← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إذ وقت الاستواء لا يتعلق به تكليف لأنه لا يعلم إلا مع الرصد، ووضع القائم في الأرض وافتقاده في كل وقت، وذلك حرج عظيم لا يرد به تكليف، بل قد ورد الخبر برفع الحرج والكلفة في الدين (١)، ولهذا المعنى قال (ش): يجوز يوم الجمعة؛ لأن الناس لا يمكنهم أن يدخلوا إلى المسجد دفعة واحدة، ولا بد أن يردوا عليه أفذاذاً، فلو قيل لهم لا تصلوا، مخافة دخول وقت الاستواء، لكان ذلك منع طاعة بالشك وقطعاً بالتأهب للصلاة، فإنه ربما أصاب أحدهم النوم فيصلي ليذهب عنه، فكما روعي المشقة يوم الجمعة (٢) يراعي سائر الأيام (٣)، واختلف الناس أيضاً في صلاة النبي، ﷺ ، في وقت النهي، فقال (ش): صلاته، على ما ورد في الحديث، دليل على أن كل صلاة لها سبب (٤) تجوز في وقت النهي، ويبقى النهي عن الصلاة المطلقة، وهذا لا يصح؛ لأن وقت الركعتين بعد الظهر ليس بسبب إذ هي نافلة، والنوافل لا تُقضى، ولكن النبي، ﷺ ، كان قد أنفرد عن أمته بأنه إذا عمل عملًا أثبته فكان يصلي بعد الظهر، فلما شغل صلَّى بعد العصر، فلما كان بعد ذلك استمر عليه وتمادى على عادته، وكذلك يحتمل أن يكون فعل في الصبح. والعمدة القاطعة ما قدمنا من قبل من أن الفعل مختص بالنبي، ﷺ ، لا يتعدى إلى غيره إلا بدليل فيبقى النهي على حاله، ويبقى فعل النبي، ﷺ ، مختصاً به بصفته، ويتعضد ذلك بضرب عمر بن الخطاب، ﵁، عليها (٥). ولو كان ذلك من شرائع الدين ما ضربه عمر، ولا أقره الصحابة على ذلك. وأما حديث النبي، ﷺ : (لَا تَمْنَعُوا أحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أنْ يُصَلِّيَ أيَةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِن ليلٍ أوْ نَهَارٍ" فإنه عام يخصه

стр. 422

ما تقدم من الأحاديث. وأما قوله في حديث الدارقطني (إِلَّا بِمَكَّةَ) فإنه لم يصح، فلا يشتغل به. نكتة أصولية: لا خلاف بين المتقدمين والمتأخرين من العلماء أن العام والخاص إذا تنافيا فإنهما يتعارضان كقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) فإنه أمر بالقتل، وقوله، ﷺ : (نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصبْيَانِ) (٢) منع من القتل مخرج للمرأة عن قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بنص عن نص، ومخرج لقتل الصبيان عن قتل المشركين بظاهر عن نص، فإذا تماثل الخبران في الحكمين وأحدهما عام والآخر خاص فلا خلاف بين العلماء المتقدمين والمتأخرين إلى زماننا هذا أنهما يتوافقان كقوله (لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتى تَطْلعَ الشَّمْسُ)، وقوله (لاَ تَجرُّوا بِصَلَاتِكُمْ طلُوعَ الشَّمْسِ) فإنهما متماثلان في الحكم المبين به (وأحدهما أعم من الآخر، يتماثل العام والخاص لكن يقيد الخاص مزيد تأكيده في الحكم المبين به) (٣)، فاحتفظوا بهذا الأصل فقد زلت فيه أمة ثم وجدنا النبي، ﷺ ، قد قال: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّها إِذَا ذَكَرَهَا" (٤) فتعارض هذا الأمر (إِذَا ذَكرهَا) بعد الصبح مع النهي عن الصلاة بعد الصبح، فقدَّم مالك (٥) والشافعي الأمر على النهى (٦)، وقدَّم أبو حنيفة (٧) النهي على الأمر، ولقد كان على قبلة لو تمادى عليها، ولكنه ناقض فقال: إن تذكر صبح اليوم أو عصر اليوم في وقت النهي صلاهما (٨)، فتناقض مناقضة

стр. 423

بيِّنة لكنه تعلق بان قوله (لَا صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ) يعني بعد صلاة العصر، وهو لمّا يصلّي العصر بعد، قلنا له: يجوز النفل في ذلك الوقت، فقالت طائفة من أصحابه: لا يجوز، فانقطعوا. وقالت طائفة أخرى: يجوز النفل، وهو الصحيح من مذهبهم، فلزم أن نرجع معهم إلى أصل المسألة، فنقول: قد يقدّم الأمر على النهي ها هنا بتأكيد قوله (لَا وَقْتَ لَهَا إِلَّا ذلِكَ). وبالجملة فإن المسألة عسرة المأخذ معهم وقد استوفيناها في مسائل الخلاف (١). والله أعلم.

стр. 424

كتاب الجنائز قال علماؤنا، ﵃: الجنازة لفظ ينطلق على الميت، وينطلق على الأعواد التي يحمل عليها، ويقال: بفتح الجيم وكسرها. وسمعت عن ابن الأعرابي (١) إنه قال: إذا فُتِحت فهو الميت، وإذا كُسِرت فهي الأعواد، وإني لأخاف أن يكون أخذ ذلك من هيئة الحال وليس ذلك كما زعم علماؤنا أنهما لغتان وإنما الجنازة نفسه (٢). فإن سميت به الأعواد فإن ذلك مجاز (٣)، والدليل عليه الحديث الصحيح عن النبي، ﷺ ،أنه قال: "إذا وُضِعتِ الْجَنَازَةُ عَلَى السّرِيرِ وَاحْتَملَهَا الرجَالُ عَلَى أعْنَاقهِمْ فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُوني قَدِّمُوني، وَإِنْ كَانَتْ غيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يا ويلَها إلَى أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا" (٤). حقيقة اعتقادية: اعلموا، وفقكم الله تعالى، أن الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو تبدُّل حال بحال، وانتقال من دار إلى دار، وسير من غفلة إلى ذكر، أو من حال نوم إلى حال يقظة وهي المقصود الأول، ولو لم تكن الحالة كذلك لكان الخلق عبثاً، ولكانت السموات والأرض وما بينهما باطلاً، وقد بيَّنَّا، في كتاب الأصول، ما علَّمنا الله تعالى في كتابه من وجوب البعث واقتضاء الثواب والعقاب على تفاوت الأعمال فلينظر هناك. تأديب: جبل الله الخلقَ على حب الحياة وكراهية الممات، فإن كان ركوناً إلى الدنيا وحبّاً لها

стр. 425

وإيثاراً فله الويل الطويل من الغبن، وإن كان خوفاً من ذنوبه ورغبة في عمل صالح يستفيده فالبشرى له من المغفرة والنعيم، وإن كان حياءً من الله تعالى لما اقتحم من مجاهرته فالله تعالى أحق أن يستحى منه، قال النبي، ﷺ "يَقُولُ الله تَعَالَي إِذَا أحَبَّ عَبْدِي لِقَاءه أحْبَبْتُ لِقَاءهُ وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَة" (١)، وهذا الحديث ركبه على هذه الثلاثة الأحوال. فبحسب ذلك يكون التأويل، وقد روي، في الصحيح، عن عائشة، ﵂، زيادة حسنة في هذا الحديث: قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله كُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَهَا لَيْسَ كَذلِكَ وَلَكِنَّ الْعَبْدَ يَعْنِي إذاً قُبِضَتْ رُوحهُ عَلَى بُشْرَى أحَبَّ لِقَاءَ الله فَأحَبَّ الله لِقَاءه، وإذَا قُبِضَتْ عَلَى غَضَبٍ كَرِهَ لِقَاءَ الله فَكَرِهَ الله لِقَاءهُ) (٢)، وعلى هذا يخرج حديث أبي هُرَيْرَة، ﵁، في الرجل الذي لم يعمل خيراً قط فقال لأهله إذا مات فَحَرِّقُوه وَاذرُوا نِصْفَهُ في الْبَر وَنصْفَة في الْبَحْرِ (٣) الحديث. فإنَّ هذا رجلٌ كره الموت من خشية الله تعالى فتلقاه الله، ، بمغفرته. وقد تباين الناس في تأويل هذا الحديث، فمنهم من أوَّل لفظه فقال معنى لئن قدر الله على لئن ضيق وهذا تأويل بعيد لوجهين: أحدهما: أنه لو خاف التضييق ما ذرى نصفه في البر ونصفه في البحر ولَلَقِيَ الله كذلك. والثانى: أن في بعض طرق الصحيح (٤): (ذُرُوا نِصْفِى في الْبرِّ وَنصْفِى في الْبَحر لعلِّي أضلُّ (٥) .............

стр. 426

... الله) (١). وهذا تصريح بنفي والعلم الخفي عن الباري، وتقصير القدرة عن جمع المفترق، وقد اختلف الناس فيمن أقر بالذات، وأنكر الصفات، أو بضعها هل يحكم له بالإيمان والتفسيق، أم يقضى عليه بالكفر والتعطيل؟ وقد بيَّنَّا ذلك في إكفار المتأوّلين، والمختار لكم منه قبل هذا بلمعة فانظروها. والصحيح عندي، في تأويل هذا الحديث، أن هذا الرجل كان مؤمناً بشرع من قبله، في زمن الفترة وعند تغير الملل ودروسها، ومَن اتَّبع الدين، على هذه الحال، وطلب التوحيد، بين هذه الشبه، فإن ما أدرك منه ينتفع به، وما فاته يسامح فيه، وهذا قسّ (٢) ابن ساعدة وزيد بن عمرو (٣)

стр. 427

وورقة (١) وأشباههم فأما والشريعة غراء، والملة بيضاء، والجادة مشياء، والبيان قد وقع بالأسماء والصفات والتوحيد كله، فلا عذر لأحد فيه وعلى هذا المعنى أيضاً يخرج قوله (مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَراحٌ مِنْهُ) (٢)، فإن العبد المؤمن يحب لقاء الله تعالى بوجهين (٣): أما أحدهما: فبالبشرى فيستريح، وأما إذا رأى الحق قد درس، والباطل قد رأس فيتمنى الموت حينئذ، وقال النبي، ﷺ : "لا يَتَمَنِّيَنَّ أحَدُكُمُ الْمَوْت لِضَرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلْيَقُلْ اللهم احْيني مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لي وَتَوَفَني مَا كَانَتَ الْوَفَاةُ خَيْراً (٤) لي). وقال النبي، ﷺ : (لَنْ تَقُومَ الساعةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) (٥). فإن قيل: فما معنى قول النبي، ﷺ (أرسَلَ الله مَلَكَ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، ﵇، لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَصَكَّهُ فَفَقَأ عيْنَهُ فَرَجِعَ إِلَى الله فَقَالَ أرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَ الله عَلَيْهِ عَيْنَهُ) (٦). الحديث.

стр. 428

قلنا: لم يكن هذا من موسى، ﵇، كراهية في الموت، وإنما كان غضباً من موسى، ﵇، لسرعة غضبه، وما كان قط غضبه إلا في الله لا لمعنى من معاني الدنيا. قال علماؤنا: وإنما غضب ها هنا لأنه كان عنده أن نبياً لم يقبض قط حتى يخيَّر، فلما جاء بغير تخيير استنكر ذلك وأدركته حمية الإلهية. ألا ترى إلى قول عائشة، ﵂، حين سمعت النبي، ﷺ ، يقول (اللَّهُمَّ الرَّفِيقُ الأعْلَى) فعلمت أنه كان حديثه الذي كان يحدثنا به، تعني قوله (أنَّ نَبِيّاً لَمْ يُقْبَضْ حَتَّى يُخَيَّرَ) (١)، وقد روى أبو مويهبة (٢) أن النبي، ﷺ ، قبل وفاته بليال نزل إليه جبريل ﵇ (فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْخُلْدِ في الدُنْيَا أوْ بَيْنَ الْمَوْتِ) (٣)، وهذا من بلاء الله تعالى الحسن لأنبيائه، عليهم الصلاة والسلام, لأنه يخيِّرهم قبل الموت بين البقاء في الدنيا، على النعيم والنبوة والملك، وبين لقاء الله تعالى فلا يؤثرون على الله تعالى شيئاً لعظيم معرفتهم به وأن لقاءه عن رضوان هو الشرف الأكبر والنعيم الأوفر. تتميم: روى النسائي وغيره، وألفاظهم متقاربة، (أنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا نَزِلَتْ لِقَبْضِ رُوحِ

стр. 429

الْعَبْدِ عَلَى الرِّضَى نَزِلوا بِقِطْعَةِ مِنِ اسْتَبْرُقٍ) (١) الحديث، كأنه مهاد للروح وحمل للنفس على طريق الكرامة، ولا يخلو أن تكون الروح جسماً كما أشار إليه ال فقه اء (٢)، أو تكون عرضاً كما اختاره المتكلمون. فإن كانت جسماً فلا يرتسم محلها مثل كل جسم، وإن كانت عرضاً فلا تنفصل عن البدن إلا بجزء منه تقوم به ولعله، كما بينّاه، الجزء المذكور في حديث أبي هريرة (كُلُّ ابنِ آدَمَ تَأْكُلُة الأرَضُ إِلَّا عَجبَ الذَّنْبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ) (٣). وعلى هذه الحالة يقع السؤال في القبر والجواب، ويعرض عليه المقعد بالغداة والعشي، ويعلق في شجر الجنة، وسيأتي تمامه في الجهاد (٤). فقه: إن كان الميت كبيراً فهو محمول على ظاهر الإيمان الذي كان عليه، وإن كان صغيراً فحكمه حكم خاصته حتى قال علماؤنا: إن الرجل إذا اشترى الأبوين ومعهما ولد صغير ومات أنه محمول على حال الشاري من الإيمان لا على حال أبويه، وقد قال النبي، ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأبَوَاهُ يهَوِّدانَهُ" (٥) الحديث.

стр. 430

فحكم الأبناء بحكم الآباء في الظاهر، ووكل الباطن إلى الله تعالى سبحانه ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ (١)، فجعل الأبناء في كتابه تبعاً للآباء في حكم الدنيا، وكذلك يكون في الجنة، إن شاء الله تعالى، والأخبار في ذلك متعارضة، وقد بيَّنَّاها في شرح الصحيح، فإن جهل حال الميت وذلك في ثلاث صور: الصورة الأولى: أن ينهدم حائط على قوم مسلمين فيهم كافر فإنهم يُغسِّلون ويُصلّى عليهم وينوى بالدعاء المسلم (٢). الصورة الثانية: أن يكونوا كلهم كفاراً إلا واحداً لم يتعين في الصورتين فإنهم لا يُغسَّلون ولا يُصلّى عليهم، في إحدى الروايتين، يجعلون الأقل تبعاً للأكثر، وروي في النازلة الأولى أنهم يُغسَّلون وُيصلى عليهم أيضاً وينوى بالدعاء المسلم. الصورة الثالثة: أن يوجد رجل بفلاة من الأرض ولا يُدرى أمسلم هو أم كافر، فإنه لا يُصلَّى عليه. وقال ابن وهب (٣): ينظر إليه على ثوب هل هو ختن أم لا؟ والصحيح عندي أن ينظر إلى غالب أهل الأرض، فيحكم له بحكم الغالب من أهلها، وذلك يتبين في مسائل اللقيط، إن شاء الله تعالى. تقسيم: إذا ثبت هذا فإن للميت ستة حقوق. حضوره، غسله، كفنه، حمله، الصلاة عليه، دفنه. أما حضوره فإنه يجب على كافة المسلمين، وخصوصاً الأولياء، أن يحضروا عند الميت إذا احتضر، كما يجب عليهم تمريضه إن مرض، والرفق به فيما يحتاج إليه، وتذكيره بالله تعالى إذا خيف الموت عليه، قال النبي، ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُم لاَ إلهَ إلا الله" (٤).

стр. 431

وهذا لا خلاف فيه، وأما غسله فاختلف الناس فيه. فأكثر الخلق على أنه واجب وليس فيه أثر (١) وإنما فيه أفعال غسل النبي، ﷺ ، وغُسِّل هو أيضاً مع طهارته، وهذا يدل على فرضيته (٢)، ولم يرد بلفظ الأمر إلا في حديث واحد هو قول النبي، ﷺ ، للنسوة اللاتي غسَّلنَ ابنته (إِغْسِلْنَهَا ثَلاثاً أوْ (٣) خَمْساً) الحديث. قال علماؤنا: غسل الميت عبادة ليس لنجاسته، والدليل عليه قول النبي، ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" (٤) فذَكر الصفة في الحكم، وذِكر الصفة في الحكم تعليل كأنه قال لا ينجس لِإيمانه (٥). قال القاضي (٦): الشديد (٧) لو لم ينجس بالموت لما كان ما يبين عنه من أعضائه في حال الحياة نجساً، قلنا: ليس للأبعاض حكم الجملة في حقيقة ولا شريعة فهذا اعتبار فاسد. واختلف علماؤنا هل غسله للنظافة أو للعبادة- (٨)، والذي عندي أنه تعبُّد ونظافة، كالعدة عبادة وبراءة للرحم، وإزالة النجس (٩) عبادة ونظافة، ولذلك يسرَّح رأسه تسريحاً خفيفاً، خِلافاً لأبى حنيفة (١٠) , لأن في تسريحه وصبِّ الماء عليه زيادة في النظافة، وكلما حقّق المقصود فهو مشروع، ويمضمض خلافاً لأبي حنيفة حين قال لا فائدة في مضمضته

стр. 432

لأنه لا يقذف (١) الماء، قلنا: مرور الماء على المحل وخروجه عنه تنظيف له فإنه غسل يعم جميع البدن فشرعت فيه المضمضة كغسل الجنابة. واعلموا، وفَّقكم الله تعالى، أن الميت كله عورة؛ فلذلك يستحب أن يغسل على ثوب، وقد نهى أصحاب رسول الله، ﷺ ، عن نزع قميصه حين غُسِّل فيه (٢)، وما أحسن الاقتداء به حياً وميتاً، ويستحب أن يُطيَّب بالكافور، خلافاً لأبي حنيفة، ولولا أمر النبي، ﷺ ، أنه (قَالَ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ- الْغُسْلَ وَعَلَى مَنْ حَمَلَة الْوُضُوءَ) (٣). ولو كان هذا الحديث صحيحاً لما

стр. 433

خفي على المهاجرين حين قالوا لأسماء ابنة عميس، وقد غسَّلت أبا بكر زوجها: لَا غُسْلَ عَلَيْكِ (١)، ولهذا ردَّ مالك، ﵁، هذا الحديث ونعْم ما اعتمد في الرد؛ لأن الحديث إذا تركه الخلفاء والمهاجرون يكون ذلك غمزاً أبيه فكيف بالضعيف؟ وكما تغسل المرأة زوجها فكذلك يغسل الزوج زوجته، وقال (ح) لا (٢) يغسلها، وقد قالت عائشة، ﵂: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رُسُولُ الله، ﷺ ، إلَّا نِسَاؤُهُ (٣). فإن قيل نكاح النبي، ﷺ ، لا ينقطع بالموت لقول الله ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا﴾

стр. 434

﴿أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (١). قلنا: إن انقطع النكاح بالموت بقيت أحكامه من الميراث والولاء والعدة وهي محبوسة لحقه إذا مات، فلذلك يكون له غسلها إذا ماتت لأنه حكم من أحكام النكاح. فإن قيل كيف يغسلها ويلمسها وهو يطأ أُختها, لأنه يجوز له بنفس الموت أن يتزوج أُختها (٢)، فإِن جوَّزتم له ذلك كان جمعاً بين الأختين. قلنا: هذا ليس عبادة وليس من جنس لمس الأخت حتى يتصور الجمع بينهما. وأما كفنه فهو من رأس ماله. كُفِّن مصعب بن عمير في نمرة ولم يوجد له غيرها (٣)، وكذلك حمزة (٤)، ﵄، واختلف العلماء على أن الكفن هل يتعدد أم هو واحد؟ والصحيح أنه يتعدد، وأنه متى احتاج إلى الكفن أخذه مرة أو مرتين، كما كان في حياته؛ إذ ليس لورثته إلا الفضلة عن حاجته، فإن لم يكن له مال فكفنه على جميع المسلمين يخرجونه من بيت مالهم، فإن عدم أو تعذر فعليهم أجمعين حتى يقوم به أحدهم، وليكن الكفن حسناً معناه صفيقاً (٥)، وليس المراد بالحسن علو القيمة ولا شرف الرفعة وإنما هو الكثافة والتستر (٦) وهو معنى الحديث "إِذا كَفَّنَ أحَدُكُمْ أخَاة فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ" (٧).

стр. 435

معناه فليحسنه بالتستر، ويستحب أن يكون وتراً، وقد روى البزار وغيره أن النبي، ﷺ ، كفن فىٍ سبعة أثواب (١)، قال علماؤنا: ثلاثة سحولية وقميص وسراويل وعمامة، فهذه ستٌّ، والقطيفة (٢) التي فرشت (٣) له حين نازع فيها شقران (٤) هي السابعة. وقول عائشة، ﵂: (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عَمَامَةٌ) (٥) نفي لوجودها أو نفي لتعديدها في الثلاثة الأثواب، وقد اختلف الناس في الكفن هل هو مال موضوع بضيعة لا مالك له ولا صاحب أو له مالك وهل ذلك المالك الورثة أو الميت، وذلك يتبين في كتاب السرقة (٦) إن شاء الله تعالى. وأما حمله فإنه من فروضه إن لم يكن له مال، فإن كان له مال فماله يحمله، وقد رأيت في جميع ديار المشرق، صانها الله تعالى، أنه ليس للموتى حامل مخصوص، ولا فئة إجارة مشروعة، ولكن إذا جُعل الميت على السرير نادى منادٍ: أحملوا تُحملوا، فيتبادر

стр. 436

الناس إليه فيحملونه دَوَلاً (١) حتى يوضع على قبره، فإذا حُملت الجنازة فالسنَّة أن يمشي أمامها، كما روى مالك، ﵁، عن رسول الله، ﷺ ، والخلفاء من بعده إلى زمانه (٢)، وقد قال مالك، ﵁: إن كان ماشياً فأمامها وإن كان راكباً فخلفها (٣)، وقال أهل العراق: المشي خلفها أفضل (٤) لقول النبي، ﷺ : (مَنْ تَبعَ جَنَازَةً) (٥) في كل

стр. 437

حديث ورد فيه ذكر ذلك، والتابع يكون خلف المتبوع، وهذا لا يصح لأن التابع للملك قد يمشي بين يديه لما يحتاج إليه، فليس يلزم من الاتباع تأخر التابع عن المتبوع، وتلك جهالة باللغة، ويستحب ترك الركوب فيها. وقد روى المغيرة (١) وثوبان، ﵄، عن النبي، ﷺ ، كراهية ذلك، وفي لفظ حديث ثوبان أنَّ النبيَّ، ﷺ "قَالَ لأِصْحَابِهِ أمَا تَسْتَحْيُونَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ يَمْشونَ وَأنتُمُ تَرْكَبونَ" (٢) خرجه النسائي وأبو داود. وأما الصلاة عليه، فاختلف العلماء فيها، فمنهم من قاله إنها فريضة، ومنهم من قال إنها سنة، وإذا قلنا إنها فريضة فإنها من فرائض الميت من قام بها أجزأة لا من فرائض الناس، وهذا الذي يعبّر العلماء عنه بفرض كفاية (٣). فإن قيل ميّزوا لنا فرض الكفاية من

стр. 438

(فروض) (١) الأعيان، قلنا: ذلك بيِّن. أمّا فرض العين فيتعين على كل عين فعله، وأمّا فرض الكفاية فهو الذي يخاطب به الكل. إن فعله واحد أُثيب الجميع، وإن لم يفعل أثم الجميع. فإن قيل: ومتى خوطب الجميع فيلزمهم فعله. إذا قلنا إنما خوطب به واحد وجماعة غير معينين تعينهم المبادرة إلى الفعل لمن يسّر الله تعالى ذلك له، وليس يستحيل خطاب واحد غير معين (٢) (٣)، وقد قال كثير من علمائنا إن الكل خوطب به، وقد بينَّا ذلك في كتب الأصول (٤). تنبيه على وهم: قال بعض علمائنا: الصلاة على الميت فرض لقول الله تعالى ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٥) فحرَّم الله تعالى الصلاة على المنافقين فوجب بذلك الصلاة على المؤمنين (٦)، وهذه عثرة لا لعاً (٧) لها لوددت أن تمحى من كتبنا ولو بماء المقلة، وكأنه أشار على غفلة إلى مسألة بديعة من أصول الفقه وهي أن النهي عن الشيء أمر بضده، أو الأمر بالشيء نهي عن ضده على الاختلاف والتفصيل الذي في كتب الأصول (٨)، وتلك المسألة صحيحة مليحة، وليست مسألة هذا منها, لأن الصلاة على المنافقين ليست بضد الصلاة على المؤمنين لا فعلًا ولا تركاً، ولو تفطَّن لهذا التحقيق ما سقط في هذه المغواة (٩)، ولم

стр. 439

يختلف العلماء في أنها الصلاة، وإنما اختلفوا في الوضوء لها والقراءة فيها، فقال العلماء بأجمعهم، إلامن شذَّ منهم، لا بد من الوضوء فيها، ويلزم من شرط الوضوء أن يشترط القراءة ضرورة لأن الذي قال (لاَ صَلَاةَ إِلَاَ بَطَهُورٍ) (١) هو الذي قال (لَا صَلَاةَ إِلا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) (٢)، ولا يعلم هذا إلا بهذا ولا ينجي من هذا الملتطم حديث أبي هُرَيْرَة ﵁: (أنَا لَعَمْرُ الله أُخْبِرُكَ أتَّبِعُهَا مِنْ أهْلِهَا) (٣). وذكر الدعاء ولم يذكر القراءة، فإن قول أبي هريرة وحده لو سلم (٤) ما كان حجة فكيف وقد عارضه ما روى البخاري عن ابن عباس، ﵄، إنه قال (السُنَّةُ أنْ يَقْرَأ في صَلَاةِ الجَنَازَةِ بِالْفَاتِحَةِ) (٥)؛ وابن عباس أفقه من أبي هريرة. ومن أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي: يُصلّى على الغائب (٦). وقد كنت ببغداد في مجلس فخر الإِسلام (٧) فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له كيف حال فلان فيقول له مات فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون ثم يقول لنا قوموا فلأصلي لكم فيقوم فيصلّي عليه بنا وذلك بعد ستة أشهر من المدة وبينه وبين بلده ستة أشهر من المسافة والأصل في ذلك عندهم صلاة النبي ﷺ ، على النجاشي (٨) قال

стр. 440

علماؤنا، ﵃: النبي ﷺ ، بذلك مخصوص لثلاثة أوجه: أحدها: إن الأرض دحيت له جنوباً وشمالاً حتى رأى المسجد الأقصى ورأى نعش النجاشي، قال المخالف: وأي فائدة في رؤيته وإنما الفائدة في لحوق بركته. الثاني: أن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه، قال المخالف: هذا محال عادة، ملك على دين لا يكون له اتباع والتأويل بالمحال محال. الثالث: إن النبي ﷺ , إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه، واستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حياً وميتاً، قال المخالف: بركة الدعاء مِن النبي ﷺ ، ومِن سواه تلحق الغائب الميت باتفاق من الأمة، والذي عندي في صلاة النبي ﷺ ، أنه علم أن النجاشي، ومن آمن معه، ليس عندهم من سنة الصلاة على الميت أثر، فعلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى الصلاة عليه (١)، والمسألة عريضة (٢) المدرك وحقيقتها في مسائل الخلاف وفي خروج النبي ﷺ ، بأصحابه إلى المصلى حين صلّى على النجاشي دليل على أنه لا يُصلّى على الميت في (٣) المسجد. قال علماؤنا: إلا عند ضيق خارج المسجد، وحديث عائشة، ﵂: (مَا صَلَّى رَسُولُ الله، ﷺ عَلَى سُهَيْلٍ بْنِ بَيْضَاءَ إلَّا في المسجد) (٤). فحرف الجر متعلق بصلى لا بحالة سهيل

стр. 441

ابن بيضاء، وكانت عائشة، ﵂، رأت رسول الله ﷺ ، في المسجد فأخبرت عما رأت، ولقد صليتُ بِتَوْزَر (١) على القاضي (٢) بن هلال في المسجد جعلته عند الباب القبلي وقمتُ أنا في المسجد إماماً، وصلى الناس كلهم ورائي في المسجد لأن العرب كانت تمنع من الخروج إلى المصلّى، وعلى هذا النحو صلَّى عمر بن الخطاب، ﵁، في المسجد (٣). وأما الصلاة على القبر فليست بمشروعة عند مالك (٤)، ﵁، وهو الصحيح من قول سائر العلماء، وصلاة النبي ﷺ , على القبر إنما كانت لأنه دُفن بغير صلاة، إذ قال لهم: آذِنوني به، فلم يفعلوا، فوقعت الصلاة غير مجزية، فوجب إعادة الصلاة (٥). ولكن قال مالك ﵁، إنما يُصلّى على القبر إذا كان حديثاً (٦). والصحيح إنه إذا دُفن بغير صلاة صُلِّي عليه أبداً، وأما دفنه فإن السنَّة فيه الإسراع، وروي

стр. 442

أن النبي ﷺ ، قال لأهل بيت أخّروا دفن ميتهم "عَجِّلُوا بِدَفْنِ جِيفَتِكُمْ وَلَا تُؤَخِّرُوهَا" (١). فإن قيل فلم أُخِّر دفنُ النبي ﷺ ، قلنا: لثلاثة أوجه: أحدها: أن الناس لم يتفقوا على موته فكيف يُدفن رجلٌ قال واحد مات، وقال آخر لم يمت (٢). الثاني: إنه إنما أُخِّر دفنه لأنه لم يعلم أين يدفن فقال قوم: يدفن في البقيع، وقال قوم: في المسجد، وقال قوم: يحبس حتى يحمل إلى أبيه إِبراهيم إذا فتحت (٣) حتى قال العالم الأكبر (٤)، سمعته يقول: ما دُفن قط نبي إلا حيث يموت (٥). الثالث: أنهم اشتغلوا في الخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة فنظروا فيها حتى استتب الأمر وانتظم الشمل واستوثقت الحال، واستقرت الإمامة في نصابها فرجعوا بعد ذلك إلى النبي ﷺ ، فنظروا في دفنه فغسَّلوه وكفَّنوه ودفنوه، واختُلف هل صُلَّي عليه أم لا؟ فمنهم من قال: لم يصلِّ عليه أحدٌ، وإنما وقف كل أحد يدعو لأنه

стр. 443

كان أشرف من أن يُصلَّى عليه (١)، وهذا ضعيف فإن السنة تقام بالصلاة عليه في الجنازة، كما تقام بالصلاة عليه في الدعاء فتقول: الْلَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذلِكَ مَنْفِعَةً لَنَا. وقيل لم يصلَّ عليه لأنه لم يكن هنالك إمام، وهذا ضعيف؛ فإن الذي كان يقيم بهم صلاة الفريضة هو الذي كان يؤمُّ بهم في الصلاة عليه، وقيل صلَّى عليه الناس أفذاذاً لأنه كان آخر العهد به فأرادوا أن يأخذ كل أحد بركته مقصودة دون أن يكون فيها تابعاً لغيره (٢)، والله تعالى أعلم بصحة ذلك.

стр. 444

كتاب الزكاة ولها اسمان الزكاة والصدقة، وقد تكلم (١) الناس عليها وأوردوا كثيراً فيها فما بلغوا مشرعة (٢)، وقد مهدنا ذكر ذلك في غير ما موضع، وخاصة في شرح الصحيح (٣). والآن نحيلكم عن ذكر لبابه فانه نفيس غرٍ يب وقال تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤)، وقال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٥). قال علماؤنا إن الزكاة مأخوذة من النماء، يقال زكا الزرع إذا نما، والزكاة اسم (٦) منه، فلما وجب في المال النامي سُميت زكاة، وقيل لأنها تنمو في ذاتها لقول النبي ﷺ "فَيُرَبِّيهَا لأِحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي فَلْوَهُ (٧) وَفَصِيلَهُ" (٨) (٩)، وقيل لأن المال الذي خرجت منه ينمو لأدائها بالبركة، وقيل لأن صاحبها ينمِو عند المسلمين في الخير وعند الولاة في الشهادة والإمامة ومنه قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ (١٠)،

стр. 445

قاله ابن عرفة (١) النحوي. وأما الصدقة فلم يتعرض لها (٢) صنف الفقهاء (منهم) (٣)، والذي عندي في ذلك أن الزكاة اسم مشترك يقال على النماء والطهارة بمعنيينِ مِختلفين. فأما النماء فأمثلته كثيرة، وأما الطهارة فقول الله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (٤)، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ (٥) يريد طهرها، وذلك كثير. والطهارة أقعد بها من النماء، وإن كانا جميعاً فيها لتمّكن المعنى لغة، ولقصد الحديث لها نصاً. قال النبي ﷺ ، في صدقة الفطر من حديث ابن عباس إلى قوله فيها طُهْرَةٌ لِصِيَامِكُمْ مِنَ اللغْوِ وَالرَّفَثِ" (٦)، خرّجه أبو داود، وخرَّج النسائي عن عبد الله أو ثعلبة بن صعير (٧)، وذكر صدقة الفطر في حديثة المشهور إلى أن قال: "أمَّا غَنِيكُمْ فَيُزَكيهِ الله تَعَالَى بِهَا وَأمَّا فَقِيرُكُمْ فَيرُد الله تَعَالَى عَلَيْهِ أفْضَلَ مِمَّا أعْطَى" (٨)، وقال النبي ﷺ ، لابن

стр. 446

ربيعة (١) وصاحبه (٢) حين جاءاه يسألانه ولاية الصدقة فقالا: (نُصِيبُ، يَا رَسُولَ الله. مَا يُصِيبُ النَاسُ وِنُؤَدي مَا يُؤَدُّونَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الصدَقَةَ لَا تحل لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّما هِيَ أوْسَاخُ النَاسِ") (٣)، خرّجه مسلم. فإن قيل هذه أحاديث متعارضة رويتم في حديث آخر إنها أوساخ الناس وضرب النبي ﷺ ، القيء لها مثلاً فقال "الْعَائِدُ في صَدَقَتِهِ كَالْكَلْب يِعُودُ في قَيْئهِ" (٤) ثم رويتم من طريق آخر "إِنَّ الصَدَقَةَ لَتَقَعُ في كَفِّ الرحْمنِ قَبْلَ انْ تَقَعَ في كَف السَّائِلِ" (٥)، وكف الرحمن مقدس عن القيء والوسخ. قلنا: هذا مهم (٦) من التعارض، وهو ميدان فات علماءنا الاستباق به، والجواب عنه بديع وذلك أن الباري تعالى بعث رسول الله ﷺ ، أفصح الخلق بأفصح الكلام فضرب الأمثال وصرف الأقوال وسلك في كل شعب من المعاني قدرة على القول، واستلطافاً للقلوب في جانبي الرغبة والرهبة اللتين انتظم بهما التكليف وارتبط بهما الثواب والعقاب، وبيَّن الأحكام الشرعية التي بُعث لإيضاحها فإن المعاني العقلية معلومة لا تفتقر إلى بيانه، ولا تعرَّض هو

стр. 447

أيضاً إليها وليست إلا أوصاف الشريعة من حسن أو قبيح، أو حلال أو حرام، أو طاعة أو معصية بصفات لأعيان قائمة بها كالصفات الحسية من الألوان والأكوان، وإنما هي عبارة عن تعلق خطاب الشرع بالعين على وجه المدح، أو في سبيل الذم، فتختلف التسميات على هذه المسميات بحسب اختلاف تعلّق خطاب الشارع، وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول، فإذا ثبت هذا فليس بممتنعٍ وصف الشيء الواحد بالضدّين من أحكام الشرع. فقد تكون العين الواحدة. حلالاً حراماً في حالة واحدة في حق شخصين أو في حالين في حق شخص واحد. فالصدقة طُهرة للمال في حق صاحب المال وقيء إن رجعت إليه، ورزق حسن في يد المستحق إذا حصلت في يديه ولو بقيت في المال لغيَّرته وأخبثته، فإذا خرجت عنه خرجت طاهرة في ذاتها فطهّرته؛ أي منعته من أن يخبث ببقائها فيه، فلا تقع في كف الرحمن إلا وهي طاهرة مطهَّرة؛ ولا تبقى عند الغني إلا وتكون خبيثة مخبّثة، وضرب النبي ﷺ ، كف السائل مثلاً بكف الرحمن ترغيباً في العطاء وحثاً على الصدقة، ولذلك قال بعض علمائنا إن اليد العليا هي يد السائل واليد السفلى هي يد المعطي، والتفسير الذي وقع في الحديث من أن اليد العليا هي المنفِقَة (١) فذلك من كلام الراوي وصله بكلام (٢) النبي ﷺ ، وقد روى النسائي عن النبي ﷺ أنه قال (الْيَدُ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي) (٣)، وهو الصحيح. وجهل من يقول إن اليد العليا يد السائل لأن يد المعطي هي يد الله تعالى بالعطاء، ويد السائل هي يد الله تعالى بالأخذ كلاهما يتصرف بحكمه وتجنب أمره، وجميع ذلك مضاف إليه. وأما الصدقة فهي اسم للزكاة ولكل مال أُعطي حسبة

стр. 448

واشتقاقها من الصدق وأصله استواء القول ظاهراً وباطناً، لساناً وجناناً، أولاً وآخراً حتى استعمل في المواضع (١). قال الله تعالى ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (٢)، وقالت العرب (رمح صَدق) (٣)، وقالوا (أخ صدق) (٤) وذلك لعموم الاستواء والحسن في جميع ذلك كله من الوجهه التي بيّناها، وقالوا في مبالغة الفعل للفاعل فيه صدوق، فإذا دفع الزكاة فقد صدق في اعتقاد الدين بما يظهر من فعله، وقد ظهر الصدق في وفاء الله تعالى بعهده على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وإن أفاض المال في سبيل الخير فقد زاد صدقه في دينه. (حكمة وحقيقة وتوحيد) إن الله تعالى، وله الحمد، أنعم على العبد نعمتين: نعمة في البدن وجعل شكرها العبادات البدنية كالصوم والصلاة، وأنعم على العبد أيضاً بنعمة المال وجعل شكرها أداء الزكاة، فإذا قام العبد بالعبادات البدنية فقد أدّى نعمة الله تعالى عليه في المال، والزكاة عبارة عن جزء من المال معين مقدر، هكذا قال أكثر العلماء. وقال (ح) حقيقة الزكاة إنها جزء من المال مقدَّر غير معيَّن (٥)، وكذلك اختلف في حقيقتها السلف بمثله، وما قلناه أولى، والدليل عليه الحكم والحكمة. أما الحكم فقول النبي ﷺ "في كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ" (٦)، ولم يقل في كل مائة شاة دينار، كما يقول أبو حنيفة (٧). فإن قيل فقد قال ﷺ : "في كُلِّ خَمْسٍ مِنِ الْإبِلِ شَاةٌ" فتحقق إنه أراد في مالية خمس من الإبل قدر مالية شاة، قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن نقول هذا تكلُّف؛ إنما أراد النبي ﷺ بقوله (في كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإبِلِ شَاة) ما أراد بقوله في كل إصبع خمس من الإبل (٨)، وليس في الإصبع إبل، وإنما

стр. 449

أراد تجب بالجناية على الإِصبع خمس من الإبل، وتجب بملك خمس من الإبل شاة. الثاني: هبكم أنا قلنا أراد بقوله في مالية خمس من الإبل شاة فعدلنا عن الظاهر لاستحالة وجو الشاة في الإبل فلم نعدل عن الظاهر في الشاة بل نقول في قدر مالية خمس من الإبل شاة نفسها، وأما الحكمة فإن الله تعالى بفضله ضَمِنَ الرزقَ لعباده فقال ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (١)، ثم خلق الرزق والقوت في الأرض فخص بإرادته، وقدرته بملكه، بعض من ضمن له الرزق من خلقه، ثم أوعز إلى الغنى، الذي خصه بملكه، أن يعطي الفقير قدراً معلوماً من قوته تحقيقاً لضمانه ووفاءً بعهده وتوكيلاً منه إلى الغني في أداء ما وجب عليه بفضله من ضمانه للفقير من رزقه حتى يشترك الأغنياء والفقراء في جنس الأعيان المملوكة فتكون غنم بغنم، وبقر ببقر، وإبل بإبل، وذهب بذهب، وورق بورق، وحب بحب، وتمر بتمر فيعم الاختصاص ويتحقق الاشتراك وينجز الوفاء بالعهد. مقدمة لا خلاف في وجوبها: فلا معنى للإطناب فيه وجلب الآثار عليه، وهي تجب بستة شروط: الحرية والملك، وبشرط أن يكون تاماً، والحول والنصاب ومجيء الساعي، وليس من شرطها الإِسلام, لأنه ليس في مذهب مالك، ﵁، خلاف أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وليس من شرطها البلوغ والعقل؛ لأنه لا خلاف بين المالكية أنها تجب على الصبي والمجنون. أما الحرية فاجتمعت عليها الأمة حتى نشأ بعض المبتدعة فقال إن العبد تجب عليه الزكاة (٢). قلنا: وإن كان العبد عندنا يملك فإنه ليس بملك مستقر؛ إذ لسيده انتزاعه كل يوم فلم يثبت له قِدَم لحظة فكيف أن يمر عليه الحول. فإن قيل كما لم يثبت له قِدَم في الاستقرار ويطأ جواريه عندكم كذلك يؤدي الزكاة؛ فإن إباحة الفرج أعظم.

стр. 450

الجواب إنا نقول: قف ليس هذا من كلام (١) المخالف لنا ليس من أهل القياس (٢) فلا تمكنوه أن يدخل معكم فيه فيشغب (٣) عليكم، وارجعوا معه إلى الأصل، وأما المكاتب فإنه مستغرق المال لحق السيد من الكتابة ولهذا قلنا إن المديان بقدر النصاب لا زكاة عليه. وأما الحول ومجيء الساعي فأصل ذلك بعث النبي ﷺ ، المصدقين على رأس العام (٤)، وحمل العلماء التقدير على الماشية بالنظر وذلك أنه مال يعتبر فيه النصاب فاعتبر فيه الحول، وليس فيه أثر يلتفت إليه فلا تشغلوا به بالاً، والزكاة مختصة بالأموال النامية التي هي بعرضة ذلك من النماء وهي ثلاثة أجناس: العين وتشمل الذهب والفضة، والحرث ويشمل الحب والثمرة، والماشية وهي عبارة عن ثلاثة أنواع الإبل والبقر والغنم. وقول الله ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥)، إن قلنا إن المراد به الطهارة فهو مجمل، وإن قلنا إن المراد به النماء فهو عام في كل نماء ونامي (٦) يوجب بظاهر عمومه إيتاء النماء من كل مال نامي إلا أن النبي ﷺ خصص العموم فقال "لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسِ ذوْدٍ صَدقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دونَ خَمسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ مِنَ التمْرِ صَدقةٌ" (٧). وقال أبو هُرَيْرَة، ﵁: قَالَ النبِي ﷺ : "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في فَرَسِهِ وَلَا في عَبْدِهِ صَدَقَةٌ" (٨)،

стр. 451

رواه الأئمة زاد الدارقطني "إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ" (١)، وروى علي بن أبي طالب، ﵁، معناه. قال النبي ﷺ "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالْرقيق فَأدُّوا صَدَقَةِ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أرْبَعِينَ درْهَماً" (٢)، خرجه الترمذي. واجتمعت الأمة على أن الذهب داخل في قوله خمس أواق، وإنما خص الورق في الحديث الثاني لأنه كان مالهم إنما كان التبر عندهم سلعة والمسكوك (٣) قليل وإلا فلا خلاف بين الأمة، وإنما اختلفوا في فرع من فروعه وذلك إذا اتخذ منه حلياً (٤)، وهي مسألة عويصة لأن الدليل فيها علينا أن ندَّعي إخراجها من عموم الحديث، وليس فيه أثر صحيح عن النبي ﷺ ، لا في النفي ولا في الإثبات فلا تشتغلوا بالأثار المروية فيها فإنه عناء. والمعوَّل فيها على نكتة بينَّاها في مسائل الخلاف أقواها أن النية والقصد المتعلق بالنماء والزيادة إذا أخرج المال من جنسه بسقوط الزكاة، وهو العوض، فيجب فيه إذا قصد به النماء وأخرج عن أصله من القنية لذلك العين إذا عدل بها عن جهة النماء إلى جهة القنية يخرج عن جنسها في وجوب الزكاة بسقوطها. وأما الماشية فهي الإبل والغنم والبقر، قال النبي ﷺ "مَا مِنْ صَاحِبِ إبلِ لَا يُؤَدي زَكَاتَهَا إلَّا .. وَلَا مِنْ صَاحِب بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَا ... وَلَا مِنْ صَاحِبِ غنمٍ لَا يُؤَدي زَكَاتَهَا إلَّا .. " الحديث (٥) إلى آخره.

стр. 452

وأما الحب والتمر فهما جنسان يجب الزكاة، في مذهبنا، من أنواعها في عشرين نوعاً باختلاف في ذلك بين العلماء وأهل المذهب يأتي تفصيله، إن شاء الله تعالى، جملتها أن المقتات من النبات هو الذي تتعلق به الزكاة عندنا. وقال (ح) تتعلق بالخضروات (١) لقول النبي ﷺ : "فِيمَا سَقتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بالنضحِ أوْ دَالِيَةً أوْ كَانَ عَثَرِياً (٢)، نِصْفُ الْعُشْرِ" (٣)، وهذا عام في كل ثابت مسقى سماوياً كان أو غير سماوي. الجواب أنا نقول، وهي مسألة أصولية، أن الألفاظ الموضوعة للعموم قد تأتي على قصد الخصوص، والألفاظ الموضوعة للخصوص قد تأتي على قصد العموم، وإنما يعول في ذلك على القصد. وقوله (فِيمَا سَقَتِ السمَاءُ وَفيمَا سُقِيَ بِالنضْحِ) لم يأتِ لبيان الشمول في النوعين، وإنما جاء لبيان الفرق بين مقدار الزكاة في القسمين. هذا وقال النبي ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صِدِقِةٌ" (٤)، فقضى بهذا الخاص على ذلك العام لو كان مستوفياً لبيان العموم فكيف وليس به؟ وقد قال بعض الناس معنى قوله "لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ" ليس في غير خمسة أوسق، وذكر أن (دون) قد تأتي بمعنى (غير) قال الله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ (٥) يريد من غيري (٦). وقد تبين أن المراد في هذا الحديث بقوله (دون) (أقل) بما ورد في الحديث الآخر، قال. رسول الله ﷺ : (وَلَيْسَ في حَبِّ وَلاَ تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ) (٧)؛ فعم الحب والتمر وبين أن (دون) بمعنى (أقل) وعيَّن ذلك في المقتات الذي تدعو الحاجة إليه، ويتشاح

стр. 453

الناس فيه، وتمتد الآمال نحوه وإلا فقد كانت الخضروات بالمدينة وقراها فما تعرض النبي ﷺ ، ولا أحد من الخلفاء (١) لها، وأما النصاب فلا خلاف فيه، وأما نصاب الماشية فتقدر بالنص (٢)، وأما نصاب الورق فبمثله (٣)، وأما نصاب الذهب فتقدر، بإجماع الصحابة، على حمل أحد النصابين على الآخر، والجامع بينهما أن قيمة الدينار في عهد النبي ﷺ ، عشرة دراهم حتى جاء الحسن البصري فقال: إن نصاب الذهب أربعون ديناراً (٤)، وهي دعوى لا تشبه منصبه في العلم، فإن قائلًا لو قال له في المعارضة بل نصاب الزكاة ثلاثون ديناراً لما انفكَّ عن ذلك. إذا ثبت هذا فإن النبي ﷺ ، علَّق الزكاة في العين بالورق، فإذا اتفق الناس على جريها عدداً هل تتعلق الزكاة بها فيه ولا يعتبر الوزن، أم لا بد من الوزن؟ فقال عامة الفقهاء: لا بد من الوزن؟ وقال مالك، ﵁: يعتبر العدد ويسقط الوزن إلا أن يكون النقصان يسيراً كالحبة في الدينار أو الحبتين (٥). قال

стр. 454

في كتاب محمَّد أو الثلاث (١)، وهنا ينبني على الأصل، وهو أن القياس والمصلحة هل يقدمان على العموم (٢) أم لا؟ ومذهب مالك، ﵁، أنهما يقدمان على العموم، وكذلك قال عامة الفقهاء فيلزم الغني أداء الزكاة من هذا الدينار للفقير، فإن قال الغني هو ناقص، قال الفقير يجوز عندك جواز الوازن، فكما ساويت به الغني الذي معه الدينار الوافي في وصف الغناء والقدرة على الاقتناء فكذلك تساويه في وجوب الزكاة، ولاجواب لهم عن هذا، ولا لغيرهم من العلماء، واختُلِف في المعدن هل يعتبر فيه النصاب أم لا؟ وهل تؤخذ أيضاً منه الزكاة (٣) أم لا؟ والصحيح أنه يعتبر فيها لأن ذهب داخل في عموم الحديث (٤)، ولا يعتبر فيه الحول لأنه نما بنفسه فصار بمنزلة الحرث والثمرة (٥) والله أعلم. فإن قيل المعدن وإن كان داخلاً بصفة الذهبية في الحديث المتقدم، فإنه خارج عنها بتخصيص الحديث الآخر وهو قوله (في الرِّكَازِ الْخُمُسُ) (٦)، والمعدن ركاز لأنه مأخوذ من

стр. 455

الارتكاز، وهو الثبوت والاستقرار. قلنا الذي قال (وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) أخذ من المعادن الزكاة، والركاز إنما هو مال دُفن في الأرض فصار فيها مركوزاً، وأما المعادن فإنما هي من جملة الأرض ومن أجزائها وأبعاضها حتى تخلص منها (١). تتميم: اختلف الناس هل في المال حق سوى الزكاة أم لا؟ فروي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: (في الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزكَاةِ) (٢) وتلا قول الله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٣) إلى آخر الآية .. ونزعوا بكل آية في القرآن تتضمن الإنفاق والعطاء والتصدق (٤)، والصحيح ما ذهب إليه فقهاء الأمصار

стр. 456

من أن الزكاة طُهرة للمال وكفارته لا يبقى بعدها حق فيه، وقد قال النبي، ﷺ ، للسائل عن الفرائض وفي طريق التعليم: "هَلْ عَلَى غَيْرَهُن؟ قَالَ: لَا" (١)، وهذا نص إنصاف: نحن وإن قلنا انه ليس في المال حق سوى الزكاة فإنما ذلك ابتداء فأما العوارض والطوارىء فقَد تتعين الحقوق في الأبدان بالنصرة للمظلومين ودفع الظالمين زائداً على الجهاد، وفي الأموال بإغناء المحتاجين وفكّ الأسرى من المسلمين، وقد قال مالك، ﵁: يجب على كافة الخلق أن يفكوا الأسرى ولو لم يبقَ لهم درهم (٢)، ولا خلاف بين الأمة في هذين الفصلين، فافهموا تنزيلهما واعلموا أوجه الخلاف فيهما. تقسيم واستيفاء ترتيب: أتقن مالك، ﵁، في كتاب الزكاة اتقاناً صار لجميع الخلق معياراً فهم يقتفون في ذلك أثره (٣)، ويترقون إلى درجته، وأنى لهم؛ فإنه لمّا أصل الزكاة حسن ترتيبها فبدأ بالعين الذي هو أصل الأموال ومعيار الأملاك وحقيقة الغنى فاستوفى وجوهه التي تتعلق بها الزكاة، والتي لا تتعلق من معدن وركاز وحلي، واتبع ذلك بأموال الصبيان والأموال المستفادة بالمواريث وبين حكمه إذا كان صماراً (٤)، وذكر العروض التي تجب فيها الزكاة بإنزالها منزلة العين في النية، ويين الكنز المذموم، وهو كل مال لا تؤدَّى زكاته؛ ثم عقَّب ذلك بالماشية والثمار، وهذا ترتيب بديع لمن نظره دون أن يراه لأحد ثم لحظ الشريعة لحظة أخرى أعظم من هذه الأُولى فعلم أن أموالها منقسمة إلى أربعة أقسام: الصدقة والجزية والفيء والغنيمة، فأفرد للفيء والغنيمة كتاباً، وأدخل الجزية في كتاب الزكاة لأنه مال موظف على الأبدان فصار من نوع زكاة الفطر وأشبه شيء بصدقة المال لأنها متعلقة بالبدن تعلق مالك بالمال، ثم رأى غيره أن يلحقها بالفيء والغنيمة وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى. ما لا زكاة فيه من الحلي: أدخل مالك، ﵁ حديث القاسم عن عائشة

стр. 457

رضي الله عنها أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى فلا تخرج من حليهن الزكاة (١)، ليبين بذلك بطلان الحديث المروي عن عائشة، ﵂، أنَها قَالَتْ: دخَل عليَّ رَسُولُ الله، ﷺ وفي يَدِي فتْخ (٢) وَهيَ الْخَوَاتمُ، فقالَ: مَا هذا؟ فقُلْتُ صَنعْتُهَا أتزينُ بِهَا لكَ، فَقَالَ: أَتؤَدِّينَ زَكَاتَها؟ قُلْتُ: لَا، قَال: هي حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ (٣). فبيَّن مالك، ﵁، أن هذا لو سمعته من النبي، ﷺ ، لما تركت إخراج الزكاة من هذا الحلي، وقصد بذلك أيضاً الرد على أهل العراق في أن الراوي إذا أفتى بخلاف ما رواه سقطت روايته (٤). زكاة مال الصبيان: روي عن النبي، ﷺ ، أنه حث على التجارة في أموال الصبيان

стр. 458

أولياؤهم لئلا تأكلها الصدقة (١)، ولكن عوَّل مالك، ﵁، على حديث عمر بن الخطاب، ﵁, لأنه خليفة، وكان يأمر بذلك، ولم يثبت له مخالف من الصحابة (٢)، ﵃. وقال أهل العراق: ليس في مال الصبي

стр. 459

زكاة (١)، وقد قال الله تعالى لرسوله، ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢). كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ (٣)، وقال النبي، ﷺ : "الزَكَاةُ حَق المَالِ" (٤)، فحيث ما وجد المال تؤخذ منه الزكاة كما يؤخذ منه العشر، وإن كان صبياً، فإن قيل هي عبادة ولا يتعلّق بالصبي تكليف. قلنا: وإن كانت عبادة تجوز فيها النيابة فإن تعذر إعطاء الصبي ناب عنه وليُّه. زكاة العروض: احتج مالك، ﵁، بكتاب عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة (٥) عدل وهو أصل عظيم، والذي نحققه أن الزكاة قد تقرر وجوبها في العين وتجد من الناس خلقاً كثيراً يكتسبون الأموال ويصرفونها في أنواع المعاملات وتنمى لهم بأنواع التجارات، فلو سقطت الزكاة عنهم لكان جزء من الأغنياء يخرجون عن هذه العبادة وتذهب حقوق الفقراء في تلك الجملة، وربما اتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة والاستبداد بالأموال دون الفقراء، فاقتضت المصلحة العامة، والأمانة الكلية في حفظ الشريعة ومراعاة الحقوق، أن توخذ الزكاة من هذه الأموال إذا قصد بها النماء.

стр. 460

باب الكنز أدخل مالك ﵁ حديث ابن عمر أنه المال الذي لا تؤدى زكاته (١) وصدق لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) فاختلف الناس هل هذة الآية عامة في كل نفقة أو مخصوصة بالزكاة؟ (٣) وقد بيَّنَّا أن الكنز
следующие страницы →