عنقه، وليفعل كما قال النبي، ﷺ ، لسلمة بن الأكوع: (زُرُّهُ (١) وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) (٢)، فإن لم يجعل طرفيه على عاتقيه وشدّه تحت ذراعيه فهو الاضطباع، افتعال من الضبع، فإن شده كذلك وهو جالس من الركبة إلى القفا فهو الاحتباء. وهذا تنبيه على وجوب ستر العورة في الصلاة، وقد تقدم القول فيها: وأقل ما يجزي فيه الصلاة ثوب واحد يسترها.
وقد روى أبو الفرج عن مالك، ﵁، أن البدن كله عورة في الصلاة من الرجل وهي رواية ضعيفة (٣).
стр. 317
قد صلى جابر في ثوب واحد مؤتزرًا به وثيابه على المِشْجَب (١) وقال لمن أنكر ذلك عليه: (إِنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي مَنْ هُوَ أَحْمَقُ مِثْلُكَ" (٢).
وأما المرأة فكلها سورة في الصلاة إلا وجهها وكفيها وقال (ح): ليست قدمها عورة (٣).
وقد ثبت أمر النبي، ﷺ ، للنساء بإسبال الدرع على الأقدام (٤)، وهذا نص وأكمل هيئات الصلاة في اللباس أن يكون في ثوبين لحديت عمر، ﵁، (إِذا وَسَّعَ الله
стр. 318
عليكم فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ) (١) الحديث.
وقد كان من شيوخ الزهاد من له ثياب مطوية لا ينشرها إلا إذا صلّى فإذا فرغ من الصلاة أعادها على عودها ويقول: لقاء الله أفضل حال تزين لها.
الجمع بين الصلاتين:
نصب الله تعالى أوقات الصلاة محدودة الطرفين متغايرة الذاتين، وجعل لكل صلاة وقتًا يختص بها، ثم لما علم (٢) الله تعالى من ضعف العباد وقلَّة قدرتهم على الاستمرار في الاعتياد وما يطرأ عليهم من الأعذار، التي لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم، أرخص لهم في نقل صلاة إلى صلاة، وفي جمع المفترق منها، كما أذن في تفريق المجتمع أيضًا رخصة في قضاء رمضان إذا أفطره بعذر المرض أو السفر (٣)، وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، ذلك (٤)
стр. 319
وأطنب فيه مالك (١)، ﵁، لأجل قول أهل العراق: أن الجمع بدعة إلا في عرفة واحتجوا بأن أوقات الصلوات ثبتت تواترًا فلا تنسخ بأحاديث الجمع وهي آحاد، وجاز الجمع بعرفة لأن الكافة نقلته عن الكافة وهذا ضعيف (٢) لأنه يقال له: كما ثبتت أوقاتها تواترًا كذلك ثبتت أعدادها تواترًا ثم زدت أنت فيه صلاة سادسة وهي الوتر بحديث ضعيف (٣) فالجمع بالأحاديث الصحيحة المتعددة أولى، وليس لهم بعد هذا كلام فيه احتفال.
стр. 320
وللجمع حالتان:
حالة سفر وحالة إقامة، وللإِقامة حالتان حالة مطر وحالة مرض.
فأما جمع السفر فمن رحل قبل أن تزول الشمس من منزله أو قبل أن تغرب أخَّر الأولى إلى وقت الثانية، ومن رحل بعد زوال الشمس وبعد غروبها قدَّم الثانية إلى الأولى، وقال (ش): الجمع في السفر رخصة متعلقة بعين السفر سواء ارتحل المسافر أو أقام يومه في منزله يجمع بين الصلوات كما يقصر (١) وهذا ضعيف لأن صورة الجمع للمسافر إنما وردت مع الرحيل وجدّ السير والرخص لا يتعدى بها محالها.
فإن قيل فقد روي من طرق منها في الموطأ أن النبي، ﷺ ، "خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ وَخَرَجَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ" (٢)، ولا يعبر بدخل وخرج إلا عن حال المقيم، فأما المسافر فإنما يقال فيه نزل وركب.
قلنا: هذه حكايته حال وقضية في عين، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ ، صلى الظهر في آخر وقتها ثم أقام العصر فصلاها في أول وقتها، وكذلك صلى المغرب في آخر وقتها ثم قام إلى العشاء فصلاها في أول وقتها، فيكون جمعًا من حيث الصورة لا من حيث المعنى، وكذلك روى أشهب عن مالك، ﵁، فيه كما أوردناه (٣).
وإذا احتمل بهذا سقط الاحتجاج به.
وأما جمع المقيم المريض فليس له حد إلا بحسب ما يجد المريض من يناوله ويوضئه، أو بحسب ما يعلم أنه يغلب على عقله فيه (٤).
стр. 321
وأما جمع المطر فلا يكون في الظهر والعصر بحال ولكن من شاء مشى إلى المسجد ومن شاء صلى في بيته، وفي مثل هذه الحال "أَمَرَ النَّبِيُّ، ﷺ ، الْمُنَادِي أَنْ يُنَادِي إِذَا بَلَغَ حَيَّ على الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ أَلَا صَلُّوا في الرِّحَالِ" (١).
وأما جمع المغرب والعشاء في المطر والطين فاختلفت الرواية فيها عن علمائنا، فروي عن مالك، ﵁، أنها لا تجوز إلا في البلاد المطيرة الباردة كأرض الأندلس، وعجبًا لهذه الرواية يأثرونها عن مالك (٢)، ﵁، وهو يرى النبي، ﷺ ، يجمع بالمدينة وهي حجازية لا ثلج بها ولا برد، وأعجب منها أنه روي عن مالك، ﵁، أن يجمع بين المغرب والعشاء في المطر والطين في أول الوقت.
وروى ابن القاسم عن مالك، ﵁، أنه يؤخر المغرب حتى يكون الظلام فيصلي حينئذ جمعًا وينصرف وعلى الناس إسفار (٣)، والرواية الأُولى أصح لأنه إذا أخَّر المغرب عن أول وقتها، وقلنا إن لها وقتًا واحدًا يكون قد أخرج الصلاتين معًا عن وقتيهما، وسنة الجمع أن يخرج الواحدة عن وقتها ولا يطمئن إلى الجمع ولا يفعله إلا جماعة مطمئنة النفوس بالسنَّة كما أنه لا يكع (٤) عنه إلا أهل الجفاء والبداوة.
قصر الصلاة:
هذا باب عظيم أحاديثه كثيرة ومسائله متشعبة قد جمع العلماء فيها (٥) أوراقًا فيها للطالب ظل وارف (٦)، وكل أحد من علمائنا بها عارف، إلا أنّا نشير إلى شذور نجمل لكم بها ذلك المسطور فنقول: أصل الأحاديث حديثان:
стр. 322
أحدهما: حديث عائشة ﵂، (فُرِضَتْ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ في صَلاَةِ الْحَضَرِ) (١).
الثاني: حديث يعلى (٢) بن أمية قال لعمر بن الخطاب، ﵁: إنا نجد صلاة الحضر في القرآن وصلاة الخوف ولا نجد صلاة السفر؟ قال له عمر: سألت رسول الله كما سألتني فقال: "هِيَ صَدَقَة تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَى عِبَادهِ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (٣).
التفسير: إن ظاهر القرآن يعطىِ أن القِصْر مشروط بالخوف والسفر (٤) فبيَّن عمر بن الخطاب عن رسول الله، ﷺ ، أن الْقَصْرَ مع الأمن في السفر صدقة من الله تعالى ثبتت بفعل رسول الله، ﷺ ، حين كان يقصر الصلاة وهو مسافر خائفًا وآمنًا. إلى هذا المعنى أشار عبد الله بن عمر في جواب الأسدي (٥) حين قال له: (إِنَّ الله بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ) (٦) الحديث. إلا أن الإشكال الأكبر ما روى مسلم عن ابن عباس، ﵁، أنه قال. (فَرَضَ الله الصلاة عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ في الْحَضَرِ أرْبَعًا
стр. 323
وَفِي السَّفر رَكعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكعَةً) (١).
قال علماؤنا، ﵀ عليهم: هذا الحديث مردود بالإجماع.
جواب آخر: إن هذا لم يخبر به ابن عباس عن النبي، ﷺ ، وإنما أخبر به عن الله، ، والدين فيحتمل أن يكون أخذه من كلام القرآن لأنه قال: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (٢) فخاطب المسافرين الذين صلاتهم ركعتان بالقصر لعلة الخوف فلا بد أن تكون واحدة، وإذا ظهر له ذلك كما ظهر ليعلى، وسأل كما سأل لوجد العلم (٣) " فَإِنَّمَا شِفَاءُ العَيِّ السُّؤَالُ" (٤).
стр. 324
على أنه قد روى صلاة الخوف صورة من جملة صورها آخر الروايات فيها فكانت للنبي، ﷺ ، ركعتان وللقوم ركعة (١).
وسيأتي تمام الكلام في باب صلاة الخوف، إن شاء الله تعالى.
وأما حديث عائشة ﵂: فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فقد أجاب عنه علماؤنا بخمسة أجوبة:
أحدها: أنها لم تُخبر بذلك عن النبي، ﷺ ، وإنما أخبرت عن حال يدركها كل أحد؛ لأن المسافر فرضه ركعتان والمقيم فرضه أربع، وهذا ثابت في الدِّين قطعًا، فإن قيل لو كانت مخبرة عن حال ولم تستند من النبي، ﷺ ، إلى مقال لما كانت في ذلك فائدة لأن كل أحد كان يعلم ما ذكرت وهي كانت أفقه من ذلك.
قلنا: قد روى الدارقطني (أَنَّهَا، ﵂، سَافَرَتْ مَعِ النبِي، ﷺ ، فَأَتَمَّتْ وَالنَّبِى، ﷺ ، يَقْصُرُ مَعَ غَيْرِهَا وَصَامَتْ وَالنَّبِي، ﷺ يفطرُ) (٢) وإنما هذا كله تحويم على أن المسافر هل يجوز له أن يصلي أربعًا أم لا، وهي مسألة خلاف مشهورة.
والأدلة فيها كثيرة، وعمدتنا أن المسافر عندنا فرضه التخيير بين الاثنتين والأربع، إلا أن القصر أفضل لمواظبة النبي، ﷺ ، عليه ولفعل الصحابة له قد أتمت عائشة، ﵂، في السفر، وقد أتم عثمان (٣)، ﵁، في السفر.
стр. 325
وقد روى أنس بن مالك الكعبي (١) عن النبي، ﷺ ، أنه قال له: "أَمَا عَلِمْت أَنَ الله وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ" (٢).
فنص ﷺ على أن الأربع أصلٌ، وأنَّ صلاة السفر حطٌّ من الأصل، وهذا أَوْلى من حديث عائشة لأنه لفظ النبيّ، ﷺ ، لا يحتمل تأويلًا، وحديث عائشة، ﵂، إخبار منها، فالله أعلم كيف نقلته ومن أين نقلته وهو أيضًا يحتمل التأويل (٣).
تحقيق: ثبت الفرق بين صلاة السفر وصلاة الحضر في الدين قطعًا، ولم يذكر حد السفر الذي يقع به الفرق لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستقرًا علمها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن، إلا أن الإِشكال وقع في ذلك بين العلماء لأن السفر له أول وليس له آخر في انتهائه، لكن له آخر فيما يقع عليه اسم السفر من البروز عن المنزل، فنحن نعلم قطعًا أن مَنْ برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرًا لغة ولا شرعًا، وأن مَن مشى مسافرًا ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعًا، كما أنّا نحكم على مَنْ مشى مسيرة يوم وليلة بأنه مسافر لقول النبي، ﷺ ، في بعض الطرق: "لاَ يِحلُّ لَامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا" (٤) وهذا هو الصحيح لأنه يتوسط بين الحالتين، وعليه عوَّل مالك، ﵁، ولكنه لمّا لم يجد هذا الحديث متفقًا عليه (وروي يومًا وليلة وروي مرة ثلاثة أيام) (٥) لجأ إلى عبد الله بن
стр. 326
عمر فعوَّل على فعله فإنه كان يقصر الصلاة إذا خرج إلى ريم (١)، وهي أربعة برد (٢)، لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي، ﷺ ، وتركب على هذا أنه روي عنه في الكتب المشهورة أنه يقصر في ستة وثلاثين ميلًا (٣) وهي تقرب من يومٍ وليلة لأنه لم يرد بقوله مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله إنما أراد أن يسير سيرًا يبيت فيه عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم، ولا تستبعدوا أن يكون مالك، ﵁، عثر على هذا الحديث فركَّب عليه ما ذكرناه واعتبر عليه ما اعتبرناه، لأن القاضي ابن المنتاب (٤) ذكر أن مالكًا، ﵁، روى مائة ألف حديث جمع منها في موطّئه عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالاعتبار والآثار ويحذف حتى عادت إلى خمسمائة. وكذلك أيضًا وقع الإِشكال في مدة الإِقامة وإن أعجبت فلا أعجب من قول ابن عباس
стр. 327
مع سعة علمه: "أَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ" (١) فنحن إن أقمنا خمسة عشر يومًا قصرنا وإن زدنا أتممنا.
وروي تسعة عشر (٢) يومًا (٣)، وإنما كان متوكفًا للرحيل، متشوفًا إلى القفول (٤)، والعوارض تلويه حتى تجرد عنها، ومن أقام على هذه الحال سنة قصر الصلاة، ولكن مالكًا، ﵁، رأى حديث النبي، ﷺ . (يَمْكُثُ الْمهَاجِرُ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ) (٥) فركب عليه وجه التركيب أن الله حرم على المهاجرين الإِقامة بمكة لأنهم تركوها لله تعالى فلم يجز الرجوع فيها، كما لا يجوز الرجوع في الصدقة، فلما أذِن النبي، ﷺ ، لهم في ثلاثة أيام، بعد قضاء الحج، على أن الثلاثة ليست في حكم الإِقامة المحرَّمة (فعوَّل على هذا الحديث وتركه لأنه من رواية الوحدان، والله أعلم به) (٦). وسمعت بعض أحبار المالكية
стр. 328
يقول: إنما كانت الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإِقامة لأن الله ﵎ أرجأ فيها من أنزل به العذاب وتيقن الخروج عن الدنيا فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (١)، وأدخل قول سعيد بن المسيب (من أجْمَعَ إِقَامَةَ أرْبَعَةِ أيَّام وَهْوَ مُسَافِرٌ أتَمَّ الصَّلاَة) (٢)، إذ لم نجد أنصّ منه في الغرض، وإن كان ليس بحجة يتوسل به إلى طلب الحجة منه أومن غيره.
أما من غيره فعلى طريق التذكرة.
وأما منه فبأن نقول: سعيد بن المسيب صحب سبعين بدريًا، ومن الصحابة جملة وافرة، ووعى علمًا كثيرًا فأفتى بهذه الفتوى ولا يقتضيها النظر ولا يعطيها القياس فكانت حجة على ما أشرنا إليه من أصله والله أعلم.
صلاة الضحى:
الضحى، مقصور، طلوع الشمس والضحاء، ممدود، ضياؤها وإشراقها. قال الشاعر:
أعجلها أقدحى الضحاء ضحى ... وهي تنابيك (٣) عن ذوائب السلم (٤)
يصف إبلًا ضرب عليها بالسير ضحى فقمرها (٥) فنحرها قبل أن تبلغ الضحى (وَكَانَ
стр. 329
النَّبِيُّ، ﷺ لَا يُصَلِّيهَا (١)، وَقَدْ كَانَ يَدَع الْعَمَلَ رِفْقًا بِأُمَّتِهِ وَلَهُ أَجْرُهُ قَائِمٌ فِيهِ).
أما أنه روي عنه أنه صلى في دار الرجل (٢) الضخم (٣) الضحى وروي عنه أنه قال: (يُصبح كُلً يَوْمٍ عَلَى كُلِّ سُّلَامَى (٤) مَنِ ابنِ آدَمَ صَدَقَةٌ فَأمْرُهُ بالْمعْروفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإمَاطَتُهُ الأذىَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ وَرَكْعَتَانِ تُجْزِيَانِ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ) (٥)، وروي عنه أنه صلّاها.
في حديث أم (٦) هانئ شكرًا لله على ما منحه من فتح مكة فكان ذلك في الضحى بالاتفاق لا بالقصد.
وقد اختلفت في حديث أم هانئ (٧)، فروي أن ذلك كان في بيتها، وروي أنها
стр. 330
قالت: جِئْتُ رَسُولَ الله، ﷺ ، بِاْلأَبْطَحِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ في قُبَّةٍ لَهُ وَابْنَتُهُ فَاطِمَةٌ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ فعَاجَلَتْهُ بِالْكَلاَمِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ غَسْلُة وَكَلَّمَهَا النَبِيُّ، ﷺ ، في تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَلَى حَاجَتِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلاَ يُكَلِّمُ وَإِذَا كَانَ في غُسُلِهِ (١) فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَأفْضَلَ أَلَّا يتكلَّمُ.
وحديث أم هانئ أصح (٢)، وهذا الرجل الذي أجارته أم هانئ قيل إنه زوجها وقيل حمواها (٣) وهو الذي ذكره ابن إسحاق (٤).
وقد قيل كما قدمناه إنه هبيرة بن أبي وهب والله أعلم.
فقه:
اختلف الناس في أمان المرأة (٥) لأنها لا تقاتل ولا يملك الأمن إلا من ملك الخوف
стр. 331
وهذا لا يصح لأن المرأة وإن كان لا يلزمها القتال فلها أن تقاتل وأن تُؤَمن، هذا ينبني على أصل، وهو أن الأمان هل هو ولاية أم هو عقد يعقد؟ فعندنا أنه عقد (١). وقال (ح): هو ولاية لأن فيه إنفاذ قول الغير على الغير وتحجير مما كان مباحًا في الأصل (٢).
والعمدة قول النبي، ﷺ "المُسلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهمْ ويَسْعَى بذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيرِدُّ عَلَيْهِمْ أَقصاهُمْ وَهمْ يدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهمْ" (٣) الحديث إلى آخره.
أدخل مالك، ﵁، حديث أنس في صلاته مع اليتيم في جامع سبحة الضحى وليس للضحى فيه ذكر وإنما تلقفه من قوله فيه (إِنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ الله، ﷺ إِلَى طَعَامٍ صنعَتْهُ) (٤) والظاهر أن ذلك كَان في وقت الغداة عند تناول الغذاء، وإن كان يحتمل سائر أوقات النهار.
стр. 332
باب السترة
فيها أحاديث كثيرة المعول منها على ثمانية أحاديث.
أحدها: حديث أبي سعيد الخدري (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْن يَدَيْهِ) (١) إلى آخره.
الثاني: حديث أبي جهم (٢).
الثالث: حديث ابن عباس (إِذْ جَاءَ رَاكبًا عَلَى الأتَانِ (٣) بِمِنىً) (٤).
الرابع: حديث ابن عمر (كَانَ رَسُولُ الله، ﷺ ، تُرَكَّزُ لَهُ الْحَرْبَةُ يَوْمَ الْعِيدِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا وَالنَّاسُ يَمرُّوُنَ مِنْ ورَائِهَا) (٥).
الخامس: حديث طلحة بن عبيد الله: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَديْهِ مِثْلَ
стр. 333
مُؤَخَّرَةِ الرِّحْلَ وَلَا يُبَالِي مَا مَرَّ وَرَاءَهَا) (١).
السادس: حديث سلمة بن الأكوع: (كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ الله، ﷺ ، وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الْمُشَاةِ) (٢).
السابع: حدِيث أبي ذر: (عنْ رسولِ الله، ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الَأسْوَدُ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَا بَالُ الْكَلْبِ الَأسْوَدِ؟ قَالَ: الْكَلْبُ الَأسْوَدُ شَيْطَان) (٣).
الثامن: حديث عائشة، وقد ذكر عندها ما يقطع الصلاة فقالت: لبئس ما عدلتمونا بالكلاب"لَقَدْ رَأَيْتَنِي نَائِمَةٌ مِنْ قِبْلَةِ رَسُولِ الله، ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" (٤) الحديث.
والسترة من محاسن الصلاة ومكملاتها وفائدتها قبض الخواطر عن الإشارة وكفّ النظر عن الاسترسال حتى يكون العبد مجتمعًا للمناجاة التي حضرها والتزمها وبه قال عامة الفقهاء.
وقال قوم رأسهم أحمد بحديث أبي هريرة "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَصًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخِطّ خَطًّا" أخرجه أبو داود (٥) وغيره.
стр. 334
واختلفوا في صورة الخط، فمنهم من قال يكون متقوسًا (١) كهيئة محاربينا.
ومنهم من قال يكون (٢) طولاً.
واختلفوا فمنهم من قال يكون من المشرق إلى المغرب.
ومنهم من قال يكون من الشمال إلى الجنوب (٣).
وهذا الحديث لو صحّ لقلنا به إلا أنه معلول فلا معنى للنصب فيه.
стр. 335
قال لي أبو الوفاء علي بن (١) عقيل وأبو سعيد (٢) البرداني، شيخ (٣) مذهب أحمد: كان أحمد بن حنبل يروي أن ضعيف الأثر (٤) كالعدم لا يوجب حكمًا (٥)، والنظر أصل من أصول الشريعة عليه عوَّل السلف، ومنه قامت الأحكام وبه فصل بين الحلال والحرام.
وأما هيئة السترة فإن تكون في طول الذراع لأنها بقدر الرحل الواردة في الحديث (٦).
وأن تكون بغلظ الرمح لأن النبي، ﷺ ، كان يصلي إليه.
وقد تفطَّن مالك، ﵁، لهذا فجمع بينهما حين قال (السُّتْرَةُ قَدْرَ الذِّراعِ في جلَّةِ الرّمحِ) (٧)، فإذا وضعها بين يديه فلا يجعلها قبالة وجهه لحديث المقداد (٨) قال: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّي إِلَى عَمُودٍ أَوْ شَيْءٍ فَعَمَدَ إِلَيْهِ عَمَدًا وَإِنَّمَا كَانَ يَجْعَلُهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِه) (٩).
стр. 336
وليجعل بينه وبين سترته من المسافة مقدار ما يحتاج لسجوده ولا يتأخر عنها تأخرًا كثيرًا، ولا يتقدم إليها كثيرًا حتي إذا أراد أن يسجد تأخر عنها لأن ذلك عمل في الصلاة، وقد رأيت بعض الغافلين ممن ينتصب للتعلم (١) يفعل ذلك وهي جهالة فمتى تركها خالية بمقدار السجود فأراد شيء أن يمرّ بينه وبينها فليمنعه.
كَانَ النَّبِيُّ، ﷺ ، يُصلِّي فَأَرَادَتْ شَاةٌ أن تَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُتْرَةِ فَدارَأَهَا حَتَي ألصَقَ بَطْنَهَا (٢) بِالْحَائِطِ فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهَا (٣). وكذلك يفعل بكل ما يدارئه ويدافعه بعد أن يعتذر إليه بالغمز والإشارة. رواه أشهب (٤) عن مالك، ﵁ (٥).
مسألة أصولية: قال النبيّ، ﷺ : "فَإِنَّمَا هوَ شَيْطَانٌ" (٦) وليس الشيطان آدمياً ولا
стр. 337
الآدمي شيطانًا، ولكنه لمَّا أراد أن يفعل فعل الشيطان في الشغل عن الصلاة، وقطع المرء عن العبادة، جعل له مثلًا فكان تقدير الكلام فإنما هو شيطان شغلاً عن الصلاة وقطعًا كما تقول زيد البدر حسنًا وعمرو الأسد إقدامًا، والذي يبيّنه ما رواه مسلم عن ابن عمر في هذا الحديث بعينه قال فيه (فَإِنْ أَبَي فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقِرْنَيْنِ) (١) إشارة بأن صاحبه من الشياطين هو الذي قاده إلى هذا ليقطع صلاته.
ثبت عن النبي، ﷺ "أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَة شَيْطَانٌ، قِيلَ لَهُ وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَلاَ أَنَا إِلَّا أَنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فلا يَأَمُرَنِي إِلَّا بِخَيْرٍ" (٢).
مزلة قدم
إن لم يجعل سترة جاز.
فقد صلى النبي، ﷺ (٣)، رواه النسائي وأبو داود، ومثله حديث ابن عباس "زَارَنَا الْنَّبِيُّ، - صلي الله عليه وسلم -، فصلى دونها" رواه النسائي وقال (في بَادِيَةٍ لَنَا وَكَانَتْ لَنَا كَلْبَةٌ وَحِمَارَةٌ فَصَلَّي إِلَى غَيْرِ سِتْرَةٍ وَهُمَا يَدْنوَانِ مِنْهُ لَا يَتَأخَّرَانِ وَلَا يُؤَخِّرُهُمَا) (٤).
стр. 338
وقد غلط بعض الناس ههنا فقالوا: إذا صلى إلى غير سترة فلا يمر أحد بين يديه بمقدار رمية السهم، وقيل بمقدار رمية حجر، وقيل بمقدار رمية رمح، وقيل بمقدار المطاعنة، وقيل بمقدار المضاربة بالسيف (١) وهذا كله خطأ أوقعهم فيه قوله (فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتلْهُ) فحملوه على أنواع القتال (٢)، ولم يفهموا أن القتال هي المدافعة لغة كأن يبدأ وابآلة. نعم حتى قال بعضهم وباللسان وليس بصحيح لما ثبت عن النبي، ﷺ قال في الصائم (إِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أو شَاتمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (٣)، ففرق بينهما، وحريم المصلي سواء وضع بين يديه سترة أو لم يضعها بمقدار ما يستقل قائمًا وراكعًا وساجدًا لا يستحق من الأرض كلها التي هي المسجد العام، ولا من المسجد الخاص سواها، وسائر ذلك لغيره، ولا يقاتل إلا من أدرك بيديه إذا مّدها وما وراء ذلك لا يمد إليه يدًا ولا يمشي إليه قدمًا، فإن فعل أبطل صلاته، فإن دافعه فنفذ ومشى فلا يقطع الصلاة كائنًا ما كان، وبه قال عامة الفقهاء من الصحابة فمن دونهم. ولله درُّ مالك، ﵁، فإنه ذكر الأحاديث التي تمنع القطع، وعلم أن هناك أحاديث سواها، فأدخل عن علي بن أبي طالب أحد الخلفاء أنه قال (لَا يَقْطَعُ الصلاَةَ شَيْءٌ) (٤) وإذا عمل الخلفاء بأحد الحديثين كان ترجيحًا له.
стр. 339
الثاني: قال ابن عمر وأنس (١) بن مالك والحسن بن أبي الحسن البصري يقطع الصلاة (المرأة والحمار والكلب (٢) الأسود).
الثالث: قال أحمد بن حنبل في نفسي من الحمار والمرأة شيء (٣).
الرابع: يقطعها الكلب الأسود خاصة (٤).
الخامس: والمرأة الحائض (٥).
فأما ما رواه أهل الخلاف عن عبد الله بن عمر (٦) فضعيف لأن مالكًا روى عن ابن شهاب عن سالم ابنه عنه أنه قال (لاَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَئٌ) (٧) ومالك، ﵁، أصح رواية من سواه وسالم ابنه أقعد به من غيره.
وأما الحائض فقد روي عن ابن عباس مسندًا إلى النبي، ﷺ (أنَّهُ قَالَ لَا يَقْطَعُ
стр. 340
الصَّلاَةَ فَذَكَرَ حَتَّى قَالَ وَالْحَائِضُ) (١) وهو حديث ضعيف أخرجه أبو داود والدارقطني وضعفاه.
وأما سائر الأقوال فقد أسقطها حديث عائشة، ﵂ (لَبِئْسَ مَا عَدَلْتُمُونَا بِالكِلاَبِ) (٢) وأقواها رواية مسلم عن أبي ذر في قوله (الْكَلْب الأَسْودُ شَيْطَانٌ) (٣)، وقد قال في ذلك علماؤنا قولًا بديعًا. إن معنى قوله يقطع الصلاة يشغل عنها ويحول دون الإقبال عليها. ولو أراد غير ذلك لقال يفسد الصلاة أو يبطلها (٤).
فأما المرأة فتقطعها بفتنتها، وأما الحمار فيقطعها ببلادته ونكوصه، فإنه إذا زجر لم ينزجر وإذا دفع لم يندفع، وأما الكلب الأسود فبنفرة النفس، فإن السواد مكروه عند النفس، فإذا رأت معه لمعة بيضاء سكنت إليه فإنها خلقت من نور ولذلك تستوحش من الظلام ومن الغيم، وجعلت جهنم (٥) سوداء كالقار، ولذلك جعل علامة العذاب اسوداد
стр. 341
الوجوه (١)، وجعلت علامة النجاة ابيضاض الوجوه (٢).
وضع اليدين علي الصدر في الصلاة والقنوت وصلاة الرجل وهو حاقن
اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاث روايات. تركها في كل صلاة لأنها عمل واعتماد يستغنى عنه (٣)، فعلها في النافلة دون الفريضة لأنها تحتمل العمل دون الفريضة (٤)، فعلها فيهما جميعًا لأنها استكانة وخضوع (٥) وهو الصحيح.
روى مسلم (أُمِرْنَا أَنْ نَضعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنا في الصَّلاةِ) (٦). وأما القنوت ففيها للعلماء ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يقنت في الصلاة بحال واختاره أحمد (٧).
الثاني: أنه يقنت قبل الركوع واختاره مالك، ﵁ (٨).
الثالث: أنه يقنت بعد الركوع (٩) واختاره الشافعي، ﵁.
стр. 342
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (الْقُنُوتُ في الصُّبْحِ (١) وَالظُّهْرِ (٢) والْمَغْرِبِ (٣) وَالْعِشَاءِ).
وثبت أن رسول الله ﷺ ، قنت قبل الركوع وبعد (٤) الركوع، ورأى أحمد ابن حنبل أن قنوت النبي ﷺ ، إنما كان لسبب فيما كان ينزل بالمسلمين، والأحكام إذا كانت معلَّقة بالأسباب زالت بزوالها (٥)، ورأى مالك، ﵁، والشافعي أن ذلك من كلب العدو ومقارعته معنى دائم فدام القنوت بدوامه، ونظروا أيضًا إلى أن النبي ﷺ , وإن كان ثبت عنه القنوت في الصلوات فالذي استمر عليه عمله القنوت في الصبح (٦) فقصره علماؤنا على ما استمر عليه.
стр. 343
ولما قنت النبي ﷺ ، قبل الركوع وبعده اختار عمر ﵁، بعده قبل الركوع لما كان أصلح للأمة وأرفق بهم في إدراكهم الركعة (١).
واختلف قول مالك، ﵁، في سجود السهو لمن تركه فلم يدخل في ترجمة الموطّأ فيه إلا رواية نافع عن ابن عمر أنه كان لا يقنت في الصلاة تنبيهًا على أنه خفيف لا يلزم في أصله فعلاً ولا يشرع له سجود جبرانًا (٢).
وأما حديث عبد الله (٣) بن الأرقم (٤) فاختلف العلماء في تعليله، فمنهم من قال علته
стр. 344
عدم الخشوع والإقبال على أفعال الصلاة، ومنهم من قال علّته أنه انصب للخروج فإذا حقنه فكأنه حبسه في ثوبه (١)، وأغفلوا علّة ثالثة وهو أنه إذا حقنه فكأنه نقض طهارته فيكون مصليًا بغير طهور وهذا إذا أخرقه وحرفه.
فأما إذا كان يسيرًا فلا اعتبار فيه، وقد رتبنا التفريغ على هذه الوجوه الثلاثة في كتب المسائل فلينظر فيها.
انتظار الصلاة: الملائكة تصلّي على العبد ما دام منتظرًا للصلاة تنبيهًا، وما دام في مصلاّه بعد الصلاة نصًا.
وقد قال (لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ في صَلَاةٍ مَا كَانَتِ (٢) الصلاةُ تَحْبِسُهُ) (٣) وقوله: مَا لَمْ يُحْدِثُ قال مالك ﵁ يريد به (الإحْدَاثَ التي تَنْقُضُ (٤) الْوُضُوءَ) (٥) فحدث المعصية أحرى أن يقطعه (٦).
حديث: ثبت عن النبي- ﷺ ، أنه قال لرجل دخل المسجد وهو يخطب (يوم
стр. 345
الجمعة) (١) على المنبر فجلس قبل أن يركع (قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ (٢)) (٣). ذهب (٤) (ش) (٥) إلى أن ذلك فضيلة، وقال مالك، ﵁، ذلك مكروه وهو الصحيح؛ لأن في صلاته انشغالاً عن خطبة الإِمام، وقد قال النبي ﷺ في الصحيح: (إِذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَة وَالإمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ) (٦).
فإذا منعه بحرمة الخطبة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فرض فأولى وأحرى أن يمنعه عن تحية المسجد وهي فضل.
الحديث (٧) الذي أوردناه آنفًا كان الرجل سليكا الغطفاني (٨) دخل وهو في هيئة بذة (٩)، فأمره النبي ﷺ ، أن يقوم فيصلي حتى يراه الناس فلعلهم أن يعودوا عليه من فضل الله عندهم (١٠).
стр. 346
فالحديث متأول تارة ومنسوخ أخرى، والمحافظة على ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فائدة المرسلين وخلافة الخلق أجمعين أَوْلى بالاعتبار (١).
(الالتفات (٢) في الصلاة والتصفيق فيها)
بوَّب مالك، ﵁، على الالتفات في الصلاة لأنه عمل خارج عنها مضاد للإقبال، ولكن سمح في اليسير منه عند الحاجة.
روي عن النبي ﷺ (أَنَّهُ كَانَ يَلْتَفِتُ في الصلاةِ يَمِيناً وَشِمَالاً غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَلْوِي عُنُقهُ)
стр. 347
رواه الشعبي وغيره (١).
قال علماؤنا، ﵏، وإنّا لنخاف أن يدخل في قول النبي ﷺ ،"وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ الله عَنْهُ" (٢).
وأما قوله (التَّصُفِيحُ (٣) لِلِنّسَاءِ) (٤) فقال (ش): أراد به بيان شرع (٥)، وقال مالك، ﵁، أراد به بيان حال (٦) لأن هذا حكمهن في الشريعة، والحق أحق أن يتّبع قال النبي ﷺ (إِنَّ الشَّيْطَانَ تَعَرَّضَ لِي في صَلَاتي فَإِنْ كَانَ شَيْء فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ ولَيُصَفِّق النِّسَاءُ) هذا نص (٧) قيل كيف يتسلط الشيطان عليه والعصمة قد ضمنت له.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: إنا نقول: إنما ضمنت له العصمة في الآية من الناس لا من الشيطان. وضمنت له العصمة بدليل آخر من الشيطان في المعاصي دون الوسواس والنزغ. ألا تري إلى قوله تعالى: ﴿وإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزَغٌ فَآسْتَعِذْ بِآللِّه﴾ (٨).
стр. 348
الثاني: أنه إنما أضاف السهو إلى الشيطان اقتداء بموسى ﵇، في قوله ﴿وَمَا أنْسَانِيه إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (١) وقد قال تعالى له: ﴿أوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَي اللهُ فَبِهُدَاهُمُ آقْتَدِهْ﴾ (٢).
الثالث: أنه كان معصومًا من شيطانه قال ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ قيل له وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله قَالَ وَلاَ أَنَا إلا أَنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ فَلَا يَأْمرَني إِلَّا بِخَيْرٍ" (٣).
فأما من غيره فقد قال ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ في الصَّلاَةِ فَدَعَرْتُة (٤) وَهَمَمْتُ أَنْ أُوثِقُهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ثُمّ ذُكِّرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيُمَانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (٥) فَتَرَكْتُهُ وَلَوْلا ذلِكَ لأَصْبَحَ يَلْعَبُ بِهِ وُلْدَانُ الْمَدِينَةِ" (٦).
فإن قيل فقد قال: "إِنِّي لأَنْسَي أَوْ أُنَسَّى لَأسُنَّ" (٧) فأخبر أن نسيانه سببًا لبيان السنة لا مسببًا للوسوسة من الشيطان.
стр. 349
قلنا: الحديث لم يصح سنده، ومع هذا فله معنى صحيح لأن الشيطان يقصد بتلبيسه على النبي ﷺ ، الفساد فخرجه الله تعالى إلى الصلاح (١) كمن يُعطى مثلًا ثيابًا أو سلاحًا بقصد المعصية فيذهب المعطى فيستعملها في الطاعة.
(الصلاة علي النبي , ﷺ -)
رويت الصلاة على النبي، ﷺ ، من طرق منها طريق كعب بن عجرة أنه قال: (قُلْنَا يَارَسُولَ الله قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَسَكَتَ حَتَّى أَنْزَلَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: قولُوا الْلَّهُم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) (٢) الحديث. فقول الله تعالى: بيان لفظ الصلاة على النبي، ﷺ ، وأنزله في هذه المسألة بالوحي فصار حدًا محدودًا لا يحل لأحد الزيادة فيه ولا النقصان منه. ووهم شيخنا أبو محمَّد ابن أبي (٣) زيد في هذه المسألة وهمًا قبيحًا خفي فيه عليه علم الأثر والنظر فقال في صفته: الصلاة على النبي، ﷺ ، اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد وأرحم محمدًا (٤).
وقوله: وارحم محمدًا كلمة ليس لها أصل إلا في حديث ضعيف وردت فيه خمسة ألفاظ (الْلَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَدٍ وَارْحَمْ وَبَارِكْ وَتَحَنَّنْ وَسَلِّمْ) (٥).
стр. 350
ومثل هذا الحديث لا ينبغي أن يُلتفت إليه في العبادة، ثم نزل أبو محمَّد إلى درجة النظر فليته اختار قوله وسلم ولكنه اختار وارحم، وخفي عليه أن قوله: وارحم معنى قوله صلِّ لأن صلاة الله تعالى رحمة. فحذارِ أن يقولها أحد وليقتدِ بالمعلم الأكبر محمَّد ﷺ .
أما إنه قد اختلفت الرواية في لفظ الحديث على ثلاثة أوجه:
أحدها: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صليت على إِبراهيم وبارك علي محمَّد وعلى آل محمد كما باركت على إِبراهيم (١).
الثاني: أنه روي: كما باركت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم (٢).
الثالث: أنه روي بدل قوله: وآل محمَّد وأزواجه وذريته (٣).
وقد اختلف في الآل هل هم أهل بيته (٤)، أو أمته (٥)، والصحيح أنهم أمته وقد بيَّناه
стр. 351
في موضعه.
أما إنَّ أبا هُرَيْرَة قد روى هذ الحديث فزاد فيه "الْلَّهُمَّ صَلِّ عَلَي محَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ" (١) الحديث إلى آخره وهو حديث لا بأس به خرَّجه الداودي (٢).
واختلف في معنى قوله: (كما صليت على إِبراهيم) على عشرة أقوال:
أحدها: أنه قيل له ذلك قبل أن يعرف بشفوف منزلته.
الثاني: أنه سأل ذلك لنفسه وأهل بيته لتتم النعمة عليه والبركة كما أتمها عليهم.
الثالث: أنه سأل ذلك له ولأمته.
الرابع: أنه سأل ذلك ليضاعف له فيكون لإبراهيم ﵇ أصليًا وله مضاعفًا.
الخامس: أنه سأل الدوام فيه ليجزى إلى يوم القيامة.
السادس: أنه يحتمل أن يكون ذلك بدعاء أمته، أعطاهم الله تعالى هذه الفضيلة بأن يُكَرَّم رسوله على ألسنتهم.
السابع: أن الله تعالى شرَّع ذلك ثوابًا لهم. قال ﷺ :"مَنْ صَلَّى علَيَّ صلَاةً صَلَّي الله تَعَالَي عَلَيْهِ عَشرًا" (٣).
стр. 352
روينا في الأحاديث المنثورة أن النبي، ﷺ ، قال. "إِنَّ الله وَكَّلَ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي صَلَاةَ كُلِّ مِنْ يُصَلِّي عَلَي مِنْ أُمَّتي" (١).
الثامن: أنه أراد أن يبقى له ذلك لسان صدق في الآخرين مقرونًا بما وهب الله تعالى من ذلك لإِبراهيم.
التاسع: أن معناه اللَّهمَّ ارحمه رحمة في العالمين تبقي له بها دينه إلى يوم الدين.
العاشر: أن معناه اللَّهمَّ صلِّ عليه صلاة تتخذه بها خليلًا كما اتخذت إِبراهيم خليلًا لا جرم فإنه ﷺ قال في آخر خطبة خطبها. "لَوْكُنْتُ مُتَّخذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَليلًا لَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله" (٢).
وقد تتبعنا هذه الأقوال بالتنقيح، وشرحناها في شرح الصحيح فخذوها هنا جملة واطلبوها هنالك تفصيلًا (٣).
стр. 353
حديث ابن عمر (١) رواه بعضهم يصلّي على النبي ﷺ ويدعو لأبي (٢) بكر وعمر (٣). قال لنا الفقيه الإِمام أبو سعيد الزنجاني الشهيد (٤) قال لنا الأستاذ أبو المظفر (٥) شاهفور:
اختلف الناس هل يُصلِّى على غير النبي، ﷺ أم لا؟ فقيل: ذلك جائز. وقيل: الصلاة للنبي ﷺ ، والرضوان لأصحابه والرحمة لسائر المؤمنين وهي خطط مخصوصة تميزت كل مرتبة بخطة منها.
وقد تعلق بعضهم بما روى عن النبي ﷺ "أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ صلِّ عَلَي آلِ أبي أَوفَي" (٦). وقيل لا حجة في هذا الحديث لأنه كان مخصوصاً بالنبي، - صلي الله عليه وسلم -، أمر أن يصلي على من جاء بصدفته عوضًا له منها فقيل له ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتك سَكنٌ لهُمْ﴾ (٧)، وهذا معنى مختص به. هذه المسألة اجهادية وقد بيّناها في موضعها، والصحيح عندي أن الصلاة مخصوصة بالنبي ﷺ (٨).
فأما ما روي ص ابن عمر أنه كان يصلّي على النبي، ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، ﵄، فإن معناه يدعو لأبي بكر وعمر، ﵄، كما رواه بعضهم
стр. 354
ولكنه ألحق الثاني بالأول لفظاً كما قال الشاعر:
علفتها تبنًا وماء باردًا (١) ...........................
وكما قال الاخر:
ورأيت زوجك في الوغا ... متقلدًا سيفًا ورمحا (٢)
حديث: قوله "أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنَا" (٣) الحديث. قال بعض الناس: معناه أنه كان يرى من وراء ظهره ممن كان على يمينه أو يساره، فإنه كان يلتفت إليه التفاتًا لا يلوي عنقه، وهذا ضعيف لا يميل إليه إلا ضيِّق الحوصلة في العلم بل كان ﷺ يري ما وراءه كما يري ما أمامه فإن الإِدراك معنىً يخلقه الله تعالى في العين على قدر ما يريد أن يبصر الرائي من المرئيات (٤)، أَوَلا تراه يري الجنة في عرض الحائط (٥) ولا يراها أحد، ويرى جبريل ولا يراه غيره (٦).
стр. 355
فإذا أدرك نبيك، أيها العبد، ما لم تدرك فاعلمْ أنه يرى من حيث لا ترى وذلك سواء، ولا يستبعد ذلك إلا جاهل؛ فقد خلق الله المرآة دليلاً على غيب القدرة فإنك ترى فيها نفسك وترى فيها ماوراءك، وليس الذي تراه في المرآة مثالاً بل هو نفس المرئي بعينه؛ والدليل القاطع على ذلك أن المرآة تكون فيِ غلظ قشرة البيضة ثم تقابل بها وجهك فتدنو من المرآة فترى الدنو فيها، وتبتعد عنها ذراعًا وذراعين فترى البعد فيها، ومحال أن يكون ذلك الدنو والبعد الكثير في غلظ قشر البيضة، فدل على أن الذي تدرك إنما هو حقيقة المرئي.
حديث: "كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِباً وَمَاشِياً" (١)، وقال ﷺ "لا تَعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَي ثَلَاثَةِ مَسَاجِدٍ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هذَا وَمَسْجِدِ إِيلِيَّاءَ" (٢) الحديث.
فثبت فضل هذه الثلاثة مساجد بالقول والفعل، ثم حدثت البدع في الخلق فعادوا يختارون المساجد، وليس في الأرض مسجد له فضل على غيره لا هم إلا مساجد الثغور (٣) لما فيها من فضل الرباط، ولكن تفطَّن مالك، ﵁، لسعة باعه في العلم، وعِظَمِ اطّلاعه بالنظر، إلى مسألة فأتت من سواه وذلك أنه قال: (مَنْ نَذَرَ أنْ يَصُومَ في مَسْجِدِ الربَاطِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ" (٤) وذلك لأن حماية الثغر تجتمع مع الصوم ولا تجتمع مع الصلاة.
حديث أبي قتادة في حمل النبي أمامة قال فيه مالك: "كَانَ يصلي وَهُوَ حَامِلٌ