← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في موضعه. أما إنَّ أبا هُرَيْرَة قد روى هذ الحديث فزاد فيه "الْلَّهُمَّ صَلِّ عَلَي محَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ" (١) الحديث إلى آخره وهو حديث لا بأس به خرَّجه الداودي (٢). واختلف في معنى قوله: (كما صليت على إِبراهيم) على عشرة أقوال: أحدها: أنه قيل له ذلك قبل أن يعرف بشفوف منزلته. الثاني: أنه سأل ذلك لنفسه وأهل بيته لتتم النعمة عليه والبركة كما أتمها عليهم. الثالث: أنه سأل ذلك له ولأمته. الرابع: أنه سأل ذلك ليضاعف له فيكون لإبراهيم ﵇ أصليًا وله مضاعفًا. الخامس: أنه سأل الدوام فيه ليجزى إلى يوم القيامة. السادس: أنه يحتمل أن يكون ذلك بدعاء أمته، أعطاهم الله تعالى هذه الفضيلة بأن يُكَرَّم رسوله على ألسنتهم. السابع: أن الله تعالى شرَّع ذلك ثوابًا لهم. قال ﷺ :"مَنْ صَلَّى علَيَّ صلَاةً صَلَّي الله تَعَالَي عَلَيْهِ عَشرًا" (٣).

стр. 352

روينا في الأحاديث المنثورة أن النبي، ﷺ ، قال. "إِنَّ الله وَكَّلَ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي صَلَاةَ كُلِّ مِنْ يُصَلِّي عَلَي مِنْ أُمَّتي" (١). الثامن: أنه أراد أن يبقى له ذلك لسان صدق في الآخرين مقرونًا بما وهب الله تعالى من ذلك لإِبراهيم. التاسع: أن معناه اللَّهمَّ ارحمه رحمة في العالمين تبقي له بها دينه إلى يوم الدين. العاشر: أن معناه اللَّهمَّ صلِّ عليه صلاة تتخذه بها خليلًا كما اتخذت إِبراهيم خليلًا لا جرم فإنه ﷺ قال في آخر خطبة خطبها. "لَوْكُنْتُ مُتَّخذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَليلًا لَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله" (٢). وقد تتبعنا هذه الأقوال بالتنقيح، وشرحناها في شرح الصحيح فخذوها هنا جملة واطلبوها هنالك تفصيلًا (٣).

стр. 353

حديث ابن عمر (١) رواه بعضهم يصلّي على النبي ﷺ ويدعو لأبي (٢) بكر وعمر (٣). قال لنا الفقيه الإِمام أبو سعيد الزنجاني الشهيد (٤) قال لنا الأستاذ أبو المظفر (٥) شاهفور: اختلف الناس هل يُصلِّى على غير النبي، ﷺ أم لا؟ فقيل: ذلك جائز. وقيل: الصلاة للنبي ﷺ ، والرضوان لأصحابه والرحمة لسائر المؤمنين وهي خطط مخصوصة تميزت كل مرتبة بخطة منها. وقد تعلق بعضهم بما روى عن النبي ﷺ "أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ صلِّ عَلَي آلِ أبي أَوفَي" (٦). وقيل لا حجة في هذا الحديث لأنه كان مخصوصاً بالنبي، - صلي الله عليه وسلم -، أمر أن يصلي على من جاء بصدفته عوضًا له منها فقيل له ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتك سَكنٌ لهُمْ﴾ (٧)، وهذا معنى مختص به. هذه المسألة اجهادية وقد بيّناها في موضعها، والصحيح عندي أن الصلاة مخصوصة بالنبي ﷺ (٨). فأما ما روي ص ابن عمر أنه كان يصلّي على النبي، ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، ﵄، فإن معناه يدعو لأبي بكر وعمر، ﵄، كما رواه بعضهم

стр. 354

ولكنه ألحق الثاني بالأول لفظاً كما قال الشاعر: علفتها تبنًا وماء باردًا (١) ........................... وكما قال الاخر: ورأيت زوجك في الوغا ... متقلدًا سيفًا ورمحا (٢) حديث: قوله "أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنَا" (٣) الحديث. قال بعض الناس: معناه أنه كان يرى من وراء ظهره ممن كان على يمينه أو يساره، فإنه كان يلتفت إليه التفاتًا لا يلوي عنقه، وهذا ضعيف لا يميل إليه إلا ضيِّق الحوصلة في العلم بل كان ﷺ يري ما وراءه كما يري ما أمامه فإن الإِدراك معنىً يخلقه الله تعالى في العين على قدر ما يريد أن يبصر الرائي من المرئيات (٤)، أَوَلا تراه يري الجنة في عرض الحائط (٥) ولا يراها أحد، ويرى جبريل ولا يراه غيره (٦).

стр. 355

فإذا أدرك نبيك، أيها العبد، ما لم تدرك فاعلمْ أنه يرى من حيث لا ترى وذلك سواء، ولا يستبعد ذلك إلا جاهل؛ فقد خلق الله المرآة دليلاً على غيب القدرة فإنك ترى فيها نفسك وترى فيها ماوراءك، وليس الذي تراه في المرآة مثالاً بل هو نفس المرئي بعينه؛ والدليل القاطع على ذلك أن المرآة تكون فيِ غلظ قشرة البيضة ثم تقابل بها وجهك فتدنو من المرآة فترى الدنو فيها، وتبتعد عنها ذراعًا وذراعين فترى البعد فيها، ومحال أن يكون ذلك الدنو والبعد الكثير في غلظ قشر البيضة، فدل على أن الذي تدرك إنما هو حقيقة المرئي. حديث: "كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِباً وَمَاشِياً" (١)، وقال ﷺ "لا تَعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَي ثَلَاثَةِ مَسَاجِدٍ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هذَا وَمَسْجِدِ إِيلِيَّاءَ" (٢) الحديث. فثبت فضل هذه الثلاثة مساجد بالقول والفعل، ثم حدثت البدع في الخلق فعادوا يختارون المساجد، وليس في الأرض مسجد له فضل على غيره لا هم إلا مساجد الثغور (٣) لما فيها من فضل الرباط، ولكن تفطَّن مالك، ﵁، لسعة باعه في العلم، وعِظَمِ اطّلاعه بالنظر، إلى مسألة فأتت من سواه وذلك أنه قال: (مَنْ نَذَرَ أنْ يَصُومَ في مَسْجِدِ الربَاطِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ" (٤) وذلك لأن حماية الثغر تجتمع مع الصوم ولا تجتمع مع الصلاة. حديث أبي قتادة في حمل النبي أمامة قال فيه مالك: "كَانَ يصلي وَهُوَ حَامِلٌ

стр. 356

أُمَامَةَ" (١). وروي في الصحيح (كَانَ يُصَلّي (٢) بِالنَّاسِ، وَرُويَ كَانَ يَؤُمُّ الناسَ (٣) خَرَجَ النَبِيُ، ﷺ ، وَأُمَامَةُ عَلَي عُنُقِهِ فَأحْرَمَ وَهِيَ كَذَلِكَ فَلَمَّا أَرَادَ أنْ يَرْكَعَ وَضَعَهَا في الَأرْضِ فَلَمَّا قَامَ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا إِلَي مَوْضِعِهَا حَتَّى أَكْمَلَ صَلاَتَهُ). واختلف الناس فيه؛ فقرأنا في موطأ عبد الله بن يوسف التنيسي (٤) أنه قال: سالت مالكًا عن هذا الحديث فقال هو منسوخ، وقال غيره إنما احتملها (٥) لأنها علقت به فلو تركها لأضرّ ذلك بها. والصحيح عندي , من هذه الأقوال، ما أشار إليه مالك، ﵁، من أنه متروك لأنها إن علقت (٦) به يمكن أن يشغلها بشئ آخر سواه لضعف عقل الصبي؛

стр. 357

إذ لا يثبت له ما يراه وإذا غاب عنه سهاه، وإن احتاج الصغير إلى الضبط فليدفعه إلى غيره، ولو كانت أمها زينب مشتغلة فغيرها كان فارغًا. فليس يثبت عند السير إلا أن الصلاة، في صدر الإِسلام، كانت تحتمل العمل والكلام ثم نسخ الله تعالى ذلك فلا يجوز فيها عمل ولا كلام إلا أن يعود إلى مصلحتها، على اختلاف بين العلماء وقد تقدم. حديث: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة بِالْلَّيْل وَمَلَائِكَة بِالنَّهَارِ" (١) إلى آخره. الباري، ﵎، محيط بالكل، عالم بالجميع، له الحجة البالغة التي لا يتطرق إليها اختلال، ولا يتوجه عليها سؤال، فلو شاء ما قرن الملائكة بالخلق لكتب الأعمال ولكنه كما جاء في الحديث. (أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالكمْ أُحْصيهَا عَلَيْكُمْ فَنُوَفِّي كُل أَحَدٍ عَلَى عَمَلِهِ) (٢)، فإن أقرَّ أخذ به وإن أنكر شهدت كل جارحة على نفسها وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ (٣) الآية إلى آخرها. وخلق الباري الأزمنة كما قدمنا سواء، وفضَّل بعضها على بعض بما شاء، حسب ما

стр. 358

تقدم بيانه. فمن فضائل النهار تعاقب الملائكة ومن فضائل الليل نزول الربِّ إلى سماء الدنيا (١). وأما سؤاله تعالى: كيف تركتم عبادي؟ فليس بسؤال استخبار فإنه أعلم بهم، وإنما هو سؤال تشريف يشرّفهم بذكرِه. قال النبي، ﷺ ، لأُبيّ بن كعب: (إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ فَقَالَ أَوَذُكرْتُ هُنَاكَ وَذَرَفتْ عَيْنَاهُ) (٢). فقول الملائكة: تركناهم وهم يصلون، فيحب الباري تعالى أن يسمع ذكرهم بالطاعة. قال أهل الإشارة (٣): ذلك لتقوم الحجة على الملايكة حين قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٤). حديث "مرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصلِّ بِالنَّاسِ" إلى آخره، قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: إِنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسَيْفُ (٥)، فَمُرْ عُمَرَ، فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ صلَّى فَأَفَاقَ النَّبِيُّ، ﷺ ، مِنْ غُمْرَتِهِ وَسَمَعَ صوْتَ عُمَر فَقَالَ: مَا هذَا؟ قِيلَ: عُمَر يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَقَالَ: يَأْبَى الله ذلِكَ والمُسْلِمُونَ، ثَلَاثَاً، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَأَعَادُوا عَلَيْهِ فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ قَالَ إنكُنَّ لأنْتُنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ" (٦).

стр. 359

ففيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: تعيير الجنس كله بما يفعله بعضه إذ أعاد ذلك إلى حماية الدين ولم يكن بمتعلقات الدنيا (١). الفائدة الثانية: الإشارة إلى نقصان عقلهن الذي جبلن عليه في أصل الفطرة (٢). الثالثة: وهي أعظمها، أن معناه أنا أدعوكم إلى الحق وأنتن تردن أن تصرفنني إلى الباطل كما فعلت امرأة العزيز يوسف، فإنه كان يدعوها إلى العصمة وهي تدعوه إلى المعصية (٣). وهذه شهادة منه ﷺ بالتبرئة ليوسف، ﵇. وقد مهدنا ذلك في موضعه وهذا كقوله (٤) "الْلَهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" (٥) معناه. أعنّي عليهم

стр. 360

بجوع يظهرني عليهم ويبين صدقي عليهم كما كان جوع أهل مصر سبباً لتبرئة يوسف، ﵇، وظهور نبوته، وقد قيل كانت الصلاة التي جرى فيها هذا كانت صلاة العشاء الأخيرة. حديث ابن عمر "كَانَ النَّبِي، ﷺ ، يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ" (١) الحديث. روي عن النبي، ﷺ ، في النافلة آثار كثيرة قولًا وفعلاً أشهرها اثنتا عشرة ركعة في كل يوم؛ أربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان قبل العصر (٢) وركعتان بعد المغرب (٣) بالبيت. فقيل لأنها من صلاة الليل وصلاة الليل مخصوصة بالبيت، وقيل كان ينصرف إلى فطره وتقديم الفطر أفضل من صلاة النافلة، وقيل إنما كان ينصرف لينصرف أصحابه إلى عشائهم وراحتهم لأنه كان يشقُّ عليهم أن يتركوه في المسجد ويذهبوا عنه، وقيل إنما كان ينصرف إلى بيته ويخصه بالصلاة فيه، في ذلك الوقت، لأنه الوقت الذي قال الله تعالى فيه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٤) فكان يحب أن يجعل من صلاته في مضجعه في ذلك الوقت (٥)، وكذلك الركعتان بعد الجمعة كان يصليهما في بيته وكذلك قال علماؤنا

стр. 361

يصلي الإمام يوم الجمعة الركعتين في بيته (١). فأما المأموم فليصليها في بيته، أو حيث شاء، فإن صلاّها في المسجد فلا يصليها، وهي الفضيلة في كل صلاة ألا توصل بنافلة بعدها حتى يقطع ما بينهما بعمل أو كلام. وقد روى الأشعثي (٢) أن النبي ﷺ (سَلَّمَ مِنْ صَلاَةٍ فَقامَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَجَذَبَة عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ، ﵁، وَقَالَ (٣) لَا تُوصِلْ صَلاَةً بِصَلاَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ : أَصَابَ الله بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب) (٤)، وهذا مما وافق فيه عمر ربه فليلحق به. فهذه أصول النوافل، فمن المستكثر ومن المستقل، فلو ترك رجل النوافل كلها واقتصر على الفرائض ماذا يقال له؟ قلنا: يقال له: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ لأنه قال له: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ. لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ (٥). الحديث. وهذا كلام صحيح لكن فيه نكتتان. إِحداهما: أن الفريضة رأس مال والنافلة ربح، ولا يصون رأس المال عن العوارض إلا الربح.

стр. 362

الثانية: أن النبي، ﷺ ، إنما قال له ذلك لأنه كان أول ما أسلم، فأراد أن يطمئن فؤاده عليها، وبعد ذلك يفعل هو سواها مما يظهر من ترغيب الإسلام. قال أهل الإشارة (١): لا يتم للرجل القيام بالفريضة حتى تكون له نافلة لأنه إذا أكثر من النوافل جاء إلى الفريضة مطمئن القلب نشيط الجوارح مقبوض القلب عن الخواطر فتكون الصلاة له محفوظة من أولها، وإذا خرج إلى الفريضة من الغفلة وابتدأ بها لم يكن يطمئن فؤاده ولا كمل نشاطه إلا في آخرها فلا يستوي أولها وآخرها. عارضة: كنت بالمسجد الأقصى، طهَّره الله تعالى، حتى جاء إلى الحلقة رجلان فقال أحدهما: كنتُ ألعبُ مع هذا بالشاة فلما توسطنا في الدست وقع بيني وبينه كلام فقلت: امرأتي طالق إن لعبت معك أبداً إلَّا هذا الدست. ثم جاء ما قطع بيننا عن استكماله (٢) فهل أحنث أم لا؟. فاختلف المفتون، فمنهم من قال: يحنث لقول النبيّ، ﷺ "هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا إِنْ تَطَّوَّعَ" فإذا تطوع لزمه (٣). وقال آخرون: لا شيء عليه لأنه حرم بيمينه على نفسه اللعب وأبقى ذلك الدست مباحًا، فإن شاء استوفى المباح استوفاه، وإن شاء أن يتركه تركه، وهذا الذي اختاره الطرطوشي (٤) وعطاء (٥) فقيه الشافعية لأن لزوم التطوع بالشروع في النافلة لم يكن من باب الاستثناء وإنما كان من قبيل آخر، وقد بيّنّاه في مسائل

стр. 363

الخلاف ثم لقيت نصر (١) بن إبراهيم بدمشق فسألته فصوَّبها. مزيد بيان: ورد في الصحيح زيادة في هذا الحديث أنه قال: "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" (٢) فإن قيل كيف قال النبي ﷺ ،هذا وقد ثبت عنه أنه قال: "لَا تَحْلِفُوا بَآبَائِكُمْ وَلَا بِالأُمَّهَاتِ" (٣). قلنا: قد مهّدنا الجواب في شرح الصحيح عند ذكر هذا الحديث. لبابه أنه ليس بينهما تعارض لأن القول والفعل مخصوص به، ألا ترى إلى قوله (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ) (٤)، ثم أقسم الله بالسماء والأرض (٥) والسحاب (٦) والرياح (٧) والسفن (٨) ولم يكن ذلك معارضة. وقيل إنما كان ذلك في صدر الإسلام أبّان كانت نفوسهم مملوءة من تعظيم غير الله تعالى فنهوا أن يعظموا غيره، فلما امتلأت صدورهم من تعظيم الله ، وتيقّنوا أنه لا عظيم سواه، رخص لهم في استرسال الألسنة على الأقسام بما شاؤوا من الكلام ما لم يكن ذلك من قبيل الأصنام.

стр. 364

وقيل إنما جرى ذلك في اللسان من غير قصد إلى اليمين (١)، بمجرى العادة، وإنما نهي عن الحلف بغير الله على قصد القسم. ألا ترى إلى قول الله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) قالت عائشة، ﵂: هي قول الرجل (لَا وَالله وَبَلَى وَالله) (٣) في أثناء الكلام إذا لم يقصد بها اليمين، ورأت أنها لا تكون يمينًا إلا مع القصد إلى ذلك. وعظَّم مالك، ﵁، حرمة اللفظ فرأى أنها يمين بمجرد القصد إلى الذكر (٤)، وما وراء ذلك من تحقيق يطلب في موضع الإحالة إن شاء الله.

стр. 365

باب صلاة العيد العيد اسم الفعل من عاد عودًا، سمي به تفاؤلًا لأن يعود، كما سميت القافلة في ابتداء خروجها إلى السفر بذلك تفاؤلًا لعودتها (١)، وهو يوم ينشر الله تعالى فيه على العباد رحمته ويوفيهم أجرتهم ويتقبل منهم طاعتهم، وهي سنّة. قال علماؤنا: فرض الله تعالى خمس صلوات وسنَّ خمس صلوات، فذكروا الوتر والعيد. وقال (ح): هي واجبة لأنها مؤقتة بوقت مخصوص وتُصَلَّى في الجماعة، وشُرعت لها الخطبة فكانت واجبة أصله صلاة الجمعة (٢)، وقد بين النبي ﷺ ، الْمَفْرُوضَ مِنَ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: (وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْس قَالَ. هِلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ). وقال خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة (٣) وليس ينخرم مثل هذا الأصل بما ذكروه من كلامهم. فإن التوقيت يكون في النفل كما يكون في الفرض، ألا ترى أن ركعتي الفجر مختصة بوقت وليست بواجبة. بيان مرتبة: أمر الله تعالى بطاعته كما نهى عن معصيته، ورتَّب الطاعة المأمور بها في الشريعة على مراتب خمس ركَّب العلماء عليها وذكرها الله تعالى بأسمائها في الأربعة الألفاظ: الأولى: فرض وهو ما ذُمَّ تاركه، ثم رأينا في الشريعة طاعات ندب الله إليها ووعد بالثواب فيها، لكن لم يذم تاركها، فاختار العلماء لهذه المرتبة اسم الندب، ثم رأينا ما كان في هذه المرتبة قد انقسمت حال رسول الله ﷺ ، فيه إلى قسمين منه ما شرع له الجماعة ونصب له هيئة فسميناه سنة. ومنه ما كان يندب إليه ولا يشرع له الجماعة والهيئة فسمّيناه رغيية كقيام رمضان وركعتي الفجر.

стр. 366

وروي عن أشهب إنه قال: ركعتا الفجر سنّة (١). ولعله أخذه من حديث عائشة ﵂ (مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) (٢). ولسنا نحجر عليه الاسمية، ولكنّا نقول إنها ليست كصلاة العيد، فإذا انفصلت عنها بصفتها (٣) فلتنفصل عنها باسمها قصد البيان، ثم سمينا ما كان فيه دعاء مجرد ووعد بثواب مطلق فضيلة، مأخوذ من الفضل وهي الزيادة، ثم سمي ما عدا الفرض نفلاً؛ لأن النفل أيضًا هو الزيادة، وإذا تغايرت المعاني فلا بد من تغاير الألفاظ لأنها طبقها، فلا تحقروا هذا الفضل واتخذوه دستورًا فإنه نشأ فيه على النظار غلط عظيم. وأما التكبير في صلاة العيد قبل القراءة فاختلف فيه العلماء اختلافاً كثيراً وليس فيه حديث صحيح يعوَّل عليه (٤)، لكن يترجح مذهب مالك، ﵁، على غيره في

стр. 367

عدد التكبير فيه بالأصل الذي مهدناه لكم من نقل أهل المدينة للعبادات وهيئاتها (١). وقد قال (ش) إن السنة أن يقرأ فيها بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ على حسب ما روى (٢) مالك، ﵁، عن أبي واقد الليثي، وليس للقراءة فيها حد محدود، فإنه قد روي عنه ﷺ (أَنَّهُ قرأ فِيهَا بِغَيْر ذلِكَ) (٣). وعجبت من الشافعي يستنّ في صلاة العيد قراءة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ لأن النَبي ﷺ ، كان يقرأ بهما ويقول يصليها المسافر، والنبي ﷺ ، إنما كان يصليها في الحضر (٤). فإن قيل لمّا كانت تصلى في الصحراء ويبرز عن المدينة إليها صارت كسائر النوافل. قلنا ولمَ لَمْ ينظر إلى الجماعة والخطبة وذلك أقعد بها من البروز لها.

стр. 368

وكذلك اختلفوا في التكبير المطلق اختلافًا كثيرًا في مذهبنا وعند (١) غيرنا وأقواه في النظر أن يكون التكبير من غروب الشمس آخر أيام الصوم لقول الله (٢) تعالى ﴿وَلِتُكْمِلُوا (٣) الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٤) ففرق بينهما.

стр. 369

باب صلاة الخوف روي عن النبي، ﷺ ، أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة المتشابه منها ست عشرة مرة والصحيح منها ما نذكره الآن. منها حديث يزيد بن رومان (١) وفيه "أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وَاجَهَتْ (٢) الْعَدُوَّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً تُمَّ أَتَمّوا لأَنْفُسِهِمُ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعاً" (٣).

стр. 370

ومنها حديث سهل بن أبي حثمة (١) فذكر مثل ما تقدم لكنه قال: إِنَّ الطَّائفَة الأُوْلى لَمَّا قَضَتِ الْرَّكعَة سَلَّمُوا وانْصَرَفُوا وَالإِمَامُ قَائمٌ. والطائفة الثانية صَلَّتْ مَعِ النَّبِيِّ، ﷺ ، رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ النَبِيُّ، ﷺ ، ثُمَّ قَضوْا بَعْدَ سَلَامِهِ. ومنها حديث ابن عمر فذكر أنَّهُمْ كَانُوا طَائِفَتَيْنِ فيُصلِّي الإِمَامُ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَسْتَأْخِرُونَ، وَتَأْتِي الطَّائِفةُ الأُخْرَى فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمّ يَنْصرِفُ الْإمَامُ، وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وُيسَلِّمُ ثُمَّ تَقُومُ الطَّائفَتَانِ فَيُصَلُّونَ لأَنْفسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَةً (٢). ومنها ما أخرجه البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيّ، ﷺ ، صَلَّى بِالطَّائفَةِ الأوْلَى الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، حسب (٣) ما تقدم.

стр. 371

وروي أيضاً عن جابر مثله (إلا أنه قال فيه أنه: لَمَّا سَجَدَتِ الطَّائفَةُ الأوْلَى معَهُ جَاءَتِ الطَّائفَةُ الأُخْرَى وَسَجَدَتْ أَيْضًا ثُمَّ عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا ثُمَّ رَكَعَ بِالطَّائفَة الأوْلَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ جَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَسَجَدَتُ ثُمَ سَلَّمُوا جَمِيعًا) (١). ومنها ما روى مسلم عن جابر أن النبي، ﷺ (صَلَّى بِكُلِّ طَائِفةٍ (٢) رَكْعَتَيْنِ) (٣). وروى أبو داود عن حذيفة أن النبي، ﷺ (صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ وَلَمْ يَقْضُوا) (٤). ثم تحزب الناس فيما روي من الأخبار في صلاة الخوف، فمنهم من قال صلاة الخوف مخصوصة بالنبي، ﷺ لقوله تعالى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٥) قاله أبو يوسف (٦). قلنا: لم يذكر قول النبي، ﷺ ، فيهم على أنه شرط إنما ذكر على أنها صفة حال، والدليل عليه أنّ في يوم الخندق فاته الظهر والعصر فلم يصليهما حتى غابت الشمس. ومنهم من قال: المعمول به من هذه الأخبار ما وافق القرآن وذلك في قوله تعالى

стр. 372

﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١) الآية إلى آخرها. وهو الذي اختاره مالك، ﵁، في رواية ابن القاسم (٢). واختار الليث وأشهب رواية ابن عمر (٣). وقال أحمد بن حنبل: كل ما صح عن النبي، ﷺ ، فأنت فيه بالخيار ما صليت به منه فهو جائز (٤). وقالت طائفة: ما تحقق من الصفات أنه قد جاء بعده خلافه فالأول منسوخ لا يعمل به (٥). وقالت طائفة: صلاة الخوف إنما هي صلاة ضرورة فإنما تكون بحال الضرورة (٦)، ولذلك اختلفت صلاة النبي، ﷺ ؛ لأنه إنما قصد (٧) الإمكان وهذا الذي أختار (٨)، وهو الذي ثبت عند النظر، لكن من أدركته ضرورة فلا يخرج عن صفة من الصفات التي رويت عن النبي، ﷺ ، إلا أن يغلب.

стр. 373

باب صلاة الكسوف اختلفت الرواية عن النبي، ﷺ ، فيها، فروي أنه صلى ركعتين في أربع سجدات. وروى مسلم عَنْ عَائِشَةً، ﵂، أَنَّهُ صلَّى رَكْعَتَيْنِ في ثَلَاثِ رَكْعَاتٍ وأَربَعِ سَجْدَاتٍ (١). وروى مسلم عن ابن عباس (أَنَّهُ صلَّى ثَمَانِيَ رَكْعَاتٍ في أَربِع سَجْدَاتٍ) (٢). وروى أبو داود عن أبيّ بن كعب (أَنَّهُ صلَّى خَمْسَ رَكْعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ في الرَّكعَة الأُولى ثُمَّ فَعَلَ فَي الثَّانِيَةِ مَثْلَ ذلِكَ) (٣). وروي أبو بكرة عن النبي ﷺ (أَنَّهُ صَلَّاهَا (٤) رَكْعَتَيْنِ) وهو مذهب (ح) (٥)، والذي

стр. 374

في البخاري عن أبي بكرة (أَنَّهُ قَالَ فَإِذَا رَأيْتُمْ دْلِكَ فَصَلُّوا (١) مطْلَقًا). وروى أبو داود عن قبيصة (٢) بن المخارق الهلالي (أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيتُمْ ذلِكَ فَصَلُّوا كَأَحْدَتِ صَلاَةٍ صَلَّيْتُمُوهَا) (٣). والذي يظهر من ذلك، والله أعلم، أنه - صلي الله عليه وسلم - كان يصلي في الكسوف بقدر مدة الكسوف، فإن طال أمده طوَّل الصلاة، وإن قصر أمده قصَّر الصلاة. وأكثر الروايات أربع ركعات في أربع سجدات، فعليه فليعوَّل، وليست في صلاة الكسوف خطبة وإنما فيها كلام بحسب الحال وأفضله ما قال النبي ﷺ ، وقال (ش) فيها خطبة (٤) وتعلق بالحديث الصحيح (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاةِ الْكُسُوفِ وَ (٥) خَطَبَ النَّاسَ) (٦) وإنما معنى ذلك تكلم بكلام له بال، وذلك قوله (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله تَعَالَى). إيضاح مشكل: فإن قيل وأي آية في الكسوف وإنما كسوف الشمس حيلولة القمر بين الناس وبينها، وكسوف القمر أن تقع في ظل الأرض وهي أمور حسابية. قلنا: طلوع الشمس وغروبها آية، والسموات والأرض كلها آيات، إلا أن الآيات على ضربين منها مستمر عادة فيشق أن يحدث لها عبادة، ومنها ما يأتي نادرًا فشرع للنفس البطّالة الآمنة التعبد والرهبة عند جريان ما يخالف الاعتياد ذكرى لها وصقلًا لصريرها.

стр. 375

مزيد أيضاح: إِعلموا، وَفَّقَكم الله تعالى، أن شيئًا من الحركات العلوية في السموات ليس لها تأثير في الموجودات الأرضية، لا من الأبدان ولا من الأحوال ولا من شيء من الأشياء، وإنما الكل يتعلق بقدر الله تعالى، هو الذي يخلق بعضها مع بعض ويخلق بعضها في أثر بعض فإذا رآه الغافل قال لهذا من هذا ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (١). ومن أَغرب ما سمعت في الدنيا ما أنا أبو الحسين (٢) المبارك بن عبد الجبار (٣) ببغداد قال: أنا أبو القاسم محمد بن عبد الملك بن بشران (٤) قال أنا محمد بن عطية (٥) الزاهد قال (أنفَاسُ الْعَبْدِ الَّتِي تَجْرِي في بَدَنِهِ وَتَخْرُجُ عَلَى فَمِهِ هِيَ الَّتِي تُحَرَّكُ الأفْلَاكَ في السَّموَاتِ عَدَداً بِعَدَدٍ وَتَقْدِيراً (٦) بِتَقْدِيرٍ)، وذكر ذلك عن جماعة من الأوائل (٧)، فأضرب طائفة بطائفة وارجع إلى الله تعالى في الجميع، وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ ، بقوله: "لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ" (٨) وهذا معلوم قطعاً. توحيد: قوله "ما مِنْ أَحَدٍ أغيَرَ مِنَ الله" (٩)، والغيرة هي تغير النفس عند الحفاظ على الأهل والقيام بالأنفة في حمايتها، وذلك كله محال على الله تعالى لأنه هو الموجود الذي لا

стр. 376

يتغير، وإنما ضرب له ذلك النبي ﷺ ، مثلاً عبّر به عن وعيد الله تعالى في الزنا وعن عقوبته عليه في الدنيا بالجلد والرجم، وفي الآخرة بالنار. والغيور إذا وجد في نفسه الحفاظ قال وفعل فعبّر النبي ﷺ ، عن وعيده وعذابه بالغيرة تقريبًا له إلى الأفهام على ما قدمناه لكم من قبل (١). غائلة وبيان: قال النبي ﷺ : "يَا أمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللِّه لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كثِيراً" (٢). هذا موضع هوَّلت به المبتدعة والملحدة على أهل الدين فقالوا إن فيما أخبر به النبي ﷺ ، من أخبار الآخرة أموراً عظيمة ومعاني غريبة وذكروا باطلاً كثيرًا، وليس في قوله: "لَوْ تَعْلَمْونَ مَا أَعْلَمُ" إلا أحد معنيين. الأول: أن معناه لو علمتم عذاب الله بالمشاهدة، كما رأيته أنا في النار، لبكيتم، أو يكون معناه لو دام علمكم كما يدوم علمي لأن علم الأنبياء صلوات الله عليهم متواصل لا يقطعه جهل ولا يدركه سهو وعلومنا تدخل عليه (الخيالات) (٣) والغفلات بالانهماك في الشهوات فتركن النفس إلى البطالات حتى تصدأ فلا يصقلها إلا الذكر. تحقيق: قوله ﷺ "رَأيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ" (٤). وفي رواية (في عُرْضِ هذَا الْحَائِطِ) (٥) قد بينا لكم أن الإراك يخلفه الله ﵎ متى شاء لمن شاء حتى يدرك وهو في مقامه من العرش إلى الفرش، ومن آخر الملكوت

стр. 377

إلى بطن الحوت، وقد قال (١) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ (٢). وقد قالت قريش للنبي ﷺ : (إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصفْهُ لَنَا: فَكَرْبتُ كَرْبَةً مَا كَربْتُ مِثْلَها قَطُّ فَجَلَّى الله لِيَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَنْدَ دَارِ أبِي جَهمٍ بِالْبَلاَطِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) (٣). فإن قيل: وكيف تكون الجنة والنار في عرض الحائط؟ قلنا: حضرات يومًا مجلسًا جري فيه هذا السؤال فقال بعض الأشياخ: صقل الله تعالى له الحائط ثم كشف له الحجب فتمثلت له الجنة والنار في ذلك الجرم الصقيل، وهذا تقصير عظيم، وذلك إن كان جائزًا في حكم الله تعالى، وهو دون قدرته، ولكن لا تدعو الحاجة إليه وإنما يعدل عن الظواهر إذا خالف أدلة العقول. وقوله: في عرض الحائط متعلق بقوله رأيت، كما قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (٤). فقيل قوله: في عين حمئة متعلق بوجدها: لا بتغرب والقول الأول صحيح. وأما الثاني فجوز أن يكون قوله: في عين حمئة متعلقًا بتغرب كما تقول غربت الشمس في البحر وذلك مجاز ما رأته العين وغاية ما أدركه البصر. وقوله (تَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا فَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَت الدنيا) وإنما ذلك لأن طعام الجنة مخصوص بصفتين: أحدهما: عدم التغيير والاستحالة. والثانية. عدم الانقطاع بدوام البقاء كلما قطعت منه حبة نشأت مائة كطعام البركة (٥)،

стр. 378

وقد قال بعض الناس إن طعام الجنة إذا أراده العبد خلق الله تعالى مثله في البطن، وليس كذلك بل يقوم ويقطعه ويأكله ويخلق مثله (١)، وقد بيَّنَا ذلك في موضعه. وقوله (وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أهلِهَا النِّسَاءُ). إن الله، ، خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، ثم يسّر كل أحد لما خلقه له ويسّره لعمل يؤديه إليه وجبله عليه، فخلق المعصية في النساء أكثر، ونقصان الجبلة فيهن أوفى. وبيَّن في الحديث أن العبد يدخل النار بالمعاصي وإن كان معه الإيمان رداً على المرجئة. وقد بيَّنَّاه في موضعه، وذكر عذاب القبر، وهو أصل من أصول السنة لا ينكره إلا غبيّ أو ملحد، نص الله تعالى عليه في القرآن (٢) وذكره النبي، ﷺ ، في أحاديث

стр. 379

كثيرة (١). والمرء يصرف بين الحياة والموت منذ خُلِقَ إلى أن يدخل الجنة أو النار خمس مراتب: الأولى: في صُلب آدم ولا يؤمن بها إلا سنّي. والثانية: حياة الدنيا ولا ينكرها أحد لأنها مشاهدة. والثالثة: في القبر ولا يضيق عنها إلا حوصلة ملحد. والرابعة: حياة الآخرة. والخامسة: روي في الآثار أن الله أمر إِبراهيم، ﵇، فنادى أيها الناس حجوا، ثم أوجد له الخلق وأسمعهم النداء فمن أجابه حج ومن لم يجبه لم يحج (٢)، وذلك قوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٣) وهذا (٤) جائز في حكم الله وقدرته لو صح ومعنى قوله ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أعلمهم به، فإن قيل أنتم تقولون يقام الميت (في قبره) (٥) ويقعد ونحن نشاهده ساكناً لا يتحرك. قلنا: إن كان هذا السائل كافراً فكلامنا معه في كتب الأصول فتبين متعلق القدرة وكيفية الإدراك. وإن كان من جلدتنا، قلنا: يكون هذا كما يأتي جبريل إلى النبي، ﷺ ، وهو في أصحابه فيكلمه بمثل صلصلة الجرس فلا يرى أحد شيئاً ولا يسمع صوتاً (٦).

стр. 380

باب صلاة الاستسقاء الاستسقاء هو طلب السقي كما أن الاستضحاء هو طلب الضحو (وَقَدِ اسْتَسْقَى النَّبِيُّ، ﷺ وَاسْتَضْحَى) رواه أنس (١). وسننها كسنة صلاة العيد يبرز إليها مثلها. وقال (ح) ليس لها ذلك لأنها لكشف ضرر دنيوي (٢) فأشبهت الزلازل (٣). قلنا: قد خرج النبيّ، ﷺ ، إليها وجمع فيها وخطب وحوَّل رداءه تفاؤلاً. وقال (ح): ليس من السنة أن يحوِّل رداءه (٤) والأثر الصحيح يقضي عليه (٥). وأن الذي قال أبو حنيفة ليقوى؛ لأن صلاة العيد لم يعدل النبي، ﷺ ، قط بها عن طريقتها. وأما الاستسقاء فإِن النبي، ﷺ ، قد استسقى في خطبة الجمعة (٦)، وأدخل الدعاء

стр. 381

فيه، ولم يخرج إليه، ولكن الذي يصحُّ أن يقال إن شاء خرج، كما فعل النبي، ﷺ ، فهي سنّة، وإن شاء دعا أيضًا في موضعه فهي سنّة. حديث: روى زيد بن خالد الجهني (عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ أَصْبحَ مِنْ عِبَادي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) (١). إنما بوَّب مالك، ﵁، فقال الاستمطار بالنجوم (٢)، وأدخل هذا الحديث في أبواب الاستسقاء لوجهين: أحدهما: أن العرب كانت تنتظر السقيا في الأنواء فقطع النبي ﷺ ، هذه العلاقة بين القلوب وبين الكواكب. الثاني: أن الناس أصابهم القحط في زمن عمر، ﵁، فقال عمر للعباس: (كَمْ يُسْقَى لِنَوْءِ الثُّرَيَّا فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: زَعَمُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا تَعْتَرِض في الأُفُقِ سَبْعًا فَمَا مَرَّتْ حَتَّى نَزَلَ المَطَرُ) (٣)، فانظر إلى عمر والعباس وقد ذكروا الثريا ونؤها وتوكّفوا (٤) ذلك في وقتها، وقد بيَّنَّا معنى هذا الحديث في شرح الصحيح على الاستسقاء والذي تفتقرون إليه الآن أنّ من انتظر المطر من الأنواء على أنها فاعلة له من دون الله فهر كافر، ومن اعتقد أنها فاعلة لكن بما جعل الله فيها فهو أيضاً كافر؛ لأنه لا يصح أن يكون الخلق والأمر إلا لله كما قال تعالى ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (٥) ومن انتظرها وتوكَّف المطر

стр. 382

منها على أنها عادة أجراها الله تعالى فلا شيء عليه. فإن الله قد أجرى العوائد في السحاب والرياح والأَمطار بمعاني ترتبت في الخلقة وجاءت على نسق في العادة، ولذلك (١) أدخل مالك، ﵁، مبيّنًا لهذه الحقيقة قوله (إِذَا أنْشَأتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَامَتْ فَتِلْكَ عَيْن غُرَيْقَةٌ) (٢).

стр. 383

باب استقبال القبلة للحاجة في هذا الباب ستة أحاديث: الأول: حديث أبي أيوب الأنصاري قال رسول الله، ﷺ : (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكمْ لِلْغَائِطِ أَوْ الْبَوْلِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا بِفَرْجِهِ" (١). الثاني: حديث ابن عمر أنه كان يقول: "إِنَّ نَاسًا يَقُولُون إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ عَبْدُ الله لَقْدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله، ﷺ ، عَلَى لِبْنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ" (٢). الثالث: حديث سلمان قال: قال رسول الله، ﷺ : "إِنَّما أَنَا لَكُمْ مَثَلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ وَلَا لِبَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا" (٣). وهذه الأحاديث صحاح لا غبار عليها. الرابع: روى أبو هريرة (٤) نحو حديث سلمان، أخرجه أبو داود. الخامس: حديث جابر (نَهَى رَسُولُ الله، ﷺ ، عَنِ اسْتَقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلهَا) (٥) خرّجه الترمذي.

стр. 384

السادس: حديث (عَائِشَة قَالَتْ بَلَغَ رَسُولَ الله، ﷺ أَنَّ نَاساً يَقُولُونَ لَا تَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ وَلاَ بَوْلٍ فَقَالَ رَسُولُ الله، ﷺ ، أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا حَوَّلُوا بِمِقْعَدِي إِلَى الْقِبْلَةِ) خرّجه الدراقطني (١).

стр. 385

ثم اختلف الناس في العمل بهذه الأحاديث على ثلاثة أقوال. فمنهم من قال لا تستقبل القبلة لغائط ولا بول لا في الصحاري ولا في البنيان (١). ومنهم من قال ذلك في الصحراء خاصة (٢)، ومنهم من قال يجوز الاستدبار في البنيان ولا يجوز الاستقبال (٣). والمنع عام في الصحراء من الوجهين وهو (قول) (٤) (ح). أما من قال بعموم النهي في كل موضع فيتعلق بظاهر حديث أبي أيوب. وأما من قال يجوز الاستدبار وحده فهو الذي في حديث ابن عمر فقال به وتحقيق الكلام في المسألة أن حديث ابن عمر معارض لحديث أبي أيوب. وقد اختلف الناس في تعارض القولين والفعلين (٥) اختلافاً كثيراً بيَّنَّاه في المحصول (٦) لبابه أن القولين إذا تعارضا بأن تعلَّقا بمعنيين متنافيين في حق شخص واحد في وفت واحد فإن ذلك مستحيل لأنه من باب تكليف المحال فإن وردا فأحدهما ناسخ للآخر (٧). وأما اختلاف الفعلين فلا تضاد بينهما لذاتيهما كالقولين أيضًا لا تضاد بينهما لذاتيهما فلا تعارض بينهما إلا أن يقتضيا بيان معنى ولتعلقا في بيانه تعلق القولين، كما قدمنا،

стр. 386

فالحكم فيهما واحد. وأما إذا تعارض القول والفعل فقال قوم يقدم القول لأنه عام والفعل مختص بالنبي، ﷺ ، فيقف عليه ولا يكون هنالك تعارض (١). وهذا كلام إن ظهر عند الإطلاق لم يصح عند السبر والتقسيم لنكتة بديعة وهي أن كل أمر ورد من جهة الله تعالى على النبي، ﷺ ، بتكليف الخلق فإن النبي، ﷺ ، داخل فيه يلزمه من ذلك ما يلزمهم، وهي مسألة خلاف في أصول الفقه هل يدخل الآمر تحت الأمر أم لا (٢). وهي مسألة مغلطة (٣) قد بيَّنَّاها أيضًا هنالك (٤)، فإذا ثبت أن النبي، ﷺ ، داخل في الأمر مع الخلق، ثم ثبت أنه تركه فذلك نسخ في حقه وبقي أن ينظر هل يكون نسخاً في حق غيره أم لا، والصحيح أن النسخ مقصور عليه إلا أن يدل علي تعديه، وقد دل الدليل العام على تعديه إلى غيره قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥). فأرشدنا إلى الاقتداء به وثبت بالتواتر المعنوي أن الصحابة، ﵃، كانوا يلجؤون إلى فعله (٦) عند المشكلات، كما يلجؤون إلى قوله. فإذا ثبت هذا وصح جواز الاستدبار في البنيان فجواز الاستقبال يؤخذ من طريقين: أحدهما. طريق المعنى، وهو قياس الاستقبال على الاستدبار في البنيان في جوازه،

стр. 387

كا استوى الاستقبال والاستدبار في الصحراء في منعه وتحريره أن نقول الاستقبال في البنيان أحد القصدين إلى الكعبة بالحاجة فاستوى حكمهما كالاستقبال والاستدبار في الصحراء في منعه. الثاني: التعلّق بحديث جابر وعائشة المتقدمين، وإنما قدمنا المعنى عليهما لعدم صحتهما على أن علماءنا قد قالوا أن الحديث بالنهي عن الاستقبال والاستدبار لو ورد مطلقاً لما لزم تكليفه له في البيوت لوجهين. أما أحدهما فلقول النبي، ﷺ (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمُ إِلَى الْغَائِطِ) فجعل محل الحكم الصحراء وهذا تعلق بالظاهر، لكن تبقى ههنا نكته وهي أن العلماء قد اتفقوا على أن الحكم الوارد لا تأثير له في المكان ولا يختص به إلا بدليل، وكذلك الزمان. ولأن الحكم يسترسل عليهما جميعاً حتى يوافقه الدليل أو يغيره، وههنا دليل قوي يوقف هذا الحكم على الصحراء وهو أن الناس لو كلّفوا ذلك في البنيان لحرجوا وما استطاعوه، واللفظ العام لا يتناول موضع المشقة ولا يتعلق بها فيه حرج وكلفة. تتميم: اختلف العلماء في المحترم بهذا النهي ما هو؟ فمنهم من قال المحترم القبلة، ومنهم من قال المحترم المصلون (١)، وفي آثار السلف (إِنَّ لله عِبَاداً يُصَلُّونَ مِنْ خَلْقِهِ يِعُنِي مِنَ الْجِنِّ (٢) وَالإِنْسِ فَيَلْزِمُ (٣) أَنَّ يَحْتَرِمُوا وَلَا يَتَكَشَّفُ عَلَيْهِمْ) (٤) وهذا

стр. 388

ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الفعل المباح لا يسقط بالمحتمل البعيد، ومن أين يعلم المتوضئ أن هنالك من يصلي؟ أو من أين يظنه والمصلي يلزمه أن يكون بصره بين يديه؟ على ما قاله كثير من العلماء، فذلك أجمع لخشوعه وأضم لنشر خاطره. الثاني: أن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما نرى ونسمع، وهذا بيِّن عند التأمل فإن قيل فما الدليل علي أنه لحرمة القبلة قلنا ثلاثة أشياء: أحدها: قول النبي، ﷺ (فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةِ) فنص عليها وعلق الحكم (١) بالقبلة وهي أصل التعظيم والحرمة، وكيف يجوز أن يعدل بالحرمة عنها إلى غيرها. فإن قيل فنقول فتحترم أيضًا لحرمة (٢) المصلِّي، قلنا قد أسقطنا هذا الكلام بالدليل فلا معنى لإعادته. الثاني: قال النبي، ﷺ (مَنْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَانْحَرَفَ لَمْ يَقُمْ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ) (٣) خرجه البزار. الثالث: أن حرمة الصلاة تتعلق بمحلين: مسجد وقبلة، ثم ثبت أن المسجد يُحترم لأنه بقعة مخصوصة بالصلاة، فكذلك ينبغي أن تُحترم القبلة لأنها جهة مخصوصة بالصلاة، وهذا هو مذهب مالك، ﵁؛ لأنه عقَّب الباب بقوله: باب النهي عن البُصاق في القبلة (٤)، فأفهمك أنها إذا احترمت عن البصاق إلى جهتها فأوْلى وأَحْرى أن تُحترم عن البول والغائط وهما نجسان (٥). قال لنا فخر الإسلام (٦) قال لنا أبو إسحاق الشيرازي (٧): لو كانت الحرمة للقبلة لما

стр. 389

جاز الفصد إليها ولا الحجامة لأنها نجاسة تستقبل بها. قلنا. هذه الأمور الضرورية كالفصد والحجامة والقيء والرعاف، التي تأتي العبد بغير اختياره، لا يتعلق بها هذا التكليف كما لم يتعلق بالبنيان. توحيد: قوله: فإن الله قبل وجهه الباري تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات (١)، أو تكتنفه الأقطار ولكن في ذلك معنيان. أحدهما: ما قدمناه لكم من أن الله تعالى بلطفه وسابغ نعمته إذا أراد أن يكرم شيئاً من خلقه أضافه إليه أو أخبر بنفسه عنه. والثاني: أن هذا المصلِّي قد اعتقد أنه بين يدي الله، ، كما هو، والتزم التعظيم لمن توجَّه له والبصاق إهانة فكيف يصح له أن يأتيَ بفعلٍ يناقض اعتقاده (٢).

стр. 390

باب مسجد النبي ﷺ - " قَالَ الْنَّبِيُّ، ﷺ ، صَلاَةٌ في مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ (١) إِلَّا المسْجِدَ الحَرَامَ" (٢)، وقد كنا روينا حديثاً في المنثور أنه قال "مَنْ صَلَّى في مَسْجِدِ مَكَّةَ ففوَ خَيْرٌ مِنْ مَائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ صَلَّى في مَسْجِدِي هذَا فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سوَاهُ، وَمَنْ صَلَّى في مَسْجِدِ إِيلِيَّاءَ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ صَلاَةٍ فيمَا سِوَاهُ" (٣). ولم أرضَ أن أكتبه لبطلانه، وصحح أحمد بن حنبل (صَلاَةٌ في مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَى مَسْجِدِي هذَا بِمائَةِ صَلاَةٍ) (٤). والمسألة سهلة المبدأ صعبة المنتهى، واستيفاؤها في كتاب الجامع (٥)، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →