← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فالحكم فيهما واحد. وأما إذا تعارض القول والفعل فقال قوم يقدم القول لأنه عام والفعل مختص بالنبي، ﷺ ، فيقف عليه ولا يكون هنالك تعارض (١). وهذا كلام إن ظهر عند الإطلاق لم يصح عند السبر والتقسيم لنكتة بديعة وهي أن كل أمر ورد من جهة الله تعالى على النبي، ﷺ ، بتكليف الخلق فإن النبي، ﷺ ، داخل فيه يلزمه من ذلك ما يلزمهم، وهي مسألة خلاف في أصول الفقه هل يدخل الآمر تحت الأمر أم لا (٢). وهي مسألة مغلطة (٣) قد بيَّنَّاها أيضًا هنالك (٤)، فإذا ثبت أن النبي، ﷺ ، داخل في الأمر مع الخلق، ثم ثبت أنه تركه فذلك نسخ في حقه وبقي أن ينظر هل يكون نسخاً في حق غيره أم لا، والصحيح أن النسخ مقصور عليه إلا أن يدل علي تعديه، وقد دل الدليل العام على تعديه إلى غيره قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥). فأرشدنا إلى الاقتداء به وثبت بالتواتر المعنوي أن الصحابة، ﵃، كانوا يلجؤون إلى فعله (٦) عند المشكلات، كما يلجؤون إلى قوله. فإذا ثبت هذا وصح جواز الاستدبار في البنيان فجواز الاستقبال يؤخذ من طريقين: أحدهما. طريق المعنى، وهو قياس الاستقبال على الاستدبار في البنيان في جوازه،

стр. 387

كا استوى الاستقبال والاستدبار في الصحراء في منعه وتحريره أن نقول الاستقبال في البنيان أحد القصدين إلى الكعبة بالحاجة فاستوى حكمهما كالاستقبال والاستدبار في الصحراء في منعه. الثاني: التعلّق بحديث جابر وعائشة المتقدمين، وإنما قدمنا المعنى عليهما لعدم صحتهما على أن علماءنا قد قالوا أن الحديث بالنهي عن الاستقبال والاستدبار لو ورد مطلقاً لما لزم تكليفه له في البيوت لوجهين. أما أحدهما فلقول النبي، ﷺ (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمُ إِلَى الْغَائِطِ) فجعل محل الحكم الصحراء وهذا تعلق بالظاهر، لكن تبقى ههنا نكته وهي أن العلماء قد اتفقوا على أن الحكم الوارد لا تأثير له في المكان ولا يختص به إلا بدليل، وكذلك الزمان. ولأن الحكم يسترسل عليهما جميعاً حتى يوافقه الدليل أو يغيره، وههنا دليل قوي يوقف هذا الحكم على الصحراء وهو أن الناس لو كلّفوا ذلك في البنيان لحرجوا وما استطاعوه، واللفظ العام لا يتناول موضع المشقة ولا يتعلق بها فيه حرج وكلفة. تتميم: اختلف العلماء في المحترم بهذا النهي ما هو؟ فمنهم من قال المحترم القبلة، ومنهم من قال المحترم المصلون (١)، وفي آثار السلف (إِنَّ لله عِبَاداً يُصَلُّونَ مِنْ خَلْقِهِ يِعُنِي مِنَ الْجِنِّ (٢) وَالإِنْسِ فَيَلْزِمُ (٣) أَنَّ يَحْتَرِمُوا وَلَا يَتَكَشَّفُ عَلَيْهِمْ) (٤) وهذا

стр. 388

ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الفعل المباح لا يسقط بالمحتمل البعيد، ومن أين يعلم المتوضئ أن هنالك من يصلي؟ أو من أين يظنه والمصلي يلزمه أن يكون بصره بين يديه؟ على ما قاله كثير من العلماء، فذلك أجمع لخشوعه وأضم لنشر خاطره. الثاني: أن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما نرى ونسمع، وهذا بيِّن عند التأمل فإن قيل فما الدليل علي أنه لحرمة القبلة قلنا ثلاثة أشياء: أحدها: قول النبي، ﷺ (فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةِ) فنص عليها وعلق الحكم (١) بالقبلة وهي أصل التعظيم والحرمة، وكيف يجوز أن يعدل بالحرمة عنها إلى غيرها. فإن قيل فنقول فتحترم أيضًا لحرمة (٢) المصلِّي، قلنا قد أسقطنا هذا الكلام بالدليل فلا معنى لإعادته. الثاني: قال النبي، ﷺ (مَنْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَانْحَرَفَ لَمْ يَقُمْ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ) (٣) خرجه البزار. الثالث: أن حرمة الصلاة تتعلق بمحلين: مسجد وقبلة، ثم ثبت أن المسجد يُحترم لأنه بقعة مخصوصة بالصلاة، فكذلك ينبغي أن تُحترم القبلة لأنها جهة مخصوصة بالصلاة، وهذا هو مذهب مالك، ﵁؛ لأنه عقَّب الباب بقوله: باب النهي عن البُصاق في القبلة (٤)، فأفهمك أنها إذا احترمت عن البصاق إلى جهتها فأوْلى وأَحْرى أن تُحترم عن البول والغائط وهما نجسان (٥). قال لنا فخر الإسلام (٦) قال لنا أبو إسحاق الشيرازي (٧): لو كانت الحرمة للقبلة لما

стр. 389

جاز الفصد إليها ولا الحجامة لأنها نجاسة تستقبل بها. قلنا. هذه الأمور الضرورية كالفصد والحجامة والقيء والرعاف، التي تأتي العبد بغير اختياره، لا يتعلق بها هذا التكليف كما لم يتعلق بالبنيان. توحيد: قوله: فإن الله قبل وجهه الباري تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات (١)، أو تكتنفه الأقطار ولكن في ذلك معنيان. أحدهما: ما قدمناه لكم من أن الله تعالى بلطفه وسابغ نعمته إذا أراد أن يكرم شيئاً من خلقه أضافه إليه أو أخبر بنفسه عنه. والثاني: أن هذا المصلِّي قد اعتقد أنه بين يدي الله، ، كما هو، والتزم التعظيم لمن توجَّه له والبصاق إهانة فكيف يصح له أن يأتيَ بفعلٍ يناقض اعتقاده (٢).

стр. 390

باب مسجد النبي ﷺ - " قَالَ الْنَّبِيُّ، ﷺ ، صَلاَةٌ في مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ (١) إِلَّا المسْجِدَ الحَرَامَ" (٢)، وقد كنا روينا حديثاً في المنثور أنه قال "مَنْ صَلَّى في مَسْجِدِ مَكَّةَ ففوَ خَيْرٌ مِنْ مَائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ صَلَّى في مَسْجِدِي هذَا فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سوَاهُ، وَمَنْ صَلَّى في مَسْجِدِ إِيلِيَّاءَ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ صَلاَةٍ فيمَا سِوَاهُ" (٣). ولم أرضَ أن أكتبه لبطلانه، وصحح أحمد بن حنبل (صَلاَةٌ في مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَى مَسْجِدِي هذَا بِمائَةِ صَلاَةٍ) (٤). والمسألة سهلة المبدأ صعبة المنتهى، واستيفاؤها في كتاب الجامع (٥)، إن شاء الله تعالى.

стр. 391

الأمر بالوضوء لمن مسَّ القرآن (١) قال علماؤنا: لا يجوز للمحْدِث أن يمس المصحف لقول الله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (٢)، فإن قيل هذا خبر والخبر من الله لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره لأنه يكون كذباً وذلك مستحيل في وصفه، فدل على أن المراد به خبر الله تعالى عن الملائكة المقربين (٣) في الصحف التي عندهم. هذا منتهى كلامهم وهو ساقط جداً لأن الخبر لا يجوز أن يكون بمعنى الأمر، كما لا يجوز أن يكون الأمر بمعنى الخبر، كما لا يجوز أن يكون كل واحد منهما بمعنى النهي، ولا يجوز أن يكون النهي بمعناهما لأن الكلام له حقيقة ينفرد بها عن العلم والإرادة، وكذلك أيضاً أقسامه من الأمر والنهي والخبر والاستخبار لها حقائق ينفرد كل واحد منها حقيقة عن صاحبه، ولهذا المعنى الذي فهمه مالك، ﵁، من أن الخبر لا يجوز أن يقع من الله تعالى كذباً، ومن أن الخبر لا يجوز أن يكون بمعنى الأمر، أو بمعنى النهي، قال، ﵁: إن هذه الآية، والتي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ (٤) سواء يريد أنهما راجعتان إلى الملائكة وصحفها (٥)، وهذا بالغ في البيان لمن كان له قلب، بيْد أني أقول في ذلك قولاً حسناً وهو أن المصحف لا يمسه إلا

стр. 392

طاهر، وأن قوله ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ خبر، وأن الخبر لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره من الله تعالى (١). ولكن ها هنا دقيقة يجب أن يتفطن لها الأريب وذلك أن قوله ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ خبر عن الشرع وما بيَّن فيه، وكذلك قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) خبر عن الشرع وما بيَّن فيه، فإن وجدنا محْدِثاً يمس المصحف ووجدنا مطلَّقة لا تلتزم التربص، فلا يكون ذلك من الشرع كما قال (لَا صَلاَةَ إِلّا بِطَهُورٍ) (٣). فلا يريد نفي الوجود لأنا نجد كثيراً ممن يصلّي وهو محدث وإنما معناه لا صلاة إلا بطهور شرعاً، فإن وجدت بغير طهور فلا تكون من الشرع، وهذا نفيس، فإنه يجتمع لك فيه سلامة الحقيقة في ذاتها من خلطها بغيرها وبقاء اللفظ على صيغته العربية التي وضع لها، وصحة التوحيد في تنزيه الله عن الكذب وقرار الشريعة في نصابها بأن لا يشاركها في حكمها ما ليس منها. تحزيب القرآن: اعلموا، نوَّر الله تعالى بصائركم، أن حزب موضوع عند (٤) العرب لجمع المفترق وضم المنتشر؛ فالحزب كل مجموع من مفترق قبله (٥)، وإنما بوَّب مالك (٦)، ﵁، عليه لنكتة بديعة وهي أن الله تعالى قال لرسوله، ﷺ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ (٧).

стр. 393

فأخبر تعالى أن جمعه إليه، فوجب أن يوقف بذلك الإخبار عنه إليه حتى جاء قول عمر بن الخطاب، ﵁، (مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ الْلَّيْلِ) (١) فصار ذلك قدوة في الإذن في إطلاقه، وهذا كما اختلف الناس هل يجوز أن يقال حفظت القرآن لقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢)، فمن الناس من أذن فيه ومنهم من منعه لهذه الخصيصة (٣)، وكما قال تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ (٤)، كذلك قال (إن علينا قرآنه)، ثم يجوز إجماعاً أن يقول قرأت، كذلك يجوز أن يقول جمعت وحفظت، والمعنى واحد وليس في التحزيب أثر صحيح عن النبي، ﷺ ، إلا ما قيل لعبد الله بن عمرو وأقرأه في شهر (٥)، ثم انتهى التقسيم بالناس فيه إلى ستين (٦) جزء والأمر في ذلك قريب.

стр. 394

حديث: اختلفت قراءة عمر وهشام فجوَّز النبي، ﷺ ، لكل واحد منهما قراءته وقال: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) (١). واختلف الناس في ذلك اختلافاً متبايناً، وقد بينَّاه في جزء مفرد، وذلك أن جبريل، ﵇، لما نزل على النبي، ﷺ ، بالقرآن نزل بحرف قال له إن أمتي لا تطيق ذلك، فنزل بحرفين ثم لم يزل يستزيده حتى بلغ السبعة (٢)، ولم تتعين هذه السبعة بنص من النبي، ﷺ ، ولا بإجماع من الصحابة. وقد اختلفت فيه الأقوال فقال ابن عباس: اللغات سبع، والسموات سبع، والأرضون سبع وعدّد السبعات، وكان معناه أُنزل بلغة العرب كلها (٣)، وقيل هذه الأحرف في لغة واحدة، وقيل هي تبديل الكلمات إذا استوى المعنى كقوله: هَلُمّ وَتَعَالَ (٤). وكما

стр. 395

روي عن ابن مسعود كالصوف المنفوش (١). وقيل أن يجعل بدل (٢) غفوراً رحيماً، وبدل عليماً (٣) حكيماً، ما لم يختم آية رحمة بعذاب وآية عذاب برحمة (٤)، والذي يتحصل من هذه المسألة على عظيم الاختلاف فيها أمران. أما أحدهما فسقوط جميع اللغات وجميع القراءات إلا ما ثبت في المصحف بإجماع من الصحابة، وأن ما كان أذن فيه قبل ذلك ارتفع وذهب (٥). (جَاءَ حُذَيفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكِ النَّاسَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا في الْقُرْآنِ

стр. 396

كَمَا اخْتَلَفَ الْيهُودُ وَالنَّصَارَى في التَّوْرَاةِ وَالإِنْجيلِ) (١) فاجتمعت الصحابة، ﵃، على ما في المصحف وسقط ما وراءه، وتمم الله علينا هذه النعمة بما ضمن من حفظ كتابه للأمة حين قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، وذهبت كل صحيفة كانت في الأرض سواه حتى أن ابن مسعود كان، ﵁، يذكره ذلك وقال: يا أيها الناس إني غالٌّ مصحفي فمن استطاع منكم أن يغلَّ مصحفه فليفعل (٣) فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) فما بقي منها على الأرض حرف. الثاني: أن القراءة لكل أحد إنما تكون (٥) بقدر استطاعته؛ فمن كانت ياؤه جيماً، أو كافه شيناً، أو لامه ميماً فإنه يجوز له أن يقرأ بذلك، وهذا هو المقدار الذي تفتقرون إِليه، وما سواه، مستراح منه. فإن قيل: فما تقولون في هذه القراءات السبع التي أُلِّفَتْ فيها الكتب؟. قلنا: إنما أرسل أمير المؤمنين المصاحف إلى الأمصار الخمسة (٦) بعد أن كتبت بلغة قريش، فإن القرآن إنما نزل بلغتها، ثم أذن رحمة من الله تعالى لكل طائفة من العرب أن تقرأ بلغتها على قدر استطاعتها، فلما صارت المصاحف في الآفاق غير مضبوطة بنقط ولا معجمة بضبط قرأها الناس فما أنفذوه نفذ، وما احتمل الوجهين طلبوا فيه السماع حتى وجدوه، فلما أراد بعضهم أن يجمع ما شذَّ عن خط المصحف من الضبط جمعه على سبعة أوجه (٧) اقتداء بقوله ﷺ "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وليست هذه الروايات بأصل في التعيين بل ربما خرج عنها ما هو مثلها، أو فوقها، كحروف أبي جعفر (٨) المدني فإنها فوق حروف عبد الله (٩) بن كثير المكي, لأنه أشهر منه

стр. 397

وأعلم وأقرأ، وأمثاله من قراء الأمصار. حديث: كَيْفَ يَأتِيكَ الْوَحْيُ: كان الوحي (١) يأتي رسول الله، ﷺ ، على ثلاثة أنواع: أحدها: كَدَوِيّ النَّحْلِ، ورواه عمر، رضي (٢) الله عنه. الثاني: في مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ في شدة الصوت وَهُوَ أَشَدُّهُ. وقد كان يأتيه رجل فيكلمه (٣) وهو أخفه، وإنما كان الباري سبحانه يقلِّب عليه هذه الأحوال زيادة في الاعتبار وقوة في الاستبصار. حديث قوله (أُنْزِلَتْ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَىّ﴾ في عَبْدِ الله بن أمِّ مَكْتُومٍ) (٤) أشار مالك،

стр. 398

رضي الله عنه، به وبالحديث الذي بعده إلى تحصيل علم من علوم القرآن وهو معرفه أسباب نزول الآية (١) والسور، فإن معرفة (٢) الأسباب (٣) معينة على درك التأويل. حديث أبي سعيد الخدري (يَخْرُجُ فَيكُمْ قَوْمٌ تَحْقُرُونَ (٤) صَلَاتَكُمْ) (٥)، الحديث إلى آخره، وفي الحديث معجزة للنبي، ﷺ ، بإنذاره بما يأتي، وفيه دليل لمن يرى أن البدع لا تذهب الإيمان ولا يكفر صاحبها. وقد اختلف الناس في تكفير المتأوِّلين، وهم الذين لا يقصدون الكفر وإنما يطلبون الإيمان فيخرجون إلى الكفر والعلم فيؤوّل بهم إلى الجهل، وهي مسألة عظيمة تتعارض فيها الأدلة، ولقد نظرتُ فيها مرة فتارة أكفر وتارة أتوقف إلا فيمن يقول إن القرآن مخلوق، أو أن مع الله خالقاً سواه، فلا يدركني فيه ريب ولا أبقي له شيئاً من الإيمان (٦). حديث (مَكَثَ ابنُ عُمَرَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُهَا) (٧) أراد به مالك،

стр. 399

رضي الله عنه، أن يبيِّن مسألةً اختلف الناس فيها وهي إذا قرأ القرآن هل يقرؤه كذلك ذكراً باللسان دون تتبع بالبيان، أم لا يرحل عن آية حتى يحكمها ذكراً ودراية. فنبّه مالك، ﵁، على ذلك بفعل ابن عمر، ﵄، في سورة البقرة وقد قال الله تعالى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ (١). قالوا: يذكر الحرف ويعلم معناه ويعمل به فهذا هو حق التلاوة. وقالوا أيضاً في قوله تعالى ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٢): معناه ليس عندهم من القرآن إلا الذكر خاصة باللسان، وأعظم ما يلقى به العبد ربّه يوم القيامة قرآن جمع ولم يعمل به، وقد قال أبو هُرَيْرَة، ﵁، عن النبي، ﷺ ، (يُؤْتَى بِالْقَارِىءِ فَيُقَالُ لَهُ مَاذَا عَمِلْتَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْت الْقُرْآنَ فِيكَ. فَيَقُولُ الله لَهُ: كَذِبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذِبْتَ بَلْ أرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قارئ فَقَدْ قِيلَ) (٣). حديث ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن (٤) قد تقدم، وقوله (﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا) (٥) زاد فيه في الصحيح (وَهِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً) (٦)، ومعنى

стр. 400

تجادل تدافع عنه بالحجة، يعني لمن أراده من الملائكة بالعذاب، وقد روي عن عبد الله ابن مسعود، ﵁، أنه قال (إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ في قَبْرِهِ أُتِيَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَتَمْنَعُ مِنْهُ سُورَةُ الْمُلْكِ، وُيؤْتَى مِنْ قِبَلِ بَطنِهِ فَتَمْنَعُ مِنْهُ سُورَةُ الْمُلْكِ، وُيؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَتَمْنَعُ مِنُهُ) (١) كأنه يقول والله أعلم: تقول الرجلان علي كان يقوم بها، وتقول البطن فيَّ وعائها، ويقول الرأس فيَّ كان يتلوها. وهذه خصيصة جعلها الله تعالى فيها لما تضمَّنت من المعاني في التوحيد، فإنها مجردة للتوحيد ليس فيها حكم، والتوحيد موجب للنعيم منجٍ من العذاب المقيم، ولذلك لما سمع النبي، ﷺ ، رجلاً يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قال: (وُجِبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) (٢).

стр. 401

باب ذكر الله تعالى حديث أبي هريرة (مَن قَالَ لَا إِلهَ إلاَّ الله) (١) إلى آخره. هذا أفضل كلام قاله النبي، ﷺ ، والنبيون من قبله، وإنما كان أفضل بما جمع من المعنى، وذلك لأن قوله لا إِله إلا الله نفيٌ لكل إلهٍ سواه بجميع المعاني وقوله (وَحْدَهُ) تأكيد للنفي من كل وجه، وقوله (لَا شَريكَ لَهُ) إشارة إلى نفي أن يكون هو جعله معيناً أو ظهيراً كما كانت العرب تقول (لَبيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلاَّ شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَك) (٢) وقوله (لَهُ المُلْكُ) بيان أن له الخلق والتصريف والتكليف والهداية والإِخلال والثواب والعقاب، والملك عبارة عما يتصرف في المخلوقات من القضايا والتدبيرات، وقوله (وَلَهُ الحَمْدُ) بيان بأن الخير بوجود ذلك كله راجع إليه والثناء فيه عائد عليه، وقوله (وَهُوَ عَلَى كُلٍّ شَيْءٍ قَدِيرٍ) بيان لأن قدرته ليست فيما ظهر خاصة بل هو قادر على ما ظهر وما لم يظهر وعلى ما وجد وعلى ما لم يوجد. وأما ما ورد من مغفرة. الذنوب ومحو الخطايا بهذه الأذكار فقد تقدم، لكنا نجدّد به عهداً لما طرأ ها هنا من الزيادة وهي قوله (غُفِرَت لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثُل زَبَدِ الْبَحْرِ). إعلموا، وفقكم الله تعالى، أن غفران السيئات يكون بثلاثة أوجه: الأول: إما بفضل الله ورحمته ابتداء كقوله في الحديث (يَقْولُ لَهْ: عَبْدِي أتَذْكرُ يَوْمَ كَذَا إذْ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى إذَا رَأَى الرَّجُلَ أَنْ قَدْ هَلَك يَقُولُ أَنَا سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدَّنْيَا وَأَنَا

стр. 402

أغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) (١). الثاني: بالموازنة توضع صحائف الحسنات في كفة الحسنات، وتوضع صحائف السيئات في كفة السيئات، ثم يخلق الله تعالى فيها الثقل (بحسب) (٢) ما يعلم من إخلاص (العبد) (٣) بالطاعة وإصراره على المعصية وندمه على الذنب أو جرأته وحرصه على الخير أو كسله (٤). والثالث: إذا دخل النار يأخذ منه بها ما شاء من الاقتصاص، وما يغفره أكثر مما يأخذه. و (٥) إما أن تكون هذه الأذكار عائدة لفضل الله تعالى فتلحقه بالقسم الأول، وإما بالموازنة، وإما بالشفاعة حديث أبي الدرداء جعل فيه ذكر الله أفضل من الجهاد (٦).

стр. 403

والمفاضلة بين الأعمال قد بيَّنَّا تحقيقها في غير ما موضع، فقد تُفضل الأعمالُ الأعمالَ بذواتها كالتوحيد يفضل سائر الطاعات بذاته، وقد تفضل الأَعمالُ الأَعمالَ بثوابها كما جعل ثواب الصلاة أكثر من ثواب الصيام، والذكر أفضل الأَعمال لأنه توحيد وعمل؛ وقد ورد في حديث النبي ﷺ ، أنه بمنزلة الحصن الذي يعتصم فيه من العدو، وكذلك يعتصم به من الشيطان والنار، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه مشى يوماً مع أصحابه حتى وقف على الجبل (١) فقال: هذَا جُمْدَانُ (٢) سِيرُوا سَبُقَ المُفْرِدونَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمُ؟ قَالَ: الَّذِينَ اهْتَزُّوا بِذِكْرِ الله يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أوْزَارَهُمْ (٣). قوله: (الْمُفْرِدُونَ) يعني الذين أفردوا الله بالوجود الحقيقي، وبعموم العلم والقدرة، وبعموم الخلق فلا خالق سواه، وباختصاص الإِرادة يفعل ما يشاء. وبأن المرجع إليه، ومعناه: لم يروا إلا الله وكأنه يريد من الموحدين به الذين يروا الله واحداً فرداً. قوله: (الَّذِينُ اهْتَزُّوا بِذِكْرِ الله) يعني الذين غلب عليهم الذكر في الأقوال، والطاعة في الأعمال حتى يكونوا كما روي عن الحسن البصري أنه قال (أدْرَكْتُ قَوْماً لَوْ رَأيْتُمُوهُمْ لَقُلْتُمْ مَجَانِينَ وَلَوْ رَأوْكُمْ لَقَالُوا فُسَّاقٌ) (٤). وغلطتْ هاهنا الصوفية فقالوا (٥): إن المراد به الذكر الدائم باللسان من غير فتور حتى إذا رآه الرجل قال هذا مجنون (٦)، وليس كذلك إنما المراد به الذي ليس له عمل إلا الله تعالى؛ إن صلّى وصام فللَّه تعالى، وإن

стр. 404

جلس فيقول أجمُّ نفسي للطاعة فهذه طاعة (١)، وإن وطئ وطئ ليعصمَ نفسَه وأهلَه، فهذه طاعة، وإن تطيَّب يقول (٢): أتطيب اقتداء برسول الله ﷺ ، ومنفعة للجليس، وترفيعاً للملائكة فلا يكون له عمل حتى في النوم إلا وهو لله تعالى، فهذا هو الذاكر الشاكر.

стр. 405

باب الدعاء (الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ) (١) ولا أحد أحب إليه السؤال من الله تعالى، وقد اختلفت شيوخ الصوفية في الدعاء أفضل أم الذكر المجرد (٢). فمنهم من قال: الذكر المجرد أفضل لقوله تعالى: (مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيي السَّائِلِينَ) (٣) وقد قيل في كريم المخلوقين: إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرُّضه الثناء (٤) فكيف برب العالمين. قالوا لأن في الدعاء تحكماً بأن يقِول أفعل .. لي وهو الفاعل لما يشاء، وهذا كله معلوم، إلا أنه قد قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (٥). الآية، وقال ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦)، وقال ربنا (هَلْ مُنْ دَاعٍ

стр. 406

فَأسْتَجِيبُ لَهُ) (١)، وإن الباري تعالى يحب السؤال ويعطي عليه جزيل الثواب ومن الغريب فيَ ذلك أن الدعاء المأثور عن النبي ﷺ أكثر من الذكر المأثور. قوله: (مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتي) معناه أن العبد ليس في كل حالة يدعو تارة وتارة يذكر، وإذا دعاه استجاب له، وإذا ذكره أعطاه أفضل مما سأله؛ فهو الكريم في الحالين. وقولهم: إن في الدعاء تحكماً؛ فإنما كان يكون ذلك لو كان أمراً وإنما هو طلب وتضرّع وقد قال النبي ﷺ ، منبهاً على هذه الدقيقة (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ الْلَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، الْلَّهُمَّ ارْحَمْني إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْألَةَ (٢)) (٣). ومن آداب الداعي أن لا يستبطىء الإجابة ففي الخبر الصحيح (إنَّ الدَّاعِي بَيْنَ ثَلَاثٍ إمَّا أنْ يُعْطَى مَا سَألَ، وَإِمَّا أنْ يُعْطَى خَيْراً مِنْهُ، وَإِمَّا أنْ يُدَّخَرَ لَهْ في الآخِرَةِ) (٤)، وفي الأحاديث المنثورة أن الباري تعالى يؤخر إجابة المؤمن حباً في ذكره، ويعجل إجابة الكافر بغضاً في قوله (٥).

стр. 407

حديث (الْلَّهُمَّ فَالِقَ الإِصْبَاحِ قال فيه أمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي) وفي رواية (وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي) (١). فإن قيل: وكيف يكون السمع والبصر وارثين للبدن وهما يفنيان معه؟ قال الأستاذ أبو المظفر (٢): هو مجاز على أحد معني الوارث، وذلك أن الوارث هو الذي لا يموت قبل الموروث، وهو الذي يبقى بعده، فيكون معنى قول النبي ﷺ ، اللهم لا تعدمهما قبلي. وقال بعض الناس (٣) (٤) وأمتعني بأبي بكر وعمر لقول النبي ﷺ ، في أبي بكر وعمر هما السمع والبصر (٥)، وهذا تأويل بعيد إنما المراد بهما الجارحتان.

стр. 408

حديث عائشة، ﵂: (أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِك) (١)، الرضا: هو تعلُّق الإِرادة بالثواب، والسخط هو تعلُّق الإرادة بالعقاب، والمعافاة تعلُّق الإِرادة بالسلامة، والعقوبة تعلُّق الإرادهّ بالعذاب والمحن (٢).

стр. 409

قال شيوخ الزهد (١): ترقَّى النبي ﷺ ، في هذا الدعاء من مقام إلى مقام حتى أنتهى إلى المقام الأشرف (٢). قال أولاً: (أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) ثم قال (وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ) ثم نظر فإذا به لم يستطع، في تلك الحالة، أن يحصي متعلقات الصفات فقال (وَبِكَ مِنْكَ) فردَّ الأمر إلى الذات، فنقله الله تعالى أيضاً في مقامات الكرامات من منزلة إلى أخرى فقال له: ﴿طهَ﴾ يا رجل (٣)، ثم قال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٥) يا من تزمل بكسائه، وتدثر به. قُمْ إلى عبادة ربك، على معنى الملاطفة في الخطاب، وكما قال النبي ﷺ ، لعلي بن أبي طالب، ﵁: (قُمْ يَا أبَا تُرَابٍ) (٦). ثم نقله إلى مرتبة أخرى أشرف منها فقال: ﴿يس﴾ يا سيد، ولو ثبت هذا بالنقل لكان حسناً. وقال أيضاً: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ (٧) فأقسم

стр. 410

بحياته ثم زاده شرفاً فأقسم بغبار خيله فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ (١) ومقاماته في الشرف كثيرة، وهذا أنموذح منها. حديث ابن عباس، ﵄ (الْلَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ) (٢). جهنم دار أعدت للكافرين كما أعدت الجنة للمتقين، وخلقت قبل خَلق السموات والأرضين. وقالت المبتدعة إنها لم تخلق بعد؛ لأنه لا فائدة من خلقها قبل الحاجة إليها (٣). قلنا: ومن الذي يلزمه أن (٤) يعرفنا وجه الحكمة فيما فعل فبفضله، وإن شاء أن يبقينا في حالة الجهالة فحقه، له الحجَّة ومنه الفضل والمنَّة، ولو لم يكن من فائدتها إلا معاينة الملائكة والأنبياء لها، ورؤية المؤمن والكافر عند الموت مقعديهما فيهما وعذاب القبر قد تقدم (٥). وأما الدجَّال (٦) فسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وأما المسيح فهو بالميم المفتوحة والسين المكسورة المخففة والحاء المهملة، لا يقوله بالسين المشدّدة إلا من شدّ الجهل عليه رباطه، ولا يقولها بالخاء المعجمة إلا من أدركته عجمة الضلالة. وبناء (م س ح) في كلام العرب على ثمانية (٧) معان يشترك فيها مسيح الهدى ومسيح الضلالة في معان، ويتفرد مسيح الضلالة أيضاً عن مسيح الهدى في ذلك بمعان. فما ينفرد به عيسى، ﵇، أنه كان يمسح على ذي العاهة فيبرأ (٨) فعيل بمعنى فاعل. وأما ما ينفرد به مسيح

стр. 411

الضلالة فإنه كان ممسوح إحدى العينين (١) فعيل بمعنى مفعول. وأما ما يشتركان فيه فالدجال يمسح الأرض محنة والمسيح بن مريم يمسحها منحة (٢). وأما فتنة المحيا فالمراد به ما يفتن المرء به في الدنيا، وأما فتنة الممات ففتنة المحتضر عند هبوب رياح الشكوك ونزغات الوساوس، واجتهاد الشيطان أن يقطع به في ذلك المقام عن قول لا إله إلا الله وبعد الموت وعند إقبال الملك بالهول يقول من ربك إلى آخر الخبر (٣). توحيد ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) لا يظهر فيها إلا هو، وهو بمعنى قوله الظاهر، وقيل هو الهادي لأن الهدى نور (٥)، وقيل معناه المنور (٦)، وهذا صحيح حقيقة فإنه (٧) نورها وبعيد لغة (٨)، وأما القيوم والقيام (٩) فهو الذي يدبرها ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى

стр. 412

الأرْضِ﴾ (١)، ويصرف هيآتها، ويجري ما قدر من الأقوات والمعايش على أهلها في الأحيان والأوقات بمختلف الصفات وبتنويع الصناعات، وهو الرب الذي يرتبها بنقلها من حالة إلى حالة، وتركيب شيء منها على شيء حتى تنتظم أجزاؤها ويستوي في الكمال أنواعها، ويستمر على الاستقامة دوامها من غير خلل ودون نسج، وهو الحق أي الموجود (٢) الذي ليس له أول ولا يكون له آخر، وقوله الحق، أي الذي لا يجوز عليه كذب، ولقاؤه حق، أي لا بد أن يكون، والجنة حق، والنار حق، أي موجودتان (٣)، والساعة حق (٤)، وهي موضع اللقاء، أي كائنة وكل شيء من ذلك حق، وأصدق كلمة قالها الشاعر: ألَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله بَاطِلُ (٥) وقد استوفينا بيان ذلك في كتاب الأمد. وقوله: (لَكَ أسْلَمْتُ) (٦) هو متعدي سلم، وله معان كثيرة بيَّناها في كتاب شرح الصحيح (٧)، ومعناه ها هنا: نفيت ما سواك، وكذلك (آمَنْتُ) متعدي آمن ومعناه على هذا أخذت الأمن أو رجوته، وإلى هذا يرجع صدقت الذي يقول (٨) الناس إنه معنى أمن نعم هو معناه ولكن بالمجاز في الدرجة الثانية (وَعَلَيْكَ تَوَكَلْتُ) (٩) الباري وكيل الخلق ألقوا إليه بمقاليدهم وتخلوا له عن آرائهم وأفعالهم إلا ما أذن لهم فيه من العمل والسعي وتحصيل

стр. 413

المنافع، فإن أسقطوا ما أذن لهم فيه من ذلك فهو التفويض (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) (١) معناه رجعت، الرجوع على قسمين: رجوع غافل، كرجوع النبي، ﷺ ، ورجوع تارك كرجوع الصحابة، ﵃، ومن آمن من الكفار والدعوي (٢) بعد الغفلة لكل مؤمن إنابة (وَبكَ خَاصَمْتُ) الخصام وهو المنازعة في المقال بالحجة (٣)، (وَإِلَيْكَ حَاكمْتُ) (٤) المحاكمة هي عرض الخصام على المنفذ لأحد وجهيه، وقد نفذ الباري الحق بدليله وأبانه لأوليائه بهدايته، ولعظيم خطر هذا المقام وكثرة ما يعرض فيه من تلاطم أمواج الشبه في بحر الخصام ما كان النبي، ﷺ ، يقول أول ما يستيقظ من النوم: "اللَّهُمَّ فَاطِرُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفونَ. إِهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ فَإِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (٥). وأما قوله (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْتُ) فدعوة أجيبت في خاصته، وإنّا لنرجوها لأنفسنا ببركة قدوته. حديث قول سعيد (إنَّ الرَّجُلَ يُرْفَعُ بدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ) (٦) أصح منه وأولى قول النبي، ﷺ "إِذَا مَاتَ الْمَرْءُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ" (٧) فذكر ولداً صالحاً يدعو له. حديث: قول هشام بن عروة أن قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ (٨) بِصَلَاتِكَ﴾ (٩) نزلت في

стр. 414

الدعاء وهذا من العلم الذي نبَّه عليه مالك، ﵁، في معرض أسباب الآيات، وليس كما قال عروة، وإنما نزلت هذه الآية لأن النبي، ﷺ ، كان يصلي بمكة ويجهر فإذا سمع المشركون قراءته سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فنزلت الآية المذكورة ثم نسخ الله تعالى ذلك بظهور الإسلام (١). حديث: أدخل مالك، ﵁، بلاغاً حديثاً هو صحيح ثابت السند، ثابت السبيل إلى رسول الله، ﷺ ، قال ﵇ (مَن سَنَّ سنَّةً حَسَنَةً في اْلِإسْلَامِ كَانَ لَه أَجْرهَا وَأجْرُ مَنْ عَمَلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنَّ سنَّةً سَيِّئَةً في الإسْلاَمِ كَانَ لَه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَملَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أوْزَارِهِمْ (٢) شَيْئاً). فإن قيل: هذا الحديث مخالف لظاهر القرآن قال الله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ (٣). قلنا: بل هو موافق له قال الله تعالى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (٤).

стр. 415

وجه الحكمة فيه والجمع بينه وبينه أن كل معصية اختصت بصاحبها ولم تتعدّه فوزرها مقصور عليه، وكلما تعدَّته فإنه يتعدى. والتعدّي يكون بوجهين؛ يكون بالفعل نفسه ويكون بتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل والتعليم من أعظم أنواع التعدي وقد قال النبي، ﷺ (مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ إِلَّا وَعَلَى ابنِ آدم الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا) (١) , لأنه أوَّل من سنَّ القتل. حديث: كان أبو الدرداء يقول: (نَامَتِ الْعُيُونُ وَغَارَتِ النُّجُومُ وَأنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٢)، الحديث. إن الله أذن في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي، ﷺ ، الدعاء لأمته فاجتمعت فيه ثلاثة أشياء العلم بالتوحيد، والعلم باللغة والنصيحة لأمته، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعدل عن دعائه وقد احتال الشيطان للناس في هذا المقام فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي، ﷺ ، وأشدَّ ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء صلوات الله عليهم فيقولون: دعاء آدم (٣) دعاء نوح (٤) دعاء يونس (٥) دعاء أبي بكر الصديق (٦)، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث بشيء

стр. 416

إلا بالصحيح منه والفائدة في إدخال مالك، ﵁، لحديث أبي الدرداء ها هنا أن الدعاء وإن كان الأفضل فيه التيمن بما روي عن رسول الله، ﷺ ، والتبرك بألفاظه الصحيحة الفصيحة فإنه يجوز لكل أحد من العلماء بالله تعالى أن يدعو بما شاء غير المأثور، ولكن لا يخرج عن التوحيد. ألا ترى إلى قول أبي الدرداء، ﵁: (نَامَتِ الْعُيُون وَصَدَقَ وَغَارَتِ النُّجُومُ وَصَدَقَ وَأنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فَصَدَقَ) والحيّ في الحقيقة هو الذي لا ينام، والقيوم هو الذي لا يحول ولا يزول. النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر أحاديثه ثمانية: الأول: (نَهَى النَّبِيُّ، ﷺ ، عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلاة بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) (١). الثاني: (لَا تَحَرُّوا بِصَلَاِتكمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبهَا) (٢). الثالث: الحديث الذي ذكره مالك، ﵁، في الموطّأ عن أبي عبد الله

стр. 417

الصنابحي مرسلًا (١)

стр. 418

وهو مسند من طريق عقبة بن عامر (١) وعمرو بن عنبسة (٢). الرابع: (إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ) (٣). الخامس: (نهى النَّبِيُّ، ﷺ ، عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إلَّا بِمَكَّةَ) خرجه الدارقطني (٤).

стр. 419

السادس: قال النبي، ﷺ : "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أنْ يُصَلِّيَ أيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" (١). السابع: حديث أم سلمة أن النبي، ﷺ (صَلَّى في بَيْتهَا بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ فَأرْسَلَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ إِلَى أنْ قَالَ فِيهِ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ شَغَلُوني عَنِ الركْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ) (٢). الثامن: قالت عائشة، ﵂ (مَا تَرَكَ رَسُولُ الله، ﷺ ، قَطُّ في بَيْتي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعُدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله تَعَالَى) (٣) خرَّجه البخاري. واختلف الناس في قوله لا صلاة بعد العصر والصبح، أو نهى عن الصلاة بعد الصبح والعصر. هل يريد بذلك الوقت أم نفس الصلاة، وعلى هذا انبنى اختلاف العلماء في صلاة الجنازة بعد العصر إذا بقي من وقت العصر شيء، فإن قلنا المراد به بعد صلاة العصر لم يصلّ على الجنازة، وإن قلنا إن المراد به بعد وقت العصر صُلِّى على الجنازة،

стр. 420

والصحيح أن المراد به بعد صلاة العصر لوجهين: أما أحدهما: فهو أن العصر والظهر والمغرب قد صارت بالعرف أسماء أعلام للصلوات، فمطلق اللفظ إليها يرجع، والخطاب عليها يحمل. والثاني: أنه قال (لَا صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتى تَطْلعَ الشَّمْسُ) ولو أراد الوقت لاستحال هذا الكلام لأنه ليس بين وقت الصبح وبين طلوع الشمس حدّ للنهي المذكور. واتفق الناس على تناول القول للوقتين المتطرفين (١)، واختلفوا (٢) في الوسط، وهو الصلاة عند الزوال، فقال مالك، ﵁: لا نهي فيه، وقال (ش): فيه النهي إلا وقت (٣) الجمعة لما روي عن النبي ﷺ ، قال أبو سعيد الخدري (نَهَى رَسُول الله، ﷺ ، عَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ الزَّوَالِ إلَّا يَوْمَ الْجِمعة) (٤). قلنا: هذا حديث باطل، فإن قيل: فحديثا عقبة وعمرو، وهما صحيحان، فماذا تقولون فيهما؟ قلنا: قول الراوي في ذلك الحديث وقد نهى رسول الله، ﷺ ، عن الصلاة في تلك الساعات؛ يعني بعد العصر وبعد الصبح لأنها ساعات كثيرة دون وقت الاستواء؛

стр. 421

إذ وقت الاستواء لا يتعلق به تكليف لأنه لا يعلم إلا مع الرصد، ووضع القائم في الأرض وافتقاده في كل وقت، وذلك حرج عظيم لا يرد به تكليف، بل قد ورد الخبر برفع الحرج والكلفة في الدين (١)، ولهذا المعنى قال (ش): يجوز يوم الجمعة؛ لأن الناس لا يمكنهم أن يدخلوا إلى المسجد دفعة واحدة، ولا بد أن يردوا عليه أفذاذاً، فلو قيل لهم لا تصلوا، مخافة دخول وقت الاستواء، لكان ذلك منع طاعة بالشك وقطعاً بالتأهب للصلاة، فإنه ربما أصاب أحدهم النوم فيصلي ليذهب عنه، فكما روعي المشقة يوم الجمعة (٢) يراعي سائر الأيام (٣)، واختلف الناس أيضاً في صلاة النبي، ﷺ ، في وقت النهي، فقال (ش): صلاته، على ما ورد في الحديث، دليل على أن كل صلاة لها سبب (٤) تجوز في وقت النهي، ويبقى النهي عن الصلاة المطلقة، وهذا لا يصح؛ لأن وقت الركعتين بعد الظهر ليس بسبب إذ هي نافلة، والنوافل لا تُقضى، ولكن النبي، ﷺ ، كان قد أنفرد عن أمته بأنه إذا عمل عملًا أثبته فكان يصلي بعد الظهر، فلما شغل صلَّى بعد العصر، فلما كان بعد ذلك استمر عليه وتمادى على عادته، وكذلك يحتمل أن يكون فعل في الصبح. والعمدة القاطعة ما قدمنا من قبل من أن الفعل مختص بالنبي، ﷺ ، لا يتعدى إلى غيره إلا بدليل فيبقى النهي على حاله، ويبقى فعل النبي، ﷺ ، مختصاً به بصفته، ويتعضد ذلك بضرب عمر بن الخطاب، ﵁، عليها (٥). ولو كان ذلك من شرائع الدين ما ضربه عمر، ولا أقره الصحابة على ذلك. وأما حديث النبي، ﷺ : (لَا تَمْنَعُوا أحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أنْ يُصَلِّيَ أيَةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِن ليلٍ أوْ نَهَارٍ" فإنه عام يخصه

стр. 422

ما تقدم من الأحاديث. وأما قوله في حديث الدارقطني (إِلَّا بِمَكَّةَ) فإنه لم يصح، فلا يشتغل به. نكتة أصولية: لا خلاف بين المتقدمين والمتأخرين من العلماء أن العام والخاص إذا تنافيا فإنهما يتعارضان كقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) فإنه أمر بالقتل، وقوله، ﷺ : (نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصبْيَانِ) (٢) منع من القتل مخرج للمرأة عن قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بنص عن نص، ومخرج لقتل الصبيان عن قتل المشركين بظاهر عن نص، فإذا تماثل الخبران في الحكمين وأحدهما عام والآخر خاص فلا خلاف بين العلماء المتقدمين والمتأخرين إلى زماننا هذا أنهما يتوافقان كقوله (لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتى تَطْلعَ الشَّمْسُ)، وقوله (لاَ تَجرُّوا بِصَلَاتِكُمْ طلُوعَ الشَّمْسِ) فإنهما متماثلان في الحكم المبين به (وأحدهما أعم من الآخر، يتماثل العام والخاص لكن يقيد الخاص مزيد تأكيده في الحكم المبين به) (٣)، فاحتفظوا بهذا الأصل فقد زلت فيه أمة ثم وجدنا النبي، ﷺ ، قد قال: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّها إِذَا ذَكَرَهَا" (٤) فتعارض هذا الأمر (إِذَا ذَكرهَا) بعد الصبح مع النهي عن الصلاة بعد الصبح، فقدَّم مالك (٥) والشافعي الأمر على النهى (٦)، وقدَّم أبو حنيفة (٧) النهي على الأمر، ولقد كان على قبلة لو تمادى عليها، ولكنه ناقض فقال: إن تذكر صبح اليوم أو عصر اليوم في وقت النهي صلاهما (٨)، فتناقض مناقضة

стр. 423

بيِّنة لكنه تعلق بان قوله (لَا صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ) يعني بعد صلاة العصر، وهو لمّا يصلّي العصر بعد، قلنا له: يجوز النفل في ذلك الوقت، فقالت طائفة من أصحابه: لا يجوز، فانقطعوا. وقالت طائفة أخرى: يجوز النفل، وهو الصحيح من مذهبهم، فلزم أن نرجع معهم إلى أصل المسألة، فنقول: قد يقدّم الأمر على النهي ها هنا بتأكيد قوله (لَا وَقْتَ لَهَا إِلَّا ذلِكَ). وبالجملة فإن المسألة عسرة المأخذ معهم وقد استوفيناها في مسائل الخلاف (١). والله أعلم.

стр. 424

كتاب الجنائز قال علماؤنا، ﵃: الجنازة لفظ ينطلق على الميت، وينطلق على الأعواد التي يحمل عليها، ويقال: بفتح الجيم وكسرها. وسمعت عن ابن الأعرابي (١) إنه قال: إذا فُتِحت فهو الميت، وإذا كُسِرت فهي الأعواد، وإني لأخاف أن يكون أخذ ذلك من هيئة الحال وليس ذلك كما زعم علماؤنا أنهما لغتان وإنما الجنازة نفسه (٢). فإن سميت به الأعواد فإن ذلك مجاز (٣)، والدليل عليه الحديث الصحيح عن النبي، ﷺ ،أنه قال: "إذا وُضِعتِ الْجَنَازَةُ عَلَى السّرِيرِ وَاحْتَملَهَا الرجَالُ عَلَى أعْنَاقهِمْ فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُوني قَدِّمُوني، وَإِنْ كَانَتْ غيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يا ويلَها إلَى أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا" (٤). حقيقة اعتقادية: اعلموا، وفقكم الله تعالى، أن الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو تبدُّل حال بحال، وانتقال من دار إلى دار، وسير من غفلة إلى ذكر، أو من حال نوم إلى حال يقظة وهي المقصود الأول، ولو لم تكن الحالة كذلك لكان الخلق عبثاً، ولكانت السموات والأرض وما بينهما باطلاً، وقد بيَّنَّا، في كتاب الأصول، ما علَّمنا الله تعالى في كتابه من وجوب البعث واقتضاء الثواب والعقاب على تفاوت الأعمال فلينظر هناك. تأديب: جبل الله الخلقَ على حب الحياة وكراهية الممات، فإن كان ركوناً إلى الدنيا وحبّاً لها

стр. 425

وإيثاراً فله الويل الطويل من الغبن، وإن كان خوفاً من ذنوبه ورغبة في عمل صالح يستفيده فالبشرى له من المغفرة والنعيم، وإن كان حياءً من الله تعالى لما اقتحم من مجاهرته فالله تعالى أحق أن يستحى منه، قال النبي، ﷺ "يَقُولُ الله تَعَالَي إِذَا أحَبَّ عَبْدِي لِقَاءه أحْبَبْتُ لِقَاءهُ وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَة" (١)، وهذا الحديث ركبه على هذه الثلاثة الأحوال. فبحسب ذلك يكون التأويل، وقد روي، في الصحيح، عن عائشة، ﵂، زيادة حسنة في هذا الحديث: قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله كُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَهَا لَيْسَ كَذلِكَ وَلَكِنَّ الْعَبْدَ يَعْنِي إذاً قُبِضَتْ رُوحهُ عَلَى بُشْرَى أحَبَّ لِقَاءَ الله فَأحَبَّ الله لِقَاءه، وإذَا قُبِضَتْ عَلَى غَضَبٍ كَرِهَ لِقَاءَ الله فَكَرِهَ الله لِقَاءهُ) (٢)، وعلى هذا يخرج حديث أبي هُرَيْرَة، ﵁، في الرجل الذي لم يعمل خيراً قط فقال لأهله إذا مات فَحَرِّقُوه وَاذرُوا نِصْفَهُ في الْبَر وَنصْفَة في الْبَحْرِ (٣) الحديث. فإنَّ هذا رجلٌ كره الموت من خشية الله تعالى فتلقاه الله، ، بمغفرته. وقد تباين الناس في تأويل هذا الحديث، فمنهم من أوَّل لفظه فقال معنى لئن قدر الله على لئن ضيق وهذا تأويل بعيد لوجهين: أحدهما: أنه لو خاف التضييق ما ذرى نصفه في البر ونصفه في البحر ولَلَقِيَ الله كذلك. والثانى: أن في بعض طرق الصحيح (٤): (ذُرُوا نِصْفِى في الْبرِّ وَنصْفِى في الْبَحر لعلِّي أضلُّ (٥) .............
следующие страницы →