يكون من ابن عباس، ﵄، فإِن النبي كان عالمًا به ومثله الحديث "كُنَّا نُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْقَائِلُ يَقُولُ زَالَتِ الشَّمْسُ لَمْ تَزَلْ وَالنَّبِيُّ، ﷺ ، كَانَ بِهِ عَالِمًا" (٣) وقد روينا في المنثور (٤) "إِنَ النَّبيَّ، ﷺ ، كَانَ مع جبْرِيلَ فَقَالَ لَه: يَا جِبْرِيلَ زَالَتِ الشّمْسُ فَقَال لَهُ جِبْرِيلُ: لَا ثُمَّ قَالَ. نَعَمْ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ، ﷺ . مَا هذَا؟ فَقَالَ لَه: إنَّ بِيْنَ قَولِي لَكَ لَا وَقَوْلِي لَكَ نَعَمْ لَقَد سَارَتِ الشَّمْسُ فِيهِ مَسِيرَةَ كَذَا وَكَذَا أَلْفَ عَامٍ" (٥). وقوله: ثُمَّ قَامَ إِلَى شنٍّ (٦) مُعَلَّقٍ روي أن شنَّ ميمونة كان من مَسْك (٧) ميتة وأن النبي، ﷺ ، قال فيه: حين سئل عنه دباغه طهوره (٨).

стр. 292

وقد ثبت عن النبي، ﷺ من طريق ابن عباس ﵄، أنه قال: "إِذَا دُبغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" (١). وفي هذه المسألة اضطراب كثير بين العلماء بينّاه في كتاب الخلاف لُبَابُه أن ابن حنبل يقول: لا ينتفع بجلد الميتة بحال وإن دبغ لحديث عبد الله بن حكيم (٢) " أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ الله ﷺ ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ "لاتَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا بِعَصَبٍ" (٣)، قال: وهذا معارض لحديث ابن عباس، ﵄، لكن هذا معلوم

стр. 293

التاريخ وذلك مجهول التاريخ، ولا خلاف بين العلماء أن المعلوم التاريخ هو الذي يقدم وقال ابن شهاب (١): ينتفع بجلد الميتة وإن لم يدبغ لقول النبي، ﷺ : "وَقَدْ مَرَّ عَلَى مَيْتَةٍ هَلَّا انْتَفعْتُم بِإِهَابِهَا" (٢)، ولأشكالها اختلف قول مالك، ﵁، فيها اختلافًا متباينًا. فمرة قال: يستعمل في الجامد دون المائع، ومرة قال: إن كان ففي الماء وحده، وتارة قال: من سرق جلد ميتة مدبوغًا نظر؛ فإن كان في قيمة دباغه ربع دينار قُطع ولم يعتبر قيمة ذاته، وتارة قال: يستعمل على الإطلاق (٣) وليس يحتمل هذا القبس الإيضاح والتطويل، ولكننا نشير لكم إلى مشرعة (٤) قريبة من النظر تسلكون فيها فإن أشكل عليكم شيء من أمرها فإيضاحه في كتاب الأحكام (٥) قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾

стр. 294

إلى قوله ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (١) وهي أمٌّ من أمهات مسائل الأحكام، فقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ نص في التحريم لا كلام لأحد فيه ولا مجال للنظر معه. وقوله: الميتة عموم فمن الفقهاء من قال: هو عام في الجثة كلها وجميع أجزائها حرام (٢). ومنهم من قال: إنما يتناول قوله: الميتة ما يموت (٣) ولا يموت إلا ما كانت فيه حياة، والعظم والشعر لا حياه فيه فلا يموت فلا يتناوله التحريم (٤). ومنهم من قال أما العظم ففيه حياة لأنه يحس والتحريم يتناوله ويألم فيموت فيحرم. وأما الشعر فلا حياة فيه فلا يموت فلا يتناوله التحريم، ألا ترى أنه يجز في حال الحياة وكذلك بعد الممات، فهذا مجال تختلف فيه هذه الأحوال ويفتقر كل فن منها إلى النظر والاستدلال فليؤخذ من موضعه فهذه منزلة من النظر. منزلة أخري. لما قال الله تعالى. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ قال: المبيّن لنا ما أشكل منه علينا وقد مرّ بشاة ميتة فقال: "هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتموه فَانْتَفَعْتمْ بِهِ قَالُوا: يا رَسُولَ الله إِنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ. إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا" فبيَّن ﷺ أن متناول التحريم من عموم القرآن الأكل خاصة، وأن باقي الميتة على الإباحة الأصلية، ثم علم طريق تحصيل الانتفاع بالدباغ الذي جعله الله سبحانه بحكمته خلقًا للحياة؛ فإن الحياة تدفع العفونة عن الجلد ويبقى معها مهيئًا للانتفاع مع اتصاله باللحم، كما يفعل الدباغ بالجلد عند انفراده عن

стр. 295

اللحم، فأما ابن شهاب فرأى قوله. "هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ" فأقدم عليه، وأما غيره فرأى قوله: فدبغتموه، ولو علمه ابن شهاب لما تعداه. وأما أحمد بن حنبل فإنما كان يصح ما قال بشرطين: أحدهما: لو صح حديثه كصحة حديثنا فإن التعارض بين الخبرين إنما يكون إذا استويا في الصحة. وأما الشرط الثاني: فبأن يتعارض (١) الخبران لفظًا، ولا معارضة بينهما ها هنا؛ لأن الجلد يسمى إهابًا قبل أن يدبغ وأديمًا إذا دبغ، فمتناول حديث عبد الله بن عكيم غير متناول حديث عبد الله بن عباس. وأما مالك، ﵁، فكان حبر الشريعة حبر اللغة لم يخف عليه شيء من هذه الاعتراضات، ولكنه كان حوّاطًا على الدين، ملتفتًا إلى مصالح المسلمين (٢)، غواصًا على معاني ألفاظ العربية. فتارة نظر إلى قوله "هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ" فأشار إلى مجرد الانتفاع ولم يقل إنه يعود إلى الحالة الأولى، فأعطاه درجة واحدة من الانتفاع حملًا لمطلق اللفظ على أقل ما يقع عليه الاسم، وهو أصل عظيم من أصول الفقه اضطربت فيه أقوال العلماء، ووفر عليه مالك، ﵁، حظ المعنى ولا سيما في الأَيمان برًا وحنثًا. ثم نظر تارة في أقل درجات الانتفاع، فقال تارة: يستعمل في الجامد لا سيّما والنفس تتقززه في المائع خاصة. وتارة قال: يستعمل في الماء وحده؛ إشارة إلى أنه مخصوص في الإباحة من أصل محرم على خلاف القياس فيقف حيث ورد به الشرع خاصة، وتارة قال: يستعمل على الإطلاق، وهذا القول وإن لم يكن مشهورًا في الرواية فإنه صحيح في الدليل لأن النبي، ﷺ ، قال في الصحيح: "إِذَا دُبِغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهَرَ" (٣). واستدعى الماء من شن فقيل إنها ميتة فقال: "دِبَاغُهَا طهُورُهَا" وهذا يسقط كل نظر. حديث: زيد بن خالد ﵁ قال: "لأَرْمُقَنَّ (٤) الْلَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ الله ﷺ

стр. 296

فَتَوَسَّدْتُ (١) عَتَبَتَهُ" (٢)، الحديث (٣). إن قيل كيف جاز هذا لزيد وهو تجسس وقد قال النبي، ﷺ : (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا) (٤) الحديث إلى آخره. وإذا أذن الرجل لمنزل صاحبه ليسمع ما يحتاج إليه كذلك يسمع ما يستغنى عنه أو ما لا يجوز له سماعه، قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن يكون ذلك بعلم رسول الله، ﷺ ، بمكان زيد. وإذا علم صاحب المنزل بذلك جاز للمتجسس. والثاني: يحتمل أن يكون بغير علمه ولكن زيدًا كان على بعد حتى سمع النبي، ﷺ ، يتوضأ ويقرأ فحينئذ دنا وذلك جائز مع كل أحد. تتميم: الوتر عبادة مؤقتة. روى مسلم عن النبي، ﷺ "أنَّ وَقْتَ الْوتْرِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ" (٥).

стр. 297

ويعطيه قوة حديث مالك، ﵁، وذلك قوله: "فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" (١). فقوله: فَإِذَا خَشَيَ أَحدُكُمُ الصُّبْحَ، فعل دليل على الخوف، بيد أن مالكًا، ﵁، قال: إنه يجوز إن طلع الفجر ما لم يصلَّ الصبح، وبالغ حتى قال: يقطع له صلاة الصبح بعد الدخول فيها فإن فعل بعد الفجر فإنما يكون على معنى القضاء كما تفعل ركعتا الفجر بعد طلوع الشمس وقبل صلاة الصبح على معنى القضاء، والأمر في ذلك قريب فأما قطع صلاة الصبح لها فلست أراه. وقد تعلق علماؤنا في ذلك بإسكات عبادة للمؤذن عن الإقامة (١)، والإقامة من جملة الصلاة وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أن قول عبادة ليس بحجة. والثاني: أن الإقامة وإن كانت من شروط الصلاة على قول فليست من أجزائها (٢) بحال، وقد بينا ذلك في موضعه. غريبة: قال الشافعي: يوتر الإنسان بواحدة (٣)، وقال مالك وأبو حنيفة: أقل الوتر ثلاث (٤) إلا أن علي بن زياد روى عن مالك أن المسافر يوتر بواحدة (٥)، وهذه مسألة من مسائل

стр. 298

الخلاف وكثر فيها النزاع وبسطت فيها الأدلة، فيا ليت شعري إذا صلى ركعة واحدة تكون له وترًا لماذا (١). هذا مما لا أرى له وجهًا والله أعلم. فَضْلُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلاَةِ الْفَذِّ عند علمائنا (٢) وعند (ح) (٣) و (ش) (٤) إن صلاة الجماعة من فروض الكفاية لأنها من شعائر الدين وليست عامة في جميع المسلمين، وعليها ترجم مالك، ﵁، بقوله (فَضْلُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلاَةِ الْفَذِّ) (٥). ولولا أن صلاة الفذ مجزية ما كان بينها وبين صلاة الجماعة فضل؛ لأن الفضل فرع الأجزاء ومن الممتنع ثبوت الفرع مع عدم الأصل. فإن قيل ولعل المفاضلة أرفع بينهما إذا كانت صلاة الفذ على (٦) عذر، قلنا: هذا لا يجوز لأن صلاة المعذور مساوية في الإجزاء لصلاة المقدور، حسب ما بيناه من قبل ونص عليه النبي، ﷺ ، (حين قال "إِنَ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا مَا سَلَكْتُمْ وَاديًا وَلَا قَطَعْتُمْ شعبًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمُ حَبَسَهُمُ الْعذْرُ" (٧). فإن قيل فقد روى مسلم أن رجلًا ضرير البصر جاء إلى النبيّ، ﷺ ، يعتذر إليه

стр. 299

بضرارته عن الإقبال إلى الجماعة (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﷺ أتَسْمَعُ النِّدَاءَ قَالَ لَهُ نَعَمْ قَالَ لَا أجِدُ لَكَ رِخْصَةً" (١) قلنا عنه ثلاثة أجوبة: أحدها: اتفاق الأمة على أن العذر مسقط للجماعة. نعم ولأصل الصلاة ما عدا الإيماء، فكأن النبي، ﷺ ، رأى أن ما ذكر من ضرارة البصر ليس بعذر لأنه كان يتصرف في حوائج نفسه فعبادة ربه أولى. الثاني: أنه كان زمان نفاق فكره النبيّ، ﷺ ، إِن رخَّص له أن يتسبب بذلك المنافقون إلى التخلف ويذكرون أعذارًا. الثالث: قال علماؤنا: روي في الحديث أن هذا السؤال من هذا الضرير إنما كان في صلاة الجمعة وهي فريضة على الأعيان. تفسير: ذكر النبي، ﷺ ، في تحديد التفضيل بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ خمسة وعشرين جزءًا وسبعًا وعشرين درجة (٢)؛ وذلك مما لا يوقف على تعيينه وقد تكلف الناس جمعها (٣) على وجه لا أرضاه، أما إنه قد جاء في الصحيح على لسان النبي، ﷺ ، إنه أشار إلى ذلك في قوله "صَلاَةُ أحدِكُمْ في الْمَسْجِدِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ في سُوقِهِ وَصَلاَتِهِ في

стр. 300

بَيْتِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ درَجَةً وَذلِكَ أَنَّهُ لاَ يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ بِهَا حَسَنَةً" (١) الحديث إلى آخره. وهذه المعاني مما لا تدرك بالقياس؛ فاستعمال النظر فيها جهل وعناء وقوله ﷺ (عَلَى صَلاَتِهِ في سُوقِهِ) يعني إذا صلى وحده. وأما لو كان في السوق مسجد مختط لكان مثل سائر المساجد، فإن لم يكن مختطًا وصلى أهل (٢) السوق جماعة كان بمنزلة البيت يصلَّى فيه جماعة فإنه يكتب فيه أجر الاجتماع وينقصه فضلان أجر الخطا وإعلان الشعار وهذا بالغ فتحققوه وركبوا عليه وافهموه. وأما حديث أبي هريرة، ﵁، في همّ النبيّ، ﷺ ، بالحرق علي المتخلفين عن الصلاة (٣) فهو أضعف الحجج لهم لأن النبي، ﷺ ، قال فيه: "فَآمُرُ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَيْهِمْ" فقد ترك الجماعة فإن قيل تركها لأخرى قلنا هذه دعوى في موضع الاحتمال من غير دليل. ووجه آخر همَّ النبي، ﷺ ، ولم يفعل ولو كان فرضًا لأنفذ ما همّ به. وجه ثالث: إنما كان الغالب على التخلف (٤) للجماعة أهل النفاق فأراد النبي، ﷺ ، أن يضرم عليهم بيوتهم ليقطع جوارهم (٥) ويحسم شرارهم. نكتة أصولية: قد بيَّنا فيما سلف وفي غير ما وجه (٦) من الإملاء أن النبي، ﷺ ، كان يقضي باجتهاده والشريعة من ذلك ملأى ولذلك همَّ بحرق البيوت ثم تركه إمهالًا أو لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يحرق دور أصحابه، وفيه دليل على إعدام محل المعصية، كما قال

стр. 301

مالك، ﵁ , وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي، ﵄، والصحيح قول علمائنا، والدليل على صحة ذلك ما ثبت في الأثر الصحيح (١) من كسر الدنان. وحرق عمر، ﵁، بيت (٢) خمار وحين ملكت أمر الدين حرقت قراقر (٣) كثيرة كانت مخصوصة بالمعاصي. فائدة فقهية: عجبتُ للعلماء حيث عيّنوا في اليمين بالله تعالى وتركوا سائر الأيمان التي أقسم الله تعالى بها في كتابه، وجرت على لسان رسوله من الأيمان كقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) وقول النبي، ﷺ : "وَاْلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ" (٥) وقوله: "لَا وَمُقَلِّبُ الْقُلُوب" (٦). والذي ظهر لي (٧) من ذلك أن كل ما ذكر الله ورسوله من الأيمان بغير قولك بالله لمَ يكن في مقطع الحق حتى لما جاء مقطع الحق وذكر كيفية اليمين. قال الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (٨)، وفي الكلام تطويل كثير استوفيناه في كتاب أحكام القرآن (٩). حديث: أرسل مالك، ﵁، عن سعيد بن المسيب (في فضل العتمة

стр. 302

والصبح (١) وأوقف على عثمان فضلهما)، وقد بيَّنا أن مسلمًا أسنده (٢)، وإنما خصهما النبي، ﷺ ، في هذا الموضع بالتنبيه على الفضل لأن الصبح تأتي في وقت فيه النوم والعتمة، تأتي في وقت يستولي فيه على البدن النصب؛ فإذا قابل استيلاء النصب وغلبة النوم إيمانًا ضعيفًا أخَّرهما أو تركهما استخفافًا وتكاسلًا، وإذا غلب اليقين قام إلى فعلهما، وضرب المثل بالمنافقين مجازًا لأنه قد يتركهما من ليس بمنافق. ووجه المجاز في ذلك أن الله تعالى قال في صفة المنافقين ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣). نكتة أصولية: غفر الله تعالى للرجل الذي وجد غصن شوك على الطريق فنزعه (٤)، كما غفر للبغي التي سقت الكلب بموقها (٥) وهذا المقدار من الحسنات لم يوازِ أجره قدر وزر الزنا في السيئات ولكن فيه ثلاث معان: أحدها: أن هذا الفعل إنضاف إلى سواه، وذكر دون غيره تنبيهًا على قدره. الثاني: أنه كان سببًا للتوبة فترتب الغفران عليها وترتبت هي على هذا السبب فأضيف الحكم إلى السبب الأول تنبيهًا على اكتساب الحسنات، فإن الحسنة إلى الحسنة ولاية والسيئة إلى السيئة غواية. الثالث: في معنى غفر الله له أي غفر له من ذنوبه بمقدار هذا الفعل من الأجر.

стр. 303

فضل الشهداء: خطط الإِسلام أربعة. نبوة. صديقية. شهادة. صلاح (١). وقد بيّنا معانيها ومراتبها في كتاب المشكلين على الاستيفاء والإشارة فيه أن النبي من جاءه رسول الله بوحيه. والصديق من صدق فعله قوله واعتقاده على الإطلاق، والصالح من سلم عمله من المفسدات وقوله من المبطلات، واعتقاده من الشبهات وإن نال عمله رحض (٢) من الكدرات. وأما الشهادة فاختلف العلماء فيها على خمسة أقوال: الأول: أنهم الذين شهد لهم بالإيمان وضمن لهم حسن الخاتمة، وهذا كقول النبي، ﷺ ، "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ" (٣)، وليس في الحقوق أثبت من حقٍّ شهد به النبي، ﷺ ، فعيل بمعنى مفعول. الثاني: أنه حضر يقينه معاينًا مشاهدًا على جوارحه لائمًا لغيره لأنه قال أنا مؤمن بقلبي محقق بيقيني فيصوم ويصلي ولحج ويتصدق وكلها محتملة أن تكون صدرت عن إخلاص أو لغرض، فإذا بذل نفسه وعرضها للإتلاف في أمر الله تعالى فهو دليل قطعي على صدق النية لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود. فعيل بمعنى فاعل. الثالث. أنه جرى دمه على الأرض أو أُجري، والشهادة وجه (٤) الأرض. فعيل مطلق أو بمعنى مفعول. الرابع. أن الملائكة شهدته، فعيل بمعنى مفعول. الخامس. أن دليله معه لا يفارقه، قال النبي، ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يُكْلَمُ في سَبِيلِ اللِّه وَالله أَعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ" (٥) الحديث. فعيل بمعنى فاعل أو مفعول.

стр. 304

الشهداء أحد عشر رجلًا: ثمانية في حديث مالك، ﵁ (١). التاسع: من قُتِل دون (٢) ماله. العاشر: الغريب (٣). الحادي عشر: صاحب النظرة شهيد (٤). واختلف فيه على قولين: فقيل هو المخبول الذي اتخذ نظرة، وقيل (٥) هو المعين. ووراء هذا تعديل (٦) لا أرضاه وكلهم يغسل ويكفَّن إلا ذا المعترك فإن مالكًا، رضي الله

стр. 305

عنه، و (ش) عوّلا على حديث جابر في قتلى أحد (١)، والمسألة معروفة. حديث: ذكر مالك، ﵁، عن محجن (٢) حديث إعادة الصلاة (٣). اعْلموا، وفقكم الله تعالى، أنه لا صلاة في يوم واحد مرتين، إلا أن الشريعة أذنت في إعادة الفذ صلاته في الجماعة لفائدتين: أحدهما: خاصة وهي استجلاب الآخر للمصلّي. والثانية: عامة وهي تنقسم قسمين: أحدهما: إظهار شعائر الدين. والثاني: نفى الريبة وسوء الظن، ألا ترى إلى قول النبي، ﷺ : "ألَسْتَ بِرَجُلٍ (٤) مُسْلِمٍ". فإن قلنا إن الصلاة تُعاد في الجماعة لطلب الأجر فتعاد في كل جماعة، وكذلك لإظهار الشعار، وإن قلنا تعاد لنفي الريبة وسوء الظن فتعاد مرة واحدة، ومن ها هنا نشأ الخلاف (٥).

стр. 306

وقد روى سليمان بن يسار (١) عن عبد الله بن عمر، ﵄ "أَنَّهُ وَجدَهُ في الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يُصلُّونَ، قَالَ لَهُ: مَا هذَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ؟ قَالَ لَهُ: سَمِعْتُ الْنَّبِى، ﷺ يَقُولُ: لاَ صَلاَةَ في يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ" خرجه أبو داود (٢). وقول محجن (كُنْتُ صَلَّيْتُ فِيَ أَهْلي) حكايه حال وقضية في عين يحتمل لأن يكون صلى في أهله فذًا، ويحتمل أن يكون صلى جماعة، والظاهر أنه كان وحده. وقد روى مسلم (٣) عن أبي ذر، ﵁، أنه قال: قال رسولُ الله، ﷺ : "أُمَرَاءٌ يَكُونونَ بَعْدِي يُمِيتونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا، قَالَ لَهُ: فَمَاذَا تَرَى؟ قَالَ: صَلِّ في بَيْتِكَ فَإِنْ أَدرَكْتَ الصَّلاةَ مَعَهُمْ فَهِي لَكَ نَافِلَة" (٤). وكذلك خرجه الترمذي (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧) أن الثانية هي النافلة. وروى أبو داود عن يزيد بن عامر، ﵁ قال: "صلَّيْتُ في أَهْلِي ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ، ﷺ ، فَوَجَدْتُهُ يُصلِّي فَجَلَسْتُ حَتَّى انْصَرَفَ فَقَالَ لِي: أَلَسْتَ برَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصلِّي مَعَنَا؟ قَالَ: قَدْ كُنْتُ صَلَّيْتُ في أَهْلِي، قَالَ

стр. 307

لَهُ: إِذَا صَلَّيْتَ في أهْلِكَ فَصَلِّ مَعَنَا تَكُونُ لَكَ نَافِلَةً وَهذِهِ مَكْتوبَة" (١). وقد اختلف الناس فيها على ثلاثة أقوال: فالقولان كما ذكرنا الآن في الحديث. والثالث: أن ذلك إلى الله (يجعل أيهما شاء صلاته) والصحيح أن الأُولى هي الفريضة (٢)، لأنها ابتدأت ونويت وفعلت على شرطها في وقتها. وإذا اختلفت الرواية عن النبي، ﷺ ، وجب الترجيح ورواية من روى أن الأُولى هي الفرض أَوْلى لأن رواتها أكثر، هذا إذا استوت الدرجة فكيف ورواية أبي داود لا تساوي رواية مسلم لاختلاف شرطهما.

стр. 308

باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد هذه الترجمة تداني الترجمه السابقة في المعنى من أن النظر في التفاضل لا يكون إلا بعد التساوي في الإِجزاء، ولا يخلو أن يصلّي قاعدًا في الفرض أو في النافلة. فإن كان في الفرض فلا يكون إلا مع العجز والعذر، كما فعل النبي، ﷺ ، حين أجرى فرسًا فصرع عنه فجحش (١) شقه الأيمن وانفكت قدمه فصلى قاعدًا (٢) الحديث الشهور من رواية أنس وجابر، ﵄، إلا أن جابر بن عبد الله زاد في روايته "قَالَ فَلَمَّا انْصَرَفَ لَقَدْ كُدْتُمْ تَفْعَلُونَ بِي فِعْلَ فَارِسٍ وَالرُّومِ بِمُلُوكِهِمَا إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (٣) الحديث. تنبيه على وهم: قال النبي، ﷺ : "فِإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا" فأمر بمتابعته ولا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتابعه في الابتداء ويبتدىء معه التكبير والركوع. وإما أن يكبِّر ويركع في أثناء تكبيرة الإِمام وركوعه. وإما أن يكبِّر بعد ذلك. فلما احتمل اللفظ هذه المعاني الثلاثة تلبَّس الخلق بها فجعلوا يفعلون مع إمامهم ذلك كله ثم تمكن الشيطان من نواصيهم فجذبها حتى فعلوها قبل إمامهم. وقد روى مسلم في صحيحه "لاَ تَسْجِدُوا حَتَّى تَرَوْني قَدْ وَضعْتُ جَبِينِي عَلَى

стр. 309

الأَرْضِ" (١)، ولو كبَّر الإمام فقد روي عن مالك، ﵁، أنه لا يجزيه ولو تم بعده أو معه لأنه اقتدى بمن لم تنعقد صلاته بعد (٢). فأما إن تم قبل تمامه فلا تجزيه قولًا واحدًا. وأما صلاتهم خلف النبي، ﷺ ، جلوسًا فهو منسوخ بصلاتهم خلفه قيامًا في مرضه (٣)، وقد قال به مالك، ﵁، وهو الصحيح. وقد روى جابر بن عبد الله

стр. 310

في حديثه المذكور في صرعة الفرس: وكان أبو بكر عن يسار النبي، ﷺ ، يسمع الناس (١). فأما كونه معه في مرضه فأشهر من ذلك كله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : (صَلَاةُ أَحدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى النِّصفِ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ، قَالَ عَبْدُ الله بْن عَمْرو فَجِئْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَوَجَدْتُهُ يُصلِّي فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ فَقُلْتُ لَهُ. يَا رَسُولَ الله قُلتُ) (٢) الحديث. قال الإمام (٣) أبو بكر: وإنما وضع يده على رأسه لأحد وجهين: إما تعظيمًا كأنه قبّلها بعد ذلك على سبيل التبرك. وإما لأنه كان في ظلمة فلم يشعر به حتى وجد (٤) رأسه الكريم وهذا إنما يكون في النافلة. وأما في الفريضة فأجر القاعد كأجر القائم، ولا سيما إن كان من كبر سن، أو من حالة تشق فإن ذلك أدعى إلى كمال الأجر.

стр. 311

وقد روى عمران بن حصين، ﵁، أن النبي، ﷺ ، قال: (صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِع فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَىِ جَنب) (١) زاد البخاري (فَصَلِّ نَائِمًا) (٢)، يعني مضطجعًا لأنها حالة النوم عبَّر عنه مجازًا بأحد قمسي المجاز وهو الخبر عن الشيء بفائدته. الصلاة الوسطى: قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٣). تفرق الناس في الكلام فيه على سبعة أقوال: فقيل إنها الصبح، وقيل إنها الظهر، وقيل إنها العصر، وقيل المغرب، وقيل العشاء الآخر وقيل الجمعة، وقيل هي مخبوءة في جملة الصلوات خبيئة الساعة في يوم الجمعة، وليلة القدر في الشهر، والكبائِر في جملة الذنوب ترغيبًا في فعل الطاعة وترهيبًا لاجتناب المعصية. وثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَة العَصر) (٤) ونكتة المسألة أن (وس ط). في تركيب لسان العرب عبارة عن أحد معنيين: إما عن الغاية في الجيد، وإما عن معنى يكون ذا طرفين نسبته إلى الطرفين (٥) من جهتيهما سواء، وذلك يكون بالعدد والزمان والمكان. فأما الصبح فهي وسط في الزمان فإنها زاهقة (٦) عن ظلمة الليل مشرقة على ضوء النهار، وهي أيضًا وسط في العدد لأنها اثنتان وللعدد طرفان واحد وأربعة وما بينهما وسط، وهي وسط في الفضل لأنها مشهودة (٧) ويشاركها فيه العصر، ولأن النبي، ﷺ ،

стр. 312

قال: (مَنْ صَلُى البردين دَخَلَ الْجَنَّةَ) (١) وصلاة الصبح في أولها وتشاركها فيه العصر وهي وسط في الفضل أيضًا لأنها أثقل الصلاة على المنافقين لقوله (لَوْ يَعلَمُونَ مَا في الْعَتْمَةِ وَالصُّبْحَ) (٢). وتشاركها فيه العتمة ولأنها وسط في الفضل أيضًا إذ مصلِّيها في جماعة كمن قام ليله (٣) وهي خصيصة لها، لا يشاركها فيه واحدة من الصلوات. وأما الظهر فهي وسط في الزمان لأنها نصف النهار وسط في الفضل لأنها أول صلاة صلِّيت (٤). وأما العصر فإنها وسط في الفضل لأنها مشهودة، ولأنها في أحد البردين، ولقول النبي، ﷺ ، فيها: (مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْر حَبَطَ عَمَلُهُ) (٥) خرجه البخاري ولحديث البخاري (شَغَلونِا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلاَة الْعَصْرِ)، وهذا نص. وقد تأوله بعضهم بأنها كانت وسطى في الزمان لأنها مفعولة عند إدبار الثلاث التي فاتته وهذا ضعيف. وأما المغرب فإنها وسطى (٦) في الزمان لأنها مفعولة عند إِدبار النهار والإشراف على

стр. 313

الليل، ولأنها وسط في العدد، ولأنها وتر والوتر أفضل من الشفع (الله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ) (١) ولأنها جمعت أحوال الصلوات كلها حتى الجهر في القراءة والسر. وأما العتمة فإنها وسطى في الفضل بما تقدم من فضائِلها، ولأن الصحيفة بها تختم (٢) كما تفتح بالصبح ولأنها مصونة بالنهي عن الحديث بعدها. وأما الجمعة فإنها وسطى في الفضل لكثرة شروطها (٣)، وكثرة شروط الشيء دليل على فضله، ولأنها مخصوصة بهذه الأمة. هذا منتهى الإشارة إلى جماع الفضائِل فمن نظر إلى تعارض هذه الأدلة قال كلها وسطى. ومنهم من قال كما قلنا هي مخبوة (٤) للحفاظ على الكل وإذا أردت أن تقف على الصحيح في ذلك بسلوك مدرجة النظر إليه إعلم أن حديث عائشة في الموطّأ (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ) (٥) الحديث لا حجة فيه لاتفاق الأمة على أن القراءة الشاذة لا توجب علمًا ولا عملًا (٦).

стр. 314

وقد أدخل مالك، ﵁، في الباب عن علي، ﵁، أنها الصبح (١) رادًا على أهل الكوفة (٢) الذين يقولون إنها العصر. وأما سائر الأدلة في سائِر الصلوات فبيّنة، وإنما يكون مأزق الإشكال بين الصبح والعصر، والصبح أكثر فضائِل منها، حسب ما سطرناه من قبل. وربما توهم الشادي أن قول النبي ﷺ : (مَنْ تَرَكَ صلاَةَ الْعَصْرِ حَبَطَ عَمَلُهُ) (٣) مزيه لها (٣) على غيرها وهو وهم؛ لأن من ترك صلاة المغرب أيضًا حبط عمله مزية لها على غيرها على الوجه الذي يحبط بترك صلاة العصر، وكذلك يترك سائِر الصلوات فقوي بهذا كله أنها صلاة الصبح حسب ما ذهب إليه مالك (٤)، ﵁، ولله درّه فما كان أرحب ذراعه في النظر وأوسع حوصلته في الوعي. والله أعلم.

стр. 315

الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد: رأى عمر بن (١) أبي سلمة رسول الله، ﷺ ، يصلي في ثوب واححد مشتملًا (٢). هيئات اللباس كثيرة ورد منها ههنا خمس هيئات. إِلتفاع: وهو الاشتمال الدي يستر فيه الرأس. والتحاف: وهو اللباس لمطلق من غير تفاريج. والاشتمال: هو تعميم البدن بالملبوس، وهو على ضربين صماء ومنفرج. واختلف في تفسير اشتمال الصماء فقيل هو أن يلبس الثوب فيستتر به وقد يكون فرجه منكشفًا (٣). والثاني: أن تكون يداه تحته ولا يتخذ لها مخرجًا، والصلاة في الأول لا تجوز والنهي فيها على التحريم، والنهي في الثاني على الكراهية لأنه ذريعة إلى أن يسقط الثوب فينكشف الفرج إلا أن يكون تحته إزار وسراويل فإن النهي يسقط حرامًا أو مكروهًا، فإن كان ليس تحته ثوب فليشتمل به على بدنه، ليجعل طرفيه مخالفًا على عاتقيه، وليعقده على

стр. 316

عنقه، وليفعل كما قال النبي، ﷺ ، لسلمة بن الأكوع: (زُرُّهُ (١) وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) (٢)، فإن لم يجعل طرفيه على عاتقيه وشدّه تحت ذراعيه فهو الاضطباع، افتعال من الضبع، فإن شده كذلك وهو جالس من الركبة إلى القفا فهو الاحتباء. وهذا تنبيه على وجوب ستر العورة في الصلاة، وقد تقدم القول فيها: وأقل ما يجزي فيه الصلاة ثوب واحد يسترها. وقد روى أبو الفرج عن مالك، ﵁، أن البدن كله عورة في الصلاة من الرجل وهي رواية ضعيفة (٣).

стр. 317

قد صلى جابر في ثوب واحد مؤتزرًا به وثيابه على المِشْجَب (١) وقال لمن أنكر ذلك عليه: (إِنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي مَنْ هُوَ أَحْمَقُ مِثْلُكَ" (٢). وأما المرأة فكلها سورة في الصلاة إلا وجهها وكفيها وقال (ح): ليست قدمها عورة (٣). وقد ثبت أمر النبي، ﷺ ، للنساء بإسبال الدرع على الأقدام (٤)، وهذا نص وأكمل هيئات الصلاة في اللباس أن يكون في ثوبين لحديت عمر، ﵁، (إِذا وَسَّعَ الله

стр. 318

عليكم فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ) (١) الحديث. وقد كان من شيوخ الزهاد من له ثياب مطوية لا ينشرها إلا إذا صلّى فإذا فرغ من الصلاة أعادها على عودها ويقول: لقاء الله أفضل حال تزين لها. الجمع بين الصلاتين: نصب الله تعالى أوقات الصلاة محدودة الطرفين متغايرة الذاتين، وجعل لكل صلاة وقتًا يختص بها، ثم لما علم (٢) الله تعالى من ضعف العباد وقلَّة قدرتهم على الاستمرار في الاعتياد وما يطرأ عليهم من الأعذار، التي لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم، أرخص لهم في نقل صلاة إلى صلاة، وفي جمع المفترق منها، كما أذن في تفريق المجتمع أيضًا رخصة في قضاء رمضان إذا أفطره بعذر المرض أو السفر (٣)، وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، ذلك (٤)

стр. 319

وأطنب فيه مالك (١)، ﵁، لأجل قول أهل العراق: أن الجمع بدعة إلا في عرفة واحتجوا بأن أوقات الصلوات ثبتت تواترًا فلا تنسخ بأحاديث الجمع وهي آحاد، وجاز الجمع بعرفة لأن الكافة نقلته عن الكافة وهذا ضعيف (٢) لأنه يقال له: كما ثبتت أوقاتها تواترًا كذلك ثبتت أعدادها تواترًا ثم زدت أنت فيه صلاة سادسة وهي الوتر بحديث ضعيف (٣) فالجمع بالأحاديث الصحيحة المتعددة أولى، وليس لهم بعد هذا كلام فيه احتفال.

стр. 320

وللجمع حالتان: حالة سفر وحالة إقامة، وللإِقامة حالتان حالة مطر وحالة مرض. فأما جمع السفر فمن رحل قبل أن تزول الشمس من منزله أو قبل أن تغرب أخَّر الأولى إلى وقت الثانية، ومن رحل بعد زوال الشمس وبعد غروبها قدَّم الثانية إلى الأولى، وقال (ش): الجمع في السفر رخصة متعلقة بعين السفر سواء ارتحل المسافر أو أقام يومه في منزله يجمع بين الصلوات كما يقصر (١) وهذا ضعيف لأن صورة الجمع للمسافر إنما وردت مع الرحيل وجدّ السير والرخص لا يتعدى بها محالها. فإن قيل فقد روي من طرق منها في الموطأ أن النبي، ﷺ ، "خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ وَخَرَجَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ" (٢)، ولا يعبر بدخل وخرج إلا عن حال المقيم، فأما المسافر فإنما يقال فيه نزل وركب. قلنا: هذه حكايته حال وقضية في عين، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ ، صلى الظهر في آخر وقتها ثم أقام العصر فصلاها في أول وقتها، وكذلك صلى المغرب في آخر وقتها ثم قام إلى العشاء فصلاها في أول وقتها، فيكون جمعًا من حيث الصورة لا من حيث المعنى، وكذلك روى أشهب عن مالك، ﵁، فيه كما أوردناه (٣). وإذا احتمل بهذا سقط الاحتجاج به. وأما جمع المقيم المريض فليس له حد إلا بحسب ما يجد المريض من يناوله ويوضئه، أو بحسب ما يعلم أنه يغلب على عقله فيه (٤).
следующие страницы →